arabsgate
   
 
 

     
جمانة3   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   عطر الورود السوداء


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات الأدبية > صالون بوابة العرب الأدبي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 18-04-2008, 09:48 AM
الشاعر/ خضر أبو جحجوح الشاعر/ خضر أبو جحجوح غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2005
الدولة: قطاع غزة/ فلسطين
المشاركات: 3,749
افتراضي من التراث النقدي كتاب عيار الشعر (لابن طباطبا)

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم
الحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد وآله الطاهرين.
قال أبو الحسن. محمد بن أحمد بن طباطبا العلوي، رحمة الله عليه:
وفقك الله للصواب، وأعانك عليه، وجنبك الخطأ، وباعدك منه، وأدام أنس الآداب باصطفائك لها، وحياة الحكمة باقتنائك إياها.
فهمت - حاطك الله - ما سألت أن أصفه لك من الشعر، والسبب الذي يتوصل به إلى نظمه، وتقريب ذلك على فهمك، والتأتي لتيسير ما عسر منه عليك. وأنا مبين ما سألت عنه، وفاتح ما يستغلق عليك منه، إن شاء الله تعالى.
الشعر وأدواته
الشعر - أسعدك الله - كلام منظوم، بائن عن المنثور الذي يستعمله الناس في مخاطباتهم، بما خص به من النظم الذي إن عدل عن جهته مجته الأسماع، وفسد على الذوق. ونظمه معلوم محدود، فمن صح طبعه وذوقه لم يحتج إلى الاستعانة على نظم الشعر بالعروض التي هي ميزانه، ومن اضطراب عليه الذوق لم يستغن من تصحيحه وتقويمه بمعرفة العروض والحذق به، حتى تعتبر معرفته المستفادة كالطبع الذي لا تكلف معه. وللشعر أدوات يجب إعدادها قبل مراسه وتكلف نظمه. فمن تعصت عليه أداة من أدواته، لم يكمل له ما يتكلفه منه، وبان الخلل فيما ينظمه، ولحقته العيوب من كل جهة.
فمنها: التوسع في علم اللغة، والبراعة في فهم الإعراب، والرواية لفنون الآداب، والمعرفة بأيام الناس وأنسابهم، ومناقبهم ومثالبهم، والوقوف على مذاهب العرب في تأسيس الشعر، والتصرف في معانيه، في كل فن قالته العرب فيه؛ وسلوك مناهجها في صفاتها ومخاطباتها وحكاياتها وأمثالها، والسنن المستدلة منها، وتعريضها، وإطنابها وتقصيرها، وإطالتها وإيجازها، ولطفها وخلابتها، وعذوبة ألفاظها، وجزالة معانيها وحسن مبانيها، وحلاوة مقاطعها، وإيفاء كل معنى حظه من العبارة، وإلباسه ما يشاكله من الألفاظ حتى يبرز في أحسن زي وأبهى صورة. وأجتناب ما يشينه من سفساف الكلام وسخيف اللفظ، والمعاني المستبردة، والتشبيهات الكاذبة، والإشارات المجهولة، والأوصاف البعيدة، والعبارات الغثة، حتى لا يكون متفاوتا مرقوعاً، بل يكون كالسبيكة المفرغة، والوشي المنمنم والعقد المنظم، واللباس الرائق، فتسابق معانيه ألفاظه، فيلتذ الفهم بحسن معانيه كالتذاذ السمع بمونق لفظه، وتكون قوافيه كالقوالب لمعانيه، وتكون قواعد للبناء يتركب عليها ويعلو فوقها، فيكون ما قبلها مسوقاً إليها، ولا تكون مسوقة إليه، فتقلق في مواضعها، ولا توافق ما يتصل بها، وتكون الألفاظ منقادة لما تراد له، غير مستكرهة، ولا متعبة، لطيفة الموالج، سهلة المخارج.
وجماع هذه الأدوات كمال العقل الذي به تتميز الأضداد، ولزوم العدل وإيثار الحسن، واجتناب القبيح، ووضع الأشياء مواضعها.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 18-04-2008, 09:58 AM
الشاعر/ خضر أبو جحجوح الشاعر/ خضر أبو جحجوح غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2005
الدولة: قطاع غزة/ فلسطين
المشاركات: 3,749
افتراضي


صناعة الشعر
من ص11- ص 13
فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرا، وأعد له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي يسلس له القول عليه. فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه أثبته، وأعمل فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني على غير تنسيق للشعر وترتيب لفنون القول فيه؛ بل يعلق كل بيت يتفق له نظمه، على تفاوت ما بينه وبين ما قبله. فإذا كملت له المعاني، وكثرت الأبيات وفق بينها بأبيات تكون نظاماً لها وسلكاً جامعاً لما تشتت منها. ثم يتأمل ما قد أداه إليه طبعه ونتجته فكرته، يستقصي انتقاده، ويرم ما وهي منه، ويبدل بكل لفظة مستكرهة لفظة سهلة نقية، وإن اتفقت له قافية قد شغلها في معنى من المعاني، واتفق له معنى آخر مضاد للمعنى الأول، وكانت تلك القافية أوقع في المعنى الثاني منها في المعنى الأول، نقلها إلى المعنى المختار الذي هو أحسن، وأبطل ذلك البيت أو نقض بعضه، وطلب لمعناه قافية تشاكله، ويكون كالنساج الحاذق الذي يفوف وشيه بأحسن التفويت ويسديه وينيره ولا يهلهل شيئاً منه فيشينه، وكالنقاش الرفيق الذي يضع الأصباغ في أحسن تقاسيم نقشه، ويشبع كل صبغ منها حتى يتضاعف حسنه في العيان، وكناظم الجوهر الذي يؤلف بين النفيس منها والثمين الرائق، ولا يشين عقوده، بأن يفاوت بين جواهرها في نظمها وتنسيقها. وكذلك الشاعر إذا أسس شعره على أن يأتي فيه بالكلام البدوي الفصيح لم يخلط به الحضري المولد، وإذا أتى بلفظة غريبة أتبعها أخواتها، وكذلك إذا سهل ألفاظه لم يخلط بها الألفاظ الوحشية النافرة الصعبة القيادة، ويقف على مراتب القول، والوصف في فن بعد فن، ويتعمد الصدق والوفق في تشبيهاته وحكاياته، ويحضر لبه عند كل مخاطبة ووصف، فيخاطب الملوك بما يستحقونه من جليل المخاطبات، ويتوقى حطها عن مراتبها، وأن يخلطها بالعامة، كما يتوقى أن يرفع العامة إلى درجات الملوك. ويعد لكل معنى ما يليق به، ولكل طبقة ما يشاكلها، حتى تكون الاستفادة من قوله في وضعه الكلام مواضعه أكثر من الاستفادة من قوله في تحسين نسجة وإبداع نظمه.
ويسلك منهاج أصحاب الرسائل في بلاغاتهم، وتصرفهم في مكاتباتهم، فإن للشعر فصولا كفصول الرسائل، فيحتاج الشاعر إلى أن يصل كلامه على تصرفه في فنونه صلة لطيفة، فيتخلص من الزل إلى المديح، ومن المديح إلى الشكوى، ومن الشكوى إلى الاستماحة، ومن وصف الديار والآثار إلى وصف الفيافي والنوق، ومن وصف الرعود والبروق إلى وصف الرياض والرواد ومن وصف الظلمان والأعيار إلى وصف الخيل والأسلحة، ومن وصف المفاوز والفيافي إلى وصف الطرد والصيد، ومن وصف الليل والنجوم إلى وصف الموارد والمياه والهواجر والآل، والحرابي والجنادب. ومن الافتخار إلى اقتصاص مآثر الأسلاف، ومن الاستكانة والخضوع إلى الاستعتاب والاعتذار، ومن الإباء والاعتياض إلى الإجابة والتسمح، بألطف تخلص وأحسن حكاية، بلا انفصال للمعنى الثاني عما قبله، بل يكون متصلا به وممنزجاً معه، فإذا استقصى المعنى وأحاطه بالمراد الذي إليه يسوق القول بأبسر وصف وأخف لفظ لم يحتج إلى تطويله وتكريره.
والشعر على تحصيل جنسه ومعرفة أسمه، متشابه الجملة، متفاوت التفصيل، مختلف كاختلاف الناس في صورهم، وأصواتهم، وعقولهم، وحظوظهم وشمائلهم، وأخلاقهم، فهم متفاضلون في هذه المعاني، وكذلك الأشعار هي متفاضلة في الحسن على تساويها في الجنس؛ ومواقعها من اختيار الناس إياها كمواقع الصور الحسنة عندهم، واختيارهم لما يستحسنونه منها. ولكل اختيار يؤثره، وهوى يتبعه، وبغية لا يستبدل بها ولا يؤثر سواها.
وقد جمعنا ما اخترناه من أشعار الشعراء في كتاب سميناه تهذيب الطبع يرتاض من تعاطى قول الشعر بالنظر فيه، ويسلك المنهاج الذي سلكه الشعراء، ويتناول المعاني اللطيفة كتناولهم إياها، فيحتذي على تلك الأمثلة في الفنون التي طرقوا أقوالهم فيها. واقتصرنا على ما أخترناه من غير نفي لما تركناه، بل لاستحسان له خصصناه به دون ما سواه، وقد شذ عنا الكثير مما وجب اختياره وإيثاره، وإذا استنفدناه ألحقناه بما اخترناه إن شاء الله تعالى
فمن الأشعار أشعار محكمة متقنة الألفاظ حكيمة المعاني، عجيبة التأليف إذا نقضت وجعلت نثراً لم تبطل جودة معانيها، ولم تفقد جزالة ألفاظها. ومنها أشعار مموهة، مزخرفة عذبة، تروق الأسماع والأفهام إذا مرت صفحاً، فإذا حصلت وانتقدت بهرجت معانيها، وزيفت ألفاظها، ومجت حلاوتها، ولم يصلح نقضها لبناء يستأنف منه، فبعضها كالقصور المشيدة، والأبنية الوثيقة الباقية على مر الدهور، وبعضها كالخيام الموتدة التي تزعزعها الرياح، وتوهيها الأمطار، ويسرع إليها البلى، ويخشى عليها التقوض.
.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 18-04-2008, 10:00 AM
الشاعر/ خضر أبو جحجوح الشاعر/ خضر أبو جحجوح غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2005
الدولة: قطاع غزة/ فلسطين
المشاركات: 3,749
افتراضي


