عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 16-07-2008, 03:27 PM
م مصطفى م مصطفى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 2,284
افتراضي الفتوحات الاسلامية - الاستعداد لفتح الشام




مقدمة
بعد أن انتهت حروب الردة أرسل أبو بكر الصديق رضي الله عنه خالد بن الوليد رضي الله عنه من موقعه في بني حنيفة، إلى العراق لفتحه من الجنوب ( وكان قد أرسل جيشا آخر من الشمال بقيادة عياض بن غُنْم)، على أن يسير الجيشان في اتجاه الحيرة، ومن يصل منهما إلى الحيرة أولاً، سيكون هو أمير الجيشين، وبعد فتح الحيرة يمكنهم أن يتقدموا لفتح العراق،وقد أدى خالد رضي الله عنه مهمته على خير وجه، وانتصر وتمكن من فتح الحيرة في 12ربيع الأول قبل أن يصلها " عياض بن غنم "، فأصبح هو أمير الجيوش على العراق، وعلى الجانب الآخر توقف "عياض بن غنم" عند دومة الجندل، واستعصى عليه فتحها.

أرسل خالد " شرحبيل بن حسنة"رضي الله عنه، لأبي بكرالصديق يهنئه بفتح الحيرة، ويحمل إليه الغنائم التي منَّ الله بها على المسلمين منها، ولما وصل ( شرحبيل) رضي الله عنه، وبلَّغ أبا بكر الخبر، قال له كلمة عجيبة، إذ سأله: أتحدثك نفسك أن ترسل جيشًا إلى الشام ؟، وكانت هذه المرة الأولى التي يصرح فيها بفتح الشام،( مثلما خرج المسلمون من حروب الردة، إلى فتح فارس، وكانت جرأة غير عادية من المسلمين، أن يرسلوا جيشًا لفتح فارس وهم خارجون من أزمة حروب الردة ) ويتعجب سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، لأنه كان يحدث نفسه بذلك فعلاً، ولم يطلع أحدًا على ما كان يحدث نفسه به !!.

فقال له: نعم، قد حدثت نفسي بذلك، وما أطلعت عليه أحدًا ! وما سألتني عنه إلا لشيء، قال له نعم يا خليفة رسول الله، فإني قد رأيت رؤيا:

رأيتك تمشي بين الناس، فوق خرشفة بجبل ( يقصد مكانًا من الصعب جدًا أن يسير فيه المرء بقدميه )، ثم أقبلت تمشي حتى صعدت قنة من القنان العالية ( أي مكانًا مرتفعًا )،فأشرفت على الناس ومعك أصحابك، ثم إنك هبطت من تلك القنان إلى أرض سهلة ( أي واسعة كبيرة) فيها زرع وقرى وحصون، فقلت للمسلمين: شنوا الغارة على أعداء الله، وأنا ضامنٌ لكم الفتح والغنيمة، فشد المسلمون، وأنا فيهم، ومعي راية، ( أي أنه أحد قواد المسلمين في الحلم) فتوجهت بهم إلى أهل قرية، فسألوني الأمان فأمنتهم، ثم جئتك فأجدك قد انتهيت إلى حصنٍ عظيم، ففتح الله لك، وألقوا إليك السلم، ووضع الله لك مجلسًا فجلست عليه، ثم قيل لك يفتح الله عليك وتُنصر، فاشكر ربك واعمل بطاعته، ثم قرأت عليك سورة النصر: ( إذا جاء نصرالله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، فسبح بحمد ربك واستغفره، إنه كان توابًا )، ثم انتبهت.

فابتسم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقال له: نامت عيناك، خيرًا رأيت، وخيرًا يكون إن شاء الله. وبدأ يفسر لسيدنا شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه هذه الرؤيا، فقال له: بشرت بالفتح، ونعيت إلي نفسي !!، ثم دمعت عيناه، وقال: أما الخرشفة التي رأيتنا صعدنا عليها، فأشرفنا عليها إلى الناس: فإنا نكابد من أمر هذا الجند والعدو مشقة ويكابدونه ( أي أن القتال سيرهق المسلمين جدًا، ولن يكون قتالاً سهلاً )، ثم نعلو بعد ويعلو أمرنا( أي سنظل نقاتل وننتصر حتى نغلبهم )، وأما نزولنا من القنة العالية إلى الأرض السهلة والزرع والعيون والقرى والحصون، فإنا ننزل إلى أمر أسهل مما كنا فيه من الخصب والمعاش وهو الشام. وأما قولي للمسلمين: شنوا على أعداء الله الغارة، فإني ضامن لكم الفتح والغنيمة فإن ذلك: دنو المسلمين إلى بلاد المشركين، وترغيبي إياهم على الجهاد والأجر والغنيمة التي تقسم لهم، وقبولهم. وأما الراية التي كانت معك، فتوجهت بها إلى قرية من قراهم ودخلتها، واستأمنوا فأمنتهم فإنك تكون أحد أمراء المسلمين في فتح الشام ويفتح الله على يديك. وأما الحصن الذي فتح الله لي، فهو ذلك الوجه الذي يفتح الله لي، وأما العرش الذي رأيتني عليه جالساً فإن الله يرفعني ( ويقصد بذلك المسلمين) ويضع المشركين. قال الله تبارك وتعالى: [ورفع أبويه على العرش] وأما الذي أمرني بطاعة الله وقرأ علي السورة فإنه نعى إلي نفسي، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى الله إليه نفسه حين نزلت هذه السورة، وعلم أن نفسه قد نعيت إليه، ثم سالت عيناه فقال: لآمرن بالمعروف ولأنهين عن المنكر ولأجهدن فيمن ترك أمر الله، ولأجهزن الجنود إلى العادلين بالله ( أي المشركين) في مشارق الأرض ومغاربها حتى يقولوا: الله أحد أحد لا شريك له، أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون. هذا أمر الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا توفاني الله عز وجل لا يجدني الله عاجزاً ولا وانياً ولا في ثواب المجاهدين زاهداً. فعند ذلك أَمَّر الأمراء، وبدأ يُعد العُدَّة لبعث البعوث إلى الشام.



عقد مجلس الحرب:


شجعت هذه الرؤيا المباركة أبا بكر الصديق رضي الله عنه على المضي قدمًا فيما كانت تحدثه نفسه به من إرسال الجيوش لفتح الشام وحرب الروم، إلا أنه مع ذلك لم يتسرع في اتخاذ القرار، وإنما بدأ بإعداد العدة، و جمع في البداية مجلسًا للحرب من المسلمين، حتى يأخذوا القرار في الحرب على الروم، وهذا القرار الذي سيأخذه قرار خطير، يجب أن يجمع له أبوبكر رضي الله عنه كبار مفكري الدولة الإسلامية آنذاك، ذلك المجلس الذي ضم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، و عثمان بن عفان رضي الله عنه، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف،و أبا عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد ( رضي الله عنهم وأرضاهم جميعًا ).

فدعاهم أبا بكر ليفكروا في اتخاذ قرار الحرب، وهؤلاء العشرة هم المبشرون بالجنة، فأنعم به من مجلس! ولا شك أن قرارهم سيكون قرارًا موفقًا بتوفيق الله..

فبدأ الصديق رضي الله عنه بالحديث فقال لهم:

{إن الله عز وجل لا تحصى نعماؤه ولا يبلغ جزاء الأعمال، فله الحمد، قد جمع الله كلمتكم وأصلح ذات بينكم وهداكم إلى الإسلام ونفى عنكم الشيطان، فليس يطمع أن تشركوا به ولا تتخذوا إلهاً غيره، فالعرب اليوم أمة واحدة بنو أم وأب، ( وهذا بعد أن جمع الله كلمة المسلمين من جديد بعد حروب الردة ).. وقد رأيت أن أستنفر المسلمين إلى جهاد الروم بالشام ليؤيد الله المسلمين، ويجعل الله كلمته هي العليا مع أن للمسلمين في ذلك الحظ الوافر،لأنه من هلك منهم هلك شهيداً. وما عند الله خير للأبرار، ومن عاش عاش مدافعاً عن الدين مستوجباً على الله ثواب المجاهدين،

( أي أن المسلمين في حروبهم، إما النصروالعزة، وإما الشهادة في سبيل الله، وعلى هذا يجب أن تكون حياتنا كلها خالصة لله تعالى، وجهادًا في سبيله، في كل لحظة من لحظات الحياة، يقول أحد الصالحين أن الإنسان لا يستطيع أن يختار لحظة موته، ولكنه يستطيع أن يختاركيف يموت، أي أنه إذا كانت حياة المرء كلها جهادًا في سبيل الله عز وجل، وعملاً خالصًا لوجه الله سبحانه، فلا شك أنك ستموت وأنت على نفس هذه الحياة، وبذلك تكون قد اخترت أن تموت في سبيل الله،...وفي المقابل إذا كنت تحيا للدنيا، ولا تفكر إلا لنفسك، و تقتصر أحلامك وآمالك على ما يهمك وحدك، ولا تهتم بأمور المسلمين، فهذا يعني أنك ستموت على ما عشت من أجله ! )

يقول أبو بكرالصديق رأيه هذا، ثم يقول: هذا رأيي الذي رأيت، فأشيروا علي، فيقوم عمر بن الخطاب فيقول: الحمد لله الذي يخص بالخير من يشاء من خلقه. والله ما استبقنا إلى شيء من الخير قط إلا سبقتنا إليه، " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " قد والله أردت لقاءك لهذا الرأي الذي رأيت. فما قُضِى أن يكون حتى ذكرته، فقد أصبت أصاب الله بك سبيل الرشاد، سرب إليهم الخيل في إثر الخيل، وابعث الرجال بعد الرجال، والجنود تتبعها الجنود. فإن الله ناصر دينه، ومعز الإسلام وأهله، ومنجزٌ ما وعد رسوله.

( وهكذا نجد أن عمربن الخطاب رضي الله عنه متفق مع أبي بكر، ويضع له الخطة التي يراها مناسبة لفتح الشام، وهي أن تخرج كل طاقة الجيش الإسلامي المتبقية لفتح الشام )

ثم يقوم عبد الرحمن بن عوف فيقول: يا خليفة رسول الله، إن الروم وبني الأصفر، حد حديد وركن شديد، والله ما أرى أن تقحم الخيل عليهم إقحاماً. ولكن نبعث الخيل فنغير في أدنى الأرض، فتأخذ منهم، وترهبهم ثم نرجع إليك. فإذا فعلوا ذلك بهم مراراً أضروا بهم وغنموا من أدنى أرضهم فقووا بذلك على عدوهم، ثم تبعث إلى أرضي أهل اليمن وأقاصي ربيعة ومضر ثم تجمعهم جميعاً إليك، فإن شئت بعد ذلك غزوتهم بنفسك وإن شئت أغزيتهم. ثم سكت وسكت الناس.

( كان لكلٍ من الصحابة رضوان الله عليهم وجهة نظر تتعلق بالإستراتيجية العسكرية، ورؤيتهم لطريقة إنفاذ الجيوش، فإذا كان عمر رضي الله عنه يرى أن يخرج الجيش كله لقتال الروم - كما سيفعل في حروب فارس-فإن ابن عوف رضي الله عنه يقيس تلك الحرب على ما فعله الصديق رضي الله عنه نفسه في فتح فارس،حيث جاء المثنى بن حارثة رضي الله عنه من قبائل بكر بن وائل شمال الجزيرة العربية، إلى حدود العراق، وطلب من الصديق أن يسمح له بالإغارة على حدود العراق،فوافقه أبو بكر الصديق على ذلك، وبدأ المثنى يغير إغارات متعددة، حتى ذهب خالد بن الوليد بجيش المسلمين، لفتح فارس، في حين لم يكن ذلك تفكير عمر رضي الله عنه، إذ سنراه في فتح فارس، يرسل الجيوش الإسلامية كلها دفعة واحدة، ويجهز في فتح القادسية 32 ألف مجاهد، ثم 60 ألف لموقعة المدائن ؛ولذايقترح أن يكون الجيش مقسمًا إلى مجموعات تحارب ثم تعود بالغنائم، حتى يتمرن المسلمون على حرب الروم، لأنهم مرهوبو الجانب )

فقال لهم أبو بكر: ماذا ترون يرحمكم الله ؟ ( ولم يكن باقي المجلس قد تحدث عن رأيه في الخروج إلى الشام ) فقام عثمان بن عفان رضي الله عنه وقال: رأيي أنك ناصح مخلص لأهل هذا الدين شفيق عليهم، فإذا رأيت رأيا تراه لعامتهم صلاحاً فاعزم على إمضائه، فإنك غير ظنين ولا متهم.

( وهكذا كان رأي عثمان رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه موفق في كل قراراته، فإذا اختلف المسلمون في القرار الأسلم للحرب، فإنه يرجع الأمر كله لأبي بكر الصديق، ويعلن أنه مطيع له.. ) وانتظر الصديق ليسمع رأي بقية المسلمين، فقام طلحة والزبير وسعد وأبو عبيدة وسعيد بن زيد ومن حضر ذلك المجلس من المهاجرين والأنصار فقالوا: صدق عثمان فيما قال، ما رأيت من رأي فأمضه، فإنا سامعون لك مطيعون، لا نخالف أمرك، ولا نتهمك، ولا نتخلف عن دعوتك.

وهكذا اتفق الجميع على رأي عثمان رضي الله عنه، وعلى الخروج إلى الشام بشكل عام، وبقي واحد منهم لم يدل برأيه، وهو علي رضي الله عنه، فسأله أبو بكر: ماذا ترى يا أبا الحسن؟ فقال علي رضي الله عنه: أرى أنك مبارك الأمر ميمون النقيبة، وإن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم الجنود نصرت عليهم إن شاء الله.

