عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 19-02-2010, 07:23 PM
<*papillon*> <*papillon*> غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: May 2002
المشاركات: 4,100
افتراضي

اهلا بالرفيقة الغالية صبا
شكرا لاعطاءك لموضوعي وقتا كبيرا حتى تمري على كل حرف وسطر
ملاحظتك جيدة غاليتي حيث أن الأدب في المغرب مختلف نوعا ما عبر الأزمة
حيث اصفه بالبورصة له عوامل ومؤثرات تجعل مرة سهم النقد مرتفع ومرة أخرى تحط من عزيمة أصحابه
حيث يظهر بعض التخبط بين الأفكار والأهداف.

ولكي تتضح الصورة وجدت هذا البحث للدكتور عبد الواحد المرابط
والذي يناقش من خلاله نشأة النقد الحديث في المغرب من كل جوانبه

بواكير النقد المغربي الحديث

تمثلت بواكير النقد الأدبي الحديث بالمغرب، في مجموعة من الدراسات الماهدة والرائدة، التي اعتمدت رؤية تاريخية جعلتها تُنَسِّب الأدب المدروس إلى زمنه، وتنظر إليه انطلاقا من بيئته ومحيطه الاجتماعي ومرحلته التاريخية. وبتعبير آخر، فإن الدراسات الأدبية المؤسِّسة للنقد المغربي الحديث هي تلك التي اعتمدت المنهج التاريخي في تناولها للأدب، فعملت على تأريخ الأدب المغربي ورسم مراحل تطوره عبر الزمن، سواء باعتماد التحقيب السياسي المبني على تعاقب الأسر الحاكمة في تاريخ المغرب، أو بالارتكاز على التأثيرات والتأثرات الفكرية والفنية، أو بالاستناد إلى البيوغرافيات وترجمات المؤلفين وفق مواقعهم من الزمن.

وقد تجسدت هذه البواكير النقدية في مجموعة من المؤلفات التي نشِرت على شكل كتب مصنفة، كما تجسدت أيضا في العديد من المقالات التي نشرتها الصحف والمجلات طيلة النصف الأول من القرن العشرين([1]). هذا فضلا عن المسامرات والمحاضرات والمطارحات الأدبية التي كانت تشهدها المجالس والأندية الأدبية في تلك الفترة. غير أن إشاراتنا ستقتصر على أبرز الكتب المصنفة التي مثلت تلك البواكير، والتي رسمت- بما فيه الكفاية- أرضيةَ النقد المغربي الحديث و منطلقاته العلمية والمنهجية:



1.2- كتاب “فواصل الجمان…” لمؤلفه محمد غريط

كتب محمد غريط (1298-1362هـ/1881-1945م) كتابه “فواصل الجمان في أنباء وزراء وكتاب الزمان” منذ سنة 1332هـ/ 1912م، لكنه لم ينشره إلا عام: 1346هـ/1925م([2]). ويقع هذا الكتاب في 312 صفحة، حيث يشمل «كلمة الناشر» عبد العزيز بوطالب، و«الإهداء» و« الديباجة» (ص.1-6)، يليها قسمان كبيران: قسم أول بعنوان « في أخبار الوزراء، وما وقع لبعضهم من تعظيم وإزراء»(ص.7-141)؛ وقسم ثان بعنوان: «في أخبار الكتاب وما صدر لجلهم من إعزاز وإعتاب» (ص.142–306). وقد خُتم الكتاب بـ«فهرسة» (ص.307-310) وجدول يستدرك فيه المؤلف الأخطاء المطبعية (ص.311– 312).

خص غريط القسم الأول من هذا الكتاب بالحديث عن أخبار الوزراء المغاربة منذ أواسط القرن الثالث عشر الهجري (النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي) إلى بداية القرن العشرين الميلادي (أواسط القرن الرابع عشر الهجري)، وذلك بأن ذكر لكل منهم اسمه الكامل وعائلته وصفته والوظائف التي شغلها وكتبه وأشعاره وأخباره وسنة وفاته. وكان عند حديثه عن معظم هؤلاء الوزراء يسوق بعض أشعارهم ويربطها بوقائع من حياتهم الشخصية والاجتماعية وبالحياة السياسية العامة.

أما القسم الثاني فقد خصه غريط بذكر أخبار الكُتـَّاب، حيث ذكر لكل منهم اسمه وأسرته وأشعاره وأخباره، حسب علاقته بالسلطان وبالحياة السياسية، مع نماذج من شعره وأدبه. وقد كان في كل ذلك منضبطا لمنهج واحد ومعتمدا على خطة واحدة يكررها عند تناوله لكل كاتب على حدة.

يمكن لقارئ هذا الكتاب أن يلاحظ كيف أن محمد غريط يقرن بوضوح بين الأدب والتاريخ، حيث ينظر إلى التاريخ من خلال الأدباء، كما ينظر إلى الأدباء من خلال التاريخ. فمنذ كلمة «الإهداء» في أول الكتاب، نجده يقول: «… فإنني منذ ألفت كتاب “فواصل الجمان في أنباء وزراء وكتاب الزمان” وأنا أقدم رجلا وأأخر [أؤخر] أخرى، وأتردد بين نشره أو تركه مطويا في قشره، وإن كان نشره أحرى، إلى أن رأيت الأدب والتاريخ آخذين حظهما من الاحتفاء، ظافرين بعد ضعفهما بالسفهاء، مقدورين حق قدرهما، نائلين قرة عينهما وشرح صدرهما… »([3]).

فإذا كانت عبارات غريط هذه تؤكد أن تأليف الكتاب قد سبق نشره بسنوات عديدة، فهي فضلا عن ذلك تؤكد مسألة أخرى أكثر أهمية وأعمق دلالة، وهي اقتران النظر إلى الأدب بالتاريخ وعلاقة ذلك ببداية النقد المغربي الحديث. إن غريط بحيرته التي أشار إليها، والتي جعلته يؤخر نشر كتابه أكثر من عقد من الزمن، قد رسم الحالة التي كان عليها النقد المغربي في بدايات القرن العشرين، حيث كانت تتجاذبه المقاربات البلاغية التقليدية من جهة وإرهاصات النقد الحديث ذي الرؤية التاريخية من جهة أخرى. فلم يخرج غريط من حيرته تلك إلا حين رأى الأدب والتاريخ قد اقترنا فما بينهما وعلا شأنهما وظفرا «بعد ضعفهما بالسفهاء» .