المعاني والألفاظ
ص 14 - 16
وللمعاني ألفاظ تشاكلها فتحسن فيها وتقبح في غيرها، فهي لها كالمعرض للجارية الحسناء التي تزداد حسناً في بعض المعارض دون بعض. وكم من معنى حسن قد شين بمعرضه الذي أبرز فيه، وكم معرض حسن قد ابتذل على معنى قبيح ألبسه، وكم من صارم غضب قد انتضاه من وددت لو أنه انتضاه فهزه ثم لم يضرب به، وكم من جوهرة نفيسة قد شينت بقرينة لها بعيدة منها، فأفردت عن أخواتها المشاكلات لها، وكم من زائف وبهرج قد نفقا على نقادهما، ومن جيد نافق قد بهرج عند البصير بنقده فنفاه سهواً، وكم من زبر للمعاني في حشو الأشعار لا يحسن أن يطلبها غير العلماء بها، والصياقلة للسيوف المطبوعة منها، وكم من حكمة غريبة قد أزدريت لرثاثة كسوتها، ولو جليت في غير لباسها ذاك لكثر المشيرون إليها، وكم من سقيم من الشعر قد يئس طبيبه من برئه، عولج سقمه فعاودته سلامته، وكم من صحيح جني عليه فأرداه حينه.
وليس يخلو ما أودعناه اختيارنا المسمى تهذيب الطبع من بناء إن لم يصلح لأن تسكن الأفهام في ظله لم يبطل أن ينتفع بنقضه، فبعض البناء يحتاج إليه.
شعر المولدين
وستعثر في أشعار المولدين بعجائب استفادوها ممن تقدمهم، ولطفوا في تناول أصولها منهم، ولبسوها على من بعدهم، وتكثروا بأبداعها فسلمت لهم عند إدعائها، للطيف سحرهم فيها، وزخرفتهم لمعانيها.
والمحنة على شعراء زماننا في أشعارهم أشد منها على من كان قبلهم لأنهم قد سبقوا إلى كل معنى بديع ولفظ فصيح، وحيلة لطيفة، وخلابة ساحرة. فإن أتوا بما يقصر عن معاني أولئك، ولا يربى عليها لم يتلق بالقبول وكان كالمطرح المملول. ومع هذا فإن من كان قبلنا في الجاهلية الجهلاء، وفي صدر الإسلام، من الشعراء كانوا يؤسسون أشعارهم في المعاني التي ركبوها على القصد للصدق فيها مديحاً وهجاء، وافتخاراً ووصفا، وترغيباً وترهيباً، إلا ما قد احتمل الكذب فيه في حكم الشعر: من الإغراق في الوصف والإفراط في التشبيه. وكان مجرى ما يوردونه مجرى القصص الحق، والمخاطبات بالصدق، فيحابون بما يثابون ويثابون بما يحابون.
والشعراء في عصرنا إنما يثابون على ما يستحسن من لطيف ما يوردونه من أشعارهم، وبديع ما يغربون من معانيهم، وبليغ ما ينظمونه من ألفاظهم ومضحك ما يوردونه من نوادرهم، وأنيق ما ينسجونه من وشي قولهم، دون حقائق ما يشتمل عليه من المدح، والهجاء، وسائر الفنون التي يصرفون القول فيها. فإذا كان المديح ناقصاً عن الصفة التي ذكرناها، كان سبباً لحرمان قائله، والمتوسل به. وإذا كان الهجاء كذلك أيضاً كان سبباً لاستهانة المهجو به وأمنه من سيره، ورواية الناس له، وإذا عتهم إياه وتفكههم بنوادره لا سيما وأشعارهم متكلفة غير صادرة عن طبع صحيح، كأشعار العرب التي سبيلهم في منظومها سبيلهم في منثور كلامهم الذي لا مشقة عليهم فيه.
فينبغي للشاعر في عصرنا أن لا يظهر شعره إلا بعد ثقته بجودته وحسنه وسلامته من العيوب التي نبه عليها، وأمر بالتحرز منها، ونهي عن استعمال نظائرها، ولا يضع في نفسه أن الشعر موضع اضطرار، وأنه يسلك سبيل من كان قبله، ويحتج بالأبيات التي عيبت على قائلها؛ فليس يقتدى بالمسيء، وإنما الاقتداء بالمحسن، وكل واثق فيه مجل له إلا القليل. ولا يغير على معاني الشعر فيودعها شعره، ويخرجها في أوزان ومخالفة لأوزان الأشعار التي يتناول منها ما يتناول، ويتوهم أن تغييره للألفاظ والأوزان مما يستر سرقته، أو يوجب له فضيلة، بل يديم النظر في الأشعار التي قد اخترناها لتلصق معانيها بفهمه، وترسخ أصولها في قلبه، وتصير مواد لطبعه، ويذرب لسانه بألفاظها؛ فإذا جاش فكره بالشعر أدى إليه نتائج ما استفاده مما نظر فيه من تلك الأشعار، فكانت تلك النتيجة كسبيكة مفرغة من جميع الأصناف التي تخرجها المعادن. وكما قد اغترف من واد قد مدته سيول جارية من شعاب مختلفة، وكطيب تركب من أخلاط من الطيب كثيرة، فيستغرب عيانه، ويغمض مستبطنه ويذهب في ذلك إلى ما يحكى عن خالد بن عبد الله القسري، فإنه قال: حفظني أبي ألف خطبة ثم قال لي: تناسها؛ فتناسيتها؛ فلم أرد بعد ذلك شيئاً من الكلام إلا سهل على. فكان حفظه لتلك الخطب رياضة لفهمه، وتهذيباً لطبعه، وتلقيحاً لذهنه، ومادة لفصاحته، وسبباً لبلاغته ولسنه وخطابته.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 18-04-2008, 10:06 AM
الشاعر/ خضر أبو جحجوح الشاعر/ خضر أبو جحجوح غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2005
الدولة: قطاع غزة/ فلسطين
المشاركات: 3,749
افتراضي