فقال أبو بكر رضي الله عنه: بشرك الله بخير! ومن أين علمت هذا ؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا يزال هذا الدين ظاهراً على كل من ناوأه حتى يقوم الدين وأهله ظاهرون )) ( أي أنه إذا التقى المسلمون والمشركين في موقعه وكان المؤمنون على إيمان صحيح، وأخذوا بأسباب النصر، فإن الله ناصرهم على المشركين ).

فقال أبو بكر: سبحان الله ما أحسن هذا الحديث.( أي أن أبا بكر لم يكن قد سمع هذا الحديث في مسند الإمام أحمد عن جابر بن سمرة ) لقد سررتني به سرك الله في الدنيا والآخرة، وهكذا قام المجلس على هذا الاتفاق بالخروج لحرب الروم.



------


بقلم د. راغب السرجانى

التعديل الأخير تم بواسطة م مصطفى ; 16-07-2008 الساعة 04:09 PM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 16-07-2008, 04:15 PM
م مصطفى م مصطفى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 2,284
افتراضي المسلمون.. وعقبـات في طريق الفتح:

أمر أبو بكر بلالاً أن يجمع الناس،ثم قام في الناس فذكر الله بما هو أهله وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم و قال: أيها الناس، إن الله قد أنعم عليكم بالإسلام، وأكرمكم بالجهاد وفضلكم بهذا الدين على كل دين فتجهزوا عباد الله إلى غزو الروم بالشام، فإني مؤمِّر عليكم أمراء، وعاقد لهم عليكم، فأطيعوا ربكم ولا تخالفوا أمراءكم لتحسن نيتكم وشربكم وأطعمتكم. فـ "إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " وبذلك بدأ يدعو المسلمين للدخول في جيش الشام والتطوع لذلك، فسكت القوم، و ما أجابوه. !!

وكان هذا أعجب رد فعل، لم يتوقعه أبدًا أبو بكر الصديق، ولا أحد من مجلس الحرب، إذ لم يقم من المسلمين أحد !!، ويبدو أن المسلمين كان لا يزال لديهم رهبة من الروم،وجيش الروم فلم يجرؤ أحد منهم على أن يقوم، ( وقد حدث مثل ذلك الموقف مع المسلمين بعد ذلك أيضًا في جيش فارس، بعد وفاة المثنى بن حارثة رضي الله عنه ).

فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد فوجئ بردة فعل المسلمين تلك، وأنهم لم يقوموا للجهاد، فقال لهم: يا معشر المسلمين، مالكم لا تجيبون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد " دعاكم لما يحييكم " ؟!!. أما إنه " لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً " لابتدرتموه. ( كلمة في منتهى الخطورة يقولها عمر للمسلمين لفرط حنقه عليهم، وقد نزلت هذه الآية في المنافقين، وفي ذلك اتهام لهم بأن موقفهم هذا كالمنافقين !! )، وتعجب المسلمون من كلمة عمر رضي الله عنه، فقام عمرو بن سعيد ( أخو خالد بن سعيد أحد قادة المسلمين في حروب الردة، ومن قدماء الصحابة و أوائل المسلمين، وكان قد أخفى إسلامه.. ) فقال في حدة: يا ابن الخطاب، ألنا تضرب الأمثال أمثال المنافقين؟! فما منعك مما عبت علينا فيه أن تبتدئ به؟!، فقال عمر: إنه يعلم ( يقصد أبا بكر ) أني أجيبه لو يدعوني، وأغزو لو يغزيني. قال عمرو بن سعيد: ولكن نحن لا نغزو لكم إن غزونا، إنما نغزو لله. فقال عمر: وفقك الله فقد أحسنت (أي أنه أحسن في أن غزوه، وعمله، إنما هو لله عز وجل، وليس للناس ). فقال أبو بكر لعمرو: اجلس رحمك الله،فإن عمر لم يرد بما سمعت أذى مسلم ولا تأنيبه، إنما أراد بما سمعت أن ينبعث المتثاقلون إلى الأرض إلى الجهاد، ( أي أن أبابكر الصديق وعمر رضوان الله عليهم يعلمون أنهم مؤمنون، وأنهم على خير، وإنما يريدون أن يستحثوهم للخروج في سبيل الله، ولكنهم متثاقلون إلى الأرض، وكثيرًا ما يحدث ذلك معنا، أن يشعر المرء أنه يريد أن يجاهد، ويبذل نفسه لله عز وجل، ولكنه أيضًا يطلب الدنيا !، ويمنعه ذلك من القيام بأعمال لخدمة دين الله، وعمر هنا إنما يشجع هؤلاء المتثاقلين إلى الجهاد، ولا يقصد أن يتهمهم بالنفاق ).

فقام خالد بن سعيد ( أخو عمر بن سعيد ) فقال: صدق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. اجلس أخي. فجلس عمرو. وقال خالد: الحمد لله الذي لا إله إلا هو الذي بعث محمداً بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ثم أقبل على أبي بكرالصديق رضي الله عنه، فقال له: إن الله منجز وعده ومظهر دينه ومهلك عدوه، ونحن غير مخالفين ولا مختلفين، وأنت الوالي الناصح الشفيق، ننفر إذا استنفرتنا ونطيعك إذا أمرتنا، ونجيبك إذا دعوتنا ( وبذلك أعلن خالد رضي الله عنه أنه سيخرج للقتال في صفوف المسلمين المتوجهة لحرب الروم ) ؛ ففرح أبو بكر بمقالته وقال: جزاك الله خيراً من أخٍ وخليل، فقد كنت أسلمت مرتغباً وهاجرت محتسباً، وقد كنت هربت بدينك من الكفار ( لأن خالد بن سعيد رضي الله عنه كان ممن قضى شطرًا من حياته في الحبشة، ولم يرجع إلا في فتح خيبر )، ثم قال له: وأنت أمير الناس( ووقع أبو بكر رضي الله عنه في مشكلة، إذ إنه ولى عليهم أول من قام إليه، وليس الأكفأ للقيادة، وإن كان ذلك لاينقص من كفاءة أبي بكر !!)، فَسِرْ يرحمك الله ثم إنه نزل، ورجع خالد بن سعيد فتجهز هو و أهل بيته وقبيلته جميعًا، فجاء بمجموعة كبيرة من قبيلته ( وكان من بني أمية ) إلى أبي بكر، وقال له: والله لأن أخِرَّ من حالق، أو أن تخطفني الطير بين السماء والأرض، أحب إلي من أن أبطئ عن دعوتك، وأخالف أمرك فوالله ما أنا في الدنيا راغب، ولا على البقاء فيها بحريص، وإني أشهدكم أني وأخوتي وفتياني ومن أطاعني في أهلي حبيس في سبيل الله، نقاتل المشركين أبدًا، حتى يهلكهم الله، أو نموت في سبيله ).

فيسر أبا بكر رضي الله عنه بحديثه سرورًا شديدًا، ويعطيه اللواء، ويصبح هو أمير الجيوش التي تخرج إلى الشام.

بعد هذا القرار يجيء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فيحدث أبابكر، ويعترض على تعيينه خالد بن سعيد أميرًا للجيوش، ويقول له: أتجعله أميرًا بعدما قال ما قال، وفعل ما فعل ؟!!.....

وقد كان خالد بن سعيد رضي الله عنه عاملاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات اليمن، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختار المسلمون أبا بكر الصديق رضي الله عنه للخلافة، لم يكن خالد بينهم فلما رجع إلى المدينة، اجتهد ورأى أن الخلافة لم تكن من حق أبي بكر الصديق، ورأى أنها يجب أن تظل في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إما عثمان أوعلي رضي الله عنهما، ورفض أن يبايعه ! وظل على رأيه شهرين،واستعفى من جمع صدقات اليمن، ورفض أن يكون عاملاً لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقد اجتهد في هذا الأمر وأخطأ، فإذا أجمع المسلمون على أمر فيجب عليه أن يتبعهم، حتى وإن كان رأيه مخالفًا - وقد اجتمع المسلمون لكي يثنوه عن رأيه، فبايع أبا بكر بعد شهرين من عودته إلى المدينة،وبقي على علاقة طيبة بالمسلمين بعد ذلك.

وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يذكر الصديق رضي الله عنه بذلك، ولكن أبا بكر رضي الله عنه، لا يرى في إمرته لجيش المسلمين سوءًا، ولكن عمر قال لأبي بكر: إن خالدًا ضعيف التروءة، فلا تستنصر به (أي أنه لا يتروى، ولايتأنى في اتخاذ قراراته، فمن الممكن أن يصدر قرارًا ما يضر بالجيش الإسلامي كله، وليس له خبرة في الحرب ).

ففكر أبو بكر الصديق في هذه المشكلة، ورأى أن الحق مع عمر رضي الله عنه، فعزل أبوبكر خالدًا بعد أن أمره، وأخذ منه اللواء، وأعطاه لأمراء آخرين، يرى أن في ذلك الخير للمسلمين، وهنا تتمثل حكمة وعظمة الصديق رضي الله عنه، وأخذه برأي غيره، حتى وإن خالف ما كان يراه،إذا رأى فيه الحق، والخير لصالح المسلمين.

وليس من عيب في أن يخطئ المرء في أمر من أمور الدنيا، بل إننا نذكر ما حدث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما سأله بعض الناس عن أمر من أمور الزرع، فأشار عليهم برأيه، ثم لم يأت الحصاد بما يتوقعون !، فقال لهم رسول الله ( أنتم أعلم بأمور دنياكم )، فأمور الدنيا، والحرب، والسياسة تختلف فيها الآراء، وقد يكون لأحد فيها خبرة ودراية عن الآخر، ولهذا سمع أبو بكر لرأي عمر في هذا الأمر، في حين أنه لم يستجب له لما طلب منه عزل خالد بن الوليد عن جيوش فارس، لأنه كان مقتنعًا بموهبة خالد وبراعته في قيادة الجيش اقتناعًا شديدًا.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 16-07-2008, 04:18 PM
م مصطفى م مصطفى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 2,284
افتراضي البعوث إلى الشام

اختيار الأمراء الجدد:
اختار أبو بكرالصديق رضي الله عنه أربعة من المسلمين؛ ليكونوا أمراء على الجيوش الإسلامية في حرب الروم، فأرسل لأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، ويزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه، ولشرحبيل بن حسنة رضي الله عنه، ولمعاذ بن جبل رضي الله عنه، ويخبرهم أنه اختارهم أمراء على جيوش الشام، لكي يعدوا الجيوش، ثم يعد معسكرًا للجيش خارج المدينة في منطقة الجرش، ويصدر قرارًا آخر بإزاء القوة التي جاء بها خالد بن سعيد رضي الله عنه في جيشه، فيرسلها لكي تعسكر في تيماء، على مسافة بعيدة من المدينة في اتجاه الشام، و يأمره بأن يبقى هناك حتى تأتيه الجيوش التي ستخرج لحرب الشام، فيسمع خالد رضي الله عنه ويطيع، وفي هذا عبقرية شديدة لأبي بكر رضي الله عنه، وبُعد نظر، إذ إنه يؤمن طريق المجاهدين إلى الشام، حتى إذا حاول الروم أن يهاجموا المسلمين كانت هذه القوات مستعدة لملاقاتهم.

ومن بُعد نظر أبي بكر الصديق رضي الله عنه أيضًا أنه عينَّ يزيد بن أبي سفيان (رضي الله عنه) أحد أمراء الجيش وهو أموي من قبيلة خالد بن سعيد،حتى لا يوغر عزل خالد بن سعيد صدر هذه القبيلة الكبيرة، وبعد ذلك بدأت الوفود تتجمع إلى الجيوش خارج المدينة، ثم ذهب أبو بكر ومجلس الحرب الذي كان قد عقده لرؤية الجيوش، بعد أن كانت قد أتمت إعدادها، فلاحظ رضي الله عنه أن إعداده وعتاده كان مناسبًا، ولكن ينقصهم العدد، فسأل: ماذا ترون في هؤلاء، أترون أن نشخصهم إلى الشام في هذه العدة ؟، فقال له عمر: والله يا أبا بكر ما أرضى هذه العدة لبني الأصفر.

فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ فقالوا: نحن نرى ما رأى عمر، ففكر الصديق رضي الله عنه، وألهمه الله عز وجل الحل الذي يستطيع به أن يواجه جيش الروم.




الرجاء قراءة التالي بتمعن ، فاذا لم تبك فاعد القراءة حتى تفهم ، فاذا لم تبك فانت لم تفهم
لاني بكيت بكاءا لم ابكه في حياتي وخاصة اني لا اذكر اني بكيت ولا ابكي تحت اي ضغط او ظرف
ابك اخي المسلم حين تشعر بعزة الاسلام
ابك حينما ترى السباقين الى الشهادة
ابك عندما ترى الاستجابة السريعة لاوامر الله
ابك عندما تشاهد الفقراء والمساكين يضحون بالغالي والنفيس لاعلاء كلمة الله وعندها اعلم ان هذا الدين عظيم
اعلم ان هذا الدين اتاك على طبق من ذهب
والذي اوصله اليك ذاق ما ذاق ولاقى وقارع الصعاب كي يوصله اليك

فاين نحن منهم ؟!


بقلم د. راغب السرجانى
مقدمة
بعد أن أُعِدَّتِ العُدَّة خرج أبو بكر ذات يوم ومعه رجال من الصحابة حتى انتهى إلى عسكرهم فرأى عدة حسنة لم يرض عدتها للروم؛ فقال لأصحابه: ما ترون في هؤلاء أن نشخصهم إلى الشام في هذه العدة؟ فقال عمر: ما أرضى هذه العدة لجموع بني الأصفر؛ فقال لأصحابه: ماذا ترون أنتم؟ فقالوا: نحن نرى ما رأى عمر؛ فقال: ألا أكتب كتابا إلى أهل اليمن ندعوهم إلى الجهاد ونرغبهم في ثوابه؟ فرأى ذلك جميع أصحابه؛ فقالوا: نِعْمَ ما رأيت افعل فكتب:

(( بسم الله الرحمن الرحيم من خليفة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى من قُرِيء عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين من أهل اليمن سلام عليكم...

فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعدُ فإن الله تعالى كتب على المؤمنين الجهاد، وأمرهم أن ينفروا خفافا وثقالا ويجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والجهاد فريضة مفروضة والثواب عند الله عظيم،وقد استنفرنا المسلمين إلى جهاد الروم بالشام وقد سارعوا إلى ذلك، وقد حسنت في ذلك نيتهم، وعظمت حسبتهم

فسارعوا عباد الله إلى ما سارعوا إليه ولتحسن نيتكم فيه فإنكم إلى إحدى الحسنيين إما الشهادة وإما الفتح والغنيمة فإن الله تبارك وتعالى لم يرضَ من عباده بالقول دون العمل، ولا يزال الجهاد لأهل عداوته حتى يدينوا بدين الحق ويقروا لحكم الكتاب

ثم يختم الصديق خطبته لهم: حفظ الله لكم دينكم وهدى قلوبكم وزكى أعمالكم ورزقكم أجر المجاهدين الصابرين

(( وهنا نلمح ملحمًا رائعًا عند الصديق رضي الله عنه، وهو حسن الظن بالمؤمنين، وذلك سيرًا على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي قال فيما يرويه ابن ماجة وأحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه، وضعفه الألباني عن أبي سَعِيدٍ الخدري رضي الله عنه: إِذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسَاجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: [إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّه... ]

كما يوضح الصديق ـ رضي الله عنه ـ أن الجهاد في الإسلام ليس فقط للدفاع عن الإسلام من القوى الخارجية، ولكن لتحرير الشعوب من حكامهم المستبدين، و نشر دين الله في الأرض، ثم ترك حرية الاختيار لهم بعد ذلك.

وهكذا نرى الصديق ( رضي الله عنه وأرضاه ) رقيقًا في التعامل مع الجنود المسلمين، حتى وإن كان من حقه الإمرة عليهم، وتوجيه الأوامر المباشرة،ويجب عليهم طاعته..

وهكذا يجب أن يكون كل والٍ على أي أمر من أمور المسلمين، يجب أن يتحلى برقة الطبع، و الرقة في الطلب، وذلك يشمل المسئول في عمله، كما يشمل الرجل في أهل بيته، انطلاقًا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته... الحديث

وبعث بهذا الكتاب مع أنس بن مالك رضي الله عنه الذي يروي ما كان من أمر هذه الرسالة إذ يقول: ( أتيت أهل اليمن جناحًا جناحًا وقبيلة قبيلة أقرأ عليهم كتاب أبي بكر، وإذا فرغت من قراءته قلت:

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. بسم الله الرحمن الرحيم، أما بـعد.

فإني رسول خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول المسلمين إليكم. ألا وإني قد تركتهم مُعَسكِرِين ليس يمنعهم من الشخوص إلى عدوهم إلا انتظاركم، فعجلوا إلى إخوانكم، رحمة الله عليكم أيها المسلمون.

يقول: فكان من أقرأ عليه ذلك الكتاب،ويسمع مني هذا القول يحسن الرد علي، ويقول: ونحن سائرون، وكأنا قد فعلنا، حتى انتهيت إلى ذي الكلاع، فلما قرأتُ عليه الكتاب، وقلت هذا المقال دعا بفرسه وسلاحه، ونهض في قومه من ساعته، ولم يؤخر ذلك، وأمر بالمعسكر، فما برحنا حتى عسكر وعسكر معه جموع كثيرة من أهل اليمن، وسارعوا، فلما اجتمعوا إليه قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "أيها الناس، إن من رحمة الله إياكم، ونعمته عليكم أن بعث فيكم رسولاً، وأنزل عليكم كتابًا فأحسن عنه البلاغ، فعلَّمكم ما يرشدكم ونهاكم عما يفسدكم، حتى علمكم ما لم تكونوا تعلمون، ورغبكم فيما لم تكونوا ترغبون، ثم دعاكم إخوانكم الصالحون إلى جهاد المشركين، واكتساب الأجر العظيم، فلينفر من أراد النفير معي الساعة"

وهنا يبدو لنا في موقف (ذو الكلاع الحميري) رضي الله عنه، أنه سارع مباشرة في تنفيذ أمر أنس بن مالك، وطاعة خليفة المسلمين، ذلك أن المسلم مأمورٌ ليس بفعل الخير فحسب، بل مأمورٌ بالمسارعة إليه والقيام إليه دون تكاسل أو توانٍِ؛ فالمسارعة في الخيرات هي أسلوب القرآن الكريم دائمًا: [وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ] [آل عمران: 133].. وهناك فرق بين فعل الخير وبين المسارعة فيه، فالله تعالى يريد منا المسارعة في الخير ويريدنا أن نلجأ إليه كالذي يفِرّ (ففروا الى الله) ولم يقل امشوا أو اذهبوا. المسارعة إذن واجبة وهي التوجه باقبال واندفاع الى الله تعالى ولا نكون كالمنافقين الذين إذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى.

.. ولنا في سيرة رسول الله وصحابته الأسوة، إذ مَرَّ علينا موقف الصحابي الجليل ( كعب بن مالك ) رضي الله عنه في غزوة تبوك، إذ كان عازمًا على الخروج مع رسول الله، فلما تكاسل قليلاً، وتأخر، فاته الخير الكثير، و غضب رسول الله عليه، و أصبح كعب من ( المخلَّفين )، حتى تاب إلى الله وأناب، فتاب الله عليه بعد ذلك...

وربما كان أنس على رأس وفد، ولم يكن وحده في سفارته تلك إلى اليمن، فما كان لفرد أن يبلغ جميع زوايا اليمن جناحًا جناحًا، وقبيلة قبيلة في مهمة عاجلة، ولقد كان أنس يتحدث في بعض أجزاء روايته بصيغة الجمع، وفي تقديرنا أن (أنس بن مالك) رضي الله عنه بدأ رحلة العودة من اليمن في حوالي النصف من جماد الثاني 12 هـ، وأنه بلغ المدينة في 11 رجب، أي أنه استمر في اليمن نحو 3 شهور.

قال أنس عن ذي الكلاع: فنفر بعدد كثير من أهل اليمن، وقدموا على أبي بكر، فرجعنا نحن فسبقناه بأيام، فوجدنا أبا بكر بالمدينة، ووجدنا ذلك العسكر قبله على حاله، ووجدنا أبا عبيدة يصلي بأهل ذلك المعسكر.

قدم أنس رضي الله عنه يبشر أبا بكر بقدوم أهل اليمن وقال: يا خليفة رسول الله وحقك على الله ما قرأت كتابك على أحد إلا وبادر إلى طاعة الله ورسوله، وأجاب دعوتك وقد تجهزوا في العدد والعديد والزرد النضيد، وقد أقبلت إليك يا خليفة رسول الله مبشراً بقدوم الرجال، وأي رجال! وقد أجابوك شعثاً غبراً وهم أبطال اليمن وشجعانها، وقد ساروا إليك بالذراري والأموال والنساء والأطفال، وكأنك بهم وقد أشرفوا عليك ووصلوا إليك فتأهب إلى لقائهم. قال: فسر أبو بكر رضي الله عنه بقوله سروراً عظيماً، وأقام يومه ذلك حتى إذا كان من الغد وفي حوالي 16 من رجب 12 هـ قدمت حِمير على أبي بكر، فأقبلوا وقد لاحت غبرتهم لأهل المدينة.

وتزينت المدينة، وخرجت لاستقبال جيش اليمن.. فكان أول قبيلة ظهرت من قبائل اليمن حمير وهم بالدروع الداودية، والبيض العادية،والسيوف الهندية وأمامهم ذو الكلاع الحميري رضي الله عنه. فلما قرب من الصديق رضي الله عنه أحب أن يعرفه بمكانه وقومه وأشار بالسلام وجعل ينشد ويقول:

أتتك حمير بالأهلين والولد... أهل السوابق والعالون بالرتب

أسد غطارفة شوس عمالقة... يردوا الكماة غداً في الحرب بالقضب

الحرب عادتنا والضرب همتنا... وذو الكلاع دعا في الأهل والنسب

دمشق لي دون كل الناس أجمعهم... وساكنيها سأهويهم إلى العطب

قال: فتبسم أبو بكر الصديق رضي الله عنه من قوله، ثم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا أبا الحسن أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا أقبلت حمير ومعها نساؤها تحمل أولادها فأبشر بنصر الله على أهل الشِّرك أجمعين". فقال الإمام علي رضي الله عنه: صدقت وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أنس رضي الله عنه: وسارت حمير بكتائبها وأموالها وأقبلت من بعدها كتائب مذحج أهل الخيل العتاق، والرماح الدقاق، وأمامهم سيدهم قيس بن هبيرة المرادي رضي الله عنه، فلما وصل إلى الصديق رضي الله جعل يقول: صلوا على طه الرسول:

أتتك كتائب منا سراعاً... ذوو التيجان أعني من مراد

فقدمنا أمامك كي ترانا... نبيد القوم بالسيف النجادي

قال: فجزاه أبو بكر رضي الله عنه وتقدم بكتائبه ومواليه، وتقدمت من بعده قبائل طيء يقدمها حارث بن مسعد الطائي رضي الله عنه، فلما وصل هم أن يزجل فأقسم عليه أبو بكر رضي الله عنه بالله تعالى أن لا تفعل فدنا منه فصافحه وسلم عليه وأقبلت الأزد في جموع كثيرة يقدمها جندب بن عمرو الدوسي رضي الله عنه، ثم جاءت من بعدهم بنو عبس يقدمهم الأمير ميسرة بن مسروق العبسي رضي الله عنه، وأقبلت من بعدهم بنو كنانة يقدمهم غيشم بن أسلم الكناني، وتتابعت قبائل اليمن يتلو بعضها بعضاً ومعهم نساؤهم وأموالهم، فلما نظر أبو بكر رضي الله عنه إلى نصرتهم سر بذلك، وشكر الله تعالى، وأنزل القوم حول المدينة كل قبيلة متفرقة عن صاحبتها واستمروا؛ فأضر بهم المقام من قلة الزاد وعلف الخيل، وجدوبة الأرض؛ فاجتمع أكابرهم عند الصديق رضي الله عنه، وقالوا: يا خليفة رسول الله إنك أمرتنا بأمر؛ فأسرعنا لله ولك رغبة في الجهاد، وقد تكامل جيشنا وفرغنا من أهبتنا، والمقام قد أضر بنا لأن بلدك ليست بلد جيش، ولا حافر ولا عيش، والعسكر نازل فإن كنت قد بدلت فيما عزمت عليه فَأْمُرنا بالرجوع إلى بلدنا وأقبل الجميع وخاطبوه بذلك، فلما فرغوا من كلامهم قال أبو بكر رضي الله عنه: يا أهل اليمن-ومن حضر من غيرهم-: أما والله ما أريد لكم الإضرار، وإنما أردنا تكاملكم، قالوا: إنه لم يبق من ورائنا أحد فاعزم على بركة الله تعالى.

وكان ممن توافد في أهل اليمن (قيس بن مكشوح) وكان من فرسان العرب في الجاهلية، وكان قد ارتدَّ بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم آمن، ثم ارتد ثم آمن، وقد وافق أبو بكر رضي الله عنه على الاستعانة به، على الرغم من أنه لم يكن يستعين بأحد من المرتدين في حروب الروم، ولكنه اطمئن إلى إيمان (قيس)، كما أنه كان من رؤساء قومه..

التعديل الأخير تم بواسطة م مصطفى ; 16-07-2008 الساعة 04:23 PM
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 16-07-2008, 04:32 PM
م مصطفى م مصطفى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 2,284
افتراضي وصية أبي بكر ليزيد:

وقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه من ساعته يمشي على قدميه وحوله جماعة من الأصحاب منهم عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، وخرجوا إلى ظاهر المدينة، ووقع النداء في الناس، فكبروا بأجمعهم فرحاً لخروجهم وأجابتهم الجبال لدوي أصواتهم، وعلا أبو بكر على دابته حتى أشرف على الجيش فنظر إليهم قد ملأوا الأرض فتهلل وجهه، وقال: اللهم أنزل عليهم الصبر، وأيدهم، ولا تسلمهم إلى عدوهم [إنك على كل شيء قدير] (البقرة: 20).

وكان أول من دعاه أبو بكر رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان، وعقد له راية وأمَّره على ألف فارس من سائر الناس، ودعا بعده رجلاً من بني عامر بن لؤي يقال له: ربيعة بن عامر، وكان فارساً مشهوراً في الحجاز فعقد له راية وأمره على ألف فارس، ثم أقبل أبو بكر رضي الله عنه على يزيد بن أبي سفيان، وقال له: هذا ربيعة بن عامر من ذوي العلا والمفاخر قد علمت صولته وقد ضممته إليك، وأمَّرْتُك عليه؛ فاجعله في مقدمتك، وشاوره في أمرك ولا تخالفه؛ فقال يزيد: حباً وكرامة.

