الشعر الرديء النسج 105-107
ومن الأبيات المستكرهة الألفاظ القلقة القوافي، الرديئة النسح فليست تسلم من عيب يلحقها في حشوها أو قوافيها، أو ألفاظها، او معانيها، قول أبي العيال الهذلي:
ذكرتُ أخي فعاودني = صداع الرأسِ والوصبُ
فذكر الرأس مع الصداع فضل.
وقول أوس بن حجر:
وهم لمقلِّ المالِ أولادُ علّةِ = وإن كان محضاً في العمومة مخولا
فقوله المال مع مقل فضل.
وكقول عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الخزرجي:
قيدت وقد لان هاديِهَا وحارِكها = والقلبُ منها مطارُ القلب محذورُ
وكقول الآخر:
ألا حبذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ = وهندُ أتى من دونها النأيُ والبعدُ
فقوله البعد مع ذكر النأي فضل.
وكقول الأعشى:
فرميت غفلةَ عينهِ عن شأتِه = فأصبتُ حبةَ قلبِها وطحالها
وقوله:
استأثر اللهُ فالوفاءِ وبالعدل = وأولى الملامةَ الرجلا
وقول الحطيئة:
قَرَوْا جارك العيمان لما جفوته = وقلَّص عن برد الشارب مشافرُهُ
أراد شفتيه.
وقول المزرد داعي الزنج:
فما برح الولدان حتى رأيته = على البكرِ يمريه بساقٍ وحافِر
يريد بساق وقدم.
وقول حسان:
وتكلفي اليومَ الطويلَ وقد = صَرَّت جنادبُه من الظهرِ
أراد بالظهر حر الظهيرة.
وقول المتلمس
إن تسلكي سبلَ الموماةِ منجدةً = ما عاش عمرو، وما عمَّرت قابوسْ
أراد ما عاش عمرو وما عمر قابوس.
وقوله:
من القاصرات سجوفُ الحِجال = لم ترَ شمْساً ولا زمهريرا
أراد لم تر شمساً ولا قمراً، ولم يصبها حر ولا برد.
وقول علقمة بن عبدة:
كأنهم صابتْ عليهم ساحبةُ = صَواعقُها لطيرهنّ دبيبُ
وقوله:
يحملن أترجةً نضحَ العبيرُ بها = كأنَ تطيابها في الأنف مشمومُ
وقول عامر بن الطفيل:
تناولته فاحتل سيفي ذبابَة = شرا سيفِهِ العليا وجذَّ المعاصما
وقول خفاف بن ندبة:
إن تعرضي وتضني بالنوالِ لنا = فواصلين إذا واصلت أمْثالي
وقول علقمة بن عبدة:
طحابكَ قلبٌ في الحسان طروبُ = بُعيدَ الشباب عصرَ حان مشيبُ
الشعر المحكم النسج 109-114
ومن القوافي الواقعة في مواضعها، المتمكنة من مواقعها، قول أمرئ القيس في قصديته التي يقول فيها:
وقد أغتدى قبل العُطاسِ بهيكل = شديدٍ مَشكِّ الغضا الجَنْبِ فَعْمِ المُنطَّقِ
قوله:
بعثنا ربيثاً قبل ذلك محملاً = كذئبِ الغضا يمشي الضَّراء ويتقي
فوقعت يتقي موقعاً حسناً.
وكذلك قول النابغة:
تجلو بقادمتي حمامة أيكة = برداً أُسِفَّ لَثَاتُهُ بالإِثْمدِ
كالأقحوانِ غداةَ غبّ سمائِه = جفتْ أعاليهُ وأسفلُهُ ندي
زعم الهمامُ بأن فاها باردٌ = عذبٌ إذا ما ذقته قلت ازْدَدِ
زعم الهمامُ ولم أذقه أنه = يروى بريِّقها من العَطش الصدي
فقوله وأسفله ندي: ومن العطش الصدي وقعا موقعين عجيبين.
وقول زهير:
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله = ولكنني عن علمِ ما في غدٍ عَمِ
فقوله: عم واقعة موقعاً حسناً.
وكقوله:
صحا القلبُ عن سلمى فقد كان لا يصحو = واقفرَ من سلمى التعانيقُ فالثقلُ
وقد كنت من سلمى سنينا ثمانياً = على صيرِ أمرٍ ما يمرُّ وما يحلوُ
فقوله: يحلو حسنة الموقع.
وكقوله في قصيدته التي يقول فيها:
لذي الحلمِ من ذبيانَ عندي مودةٌ = وحفظٌ ومَن يُلْحم إلى الشرِّ أنشج
قوله:
مخوف كأنَّ الطَّير في مَنزلاتِه = على جيَف الحْسرَى مجَالسُ تنتْجي
فقوله: تنتجي حسنة الموقع جداً.