طريقة العرب في التشبيه
ص16-18
واعلم أن العرب أودعت أشعارها من الأوصاف والتشبيهات والحكم ما أحاطت به معرفتها، وأدركه عيانها، ومرت به تجاربها وهم أهل وبر: صحونهم البوادي وسقوفهم السماء، فليست تعدو أوصافهم ما رأوه منها وفيها، وفي كل واحدة منهما في فصول الزمان على اختلافها: من شتاء، وربيع، وصيف، وخريف، من ماء، وهواء، ونار، وجبل، ونبات وحيوان، وجماد، وناطق، وصامت، ومتحرك، وساكن، وكل متولد من وقت نشوئه، وفي حال نموه إلى حال انتهائه. فتضمنت أشعارها من التشبيهات ما أدركه من ذلك عيانها وحسها، إلى ما في طبائعها وأنفسها من محمود الأخلاق ومذمومها، في رخائها وشدتها، ورضاها وغضبها، وفرحها وغمها، وأمنها وخوفها، وصحتها وسقمها، والحلات المتصرفة في خلقها، من حال الطفولة إلى حال الهرم، وفي حال الحياة إلى حال الموت. فشبهت الشيء بمثله تشبيهاً صادقاً على ما ذهبت إليه في معانيها التي أرادتها فإذا تألمت أشعارها وفتشت جميع تشبيهاتها وجدتها على ضروب مختلفة تتدرج أنواعها. فبعضها أحسن من بعضه، وبعضها ألطف من بعض. فأحسن التشبيهات ما إذا عكس لم ينتقص، بل يكون كل مشبه بصاحبه مثل صاحبه، ويكون صاحبه مثله مشتبهاً به صورة ومعنى. وربما أشبه الشيء الشيء صورة وخالفه معنى، وربما أشبهه معنى وخالفه صورة، وربما قاربه وداناه أو شامه. وأشبهه مجازاً لا حقيقة.
فإذا اتفق لك في أشعار العرب التي يحتج بها تشبيه لا تتلقاه بالقبول، أو حكاية تستغر بها فابحث عنه ونقر عن معناه، فإنك لا تعدم أن تجد تحته خبيئة إذا أثرتها عرفت فضل القوم بها، وعلمت أنهم أدق طبعاً من أن يلفظوا بكلام لا معنى تحته. وربما خفى عليك مذهبهم في سنن يستعملونها بينهم في حالات يصفونها في أشعارهم، فلا يمكنك استنباط ما تحت حكاياتهم، ولا تفهم مثلها إلا سماعاً، فأذا وقفت على ما أرادوه لطف موقع ما تسمعه من ذلك عند فهمك.
والكلام الذي لا معنى له كالجسد الذي لا روح فيه. كما قال بعض الحكماء: للكلام جسد وروح، فجسده النطق وروحه معناه. فأما ما وصفته العرب، وشبهت بعضه ببعض فما أدركه عيانها فكثير لا يحصر عدده، وأنواعه كثيرة. وسنذكر بعض ذلك ونبين حالاته وطبقاته إن شاء الله تعالى.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 18-04-2008, 10:07 AM
الشاعر/ خضر أبو جحجوح الشاعر/ خضر أبو جحجوح غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2005
الدولة: قطاع غزة/ فلسطين
المشاركات: 3,749
افتراضي

المثل الاخلاقية عند العرب
وبناء المدح والهجاء عليها
ص18-19
وأما ما وجدته في أخلاقها ومدحت به سواها، وذمت من كان على ضد حاله فيه فخلال مشهورة كثيرة: منها في الخلق الجمال والبسطة، ومنها في الخلق السخاء والشجاعة، والحلم والحزم والعزم، والوفاء، والعفاف، والبر، والعقل، والأمانة، والقناعة، والغيرة، والصدق، والصبر، والورع، والشكر، والمداراة، والعفو، والعدل والإحسان، وصلة الرحم، وكتم السر، والمواناة، وأصالة الرأي، والأنفة، والدهاء وعلو الهمة، والتواضع، والبيان، والبشر، والجلد، والتجارب، والنقض والإبرام. وما يتفرع من هذه الخلال التي ذكرناها من قرى الأضياف، وإعطاء العفاة، وحمل المغارم، وقمع الأعداء، وكظم الغيظ، وفهم الأمور، ورعاية العهد، والفكرة في العواقب، والجد، والتشمير، وقمع الشهوات، والإيثار على النفس، وحفظ الودائع، والمجازاة، ووضع الأشياء مواضعها، والذب عن الحريم، واجتلاب المحبة، والتنزه عن الكذب، واطراح الحرص، وإدخار المحامد والأجر، والاحتراز من العدو، وسيادة العشيرة، واجتناب الحسد، والنكاية في الأعداء، وبلوغ الغابات، والاستكثار من الصدق، والقيام بالدية وكبت الحساد، والإسراف في الخير، واستدامة النعمة، وإصلاح كل فاسد، واعتقاد المنن، واستعباد الأحرار بها، وإيناس النافر، والإقدام على بصيرة، وحفظ الجار. وأضداد هذه الخلال: البخل، والجبن، والطيش، والجهل، والغدر، والاغترار، والفشل، والفجور، والعقوق، والخيانة، والحرص والمهانة، والكذب، والهلع، وسوء الخلق، ولؤم الظفر، والخور، والإساءة، وقطيعة الرحم، والنميمة، والخلاف، والدناءة، والغفلة، والحسد، والبغي، والكبر، والعبوس، والإضاعة، والقبح، والدمامة، والقماءة، والابتذال، والخرف، والعجز، والعي.
ولتلك الخصال المحمودة حالات تؤكدها، وتضاعف حسنها، وتزيد في جلالة المتمسك بها، كما أن لأضدادها أيضاً حالات تزيد في الحط ممن وسم بشيء منها ونسب إلى استشعار مذمومها، والتمسك بفاضحها، كالجود في حال العسر موقعه فوق موقعه في حال الجدة، وفي حال الصحو أحمد منه في حال السكر، كما أن البخل من الوافر القادر أشنع منه من المضطر العاجز، والعفو في حال المقدرة أجل موقعاً منه في حال العجز، والشجاعة في حال مبارزة الأقران أحمد منها في حال الإحراج ووقوع الضرورة، والعفة في حال اعتراض الشهوات والتمكن من الهوى أفضل منها في حال فقدان اللذات، واليأس من نيلها، والقناعة في حال تبرج الدنيا ومطامعها أحسن منها في حال اليأس وانقطاع الرجاء منها.
وعلى هذا التمثيل، وجميع الخصال التي ذكرناها. فاستعملت العرب هذه الخلال وأضدادها، ووصفت بها في حالي المدح والهجاء مع وصف ما يستعد به لها ويتهأ لاستعماله فيها، وشعبت منها فنوناً من القول وضروباً من الأمثال وصنوفاً من التشبيهات ستجدها على تفننها واختلاف وجوهها في الاختيار الذي جمعناه، فتسلك في ذلك منهاجهم، وتحتذي على مثالهم إن شاء الله تعالى.
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 18-04-2008, 10:15 AM
الشاعر/ خضر أبو جحجوح الشاعر/ خضر أبو جحجوح غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2005
الدولة: قطاع غزة/ فلسطين
المشاركات: 3,749
افتراضي