وأسرعت الفرسان إلى لبس السلاح، واجتمع الجند، وركب يزيد بن أبي سفيان، وربيعة بن عامر، وأقبلا بقومهما على أبي بكر رضي الله عنه؛ فأقبل يمشي مع القوم؛ فقال يزيد: يا خليفة رسول الله الناجي، من غضب الله من رضيت عنه، لا نكن على ظهور خيولنا، وأنت تمشي فإما أن تركب وإما أن ننزل. فقال: ما أنا براكب وما أنتم بنازلين، وسار إلى أن وصل إلى ثنية الوداع فوقف هناك؛ فتقدم إليه يزيد فقال: يا خليفة رسول الله أوصنا، فقال أبو بكر (رضي الله عنه):

يا يزيد إني أوصيك بتقوى الله وطاعته، والإيثار له والخوف منه، إذا سرت فلا تضيق على نفسك، ولا على أصحابك في مسيرك، ولا تغضب على قومك ولا على أصحابك، وشاورهم في الأمر، واستعمل العدل، وباعد عنك الظلم والجور؛ فإنه لا أفلح قوم ظلمو، ولا نُصِروا على عدوهم، وإذا لقيتم القوم.. "فلا تولوهم الأدبار، ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير"، وإذا أظفرك الله عليهم فلا تَغلُل ولا تمثل ولا تغدر ولا تجبن و لا تقتلوا ولداً ولا شيخاً ولا امرأة ولا طفلاً، ولا تعقروا بهيمة إلا بهيمة المأكول، ولا تغدروا إذا عاهدتم ولا تنقضوا إذا صالحتم، وستمرون على قوم في الصوامع رهباناً يزعمون أنهم ترقبوا في الله، فدعوهم ولا تهدموا صوامعهم..


(وهكذا تكون فتوحات المسلمين دائمًا، يحرص المسلمون كل الحرص على ألا يؤذوا المدنيين، ولا يلحقوا الضرر بالمصالح العامة للمدن والبلاد المفتوحة، حتى إن تاريخ حروب المسلمين كله لم يُذكر فيه قتل لأي شيخ (إلا ما كان في موقعة الشيخ في فتوح فارس، لأنه كان قائد جيش الفرس) ولم تقتل النساء أبدًا، إلا المرة الوحيدة التي قُتلت فيها امرأة، كانت التي وضعت السم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح خيبر، لأنها قتلت بذلك السم أحد الصحابة.. أما المدنيون الذين لا يحاربون المسلمين، ولا يمنعونهم من إيصال دعوة الله إلى الناس، فلا يقاتلهم المسلمون أبدًا عملاً بقوله تعالى: [لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ] [الممتحنة: 8] وكذلك يحرص الخليفة رضي الله عنه على أن ينبههم إلى عدم قطع النخل والشجر، لأن ذلك يضر بالمصلحة العامة، ولم يحدث أن قطع المسلمون نخلاً أو شجرًا إلا ما كان للضرورة في غزوة (بني النضير) عندما اضطر المسلمون لحرق النخل؛ لأن اليهود كانوا يستخدمونها في حربهم، ولأن ذلك يفت في عضد الجيش الضخم الكبير.

ثم يواصل الصديق وصيته: وستجدون قوماً آخرين من حزب الشيطان وعبدة الصلبان، قد حلقوا أوساط رءوسهم حتى كأنها مناحيض العظام (هؤلاء يحرضون على قتال المسلمين)، فاعلوهم بسيوفكم حتى يرجعوا إلى الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فإذا لقيتم العدو من المشركين إن شاء الله، فادعوهم إلى ثلاث خصال، فإن أجابوكم فاقبلوا منهم، وكفوا عنهم، ثم ادعوهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن هم فعلوا فأخبروهم أن لهم مثل ما للمهاجرين (المجاهدين)، وعليهم ما على المهاجرين، وإن هم دخلوا في الإسلام، واختاروا دارهم على دار المهاجرين، فأخبروهم أنهم كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي فرض على المؤمنين، وليس لهم في الفيء والغنائم شيء حتى يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا أن يدخلوا في الإسلام، فادعوهم إلى الجزية، فإن هم فعلوا، فاقبلوا منهم، وكفوا عنهم، وإن هم أبوا فاستعينوا بالله عليهم، فقاتلوهم إن شاء الله.. ولينصرن الله من ينصره ورسله بالغيب.. وقد استودعتكم الله، وعليكم سلام الله ورحمته)

ثم عانقه وصافحه، وقال ليزيد: (إنك أولُ أمرائي، وقد وليتك على رجال من المسلمين أشراف غير أوزاع في الناس (ليسوا ضعفاء أو جفاة..) فأحسن صحبتهم، ولتكن معهم كتفًا، واخفض لهم جناحك وشاروهم في الأمر، أحسن الله لك الصحبة وعلينا الخلافة.

وقد أورد ابن الأثير هذه الوصيـة على هذا النحو:

(إني قد وليتك لأبلوَك وأجربَك وأخرجَك، فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك، وإن أسأت عزلتك، فعليك بتقوى الله فإنه يرى من باطنك مثل الذي من ظاهرك، وإن أولى الناس بالله أشدهم تولياً له، وأقرب الناس من الله أشدهم تقرباً إليه بعمله، وقد وليتك عمل خالد فإياك وعبية الجاهلية؛ فإن الله يبغضها ويبغض أهلها، وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم، وابدأهم بالخير، وعدهم إياه.. وإذا وعظتهم فأوجز؛ فإن كثير الكلام يُنسِي بعضه بعضاً، وأصلح نفسك يصلح لك الناس، وصل الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها، وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم، وأقلل لبثهم؛ حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به.. ولا ترينهم فيروا خللك ويعلموا علمك، وأنزلهم في ثروة عسكرك، وامنع من قِبَلك من محادثتهم، وكن أنت المتولي لكلامهم، ولا تجعل سرك لعلانيتك فيخلط أمرك، وإذا استشرت فاصدق الحديث تُصدق المشورة، ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك، واسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار وتنكشف عندك الأستار، وأكثر حرسك وبددهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك، فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه وعاقبه في غير إفراط، وأعقب بينهم بالليل، واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة فإنها أيسرهما لقربها من النهار، ولا تخف من عقوبة المستحق، ولا تلِجَنَّ فيها، ولا تسرع إليها، ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده، ولا تجسس عليهم فتفضحهم، ولا تكشف الناس عن أسرارهم، واكتف بعلانيتهم، ولا تجالس العابثين، وجالس أهل الصدق والوفاء، واصدق اللقاء، ولا تجبن فيجبن الناس، واجتنب الغلول فإنه يقرب الفقر ويدفع النصر، وستجدون أقواماً حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما حبسوا أنفسهم له).

وهذه من أحسن الوصايا وأكثرها نفعاً لولاة الأمر.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 16-07-2008, 04:36 PM
م مصطفى م مصطفى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 2,284
افتراضي أبو بكر يودع الجيش قبل تحركه:

بدا لأبي بكر أن ينصرف إلى المدينة، فقام في الجيش، فحمد الله وأثنى عليه، ثم أمرهم بالمسير، وبشرهم بالفتح،

وقال: ".. حتى تبنوا فيها المساجد، فلا يعلم أنكم تأتونها تلهيًا، والشام أرض شبيعة، يكثر لكم فيها من المطعم والمشرب، فإياكم والأشر، أما ورب الكعبة لتأشرنَّ، ولتبطرن، أوصيكم بتقوى الله عز وجل، ولا تهدموا بيتًا ولا بيعة، ولا تقطعوا شجرًا مثمرًا، ولا تعقروا بهيمة إلا لأكل، ولا تحرقوا نخلاً ولا تعزقوه، ولا تعصوا، ولا تجبنوا..."


ونلاحظ أن الصديق رضي الله عنه يوصي الجيش بمثل ما وصى به قائده، حتى يقول لهم: "إذا أنا انصرفت من مقامي هذا فاركبوا ظهوركم (أي خيولكم) ثم صفوا إليَّ صفًا واحدًا حتى آتيكم" فمرَّ على أولهم، حتى أتى على آخرهم يسلم عليهم جميعًا!!

كم يستغرق وقت ذلك التوديع المهيب، من خليفة المسلمين، وأعلى قيادة في الدولة لهذا الجيش الأول الخارج لحرب إحدى أعظم قوتين في العالم آنـذاك؟؟!..

فإذا كان الجيش قد بلغ 7 آلاف وخمسمائة مجاهد فلا بد أن ذلك استغرق من أبي بكر رضي الله عنه وقتًا كبيرًا (قد يصل إلى 10 ساعات!!)، وكل ذلك من أجل رفع الروح المعنوية للجيش المسلم، و تقوية رصيده الإيماني حتى يهجموا على الروم هجمة واحدة بعون الله..

وهكـذا سار يزيد بجنده إلى الشام، فكان أبو بكر يدعو في كل يوم غدوة وعشيًا بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر، فيقول: (اللهم إنك خلقتنا ولم نك شيئًا، ثم بعثت إلينا رسولاً رحمة منك لنا، وفضلاً منك علينا فهديتنا وكنا ضُلالاً، وحببت إلينا الإيمان وكنا كفارًا، وكثرتنا وكنا قليلاً، وجمعتنا وكنا أشتاتًا، وقويتنا وكنا ضعافًا، ثم فرضت علينا الجهاد، وأمرتنا بقتال المشركين حتى يقولوا: "لا إله إلا الله" ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون..

اللهم إنا نطلب رضاك، ونجاهد أعداءك، من عدل بك وعبد معك إلهاً غيرك، تعاليت عما يقولون علوًا كبيرًا، اللهم فانصر عبادك المسلمين على عدوك من المشركين، اللهم افتح لهم فتحًا يسيرًا، وانصرهم نصرًا عزيزًا، واجعل لهم من لدنك سلطانًا نصيرًا، اللهم شجع جبنهم، وثبت أقدامهم، وزلزل بعدوهم، وأدخل الرعب في قلوبهم، واستأصل شأفتهم، واقطع دابرهم، وأَبِدْ خضراءهم، وأورثنا أرضهم وديارهم وأموالهم، وكن لنا وليًا وبنا حفيًا، وأصلح لنا شأننا كله، ونياتنا وقضاءنا وتبعاتنا، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين، واغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات.. الأحياء منهم والأموات، ثبتنا الله وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخـرة إنه بالمؤمنين رءوف رحيم).

وجَدَّ القوم في السير، فقال ربيعة بن عامر: ما هذا السير يا يزيد؟ وقد أمرك أبو بكر أن ترفق بالناس في سيرك، فقال يزيد: يا عامر إن أبا بكر رضي الله عنه سيعقد العقود ويرسل الجيوش فأردت أن أسبق الناس إلى الشام فلعلنا أن نفتح فتحاً قبل تلاحق الناس بنا فيجتمع بذلك ثلاث خصال: رضاء الله عز وجل، ورضاء خليفتنا، وغنيمة نأخذها. فقال ربيعة: فَسِرِ الآن ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال: فأخذ القوم في السير على وادي القرى ليخرجوا على تبوك ثم على الجابية إلى دمشق.

وكان خروج يزيد من المدينة في 23 رجب 12 هـ، في حين كان خالد بن الوليد وعياض بن غنم يحاصران دومة الجندل ضمن عملياتهما في فتح العراق.. وما لبثت دومة الجندل أن سقطت في يد خالد في24من رجب، ولا شك أن ذلك كان له أثر في تأمين الطريق من المدينة إلى الشام، وقد كانت دومة الجندل محاصرة منذ أوائل ذلك العام.

سار يزيد بجيشه من المروة سالكًا طريق تبوك كما أمره أبو بكر، وكانت تبوك على نشز مرتفع في سهل رملي بين جبل (حسمى) إلى الغرب، وجبل ( شرودي) في شرقيها، وعلى الحدود الشمالية لبلاد العرب، ومن بعدها تبدأ حدود الدولة الرومية..

ويمتد الطريق من المدينة إلى تبوك، ومنها إلى ذات المنازل.. وهو طريق شاق وصفه ابن بطوطة بأنه طريق وعر، ليس يسيرًا السير فيه، ولكن يزيد سار بجيش المسلمين فيه، ووصل إلى (البلقاء) فنزلهـا، وانتظر أوامر أبي بكر..
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 16-07-2008, 04:45 PM
م مصطفى م مصطفى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 2,284
افتراضي خروج أبي عبيدة وشراحبيل

مقدمة


بعد أن خرج جيش يزيد إلى الشام في 23 من رجب عام 12 هـ. أرسل الصديق رضي الله عنه المدد له حتى بلغ قوام الجيش في علياء نحو 7500 مقاتل. وواكب ذلك سقوط "دومة الجندل " في يد خالد بن الوليد رضي الله عنه ( 24 من رجب ). وبذلك تم تأمين طريق المسلمين إلى الشام. وبقيت القوة التي يرأسها (خالد بن سعيد ) في تيماء. وبعد خروج يزيد بثلاثة أيام فقط أمر الصديق رضي الله عنه بخروج الجيش الثالث لفتح الشام. والذي كان بقيادة ( شرحبيل بن حسنة) رضي الله عنه. فأحضره الصديق. وأخذ يوصيه للقتال فقال له: أسمعت وصيتي إلى يزيد بن أبي سفيان. قال له: نعم. قال: فإني

أوصيك بمثلها. غير أني قد سهوت عن بعض الأمور. فإني أحدثك إياها. ويبلغها من يبلغها بعد ذلك إلى يزيد. فقال له: أوصيك بالصلاة على وقتها ويظهر من هذا الموقف أن المسلمين كانوا يحرصون على الصلاة على وقتها.حتى في أحلك المواقف. فإنهم كانوا يجمعون الظهر بالعصر. والمغرب مع العشاء. بحيث لا يفوتهم وقت الصلاة. ويصلون الصبح. قبل طلوع الشمس دائمًا. حتى أنهم عندما فاتتهم صلاة الصبح في فتح تستر. وكانوا آنذاك على أبواب الفتح. وكان أمامهم إما حرب الفرس والفتح. وإما صلاة الصبح. فاختار أبو موسى الأشعري الدخول في الفتح. ثم ندم على ذلك ندمًا عظيمًا. وقال: لقد أضعت اليوم صلاة. ما أود أن لي الدنيا جميعًا بهذه الصلاة. وهذا على الرغم من أن المسلمين كانوا مضطرين لفعل ذلك. وإلا لهاجمهم الفرس وقتلوهم.... )

ثم قال له: وبالصبر يوم البأس حتى تظفر أو تقتل ( فالمسلم دائمًا بين إحدى هاتين الحسنيين. إماالنصر وإما الشهادة. فليس لديه الهزيمة. ولا الفرار. وحتى إن فرَّ المسلم. فإنما يفرُّ متحفزًا لقتال.. ) ثم يوصيه بثلاث وصايا أخرى. وهي وصايا قد لا يتوقع أحد أن يُوصَى بها قائد معركة. يقول له: وبعيادة المرضى. وبحضور الجنائز ( وللصديق رضي الله عنه مغزى من ذكر ذلك الأمر. لأن هذا الجيش الكبير. الذي سيخرج لملاقاة عدو خطير كالروم. لابد أنه سيكون فيه جرحى وقتلى كثيرون. فينبهه بوجوب عيادة هؤلاء المرضى. وحضور جنائز من يُتَوفىَّ من الشهداء. وإذا كان هذا الأمر للمحارب. فلاشك أننا أولى به في أمور السلم ) ثم الوصية الأخير: وذكرالله كثيرًا في كل حال ( وقد علمنا من الحروب السابقة أن القائد كان يجعل لهم شعارًا يرددونه طوال الحرب. ويكون عادةً نوعا من الذكر. يتواصى المسلمون به دائمًا ).