نفهم مما قاله المؤلف هنا أن زمن البلاغة في النقد كان قد بدأ ينحصر ويتراجع لصالح زمن التاريخ. أي أن الفترة التي عاشها غريط وكتب فيها كتابه هي فترة انتقال طويلة وعسيرة من النقد التقليدي ذي الرؤية البلاغية المعيارية إلى النقد الحديث ذي الرؤية التاريخية النسبية. كما نفهم أيضا أن كتاب “فواصل الجمان…” ينحو منحى تأريخا قائما على ارتباط الأدب بالتاريخ، مما يجعله كتابا رائدا في هذا الاتجاه.

وقد دعا المؤلف في “الديباجة” إلى تأكيد هذا المنحى التأريخي، حيث رأى أن « فن التاريخ مما لا يحتاج إلى دليل، على ماله من النفع الجليل…»، وأن « لكل زمن رجال »، «عمرت بهم أندية الأدب وازدهرت بهم وجوه الرتب…» (ص.2–6). فالأدب مرتبط بالرجال، والرجال مرتبطون بالزمان، والزمان هو لحمة التاريخ.

ربط غريط إذن بين الأدب والتاريخ. والتاريخ المقصود عنده هو التاريخ السياسي بالدرجة الأولى، إذ يعتبره أرضية للشعر وللحياة الأدبية عموما؛ وهذا ما يفسر تخصيصه القسم الأول للحديث عن الوزراء أولا، والقسم الثاني بعده للحديث عن الكتاب. فالأحداث السياسية والتاريخية هي الإطار الذي ينبني ضمنه تاريخ الشعر والأدب، حيث لا يجد الشعر أو النثر تفسيره ولا معناه إلا بالنظر إلى شخصية كاتبه وموقعها من الأحداث التاريخية التي عاشتها والوقائع التي باشرتها أو دارت في فلكها.

غير أن المؤلف، سواء في حديثه عن الوزراء أو في ذكره للكتاب يركز على القيمة الأدبية لكل منهم، وذلك على أساس أن معظم الوزراء هم كتاب وشعراء. بل إنه في القسم الأول، المخصص للوزراء، يمعن في الحديث عن جوانبهم الأدبية وإنتاجاتهم الشعرية؛ وفي القسم الثاني اٍلمخصص للكتاب والشعراء، نراه – بالمقابل – يمعن في سرد الأحداث التاريخية.

ولاشك أن هذه الازدواجية – الملحوظة في القسم الأول والثاني من كتاب غريط – ناتجة عن نزعته التأريخية واقتناعه بالارتباط والتلازم بين الأدب والتاريخ، وهو الاقتناع الذي دفعه إلى التركيز على المعطيات الأدبية في مقام الحديث عن الشخصيات السياسية (الوزراء)، والى الإسراف في سرد الأحداث السياسية والمعطيات التاريخية في مقام الحديث عن الكتاب والأدباء والشعراء

وأكثر من ذلك، فقد دفعته نزعتـُه التأريخية إلى وضع عناوين فرعية ومحاور خاصة بالأحداث التاريخية، ومن ذلك ما جاء تحت العنوانين التاليين:

- «بداية بوحمارة ونهايته» (ص.110 وما بعدها)؛

- «تنازل مولاي عبد الحفيظ عن الملك» (ص. 140 وما بعدها).

وفضلا عن ذلك، هناك موضوعات تاريخية أخرى عديدة خاض فيها محمد غريط دون أن يضع لها عناوين مخصوصة، ومن تلك الموضوعات ثورة الجيلالي المعجاز(ص.73)، وثورة أبي عزة الهبري(ص.76)، وثورة مبارك بن الطاهر ابن سليمان الرحماني(ص.84)، وحادثة الدار البيضاء(ص.101)، وواقعة مراكش(ص.102)، ومبايعة القبائل الحوزية للسلطان عبد الحفيظ (ص.103)، ومبايعة أهل فاس للسلطان عبد الحفيظ(ص.103)، وانكسار محلة السلطان عبد العزيز(ص.106)، وثورة الشراردة والبرابر(ص.125)، وثورة عسكر التنظيم(ص.135)، وغير ذلك…

وخلاصة الأمر أن القسم الأول من “فواصل الجمان…” مخصص للتاريخ السياسي، لكنه منظور إليه من زاوية أدبية، بينما القسم الثاني مخصص للتاريخ الأدبي، لكنه منظور إليه من زاوية سياسية؛ وبذلك يتكامل الأدب والسياسة في مشروع محمد غريط الرائد على أرضية التاريخ.

2.2- كتاب” مسامرة أدبية ” لمؤلفه عبد الله بن عباس القباج

هذا الكتاب هو في الأصل عبارة عن مسامرة ألقاها الشاعر الأديب والناقد عبد الله بن عباس القباج (تـ.1334هـ/1915م) بنادي المسامرات في المدرسة العليا بالرباط، تحت عنوان:”الشعر والشعراء” سنة 1922م، فطـُبعت بالمطبعة الرسمية لحكومة الحماية، بنفس المدينة وفي نفس السنة([4]).

وقد قدم لهذه المسامرة في طبعتها المذكورة- التي استوعبت 52 صحفة – بما كان قد كتب عنها السيد علي الطرابلسي في جريدة “السعادة” – وهو رئيس تحريرها آنذاك – بعدد 2473 الصادر في 11 جمادى الثانية عام: 1341هـ/1922م، تحت عنوان “نادي المسامرات”. ومما جاء في كلمة الطرابلسي أنها «مسامرة مفيدة ألقاها صديقنا ومساعدنا الشاعر المطبوع الفقيه الحاج عبد الله القباج، وكان موضوعها (الشعر والشعراء) فقضينا ساعة من ألذ ساعات العمر…»(ص.8).