عيار الشعر
علة حسن الشعر

ص20-23
وعيار الشعر أن يورد على الفهم الثاقب، فما قبله واصطفاه فهو راف، وما مجه ونفاه فهو ناقص. والعلة في قبول الفهم الناقد للشعر الحسن الذي يرد عليه، ونفيه للقبيح منه، واهتزازه لما يقبله، وتكرهه لما ينفيه، إن كل حاسة من حواس البدن إنما تتقبل ما يتصل بها مما طبعت له إذا كان وروده عليها وروداً لطيفاً باعتدال لاجور فيه، وبموافقة لا مضادة معها، فالعين تألف المرأى الحسن، وتقذى بالمرأى القبيح الكريه، والأنف يقبل المشم الطيب، ويتأذى بالمنتن الخبيث، والفم يلتذ بالمذاق الحلو، ويمج البشع المر، والأذن تتشوف للصوت الخفيض الساكن وتتأذى بالجهير الهائل، واليد تنعم بالملمس اللين الناعم، وتتأذى بالخشن المؤذي. والفهم يأنس من الكلام بالعدل الصواب الحق، والجائز المعروف المألوف، ويتشوف إليه، ويتجلى له، ويستوحش من الكلام الجائر، والخطأ الباطل، والمحال المجهول المنكر، وينفر منه، ويصدأ له. فإذا كان الكلام الوارد على الفهم منظوماً، مصفى من كدر العي، مقوماً من أود الخطأ واللحن، سالماً من جور التأليف، موزوناً بميزان الصواب لفظاً ومعنى وتركيباً اتسعت طرقه، ولطفت موالجه، فقبله الفهم وارتاح له، وأنس به. وإذا ورد عليه على ضد هذه الصفة، وكان باطلا محالاً مجهولاً، انسدت طرقه ونفاه واستوحش عند حسه به، وصدىء له، وتأذى به، كتأذى سائر الحواس بما يخالفها على ما شرحناه.
وعلة كل حسن مقبول الاعتدال، كما أن علة كل قبيح منفي الاضطراب. والنفس تسكن إلى كل ما وافق هواها، وتقلق مما يخالفه، ولها أحوال تتصرف بها، فإذا ورد عليها في حالة من حالاتها ما يوافقها اهتزت له وحدثت لها أريحية وطرب، فإذا ورد عليها ما يخالفها قلقت وأستوحشت.
وللشعر الموزون إيقاع يطرب الفهم لصوابه ويرد عليه من حسن تركيبه واعتدال اجزائه. فإذا اجتمع للفهم مع صحة وزن الشعر صحة المعنى وعذوبة اللفظ فصفا مسموعه ومعقوله من الكدر تم قبوله له، واشتماله عليه، وإن نقص جزء من أجزائه التي يعمل بها وهي: اعتدال الوزن، وصواب المعنى، وحسن الألفاظ، كان إنكار الفهم إياه على قدر نقصان أجزائه. ومثال ذلك الغناء المطرب الذي يتضاعف له طرب مستعمه، المتفهم لمعناه ولفظه مع طيب ألحانه. فأما المقتصر على طيب اللحن منه دون ما سواه فناقص الطرب. وهذه حال الفهم فيما يرد عليه من الشعر الموزون مفهوماً أو مجهولاً. وللأشعار الحسنة على اختلافها مواقع لطيفة عند الفهم لا تحد كيفيتها: كمواقع الطعوم المركبة الخفية التركيب اللذيذة المذاق، وكالأراييح الفائحة المختلفة الطيب والنسيم، وكالنقوش الملونة التقاسيم والأصباغ، وكالإيقاع المطرب المختلف التأليف، وكالملامس اللذيذة الشهية الحس، فهي تلائمه إذا وردت عليه - أعني الأشعار الحسنة للفهم - فيلتذها ويقبلها، ويرتشفها كارتشاف الصديان للبارد الزلال، لأن الحكمة غذاء الروح، فأنجع الأغذية ألطفها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن من الشعر حكمة وقال عليه السلام: ما خرج من القلب وقع القلب، وما خرج من اللسان لم يتعد الآذان. فإذا صدق ورود القول نثراً ونظماً أثلج صدره. وقال بعض الفلاسفة: إن للنفس كلمات روحانية من جنس ذاتها. وجعل ذلك برهاناً على نفع الرقى ونجعها فيما تستعمل له.
فإذا ورد عليك الشعر اللطيف المعنى، الحلو اللفظ، التام البيان، المعتدل الوزن، مازج الروح ولاءم الفهم، وكان أنفذ من نفث السحر، وأخفى دبيباً من الرقى، وأشد إطراباً من الغناء، فسل السخائم، وحلل العقد، وسخى الشحيح، وشجع الجبان، وكان كالخمر في لطف دبيبه وإلهائه، وهزه وإثارته. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحراً.
علة أخرى
ولحسن الشعر وقبول الفهم إياه علة أخرى وهي موافقته للحال التي يعد معناه لها؛ كالمدح في حال المفاخرة، وحضور من يكبت بانشاده من الأعداء، ومن يسر به من الأولياء. وكالهجاء في حال مباراة المهاجى، والحط منه حيث ينكى فيه استماعه له. وكالمراثي في حال جزع المصاب، وتذكر مناقب المفقود عند تأبينه، والتعزية عنه. وكالاعتذار والتنصل من الذنب عند سل سخيمة المجني عليه، المعتذر إليه. وكالتحريض على القتال عند التقاء الأقران وطلب المغالبة. وكالغزل والنسيب عند شكوى العاشق، واهتياج شوقه وحنينه إلى من يهواه.

صدق العبارة

فإذا وافقت هذه الحالات، تضاعف حسن موقعها عند مستمعها، لا سيما إذا أيدت بما يجذب القلوب من الصدق عن ذات النفس بكشف المعاني المختلجة فيها، والتصريح بما كان يكتم منها، والاعتراف بالحق في جميعها.
والشعر هو ما إن عري من معنى بديع لم يعر من حسن الديباجة. وما خالف هذا فليس بشعر. ومن أحسن المعاني والحكايات في الشعر وأشدها استفزازاً لمن يسمعها، الابتداء بذكر ما يعلم السامع له إلى أي معنى يساق القول فيه قبل استتمامه، وقبل توسط العبارة عنه، والتعريض الخفي الذي يكون بخفائه أبلغ في معناه من التصريح الظاهر الذي لا ستر دونه. فموقع هذين عند الفهم كموقع البشرى عند صاحبها لثقة الفهم بحلاوة ما يرد عليه من معناهما.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 18-04-2008, 10:25 AM
الشاعر/ خضر أبو جحجوح الشاعر/ خضر أبو جحجوح غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2005
الدولة: قطاع غزة/ فلسطين
المشاركات: 3,749
افتراضي

ضروب التشبيهات
ص23-27
والتشبيهات على ضروب مختلفة. فمنها: تشبيه الشيء بالشيء صورة وهيئة، ومنها تشبيهه به معنى، ومنها تشبيهه به حركة، وبطئاً وسرعة، ومنها تشبيهه به لوناً، ومنها تشبيهه به صوتاً. وربما امتزجت هذه المعاني بعضها ببعض، فإذا اتفق في الشيء المشبه بالشيء معنيان أو ثلاثة معان من هذه الأوصاف قوي التشبيه وتأكد الصدق فيه، وحسن الشعر به للشواهد الكثيرة المؤيدة له.
فأما تشبيه الشيء بالشيء صورة وهيئة فكقول امرىء القيس:

كأن قلوب الطير رطباً ويابساً =لدى وكرها العناب والحشف البالي
وكقوله:
كأن عيون الوحش حول خبائنا =وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
وكقول عدي بن الرقاع:
تزجى أغن كأن إبرة روقه= قلم أصاب من الدواة مدادها
وأما تشبيه الشيء بالشيء لوناً وصورة فكقول امرىء القيس يصف الدرع:
ومسرودة السك موضونة = تضاءل في الطي كالمبرد
تفيض على المرء أردانها = كفيض الأتي على الجدجد
وكقول النابغة:
تجلو بقادمتي حمامة أيكة= بردا أسف لثاته بالإثمد
كالأقحوان غداة غب سمائه = جفت أعاليه وأسفله ندي
وكقول حميد بن ثور:
على أن سحقا من رماد كأنه = حصى إثمد بين الصلاء سحيق
وأما تشبيه الشيء بالشيء صورة ولوناً وحركة وهيئة فكقول ذي الرمة:
ما بال عينك منها الدمع ينسكب = كأنه من كلى مفرية سرب
وفراء غرفية أثأى خوارزها= مشلشل ضيعته بينها الكتب
وكقول الشماخ:
لليلى بالعنيزة ضوء نار = تلوح كأنها الشعرى العبور
إذا ما قلت أخمدها زهاها = سواد الليل والريح الدبور
وكقول ابن الشماخ: وهو جنادة بن جزي.
والشمس كالمرآة في كف الأشل
وكقول امرىء القيس:
جمعت ردينياً كأن سنانه= سنا لهب لم يتصل بدخان
وكقول ليلى الأخيلية:
قوم رباط الخيل وسط بيوتهم = وأسنة زرق يخلن نجوما
وأما تشبيه الشيء بالشيء حركة وهيئة فكقول عنترة:
وترى الذباب بها يغني وحده= هزجاً كفعل الشارب المترنم
غرداً يحك ذراعه بذراعه = قدح المكب على الزناد الأجذم
وكقول الأعشى.
غراء فرعاء مصقول عوارضها=تمشي الهويني كما يمشي الوجى الوجل
كأن مشيتها من بيت جارتها = مر السحابة لا ريث ولا عجل
وكقول حميد بن ثور.
أرقت لبرق آخر الليل يلمع =سرى دائبا فيه يهب ويهجع
دنا الليل واستن استنانا زفيفه = كما استن في الغاب الحريق المشيع
وكقوله:
خفا كإقتذاء الطير والليل مدبر =بجثمانه والصبح قد كان يسطع
وكقول ابن هرمة:
ترى ظلها عند الرواح كأنه =إلى دفها رأل يخب جنيب
وكقول الآخر.
يضحى بها الحرباء وهو كأنه= خصم معد للخصومة موفق
وكقول الآخر:
كأن أنوف الطير في عرصاتها = خراطيم أقلام تخط وتعجم

