عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 16-07-2008, 06:18 PM
م مصطفى م مصطفى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 2,284
افتراضي الفتوحات الاسلامية - فتح بُـصرى




بقلم د. راغب السرجانى


مقدمة

حقق خالد بن الوليد انتصارات عظيمة في أرض فارس، وترك جيشه في الحيرة، وذهب للحج سرًا، تاركًا عددا من قادته لقيادة الجيش، دون أن يستأذن الخليفة، وعاد على الفور، وكان الموقف لا يزال متأزمًا في دمشق بالشام، فقرر أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن يرسله إلى الشام، لأن الموقف في الشام متوتر، على العكس من فارس فالوضع هناك مطمئن جدًا، فأرسل خطابًا إلى خالد، بعد أن استشار مجلس الحرب، وكان ( عمر بن الخطاب) يرفض نقل خالد، بل يرى أن يُعزَل، وكان يرى أن ذهابه للحج بدون إذن الخليفة أمر عظيم! أما الصديق رضي الله عنه فقال: والله لأُنسينَّ الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد، والله لا أشيم سيفًا سلَّه الله على الكفار.. فأرسل له رسالة بتعيينه أميرًا على جيش الشام.


...


..

.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 16-07-2008, 06:22 PM
م مصطفى م مصطفى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 2,284
افتراضي موقف عمر من خالد رضي الله عنهما

كان عمر يرى في سيف ابن الوليد رهقًا، أي أنه شديد العنف مع الكفار، ويرى أنه لم يكن يترك لهم فرصة كافية للاختيار بين الإسلام، أو القتال، وهذا مخالف للواقع، إذ كان الصديق رضي الله عنه يراه قائدًا ناجحًا، وكان يؤيده باستمرار، حتى أنه بعد مقتل 70 ألف فارسي في موقعة (أُلَّيْس) ( رابط لموقعة أُلَّيْس ) قال: ( أعجزت النساء أن يلدن مثل خالد بن الوليد؟!!)، ولما هدم ( أماغشيا ) على أهلها، ورأى عمر في ذلك إرهاقًا للفرس، ومجاوزة للحد في قتلهم، قال أبو بكر عنه ( أيها المسلمون، عدا أسدكم على الأسد ).

ـ كما كان عمر يرى أن الناس قد فتنت بخالد بن الوليد، وقد يظنون أن النصر إنما يأتي من خالد، وليس من عند الله عز وجل، وكان لدى جيشه الكثير من الاحترام والمهابة والتقدير له، ولكنهم ـ حتى في غيابه ـ كانوا يؤدون أداءً جيدًا، فقد استطاع خالد رضي الله عنه أن يربي مجموعة من القادة تمكنت بمفردها من فتح فارس كلها بعد ذلك.

نأخذ من ذلك أن الطبائع النفسية لدى كلا الصحابيين الجليلين لم تكن تتواءم معًا، ربما لكونهما متماثلين في القوة، والشدة، فكان من الصعب التقاؤهما معًا.

(( ونعلم عن عمر بن الخطاب عندما ولي أمور المسلمين، أنه كان يريد أن يعرف كل شيء بنفسه، ولا يقوم أي من قادته بخطوة إلا بعد إذنه ومشورته، ففي فتح القادسية يطلب من " سعد بن أبي وقاص" أن يصف له أرض المعركة كأنه يراها، حتى يضع له الخطة المناسبة.. أما خالد بن الوليد فكان يتصرف في الجيش وفق ما يتراءى له في أرض المعركة، وكان الصديق يعلم ذلك عن خالد، ويثق في رأيه، وحكمته الحربية، وغيره من القادة.. فيضع لهم الخطة العامة، ويترك لهم حرية التصرف في أرض المعركة..، وكلا الطريقتين صواب، ولكن لكل منهما وجهة نظره.. فهناك تراوح بين الشدة واللين باستمرار، حتى في الفقه، نجد ـ مثلاًـ أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يُعرف بالشدائد، ونجد عبد الله بن عباس معروفا باللين والرخص، فعبد الله بن عمر كان لا يحمل الصبي وهو صغير مخافة أن ينجسه بول الصبي، أما ابن عباس فكان يحمله ويقول: " إنما هي رياحين نشمها "!، كان ابن عمر حريصًا على تقبيل الحجر الأسود، فيحاول الوصول إليه حتى تَدْمى قدماه، ويقول: " هوت إليه الأفئدة، وأحب أن يهوي إليه فؤادي "، أما ابن عباس فكان يشير إليه من بعيد، ويقول: لا يُؤْذَى، ولا يُؤْذِي.