أما متن المسامرة فقد جاء مسترسلا دون فصول أو أقسام، بدأه المؤلف بالحديث عن العلوم، فقسمها إلا ثلاثة أصناف: علوم نافعة في الدنيا والدين، وهي العلوم الشرعية (الأصلية منها والفرعية)؛ وعلوم نافعة في الدين فقط، وهي تشمل كل ما يتعلق بمعرفة الله؛ ثم علوم نافعة في الدنيا فقط، وهي العلوم الحديثة، ومنها «علوم الأدب الإثنا عشر التي أحدها فن الشعر» موضوع هذا المسامرة(ص.8).

ثم انتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن الشعر وأهميته وحظوته لدى النبي محمدۖ وأصحابه وذريته ولدى الخلفاء الراشدين وبعض القضاة، وصولا إلى الأئمة وعلماء المسلمين (ص.8-9)؛ ثم استغرق بعد ذلك في الحديث عن مفهوم الشاعر ومفهوم الشعر، مبرزا الفرق بين النظم والشعر وأهمية كل منهما (ص.10–12).

انطلاقا مما سبق يتضح أن هذا الكتاب، بما قدمه من تصورات، لا يخرج عن منظومة النقد العربي القديم ذي الرؤية البلاغية التقليدية، وهذا ما جعلنا نشير إليه ضمن المحور المتعلق بالاتجاه البلاغي المتأخر؛ غير أننا نستدعيه هنا أيضا، ضمن بواكير النقد المغربي الحديث، لأنه بعد أن استنفذ الحديث عن مفهوم الشعر والفروق بينه وبين النظم انتقل إلى إجراءات تحقيبية أعطت لعمله طابعا تأريخيا، وجعلته ينخرط – إلى حد ما – في المنظور الزمني النسبي الذي كان آنذاك قد بدأ يفرض نفسه في الدراسات الأدبية المغربية كما رأينا عند محمد غريط.

لقد اعتمد عبد الله القباج فكرة الطبقات، فقسم الشعراء العرب أربعة أقسام: قِسم الجاهليين وقسم المخضرمين وقسم المولدين وقسم المحدثين؛ ثم ذهب إلى أن لكل قسم طبقات مشهورة، وأن التمايز بين الشعراء المحدثين داخل القسم الواحد – وحتى داخل الطبقة الواحدة – لا يمكن أن يكون عن طريق المفاضلة، لأن لكل منهم مزية يمتاز بها لا توجد عند غيره. قال القباج: «والشعراء كما لا يخفى أربعة أقسام: جاهليون ومخضرمون ومولدون ومحدثون، وفي كل قسم طبقات مشهورة، وفي الكتب والمؤلفات مذكورة»، «غير أن التفضيل بين المجيدين منهم على وجه القطع واليقين لا يمكن بحال لأن لكل شاعر من المجيدين مزية يمتاز بها فيه شعره، ربما لا تتفق لغيره من الشعراء» (ص. 12).

لقد حاول القباج هنا أن يبعث تصورات تأريخة كانت قد تبلورت منذ نشأة النقد العربي القديم، وخصوصا منها مفهوم الطبقات عند ابن سلام الجمحي في القرن الثاني الهجري، لكنها بعد ذلك توارت وتراجعت في ظل هيمنة المقاربة اللغوية البلاغية. وبذلك فقد سجل هذا الشاعر والناقد التقليدي حضوره في نشأة النقد التاريخي المغربي، وإن كان ذلك بإحياء مفاهيم تأريخية قديمة حول الأدب.

3.2- كتاب “تاريخ الشعر والشعراء بفاس” لمؤلفه أحمد النميشي

هذا الكتاب في أصله عبارة عن مسامرة ألقاها العلامة، خرِّيج القرويين، الشاعر والناقد والباحث أحمد النميشي (1308هـ-1890م/1387هـ-1967م) بنادي المسامرات في المدرسة الثانوية بفاس، مساء يوم الأربعاء جمادى الأولى عام 1343هـ، الموافق لـ 17 دجنبر 1924. وقد طبع في 114 صفحة، بمطبعة أندري (André) بنفس المدينة وفي نفس السنة ([5]).

لم يضع أحمد النمشي لكتابه عناوين فرعية تقسمه أبوابا أو فصولا، وذلك لأنه – كما أشرنا – كان عبارة عن محاضرة ألقيت شفويا، فتـُركت على حالها عندما طُبعت؛ لكن مع ذلك يمكن للقارئ أن يتبين فيها قسمين كبيرين يتقدمها تقديم وتدبيج وتعقبهما خاتمة وكلمة بمناسبة طبع المسامرة.

في كل من التقديم والديباجة حدد المؤلف موضوع مسامرته/كتابه، وهو- على حد قوله – « تاريخ الشعر والشعراء بفاس منذ أُسِّست إلى يومنا هذا» (ص.7). وفي معرض ذلك أشار إلى أهمية حفظ اللغة وتاريخها وأدبها، وإلى ما بلغته الأمة العربية في هذا الشأن، مومئا إلى تأخر نهضة المغرب الأدبية عن نهضة تلك الأمة ب «مئات السنين» (ص. 8–10).

أما القسم الأول فقد خصَّه النميشي بالحديث عن تاريخ الشعر العربي في المغرب عموما، منذ مجيء الإسلام إلى بدايات القرن العشرين. وقد تتبع في هذا القسم الحياة الشعرية (والأدبية) تتبعا زمنيا، وذلك بحسب تعاقب الدول وتداول الملوك على امتداد تاريخ المغرب، بدءا بالفتح الإسلامي والعبيديين وآل العافية والمرابطين، إلى الموحدين ثم المرينيين والوطاسيين والسعديين فالعلويين.(ص.10–40)

وأما القسم الثاني فقد خصَّه المؤلف بالحديث عن تاريخ الشعر والشعراء بمدينة فاس على وجه التحديد، وذلك منذ تأسيسها إلى بداية القرن العشرين. وقد ترجم النمييشي في هذا القسم لـ 197 شاعر، بدءا بإدريس الثاني، وصولا إلى الشعراء المعاصرين له (أي للمؤلف).

وأما الخاتمة فقدم فيها النميشي الشكر لمن حضروا واستمعوا لمسامرته، كما قدم فيها شكرا خاصا للملك «يوسف» و«لمعاونيه رجال الحماية ولمدير النادي العالم النشيط المسيو مارتي»(ص.112).