وأما تشبيه الشيء بالشيء معنى لا صورة فكتشبيه الجواد الكثير العطاء بالبحر والحيا، وتشبيه الشجاع بالأسد، وتشبيه الجميل الباهر الحسن الرواء بالشمس، وتشبيه المهيب الماضي في الأمور بالسيف، وتشبيه العالي الهمة بالنجم، وتشبيه الحليم الركين بالجبل، وتشبيه الحيي بالبكر، وتشبيه العزيز الصعب المرام بالمتوقل في الجبال والسامي في العلو، وتشبيه الفائت بالحلم، وبأمس الذاهب. وتشبيه أضداد هذه المعاني بأشكالها على هذا القياس: كاللئيم بالكلب، والجبان بالصفرد، والطائش بالفراش، والذليل بالنقد وبالوتد، والقاسي بالحديد والصخر.
وقد فاز قوم بخلال شهروا بها من الخير والشر وصاروا أعلاماً فيها فربما شبه بهم فيكونون في المعاني التي احتووا عليها وذكروا بشهرتها نجوماً يقتدى بهم، وأعلاماً يشار إليهم كالسمو أل في الوفاء، وحاتم في السخاء، والأحنف في الحلم، وسحبان في البلاغة، وقيس في الخطابة، ولقمان في الحكمة، فهم في التشبيه يجرون مجرى ما قدمنا ذكره من البحر والحيا والشمس والقمر والسيف، ويكون التشبيه بهم مدحاً كالتشبيه بها، وكذلك أضدادها. وقوم يذمون فيما شهروا به، يشبه بهم في حال الذم، كما يشبه بهؤلاء في حال المدح: كباقل في العي وهنبقة في الحمق، والكسعى في الندامة، والمنزوف صرطاً في الجبن.
فالشاعر الحاذق يمزج بين هذه المعاني في التشبيهات لتكثر شواهدها ويتأكد حسنها، ويتوقى الاقتصار على ذكر المعاني التي يغير عليها دون الإبداع فيها والتلطيف لها لئلا يكون كالشيء المعاد المملول.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 18-04-2008, 10:52 AM
الشاعر/ خضر أبو جحجوح الشاعر/ خضر أبو جحجوح غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2005
الدولة: قطاع غزة/ فلسطين
المشاركات: 3,749
افتراضي

أدوات التشبيه
ص27-36
فما كان من التشبيه صادقاً قلت في وصفه كأنه أو قلت ككذا، وما قارب الصدق قلت فيه تراه أو تخاله أو يكاد. فمن التشبيه الصادق قول أمرىء القيس:
نظرت إليها والنجوم كأنها=مصابيح رهبان تشب لقفال
فشبه النجوم بمصابيح رهبان لفرط ضيائها وتعهد الرهبان لمصابيحهم وقيامهم عليها لتزهر إلى الصبح، فكذلك النجوم زاهرة طول الليل وتتضاءل للصباح كتضاؤل المصابيح له. وقال: تشب لقفال لأن أحياء العرب بالبادية إذا قفلت إلى مواضعها التي تأوي إليها من مصيف إلى مشتى، ومن مشتى إلى مربع أوقدت نيراناً على قدر كثرة منازلها وقلتها ليهتدي بها، فشبه النجوم ومواقعها من السماء بتفرق تلك النيران واجتماعها في مكان بعد مكان على حسب منازل القفال من أحياء العرب، ويهتدي بالنجوم كما يهتدي القفال بالنيران الموقدة لهم.
وأما تشبيه الشيء بالشيء معنى لا صورة فكقول: النابغة:
ألم تر أن الله أعطاك سورة =ترى كل ملك دونها يتذبذب
فإنك شمس والملوك كواكب =إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وكقوله أيضاً:
فإنك كالليل الذي هو مدركي = وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
خطاطيف حجن في حبال متينة=تمد بها أيد إليك نوازع
وكقوله:
وإنك غيث ينعش الناس سيبه = وسيف أعيرته المنية قاطع
وكقول الأعشى:
كالهندواني لا يخزيك مشهده =. وسط السيوف إذا ما تضرب البهم
وكقول زهير:
لو كنت من شيء سوى بشر=كنت المنير لليلة البدر
ولأنت أجود بالعطاء من ال=ريان لما جاد بالقطر
ولأنت أشجع من أسامة إذ = رأب الصريخ ولج في الذعر
ولانت أحيا من مخدرة = عذراء تقطن جانب الخدر
ولأنت أبين حين تنطق من=لقمان لما عي بالمكر
وكقول النابغة الجعدي:
فقد بليت وأفنانى الزمان كما=يفني تقلب أقطار الرحى القطبا
وقال الراعي،
وكالسيف إن لاينته لأن متنه = وحداه إن خاشنته خشنان
وكقول الراعي:
فما أم عبد الله إلا عطية= من الله أعطاها امرءاً هو شاكر
هي الشمس وافاها الهلال بنوهما=نجوم بآفاق السماء نظائر
تذكرها المعروف وهي حيية=وذو اللب أحيانا مع الحلم ذاكر
كما استقبلت غيثا جنوب ضعيفة =فأسبل ريان الغمامة ماطر
وأما تشبيه الشيء بالشيء حركة وبطئاً وسرعة فكقول الراعي:
كأن يديها بعد ما انضم بدنها =وصوب حاد بالركاب يسوق
يدا ماتح عجلان رخو ملاطه = له بكرة تحت الرشاء فلوق
وكقول امرىء القيس:
كأن الحصى من خلفها وأمامها = إذا نجلته رجلها حذف أعسرا
وكقول الآخر:
كأنما الرجلان واليدان =طالبتا وتر وهاربان
وكقول الأخطل:
وهن عند اغترار القوم ثورتها =يرهقن مجتمع الأعناق والركب
فهن ثمت يزفى قذف أرجلها =إهذاب أيد بها يضرين كالعذب
كلمع أيدي مثاكيل مثلبة=ينعين فنيان ضرس الدهر والخطب
وكقول حميد بن ثور:
من كل يعملة يظل زمامها=يسعى كما هرب الشجاع المنفر
وكقول الشماخ.
وكلهن يباري ثني مطرد= كحية الطود ولى غير مطرود
وكقول امرىء القيس:
مكر مفر مقبل مدبر معا = كجلمود صخر حطه السيل من عل
أصاح ترى برقاً أريك وميضه =كلمح اليدين في حبي مكلل
وأما تشبيه الشيء لوناً فكقول الأعشى.
وسبيئة مما تعتق بابل= كدم الذبيح سلبتها جربالها
وكقول حميد بن ثور:
والليل قد ظهرت نحيزته =والشمس في صفراء كالورس
وكقول الشماخ:
إذا ما الليل كان الصبح فيه = أشق كمفرق الرأس الدهين
وكقول عبيد بن الأبرص:
يا من لبرق أبيت الليل أرقبه =في عارض كمضيء الصبح لماح
وكقول زهير:
زجرت عليه حرة أرحبية = وقد صار لون الليل مثل الأرندج
وكقول امرىء القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدوله =علي بأنواع الهموم ليبتلي
وكقول كعب بن زهير:
وليلة مشتاق كأن نجومها = تفرقن منها في طيالسة خضر
وكقول ذي الرمة:
وليل كسربال الغراب ادرعته = إليك كما احتث اليمامة أجدل
وكقول ابن هرمة:
وقد لاح للساري الذي كحل السرى =على أخريات الليل فتق مشهر
كلون الحصان الأنبط البطن قائما =تمايل عنه الجل واللون أشقر
وكقوله:
إلي أن يشق الليل ورد كأنه= وراء الدجى جاد أغر جواد
وأما تشبيه الشيء بالشيء صوتاً فكقول الشماخ:
أجد كأن صريفها بسديسها=في البيد صارخة صرير الأخطب
وكقول الراعي:
كأن دوي الحلي تحت ثيابها =حصاد السفا لاقى الرياح الزعازعا
وكقول الشماخ:
كأن نهيفهن بكل فج= إذا ارتحلوا تأوه نائحات
وكقوله:
إذا أنبض الراموان عنها ترنمت =ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز
وكقول الأعشبي:
تسمع للحلى وسواساً إذا انصرفت =كما استعان بريح عشرق زجل
وأما الابتداء بما يحس السامع بما ينقاد إليه القول فيه قبل استتمامه فكقول النابغة:
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم = عصائب طير تهتدي بعصائب
فقدم في هذا البيت معنى ما تحلق الطير من أجله، ثم أوضحه بقوله:
يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم=من الضاريات بالدماء الذوارب
تراهن خلف القوم زوراً كأنها=جلوس شيوخ في مسوك الأرانب
جوانح قد أيقن أن قبيله=إذا ما التقى الجمعان أول غالب
لهن عليهم عادة قد عرفنها =إذا عرضوا الخطي فوق الكواثب
وقول الآخر:
لعمرك ما الناس أثنوا عليك = ولا مدحوك ولا عظموا
ولو أنهم وجدوا مسلكا=إلى أن يعيبوك ما أحجموا
فقدم معنى ما ساق إليه الإبتداء، فقال في تمامه:
ولكن صبرت لما ألزموك= وجدت بما لم يكن يلزم
وأنت بفضلك ألجأتهم=إلى أن يقولوا وأن يعظموا
وأما التعريض الذي ينوب عن التصريح، والاختصار الذي ينوب عن الإطالة. فكقول عمرو بن معدي كرب:
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم= نطقت، ولكن الرماح أجرت

