تابع بوابة العرب على تويتر 





     
عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > منتديات الشؤون السياسية > المنبر السياسي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 08-03-2007, 04:39 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي ثمرات الأوراق : المفكرة الخفية لحرب الخليج الثانية .




ثمرات الأوراق

المفكرة الخفية لحرب الخليج

رؤية مُطَّلِعٍ على العَدِّ العكسي للأزمة


بيار سالينجر

أريك لوران

المقدمــــة
الفصل الأول : سوف أنتقم !!
الفصل الثاني: تاريخ يسوده العنف
الفصل الثالث : إنكم تشنون حربا اقتصادية
الفصل الرابع: الذئب والحمل
الفصل الخامس : إنها البداية فقط !!
الفصل السادس: هل نغادر الكويت ؟
الفصل السابع: لن أغزو السعودية
الفصل الثامن: سطر كتب على الرمال
الفصل التاسع: العد العكسي للحرب
الفصل العاشر : وتمر الأيام
الفصل الحادي عشر : (( اترك سيارتك في الكاراج هذه الليلة ))
الوثائق


المقدمــــة

عندما غزى صدام حسين الكويت في الثاني من أغسطس 1990 كنت قد بدأت بقضاء عطلتي السنوية في جزيرة ننتوكت الواقعة قرب ساحل ماساشوستس . فاتصل بي قسم الأخبار الخارجية لشبكة إي بي سي للأخبار في مساء الأول من أغسطس ليخبرني عما حدث . وبالرغم من أنّ عطلتي امتدت أسبوعين آخرين فقد أخذت أتصل بمصادري الشرق أوسطية وأزود الشبكة بالمعلومات . وتبين أن المعلومات التي جمعتها خلال الأيام القليلة الأولى صحيحة تماماً .

وكنت قد أشرت فيها إلى أن صدام حسين سوف يستخدم رهائن غربية كترس بشري يحمي المواقع العسكرية الرئيسية ، والى أنه سوف يطلق صواريخ سكود على السعودية وإسرائيل ، وأن الملك حسين وياسر يقومان وراء الكواليس بمفاوضات تهدف إلى التغلب بسرعة على الأزمة .
وعدت إلى لندن ثم توجهت إلى الشرق الأوسط ومكثت هناك عدة شهور زرت خلالها الأردن والعراق وسوريا وتونس . وكنت في تلك الأثناء على اتصال بمصادر الأخبار في مصر والسعودية والكويت .

وأدت اتصالاتي التي كانت في الغالب بأعلى المستويات إلى اكتشاف المخططين اللذين يؤلفان نص هذا الكتاب وهما : ما الذي حدث بين نهاية الحرب العراقية الإيرانية في الثامن من أغسطس 1988 وغزو الكويت في الثاني من أغسطس 1990 والأحداث التي دفعت صدام حسين إلى القيام بالغزو، وكيف سعى العالم العربي جاهداً إلى حل المشكلة بسرعة وخصوصاً بواسطة الملك حسين . ولكن الجهود العربية اصطدمت بضغط حكومة الولايات المتحدة الأميركية على الدول العربية لكي تندد بالغزو.

موضوع هذا الكتاب ليس الحرب . إنه يبين لنا أنه كان في الإمكان تجنب الحرب . فلدي نظرنا في الأزمة صار من الواضح أن قلة من الأقطار التي انضمت إلى التحالف المناهض للعراق كانت راضية عن دكتاتورية صدام ووحشيته ، وعليه فإنها لم تكن في الحقيقة تحبذ حلاً سلمياً يسمح ببقائه في الحكم واحتفاظه بأسلحته .
لكن هذا الكتاب يبين لنا أيضاً أن الغرب والاتحاد السوفييتي اللذين اجتمعا على مناهضة العراق هما المسئولان عن تسليحه . ومن الواضح أيضاً أن الولايات المتحدة كانت منذ بداية عام 1990 توجه إلى العراق رسائل مختلفة تقنعه بأن قيامه بعمل عسكري ضد الكويت لن يدفع الولايات المتحدة إلى الانتقام منه .
وكان كل من صدام حسين والأميركيين لا يفهم أحدهما الآخر وعقليته . ولم يدرك صدام حسين معنى تحسن العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي سيقف إلى جانبه . وظل مدة طويلة لا يصدق تهديدات الرئيس بأن التحالف الذي يتزعمه الأميركيون لن يوافق على بقائه في الكويت . وكانت النتيجة اندلاع الحرب .

الفصل الأول
(( سوف أنتقم ))


شهد الثامن من أغسطس 1988 نهاية الحرب العراقية الإيرانية ، لكن لم يخطر ببال أحد عندئذ بأن هذا التاريخ سوف يشكل بداية أزمة الخليج في عام 1990 ـ 1991 .

وكان قيام طهران أولاً باقتراح وقف لإطلاق النار كافياً لاعتبار العراق المنتصر في ذلك النزاع الذي امتد ثماني سنوات وحصد أرواح ما يقرب من مليون من البشر . والواقع أن العراق خرج من الحرب قوياً ولكن الحرب استنزفت موارده . وكان لا يزال أقوى دولة في المنطقة : 55 فرقة مقابل عشر فرق عام 1980؛ مليون جندي مدرب تدريباً جيداً ؛ 500 طائرة و5500 دبابة .
لكن الكارثة المالية لم تكن تقل ضخامة . فعندما بدأت الحرب كانت لديه مدخرات قدرها ثلاثون بليوناً من الدولارات . وعندما انتهت كانت ديونه قد بلغت مئة بليون دولار . ولهذا السبب لم يترك صدام حسين مناسبة واحدة إلا واغتنمها ليقوم بإبلاغ جميع زواره الأجانب الذين كان يستقبلهم في قصره الفخم وسط بغداد أنه كان خلال الأعوام الثمانية الماضية " الدرع الواقي للأخوة العرب من التهديد الفارسي " وأنه يتوقع أن تقوم " أكثر الأقطار العربية ثراء وهي السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت بالعون والمساعدة في تسديد كامل ديوننا " .

في التاسع من آب عام 1988 ، غداة وقف إطلاق النار بين العراق وإيران أخذت الكويت قراراً بزيادة إنتاجها النفطي ، مخالفة بذلك الاتفاقات المعقودة في إطار منظمة الأوبك . وقد تم التركيز الكويتي في تحقيق هذه الزيادة الإنتاجية على آبار الرملية الواقعة في المنطقة الحدودية المتنازع عليها مع العراق والتي كانت موضوعاً في السابق لمناقشات دبلوماسية صاخبة .

واعتبر صدام حسين مبادرة الكويت إلى زيادة إنتاجها من النفط استفزازاً وخيانة ومن شأنه أن يزيد أزمة زيادة الإنتاج وانخفاض الأسعار حدة وأن يؤدي إلى انخفاض دخل العراق الذي يعتمد في 90 % من موارده على النفط بمقدار 7 بلايين دولار أو ما يساوي فوائد ديونه . وكان هذا بمثابة خنقه ببطء .

من ناحية أخرى لا يمكن تصور بلدين هما على طرفي نقيض كالعراق والكويت . ففي العراق تتركز السلطات في شخص حاكم مطلق التصرف يعيش هوس أحلام السلطة والقوة . وفي مواجهة العراق ، البلد المتقشف الذي يعد 18 مليوناً من البشر يعانون مختلف أشكال الحرمات ، تتربع إمارة الكويت على الثروة والوفرة حيث يتقاسم ما يوازي الألف من أفراد أسرة آل الصباح الحاكمة المناصب المختلفة إضافة إلى السلطة والأرباح وكأنهم أعضاء مجلس الإدارة في أي شركة من الشركات المزدهرة .
أما الاستثمارات الكويتية في الخارج فكانت تتجاوز 100 مليار دولار وتؤمن للإمارة حوالي 6 مليارات من الدولارات سنوياً ، أي أكثر من عائدات البترول ذاتها . وكان على رأس المستفيدين من هذه العوائد 000 , 700 شخص يحملون الجنسية الكويتية . أمام غير الكويتيين من فلسطينيين وإيرانيين وباكستانيين وغيرهم البالغ عددهم حول 000 , 200 ,1 شخص والذين يديرون اقتصاد البلاد فلم يكن نصيبهم منها إلا فتات الموائد.

والمال في الغالب يجعل صاحبه متعجرفاً أعمى البصيرة . وهذا هو ما أصاب زعماء الكويت وجعل بالتالي وقوع المأساة أمراً حتمياً . لقد عجزوا عن قراءة النذر بوقوعها فكانت الحرب المأساوية .

وقبيل ظهر 12 فبراير عام 1990 يوم ذكرى مولد الرئيس أبراهام لنكولن وصل جون كيلي إلى بغداد . وكان في أواخر الأربعينات من عمره متوسط الطول شعره أسمر وتتميز حركاته بالهدوء والرزانة .وهو دبلوماسي محترف متخصص في الشؤون الأوروبية . ولم يحتل في الشرق الأوسط سوى منصب واحد وهو سفير بلاده في لبنان وكانت هذه هي زيارته الأولى للعراق وبوصفه مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط .

كان الطقس بارداً وسفيرة الولايات المتحدة في العراق إبريل غلاسبي تنتظره عند سلم الطائرة بصحبة اثنين من المسئولين العراقيين . وكانت غلاسبي ذات الملامح البارزة والوجه الصارم قد انخرطت في السلك الدبلوماسي بعد تخرجها من جامعة جون هوبكنز وتتكلم العربية بطلاقة . واحتلت عدداً من المناصب وخصوصاً في تونس ودمشق قبل أن تتولى إدارة الشؤون الأردنية والسورية واللبنانية في وزارة الخارجية . وكانت عازبة وتعيش في بغداد مع أمها وكلبها ، ولم تكن حتى مجيء كيلي قد ظفرت بمقابلة خاصة مع صدام حسين .

كانت تقارير الإدارة الأميركية عن الزعيم العراقي تدور حول ثلاثة محاور رئيسية : أولا قدرته ورغبته في أن يصبح الزعيم الحقيقي للعالم العربي وثانياً إعجابه الشديد بجمال عبد الناصر وسحر زعامته وحبه في أن يكون مثله وثالثاً تقاربه مع الغرب . وكانت هذه النقطة الثالثة برأي كيلي ومستشاريه الأكثر أهمية .
فعندما هاجمت القوات العراقية إيران عام 1980 كان النظام ألبعثي يعتبر من أقوى حلفاء موسكو في المنطقة . وبعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 رئس العراق جبهة الرفض التي استهدفت عزل القاهرة ومعاقبتها على تقاربها مع الدولة اليهودية . وفي ذلك الوقت كان العراق ملجأ لأكثر الجماعات الفلسطينية الإرهابية عنفا وفي مقدمتها أبو نضال ورجاله .
على أن العراق خرج من حرب السنوات الثمانية مع إيران أقرب إلى الغرب من أي وقت مضى . إذ كان اقتصاده أكثر ارتباطا بالأقطار الغربية منه بالاتحاد السوفييتي ، وفي ترسانة أسلحته من الغرب وخصوصاً من فرنسا لا تقل حجما عن الأسلحة السوفييتية . ودفع هذا كله الأميركيين إلى المجازفة بأموالهم في العراق بوصفه قوة ضخمة تعمل على الاستقرار في المنطقة .

استقبل صدام حسين جون كيلي بعد ظهر الثاني عشر من فبراير 1990 . وكانت المقابلة هي الأولى مع أحد الرسميين الأميركيين منذ زمن بعيد . وبادر المبعوث الأميركي مضيفة ، خلال تبادل التحيات ، بقوله : " انتم قوة اعتدال في المنطقة وتتمنى الولايات المتحدة إقامة أوثق العلاقات مع العراق " .