نجد في كتاب النميشي هذا أول محاولة واعية لكتابة تاريخ الشعر المغربي عموما، والفاسي خصوصا. فالمؤلف قد حدد هذا الموضوع بوضوح حين قال:«… موضوع مسامرتي اليوم هو تاريخ الشعر والشعراء بفاس…» (ص.7)، ثم كرر ذلك بقوله: «… تقدمت الإشارة إلى أنني جعلت موضوع هذه المسامرة هو تاريخ الشعر والشعراء بهذه العاصمة الفاسية» (ص.8). والأكثر من ذلك أن النميشي كان واعيا بريادته لهذا المجال، لذلك نجده عند نهاية القسم الأول يقول: «قد وضعت اللبنة الأولى في أساس تاريخ الشعر، فعسى أن يأتي من هو أغزر مني مادة وأكثر اطلاعا فيُشيِّد صرحه الشامخ، وما ذلك على من يقدر خدمة وطنه حق قدرها بعزيز» (ص.40).

ورغم أن عنوان الكتاب وما ورد في مقدمته، كل ذلك يركز على تاريخ الشعر والشعراء بمدينة فاس، إلا أن النميشي في الحقيقة يقدم مجهودين في التاريخ، يشكل أولهما إطارا للثاني: المجهود الأول يتعلق بتاريخ الشعر المغربي عامة، حيث يورد الأخبار المتعلقة بالشعراء ونتفا من أشعارهم وفق الوقائع والعصور السياسية المغربية، وينتهي الى القول التالي: «سادتي هذه أطوار الشعر وتقلباته بهذا القطر الذي تقلنا أرضه وتظللنا سماؤه، أتيت بها كفذلكة تاريخية له مستنتجا ذلك من ثنايا كتب التاريخ التي تحفظ للمحسن إحسانه وتسجل على المسيء إساءته…» (ص.40). أما المجهود الثاني فيتعلق بتاريخ الشعر والشعراء بفاس، حيث أورد المؤلف معطيات هذا الموضوع في ضوء التاريخ وفي ارتباط بالمعطيات الشعرية والأدبية العامة التي استحضرها في القسم الأول؛ لذلك بدأ قسمه الثاني بالقول:«وقد آن لي بعد هذا أن أرجع القهقرى وأشرع في تراجم الشعراء الذين نبغوا بهذه العاصمة الفاسية…» (ص40).

وتجدر الإشارة إلى أن النميشي، في القسم الأول المتعلق بتاريخ الشعر المغربي، قد اعتمد العصور السياسية خلفية ً لعصور الشعر والشعراء. فقد بدأ بالإشارة إلى «الفتح الإسلامي» (ص.10)، ثم ساق معطيات عن تاريخ المغرب زمن العبيديين ثم زمن آل أبي العافية وبعدهم دولة زناتة ثم المملكة اللمتونية المرابطية (ص.10-11)؛ فلاحظ أن هذه الدول والممالك المذكورة قد انشغلت بالحروب والوقائع ولم تهتم كثيرا بالأدب (ص.11). وبناء على ذلك ذهب النميشي إلى أن الأدب والشعر في المغرب لم يبدأ إلا بظهور الدولة الموحدية، التي « أنهضت جواد الأدب من كبوته وأقالته من عثرته»، والتي «بظهورها أوائل المائة السادسة يبتدئ تاريخ الأدب والشعر بالمغرب»، على حد قوله.

ولأن المؤلف اعتبر العصر الموحدي بداية الشعر والأدب العربي في المغرب، فقد ركز حديثه أولا عن المهدي بن تومرت باعتباره زعيما سياسيا ومثقفا وشاعرا متشبعا بالثقافة والشعر العربيين (ص.12–13)؛ ثم انتقل بعد ذلك إلى الحديث عن خلفه عبد المومن بن علي وما عُرف به من اهتمام بالشعر والشعراء؛ ثم تحدث عن باقي سلاطين الموحدين، لينتقل بعد ذلك إلى دولة بني مرين، ثم الوطاسيين ثم السعديين فالعلويين. وقد كان النميشي في ذكره لكل ملك من ملوك هذه الدول، يشير إلى الشعراء الذين تحلقوا به فيسوق نتفا من أشعارهم وشيئا من أخبارهم.

إن الأساس المعتمد في هذا القسم الأول من الكتاب إذن هو التحقيب السياسي، الذي اتخذه النميشي أرضية للحديث عن الشعراء ولاستقاء أشعارهم. بل إنه لا يذكر شاعرا ما ولا شعره حتى يكون قد ذكر السياق التاريخي الذي ظهر فيه والملك أو السلطان الذي ارتبط به أواستظل بظله.

أما في القسم الثاني، المتعلق بتاريخ الشعر والشعراء بفاس، فإن النميشي قد اعتمد مقاربة الترجمة الحياتية، حيث ترجم لـ 197 شاعر من مدينة فاس، مبتدئا بمؤسسها إدريس الثاني، ليصل إلى شعراء بداية القرن العشرين، ومنهم الهادي السلاوي وعبد السلام بن عمر العلوي ومحمد فتحي وغيرهم.

وكما أشار المؤلف في مقدمة هذا القسم الثاني، فقد اقتصر عند ترجمته لكل من هؤلاء الشعراء على ذكر «اسم الشاعر وتاريخ وفاته ونتفة يسيرة من شعره»، وبذلك فالأساس المعتمد في هذا القسم هو الترجمة الحياتية، “لكنها مع ذلك قائمة ” على أرضية العصور الأدبية المبسوطة في القسم الأول.

إن أحمد النميشي – بهذا الكتاب/المسامرة- حقيق بأن يعتبر رائدا من رواد للنقد الأدبي المغربي الحديث، لأنه يشكل علامة فارقة بين نقد بلاغي تقليدي متأخر، وبين نقد حديث يعتمد المنهج التاريخي، ويضطلع فضلا عن ذلك بمشروع تاريخ الشعر المغربي، وضمنه تاريخ الشعر الفاسي؛ وهذا ما يجعله محطة أساسية في نشأة النقد المغربي الحديث عموما.