وكان أبو سفيان ( والد يزيد رضي الله عنه ) حاضرًا تلك الوصية فقال: رحمك الله يا أبا بكر. لقد كان يزيد بهذه الأمور مستوصيًا. وبها عاملاً قبل أن يسير إلى الشام. وهو الآن لها ألزم إن شاء الله. ( فيطمئن الصديق على أن يزيدَ كان ينفذ ما في الوصية. وهو في المدينة. ويطمئنه أنه لا شك سيأخذ بها أثناء حربه )

ويخرج جيش شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه يوم 27. من المروة إلى مكان يسمى ( بصرى ) في شمال عمان. ويمر بنفس طريق يزيد. ويتجاوز جيش يزيد في علياء. ويعسكر في منطقة ( بصرى ) كما وصف له الصديق رضي الله عنه تمامًا. ويمكث في انتظار أوامر الصديق رضي الله عنه..
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 16-07-2008, 04:52 PM
م مصطفى م مصطفى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 2,284
افتراضي خروج جيش أبي عبيدة رضي الله عنه

بعد نحو 10 أيام من خروج جيش "شرحبيل" رضي الله عنه.يأمر الصديق بخروج جيش أبي عبيدة. وكان فيهم " قيس بن مكشوح " أحد الذين ارتدوا مرتين: في حياة الرسول ثم عاد، وبعد وفاته (صلَّى الله عليه وسلم ) مرة أخرى ثم عاد إلى الإسلام. وقبل الصديق أن يخرج في جيش المسلمين إلى الشام. لما رأى له من المكانة والرأي والبأس. وكان قد اطمئن لمكانته وإسلامه. وكان يخشى أن يكون في صدر أبا عبيدة مأخذًا عليه. أو ألا يستعين به في القتال. فذهب إلى أبي عبيدة. وقال له: إنه قد صحبك رجل عظيم الشرف. فارس من فرسان العرب. ليس للمسلمين غناء عن رأيه ومشورته. وبأسه في الحرب. فأدنه. وأره أنك غير مستغنٍ عن رأيه. ولا مستهين بأمره. فإنك تستخرج بذلك نصيحته لك. وجهده وجده على عدوك.

ثم يقول لقيس: إني بعثتك مع أبي عبيدة بن الجراح الأمين الذي إذا ظُلِم لم يظلم. وإذا أُسِيءَ إليه غفر. وإذا قُطِعَ وصل ( وهو هنا يعظم له من شأن أبي عبيدة بما فيه من خصائل حميدة. وذلك حتى لا يعلو على أمره. ولكي يستجيب لتعليماته. لأن قيسًا كان من كبار الناس في الجاهلية. وخشي الصديق أن يختلف مع أبي عبيدة... وجدير بالذكر أن تلك الصفات يجب أن يتحلى بها كل مسلم. ولكن الأجدر بها هو من يملك زمام الأمور. لأنه إذا كانت عنده القدرة على الظلم فظلم فإن لذلك مضار كثيرة على المسلمين. أما من لا يملك السلطة فإن قدرته على الظلم ستكون ضعيفة.. ) رحيم بالمؤمنين. شديدٌ على الكافرين. فلا تَعْصينَّ له أمرًا ولا تخالفنَّ له رأيًا. فإنه لن يأمرك إلا بخير. وقد أمرته أن يسمع منك.( يشير له أنه لم يغفل مكانته عند أبي عبيدة. وأنه عظَّم من شأنه ) فلا تأمره إلا بتقوى الله. فإنا كنا نسمع أنك شريفٌ ذو بأس. سيد مجرب في زمان الجاهلية. فلا تنصحه إلا بخير فإنه سيسمع لك. فاجعل بأسك وشدتك ونجدتك في الإسلام على المشركين. وعلى من كفر بالله وعبد معه غيره. فقد جعل الله عز وجل في ذلك الأجر العظيم.والثواب الجزيل.

فيقول "قيس بن مكشوح ". وقد انشرح صدره من هذه الكلمات: إن بقيت وأبقاك الله. فسيبلغك عني من حيطتي للمسلمين. وجهدي على الكافرين ما تحب. وتُسَرُّ إن شاء الله رب العالمين.

وقد كان على عهده رضي الله عنه. وأبلى بلاءً حسنًا في حروب الشام. وقال أبو بكر رضي الله عنه. بعد أن رأى له بعض المواقف المشهودة في فتح الشام. قال: صدق قيس بن مكشوح.

ثم يقول أبو بكر لأبي عبيدة: إنك تخرج في أشراف الناس. وبيوتات العرب. وصلحاء المسلمين.وفرسان الجاهلية. كانوا يقاتلون قبل ذلك على الحمية. وهم يقاتلون اليوم على النية الحسنة. أَحْسِنْ صحبة من صحبك. وليكن الناس عندك في الحق سواء.

ثم يوصيه وصية أخرى بعد أن ولىَّ بكلمات كأنها الوداع الأخير له ( لأن أبا بكر قد توفاه الله قبل أن يعود أبو عبيدة بجيشه ) يقول له: يا أبا عبيدة. اعمل صالحًا. وعش مجاهدًا. وتوفَّ شهيدًا. يعطك الله كتابك بيمينك. وتقر عينك في دنياك وآخرتك. فوالله إني لأرجو أن تكون من التوابين الأوابين المخشعين الزاهدين في الدنيا. والراغبين في الآخرة. إن الله قد صنع بك خيرً. وساقه إليك إذ جعلك في جيش من المسلمين إلى عدوه من المشركين. فقاتل من كفر بالله وأشرك معه غيره.

وهي وصية جامعة من أبي بكر الصديق رضي الله عنه. إلى أبي عبيدة الجراح رضي الله عنهما. يجب أن نحفظها جيدًا. ونتذكرها جيدًا. ونتوقف هنا عندها قليلاً:

يقول له: ( اعمل صالحًا) وهذا جُمَّاع كل خير. أن يعمل المرء الأعمال الصالحة في حياته. ولن يقبل الله سبحانه منا مجرد النيات. وإنما يقبل العمل الصالح.الموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأفضل هذا العمل ( الجهاد في سبيل الله ) لذلك يقول له ( عش مجاهدًا )

فضل الجهاد والشهادة:

( وفي فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله يروى عن التابعيِّ الجليل عبد الله بن المبارك رحمه الله. أنه عندما كان يجاهد في بلاد الشام.أتته رسالة من الفضيل بن عياض -وكان مجاورا بالحرمين الشريفين، ويلقب بعابد الحرمين- يدعوه فيها إلى المجاورة معه ؛ فأراد أن يعرفه أن الاعتكاف -على عظم أجره -لايُقارن بالجهاد في سبيل الله ؛ فأرسل إليه قائلا:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا.... لعلمت أنك بالعبادة تلعب

من كان يخضب خده بدموعه... فنحورنا بدماءنا تتخضب

أو كان يتعب خيله في باطل.... فخيولنا يوم الصبيحة تتعب

ريح العبير لكم. ونحن عبيرنا... وهج السنابك والغبار الأطيب

ولقد أتانا من مقال نبينا.... قول صحيح صادق لا يكذب

لا يستوي غبار خيل الله في.... أنف امرىء ودخان نار تلهب
هـذا كتاب الله ينطق بيننا... ليس الشهيد بميت لا يكذب

ويسمع الفضيل ذلك فتذرف عيناه. ويقول: صدق أبو عبد الرحمن. ثم قال لمن جاءه بالرسالة: أأنت ممن يكتب الحديث؟. قال: نعم. قال له: فاكتب هذا الحديث أجر حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا: (( حدثنا منصور بن المعتمر عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه. أن رجلاً قال يا رسول الله: علمني عملاً أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر. وتصوم فلا تفطر؟ ) فقال: يا رسول الله أنا أضعف من أن أستطيع ذلك ؛ فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ( فوالذي نفسي بيده لو طوقت ذلك ( أي أطقته ) ما بلغت المجاهدين في سبيل الله. أو ما علمت أن المجاهد ليستن في طَوْله فيكتب له بذلك الحسنات ) أي بمجرد أن يسن رمحه في أرض القتال استعدادًا للمعركة يكتب له بذلك الحسنات. حتى قبل أن يبدأ القتال. فهذا من عظيم أجر المجاهدين في سبيل الله.))

في البخاري: عنَّ أَبَي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ قَالَ: لا أَجِدُهُ قَالَ هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلا تَفْتُرَ وَتَصُومَ وَلا تُفْطِرَ؟ قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟!!

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ فَرَسَ الْمُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طَوَلِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٌ.

لذلك يوصي أبو بكر أبا عبيدة بهذه الوصية الجامعة. يقول له اعمل صالحًا. وعش مجاهدًا. ثم من بين المجاهدين يجعله في درجة أعلى. فيقول له: ( ومت شهيدًا). أي أن حياته في الجهاد في سبيل الله تؤهله بإذن الله لأن يموت شهيدًا. فعلى الرغم من أنه اختيار من الله. إذ يقول عز وجل: ( ويتخذ منكم شهداء). ولكن إذا كانت حياة الرجل كلها جهادٌ في سبيل الله. وعمل للصالحات. فإن الله عز وجل سينيله هذا الشرف العظيم. وهو الشهادة في سبيله.

( ثمَّ يفضي إليه الصديق بمكنون نفسه فيقول له: أحببت أن أخبرك بمنزلتك عندي بعد أن علمت منزلتك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. فوالله يا أبا عبيدة. ما أعدل بك أحدًا من المهاجرين ولا الأنصار على الأرض إلا أنت وهذا الرجل ( وأشار إلى عمر بن الخطاب )

وهكذا يخرج جيش أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه. ويتجه إلى الشام مثل بقية الجيوش. ولكن أبا عبيدة يتجاوز كل الجيوش. ويصل إلى منطقة الجابية. جنوب دمشق بنحو 50 كلم. وكلهم في انتظار الأمر بالقتال من خليفة رسول الله أبو بكر الصديق رضي الله عنه.ويمر أبو عبيدة في طريقه بمدينة صغيرة. هي مدينة (مآب) وفيها يجد قوة رومية صغرى. تخرج لحرب المسلمين. ويرسل إليهم أبو عبيدة رسالة. يدعوهم فيها إما إلى الإسلام أو الجزية. أو إلى الحرب. فيقيسون قوتهم أمام قوة المسلمين. ويقبلون بالجزية. ويصالحون المسلمين. ويفتح أبو عبيدة تلك المدينة الصغيرة. ثم يتحرك إلى الجابية. كان هذا أول لقاء مع الروم. ولكن لم يحدث فيه قتال.

وهكذا بعد خروج الجيوش الثلاثة. وبعد سقوط دومة الجندل في أيدي المسلمين. اطمأن أبو بكرالصديق رضي الله عنه إلى سلامة الطريق إلى الشام. فرأى أنه لا ضرورة لبقاء القوة الموجودة في " تيماء" بقيادة خالد بن سعيد رضي الله عنه. فأمره بالتوجه إلى الشام لحرب الروم مع الجيوش السابقة. و أن يختار أي الجيوش للانضمام إليها. فيأخذ خالد الرسالة. ويعود إلى المدينة!! يودع أبا بكر الصديق ويشد على يده. ويقول له: يا أبا بكر. حفظك الله للمسلمين. فإني قد لا أراك بعد اليوم. فيبكي أبو بكر الصديق. ويبكي المسلمون من حوله. ويعلمون أنه يريد الشهادة. فيخرج معه الصديق رضي الله عنه. ويقول له: نمشي معك ( يريد أن يودعه إلى خارج المدينة ) فيقول له: بل ابق. فيقول له أبو بكر: بل آتي معك. ومالي لا أغبر قدمي في سبيل الله ساعة. فيخرج أبو بكر. ويقول للمسلمين: من أراد أن يخرج. فيشيع معنا "خالد بن سعيد" فليفعل. فيخرج كثير من المسلمين حتى يقال إن كثيرًا من المسلمين خرجوا لتشييعه..