وكلاهما على صواب.. حتى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حدث أن صلى اثنان من الصحابة لاتجاه مختلف من القبلة، فلما علما أعاد الصلاة أحدهما، ولم يعدها الآخر، فرجعا للرسول، فقال لمن أعاد: لقد أخذت أجرك مرتين، وقال للذي لم يُعِدْ: أصبت السنة... فكلاهما على خير، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه شديدًا حتى على نفسه، لدرجة أنه كان لا يصلي الوتر قبل أن ينام، بل يصليه بعد قيام الليل وقبل الفجر،لأنه يعلم لشدته على نفسه أنه لابد مستيقظٌ لقيام الليل، ولكن الصديق رضي الله عنه، على ورعه وتقواه كان يصلي الوتر قبل أن ينام، مخافة أن يفوته..

وهكذا هما مدرستان مختلفتان، ودائمًا ينسجم اللين مع الشدة، فكان الصديق رضي الله عنه مطمئنًا لخالد بن الوليد،في حين اختلف عمر عنه في ذلك... ))

يرسل الصديق لخالد بن الوليد خطابًا لتعيينه أميرًا على جيوش الشام، يلومه في بداية الخطاب على خروجه للحج دون أن يستأذنه، وقال له: لا تعد إلى ذلك ثانية، وحذره من العُجْبِ بنفسه، ثم قال له: ( إذا جاءك كتابي هذا، فدع العراق وخَلِّفْ أهله فيه الذين قدمت عليهم وهم فيه، ثم امض مخففا في أهل القوة من أصحابنا الذين قدموا معك العراق من اليمامة وصحبوك من الطريق وقدموا عليك من الحجاز حتى تأتي الشام فتلقى أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين فإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة. والسلام عليك ورحمة الله )

نلاحظ في هذا الخطاب أن الصديق رضي الله عنه يأمره فيه أن يترك العراق، بخلاف الخطاب الذي وجهه لعمرو بن العاص، وهو هنا لا يخُيرِّ خالدًا كما فعل مع عمرو، ولكنه يأمره أمرًا مباشرًا، لأنه لا يرى أن غيره يمكن أن يحل محله، مع أن هذا الأمر قد يكون شديدًا على نفس خالد بن الوليد، ( إذ إنه بعد انتصاره في 16 موقعة متتالية، واستيلائه على معظم أرض العراق حتى غرب نهر دجلة، قد أصبح قريبًا من المدائن، ومن إسقاط الدولة الفارسية )..