4.2- كتاب “الأدب العربي في المغرب الأقصى” لمؤلفه محمد بن العباس القباج

ألف محمد القباج هذا الكتاب سنة: 1347هـ/1929م، ونشره في نفس السنة بالرباط([6]). وهو يقع في 221 صفحة موزعة على جزأين متتابعين، تتصدرهما مقدمة وتليهما خاتمة، ثم فهرس للمحتويات في الأخير. (ص.215–121)

في المقدمة حدد المؤلف طبيعة كتابه وموضوعه والغاية من تأليفه، مشيرا إلى ما اعتمد فيه من طرق وأدوات منهجية (ص.5–7). وفي الجزء الأول استعرض 16 شاعرا وأديبا، ذكر لكل منهم ترجمته وبعضا من شعره (ص. 9 – 114)؛ وكذلك فعل في الجزء الثاني حيث استعرض 11 شاعرا وأديبا (ص.119–212). أما في الخاتمة، فقد ذكر ما اعترضه من صعوبات في تأليف الجزأين المجموعين في هذا الكتاب، وما يمكن أن يكون عليه الجزء الثالث الذي كان ينوي إصداره في كتاب مستقل (ص.213).

لقد كان هدف محمد القباج في هذا الكتاب هو تقديم صورة صادقة عن الشعر المغربي خلال أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وذلك من خلال استعراض تراجم شعراء هذه الحقبة، ومنتخبات من شعرهم. وقد حرص المؤلف على تدقيق موضوع كتابه والغاية من تأليفه، حيث قال إنه «تأليف يضم بين دفتيه تراجم شعرائنا ومنتخبات من شعرهم ليعطي لكل قارئ صورة صادقة من الشعر المغربي ويفيد كل باحث في الأمة المغربية مبلغ تدرج الأدب فيها وطرق تفكير شعرائها» (ص. 5) . بل إن المؤلف قد أمعن في حصر غايته وتوضيحها، بأن قال مخاطبا القارئ: «… فإذا طالعت أيها القارئ الكريم هذا السفر وعلمت منه أسماء بعض شعرائنا وعرفت مطروقاتهم المختلفة ومتجهاتهم وأدركت مقدرة كل واحد منهم والمرتبة التي يشعلها في عالم الأدب، مع صورة صغيرة عن حياته، فإن ذلك هو غايتي من تأليف هذا الكتاب»(ص. 7).

يتضح إذن أن هذا الكتاب يدخل في باب التأريخ للشعر المغربي الحديث (بالنسبة للمؤلف)، متوسلا في ذلك بتسليط الضوء على حياة الشعراء وباستقاء مقاطع من أشعارهم. فمن أهداف المؤلف المذكورة ما له علاقة بـ «تطور الأدب»، ومنها ماله علاقة بـ « تصنيف الذهنيات»، كما أن منها ما يتعلق بـ «اللوحة الأدبية»؛ وهي كلها محاور ومناحي ذات أصول نجدها في المنهج التاريخي – مثلا- عند النقاد الفرنسيين سانت- بوف وطين ولانسون، كما نجدها لدى الرواد المشارقة).

ويتأكد وجود هذا الوعي التاريخي لدى المؤلف حين نجده – في المقدمة نفسها – يقسم الشعراء المغاربة الذين يشكلون موضوع كتابه الى ثلاث طبقات توازي ثلاثة أجيال: الطبقة الأولى هي طبقة «الأدباء الكبار»، الذين «يمثلون أدب الماضي بطلاوته وجناساته وأمداحه وتغزلاته» (ص.6)؛ والطبقة الثانية هي طبقة «المخضرمين» الذين نالوا من أدب الماضي أوفى نصيب وأكبر حظ وأخذوا من الأدب الحديث بعض معانيه، ومقاصده» (ص.6)، أما الطبقة الثالثة فهي«الطبقة المعاصرة»، التي «تربت وتثقفت في عصر تحلق فيه الطيارات في الأجواء وتخترق فيه السيارات شاسع الأطراف وتعبر آلة البخار والكهرباء أغلب البقاع وتشاهد ما تـُخرجه العقول من الإبداع والاختراع، فجاءت أفكارها مطابقة لروح العصر مناسِبة لرقيه وحضارته نوعا ما» (ص.7).

وقد جعل المؤلف هذا التحقيب المبني على الطبقات والأجيال ينعكس على تصميم كتابه ومنهجه، حيث ارتأى أن يصنفه بشكل تكون فيه الطبقات الثلاث «متناسقة تأخذ بعضها برقاب بعض، وإن لم يكن ذلك واضحا أتم الوضوح بين الطبقتين الأوليين..» (ص.7).

وكان القباج في منهجه التحقيبي هذا مؤمنا أيضا بالعلاقة بين الأدب والأدباء من جهة وبين هؤلاء ومحيطهم وبيئتهم من جهة أخرى، وذلك في سياق الحقبة التاريخية التي تنتمي إليها كل طبقة وكل جيل من الشعراء. ومما قال في هذا الصدد: «وهكذا ينبغي أن يفهم أدبنا ويدرسه من أراد ذلك فيدرس أدب كل طبقة في محيطها ووسطها ويعرف كيف ينتقد انتقادا صحيحا نزيها» (ص. 7).

ورغم أن المؤلف لم يقدم دراسة تستوفي جميع هذه الشروط التي حددها، إلا أنه مع ذلك قد وضع الأساس المنهجي ورسم اتجاه المقاربة ومداها وأهدافها، معتذرا بكثرة أشغاله، إذ قال: «… كنت أود أن أنهض بهذا العبء وأمزج هذا الكتاب بالنقد، لكن لوفور ما عندي من الأشغال وضيق الوقت تأخرت عن ذلك وتراجعت عن كل ما كنت أريد، وحسبي الآن أن أقدم للناطقين بالضاد من أبناء قومي ثمرة مجهودي منذ سنتين مجردا عن كل نقد. وعسى أن أكون قد قمت ببعض ما يجب علي نحو الشعب وأدبه»(ص.7)

وإذا كان محمد القباج قد تخلى عن الجانب النقدي، أي معالجة النصوص وربطها بمحيط كتابها وببيئاتهم، إلا أنه حقق الهدف نفسه في إطار تأريخ الأدب، وهو التأريخ الذي يقوم عنده على أساس المقاربة الترجمية القائمة بدورها على مفهوم «الطبقة»، الذي هو مفهوم نقدي بقدر ما هو تاريخي.