واختار خالد أن يكون في جيش ( أبي عبيدة ). ولم يختر أن يكون في إمرة قريبه ( يزيد بن أبي سفيان). فسأله عن ذلك بعض المسلمين ( لماذا فضل أبا عبيدة عن يزيد؟). فقال لهم: والله إن يزيد بن أبي سفيان أحب إليَّ من أبي عبيدة في قرابته. ولكن أبا عبيدة أحب إليَّ في دينه. فأختار الدين على القرابة.. ولا يقلل ذلك من دين يزيد رضي الله عنه. ولكن يضيف خالد ( ولقد كنت مع أبي عبيدة مع أوائل من أسلموا. ولقد كان معنا. إذ نأكل أوراق الشجر ) أي أنه يذكر لأبي عبيدة سبقه. وتحمله للصعاب قبل الهجرة.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 16-07-2008, 04:58 PM
م مصطفى م مصطفى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 2,284
افتراضي الروم يستعدون لمواجهة المسلمين

توجه خالد بن سعيد إلى منطقة الجابية وانضم إلى جيش أبي عبيدة. وسمع الروم عن استعدادات المسلمين لقتالهم. وأن هناك ثلاثة جيوش بدأت تحاصر الشام من الشرق والجنوب. وكان هرقل - قيصر الروم آنذاك - موجودًا في " فلسطين". ( وكان هرقل عندما وصلته رسالة رسول الله قد أخبرهم أن هـذا الرجل ( أي رسول الله صلى الله عليه وسلم ) على الحق. وأنه يجب أن نتبعه. ولكن البطاركة وأهل السطوة والنفوذ في الجيش رفضوا ذلك. وثاروا عليه. فتراجع عما قاله. وزعم أنه كان يختبر مدى ولائهم لدولة الروم ). ولم يستجب لرسول الله. ففي قلبه منذ ذلك الحين شعور أن هذا الجيش الإسلامي القادم جيش منصور. لأنه على الحق. فكان يخشى ملاقاته ) ولذا قرر أنه لن يقاتل المسلمين. وقال لهم: إني أرى أنه لو قاتلنا هؤلاء القوم لغلبونا على الشام. ولقاتلونا على جبال الروم.( أي أنه يخشى أن ينتصرالمسلمون عليهم فيأخذوا الشام. ويصلوا إلى حدود دولة الروم.. ) قال: فأرى أن نقسم معهم الشام. فنصف الأرض أحسن من ضياعها.. لكن حاشيته وقادته ثارت عليه. ورفض أخوه ذلك الأمر. وطالبوه بالحرب. فلما لم يجد (هرقل) أي استجابة منهم لرأيه وافق على الحرب. وبدأ يحمس الناس على حرب المسلمين. على الرغم من يقينه بأن هذه المعارك خاسرة.

قام قيصرالروم بإلقاء خطبة فيهم في بيت المقدس فقال: (( يا أهل هذا الدين ( أي النصرانية. وهو يخاطبهم من منطلق ديني ) إن الله عز وجل قد كان إليكم محسنًا. وكان لدينكم معزًا و له ناصرًا. على الأمم الخالية. وعلى كسرى والمجوس والترك الذين لا يعلمون. وعلى من سواهم من الأمم كله. وذلك أنكم كنتم تعملون بكتاب ربكم.فلما بدلتم وغيرتم.أطمع ذلك فيكم قومًا ما كنا نعتدهم. ولا نخاف أن نُبتلى بهم. وقد ساروا إلينا حفاة عراة جياعًا. أخرجهم إلى بلادكم قحط المطر. وجدوبة الأرض. وسوء الحال. فسيروا إليهم فقاتلوهم عن دينكم. وعن بلادكم. وعن نسائكم.وأولادكم )) فهذه خطبة قيصر الروم. نلاحظ أنه يغلب على أكثرما قال الصحة ( وخاصة ما يتعلق بـ ( كنتم تعملون بكتاب ربكم. فلما بدلتم وغيرتم أطمع فيكم أقوامًا..) إذ يرى قيصرالروم أن القوم إذا عملوا بكتاب الله.نصرهم الله. وهذا صحيح تمام الصحة. وإذا بدلوا وغيروا فإن الله سبحانه يمكن منهم أي قوم آخرين. حتى وإن كانوا أضعف منهم وأقل عدة.وحتى إن كانوا من قبلُ أذلاء لا يُعتد بهم مطلقًا. ونجد هذا الأصل باقيا عندنا في الإسلام. وقد حضَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا. إذ قال: يوشك أن تتداعى عليكم الأمم. كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أومن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: ل. بل أنتم يومئذٍكثير. ولكنكم غثاء كغثاء السيل. ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم. وليقذفن في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن يا رسول الله: قال: حب الدنيا وكراهية الموت!! رواه الترمذي من حديث ثوبان رضي الله عنه. فهاهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أننا إذا اتبعنا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كتبت لنا الغلبة على كل الشعوب. أما إذا بدلنا وغيرنا. واتبعنا هوى أنفسنا. فإن ذاك سينزع المهابة من قلوب أعداء الله. ويضع فينا حب الدنيا. وكراهية الموت. ( أي في سبيل الله ). فليس المقصود أن تنتمنى الموت. وإنما أن نكون زاهدين في الدنيا. ومحبين للشهادة في سبيل الله.فإذا عظمت عندنا الدنيا. عن الشهادة في سبيل الله فهذا هو الوهن وهذا ما يمكن الأعداء مهما كانت قلتهم منا ( كما نرى عدداليهود بالمقارنة بعدد المسلمين اليوم!) فهذا من ضعف المسلمين. وليس من قوة اليهود!!

ولكن لديه جزء واحد فقط أخطأ في تقديره. وهو قوله عن المسلمين أنه ساروا ( حفاة عراة جياعًا. أخرجهم قحط المطر. وجدوبة الأرض. وسوء الحال!) فلم يكن هذا هو ما أخرج المسلمين قطعًا. فلم يخرج المسلمون أبدًا رغبة في رغد العيش في الشام. أو رغبة في ثمار الشام.وإنما خرجوا لنصر الله عز وجل. ونشر دينه في الأرض.وتعبيد الناس لرب العالمين. وكان خلفاء المسلمين دائمًا يوصون قادتهم بألا يجعلوا الدنيا أبدًا في أعينهم. وأن يجعلوا الآخرة هي همهم الدائم.

بعد تلك الخطبة. ترك هرقل بيت المقدس فورًا. وانطلق إلى دمشق. فألقى خطابًا مثل ذلك الخطاب في أهل دمشق. يحمسهم على القتال. ثم خرج إلى حمص. فخطب نفس الخطبة. ثم خرج من حمص إلى أقصى شمال الشام في " أنطاكية" وخطب فيها نفس الخطبة. وعسكر هناك. وجعلها مقره. فأتته جموع شتى. يقول الرواة ( جموع لا يعلم عددها إلا الله ) من كثرتها. ثم يقول القيصر بعد ذلك: وإني أعلم أن جيوش المسلمين إذا جمعت بكاملها تكون أقل من مدينة من مدن الروم ( أي أنه يستقل بجيش المسلمين ). ومع ذلك ـ يقول لهم ـ فإني ممدكم بالرجال حتى لا تستطيع أرض الشام أن تتحملهم. كل ذلكم كي يلقي الحمية في قلوب جيشه. ويجعلهم واثقين من النصر. ( صورة لمواقع الروم، ومواقع المسلمين )

المسلمون يطلبون المدد:

لما رأى المسلمون ما يحشده هرقل من الجموع ؛ أرسل كل واحد من قادة المسلمين ( الثلاثة ) إلى أبي بكرالصديق رضي الله عنه. كل بمفرده رسالة. في توقيت واحد (16رمضان /12 هـ ) يسأله المدد ؛ فقرأ أبو بكر الرسائل. ثم رد عليهم بخطاب شرح صدورهم.

جاء في خطابه الذي أرسله إلى يزيد ( وفي بقية الخطابات نفس المحتوى ) يقول: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد. فقد بلغني كتابك تذكر فيه تحويل مَلِكِ الروم إلى أنطاكية ( وهنا نلمح نظرة الصديق الثاقبة. والمتفائلة ) وألقى الله الرعب في قلبه من جموع المسلمين.( فهو يرى أن خروج هرقل من القدس إلى دمشق إلى حمص إلى أنطاكية إنما هو من مواجهة جيوش المسلمين في جنوب الشام آنذاك ) ثم يقول: فإن الله ـ وله الحمد ـ قد نصرنا ونحن مع رسول الله بالرعب. وأمدنا بالملائكة الكرام ( في إشارة لغزوتي بدر والأحزاب )، وإن ذلك الدين الذي نصرنا الله به بالرعب. هو الدين الذي ندعو الناس إليه اليوم. فوربك لا يجعل الله المسلمين كالمجرمين. ولا من يشهد ألا إله إلا الله كمن يعبد معه آلهة آخرين. ويدين بعبادة آلهةٍ شتى. فإذا لقيتموهم فانهل إليهم بمن معك. وقاتلهم. فإن الله لن يخذلك.

فهكذا كانت نظرة الصديق الثاقبة. رضي الله عنه وأرضاه. وهكذا رأى أن الله عز وجل مع هذا الجيش. وأنه سبحانه لن ينصر المشركين على المؤمنين.

وهكذا فإن أي جيش إسلامي صحيح الإيمان. موجودا في أي فترةٍ من الفترات. أو أي مكان من الأماكن. إذا جعل اللهَ له نصيرا. وجعل اللهَ له وكيلاً. فإن الله عز وجل قد تكفل بنصرته.

ثم يقول أبو بكر: وأنا مع ذلك. ممدك بالرجال في إثر الرجال. حتى تكتفوا. ولا تحتاجوا إلى زيادة إنسان إن شاء الله.

وبذلك أخرج الصديق رضي الله عنه في هذه المعارك جميع قوات المسلمين التي يستطيع أن يرسلها. فقد أخرج قواتٍ إلى فارس. ثم ذهبت هذه الجيوش إلى الشام. أي أنه لم يعد لديه رجال يرسلهم!! ( حتى أنه ذهب إلى اليمن يستنجد بهم ). وعلى الرغم من ذلك. من شدة تفاؤله. ومن شدة يقينه بنصرالله. قال له ( إني ممدك بالرجال في إثر الرجال ) لكي يحفزهم. وهو على يقين أن الله سينصر هذا الجيش بهذه الأعداد القليلة. ولن يحتاجوا إلى مدد.

ووصلت هذه الرسائل إلى قادة الجيش. وقرؤوها على الجيش. فاستبشر المسلمون وفرحوا بذلك فرحًا شديدًا.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 16-07-2008, 05:05 PM
م مصطفى م مصطفى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 2,284
افتراضي الصِّدِّيق يرسل المدد

بدأ الصديق رضي الله عنه في إنفاذ وعده. فاستحث المسلمين على الخروج مرة أخرى واستحضر اثنين من القادة العظماء. هما ( هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ) ( هامش: ابن أخِ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما ) و ( سعيد بن عامر ).

فيخرج مع (هاشم ) ألف مقاتل. يرسلهم أبو بكر إلى جيش أبي عبيدة بن الجراح. ويوصيه أبو بكر رضي الله عنه. فيقول له: يا هاشم. إنه من حظك. ومن كرم الله عليك أن يجعل المسلمين يستعينون بك. فعش مجاهدًا في سبيل الله.

ثم يوصيه ( سعد بن أبي وقاص )رضي الله عنه. فيقول: يا ابن أخي. لا تضرب ضربة بسيف. ولا طعنة برمح. إلا في سبيل الله ( أي يحثه على أن تكون نيته خالصة. وأن ينبذ الدنيا من أمامه ) فيقول هاشم: وكيف أجعل يا عمي الدنيا في عيني. و قد علمت أني عائدٌ إلى ربي.

ويخرج مع ( سعيد بن عامر ) سبعمائة. ويرسله الصديق إلى جيش يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه.. ويخرج في جيش (سعيد بن عامر ) مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم. الصحابي الجليل ( بلال بن رباح ) رضي الله عنه. يريد أن يخرج للجهاد في سبيل الله. إلا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه يسترجعه في أمر خروجه. إذ كان يريده أن يبقى معه في المدينة. فيقول له بلال: يا أبا بكر إن كنت قد أعتقتني ( هامش: حينما كان في مكة. واشتراه أبو بكر. ثم أعتقه.. ) لأقعد معك بجانبك. فإني سأفعل. وإن كنت قد أعتقتني لله. فخلِّ بيني وبين الجهاد في سبيل الله.

فيقول له الصديق رضي الله عنه: والله إني ما أعتقتك إلا لله. ولكني أريدك أن تؤذن للمسلمين. وإني أستأنس برأيك ومشورتك. فيقول بلال: فإن هواي في الجهاد. فيقول له أبوبكر: إذًا أخرج للجهاد في سبيل الله. فيخشى بلال أن يكون قد أجبر خليفة رسول الله على رأي لا يريده. فيقول: إن شئت بقيت معك.. فيقول له أبو بكر: لا. بل اخرج للجهاد في سبيل الله. ولكني أودعك وداعًا. فلعلي لا ألقاك بعده إلا في يوم البعث!... ويودعه.( ويحدث ما توقعه الصديق. إذ لا يرى بلالا بعد ذلك في الدنيا. رضي الله عنهما )

فيخرج ( سعيد بن عامر ) رضي الله عنه بقيادة الجيش. ويخرج معه بلال رضي الله عنه وأرضاه يجاهد في أرض الشام..