أي لو أن قومي اعتنوا في القتال، وصدقوا المصاع، وطعنوا أعداءهم برماحهم فأنطقتني بمدحهم وذكر حسن بلائهم نطقت، ولكن الرماح أجرت أي شقت لساني كما يجر لسان الفصيل، يريد أسكتتني.
وكقول الآخر في معناه:
بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدما =دفنتم بصحراء الغمير القوافيا
وكقول قيس بن خويلد في ضده:
وكنا أناساً أنطقتنا سيوفنا= لنا في لقاء القوم جد وكوكب
وكقول الآخر:
لعمري لنعم الحي حي بني كعب =إذا نزل الخلخال منزلة القلب
يقول: إذا ريعت صاحبة الخلخال فأبدت ساقها وشمرت للهرب.
والقلب السوار تبديه المرأة وتخفي الخلخال إذا لبستهن. وقد قيل في معنى هذا البيت أيضاً إن المرأة إذا ريعت لبست الخلخال في يدها دهشاً.
وكقول حميد بن ثور:
أرى بصري قد رابني بعد صحة=وحسبك داء أن تصح وتسلما
وكقول لبيد:
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما=وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
ومن الاختصار قول لبيد:
وبنو الريان أعداء للا= وعلى ألسنتهم ذلت نعم
زينت أحسابهم أنسابهم= وكذاك الحلم زين للكرم
ومن المدح البليغ الموجز قول امرئ القيس:
وتعرف فيه من أبيه شمائلا = ومن خاله ومن يزيد ومن حجر
سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا =وتأمل ذا إذا صحا وإذا سكر
وكقول محمد بن بشير الخارجي:
يا أيها المتمني أن يكون فتى =مثل ابن زيد لقد خلى لك السبلا
أعدد نظائر أخلاق عددن له = هل سب من أحد أو سب أو بخلا
وكقول الآخر:
علم الغيث الندى حتى إذا =ما حكاه علم البأس الأسد
فله الغيث مقر بالندى= وله الليث مقر بالجلد
وكقول الآخر:
يا من نؤمل أن تكون خصاله =كخصال عبد الله أنصت واستمع
فلأنصحنك في المشورة والذي= حج الحجيج إليه فاقبل أوفدع
أصدق وعف وبر واصبر واحتمل = واحلم وكف ودار واسمع واشجع
وكقول الآخر:
شبه الغيث فيه والليث والبد =ر فسمح ومحرب وجميل
فهذه أمثلة لأنواع التشبيهات التي وعدنا شرحها، وفي كتاب تهذيب الطبع ما يسد الخلل الذي فيها، ويأتي على ما أغفلنا وصفه والاستشهاد به من هذا الفن إن شاء الله تعالى.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 18-04-2008, 11:07 AM
الشاعر/ خضر أبو جحجوح الشاعر/ خضر أبو جحجوح غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2005
الدولة: قطاع غزة/ فلسطين
المشاركات: 3,749
افتراضي