5.2-”النبوغ المغربي في الأدب العربي” لمؤلفه عبد الله ﯕنون

كتب عبد الله ﯕنون (1326- 1409هـ/ 1908- 1989م) هذا الكتاب ونشره سنة 1357هـ/ 1938م، بالمطبعة المهدية في تطوان([7]). وهو يقع- حسب طبعته التي نعتمدها هنا- في ثلاثة أجزاء ضمن كتاب/ مجلد واحد يستوعب 974 صفحة.

وقد قسم المؤلف كتابه إلى مقدمات وثلاثة أجزاء، إذ خصص الجزء الأول لـ«الدراسة» (ص.35- 317)، وخصص الجزء الثاني لـ«المنتخبات النثرية» (ص.631-943)، بينما خصص الجزء الثالث لـ«المختارات الشعرية»(ص.631-1943)، ليختم ذلك كله بلائحة تضم مصادر الكتاب (ص.945- 961) ثم فهرس لمحتوياته (ص.963- 974).

أما المقدمات فقد تشكلت مما يلي:

- مقدمة الطبعة الثانية (ص.5- 13).

- عرض وتحليل بقلم شكيب أرسلان، كتبه سنة1361هـ (ص.17- 24).

- «أول تقريض» بقلم محمد اليمني الناصري، سنة 1357 هـ (ص.27- 28).

- مقدمة الطبعة الأولى بقلم المؤلف (ص.31- 33).

منذ السطور الأولى من مقدمة الطبعة الأولى للكتاب، بادر عبد الله ﯕنون إلى تحديد موضوعه والإطار الذي يشتغل ضمنه والأهداف التي يتوخاها؛ فقد أشار أولا إلى أن كتابه يجمع «بين العلم والأدب والتاريخ والسياسة»، وأنه جمع بين هذه العناصر من أجل «تصوير الحياة الفكرية لوطننا المغرب وتطورها في العصور المختلفة من لدن قدوم الفاتح الأول إلى قريب من وقتنا هذا» (ص.31).

وبهذا التحديد جعل ﯕنون كتابه يتحدث عن السياسة واتجاهاتها حسب الدول المتعاقبة في تاريخ المغرب، كما يتحدث عن الحركة العلمية التي عرفتها كل مرحلة، وفي إطار ذلك يتحدث عن الحركة الأدبية وتراجم الشعراء والأدباء عوما؛ وهذا ما جعل منه موسوعة تاريخية تفيد المؤرخ بقدر ما تفيد الناقد الأدبي ومؤرخ الأدب.

غير أن المؤلف كان أيضا – ومنذ البداية – على وعي بضرورة تحديد الخيط الناظم لكتابه، أي المحور الأساس الذي يستقطب جميع العناصر الأخرى، وهذا المحور هو «الأدب». قال ﯕنون: «والأدب لا نقول إنه الروح المتغلغلة فيه [أي في الكتاب] والحلة التي يبدو فيها للناس، بل نقول إننا ما تعرضنا لغيره من الأبحاث الأخرى إلا لنربط حلقات البحث الموصِل إلى اكتناه حقيقة ماضينا الأدبي وتجليته على منصة العروس ليشاهده من كان يجادل فيه، ومن ثم كان اسم هذا الكتاب (النبوغ المغربي في الأدب العربي)» (ص.31).

يتعلق الأمر إذاً بتأريخ الأدب العربي المغربي في إطار التاريخ السياسي وضمن تطور الحياة العلمية المغربية عبر العصور.

وقد عمل ﯕنون على تطبيق مشروعه التاريخي هذا في الجزء الأول من الكتاب، وذلك بأن بسط الأدب العربي المغربي وفق خمسة عصور سياسية هي:

- «عصر الفتوح»، ويعني بها الفتوحات الإسلامية الأولى وفتح إدريس الأول؛

- «عصر الموحدين»، وضمنه تحدث عن «عصر المرابطين»؛

- «عصر المرينيين»، وضمنه تحدث عن “عصر الوطاسيين”؛

- «عصر السعديين»؛

- «عصر العلويين».

وفي تناوله لكل عصر من هذه العصور، يبدأ بتقديم المعطيات التاريخية المتمثلة في الأحداث والوقائع وقيام الدولة، ليتحدث بعد ذلك عن علاقة تلك الدولة بالثقافة والأدب، ثم يجعل ذلك مدخلا للحديث عن الحركة العلمية والأدبية في ذلك العصر، مُترجـِما لأهم كُتابها وشعرائها. ويمكن أن يتبين هذا التنظيم المنهجي بإلقاء نظرة على محاور عصرين ننقلها هنا للتوضيح:

* عصر المرابطين: (ص.55 وما بعدها)

- سياسة الجامعة الإسلامية؛

- يوسف والمعتضد؛

- الحياة الفكرية في هذا العصر؛

- رعاية المرابطين للأدب وأهله؛

- تراجم بعض الشخصيات من هذا العصر؛

- تسمية بعض الكتب المؤلفة في هذا العصر.

* عصر الموحدين: (ص.97 ما بعدها)

- انقلاب؛

- توحيد المغرب العربي؛

- الدولة والثقافة العربية؛

- الحركة العلمية؛

- الهيئة العلمية وآ ثارها؛

- الحياة الأدبية.

يتضح من خلال هذين النموذجين أن المؤلف يتخذ من الوقائع السياسية والتاريخية أرضية للحديث عن الوقائع الأدبية والشخصيات الأدبية، وهو في ذلك كله يُحَقـِّب الأدب وفق المعيار السياسي دون غيره من المعايير.

بعد أن بسط عبد الله ﯕنون تصوره لتاريخ الأدب بسطا تطبيقيا في الجزء الأول، خصَّص الجزء الثاني لإيراد منتخبات من الأدب المنثور لأدباء سبق ذكرهم في الجزء الأول، ثم خصص الجزء الثالث لإيراد منتخبات شعرية حتى تكتمل الصورة التي رسمها الجزء الأول. وقد مهد للجزأين معا بقوله: «وهنا نحن نقدم للقارئ الأديب تلك الآثار والمنتخبات البديعة، مقسمين لها على قسمين، قسم المنثور (…) وقسم المنظوم(…)، مبوبين كل قسم أبوابا بحسب أغراضه وفنونه، غير معترضين بشرح أو بيان إلا للغريب الغامض الذي لا يسهل فهمه على كل الناس، وذلك رغبة في الإيجاز وعدم التشويش على المطالعين» (ص.326).