خرج أيضًا من المسلمين (حمزة بن مالك ) رضي الله عنه. على رأس ألفي مقاتل من المسلمين. جاءوا من (همذان). وخرجت جموع أخرى كثيرة مددًا للمسلمين. كما وعد أبو بكرالصديق....

استكمل الجيش الإسلامي عدته في أرض الشام. وجمُِعت بعضُ القوات الرومية في غزة. وتقدمت هذه القوات. بقيادة ( سرجيوس) أحد كبار القادة الرومان. وتوجهت خلف الجيش الإسلامي. حتى تقاتل المسلمين من الخلف!!!

فماذا كان ردُّ فعل المسلمين على هذا الالتفاف الرومي؟ هذا ما سنعرفه في المقال القادم إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 16-07-2008, 05:53 PM
م مصطفى م مصطفى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 2,284
افتراضي خروج عمرو بن العاص

مقدمة


بعد أن وصلت الجيوش الإسلامية إلى منطقة الأردن وسوريا جنوب دمشق بنحو 50 كلم، لم يحدث أي نوع من القتال، و تجمع جيش رومي قوامه 3 آلاف مقاتل من غزة، بقيادة ( سرجيوس)، أراد أن يلتف حول المسلمين من الخلف، حتى يفاجأهم، ويقطع المدد القادم من المدينة المنورة جنوبًا، فاتجه إلى منطقة ( العربة ) جنوب البحر الميت، وكانت عيون المسلمين منتشرة في المكان، فاستطاعت أن تنقل ما حدث إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، فأمد جيش يزيد ( الذي كان قوامه 3 ألاف مقاتل ) بألف من المجاهدين ( من جيش شرحبيل بن حسنة ) فأصبح جيش يزيد 4 ألاف مقاتل، وأمره بالتوجه إلى العربة، قبل أن يتخطاها جيش ( سرجيوس)، ودار بين الفريقين قتالٌ عنيف، وكان النصر- بفضل الله عز وجل - للمسلمين.

ولا تُّعدُّ هذه الموقعة من المواقع الكبرى في حروب المسلمين مع الروم،إذ إنها بين قوة إسلامية أكبر من قوة الروم ( 4 آلاف من المسلمين، يواجهون 3 آلاف من الروم ) وعلى الرغم من هزيمة جيش الروم فيها، إلا أنه لم يُقتل منه الكثير، وفرَّ معظمه عائدًا إلى غزة، وفي اليوم التالي تتبع الجيش الإسلامي جيش الروم داخل الأراضي الفلسطينية، فقابله جيش الروم في منطقة ( داثنة) شرق غزة، وحدث قتالٌ آخر، وانتصر فيه المسلمون أيضًا.، وقتل من جيش الروم أحد قواده، وفر ( سرجيوس) إلى بيت المقدس، ثم إلى دمشق شمالاً. وبعد انتصارالمسلمين في ( العربة ) و ( داثنة) عاد يزيد بن أبي سفيان بقواته إلى معسكره مرة أخرى.

في الوقت ذاته يصل المدد الذي أرسله أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى جيشي يزيد و أبي عبيدة، ثم يأتي بطاركة العرب ( نصارى العرب الموجودن في المنطقة، وأكثرهم من قبائل غسان ) وينضمون إلى جيش الروم، فزاد عدده مرة أخرى، وأرسل أبو عبيدة بذلك إلى الصديق طالبًا المدد..


الصديق يبحث عن المدد:

نفد الرجال عند الصديق رضي الله عنه ( بعد أن أرسل كل من كان عنده من الرجال في المدينة، وبعد أن استعان بأهل اليمن، فقرر الاستعانة بأهل مكة، الذين يُعدُّون حديثي عهد بالإسلام ( أسلموا في فتح مكة، العام الثامن للهجرة )، وكانوا قادة الكفر في الجاهلية، فكانت استعانة المسلمين بهم يجب أن تكون على حذر، وقبل أن يرسل لهم الصديق رسالة للاستعانة بهم، كانوا يفكرون -من تلقاء أنفسهم -في الخروج للجهاد في سبيل الله، ويعدون لذلك العدة، وأراد الصديق رضي الله عنه أن يستفيد من خبرتهم في التعامل مع الروم ( في رحلات التجارة ) في كيفية حربهم، بعد أن اطمأنَّ الصديق لإسلامهم، فتحدث إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن يرسل إلى رؤوس القبائل الموجودة بمكة، حتى يعقدوا مجلسًا للشورى في كيفية إدارة القتال داخل أرض الروم، لكن عمر رفض ذلك، وأصرَّ على ألا يستشيرهم الصديق، وقال: إنا كنا منذ قليل نقاتلهم، وكانوا يقاتلوننا، وكانوا يعبدون من دون الله آلهة أخرى، فكيف إذا نصرنا الله عليهم، وجاءت الغنيمة، جئنا بهم نستشيرهم ؟، فليس من العدل أن تقدم هؤلاء على قدامى المسلمين من المهاجرين والأنصار،( فكان عمر يرى أن الأولى بالمشورة، والأولى بالنصيحة هم هؤلاء المهاجرون والأنصار، مادامت لديهم الحكمة، والخبرة في القتال، ولا نقدم عليهم الذين أتوا بعدهم، وكانوا مقاتلين لرسول الله لأمد طويل ) فوافقه أبو بكر رأيه، وقال: إن كان ذلك فنعم. ( وهذا من طبع الصديق رضي الله عنه، أنه لين الجانب، حسن الظن بالمسلمين، فيريد أن يستشيرهم، ولكن عمر ينظر إلى الأمر من زاوية العدل، والعدل يقتضي ألا يضيع حق من سبقوا بالإسلام.. )

وصل ذلك إلى سادة القبائل في مكة، وعلموا أن أبا بكر كان يريد أن يستشيرهم، وأن عمر رفض ذلك، فقال الحارث بن هشام ( وهو من كبار سادات قريش ): إن عمر بن الخطاب في شدته علينا قبل أن نسلم كان مصيبًا، أما الآن فلا نراه إلا قاطعًا( يقصد قاطعًا للرحم ) فرأى أن يجمع وفدًا منهم، ويذهبوا إلى الصديق لكي يعرضوا عليه ذلك الأمر، وكان هو على رأس هذا الوفد، ومعه ( سهيل بن عمرو ) ( وهو من أحكم العرب، في الجاهلية والإسلام ).



موقف مُسْلِمَة الفتح:

وصل الوفد إلى أبي بكر، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه عنده، فقالوا له: أما أنت فقد برئت ذمتك منا، أما أنت يا عمر فلا نراك إلا قاطعًا.

فقال عمر: والله ما فعلت ذلك إلا عدلاً، وإني لأُفَضِّلُ من هو أفضل منكم.

فلم يكن من "سهيل بن عمرو"رضي الله عنه إلا أن قال يخاطب أهل المجلس كله بما فيه من المهاجرين والأنصار: فإن قلتم إنما فَضَلْتُمُونا بالجهاد في سبيل الله، فوالله لنستكثرنَّ منه ( أي من الجهاد )، وأشهدكم أني حبيسٌ في سبيل الله، ووالله لأقفنَّ مكان كل موقف وقفته على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم موقفين على أعداء الله، ولأنفقن مكان كل نفقة أنفقتها على حرب رسول الله، نفقتين في سبيل الله )، وهي منتهى الحكمة من هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه، إذ إنه رضي الله عنه يعلم أن المهاجرين والأنصار يفضلون أهل مكة في كل شيء، في الصلاة والصيام والزكاة والذكر والطاعة، ويفضلونهم في الجهاد، ولكنه يعلم أن هذا الجهاد هو الذي رفع درجتهم عاليًا...وخَصَّ الجهاد لأنه ذروة سنام الإسلام.ومن حكمته أنه وجه حميته توجيهًا صحيحًا، فلم ينطلق للتحدي، أو الانتصار لنفسه، ولكنه قال إنه سينافسهم فيما فضلوه فيه،.. ونأخذ من حديثه أيضًا المسارعة في الخيرات، وأنه إذا حدثتك نفسك بخير، فلا تؤخر ذلك الخير، فهاهو سهيل يتمنى لو كان قد أسلم مع المهاجرين منذ البداية، ولكن هيهات !!... والله عز وجل يقول: (( وسابقوا إلى مغفرة من ربكم ))، ويقول في صفة أهل الإيمان: ((كانوا يسارعون في الخيرات )).. ويقول: (( لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكلاً وعد الله الحسنى.. )) فمن ينفق في وقت الضعف والحصار، أعظم ممن ينفق في وقت العز والتمكين، وكذلك من يجاهد في حالة الضعف أعظم ممن يجاهد بعد أن استقرت الأمور وأصبح الإسلام قويًا..

( ولا شك أن سهيل بن عمرو رضي الله عنه يتذكر الآن ما حدث بينه وبين رسول الله، حينما كان يحارب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفوف المشركين، فسهيل هو الذي وقف لرسول الله في صلح الحديبية، وكان يعترض على ما يكتبه الرسول في ورقة الصلح، فقال له: اكتب ( من محمد بن عبد الله..، لو كنت رسول الله ما كتبنا هذه المعاهدة )،وهو الآن يندم على موقفٍ كهذا.. وهذا إشارة لنا ألا نؤخر خيرًا قط راودتنا به أنفسنا، و نذكر موقف المخلفين الثلاثة في غزوة تبوك، وكيف أن نياتهم كانت للخروج في سبيل الله، ولكنهم أخروا الخروج يومًا بعد يوم، حتى تغلب عليهم الشيطان، ولم يخرجوا للجهاد في سبيل الله. )

بعد أن خرج سهيل بن عمرو، وسادات قريش معه من عند أبي بكر الصديق، يلتفت سهيل إليهم، ويقول: " لا تجزعوا مما ترون، فإنهم دُعُوا ودُعِينا؛ فأجابوا وأبطأنا، ولو ترون فضائل من سبقكم إلى الإسلام عند الله عليكم، ما نفعكم عَيْشٌ، وما من أعمال عند الله أفضل من الجهاد في سبيل الله، فانطلقوا حتى تكونوا بين المسلمين وبين عدوهم، فتجاهدوهم دونهم حتى تموتوا (يلفت أنظارهم إلى أنهم يجب أن يكونوا في مقدمة جيش المسلمين، وأن يقاتلوا ليس للنصر، وإنما للشهادة في سبيل الله ) فعَلَّنا أن نبلغ بذلك فضل المجاهدين !"

و هكذا بكل حكمة، ورغبة في الخير، يريد سهيل أن يقدم رضي الله عنه لله ورسوله كل ما يستطيع، آملاً أن يحصل على أجر، وثواب من الله، ربما يوازي ثواب المهاجرين الذين سبقوه إلى الإسلام.





عمرو بن العاص أمير على المدد:


بعد أن وافق الصديق رضي الله عنه على خروج سادات قريش للجهاد في سبيل الله، أخذ يفكر فيمن يضعه أميرًا عليهم، وكلهم سادات وأمراء، وكان من حكمته رضي الله عنه، أنه لم يؤمر عليهم إلا سيدًا شريفًا مثلهم، حتى لا يوغر صدورهم، فهم حديثو عهدٍ بالإسلام، ومتوجهون للجهاد في سبيل الله، وأمامهم معركة شديدة مع الروم، فيجب أن تكون أنفسهم راضية تمامًا بمن سيؤمر عليهم، حتى يسمعوا له ويطيعوا.

فوفقه الله لاختيار ( عمرو بن العاص ) رضي الله عنه، وهو من أشراف العرب، وحكمائهم، ومن أفضل المقاتلين في الجاهلية والإسلام، ( أسلم عام 7 هـ، بعد فتح خيبر، لم يمض على إسلامه أكثر من 6 سنوات، ولكن حسُنَ إسلامه، حتى أن رسول الله أَمَّره على غزوة "ذات السلاسل "، وكان في جيشه- آنذاك - أبو عبيدة رضي الله عنه )

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه جابيًا لصدقات المسلمين من قبائل "قضاعة" شمال الجزيرة العربية قبل وفاته، واستدعاه أبو بكر في حروب الرِّدَّة، وأمره على الجيش الخامس لمقاتلة مرتدي قضاعة، ولم يحدث قتال، فأعاده بعدالحرب إلى جمع الصدقات منهم.