الأشعار المحكمة وأضدادها ص37-44
ونذكر الآن أمثلة للأشعار المحكمة الرصف، المستوفاة المعاني، السلسة الألفاظ، الحسنة الديباجة، وأمثلة لأضدادها. وننبه على الخلل الواقع فيها، ونذكر التي قد زادت قريحة قاثليها فيها على عقولهم، والأبيات التي أغرق قائلوها فيما ضمنوها من المعاني، والأبيات التي قصروا فيها عن الغايات التي جروا إليها في الفنون التي وصفوها، والقوافي القلقة في مواضعها، والقوافي المتمكنة في مواقعها، والألفاظ المستكرهة، النافرة الشائنة للمعاني التي اشتملت عليها، والمعاني المسترذلة الشائنة للألفاظ المشغولة بها. والأبيات الرائقة سماعا، الواهية تحصيلاً، والأبيات القبيحة نسجاً وعبارة، العجيبة معنى وحكمة وإصابة.
سنن العرب وتقاليدها
وأمثلة لسنن العرب المستعملة بينها، التي لا تفهم معانيها إلا سماعاً، كإمساك العرب عن بكاء قتلاها حتى تطلب بثأرها، فإذا أدركته بكت حينئذ قتلاها. وفي هذا المعنى:
من كان مسروراً بمقتل مالك=فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء جواسراً يندبنه=يطلمن أوجههن بالأسحار
قد كن يكنن الوجوه تستراً = فالآن حين برزن للنظار
يقول: من كان مسروراً بمقتل مالك فليستدل ببكاء نسائنا وندبهن إياه على أنا قد أخذنا بثأرنا وقتلنا قاتله.
وككيهم إذا أصاب إبلهم العر والجرب السليم منها ليذهب العر عن السقيم. وفي ذلك يقول النابغة متمثلاً:
يكلفني ذنب امرئ وتركته = كذي العر يكوى غيره وهو راتع
وكحكمهم إذا أحب الرجل منهم امرأة وأحبته، فلم يشق برقعها ولم تشق هي رداءه فإن حبهما يفسد، وإذا فعلاه دام أمرهما. وفي ذلك يقول عبد بني الحسحاس سحيم:
فكم قد شققنا من رداء محبر=ومن برقع عن طفلة غير عانس
إذا شق برد شق بالبرد مثله =دواليك حتى كلنا غير لابس
وكتعليقهم الحلي والجلاجل على السليم ليفيق. وفي ذلك يقول النابغة:
يسهد من ليل التمام سليمها=لحلى النساء في يديه قعاقع
ويقول رجل من عذرة:
كأني سليم ناله كلم حية =ترى حوله حلي النساء موضعا
وكفقئهم عين الفحل إذا بلغت إبل أحدهم ألفا، فإن زادت عن الألف فقأوا العين الأخرى، يقولون إن ذلك يدفع عنها الغارة والعين. وفي ذلك يقول قائلهم يشكر ربه على ما وهب له:
وهبتها وأنت ذو امتنان=يفقاً فيها أعين البعران
وقال بعض العرب ممن أدرك الإسلام يذكر أفعالهم:
وكان شكر القوم عند المنن=كي الصحيحات وفقاً الأعين
وكسقيهم العاشق الماء على خرزة تسمى السلوان فيسلو، ففي ذلك يقول القائل:
يا ليت أن لقلبي من يعلله=أو ساقياً فسقاه اليوم سلوانا
وقال آخر:
شربت على سلوانه ماء مزنة=فلا وجديد العيش يا مي ما أسلو
وكإيقادهم خلف المسافر الذي لا يحبون رجوعه ناراً، ويقولون: أبعده الله وأسحقه. وأوقد ناراً إثره. وفي ذلك يقول شاعرهم.
وذمة أقوام حملت ولم نكن = لنوقد ناراً إثرهم للتندم
وكضربهم الثور إذا امتنعت البقر من الماء، ويقولون إن الجن تركب الثيران فتصد البقر عن الشراب. قال الأعشى:
فإني وما كلفتموني وربكم=ليعلم من أمسى أحق وأحوبا
لكالثور والجني يركب ظهره=وما ذنبه أن عافت الماء مشربا
وقال نهشل بن حري:
أتترك عامر وبنو عدي=وتغرم دارم وهم براء
كذاك الثور يضرب بالهراوي=إذا ما عافت البقر الظماء
وكزعمهم أن المقلات - وهي التي لا يبقى لها ولد - إذا وطئت قتيلا شريفاً بقي ولدها. وفي ذلك يقول القائل:
تظل مقاليت النساء يطأنه =يقلن ألا يلقى على المرء مئزر
وقال الكميت:
وتظل المؤزرات المقاليت=يطلن القعود بعد القيام
وإنما يفعل النساء ذلك بالشريف إذا كان مقتولاً غدراً أو قوة.
وكزعمهم أن الرجل إذا خدرت رجله فذكر أحب الناس إليه ذهب عنه الخدر.
وقال كثير:
إذا خدرت رجلي ذكرتك أشتفي=بذكرك من خدر بها فيهون
وقالت امراة من بني بكر بن كلاب:
صب محب إذا ما رجله خدرت =نادى كنيسة حتى يذهب الخدر
وكحذف الصبي منهم سنه إذا سقطت في عين الشمس، وقوله، أبدليني بها أحسن منها، وليجر في ظلمها إياتك.
سقته إياه الشمس إلا لثاته =أسف ولم يكمد عليه بإثمد
وقال أبو دؤاد:
ألقى عليه إياه الشمس أدرانا
وزعم العرب أن الصبي إذا فعل ذلك لم تنبت أسنانه عوجاً ولا ثعلاً. وقال طرفة بن العبد في ذلك:
بدلته الشمس من منبته ... برداً أبيض مصقول الأشر
وكزعمهم أن المهقوع - وهو الفرس الذي به هقعة - وهي دائرة تكون بالفرس فيقال فرس مهقوع إذا ركبه رجل فعرق الفرس اغتلمت امراته وطمحت إلى غير بعلها. وقال بعض العرب لصاحب فرس مهقوع:
إذا عرق المهقوع بالمرء أنعظت ... حليلته وازداد حراً عجانها
فأجابه:
وقد يركب المهقوع من لست مثله =وقد يركب المهقوع زوج حصان
كعقدهم السلع والعشر في أذناب الثيران؛ وإضرامهم النيران فيها، وإصعادهم إياها على تلك الحالة في جبل يستسقون بذلك ويدعون الله. وهذا إذا حبست السماء قطرها. وفي ذلك يقول أمية بن أبي الصلت الثقفي:
سنة ازمة تخيل بالنا=س ترى للعضاه فيها صريرا
لا على كوكب نوء ولا = ريح جنوب ولا ترى طحرورا
ويسوقون باقر السهل للطور=مهازيل خشية ان تبورا
سلع ما ومثله عشر ما=عائل وعالت البيقورا
أي أثقلت البقر بما حلمت من السلع والعشر. وفي هذا المعنى للورل الطائي:
لا در در رجال خاب سعيهم=يستمطرون لدى الأزمات بالعشر
جاعل أنت بيقوراً مسلعة=ذريعة لك بين الله والمطر
وكزعمهم أن من ولد في القمر رجعت قلفته إلى وراء. فكان كالمختون. دخل امرؤ القيس على قيصر الحمام فرآه فقال فيه:
إني حلفت يميناً غير كاذبة=إنك أقلف إلا ما جنى القمر
إذا طعنت به مالت عمامته=كما تجمع تحت الفلكة الوبر
وكعقدهم خيطاً يسمونه الرتم في غصن شجرة أو ساقها، إذا سافر أحدهم وتفقد ذلك الخيط عند رجوع المسافر منهم فإن وجده على حاله قضى بان أهله لم تخنه، وإن رآه قد حل حكم بأنها قد خانته. وأنشد في هذا المعنى:
هل ينفعنك اليوم أن همت بهم=كثرة ما توصي وانعقاد الرتم
وفي معناه أيضاً:
خانته لما رأت شيباً بمفرقه=وغرو خلفها والعقد الرتم
وقال الراجز:
به من الجوى لمم = وغره عقد الرتم
وكزعمهم أن الرجل إذا أراد قرية فخاف وباءها فوقف على بابها قبل أن يدخل فعثركما ينهق الحمار، ثم دخلها لم يصبه وباؤها. وقال عروة بن الورد في ذلك، وكان خرج مع أصحابه له إلى خيبر يمتارون فخافوا وباءها، فعشروا وأبى عروة أن يفعل، فلما دخلوها وامتاروا وانصرفوا نحو بلادهم لم يبلغوا مكانهم إلا وعامتهم ميت أو مريض إلا عروة، فقال:
لعمري لئن عشرت من خشية الردى =نهاق الحمير إنني لجزوع
فلا وألت تلك النفوس ولا أتت= على روضة الأجداد وهي جميع
وكزعمهم أن من علق على نفسه كعب أرنب لم تقربه الجن. وفي ذلك يقول الشاعر:
ولا ينفع التعشير إن حم واقع=ولا دعدع يغني ولا كعب أرنب
قال ابن الأعرابي: قلت لزيد بن كسوة: من علق على نفسه كعب أرنب لم تقربه جنات الحمى وعمار الدار؟ فقال إي والله وشيطان الحماط، وجان العشيرة، وغول القفر، وكل الخوافي، إي والله وتطفأ عنه نيران السعالي وتبوخ.
وكزعمهم إذا أرادت جنية صبي قوم فلم تقدر عليه، من سن ثعلب أو سن هرة، وأشباه ذلك. فلما رجعت إلى صواحباتها ضرطا من ذلك قالت: كانت عليه نقرة ثعالب وهررة، والحيض حيض السمرة - وحيض السمرة شيء يسيل من السمرة في حمرة دم الغزال، فإذا يبس كان أسود فإذا ديف بالماء عاد أحمر كما كان، ذلك يزابل صبيانهم. حين تلد المرأة تخط به وجه الصبي ورأسه، وتنقط وجه أمه، تسميه نقطة الماء، واسم هذا الخط الدودم فهذه الأشياء لا تفهم معانيها إلا سماعاً، وربما كانت لها نظائر في أشعار المحدثين من وصف أشياء تعرض في حالات غامضة، إذا لم تكن المعرفة بها متقدمة عسر استنباط معانيها واستبرد المسموع منها. وكقول أبي تمام:
تسعون ألفاً كآساد الشرى نضجت=أعمارهم قبل نضج التين والعنب
وكان القوم الذين وصفهم يتواعدون الجيش الذي كان بإزائهم بالقتال، وأن ميعاد فنائهم وقت نضج التين والعنب وكانت مدة ذلك قريبة في ذلك الوقت، فلما ظفر بهم حلى الطائي قولهم على جهة التقريع والشماتة، ولولا ما ذهب إليه في هذا المعنى لكان ما أورده من أبرد الكلام وأغثه، على أن قوله: نضجت أعمارهم، ليس بمستحسن ولا مقبول.
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 18-04-2008, 11:24 AM
الشاعر/ خضر أبو جحجوح الشاعر/ خضر أبو جحجوح غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2005
الدولة: قطاع غزة/ فلسطين
المشاركات: 3,749
افتراضي