وكقوله:
ولنعم حَشْوُ الدِّرعِ أنت إذا = دُعيت نزَالِ وَلُجِّ في الذُّعْرِ
وإنَّك تفري ما خلقت وبع = ض القوم يخْلْقُ ثم لا يَغري
ولأنت أشجع حين يتَّجهُ الأب = طالُ من ليثِ أبي أجْري
فقوله: ثم لا يفري وأبي أجري حسنان في موقعهما.
وكقول بشر:
فما صدعٌ بحيَّةَ أو بشرجِ = على زَلَقِ زوالقُ ذي كهافِ
تَزلُّ اللقوةُ الشغْواءُ عنها = مخالبُها كأطرافِ الأسافي
بأحرزَ موئلا من جارِ أوسِ = إذا ما ضيم جيرانُ الضِّعافِ
فقوله: كأطراف الأسافي حسنة الموقع.
وكقول الأعشى:
وإذا تكونُ كتيبةٌ ملمومةٌ = خرساءُ يخشى الذائدون نصالَها
كنت المقدَّم غير لابس جُنَّةٍ = بالسيف تضرب معلما أبْطالَها
وعلمتَ أن النفس تلقى حتفَها = ما كان خالقُها المليكُ قضى لها
فقوله: قضى لها عجيبة الموقع.
وكقوله:
ومثلُ الذي تُولونني في بيُوتِكم = يُروِّي سناناً كالقُدامَى وثَعْلبَا
وما عنده زرفى علمتُ دلالَه = علي من الريح الجنوب ولا الصبا
وكذلك قوله:
وكأسٍ شربتُ على لذةٍ = وأخرى تداويت منها بِها
لكي يعلَم الناسُ أنِّي أمرؤٌ = أتيت الفُتوةَ من بابِها
فقوله: منها بها لطيفة حسنة الموقع جداً.
وكقول أبي كبير الهذلي:
ولقد ربأتُ إلى الصحابِ تواكلوا = جَمْر الظهيرةِ في اليفاع الأطولِ
في رأسِ مشرفةِ القذالِ كأنها = جمرٌ بمسبكةٍ تُشَبُّ لمصطلي
وكقول أبي خراش:
ولم أدْرِ من ألقى عليه رداءَه = سوى أنه قد سُلَّ عن ماجدٍ محضِ
بلى إنها تعفو الكلُوم وإنما = تُوكَّلُ بالأدنى وإن جل ما يمضي
فقوله يمضي حسنة جيداً.
وكقول عروة بن أذينة:
وكلُّ هوىً دان عني زمانا = له من بعد ميعته تجَلي
كأني لم أكن من بعد ألفٍ = عذلتُ النفسَ قبلُ على هوىً لي
فإن أقصرْ فقد أجريت عصراً = وبلَّاني الهوى فيمن يُبَلي
فقوله هوى لي لطيفة الموقع.
وكقول ذي الرمة في قصيدته:
أراح فريقُ جيرتِك الجمالا = كأنهم يريدون احتمالا
فكدت أموت من حزنٍ عليهم = ولم أرَ نادي الآظعان بالي
فقوله: بالي عجيبة الموقع.
وكقول الفرزدق:
فإن تهجُ آل الزبرقان فإنما = هجوتَ الطوالَ الشمَّ من هضب يذبلِ
وقد ينبح الكلبُ النجومَ ودونه = فراسخُ تنضي الطرف للمتأمِّلِ
أرى الليلَ يجلوه النهارُ ولا أرى = عِظامَ المخازي عن عَطيَّة تنجَلي
فقوله: تنجلي متمكنة في موضعها.
وكقول الحطيئة:
من يفعل الخيرَ لا يعدم جوازيه = لا يذهبُ العرفُ بين الله والناسِ
دعِ المكارم لا ترحل لبغيتها = واقعد فإنَّك أنت الطَّاعم الكاسي
فقوله: الكاسي عجيبة الموقع.
وكقوله:
إذا نزلَ الشتاءُ بأرض قوْمٍ = تجَّنبَ جارَ بيتهِمُ الشتاءُ
هم القوُم الذين إذا ألمَّت = من الأيامِ مظلمةٌ أضاءوا
فقوله: أضاءوا حسنة الموقع.
فهذه أمثله قد احتذى عليها المحدثون من الشعراء وسلكوا منهاج من تقدمهم فيها، وأبدعوا في أشياء منها ستعثر بها في أشعارهم كقول أبي عيينة المهلبي:
دنيا دعوتكِ مسمعاً فأجيبي = وبما اصطفيتك للهوى فأثيبي
دومى أدُمْ لك بالوفاء على الصَّفا = إنِّي بعهدك واثقٌ فثقي بي
فقوله: فثقي بي لطيفة جداً يستدل بها على حذق قائلها بنسج الشعر.