لقد سرّ صدام حسين بهذا الإطراء وغمره شعور بالفخر، كما قال لدى سماعه ذلك ، وقام بعد ساعات من المقابلة بنقل ما دار فيها إلى عدد من زعماء الدول العربية وكان أول من اتصل به هاتفياً هو الملك الأردني حسين .

وبهذا أبلغ كيلي الرسالة الأولى من سلسلة طويلة من الرسائل المبهمة والمتناقضة التي سوف تكون لها نتائج خطيرة .

وفي 15 فبراير وبعد المقابلة بثلاثة أيام بثت إذاعة " صوت أميركا " برنامجاً قالت إنه يعكس وجهة نظر الحكومة الأميركية وأهابت فيه بالرأي العام العالمي أن يتحرك ضد الدكتاتوريين الذين يحكمون في مختلف أقطار العالم . وذكرت العراق وأدانت صدام حسين بوصفه أسوأ دكتاتور في العالم .
فغضب الرئيس العراقي غضباً شديداً . ولم ينفع معه الاعتذار الذي قدمته واشنطن عبر سفارتها في بغداد . ورفض قبول القول بأن إذاعة " صوت أميركا " قد تعبر عن رأي يخالف الرأي الرسمي ، وإذ جاء هذا الحادث بعد إطراء كيلي عليه مباشرة فقد اتخذه صدام دليلاً على أن الأميركيين يقومون بلعبة مزدوجة .

ومما رسّخ قناعته هذه ، قيام وزارة الخارجية الأميركية ، يوم 21 فبراير بنشر تقرير عن حقوق الإنسان خصّت العراق بعدد من صفحاته تجاوز 12 صفحة وصفت فيها الحكومة العراقية بأنها أسوأ منتهك لحقوق الإنسان ، وأشارت إلى ممارسة هذه الحكومة المتكررة للتعذيب والإعدامات السريعة دون محاكمة .
ولم يقف الأمر عند هذا الحد لأن لجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس الأميركي أرادت ، بعد صدور هذا التقرير ، تبني قرار يدين " العراق لخرقه الفاضح لحقوق الإنسان " مما دفع بإدارة الرئيس بوش إلى الاحتجاج على هذه الخطوة والحؤول دون تبنيها من قبل مجلس النواب .

وكشفت جميع هذه الإشارات المتناقضة عن أن الإدارة الأميركية لم تكن مهتمة اهتماماً جديا بما يحدث في الشرق الأوسط ، وأن العراق والمنطقة ليسا بين أولوياتها . فالرئيس بوش وزملاؤه ، وعلى الأخص جيمس بيكر وزير الخارجية كانوا يركزون اهتمامهم وطاقتهم في الحوار الأميركي السوفييتي وفي تفجر الديمقراطية الرائع في أوروبا الشرقية .

وفي 23 فبراير 1990 وصل صدام إلى عمان . وبقي مسار الرحلة وموعد الوصول سراً حتى اللحظة الأخيرة . فخوفاً من الاغتيال ركب طائرة خاصة بلا إشارات مميزة . أما الطائرة التي كان يستخدمها في الرحلات الرسمية فكانت قد هبطت في عمان قبل ساعات وعلى متنها زملاؤه وحرسه . وعندما استقبله الملك حسين كان يبدو قلقاً ومتوترا . وكان قد جاء إلى عمان للمشاركة في احتفالات الذكرى السنوية الأولى لمجلس التعاون العربي .
وفي حين أن الملك حسين كان يعلق آمالاً كبيرة على المجلس الذي كان يضم العراق والأردن ومصر واليمن ، فان صدام حسين لم يكن يعيره اهتماما خاصاً . والواقع أن لم تثر أيضاً اهتمام العرب والصحفيين الأجانب في عمان . ومما يذكر أنه لم يكن بوسع أحد عندئذ أن يتنبأ بما سيقال في الاجتماع وخصوصاً وراء الكواليس .

وألقى صدام خطاباً شديد اللهجة تنبأ فيه بأن تراجع قوة موسكو سوف يطلق يد الولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال السنوات الخمس القادمة على نطاق لم يسبق له مثيل . قال " ألا تقوم واشنطن الآن بمساعدة اليهود السوفييت على الهجرة إلى إسرائيل ؟ ألا تقوم كذلك بتسيير دورياتها في الخليج بالرغم من انتهاء الحرب العراقية الإيرانية ؟ " وقال صدام في خطابه الذي أذيع من عمان بأن دوافع أميركا واضحة .
قال : " إن البلاد التي ستمارس أكبر نفوذ في المنطقة وتهيمن على الخليج وبتروله سوف توطد تفوقها كقوة عظمى لا تُنافس . وهذا يبرهن على أن أهل الخليج وسائر العرب الآخرين في غفلة عما يجري وأن المنطقة ستحكم وفقاً لمشيئة الولايات المتحدة . وستقوم هذه بتحديد سعر البترول بشكل يخدم مصالحها لا مصالح الآخرين ".

كانت رسالة صدام لزملائه واضحة وهي أن هيمنة العراق على الخليج لا هيمنة الولايات المتحدة هي التي تخدم مصالح العرب على أفضل وجه .

على أن ما قاله صدام أثار غضب الرئيس المصري حسني مبارك حليف أميركا الرئيسي في المنطقة . فالقاهرة كانت تتلقى سنوياً من واشنطن أكثر من ملياري دولار على شكل مساعدات .

واقترح صدام في خطابه أن تسحب أرصدة البترول المستثمرة في الغرب لتغيير السياسة الأميركية . وقال : " ليس هناك مكان بين العرب الأخيار للجبناء الذين يذهبون إلى أنه ينبغي أن يترك أمر اتخاذ القرارات لقوة عظمى هي الولايات المتحدة وأن على الجميع الرضوخ لها .

خرج مبارك ، الذي اعتبر هذه الكلمات هجوماً شخصيا عليه ، من القاعة ولحق به الوفد المصري . وقال الملك حسين الذي بدت على محياه علائم القلق كان قد تبعه بعد وقت قصير :

ـ لا يمكن السكوت على كلام كهذا . سوف أعود إلى مصر .

وفي محاولته تلطيف الأجواء ، اقترح الملك حسين تنظيم لقاء مع الرئيس العراقي لازالة سوء التفاهم . فرفض مبارك أول الأمر هذا الاقتراح بشدة ثم عاد واقتنع بالحجج التي قدمها الملك الأردني . وهكذا اجتمع الثلاثة مساء 24 في القصر الهاشمي حيث كان الملك حسين يقطن قبل مصرع زوجته الملكة عالية إثر حادث تحطم طائرة هليكوبتر . كان جو اللقاء متشنجاً شديد الوطأة . وبدل أن يحاول صدام حسين تهدئة الأمور أعلن مطالب محددة وتكلم بلهجة لا مجال للمسايرة فيها وأشار إلى 30 مليار دولار من الديون التي كانت العربية السعودية والكويت قد منحتها للعراق خلال الحرب مع إيران . وقال : " إذا لم يلغوا تلك الديون ويقدموا لي 30 مليار دولار إضافية سوف أقوم بالانتقام . "

ولما استبد الغضب بمبارك قال : " إن مطالبك غير معقولة . وسوف تخلق متاعب كثيرة . " ثم خرج من الاجتماع وعاد إلى القاهرة . فاضطر الملك حسين إلى إلغاء اليوم الثاني من مناقشات المجلس .

على أن خطاب صدام أثار موجة عارمة من الإعجاب والاستحسان لكنه في الوقت ذاته أثار القلق وخصوصاً في الكويت والسعودية اللتين كانتا تخشيان قيام بغداد بهجوم مباغت بالصواريخ يتبعه اجتياح شامل أو القيام بسلسلة من الأعمال الإرهابية تستهدف أفراداً من الأسرتين المالكتين . وكانت شعبة وكالة الاستخبارات المركزية قد علمت بتهديدات صدام حسين . وقامت هذه الشعبة ، بدورها ، بنقل المعلومات إلى مركز القيادة العامة في لا نغلي قرب واشنطن .
ولكن لم يصدر أي رد فعل من الإدارة الأميركية . وكانت النتيجة العملية الوحيدة هي قرار وكالة الاستخبارات المركزية بوضع العراق تحت الرقابة الدائمة وتكثيف عملية جمع المعلومات حوله . وقد واجهتها في تحركها هذا صعوبة الركون إلى مصادر معلومات جديرة بالثقة . لأن السيطرة التامة على قنوات السلطة في بغداد كافة كانت معقودة بحزم لصدام حسين ولأفراد أسرته عن طريق البوليس السري الذي يتمتع بحضور كثيف وفعالية كبيرة . وكان وليم كيسي مدير وكالة الاستخبارات المركزية في عهد ريغن قد اعترف بأنه ليس للوكالة عميل ماهر واحد في العراق وأن الوضع لا يزال على حاله .

وفي تلك الأثناء كانت العواصم العربية الرئيسية تتداول تقريراً سرياً حول الوضع الاقتصادي في العراق وضعه مصرفي من أصحاب النفوذ في الشرق الأوسط .

يستهل المصرفي تقريره بالتذكير بالفترة من 1972 إلى 1980 ـ أي السنة التي شهدت بداية الحرب ضد إيران ويشير إلى ارتفاع عائدات البترول العراقية فيها من مليار إلى 25 مليار دولار. ويضيف أن الوضع في بداية 1990 لم يكن يبشر بالخبر .

ثم يقول :

" إن صورة السبعينات البراقة تلاشت وحل محلها وضع اقتصادي مظلم ، وخراب واسع في جميع أنحاء البلاد ، وضياع الأمل بالنسبة للأجيال القادمة .

ترى هل هناك ما يمكن عمله لتغيير هذا الواقع المؤلم ؟ يحزنني أن أقول إنه في ظل الحكومة الحاضرة لا بد وأن يسير الوضع من سيء إلى أسوأ . "

ثم يشير صاحب التقرير إلى أن تراكم الديون وعجز بغداد حتى عن دفع فوائدها " سوف يحمل الحكومة على انتهاج سياسة متهورة خطرة فتقبل على الاستدانة بفائدة تبلغ 30 % في السنة . ويكشف التقرير عن حقيقة تثير الدهشة وهي أن العراق كان في عام 1989 أكبر مستفيد في العالم من " برنامج المجتمع الأميركي لتقديم التسهيلات المالية " الذي يستهدف بيع المنتجات الزراعية الأميركية في الخارج .

ولعل أكثر فقرات التقرير أهمية هي الفقرة الأخيرة التي تنبأت بكثير من وضوح الرؤية بوقوع ما وقع بالفعل . فقالت " إن صدام حسين يدرك الآن تماماً حقيقة وضعه المالي " . فما هي الخيارات المتاحة له في العراق ذاته ؟ إنها محدودة جداً . لكن الكويت موجودة دائماً على بعد أمتار من حشود قواته المرابطة على شط العرب . والعراق بحاجة إلى منفذ إلى مياه الخليج المفتوحة .

وكانت هناك دلائل على المصاعب التي تواجهها بغداد في كثرة من مشروعاتها الطموحة والمتعثرة مثل بناء شبكة من الطرق تحت أرض بغداد ومن أكثر من 800 , 1 ميل من السكك الحديدية وبناء سدين مائيين الكترونيين .