وتصل هذه الرسالة إلى خالد فيفهم محتواها، ويقول: ( أما إذ ولاَّني، فإن في الشام خلفًا عن العراق ).. ويقوم له أحد قواده " بشير بن ثور " فيقول له: ( أصلحك الله، والله ما جعل الله الشام من العراق خلفًا، والعراق أكثر من الشام حنطةً وشعيرًا، وديباجًا وحريرًا، وفضةً وذهبًا، وأوسع سعة وأعرض عرضًا، والله ما الشام كله إلا كجانب يسير في العراق ) ونلاحظ أن نظرة بشير بن ثور لهذا الأمر نظرة ضيقة جدًا، أما خالد بن الوليد رضي الله عنه فقد كانت نظرته للقتال، وما أخرجه من المدينة إلى العراق ليس الحرير والحنطة والديباج، وإنما الجهاد في سبيل الله، فيقول له: ( إن بالشام أهل الإسلام، وقد زحفت إليهم الروم، وتهيأوا لهم، وإنما أنا لهم مغيثٌ، ثم إني راجعٌ إليكم ).. بكل ثقة، يذكر أنه سيذهب لنجدة المسلمين بالشام، ثم يرجع للعراق،يقول: ( فكونوا أنتم هاهنا على حالكم التي أنتم عليها، فإذا فرغت مما أشخص له، فإني منصرفٌ إليكم عاجلاً، وإن أبطأت رجوت ألا تعجزوا وتهنوا، فإن خليفة رسول الله ليس بغافلٍ عنكم، ولا بتارك أن يمدكم بالرجال والجنود حتى يفتح الله عليكم هذه البلاد إن شاء الله )..

وهكذا يبدو لنا أن المهم عند " خالد " رضي الله عنه، ليس أن يحقق هو الفتح و النصر بنفسه، وإنما أن يتحقق النصر وتقوم الدولة الإسلامية في هذه البلاد، سواء قامت على يد خالد أو سعد رضي الله عنهما، أو غيرهما، فلا فرق لديه، وإنما المهم أن تقوم الدولة الإسلامية في هذه البلاد.

ثم يقرر خالد أن يخرج من العراق إلى الشام، فيقسم جيشه ال 18 ألف مقاتل إلى نصفين، وخلف على العراق كما أمره أبو بكرالصديق ( المثنى بن حارثة ) رضي الله عنه، الذي كان قد بدأ فتح العراق قبل أن يأتيه خالد رضي الله عنه.

فترك في العراق 9 ألاف مجاهد، على رأسهم المثنى بن حارثة، وانطلق هو في 9 آلاف من العراق إلى الشام، ويرسل خطابًا إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، يقول له فيه:

( لأبي عبيدة بن الجراح من خالد بن الوليد، سلامٌ عليكم، فإني أحمد الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإني أسأل الله لنا ولك الأمن يوم الخوف، والعصمة في دار الدنيا، لقد أتاني كتاب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمرني بالمسير إلى الشام، وبالمقام على جندها والتولي لأمرها، ووالله ما طلبت ذلك، ولا أردته، ولا كتبت له فيه، وأنت رحمك الله على حالك التي كنت عليها، لا يُعْصَى أمرك، ولا يخالف رأيُك، ولا يقطع أمرٌ دونك، فأنت سيد من سادات المسلمين، لا ينكر فضلك، ولا يستغنى عن رأيك، تمَّم الله بنا وبك من إحسان ورحمنا وإياك من عذاب النار والسلام عليك ورحمة الله.) وهو برسالته تلك يحاول أن يرقق قلب أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، ويعظم فيها من شأنه. فجمع عبقرية الأداء مع عبقرية التخطيط، وعبقرية الأخلاق...كذلك

و كان الصديق رضي الله عنه قد أرسل لأبي عبيدة رضي الله عنه رسالة، يقول له فيها: ( إني قد أرسلت خالد بن الوليد، من العراق إلى الشام وجعلته واليًا على أمر الشام، وليس هذا لأنه أفضل عندي منك، ولكني ظننت أن له فطنة في الحرب تنفع الشام )

فكما نعلم لا يقدم الصديق على أبي عبيدة أحدًا، ولكن في ظروف الحرب هذه رأى أنه يحتاج لعبقرية عسكرية خاصة.. فكان خالد.


...

..