وقد بدأ الجزء الثاني بالأدب المنثور لأنه- في رأيه- أصل الكلام، وداخل هذا الجزء بدأ بالخطب «لأنها أول المحفوظ من نثر العرب»، ثم المناظرات «لمزيد شبهها بالخطب في الأسلوب والغرض»، ثم الرسائل «وهي أهم أغراض النثر»، ثم المقامات «وهي قصص قصيرة تُكتـَب بأسلوب أدبي مسجوع، وتشتمل على إفادات وإنشادات»، ثم المحاضرات «وهي من موضوع المقامات لاشتمالها مثلها على القصة والفائدة»، ثم المقالات «وهو باب جديد في الأدب العربي» (ص.326).

فالمؤلف إذاً قد رتب المختارات وفق الأنواع والأجناس، وليس وفق التحقيب التاريخي المعتمد في الجزء الأول، وهذا ما فتح مدخلا آخر للأدب العربي في المغرب، غير المدخل التاريخي، لكن مع ذلك فقد ظل هذا الجزء تابعا للأول الذي هو صلب الدراسة ومنطلقها.

أما في الجزء الثالث، المخصص للمختارات الشعرية، فقد اعتمد المؤلف أبوابا تناسب الأغراض الشعرية المعروفة في الأدب العربي مند القديم: «ونأتي الآن في قسم المنظوم، الذي هو الجزء الثالث من الكتاب، بالآثار والمنتخبات الشعرية كما وعدنا، مقسمة إلى الأبواب المعروفة من الحماسة والغزل والوصف والمدح وغير ذلك(…). وقد ختمنا بباب خصصناه للموشحات والأزجال جمعا للنظائر وعناية بهذا النوع من الأدب المنظوم»(ص.938).

لقد اعتمد عبد الله ﯕنون- كما رأينا- مقاربة تاريخية تحقيبية، كانت هي الأساس في دراسته، ثم أعقبها بمختارات أدبية من النثر ومن الشعر حتى تتضح الصورة الأدبية التي رسم إطارها التاريخي في الجزء الأول، وحتى يُبرز تميز كل من الشعراء والأدباء المذكورين.

وقد اعتبرنا كتاب “النبوغ المغربي” لعبد الله ﯕنون علامة فارقة تنتهي عندها (وبها) مرحلة بواكير النقد المغربي التي شكلت نشأة الدراسة الأدبية الحديثة، وتبدأ منها (وبها) مرحلة التأسيس والنضج؛ وذلك لأن كنون في هذا الكتاب قد استوعب مختلف المجهودات التي بُذِلت قبله في سبيل كتابة تاريخ الأدب العربي في المغرب، فاستفاد منها وأضاف إليها ما أعطى لكتابه اتساعا وشمولا ورؤية واضحة.

وبذلك فقد مهد ﯕنون لدراسات كثيرة ستأتي بعد كتاب “النبوغ المغربي”، لتعمق الرؤية وترسخ المنهج ، سواء في تاريخ الأدبي المغربي قاطبة أو في تأريخ الشعر منه على الخصوص، أو في التركيز على عصر واحد من عصور الأدب المغربي.

وقد سار ﯕنون نفسه على نهجه التأريخي في كتب أخرى نشرها فيما بعد، منها “ذكريات مشاهير رجال المغرب”([8]) و”أمراؤنا الشعراء”([9]) و”أدب الفقهاء”([10]) و”القاضي عاض بين العلم والأدب”([11]) و”أحاديث عن الأدب المغربي الحديث”([12]). كما سار على نفس النهج أيضا في مقالاته العديدة والمتنوعة([13]).

* * * * *



رأينا إذن أن نشأة النقد المغربي الحديث قد تمت في سياق ثقافي تقاطعت فيه الدراسات البلاغية التقليدية مع الدراسات التاريخية المبكرة ذات الطابع الحديث، وذلك ضمن إطار زمني يشمل تقريبا النصف الأول من القرن العشرين. ومن أجل استحضار ذلك السياق ذكرنا أبرز الأعمال النقدية والدراسات الأدبية التي مثلت الاتجاه البلاغي وتلك التي مثلت الاتجاه التاريخي.

وهكذا قدمنا صورة موجزة عن كتاب “منتهى الأرب…” لابن خضراء السلوي، وكتاب “زهر الأفنان…” لأحمد بن خالد الناصري، وكتاب “مفيد البادية…” لابن مامين، وكتاب “تبيين الغموض…” لماء العينين محمد الشنجيطي، وكتاب “نيل النجاح” لعبد الحفيظ العلوي، وكتاب “فتح المعجم…” لبوجندار، وكتاب “مختصر الاستسعاد…” للمكي البطاوري، وكتاب “شافية الدجم…” للمكي البطاوري أيضا؛ وهي كلها كتب أُلـِّفت في النصف الأول من القرن العشرين.

وقد لاحظنا كيف أن هذه المؤلفات تعتمد رؤية بلاغية موروثة عن النقد العربي القديم، خصوصا في صورته المتأخرة التي رسختها عصور الانحطاط العربي، والتي تتسم بالطابع التعليمي والإغراق في الشروح والحواشي، كما تتسم باعتمادها معايير أخلاقية ومقاييس جمالة مطلقة ومتعالية.

ثم بعد ذلك تحدثنا عن بواكير النقد الأدبي الحديث في المغرب، فمثلنا لها بمجموعة من الدراسات الرائدة، التي تخلت عن المنظور البلاغي الإطلاقي، واعتمدت منظورا تاريخيا نسبيا يربط الأدب بالأدباء، والأدباء بأزمانهم و بيئاتهم الاجتماعية والسياسية.

وفي هذا الصدد، قدمنا صورة مختصرة عن كتاب “فواصل الجمان…” لمحمد غريط، و”مسامرة أدبية…” لعبد الله القباج، و “تاريخ الشعر والشعراء…” لأحمد النميشي، و “الأدب العربي في المغرب الأقصى” لمحمد القباج، ثم ” النبوغ المغربي” لعبد الله ﯕنون؛ وهي كلها كتب أ ُلـِّفت في النصف الأول من القرن العشرين.