وهناك مراقب آخر للخلافات المتفاقمة داخل " الأسرة العربية " التي كان صدام كثيراً ما يشير أليها في خطاباته وأحاديثه الخاصة وهو الملك حسين ، فخلال حكمه الذي امتد 37 عاما ولفت الأنظار بضعفه من ناحية وبقدرته على البقاء من الناحية الأخرى كان اكثر إحساساً من أي شخص غيره بالمؤشرات التي تنذر بالأزمات الوشيكة . كان يدرك أن تعرض المنطقة لهزة سياسية أخرى قد تعرض وجود بلاده ذاته للخطر .
فالأردن الذي يضم ثلاثة ملايين من السكان ـ 60 % منهم من الفلسطينيين ـ ويفتقر إلى الموارد يمكن إزالته عن الخريطة بسهولة .

وقال الملك حسين لأحد زائريه بصوت رزين لا أثر فيه للانفعال :

"إنني أشعر بتزايد التوتر على نحو شبيه بما حدث قبيل حرب عام 1967. ولم أشعر خلال السنوات الأربعين الماضية بأن المنطقة بلغت مفترق الطرق الذي تشهده الآن" .

وكان الملك حسين يتحدث ووراءه صورة لصدام حسين .

كان الرئيس العراقي حليفا وفي الوقت ذاته مصدر قلق للملك حسين ، إذ كان شريكاً لا يمكن للأردن الضعيف أن يسيّره وزعيماً قد يزعزع توازن القوى الهش في المنطقة بطموحاته المعلنة.

وبعد فشل لقاء عمان في 24 فبراير اقترح الملك على الرئيس العراقي أن يقوم بنفسه بجولة تشمل دول الخليج في محاولة منه للسعي إلى اتفاق بين الكويت والعربية السعودية والعراق . وبالفعل قام في 26 فبراير برحلة استغرقت ثلاثة أيام وشملت مختلف عواصم المنطقة وأجرى خلالها محادثات مكثفة مع الزعماء الخليجيين ، ثم عاد إلى عمان في الأول من آذار منهوك القوى . وفي صباح الثالث من آذار اتصل به صدام حسين وقال . " الطائرة في طريقها إليك أنا في انتظارك ببغداد " .

اجتمع الرجلان أربع ساعات قدم خلالها الملك حسين تقريراً مفصلاً عن جولته ، وسرعان ما تبين ان المفاوضات وصلت إلى الطريق المسدود ، لأن الملك الهاشمي لم يتلق أي إشارة إيجابية من زعماء الخليج فيما يتعلق بأهداف صدام حسين الثلاثة : تسوية الخلافات الحدودية مع الكويت وبالأخص حقول الرملية الغنية التي تقع في المنطقة المتنازع عليها . الموافقة على تأجيره جزيرتي وربة وبوبيان اللتين تؤمنان له منفذاً على الخليج ، وتسوية مشكلة الديون المتراكمة على العراق خلال الحرب مع إيران .

وأبلغ الملك حسين الرئيس العراقي أن أمير دولة الكويت يرفض المفاوضات المباشرة حتى يعترف العراق رسمياً بسيادة واستقلال الكويت . ومن الجدير ذكره هنا ان حكومة بغداد كانت قد اعترفت عام 1963 باستقلال الكويت إلا أن مجلس الثورة لم يلبث أن ألغى هذا القرار .

لم يظهر الغضب على وجه صدام حسين الذي كان جالساً على كنبة واسعة ومريحة ، يشعل بين الحين والآخر سيجارة ، ويتابع باهتمام شديد ما يقوله الملك الهاشمي كما لو كان يتوقع تلك النتيجة السلبية .

وعند نهاية الاجتماع عبر صدام عن جزيل شكره لزائره على الجهد الذي بذله ، وأبلغه أنه يأمل " مع الوقت أن تسود الحكمة والإرادة الطيبة بالنسبة لهذا المسألة " ولم يكن من الأمور العادية صدور مثل هذه الكلمات الرصينة التي تغلب عليها روح التوفيق عن رجل عود زملاءه على الخوف من نوبات غضبه ( وكان حسني مبارك الذي لم يُخف نفوره من صدام قد وصفه أمام عدد من الزعماء العرب بأنه " مضطرب الشخصية " ) .

ولم تكد تمضي ثلاثة أيام على عودة الملك حسين حتى دعا صدام جميع أعضاء القيادة العليا إلى اجتماع سري وأمرهم بأن يضعوا الخطط لحشد القوات على الحدود مع الكويت .

وسرعان ما اشتد التوتر . وفقد الكويتيون بعد النظر الذي كانوا يتحلون به . فبالرغم من أن الفرق العراقية لم تكن قد تحركت بعد باتجاه الحدود فإن مسئولا كويتيا كبيراً أسر للأردنيين خلال مروره بعمان بأن " صدام حسين لا يريد الجزيرتين وحدهما بل الكويت برمتها " .

يتبع >
[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 08-03-2007 الساعة 02:31 PM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 08-03-2007, 02:27 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

الفصل الثاني
تاريخ يسوده العنف

ظلت لندن طوال قرن من الزمن تعتبر الخليج أرضا بريطانية تتيح لها السيطرة على الطريق إلى الهند والشرق الأقصى . وتضافر عزم بريطانيا الواضح على أن لا يكون لغيرها نفوذ في المنطقة مع دهاء دبلوماسييها على زرع بذور النزاع الحالي .

وحتى الحرب العالمية الأولى كان العراق والكويت يشكلان جزءاً من الامبراطورية العثمانية . والواقع أن الكويت بمساحتها الصغيرة البالغة حوالي 000 , 10 ميل مربع كانت تابعة لولاية البصرة . وفي عام 1913 وبينما كان يشتد قرع طبول الحرب في أوروبا وقع الانجليز والأتراك اتفاقية تمنح الكويت الحكم الذاتي . وفي خضم الحرب التي قاتل فيها الأتراك إلى جانب الألمان اعترفت لندن بإمارة الكويت وبحدودها واستقلالها عن الامبراطورية العثمانية .

على أن تجزئة هذه الامبراطورية الذي أوجد لبريطانيا حليفاً استراتيجيا لم ترض العراقيين الذين أنكروا حرمانهم من منفذ إلى الخليج وفقد منطقة لم يسبق أن كانت تتمتع بوجود مستقل .

ثم إنه كان هناك سبب آخر لغضب العراق الذي وقع عام 1918 تحت الانتداب البريطاني . ففي عام 1925 أجبرت حكومة بغداد على توقيع اتفاق مع كونسورتيوم ضخم للشركات باسم شركة البترول العراقية (lpc ) . وأكدت الاتفاقية على أن الشركة ستظل بأيدي البريطانيين وعلى أن يكون مديرها من رعايا بريطانيا وأن يظل الامتياز نافذاً إلى عام 2000 وهكذا أطلقت يد الشركة في استغلال أكبر حقل للنفط في التاريخ والحصول على أرباح خيالية .

والواقع أن الكيان العراقي كان كياناً مصطنعاً كالكويت وكحدود الدول في المنطقة . ففي أعقاب اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت الغنائم من الدولة العثمانية بين بريطانيا وفرنسا جرى إنشاء العراق من ثلاث ولايات تركية وهي بغداد والبصرة والموصل . وقد لخص أحدهم هذا الوضع تلخيصا رائعا بقوله : " لقد كان العراق من صنع تشرتشل الذي خطرت له فكرة جنونية وهي الجمع بين حقلي نفط متباعدين وهما كركوك والموصل وذلك بدمج ثلاث فئات من الناس وهي الأكراد والسنة والشيعة . "

وربما كانت هذه الولادة الصعبة غير المتوازنة هي التي جعلت من تاريخ العراق الحديث سلسلة متواصلة من أعمال العنف . وفي عام 1958 أطاحت الثورة بالحكم الملكي الموالي للغرب وقتلت الجماهير الغاضبة الملك فيصل ورجمت رئيس وزرائه نوري السعيد وقضت عليه . وبعد ذلك بسنتين نجا عبد الكريم قاسم زعيم الثورة بصعوبة من محاولة لاغتياله . وكان بين الذين حاولوا اغتياله شاب في الثانية والعشرين من عمره وهو صدام حسين الذي استطاع الهرب إلى سوريا بالرغم من إصابته بجروح .
وفي عام 1962 رفعت الجماهير الغاضبة رأس قاسم على منخس وطافت به الشوارع . وفي عام 1968 استولى حزب البعث على السلطة . وكان هذا انتصاراً لصدام الذي اعتبر رجل النظام القوي . وبالرغم من أنه احتل منصب نائب رئيس مجلس الثورة فإنه كان أقوى رجل في البلاد .

وكان ولا يزال يسيطر على مختلف دوائر الأمن ثلاثة من إخوته غير الأشقاء وهم برزان وسبوي ووثبان . أما صهره حسين كمال المجيد فكان المسئول المباشر عن المذابح التي تعرض لها الأكراد وعن استخدام الأسلحة الكيماوية ضد السكان المدنيين . وهو مفتاح كل مشتريات الدولة من السلاح ويتقاضى عمولة على كل صفقة . ويقال إن مكاسبه من شراء 120 من صواريخ سكود عام 1987 بلغت ستين مليون دولار .

كان يجمع بين هذه المجموعة الصغيرة المتربعة على سدة الحكم لا دمها فقط بل ودم الآخرين . فعُدي الابن البكر لصدام ظل يضرب حارسا من حراس أبيه أمام ضيوفه حتى قضى عليه . فغضب صدام وهدد بقتله . فطلبت زوجته ساجدة من أخيها عدنان خير الله وزير الدفاع التوسط لدى صدام . وبالرغم من أن هذا عفا عن ابنه فلم يغفر إطلاقا لوزير الدفاع مع أنه صهره وقريبه . فأمر بقتله . لكن قيل إنه قتل بحادث تحطم طوافة .

إن العنف هو سلاح صدام حسين الرئيسي . وعندما بلغ قمة السلطة احتفل بالمناسبة بإعدام 21 من أعضاء وزارته وبينهم واحد من أقرب أصدقائه إليه وقال عنه " كان أقربهم إليّ لكنه ابتعد عني " .

وبعد سنة دعا عددا من وزرائه وزملائه إلى سجن بغداد المركزي لكي يشكلوا فريق إعدام . وكان ضحايا هم من السجناء السياسيين . وكانت هذه طريقته في جعل من تحدثهم أنفسهم بمعارضته يرون ما سيحل بهم . ووصف هذا المشهد بعبارة شديدة السخرية بقول : " إن أولئك الأشد إخلاصاً هم الذين نكتشف أنهم مذنبون " .

لم يكن صدام في الأصل جندياً . لكنه يكن للجيش إعجاباً شديداً مشوبا بالحذر فهو يريد له أن يكون قوياً ولكن مطيعاً في الوقت ذاته . ويحب أن يظهر في زي قائد الجيش لكن الضباط الكبار يشعرونه بالنقص ويعتبرونه مدعياً . وهذا هو السبب في الإكثار من تطهير الجيش على نطاق واسع . وخلال الحرب العراقية الإيرانية أشيع أنه جرى إعدام كثرة من كبار قادة الجيش . وقال بصراحة : " لم يعدم سوى قائدي فرقتين وقائد وحدة ميكانيكية . وهذا أمر عادي في الحروب .

ومع هذا انبرى له أحد الضباط في اجتماع للقيادة العليا وأخذ ينتقد خطته الهجومية . فاستمع صدام إلى انتقاداته ثم سحب مسدسه الذي يحمله دائما في حزامه وأطلق النار على رأسه .

وفي عام 1988 ، بعد وقف المعارك بقليل ، زج بالمئات من الضباط في السجون وتمّ إعدام العديد منهم فيما بعد . وفي عداد الذين اختفوا إلى الأبد بطل من أبطال الحرب هو الفريق ماهر عبد الرشيد والد زوجة أحد أبنائه .