.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 16-07-2008, 06:31 PM
م مصطفى م مصطفى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 2,284
افتراضي خالد بن الوليد يتجه إلى الروم:

بعد أن أرسل خالد الرسالة، انطلق بجيشه وتحرك إلى الشام، ولكنه سلك طريقًا مختلفًا تمامًا

عبر منطقة وعرة جدًا هي ( صحراء السَّمَاوَة ) التي لم تكن تعبر فيها أية قوافل، وكان الطريق المعروف إلى دمشق بالنزول منها جنوبًا إلى دومة الجندل ثم غربًا حتى جنوب البحر الميت حتى تصعد شمالاً إلى دمشق، وهو طريق آمن ومأمون بالنسبة للمسلمين، فلماذا سلك خالد ذلك الطريق الصعب الوعر إلى دمشق؟!! وهي ولا شك عبقرية منه في الخطة، وفي الأداء، إذ نلحظ على ذلك التحرك ما يلي:

1ـ أراد خالد أن يصل إلى أرض الشام بسرعة، وهذا الطريق على الرغم من وعورته إلا أنه أقصر. بل إنه طريق مباشر إلى دمشق، وذلك لأن خالدًا يثق في سرعة جيشه، وقوة أدائه، فقد كان معروفا بأنه يُسرع من خُطَا جيشه، فإذا كان الجيش يسير في المعتاد بسرعة 50 كلم في اليوم، فإنه يجعله يسير 100كلم في اليوم، وفي هذه الرحلة كان يسير بسرعة 50كلم، حتى وصل لمنطقة قبل ( الشجرة العظيمة ) التي ذكر له الدليل أنه إن لم يقطعها في يوم واحد هلك هو وجيشه، لقلة الزاد فيها، فاستطاع فعلاً أن يتجاوزها في يوم واحد وقطع 100 كلم في يوم واحد، وصَبَّح القوم عند الشجرة العظيمة. فليس خالد وحده الفذّ وإنما كان جيشه رضي الله عنه -أيضا- جيشا فذا، فإذا كان لديه القدرة على أن يسير هذه المسافة بهذه السرعة وفي هذه الظروف الشاقة، فإن هؤلاء الآلاف التسعة من الرجال لا شك أنهم أقوياء جدًا وذوو كفاءة عالية.

2ـ أراد خالد كذلك أن يزيد من حصار الجيش الإسلامي لمنطقة الشام، لأن المسلمين كانوا قد حاصروا الجنوب والشرق، وهو يزيد من دخوله شمالاً في الحصار.

3 ـ يعلم خالد أن الروم لا يمكن أن يتوقعوا أن يأتيهم جيش من الشمال أو الشرق وإنما كان كل ظنهم أن المدد سيأتي المسلمين من الغرب أو الجنوب.، فمجيء خالد بجيشه من الشمال يُعَدُّ مفاجأة للروم، إذ إنهم لم يتوقعوا أبدًا أن يعبر أحدٌ صحراء السماوة بجيش كبير كجيش خالد!

يذكر الرواة أن خالدًا رضي الله عنه كان دائمًا يسبق الخبر، فإذا كان في المنطقة عيون ( جواسيس ) لجيش الأعداء، فإنه يسبقهم ويصل إلى الأعداء مباشرة!!
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 16-07-2008, 06:59 PM
م مصطفى م مصطفى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 2,284
افتراضي خالد يقتحم الـشام:

قطع خالد رضي الله عنه المسافة من الحيرة إلى دمشق في ستة أيام، ويصل إلى منطقة تسمى ( أرج)، وبعد أن وضع قدميه في أطراف الشام باغت أهل ( أرج) فهجم عليهم وحاصرهم، فلم يجدوا لهم طاقة بخالد وجيشه ؛ فاستسلموا، ورضوا بدفع الجزية وفُتِحَت مدينة (أرج) صلحًا، ثم ترك (أرج) وذهب إلى (تَدْمُر)، وحاصرها فاستعصت عليه، لأن أسوارها عالية ولم يخرج أهلها لحربه، بل ظلوا داخل حصونهم،، ولما كان يريد أن يسرع حتى يلحق بالمسلمين في الشام، أرسل لهم رسالة يقول لهم فيها: ( والله لو كنتم في السحاب لاستنزلناكم، ولظهرنا عليكم، وما جئناكم إلا ونحن نعلم أنكم ستفتحونها لنا، وإن أنتم لم تصالحوني هذه المرة، لأرجعنَّ إليكم، لو قد انصرفت من وجهي هذا، ثم لا أرتحل عنكم حتى أقتل مقاتلتكم، وأسبي ذراريكم" ).. ورحل عنهم، فتشاور كبارالقوم فيهم، ورأوا أنهم لا طاقة لهم به، وأنه الذي وُعِدوا به،( كان عندهم في كتبهم أنه سيفتح المدينة أحد من هذه الجهة ) فأرسلوا رسولاً في إِثْرِ خالد بن الوليد، فعاد خالد إلى (تدمر) مرة أخرى، وتسلم المدينة، وصالحوه على الجزية، وهكذا نُصِرَ بالرعب رضي الله عنه، ثم انتقل إلى ( القريتين) فقاتلهم خالد، وسبى منهم السبايا وأخذ منهم الغنائم، ثم انتقل إلى مدينة ( حواريين) وحاصرهم، فرفضوا قتاله، ولكنهم أرسلوا في طلب المدد، فجاءهم ألفا مقاتل من " بَعْلَبَك" وألفان من " بُصرى"، فترك جيشه، محاصرًا لحواريين، وانتخب مائتي مقاتل ممن معه، وهاجم المدد القادم من " بعلبك " أولاً، فقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم التف حول ( حواريين ) وقتل المدد القادم من ( بصرى )، فقتل 4 آلاف رجل خارج (حواريي)، واستمر في حصار (حواريين ) حتى خرج له جيشها، ثم أيقنوا أنهم لا طاقة لهم بقتاله، فاستسلموا ودفعوا الجزية.

توجه خالد بعد ذلك إلى ( مرج راهط ) وكانت نصرانية لسُكنى قبائل " غسان" بها، وكما يقول الرواة ( ابن كثير في البداية والنهاية ): ( فهجم على مرج راهط، فانتسف عسكرهم، وسبى منهم وغنم ) وأرسل خمُس الغنائم إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، كل ذلك ولم يصل حتى الآن إلى أبي عبيدة وجيش الشام...

يروي أحد من هُزِمَ في حواريين، ثم أسلم بعد ذلك يقول: ( والله لقد خرجنا إلى خالد، وإنا لأكثر منهم بأضعافهم، فما هو إلا أن دنونا منهم فثاروا في وجوهنا بالسيوف، كأنهم الأُسْدُ، فهزمونا أقبح هزيمة، وقتلونا أشد القتل، وقد رأيت منا رجلاً كنا نَعُدُّه بألف رجل، وكان يقول: لئن رأيت أميرهم لأقتلنَّه، فلما رأى "خالد" قال له أصحابه: هذا أميرهم فاقتله، فأقبل على خالد، وحمل عليه، وإنا لنرجو أن يقتله من بأسه وشدته، فلما دنا من خالد استقبله خالد بالسيف، فضربه ضربة واحدة فأطار نصف وجهه وقَحْفَ رأسه، فدخلنا مدينتنا وما كان لنا من همٍّ إلا الصلح!! )، و يقول عن خالد عندما يقاتل: كان له هيبة، وكان يربو على القوم ( أي يعلو )، وهذا من نِعَمِ الله (عز وجل) على خالد الذي جعل حياته وقفا على الجهاد في سبيله أن جعل الكفار يرهبونه بمجرد رؤيته، ومنحه العلوَّ عليهم، وكذلك كل من أخلص جهاده لله (سبحانه وتعالى ).