وقد بدا جليا كيف أن المؤلفات التي جسدت بواكير النقد الأدبي المغربي الحديث اضطلعت كلها بمهام التأريخ، إذ سعت إلى وضع الأدب المغربي في سياقه من الزمن وإبراز تفاعلاته مع محيطه السياسي والاجتماعي. هذا مع اختلاف هذه المؤلفات في تحديد كل منها لموضوع الدراسة وإطاره الزمني: فمنها ما ركز عل تاريخ الأدب المغربي الحديث، ومنها ما انفتح على تاريخ الأدب المغربي قديما وحديثا، كما أن منها ما اهتم بالشعر دون النثر، ومنها ما اهتم بالشعراء والأدباء والمفكرين إجمالا.

وقد جعل هؤلاء النقاد في خدمة المنهج التاريخي مجموعةَ من المقاربات والتقنيات، وفي مقدمتها المقاربة التُّرجمية، حيث يتم تقديم نبذة عن حياة الشاعر أو الأديب وربط تلك الحياة بالحياة العامة. كما قدم بعضهم تقنية الاختيارات والمنتخبات وجعلوها في خدمة المنهج التاريخي.

ومن جهة أخرى، فقد زاوج هؤلاء الرواد بين النقد الأدبي وتاريخ الأدب فلم يفصلوا بينهما ولو إجرائيا . ولا شك أن ذلك يعود إلى طبيعة المنهج التاريخي نفسه، حيث يكون النقد الأدبي في خدمة تاريخ الأدب لدرجة يصعب معها الفصل بينهما.

أما بعد، فقد قامت البواكير النقدية المشار إليها بدور هام في نشأة المنهج التاريخي على تربة الأدب العربي في المغرب وترسيخه، ومن ثم كانت هي الأساس الذي قام عليه النقد المغربي الحديث قبل أن ينفتح على المقاربات الأخرى الاجتماعية والنفسية ثم البنيوية وما بعدها.













--------------------------------------------------------------------------------


الهوامش



[1]- من ذلك ما كانت تنشره جريدة “السعادة” ومجلة ” السلام” ومجلة “الثقافة المغربية” ومجلة “الرسالة المغربية”.

[2]- محمد غريط: فواصل الجمان في أنباء وزراء وكتاب الزمان. المطبعة الجديدة، فاس، 1346هـ/ 1925م، وقد طبع هذا الكتاب – بجزئه الأول فقط – على نفقة عبد العزيز بوطالب، بشارع القادسية بفاس؛ وتوجد نسخة منه في المكتبة الوطنية بالرباط، تحت رقم: ter20947 C

[3]- فواصل الجمان… المرجع السابق، الإهداء، (قبل الصفحة 1).

[4]- عبد الله بن عباس القباج: مسامرة أدبية، المطبعة الرسمية، الرباط، 1922. وتوجد نسخة من هذا الكتاب في المكتبة الوطنية بالرباط، تحت رقم: 14514 C/ 810.9 م. س. ا.

[5]- أحمد النميشي: تاريخ الشعر والشعراء بفاس. مطبعة أندري، فاس، 1924، وتوجد نسخة من هذا الكتاب في خزانة القرويين بفاس، تحت رقم: 3696، وعلى غلافها عبارة: “هدية من صاحبها لخزانة القرويين العامرة”، بتوقيع أحمد النميشي.

[6]- محمد بن العباس القباج: الأدب العربي في المغرب الأقصى. (جزآن في كتاب واحد)، المطبعة الوطنية الرباط، 1929. وقد أعيد طبع هذا الكتاب من قِبل وزارة الدولة المغربية المكلفة بالشؤون الثقافية، بمطبعة فضالة في المحمدية، سنة 1979. كما نشر الكتاب مؤخرا في طبعة أخرى بدار الكتب العلمية بيروت (لبنان) سنة2005. وهذه الطبعة الأخيرة هي التي نعتمدها هنا.

[7]- صدرت طبعة ثانية من هذا الكتاب عن دار الكتاب اللبناني في بيروت سنة 1961، ثم صدرت طبعة ثالثة عن نفس الناشر سنة 1975؛ وهناك الآن طبعة أخرى جديدة نشرتها دار الثقافة بالدار البيضاء (دون تاريخ)، وهي الطبعة التي نعتمدها هنا.

[8]- سلسلة ترجم فيها ﯕنون لشخصيات مغربية من ميادين الأدب والسياسة والعلم؛ صدر منها الجزء الأول عن معهد مولاي الحسن للأبحاث بتطوان سنة 1949، وصدر جزؤها الثاني عن دار الكتاب اللبناني ببيروت سنة 1974.

[9]- صدر عن المطبعة المهدية بتطوان، سنة 1361 هـ/ 1943 م.

[10]- صدر عن دار الثقافة بالدار البيضاء، سنة 1988.

[11]- صدر ضمن سلسلة” المكتبة الصغيرة”، عدد 42 منشورات دار الرفاعي، الرباط، سنة 1403هأ/1983م.

[12]- صدر عن معهد الدراسات العربية بالقاهرة، سنة 1964؛ ثم بعد ذلك نشرته دار الثقافة بالدار البيضاء سنة 1978 وسنة 1984.

[13]- معظم مقالات عبد الله ﯕنون المتعلقة بالأدب والنقد تم نشرها في كتب “واحة الفكر” و “التعاشيب” و “خل وبقل” و”العصف والريحان”. انظر حول عبد الله ﯕنون:

أحمد الشايب: الدراسة الأدبية في المغرب، عبد الله ﯕنون نموذجا. منشورات مدرسة الملك فهد العليا للترجمة (طنجة)، جامعة عبد الملك السعدي، تطوان، 1991.

أتمنى أن يكون هذا البحث قد أشبع رغبتك في الاستزادة من هذا العلم
ولا أخفيك أمرا أنا أيضا استفدت من بعض النقاط التي غابت عني
فكل يوم هناك جديد
مادام الأدب يتجدد


بوركت غاليتي
وفي انتظار عودتك الراقية

فراشتك
رد مع اقتباس