من ناحية أخرى ، صدر تقرير عن حقوق الإنسان عام 1990 يؤكد واضعوه أن " العراق أصبح في ظل حزب البعث أمة من المخبرين " . وهذا التعريف مؤلم وصحيح في الوقت نفسه لأن 25 % من سكان العراق يعملون لحساب أجهزة الأمن المختلفة . وقد تم تنظيم معظمهم وتدريبهم بواسطة خبراء البوليس السري الألماني الشرقي LA STASI .

وفي حياته الخاصة ، يطلب صدام حسين على الدوام ، وبشكل دوري ، ان يعرضوا عليه فيلمه السينمائي المفضل " العراب " . كما يرتاح إلى مقارنة نفسه بملك بابل نبوخذ نصر الذي حكمها بين 605 و562 قبل الميلاد . وسبب ذلك هو إيمان سلفه هذا بالحكم بالقوة واحتلاله للقدس وتهديمه الهيكل وأسره الشعب اليهودي .

قال نابليون إنه ببني خطط معاركه على أحلام جنوده النائمين . أما صدام حسين فيبدو أنه يضع خططه وأحلامه بفضل ترحيب الديمقراطيات الغربية وتواطئها . ففي 1984 انفق العراق 14 مليار دولار على شراء الأسلحة أي ما يوازي نصف إنتاجه الوطني . وبين 1982 و 1985 ، استورد العراق ما يعادل 8 , 42 مليار دولار من الأسلحة . ولم تنخفض مشترياته بفعل وقف إطلاق النار مع إيران . وكانت بغداد خلال السنوات القليلة الماضية أكبر مستورد للعتاد الحربي في العالم واحتكرت لنفسها ما يقارب 10 % من الأسلحة التي بيعت على وجه الأرض .

بعد أن تحالف صدام حسين مع موسكو وعقد معها معاهدة " صداقة وتعاون " في عام 1972 أخذ يقيم علاقات مع الأقطار الغربية لأنها هي وحدها القادرة على تزويده بما يحتاجه . فعندما اعتزم في أواسط السبعينات إنشاء صناعة نووية زوده الفرنسيون بالمفاعل المطلوب ضاربين عرض الحائط بمخاطر الانتشار النووي . ولم يخف صدام رغبته في حيازة أسلحة ذرية . ( وقد أصيبت أحلامه بنكسة في 1981 عندما أغارت الطائرات الإسرائيلية على المفاعل النووي العراقي أوزيراك ) .

وكانت لديه ترسانة ضخمة من الأسلحة الكيماوية التي استخدمها ضد القوات الإيرانية والقرويين الأكراد . وهنا أيضا لعبت المساعدات الغربية دورا أساسيا . وقد أعد الخبراء قائمة بأسماء ثلاثمائة شركة أسهمت بدرجات متفاوتة في تسلح العراق وخصوصا في صنع الأسلحة الكيماوية . وكانت أكثر الشركات نشاطا في هذا الباب ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وسويسرا والنمسا وبلجيكا . بالرغم من أن الولايات المتحدة كانت دائما تنفي أنها تزود العراق بالأسلحة فإن كثرة من الشركات الأميركية الخاصة باعت مواد حربية لبغداد عبر شركات أخرى لعبت دور الوسيط .

إن العملية التي كشف النقاب عنها في مطار هيثرو اللندني يوم 28 آذار 1990 أظهرت اتساع هذه التجارة . فقد وضعت الجمارك البريطانية عندئذ يدها على قطع كهربائية لأغراض عسكرية تدخل في تركيب الصاعق الخاص بالقنبلة النووية .وقد تطلبت هذه المصادرة 18 شهراً من التحقيقات المشتركة للأجهزة الأمنية البريطانية والجمارك الأميركية . وقد تم صنع تلك القطع في شركة أميركية تقع ضمن ولاية كاليفورنيا وبالتحديد في سان دييغو .

بدأت العملية عندما اتصل وسطاء يعملون لحساب العراق بهذه الشركة فسارع مدراؤها إلى إبلاغ أجهزة الجمارك الأميركية التي دست أحد رجالها بين المفاوضين .

وسارت الإجراءات بشكل طبيعي جداً حتى تم نقل القطع المطلوبة إلى لندن بواسطة طائرة شحن تابعة لشركة TWA حيث بقيت لمدة أسبوعين في عنبر التخزين التابع لمنطقة مطار هيثرو الحرة . وعند نقل البضائع إلى طائرة عراقية تدخلت الجمارك وأوقفت عملية النقل وألقت القبض على خمسة عاملين في شركة الطيران بينهما عراقيان ولبناني وبريطانيان .

وفي سان دييغو ، فقد أدت متابعة خيوط الشبكة إلى القبض على عدد من البريطانيين العاملين في فروع شركات بريطانية في أميركا .

وشكلت القطع المصادرة مفاجأة للسلطات . فمنذ سنة أو سنتين والتقارير تتالى عن اعتزام بغداد صنع أسلحة نووية . فأكدت القطع المصادرة أسوأ مخاوف الخبراء وتساءلوا عما إذا كان العراق قد اقترب أكثر مما توقعوه من صنع القنبلة .

ورد صدام على ذلك بخطاب أشار فيه إلى " القوى المعادية للعرب التي تحاول وقف تقدم العراق " . لقد كان في موقف حرج .

وفي أيلول من العام 1989 هز انفجار ضخم المجمع العسكري للإسكندرية الواقعة جنوبي بغداد حيث يتم تصنيع السلاح الكيميائي . وبالرغم من التعتيم التام على ما حدث فإن صور الأقمار الصناعية للتجسس وما أدلى به بعض الشهود العيان أظهرت ضخامة الكارثة : أكثر من 700 قتيل ومئات المصابين بعاهات دائمة . وفي شباط 1990 حاول أحد الصحافيين التابعين لمجلة الاوبزرفر البريطانية التحقيق في تلك المأساة . وكان اسمه فرزاذ بازوفت ، من اصل إيراني ويحمل الجنسية البريطانية . ولم يكد هذا الصحافي يبدأ بجمع المعلومات حتى ألقت المخابرات العراقية الرهيبة ، التي يديرها سبوي الأخ غير الشقيق لصدام ، القبض عليه . وبعد ان اتهم بالتجسس لحساب إسرائيل عرض على شاشة التلفاز حيث أدلى باعترافات بدا انها فرضت عليه وانتزعت منه بالقوة . ولقد أدى حكم الإعدام الذي صدر بحقه إلى موجة احتجاج لا في أوروبا والولايات المتحدة فقط بل من قبل بعض المسئولين العرب .

وبعد أيام قليلة من صدور الحكم اغتنم وزير الخارجية الأردني مروان القاسم فرصة تواجده في تونس للاتصال بطارق عزيز وزير خارجية العراق المشارك بدوره في اجتماع وزراء الخارجية العرب . وقال القاسم لعزيز أثناء مقابلة جرت بينهما على هامش الاجتماعات " إنه لمن الخطأ الفادح ان تقدم الحكومة العراقية على إعدام بازوفت . لأن الصحافة سوف تستغل القضية وسوف تصبح الصورة التي يكونها الغرب عن العراق سلبية جداً " . ومما أثار دهشة مروان القاسم ، الذي يعرف طارق عزيز منذ سنوات ، هو ردة فعل الوزير العراقي الغاضبة والقاطعة والحاسمة " يجب إعدامه وإلاّ سوف يكون في العراق الأسبوع القادم أكثر من 1000 جاسوس " .

واعدم بازوفت شنقا في 15 آذار 1990 . وأغضبت موجة الإدانة لإعدامه صدام الذي لم يستطع أن يفهم كيف أن العرب الذي طالما أظهر تسامحاً كبيراً نحوه انقلب فجأة وأمعن في انتقاده . وهكذا تضافرت قضية بازوفت ومصادرة القطع في مطار هيثرو وتحول كثرة من الأميركيين ضده على إقناع بأن هناك مؤامرة دولية عليه . وهكذا فإن هذا الرجل البسيط الحذر والفخور المصاب بجنون القوة أخذ ينظر إلى العراق بوصفه قلعة محاصرة قادرة على تحدي العالم الذي أمده بقوته.

الفصل الثالث
إنكم تشنون حربا اقتصادية

في 2 نيسان ، ألقى صدام حسين أمام قيادات جيشه خطاباً تم نقله ، بكامله ، على موجات الإذاعة العاملة . وقد كان حاسر الرأس ، يرتدي زياً كاكيا تزينه شارات رتبة الجنرالية . واستغرق خطابه أكثر من ساعة ، إلا أن بعض الجمل التي وردت فيه أذهلت العالم بأسره . فبعد أن شرح ما توصل إليه العلماء والباحثون العراقيون في مجال إنتاج الأسلحة الكيمائية أضاف : " والله ، إذا حاولت إسرائيل القيام بشيء ضد العراق سوف نعمل على جعل النار تلتهم نصفها … إن الذين يهددوننا بالقنبلة النووية سوف يبادون بالأسلحة الكيماوية ."

ووصلت هذه الكلمات إلى مكتب جون كيلي في اليوم نفسه . فقام سكرتير الدولة المساعد لشؤون الشرق الأوسط بقراءتها أكثر من مرة . وفي كل مرة كان يتملكه شعور بالذهول لقساوة لهجة الخطاب وعنفها . فما كان من هذا الرجل الذي أغدق الثناء على الرئيس العراقي قبل شهرين إلا أن انتقل في الحال إلى مكتب دنيس روس الواقع في أحد الطوابق العليا من بناء وزارة الخارجية . وكان روس يحتل منصب مدير مكتب التخطيط السياسي ومن أقرب المساعدين لوزير الخارجية جيمس بايكر .

رأى كيلي وجوب القيام برد فوري ومباشر يؤكد رفض الولايات المتحدة السماح بتهديدات من هذا النوع . وكان جون كيلي بتقلبه بين الصلابة واللين أشبه بالدكتور جيكل والمستر هايد بالنسبة للعراق .

وسرعان ما توصل روس وكيلي إلى خطة للعقوبات وذهبا إلى مكتب جيمس بيكر في الدور السابع . ولم ينتظرا في الغرفة الخارجية ذات الجدران المكسوة بألواح خشبية داكنة سوى بضع دقائق ، دخلا بعدها على جيمس بيكر وقالا له : " ينبغي علينا أن نرسل إشارة لا غموض فيها وخصوصا فيما يتعلق باتخاذ عدد من الإجراءات في الميدان الاقتصادي . " فما كان من بيكر الذي أزعجته لهجة صدام العدوانية إلا أن وافق على اقتراحهما الذي استهدف ثلاثة أمور بوجه خاص وهي رفض منح العراق قروضا من بنك التصدير والاستيراد ، وإلغاء " برنامج قروض المجتمع " وأخيرا اتخاذ إجراء لمنع النظام العراقي من استيراد " مواد يمكن استخدامها للأغراض العسكرية " .
وبينما كان الخبراء يعملون على إعداد الصيغة النهائية للخطة قام بوش بالتعبير عن رأيه في تهديدات صدام حسين وهو على متن طائرة البوينغ الرئاسية التابعة للقوات الجوية وذلك في طريقه إلى اتلانتا وانديانابوليس . على أن الكلمات التي استخدمها كانت مبهمة تعكس ارتباكه وعدم اعتباره العراق بين أولوياته . قال : " أعتقد أن تصريحات ( صدام ) سيئة جداً . وسوف أطلب في الحال وبإلحاح من العراق التخلي عن استخدام الأسلحة الكيماوية لأنها لا تساعد الشرق الأوسط وأمن العراق وأقول أكثر من ذلك إنه يؤدي إلى نتائج معاكسة ، واقترح صرف النظر عن كل ما قيل في استخدام الأسلحة الكيمائية أو البيولوجية " .