فأرسل الصديق رضي الله عنه خطابًا له يطلب منه المجيء لكي يقود الجيوش الإسلامية الخارجة من مكة، فقال له:

(( إني كنت قد رددتك إلى العمل الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاَّكه مرة، وقد أحببت ـ أبا عبد الله ـ أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك،إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك )) نلحظ في هذا الخطاب التأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في هذا الخطاب يقول أن رسول الله كان قد ولاه هذا الأمر، فهو يستحيي أن يعزله منه، ويوليه في أمر آخر - حتى وإن كان هذا الأمر أفضل منه- دون استئذانه، مع أن هذا الأمر من رسول الله ليس أمرًا تشريعيًا، ولكنه أمر يتغير بتغيرالأحوال، واختلاف الأمراء، لكن الصديق في أدب مع رسول الله، يستأذن عمْرًا في أن يستجيب لطلبه، ويخاطبه بكنيته ( أبو عبد الله ) فيناديه بأحب الأسماء إليه، ويقول له ( إلا أن يكون ما أنت فيه أحب إليك)، وهذا من ذكاء الصديق رضي الله عنه، وهو يعلم أنه بهذه المقولة، من الصعب جدًا على عمرو أن يفرض طلبه، وهذا ما حدث من ابن العاص رضي الله عنه، إذ سَرْعَان ما اختار الجهاد في سبيل الله، وأرسل للصديق يقول له: (( إني سهم من سهام الإسلام، وإنك بعد الله الرامي بها والجامع لها،فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به شيئا إن جاءك من ناحية من النواحي.. )) وجاء إلى المدينة في جيش من قضاعة، على الرغم من أن الصديق لم يطلب منه ذلك، إلا أنه شعر أن من مسؤولياته الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله، (( في غزوة ذات السلاسل، كان عمرو قد أُمِّرَ على المسلمين، وعندما وصل إلى ذات السلاسل وجد أن عدد المشركين في ذلك الوقت كبير، فطلب المدد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل له الرسول صلى الله عليه وسلم مع أبي عبيدة مددًا، وقال له إذا أتيت عمروبن العاص فلا تختلفا، ولكنه لم يحدد له من الذي سيقود الجيش، فلما جاءه أبو عبيدة، قال له عمرو: جئتني مددًا، ولم يجعله أمير الجيوش، فلم يكن من أبي عبيدة إلا أن قال له: أمرني رسول الله ألا نختلف، ولئن عصيتني لأطيعنك، ودخل تحت إمرة عمرو في تلك الغزوة )

وهنا لا شك أن الصديق رضي الله عنه يذكر ذلك الموقف، وكذلك عمرا، وأبو عبيدة هو أمير الجيوش في الشام، فمن الممكن أن يتكرر الموقف مرة أخرى، يقول أبو بكر: (( يا عمرو؛ هؤلاء أشراف قومك يخرجون مجاهدين في سبيل الله، بائعين أنفسهم لله، فاخرج فعَسْكِرْ حتى أندب الناس معك، فقال عمرو: يا خليفة رسول الله ألستُ أنا الوالي على الناس؟ قال: بلى، أنت الوالي على من أبعثه معك من ههنا؛ فقال: بل على من أُقْدِمُ عليه من المسلمين؛ فقال أبو بكر: لا، ولكن أحد الأمراء فإن جمعتكم حرب فأبو عبيدة أميركم؛ فسكت عمرو.وكلنا نعلم منزلة أبي عبيدة رضي الله عنه في الإسلام، وعند أبي بكر...

( ولكن لماذا ولىَّ أبو بكر أبا عبيدة على الجيوش الإسلامية الأربعة، ولا يولي عمرًا، مع أن عمرًا أحكم في القتال من أبي عبيدة وأقدر وأعلم بالحرب ؟ فأبو عبيدة من المقاتلين المهرة، ولكن حكمة ودراية ابن العاص تفوقه، ولا شك !

نلاحظ أن الجيش الإسلامي في هذا الوقت كان جيش عقيدة، تكون فيه طاعة المؤمن قوي الإيمان أكثر وأشد من طاعة غيره من الناس، وأبو عبيدة هو ( أمين هذه الأمة )، فحينما يقاتل الجيش الإسلامي تحت إمرته، فإنه يكون أكثر حمية، وأكثر طاعة لهذا الرجل،من طاعته لعمرو، فذكاء عمرو ومهارته العسكرية في الحرب، ليست هي المطلوبة في هذا الجيش، لأن الجيش يكون أكثر طواعية مع أمين هذه الأمة.. كما أن أخلاق أبي عبيدة، وسعة صدره تجعلانه أكفأ للقيادة، كما قال عنه أبو بكر

( إذا ظُلِم لم يظلم، وإذا أُسِيء له غفر، وإذا قُطِعَ وصل ) وهكذا تكون استفادة الجيش الإسلامي من أبي عبيدة أكثر من غيره، لأنه سيتسع رأيه لمعرفة كل الآراء، وسيسمع من عمرو بن العاص، ومن غيره، ويقرر ما فيه صالح المسلمين... أما عمرو فعلى ما لديه من قدرة عسكرية، وخبره حربية، إلا أن ذلك قد يؤدي إلى عدم استعانته بآراء غيره، فإذا أعطي إمارة كل الجيوش قصرت الفائدة على رأيه هو فقط !)

ثم لما حضر شخوصه جاء إلى عمربن الخطاب فقال: يا أبا حفص، قد علمت نصرتي في الحرب ومناقبي في العدو؛ وقد رأيت منزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أرى أبا بكر ليس يعصيك، فأشر عليه رحمك الله أن يوليني أمر هؤلاء الجنود بالشام، فإني أرجو أن يفتح الله على يدي البلاد، وأن يريكم الله والمسلمين ما تسرون به؛ فقال عمر: ما كنت لأكذبك، ما كنت لأكلمه في ذلك: وما يوافقني أن يبعثك على أبي عبيدة وأبو عبيدة أفضل عندنا منزلة منك،(( هكذا بكل صراحة )) ثم يقول له: وسيأتي يوم تكون أنت الأمير ( فهو لا ينقص من قدر عمرو بن العاص، لكنه لم يصل بعد لدرجة أبي عبيدة رضي الله عنه، فلا يجوز أن يتقدم عليه )

قال عمرو بن العاص: فإنه لا ينقص أبا عبيدة شيئاً من فضله إن ولاني عليه، قد رضيت. ( فلم يكن ليرفض أمر أبي بكر، ورأي عمر، وإنما يعرض ما يراه لصالح المسلمين )

من هذا نرى أن مكانة أبي عبيدة عند الشيخين ( أبي بكر وعمر ) عظيمة جدًا، ولهذا رأوا أنه الأكفأ لقيادة الجيوش الأربعة لفتح الشام، وهذا علم بالرجال وبقدرهم.

وهكذا خرج جيش عمرو بن العاص من المدينة المنورة في الثالث من المحرم،متجهًا إلى الشام، على خلاف المعهود.

إذ أمره أبو بكر رضي الله عنه أن يأخذ طريق ساحل البحر الأحمر، مرورًا بأيلة ( ميناء العقبة اليوم) ويصل إلى جنوب فلسطين.



أسباب اختيار مسار الجيش:

ولهذا الاختيار حكمته وأهدافه التي نحاول أن نتبينها كما يلي:

1 ـ تواجدت الجيوش الإسلامية الثلاثة في شرق الشام حتى الآن ( بين بصرى وعلياء جنوب دمشق ) فلم يبق إلا جنوب الشام، الذي إن حوصر فإن الروم سيكونون بذلك محاصرين تمامًا، لأن البحر الأبيض المتوسط في الغرب، ولم يكن هناك حروب بحرية آنذاك !

2ـ تأمين الجيش الإسلامي الموجود في شرق الشام، كان إحدى غايات الصديق من هذا الجيش، لأنه منذ أيام حدثت موقعتا العربة وداثنة، والتف جيش (جرجيوس) خلف الجيش الإسلامي، ولولا بعد نظر العيون الإسلامية المنتشرة في المكان لفوجئ جيش المسلمين بذلك الأمر، ولكن الله سلم، وبهذا الجيش يؤمَّنُّ الجيش الإسلامي الموجود في الشرق، ويقطع الطريق على الرومان من الالتفات خلفه مرة أخرى.

4 ـ يوجد في منطقة ( أيلة) مسلمون من بعض البطون من قضاعة، وبعض القبائل الأخرى ( كجثام ) وهم لم يخرجوا للجهاد قبل ذلك، لا ضد الفرس ولا ضد الروم، فيمر بهم جيش عمرو بن العاص، لكي يحمسهم على الخروج للجهاد في سبيل الله، حتى يخرج منها من استطاع، ويعمل ذلك على زيادة الصف المسلم.

5 ـ كان لتغيير مسار الجيش الرابع أثر بالغ حتى لا يتمكن الروم من متابعة مسار الجيوش الإسلامية، ولا يرصدون خط سير المسلمين، ( فإذا كانوا قد علموا بالجيوش الثلاثة، وأنها مرت من تبوك، فلا يعرفون أمر هذا الجيش لأنه مر من طريق مختلف تمامُا، وغير مأهول.. ) على الرغم من أن هذا الطريق أشد وعورة وخطورة من الطريق الآخر المعروف المعتاد.

التعديل الأخير تم بواسطة م مصطفى ; 16-07-2008 الساعة 06:11 PM
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 16-07-2008, 06:12 PM
م مصطفى م مصطفى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 2,284
افتراضي موقعة مَرْجُ الصُّفَّـر ووضع المسلمين بعدها:

في الرابع من محرم عام 13هـ، تصل الأخبار إلى المسلمين أن عددًا من الروم قد خرج من دمشق متجهًا لجيش أبي عبيدة لقتاله، وعرف المسلمون أنهم مجموعة قليلة، وليسوا جيشًا كبيرًا، فأخرج لهم أبو عبيدة فرقة من جيشه، بقيادة ( خالد بن سعيد ) رضي الله عنه (الذي كان أبو بكر قد عينه قائدا عاما على الجيوش ثم عزله لتسرعه في القتال بناءً على نصيحة عمر بن الخطاب)

مع أهله وقبيلته وعشيرته مع بعض المسلمين لقتال الروم جنوب دمشق، والتقى معهم خالد رضي الله عنه في ( مرج الصفر )

وكان الروم بقيادة ( باهان) في مجموعة من الجنود توازي مجموعة خالد بن سعيد رضي الله عنه، فتسرع خالد رضي الله عنه في قتالهم، ( وهو لا يجيد التخطيط للحرب كما قال عنه عمر: "ضعيف التروءة " ) دون أن يحمي ظهره.

( كان خالد بن الوليد رضي الله عنه، بعبقريته الفذة في القتال في حروب فارس ـ مثلاًـ حريصًا كل الحرص على حماية ظهره حتى لا يلتف من خلفه أحد ) فالتف جيش (باهان) الرومي حول المسلمين في ( مرج الصفر ) ففاجأهم وقاتلهم، وحدثت مقتلة عظيمة، قُتِلَ فيهاكثير من المسلمين، واستشهد ( سعيد بن خالد بن سعيد ) في هذه المعركة، فلما قُتِلَ ابنه، تسرع ( خالد بن سعيد ) في الهروب ( رضي الله عنه )، فثبت بعض المسلمين مع سيدنا ( عكرمة بن أبي جهل ) وقاتلوا باهان حتى ردوه عن ( مرج الصفر )، ولم يقتل عدد يذكر من جيش الروم، فَعُدَّتْ هذه هزيمة لجيش المسلمين.، وهي أول هزيمة للمسلمين في الفتوحات بشكل عام.... ( وظهر بذلك بُعْدُ نظر عمر رضي الله عنه، حينما عارض أبا بكر في أن يقود خالد بن سعيد جيش المسلمين كله، وقال عنه:إنه " ضعيف التروءة "، وفعلاً ظهر ذلك في هزيمة تلك الفرقة أمام الروم ) وأحدثت تلك الهزيمة هزة نفسية للمسلمين في الشام، وفي المدينة المنورة، إذ وصلت الأنباء لأبي بكر الصديق في المدينة، وحزن حزنًا شديدًا، وجمع حوله عمر بن الخطاب، ومستشاريه لكي يقيموا الأمر من جديد.

وضع المسلمين آنذاك:

ـ في الشام: انتصر المسلمون في العربة وداثنة، وهما موقعتان صغيرتان، وخسروا في ( مرج الصفر )، جيش أبو عبيدة ( 7 ألاف مقاتل )، جيش شرحبيل ( 7 ألاف مقاتل ) جيش يزيد ( 7ألاف مقاتل )، جيش عمرو بن العاص ( 3 آلاف مقاتل ).. أي أن جيش المسلمين بالشام 24ألف مقاتل. خرجوا في رجب 12 هـ، وهم الآن محرم 13 هـ، أي أنهم قد أمضوا ( 5 أشهر ) داخل الشام..

ـ في فـارس: عين أبو بكر جيشين لفتح العراق من الجنوب بقيادة خالد بن الوليد، ومن الشمال مرورا بدومة الجندل بقيادة عياض بن غنم، وقد مر عليهما عام في قتال الفرس، التقى فيها خالد مع الفرس في موقعة كاظمة ( المعروفة بذات السلاسل ) وانتصرعليهم، ثم فتح الحيرة ( 9 مواقع في شهرين حتى فتح الحيرة )، وبينما استعصت "دَوْمَة الجندل " على عياض بن غنم، تقدم خالد أيضًا وفتح الأنبار، وعين التمر، وانتصر ( 18 ألف ضد 100 ألف من فارس )، ثم أُمِرَ أن يذهب لنجدة عياض بن غنم في دومة الجندل !، فذهب إليه بـ9 آلاف، وانتصرعلى الفرس هناك بعد يومين من وصوله، وفتح دومة الجندل ( كان ذلك في 24 رجب 12 هـ )....

حقق جيش خالد بن الوليد انتصاراتٍ متتالية في فارس،حتى دانت له السيطرة غرب الفرات دون قتال، وغدا مالكًا لكل أرض العراق حتى نهر دجلة، كل ذلك في أقل من سنة.... إنجازٌ لا يتخيله عقل مما جعل الصديق رضي الله عنه يفكر في إرسال خالد لقيادة قوات المسلمين في الشام، وكان عمر رضي الله عنه يرفض ذلك، ويرى عزل خالد، حتى لا يقترن النصر في أذهان المسلمين بشخص خالد بن الوليد رضي الله عنه،

ولكن أبا بكر اتخذ قرارًا حاسمًا بنقل سيدنا خالد من العراق لقيادة جيوش المسلمين في الشام..
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اسرارالعاب بلاي ستيشن عربي الحق %عاشق الليل% منتدى العلوم والتكنولوجيا 94 13-01-2003 05:06 PM
مكتبة الحلول الكاملة bo3li-911 منتدى العلوم والتكنولوجيا 16 17-09-2002 05:52 AM
الحلول الكامله (لعبة رزدنت إيفل) monday منتدى العلوم والتكنولوجيا 5 01-09-2002 04:20 AM
هذه نصيحتي إلى كل شيعي أبو غيثان منتدى العلوم والتكنولوجيا 79 13-05-2002 02:09 PM


الساعة الآن 01:52 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com