الأبيات المتفاوتة النسج
ص44-49
فأما هذه الأبيات المستكرهة الألفاظ المتفاوتة النسج، القبيحة العبارة، التي يجب الاحتراز من مثلها فيقول الأعشى:
أفي الطوف خفت علي الردى = وكم من رد أهله لم يرم
يريد لم يرم أهله.
وكقول الراعي:
فلما أتاها حبتر بسلاحه = مضى غير مبهور ومنصله انتضى
يريد: وانتضى منصله.
وكقول عروة بن أذينة:
واسق العدو بكأسه واعلم له = بالغيب ان قد كان قبل سقاكها
واجز الكرامة من ترى أن لو = له يوماً بذلت كرامة لجزاكها
فقوله في البيت الأول: وأعلم له بالغيب كلام غث وله رديئة الموقع بشعة المسمع، والبيت الثاني كان مخرجه أن يقول: واجز الكرامة من ترى، أن لو بذلت له يوماً كرامة لجزاكها.
كقوله أيضاً:
وأعملت المطية في التصابي = رهيص الخف دامية الأظل
أقول لها لهان علي فيما = أحب فما اشتكاؤك أن تكلي
يريد: أقول لهان علي فيما أحب أن تكلي فما اشتكاؤك؟ وكقول النابغة:
يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم = من الضاريات بالدماء الذوارب
يريد من الضاريات الذوارب بالدماء، وإنما يصح مثل هذا إذا التبس بما قبله، لأن الدماء جمع والذوارب جمع، ولو كان من الضاريات بالدم الذوارب لم يلتبس، وإن كانت هذه الكلمة حاجزة بين الكلمتين، أعني بين الضاريات والذوارب اللتين يجب أن تقرنا معاً.
وكقول النابغة أيضاً:
يثرن الثرى حتى يباشرن برده = إذا الشمس مجت ريقها بالكلاكل
وكقول الشماخ:
تخامض عن برد الوشاح إذا مشت = تخامص حافي الخيل في الأمعز الوجى
يريد: تخامص حافي الخيل الوجى في الأمعز.
وكقول النابغة الجعدي:
وشمول قهوة بكارتها = في التباشير من الصبح الأول
يريد: في التباشير الأول من الصبح.
وكقول ذي الرمة:
كأن أصوات من إيغالهن بنا = أواخر الميس أصوات الفراريج
يريد: كأن أصوات أواخر الميس أصوات الفراريج من إيغالهن بنا. وكقوله أيضاً:
البرد عنه وهو من ذو جنونه = أجاري تسهاك وصوت صلاصل
يريد: وهو من جنونه ذو أجاري وكقول عمرو بن قميئة.
لما رأت سانيد ما استعبرت = لله در اليوم من لامها
يريد: لله در من لامها اليوم.
وكقول أبي حية النميري:
كما خط الكتاب بكف يوماً = يهودي يقارب أو يزيل
يريد: كما خط الكتاب يوما بكف يهودي يقارب أو يزيل.
وكقول امرأة من قيس:
لها أخوا في الحرب من لا أخا له = إذا خاف يوما نبوة ودعاهما
وكقول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكاً = أبو أمه حي أبوه يقاربه
فهذا هو الكلام الغث المستكره الغلق، وكذلك ما نقدمه، فلا تجعلن هذا حجة ولتجتنب ما أشبهه.
والذي يحتمل فيه بعض هذا إذا ورد في الشعر هو ما يضطر إليه الشاعر عند اقتصاص خبر أو حكاية كلام إن أزيل عن جهته لم يجز، ولم يكن صدقاً ولا يكون للشاعر معه اختيار، لأن الكلام يملكه حينئذ فيحتاج إلى اتباعه والانقياد له، فأما ما يمكن الشاعر فيه من تصريف القول وتهذيب الألفاظ واختصارها وتسهيل مخارجها، فلا عذر له عند الإتيان بمثل ما وصفناه من هذه الأبيات المتقدمة.
وعلى الشاعر إذا اضطر إلى اقتصاص خبر في عشر دبره تدبيراً يسلس له معه القول ويطرد فيه المعنى. فبنى شعره على وزنت يحتمل أن يخشى بما يحتاج إلى اقتصاصه بزيادة من الكلام يخلط به، او نقص يحذف منه. وتكون الزيادة والنقصان بسيرين غير مخدجين؛ لما يستعان فيه بهما وتكون الألفاظ المزيدة غير خارجة من جنس ما يقتضيه، بل تكون مؤيدة له، وزائدة في رونقه وحسنه. كقول الأعشى فيما اقتصه من خبر السموأل:
كن كالسموأل إذ طاف الهمام به = في جحفل كرهاء الليل جرار
بالأبلق الفرد من تيماء منزله = حصن حصين وجار غير غدار
إذ سامه خطتي خسف فقال له = أعرض علي كذا أسمعهما حار
فقال: غدر وثكل أنت بينهما = فاختر وما فيهما حظ لمختار
فشك غير قليل ثم قال له: = اقتل أسيرك إني مانع جاري
فإن له خلفاً إن كنت قاتله = وإن قتلت كريماً غير غوار
مالاً كثيراً وعرضاً غير ذي دنس = وأخوة مثله ليسوا بأشرار
جروا على أدب مني فلا نزق = ولا إذا شمر حرب بأغمار
وسوف يخلفه إن كنت قاتله = رب كريم وبيض ذات أطهار
لا سرهن لدينا ضائع مذق = وكاتمات إذا استودعن أسراري
فقال تقدمة إذ قام يقتله: = أشرف سموأل فانظر للدم الجاري
أأقتل ابنك صبراً أو تجيء بها = طوعاً فأنكر هذا أي انكار
فشك أو داجه والصدر في مضض = عليه منطوياً كاللذع بالنار
واختار أدرعه أن لا يسب بها = ولم يكن عهده فيها بختار
وقال: لا أشتري عاراً بمكرمة = فاختار مكرمة الدنيا على العار
والصبر منه قديماً، شيمة خلق = وزنده في يالوفاء الثاقب الواري
فانظر إلى استواء هذا الكلام، وسهولة مخرجه، وتمام معانيه وصدق الحكاية فيه، ووقوع كل كلمة موقعها الذي أريدت له من غير حشد مجتلب ولا خلل شائن. وتأمل لطف الأعشى فيما حكاه واختصره في قوله: أأقتل ابنك صبراً أو تجيء بها، فأضمر ضمير الهاء في قوله: واختار أدراعه أن لا يسب بها، فتلافى ذلك الخلل بهذا الشرح، فاستغنى سامع هذه الأبيات عن استماع القصة فيها، ولا شتما لها على الخبر كله بأوجز كلام، وأبلغ حكاية وأحسن تأليف، وألطف إيماءة.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
... ::: ملف للعناية بالشعر ...::::.... شوق المشاعر منتدى عالم حواء ونصفها الآخر 10 04-02-2008 03:57 PM


الساعة الآن 08:27 AM.


New Page 4
الواجهة الرئيسية المركز التعليمي منتديات الحوار مكتبة البرامج دليل المواقع قصائد وخواطر تسجيل النطاقات
خدمات تصميم مواقع الإنترنت  إستضافة مواقع الإنترنت  الدعم الفني لإستضافة المواقع  الإعــلان في بوابة العرب
  كروت الإهـداء  الدردشة الصوتية والكتابية  مركـزنا الإعـلامي  مـن نـحــن  مقــرنـا  قسم إتفـاقيات الإستــخــدام
Copyright © 2000-2013 ArabsGate. All rights reserved