وفي 9 نيسان ، اجتمع دنيس روس وجون كيلي في مكتب جيمس بيكر ولحق بهما روبير كيميت سكرتير الدولة المساعد للشؤون السياسية والذي يعتبر في عداد الحلقة الضيقة من مساعدي الوزير . وكان بيكر قد حصل على موافقة بوش المسبقة . وبعد أن تم استعراض خطة العقوبات الاقتصادية بالتفصيل من جديد ، أقرت بشكلها النهائي ، ووقع الاختيار على كيميت للقيام بمهمة التفاوض الشاقة مع مختلف الوزارات والوكالات المعنية لتطبيقها على أن الحزم الذي بدا في الاجتماع سرعان ما تبخر ، وبقيت الخطة حبرا على ورق . أما أسباب الفشل فتكمن في مقاومة البيروقراطية الفدرالية وعدم المتابعة السياسية .

وصدر التحفظ الأول عن وزارة التجارة التي ذهبت إلى أن وقف تقديم القروض من بنك الاستيراد والتصدير سيعاقب رجال الأعمال الأميركيين . وعارض المسئولون في الوزارة ذاتها إلغاء برنامج قروض المجتمع لأنه برأيهم يضايق مزارعي القمح الأميركيين .

أما مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض والمكلف بمتابعة مسائل السياسة الخارجية فأكد دعمه لمبدأ العقوبات ولكنه رفض الإسراع في تطبيقها ودعا إلى التأني . وأيد روبرت غيت الرجل الثاني في المجلس والمساعد السابق لمدير وكالة الاستخبارات الأميركية فكرة التدرج في اتخاذ الإجراءات . وترأس روبرت كيميت فيما بعد اجتماعا عقد في الغرفة الخاصة باجتماعات مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض حضره وكلاء الجهات الحكومية الرئيسية . ولم يخدع الإجماع الذي بدا في الاجتماع أحداً لأن الخطة ظلت حبراً على ورق .

كان الرجل الوحيد القادر على التغلب على التحفظات وفرض آرائه هو جيمس بيكر . لكنه كان منصرفاً بوقته وأفكاره إلى توحيد ألمانيا ورحلاته لمقابلة نظيره السوفييتي ادوارد شيفارنادزه والتحضير معه لقمة بوش ـ غورباتشوف التي كانت ستعقد في مالطة في شهر مايو / أيار . وكما قال واحد من أقرب زملاء بيكر إليه " فان الرادار في واشنطن لم يلتقط بعد الصاروخ العراقي " .

وهكذا فإن صدام حسين لم يتلق أي إنذار رسمي . والواقع أن صدور عدد من الإشارات المشجعة الأميركية ساعد على زيادة غموض الموقف الأميركي .
وفي 12 نيسان أي بعد ستة أيام من الخطاب العنيف الذي ألقاه صدام وصل وفد يضم خمسة من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي برئاسة روبرت دول ممثل كانساس وزعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ وهو نفسه الذي فشل في التغلب على بوش في الانتخابات الأولية وذلك في سباقهما على الرئاسة .
وعليه فإنه كان على صدام حسين أن يخاطب رجلا يعتبره مهماً وصاحب نفوذ وتتفق آراؤه مع آراء بوش .

جرى الاجتماع في مدينة الموصل شمالي البلاد قرب الحدود السورية . وحضر صدام وهو يرتدي بزة رمادية أنيقة وربطة عنق قاتمة اللون . وجلس وسط غرفة صغيرة على كنبة مغطاة بالحرير الأخضر وأمامه طاولة زجاجية في حين توزعت المقاعد الباقية بشكل دائري حوله .

بدأ مترجم بقراءة رسالة جلبها الشيوخ وتقول : " إننا جئنا لأننا نؤمن بدور العراق الأساسي في الشرق الأوسط ، فإن سعيكم إلى الأسلحة الكيماوية والبيولوجية لا بد وان يعرض بلدكم لمخاطر جمة بدل تأمين الحماية له . إن مبادرات كهذه تهدد أيضا بلدانا أخرى وتثير اضطرابات خطيرة في الشرق الأوسط . ثم إن تصريحاتكم الأخيرة التي تهدد باستخدام السلاح الكيماوي ضد إسرائيل ، أحدثت دويا في العالم أجمع . . ومن الأجدى بالنسبة لكم وللسلام في الشرق الأوسط ان تعيدوا النظر في مثل هذه المشاريع الخطرة والتصريحات والمواقف التي تستفز الآخرين ."

استمع صدام إلى الرسالة بدون أي انفعال ظاهر . وعند الانتهاء من قراءتها هز رأسه والتفت إلى دول الذي كان يجلس على يمينه وقال بهدوء : " إنني أدرك أن هناك حملة واسعة علينا تشنها الولايات المتحدة وأوروبا . "

كان دول رجلا صلبا في الستين من عمره . قال : " إن بوش ليس مصدر هذه الحملة . وقد قال لنا البارحة إنه ضدها . " وأعاد دول إلى الذاكرة موقف الولايات المتحدة الذي أدان إسرائيل عام 1980 على أثر الهجوم الجوي الذي شنته على المفاعل النووي العراقي . هنا قاطعه صدام حسين وقال : " لقد أدنتموها ، ولكنني اطلعت على تقارير عديدة تفيد ان الولايات المتحدة كانت على معرفة مسبقة بالهجوم " .

وتدخل السيناتور الجمهوري لولاية وايومنغ ، ألان سمبسون وقال : " ان مشكلتكم ليست مع الحكومة أو الشعب الأميركي وإنما مع صحافتنا المتعجرفة التي يصعب إرضاؤها " .

وانتقل دول في حديثه إلى البرنامج المعادي للعراق الذي بثته إذاعة صوت أميركا في فبراير ، وقدم اعتذاره وبلغ صدام ان المسئول عن البرنامج قد طرد من وظيفته . وختم حديثه بقوله : " اسمح لي أن أذكر أنه منذ 12 ساعة فقط أبلغني الرئيس بوش أن حكومته تأمل في تحسين العلاقات مع العراق وأنه سوف يعارض فرض عقوبات على العراق . وإذا لزم فإنه الأمر سوف يستخدم الفيتو ضد أي قرار مثل هذا ما لم يحدث أي عمل استفزازي " .

وهنا تدخلت السفيرة ابريل غلاسبي التي لزمت الصمت طوال الوقت وختمت الاجتماع بقولها : " إنني كسفيرة أستطيع أن أؤكد يا سيدي الرئيس أن هذه في الحقيقة هي سياسة الولايات المتحدة".

على أنه كانت هناك دوافع انتخابية وراء لهجة المصالحة التي سادت الاجتماع . فأعضاء الوفد كانوا يمثلون ولايات أميركية زراعية . فروبرت دول يمثل ولاية كنساس التي تصدّر كميات كبيرة من القمح إلى العراق . وعلى هذا الاساس تصدرت المصالح التجارية لائحة الاسباب الداعية للاعتدال الأميركي . فالولايات المتحدة الأميركية تبيع بغداد بما يقارب المليار دولار سنويا من القمح والدواجن والذرة . ومنذ 1983 تم تمويل غالبية المشتريات بواسطة قروض بلغت 5 مليارات دولار بضمانة الحكومة الأميركية .

ولخص ممثل كانساس الوضع بجملة واحدة فقال: " نحن نلبي حاجة العراق من الغذاء بأسعار مدعومة " .

ولم يكن لدى أحد رغبة في إفساد تبادل للمنافع من هذا النوع . وعندما استقبل بوش ، في البيت الأبيض ، الوفد العائد من العراق أصغى بعناية شديدة إلى آراء روبرت دول التي يسودها الاعتدال والتفاؤل وسمع منه كلاما عن صدام حسين يصفه بالقائد الذي يمكن للولايات المتحدة أن تؤثر عليه .

وحضر الاجتماع رئيس مجلس الأمن القومي الجنرال برنت سكوكروفت . وكان هذا العسكري الدقيق الملامح والطويل القامة قد تدرج في كواليس السلطة العليا منذ سنوات طويلة . فكانت بداية عمله في البيت الأبيض في عهد نيكسون كمساعد لهنري كيسنجر . وإذ كان هذا العسكري المحترف يميل دائما إلى وزن الأمور والمحافظة على اتزانه فإنه أيد موقف دول الداعي إلى اعتبار العراق وزعيمه دعامتين أساسيتين لاستقرار الشرق الأوسط .

وكمؤشر على هذا الاعتدال انتهز بوش فرص انتهاء شهر رمضان ووجه ( في 25 نيسان ) رسالة ودية لصدام حسين عبر فيها عن أمله " في أن تسهم الروابط بين الولايات المتحدة والعراق في السلام والاستقرار في الشرق الأوسط " .

وبعد وقت قصير أدلى جون كيلي بشهادة أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ استخدم فيها أسلوبا مختلفا تماما عن الأسلوب العنيف الذي استخدمه في 2 نيسان للرد على تهديدات صدام حسين .

قال :

" لا تزال الإدارة الأميركية تعارض فرض العقوبات التي توقع على المصدرين الأميركيين وتزيد العجز في الميزان التجاري سوءاً . ثم إنني لا أرى كيف يمكن للعقوبات أن تقوي إمكان ممارسة نفوذ مهدئ على أعمال العراق " .

إن هذه الكلمات التي صدرت عن المسئول عن الشرق الأوسط عكست الموقف الرسمي لوزارة الخارجية الذي يمكن تلخيصه بالعبارة التالية وهي أنه ليس مطروحا في الوقت الراهن اتخاذ إجراءات اكثر صلابة ضد العراق . وكان جيمس بيكر نفسه قد تحول إلى هذا الاتجاه . فبينما كان في موسكو التقى بالرئيس المصري الذي كان يقوم بزيارة رسمية ، وناقش معه تهديدات العراق . فأشار الرئيس المصري إلى أن التهدئة أفضل وسيلة لنزع فتيل حركات الزعيم العراقي الاستفزازية .

وفي بداية أيار وصلت إلى واشنطن إشارتان تنذران بالخطر . لكن لم يكن أحد من المسئولين بوزارة الخارجية لأخذهما بعين الاعتبار .

وجاءت الأولى مفاجأة للبيت الأبيض . وكانت عبارة عن رسالة تلقاها من وكالة المخابرات المركزية تقول فيها إن بحوزتها معلومات عن " هجوم عراقي محتمل على الكويت " وكان البيت الأبيض قد تلقى إشارة إلى احتمال وقوع الهجوم ولكن على إسرائيل . وبالرغم مما أثارته معلومات الوكالة من تشاؤم شديد ، فقد بقي الموقف الرسمي كما هو .
وفي هذه الأثناء وصل وفد من الخبراء العسكريين والسياسيين الإسرائيليين إلى واشنطن . وكان في جعبته تحليل قاتم للوضع يقول بأن طبيعة النظام العراقي المعتدلة والإصلاحية الظاهرة ليست سوى ستار من الدخان . ويضيف بأن صدام حسين دأب منذ شهر فبراير على اتخاذ مواقف متصلبة : إذ طالب بانسحاب السفن الأميركية ، وحث العرب مرة أخرى على استخدام النفط كسلاح سياسي ؛ ولم يكتف بالتهديد بمهاجمة إسرائيل حليفة الولايات المتحدة ، بل تحدث عن احتمال استخدام الأسلحة الكيماوية . وختموا تحليلهم بقولهم إن انهماكه في بناء آلته العسكرية على نطاق واسع دليل آخر على غرائزه العدوانية .