في موقعة مرج راهط سبى المسلمون سبيًا كثيرًا، يحكي أبو الخزرج الغساني ( ابن إحدى السبايا ) عن أمه أنها لما رأت حال المسلمين أسلمت، ثم جاء زوجها يطلبها من المسلمين، وكان قد أسلم، ولكن زوجته لم تعلم، فقالت: إن كان قد أسلم فَنَعَمْ، وإن لم يكن ذلك، فليس لي حاجةٌ فيه "، فقالوا لها: إنه أسلم، فعادت إليه..وهكذا كان سلوك المسلمين-دائما - دافعا للناس حتى من أعدائهم للدخول في الدين، فقد كانوا ملتزمين بأخلاق الإسلام في كل أمر، ولم يجبروا أحدا على الدخول فيه، ولكن الناس رأوا منهم العدل والرحمة التي أمر الله به، ولم يجدوها من بني جلدتهم، ففضلوا الإسلام رغم رقهم على الاستمرار في الكفر ولو عادوا به أحرارا.

يصل خالد بن الوليد إلى هذه المنطقة، ويتوقف عند ( مرج راهط ) لتقييم الموقف:


ـ أبو عبيدة في الجابية ( على بعد 40 كلم جنوب دمشق ) ومرج راهط ( في شمال الجابية ) وشرحبيل بن حسنة في بصرى، ويزيد بن أبي سفيان في البلقاء ( شرق البحر الميت ) وعمرو بن العاص في جنوب فلسطين.

يلاحظ خالد عبر العيون التي أرسلها أن قوات الروم تمركزت في 7 مناطق بالشام: في جنوب الشام: جيش كبير في دمشق، وجيش في بصرى، وجيش في جلق ( شمال فلسطين ) وتوجد أربع جيوش شمالية أخرى في: حلب، و في حمص، و في أنطاكية، و في بعلبك.

خالد يجهز للمعركة:

ويرى خالد أنه لو هاجم أيًّا من القوى الشمالية، فسيكون هناك خطورة من خلفه، ولهذا استبعد أن يبدأ بقتال جيش ( حلب أو حمص أو إنطاكية أو بعلبك )، واستبعد كذلك مهاجمة جيش " دمشق" لأنه يجعل جيش بصرى من خلفه! فلم يبق أمامه إلا أن يهاجم جيش بصرى، أو جلق، ورأى أن جلق أيضًا إذا دخل إليها فستكون (بصرى ) خلفه.. من هنا رأى أن يهجم قوات ( بصرى) مباشرة، ويكون من خلفه آنذاك الصحراء، ( صحراء شبه الجزيرة العربية ) فإذا هزم تمكن من التراجع إلى الخلف، و إذا انتصر لا يمكن لجيش يأتيه من الخلف أن يتعقبه.

بدأ خالد بإرسال 4 رسائل إلى جيوش المسلمين في مواقعهم ( رسالة إلى أبي عبيدة، ورسالة إلى يزيد، ورسالة إلى شرحبيل، ورسالة إلى عمرو ) أن يوافوه جميعًا في بصرى، حتى يفتح بصرى، وجاءت الجيوش كلها والتقت في بصرى، وتقابل القادة الخمسة، وسلمت القيادة رسميًا لخالد بن الوليد رضي الله عنه، وقال أبو عبيدة: ( بارك الله أبا بكر في رأيه، وحيَّا الله خالداً بالسلام ).


...


..

.

التعديل الأخير تم بواسطة م مصطفى ; 16-07-2008 الساعة 07:04 PM
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 16-07-2008, 07:08 PM
م مصطفى م مصطفى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 2,284
افتراضي بدءُ المعركة:

وبمجرد أن علم جيش الروم في بصرى بتجمع الجيوش الإسلامية ( نحو 33 ألف مجاهد )، خرج مباشرة لقتال خالد ومن معه، وبادر خالد على الفور بتنظيم جيشه: فجعل نفسه في قلب الجيش، وجعل " رافع بن عمرو " على الميمنة، و" ضرار بن الأزور" على الميسرة، وقسم المؤخرة إلى نصفين " المسيب بن نشبة " يمينًا، و " مذعور بن عدي " شمالاً، وجعل المؤخرة بعيدة عن الجيش، لتأخذ أطراف المعركة، نلاحظ أن قادة الجيش كانوا جميعًا من جيش خالد القادم من فارس.