يتبع >
[line]
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 09-03-2007, 07:12 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

الفصل الرابع
الذئب والحمل

مضت الأسابيع الأولى التي تلت 30 مايو في هدوء يدعو إلى الاستغراب . فبدا وكأن العواطف والمناورات قد فقدت زخمها .

ففي أواسط شهر حزيران قام أوروبي له مقام رفيع بزيارة لواشنطن أتيح له خلالها أن يتحدث عن المسألة العراقية مع عدد من الأميركيين . وقال فيما بعد " إنه يكن هناك عندئذ من يعتبر العراق مصدرا للتهديد ، وان الجميع كانوا ينظرون إليه بوصفه بالدرجة الأولى سوقا للمنتوجات الأميركية وواحداً من الأقطار القليلة التي تفضل التكنولوجيا الأميركية على منافستها اليابانية ".

وفي نهاية حزيران قام سعدون حمادي نائب رئيس الوزراء العراقي بجولة في بلدان الخليج . وكان حمادي أنيق المظهر مهذبا وشيعيا ورعا، واقتصاديا درس في الجامعة الأميركية ببيروت ثم حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة وسكنسن . وقام بزيارته لبلدان الخليج قبل شهر واحد من اجتماع الأوبك الهام الذي استهدف إقناع زعماء الخليج بالقبول بإنتاج كميات اقل من النفط والتقيد بذلك من اجل رفع سعره إلى مستواه العالي السابق . وفي 25 حزيران وصل إلى الرياض حيث حث الملك فهد على تأييد موقف العراق وذلك لأن السعودية كانت في موقع يمكنها من العمل على تطبيق هذه الإستراتيجية .

وكان ابن سعود ، مؤسس المملكة العربية السعودية قد اعترف في عام 1930 أنه " فقير إلى حد لا يملك معه حجرا يركن رأسه إليه . ودفعته الحاجة الملحة إلى مناشدة شركات النفط الكبرى وأكثرها بريطانية لاستغلال نفط بلاده .
فقد كان البترول متوافراً بكميات كبيرة وخصوصا من شركة النفط العراقية ، مما دفع شركات النفط الكبرى إلى الاتفاق على شيء واحد وهو أنه لا بد من إبقاء نفط السعودية في الأرض إذا أريد تجنب زيادة الفائض من النفط . وعليه فإنه لم يكن في شبه الجزيرة العربية شيء سياسي أو اقتصادي يثير الاهتمام .

وفي غضون خمسين سنة دار الزمن دورته وأصبحت السعودية قطباً بتروليا يستطيع بموارده الضخمة إنتاج من ثمانية إلى عشرة ملايين برميل في اليوم . ولم يعد من الممكن اتخاذ أي قرار بشأن السياسة البترولية بدون السعودية . على أن الملك فهد ليس بالشخص الذي يتخذ قرارات سريعة أو جذرية . فمملكته مليئة بأصحاب الثروات الخاصة التي تبلغ 150 بليون دولار كسبوها بسهولة وسرعة تنعكسان في السياسات السعودية الإقليمية التي يشوبها الحذر وأحيانا التردد .

والملك فهد كغالبية أفراد الأسرة الملكية يعتبر الكويتيين شعبا أكثر تأثرا بالحياة الحديثة . وفي حين أن السعوديين كانوا منذ إنشاء بلادهم يعتبرونها مسجدا كبيرا ويتجهون بأنظارهم إلى مكة فإن الكويتيين ركزوا أنظارهم في الغرب . وعليه فإن علائم القلق في الكويت لم تكن تزعج الملك فهد ، لكنه كان يعلم أن تهديدات صدام حسين قد تسقط في النهاية جميع الملكيات في المنطقة .

استقبل الملك فهد المبعوث العراقي سعدون حمادي في قصره واجتمع به مدة طويلة واستمع إلى مطالبه بانتباه . وانفرجت شفتا الملك عن ابتسامة لطيفة وحبذ فكرة دعوة الأوبك إلى اجتماع خاص لإرساء نظام ثابت بين الأقطار المنتجة للنفط . ولكنه أضاف على الفور وباللهجة الودية الهادئة ذاتها أنه لا حاجة للاستعجال . ويمكن لوزراء الدول النفطية بحث المسألة عندما يجتمعون في جنيف في الشهر التالي . وحتى ذلك الحين من الأفضل ترك الأمور على حالها .

وكان الملك بطيئا في كلامه وعمله إلى حد أن الوقت لديه قد يطول إلى ما لانهاية . أما العراقيون فكان الشيء الذي ينقصهم هو الوقت , وعليه فكان من الصعب عليهم قبول رد الملك.

وذكّر سعدون حمادي الملك والشيخ زايد بالبلايين العشرة التي طلبها صدام حسين . لكنهما تهربا من الدخول في صلب الموضوع . وعندما توقف في الكويت طلب الشيء ذاته من الأمير جابر فأجابه هذا بقوله : " لكن هذان غير معقول . فليس لدينا ذلك المبلغ من المال .

وكان حمّادي خلال النقاش يحمل صفحتين مطبوعتين على الآلة الكاتبة فيهما قائمة مفصلة بالأموال الكويتية المستثمرة في العالم والبالغة 100 بليون دولار . وعندما اطلع الأمير على ما فيها اقترح أن يدفع مبلغ خمسمائة مليون دولار ثلاث سنوات كصدقة على العراق ، وقال : " دعونا نتحدث أولا عن الحدود . وعندما نوقع الاتفاق نتحدث عن الأمور الأخرى " .

ولم يكد سعدون حمادي يصل إلى بغداد حتى بلغه أن وزير النفط في الكويت صرح بأن بلاده سوف تواصل إنتاج كمية النفط الإضافية حتى أكتوبر . وأدى هذا التصريح ورفض السعودية الدعوة إلى عقد اجتماع خاص للأوبك إلى إقناع صدام حسين بأن هناك كما قال لأحد زملائه " محاولة لتركيع العراق " .

وفي 16 تموز وصل طارق عزيز وزير الخارجية العراقية إلى تونس للمشاركة في اجتماع القمة الذي دعت إليه جامعة الدول العربية . وطارق عزيز في الستين من عمره وله شاربان كثيفان ونظارتان سميكتان . وهو من المسيحيين القلائل الذين احتلوا مراكز عالية في الجهاز الحاكم . (واسمه الحقيقي يوحنا ) . وهو دمث الطباع ويستطيع تبليغ الرسائل العدائية بلباقة وتهذيب . وإذ كان سفير صدام الذي ينقل أفكاره إلى مختلف الجهات في العالم فقد مثل العراق أكثر المفاوضات دقة سواء في المحادثات مع الأقطار الأوروبية لإعادة جدولة الديون أو في الضغط من أجل الحصول على قروض أخرى لشراء الأسلحة . وكان في هذا كله يعبر عن أفكار صدام ورغباته بحماسة شديدة ومهارة ، وأحيانا بقسوة .

وكان الهدف من اجتماع القمة هو الحصول على تأييد الدول العربية لمنظمة التحرير . فبعد أن حمل عرفات منظمة التحرير على اتخاذ موقف أكثر اعتدالاً من إسرائيل ويقضي بالاعتراف بها والدخول في حوار مع الولايات المتحدة الأميركية ، اخذ يشعر مرة أخرى بالعُزلة . وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت المحادثات مع المنظمة رداً على هجوم قام به أبو العباس في 30 مايو على الشاطئ الإسرائيلي . وأبو العباس هذا هو الذي سبق له أن قام بنشاطات مشابهة عندما دبر في عام 1985 خطف السفينة الإيطالية " أكيل لورو " . ومع هذا فإنه ظل عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني . فأصرت الولايات المتحدة على أن يقوم عرفات بطرده وشجب هجومه ، ولكنه لم يفعل .
ومما أغضب عرفات عدم حضور دول عربية كثيرة الاجتماع المقرر في ذلك اليوم لكن حضور طارق عزيز لم يكن مفاجئا . فرئيسه صدام كان قد لعب دوراً مهما في إقناع عرفات بتبني الاعتدال والدخول في محادثات مع الولايات المتحدة. وهاجم عرفات في خطابه بعض الدول التي لم تشارك في الاجتماع وخصوصا السعودية ومصر . وختم خطابه بقوله :

" إن القضية خطيرة ولكن كثرة من الدول العربية لا تكترث لها . ترى ما الذي تفعله ؟ هل تقوم بتحديد أسعار البطاطا " .

قال عرفات هذا وخرج من القاعة وانتهى الاجتماع . فذهب طارق عزيز إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية الشاذلي ألقليبي وقال له : " لقد أحضرت معي مذكرة مهمة ينبغي توزيعها على الأعضاء . ولا بد من الاجتماع في صباح الغد " فوافقه ألقليبي والتقى وهو خارج بمروان القاسم ممثل الأردن فأخبره عن المذكرة وقال :

" نحن مقتنعون بأن بعض الدول تتآمر بالفعل علينا . ولكن أود أن أقول لك بأن بلادي لن تركع وأن نساءنا لن يجبرن على التحول إلى حومات وأن أولادنا لن … يحرموا من الطعام " .

وصدم مروان القاسم ، وقال لعزيز : " حاذر أن تقع في الشرك الذي نصب لك " . ولم يقل عزيز شيئا وخرج .

وفي صباح 17 يوليو حضر طارق عزيز إلى مكتب أمانة الجامعة ومعه سفير العراق إلى تونس ، وقدم المذكرة للقليبي الدبلوماسي التونسي المتزن الذي يبدو كمفكر خجول . وجاءت المذكرة صدمة له لأنها كانت في حقيقتها إعلان حرب حقيقية على الكويت . فالشكوى فيها لم تقتصر على تجاوز الحد في إنتاج النفط بل تجاوزت ذلك إلى اتهام الكويت بإقامة نقاط عسكرية على الأراضي العراقية وسرقة ما يساوي 4 و 2 بليون دولار من النفط الذي تستخرجه من حقل الرميلة العراقي . واتهمت المذكرة الكويت والإمارات العربية صراحة بأنهما ضالعان في " مؤامرة صهيونية استعمارية على الأمة العربية " .

وقرر ألقليبي أن يحاول التريث في توزيع المذكرة . وقال لعزيز بأنه في حاجة إلى 24 ساعة يجري خلالها مشاورات مع الكويت والسعودية قبل أن يقوم بتوزيعها . وأضاف أنه يرغب في أن يتحدث إلى صدام . فقال عزيز : " ليس باستطاعتك التحدث إليه الآن لأنه في طريقه إلى إلقاء خطاب سوف يشتمل على بعض التهديدات الموجودة في المذكرة . ولم يعلم بذلك إلا في وقت لاحق من ذلك اليوم . والواقع أن طارق عزيز لم يكن هناك للمفاوضة ، بل لتنفيذ أوامر صارمة من صدام . فانتهى الاجتماع .

وبعد أن خرج عزيز قام على الفور بإرسال نسخة من المذكرة للسفارة الكويتية بتونس . وبعد ذلك بساعة اتصل السفير الكويتي بالقليبي وسأله عما إذا كان سيوزع المذكرة . فأجابه ألقليبي بأنه ليس أمامه خيار آخر . وطلب من السفير أن يبلغ ذلك إلى وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح وأنه يود أن يتحدث مع أمير الكويت وولي العهد .

وعندما تسلم الشيخ صباح المذكرة أصابه ـ كما يقول شاهد عيان ـ ذهول شديد فالعراقيون يتهمونه بأنه عميل يتقاضى أموالا من الأميركيين . فقرر أن يلغي جميع مواعيده .

منذ أواخر شهر مايو أخذ العاملون في أسواق هونغ كونغ وسنغافورة المالية يحسون بتحركات غير عادية . فمكتب الاستثمارات الكويتية بلندن وهو هيئة مقرها لندن وتدير استثمارات الكويت العالمية الضخمة كان قد أخذ يبيع بعض ممتلكاته الكبرى بلا سبب ظاهر . ولم تكد تمضي بضعه أيام على اجتماع تونس الذي ابتدأ في 19 يوليو بدأ المكتب عملية تصفية كاملة لاستثماراته الآسيوية وتحويلها إلى سيولة نقدية . وكان رجال الأعمال الكويتيون يتصرفون بسرعة وبكثير من الحكمة لكي لا تتسرب أخبار أعمالهم فتحدث ما يشبه الانهيار في الأسواق التي تحتل الأموال الكويتية فيها موقعا مهما .

وفي 17 يوليو وبينما كان طارق عزيز مجتمعا مع الشاذلي ألقليبي كان يجري الاحتفال بالعيد السنوي للثورة العراقية . واعتلى صدام حسين المنصة وحوله أعضاء مجلس قيادة الثورة بزيهم العسكري . وجرت العادة كلما ظهر الرئيس أمام الجمهور أن يضرب حصار شبه كامل على بغداد . لكن تدابير الأمن في ذلك اليوم كانت أشد من أي وقت مضى . قال صدام في خطابه الذي أذيع فيما بعد :

" يعود الفضل إلى أسلحتنا الجديدة في أن الامبرياليين لن يستطيعوا بعد الآن شن هجوم عسكري علينا . ولهذا اختاروا شن حرب عصابات اقتصادية بمساعدة عملائهم من زعماء دول الخليج . فسياستهم التي ترمي إلى الإبقاء على أسعار البترول المنخفضة خنجر مسموم مغروز في ظهر العراق " .

وفي ذلك اليوم نفسه بدأت طلائع القوات العسكرية العراقية بالتحرك باتجاه الحدود الكويتية . وفي وقت متأخر من بعد ظهر 18 تموز اجتمعت الوزارة وبدا التوتر على وجوه الوزراء وهم يخرجون من سيارات الليموزين والشمس تنحدر نحو المغيب . فالتهديد كان هناك ، ولا يبعد سوى بضعة أميال ، وتمثل في دبابات ت 62 التي كانت في طريقها إلى بلادهم . ولكن بالرغم من شعورهم بالخطر كان أكثرهم يفضل أن لا يصدق بأن وقت الإنقاذ قد فات .

كان آخر من وصل هو الأمير جابر يرافقه ولي العهد ورئيس الوزراء الشيخ سعد العبد الله الصباح . وكان الأمير قد عاد لتوه من السعودية حيث عرض الملك وساطته . فتداول في الأمر مع رئيس وزرائه قبل الاجتماع . ورأى كل منهما أن العراق قد يهاجم الكويت لكنهما اعتقدا أن العملية ستنحصر في المنطقة الحدودية المتنازع عليها . وعليه فإنه لم يخطر ببالهما أن الكويت مجرد فاصلة على وجه الزوال .

كان الغرض من اجتماع الوزارة الاتفاق على صيغة الرد على مذكرة طارق عزيز التي اتهم فيها الكويت بسرقة ما قيمته 4 , 2 بليون دولار من النفط العراقي . لكن الكلمات التي ألقيت لم تكشف عن القلق والفوضى الكبيرين اللذين كان كل منهم يشعر بهما . كان أول المتكلمين هو الشيخ علي خليفة الصباح وزير النفط السابق ووزير المالية الحالي المغامر الذي يتصرف كرجال البنوك الغربيين ويتمتع بالاحترام في الأوساط المالية الدولية . قال :

" أعتقد أن العراق يحاول إنقاذ اقتصاده ويحمل دول الخليج مسؤولية فشله . لكن ينبغي أن لا نخدع أنفسنا . فالعراق لن يتغير حتى بعد اجتماع الأوبك في جنيف . وسوف يتواصل التصعيد".

وهز عدد من الوزراء رؤوسهم علامة على موافقتهم على ما قاله . لكنه تقدم باقتراح أقل واقعية فاقترح أن يصدر الحل عن مجلس التعاون الخليجي ، وهو هيئة دفاعية تضم الكويت والإمارات العربية المتحدة وعُمان وقطر والبحرين والسعودية ـ أي جميع الدول التي وصفها العراق بأنها أعداء له .

وأصر بعض الوزراء كالوزير المسئول عن البرلمان والوزير المسئول عن شؤون الوزارة على أن الغرض الوحيد للتهديدات العراقية هو " ابتزاز المال بل ابتزاز الكثير منه من الكويت ." حتى ان أحدهم أضاف يقول : " علينا أن نحتفظ بهدوئنا . " وذهب سليمان المطوع وزير التخطيط إلى حد القول بأن المذكرة " علامة ضعف من السهل الرد عليها " .

على أن هذه الآراء لا تمثل وجهة نظر الأغلبية الذين عبر عن رأيهم وزير الدفاع عندما قال : إنه لا يكفي أن نرفض اتهامات العراق بقولنا إن العراقيين حشدوا قواتهم على الحدود . فكان ما ينبغي معرفته ـ كما قال الأمير ـ هو مدى جدية التهديد العراقي . وقال الشيخ صباح الأحمد الصباح وزير الشؤون الخارجية الذي أذهلته مذكرة طارق عزيز وما جاء فيها من اتهامات " إن العراق قد يهاجم الكويت وإن الوضع على الحدود متفجر ، وإننا نجري محادثات مكثفة مع إخواننا في مجلس التعاون الخليجي " .
كلمة واحدة كانت على كل لسان : المفاوضة . كانت الأمل الأخير لتفادي الكارثة . لكنهم نسوا الاجتماعات الكثيرة بين مبعوثي العراق والكويت ورفض الكويتيين من حين إلى آخر ولكن بكل حزم مطالب العراقيين . وعلى أي حال فإن ولي العهد قال :

" أعتقد أن العراقيين قد يقومون بعمل عسكري ولكن العملية سوف تنحصر في الحدود في منطقتي الرتقة وأم قصر " .

وعندما أشرف الاجتماع على نهايته كان الحاضرون قد شعروا بالاطمئنان ولم تُلفت نظرهم كثيراً أهم كلمات قيلت في الاجتماع وهي كلمات وزير الدفاع الذي قال :
" ليست المذكرة العراقية سوى البداية . فالله وحده يعلم إلى أي حد سوف يذهبون . فمسألة أسعار النفط لا تخرج عن كونها حجة . فالواقع أن العراق هو الذئب ونحن الحمل " .

وعندما تحول المجتمعون إلى مناقشة الجوانب الاقتصادية اختلطت عليهم الأمور فهل كان عليهم أن يستجيبوا لطلب العراق عشرة بلايين دولار وإلغاء جميع الديون ؟

لم يتخذوا قرارا بشأن هذا الموضوع بالرغم من أن الوضع لم يكن يحتمل التأجيل . وعهد إلى الشيخ صباح الأحمد بالدعوة إلى اجتماع طارئ لمجلس التعاون الخليجي وذلك للدعوة إلى جامعة الدول العربية . لكن لم تتخذ أية إجراءات عسكرية .

وفيما كان الاجتماع منعقداً تلقى الشاذلي ألقليبي في تونس رسالة تبلغه أن الحكومة الكويتية سترسل إليه طائرة سويسرية خاصة لتنقله إلى الكويت للاجتماع بزعمائها . وحال وصوله إلى الكويت دعي إلى القصر لمقابلة الأمير . وأبلغه الأمير أنه فوجئ تماما بمذكرة طارق عزيز التي كانت قد قدمت له بتونس قبل أيام . ثم قال :

" ما هي المشكلة ؟ إن المذكرة قاسية ، ولا صحة لما ورد فيها . لقد قدمنا لصدام حسين الكثير من المال والنفط خلال الحرب مع إيران " .

وفيما بعد قال أحد رجال الأمير للقليبي بأن الكويت قدمت إلى العراق خلالها 17 بليون دولار وكانت تزوده بـ 000 , 300 برميل من النفط يوميا . وقيل له أيضا إن هذه المعلومات لم تنشر من قبل خوفا من غضب إيران وخلق المشكلات .
وعند نهاية الاجتماع قال الأمير للقليبي : " حاول أن تحل المشكلة . نحن على استعداد لحل المشكلة بطريق الحوار " .

وقرر ألقليبي أن يقوم بزيارة بغداد . لكن بينما كان يهم بمغادرة الفندق علم أن الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودية في طريقه إلى العاصمة العراقية . فقرر أن يبقى في الكويت ثقة منه بأن الأمير سعود الفيصل سوف يتوقف في الكويت ويخبره بما جرى في اجتماعاته مع صدام حسين .

لكن الذي لم يُطلع الكويتيون ألقليبي عليه هو شيء آخر كانوا يفكرون فيه . فمن المرجح أنهم كانوا يعتقدون بأن الورقة الأخيرة في أيديهم هي دعم الولايات المتحدة لهم . ذلك انهم اولا لم ينسوا أن الأميركيين سمحوا لهم خلال الحرب العراقية الإيرانية أن يرفعوا الأعلام الأميركية على ناقلاتهم . وأن ذلك كان بمثابة دليل على وقوفها إلى جانبهم .

وهناك وثيقة غريبة مؤرخة في 22 نوفمبر 1989 يدعي العراقيون أنهم عثروا عليها في وزارة الخارجية الكويتية في أعقاب استيلائهم على الكويت . لكن بيتر ايرنست الناطق باسم وكالة الاستخبارات المركزية ( السي آي إي ) أصدر في 30 تشرين أول 1990 تصريحا وصف فيه الوثيقة بأنها مزورة . لكنه اعترف في تصريحه بأن الشيخ الصباح نائب مدير أمن الدولة الكويتية قام في نوفمبر 1989 ـ كما تقول الوثيقة ـ بزيارة للقاضي وليم وبستر مدير الوكالة . على أن الحكومة العراقية واصلت القول بأن الوثيقة صحيحة . ومهما يكن من أمر صحتها فإنها وثيقة طريفة .

إن هذه الوثيقة عبارة عن مذكرة قيل إن فهد أحمد الفهد مدير أمن الدولة الكويتية أرسلها إلى وزير الداخلية وتقول الفقرة الخامسة منها :

" اتفقنا مع الجانب الأميركي على أهمية الاستفادة من الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في العراق لممارسة الضغط على الحكومة العراقية لرسم الحدود المشتركة . وقد أطلعتنا وكالة الاستخبارات المركزية على وجهة نظرها حول الوسائل المناسبة للضغط قائلة بأنه لا بد من إرساء التعاون بيننا على نطاق واسع بشرط أن يجري تنسيق النشاط على المستويات العليا " .

ويشير مدير أمن الدولة أيضا أنه قام بزيارة لواشنطن استغرقت ستة أيام . ( 12 ـ 18 نوفمبر ) وعقد خلالها عدة اجتماعات سرية للغاية مع كبار المسئولين في وكالة الاستخبارات المركزية الذين عبروا عن عدم رضاهم عن أداء الحرس الأميري المكلف بحماية الأمير . وكان الأمير قد تعرض لمحاولات لاغتياله . وتقول المذكرة بان الوكالة أيدت استعدادها لتدريب 123 شخصا تختارهم السلطات الكويتية لكي يقوموا بعد ذلك بحماية الأمير وولي العهد .