خرج جيش بُصرى من الحصن، وبدأ يواجه الجيش الإسلامي، وكان خالد قد أمر المؤخرة ألا تشترك في القتال إلا بعد أن يأمرها بذلك، وقام بالهجوم على جيشَ الروم بالمقدمة والميمنة والميسرة فقط،فحمل جيش الروم عليه حملة عظيمة، فصبر خالد على هجماته الشديدة المتتالية، ثم نادي على الجيش بقوله: ( يا أهل الإسلام الشدة الشدة، احملوا- رحمكم الله -عليهم، فإنكم إن قاتلتموهم محتسبين تريدون بذلك وجه الله، فليس لهم أن يواقفوكم ساعة ).. كل ذلك والمؤخرة لا تحارب، يقول " قيس بن أبي حازم ": ( لقد كنا مطمئنين لما يفعله خالد، لأننا كنا نعلم أن القليل من العدو والكثير عنده سواء،فإنه لا يملأ صدره منهم شيء ).

واستمر القتال على أشده حتى ظن الفريقان أن صبرهما قد نفد، فأمر خالد فرقتي المؤخرة المتأخرتين، فهجمتا من بعيد والتفَّتا من أعلى القوم، ثم انقضتا على جيش الروم من خلفه، فكانت هزيمة داحرة لجيش الروم، وقتلوا مقتلة عظيمة. وهرب بقيتهم إلى داخل حصن بُصرى، و أعلنوا الاستسلام ودفع الجزية، فقام خالد بن الوليد بجمع غنائم الحرب التي خلَّفها الرومان خارج الحصن...

انتصار كاسح وأهل بصرى يدفعون الجزية:

وبذلك فتحت " بُصْرَى " في 25 ربيع الأول عام 13 هـ. ( أي بعد شهر من قدوم خالد بن الوليد ) وهي من أعظم المدن الموجودة في هذه الفترة.

وما إن وصلت أنباء موقعة ( بصرى) إلى (هرقل ) حتى قال: ألم أقل لكم:لا تقاتلوهم؟!! فإنه لا قوام لكم مع هؤلاء القوم ( ونعلم أن هرقل كان رافضًا للحرب،موقنًا بنصر المسلمين )، فقال أخوه: قاتل عن دينك، ولا تجَبنِّ الناس، واقضِ الذي عليك ) فقال: وأي شيء أطلب إلا توقير دينكم؟!!

وفرق كبير بين جيش كجيش الروم، قائده موقن بالهزيمة، ولا يرى جدوى من القتال، وبين جيش قائده أبو بكر الصديق (رضي الله عنه )،الذي ما فتئ يحمسه، ويحثه على القتال، ويوثقه بالنصر أو الشهادة...

وكان رد فعل الروم على هزيمة الجيش الرومي في ( بصرى) شديدًا وذكيًا، إذ أخرجوا قوتين كبيرتين: الأولى إلى( جِلَّق ) من70 ألف رومي، وقوة أخرى من (حمص) في 10 آلاف مقاتل. ولكن إلى أين اتجهت؟ وماذا فعلت؟ هذا ماسنعرفه في المقال التالي بإذن الله.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الفتوحات الاسلامية - موقعة أجنـادين م مصطفى منتدى العلوم والتكنولوجيا 5 16-07-2008 07:52 PM
الفتوحات الاسلامية - الاستعداد لفتح الشام م مصطفى منتدى العلوم والتكنولوجيا 10 16-07-2008 06:12 PM
إشكالية العلاقة بين الإسلام والديمقراطية castle منتدى العلوم والتكنولوجيا 4 06-08-2007 01:14 PM
المسابقة الرمضانية للمنتديات الاسلامية أحمد سعد الدين منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 08-10-2005 12:34 AM


الساعة الآن 01:51 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com