ترى هل تجاوز الكويتيون الحد لأنهم كانوا على يقين من أن واشنطن لن تتخلى عنهم ؟ كان زعماؤهم واثقين من الدعم الأميركي منذ زمن طويل وخصوصاً منذ عام 1987 أي منذ أواسط فترة الحرب العراقية الإيرانية عندما رفعت الأعلام الأميركية على ناقلاتهم لحماتيها .

وفي ذلك الوقت تماماً أعلن البرلمان العراقي قراره الذي اتخذ بالإجماع برئاسة صدام حسين مدى الحياة .

في 24 تموز وصلت أخبار إلى مقر وكالة الاستخبارات المركزية ( السي آي إي ) مفادها أن فرقتين عراقيتين غادرتا قواهما للتمركز على الحدود الكويتية .

وفي صباح ذلك اليوم وصل حسني مبارك إلى بغداد في مهمة وساطة . ولم يكن اختيار الجامعة العربية له الأفضل نظرا للشكوك المتبادلة بين صدام حسين وبينه . ومهما يكن من أمر فإن صدام حسين قال له :

" لن استخدم القوة … لن استخدمها قبل استنفاد جميع الإمكانات عبر المفاوضات . لكن يا أخ مبارك لا تقل هذا للكويتيين لأنه لن يزيدهم إلا غروراً " .

وفي أعقاب هذا مباشرة غادر مبارك العراق إلى الكويت حيث أبلغ بعض ما سمعه إلى الأمير . قال له : " لا تقلق يا صاحب السمو فقد سمعت من صدام نفسه أنه لن يرسل قوات وأنه لا يعتزم مهاجمة الكويت ." وهكذا فإنه لم يضف إلى ذلك عبارة " قبل استنفاد جميع الإمكانات عبر المفاوضات " . ونقل مبارك العبارات المجتزأة ذاتها لواشنطن .

وفي 25 تموز استدعى صدام ابريل غلاسبي السفيرة الأميركية . ولما كانت قد أبلغت بموعد المقابلة قبل ذلك بساعة فقط فإنه لم يكن لديها الوقت الكافي لإبلاغ وزارة الخارجية بواشنطن والتزود بتعليماتها . وأدخلت السفيرة على الرئيس العراقي في الساعة الواحدة بعد الظهر . وبدا عليها التوتر وهي تهم بإجراء مقابلتها الخاصة الأولى معه . وجاء الحديث الذي جرى بينهما مفاجئا وحتى مزعجا . واستطاعت شبكة " إي بي سي " الحصول على تسجيل للحديث الذي يعتبر وثيقة كبرى بالنظر إلى ما يشتمل عليه من دلالات بعضها غير عفوي ولكن تستحق أن نوردها *

حضر المقابلة طارق عزيز . واستهلها صدام بالترحيب بغلاسبي ودعاها إلى الجلوس قائلا : " لقد استدعيتك لإجراء حوار سياسي شامل معك ، وفيه رسالة موجهة إلى بوش " . قال صدام :

" تعلمين انه لم يكن هناك علاقات بيننا وبين الولايات المتحدة إلى عام 1984 . كما أنك تعرفين الظروف والأسباب التي أدت إلى قطع العلاقات . على أن قرار استئناف العلاقات اتخذ عام 1980 أي خلال الشهرين اللذين سبقا حربنا مع إيران .

" وعندما بدأت الحرب ولتجنب أي سوء تفسير أجّلنا إقامة العلاقات على أمل أن تنتهي الحرب في الحال .

" فلما تبين أن الحرب ستطول ، وللتأكيد على أننا دولة غير منحازة ، كان من المهم أن نعيد إقامة علاقاتنا بالولايات المتحدة . وكان هذا في عام 1984 .

يتبع >
[line]
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 09-03-2007, 07:24 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

من الطبيعي القول بأن الولايات المتحدة ليست كبريطانيا مثلا . ذات العلاقات التاريخية مع الشرق الأوسط ، بما فيه العراق . ثم إنه لم تكن هناك علاقات بين العراق والولايات المتحدة بين عامي 1967 و 1984 . ويمكن للمرء أن يستنتج أنه من الصعب على الولايات المتحدة أن تتوصل إلى تفاهم تام مع العراق حول كثرة من الأمور . على أنه عندما جرى استئناف العلاقات كنا نأمل في تفهم أفضل وفي تعاون أفضل لأننا أيضا لا نفهم خلفيات كثرة من القرارات الأميركية

" وتعامل أحدنا مع الآخر خلال الحرب وعلى مستويات مختلفة أهمها مستوى وزيري الخارجية . وكنا نأمل في تفاهم مشترك أفضل وفي فرصة أكبر للتعاون لفائدة شعبينا وباقي الأمم العربية . لكن هذه العلاقات أصيبت بشروخ . ووقع الأسوأ منها في عام 1986 وبعد سنتين فقط من إرساء تلك العلاقات خلال ما يعرف " بإيران غيت " التي وقعت سنة احتلال إيران لشبه جزيرة الفاو .

" من الطبيعي القول بأن قدم العلاقات وتعقد المصالح المتبادلة قد يمتصان الأخطاء . لكن عندما تكون المصالح محدودة والعلاقات حديثة العهد فإن التفاهم يصبح سطحيا وقد تؤدي الأخطاء إلى نتائج سلبية وقد يحدث أحيانا أن يكون تأثير الخطأ اكثر خطورة من الخطأ ذاته

" ورغم ذلك فإننا قبلنا اعتذار الرئيس الأميركي عبر موفده عن " إيران غيت " وأزلنا جميع الشوائب . وينبغي علينا أن لا نستعيد الماضي إلا عندما لا تكون الأخطاء الماضية وليدة والصدفة

" وتزايدت شكوكنا بعد تحرير الفاو . فأخذت وسائل الإعلام الأميركية تدس أنفها في سياسة بلادنا . ودفعتنا الشكوك إلى التساؤل عما إذ كانت نتيجة الحرب وتحريرنا لبلادنا قد أقلقا الولايات المتحدة

" كان واضح لنا أن تحريرنا لبلادنا لم يرُق لبعض الجهات في الولايات المتحدة . وليست أشير بهذا إلى الرئيس الأميركي نفسه بل إلى جهات معينة على صلة بدوائر الاستخبارات ووزارة الخارجية باستثناء وزير الخارجية . وبدأت بعض الجهات تعد دراسات بعنوان " من سيخلف صدام حسين ؟ " وأخذت تتصل بدول الخليج وتثير مخاوفها من العراق وتقنعها بعدم تقديم المساعدات الاقتصادية له . ولدينا شواهد على نشاطها هذا

" خرج العراق من الحرب وعليه دين قدره 40 مليار دولار . ولا يشمل هذا المبلغ المساعدات التي قدمتها الدول العربية . ومما يذكر أن بينها دول لا تعتبر المساعدات دينا مع أنها تعلم كما تعلمون أنتم أنه لولا العراق لما كانت لديها تلك المبالغ ، ولما كان مصير المنطقة على النحو الذي نراه .

"وبدأنا نواجه سياسة تخفيض أسعار النفط . ثم رأينا الولايات المتحدة التي تتحدث دائما عن الديمقراطية لا تعير وجهة نظر غيرها أي اهتمام . ثم بدأ الإعلام الرسمي الأميركي حملته على صدام حسين . واعتقدت الولايات المتحدة أن الوضع في العراق كالوضع في بولندا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا . لقد أثارت هذه الحملة قلقنا ولكننا لم نبادر إلى الرد لأننا كنا نأمل أن تتاح الفرصة لصانعي القرار في أميركا للوقوف على الحقائق ومعرفة ما إذا كان للحملة الإعلامية أي تأثير على شعب العراق . كنا نأمل في أن تبادر السلطات الأميركية إلى اتخاذ القرار الصحيح بشأن علاقاتها مع العراق . فالعلاقات الجيدة تساعد على تجاوز الخلافات .

" لكن عندما تقضي السياسة المرسومة بتخفيض سعر النفط دون سبب تجاري معقول ، فذلك يعني شن حرب أخرى على العراق . فالحرب العسكرية تقتل الناس بإسالة دمائهم ، والحرب الاقتصادية تدمر إنسانيتهم بحرمانهم من فرصة التمتع بمستوى حياتي لائق . وإننا كما تعلمون نزفنا انهاراً من الدم في الحرب التي دامت ثماني سنوات لكننا لم نفقد إنسانيتنا . وللعراقيين الحق في العيش بكرامة ولا نسمح لأحد بأن ينال من كرامتهم أو من حقهم في الاستمتاع بمستوى حياتي عال

" لقد كانت الكويت والإمارات على رأس واضعي هذه السياسة التي استهدفت النيل من مكانة العراق وحرمان شعبها من المستويات الحياتية العالية . وأنتم تعلمون أن علاقاتنا مع الإمارات والكويت كانت قبل ذلك جيدة . وفوق هذا كله وبينما كنا غارقين في الحرب أخذت الكويت تتسع على حساب أرضنا "

و أخذ صدام يشير إلى الكويت بوصفها هدفه الرئيسي . قال :

" قد تقولون بأن هذا مجرد دعاية . لكنني الفت نظركم إلى الوثيقة التي تحدد خط الدوريات العسكرية الذي يشكل الحدود التي صدقت عليها جامعة الدول العربية عام 1961 . لقد نصت الوثيقة على أنه لا يجوز اختراقها .

" اذهبي وشاهدي بنفسك ما يجري . سترين دوريات الحدود والمزارع والمنشآت النفطية الكويتية قائمة في أقرب نقطة من الحدود وذلك لإثبات أن تلك الأراضي كويتية .

" منذ عام 1961 والحكومة الكويتية مستقرة ، في حين أن الحكومة العراقية تعرضت لتعديات كثيرة . وحتى بعد عام 1968 (الذي استولي فيه البعث على الحكم ) وطيلة عشر سنوات كنا غارقين في مشكلاتنا مثل مشكلة الأكراد في الشمال ومشكلة حرب أكتوبر وغيرهما .

" إننا نعتقد أنه على الولايات المتحدة أن تفهم أن الشعب الذي يعيش في رخاء وأمن اقتصادي يمكنه أن يتوصل إلى تفاهم معها حول المصالح المشتركة المشروعة لكن الشعب الجائع والمحروم اقتصاديا لا يستطيع ذلك .
" إننا لا نقبل تهديدا من أحد لأننا لا نهدد أحداً . ونقول بوضوح بأننا نأمل في أن لا تكثر الولايات المتحدة من الأوهام وأن تسعى إلى كسب الأصدقاء لا إلى زيادة أعدائها .

" قرأت تصريحات أميركية عديدة عن أصدقائها في المنطقة . وبالطبع من حق الجميع ان يختاروا أصدقاءهم ولا اعتراض لدينا على ذلك . ولكنكم تعرفون جيداً أنكم لستم الذين حميتم هؤلاء الأصدقاء خلال الحرب مع إيران . وأستطيع التأكيد لكم أنه لو اكتسح الإيرانيون المنطقة لما كان في استطاعة القوات الأميركية وقفهم إلا باستخدام الأسلحة النووية .
" لا يهدف إلى التقليل من شأنكم وإنما أنا آخذ بعين الاعتبار العوامل الجغرافية وطبيعة المجتمع الأميركي التي ترفض التضحية بأكثر من عشرة آلاف قتيل في المعركة الواحدة .

" تعلمون أن إيران قبلت بوقف إطلاق النار . ولكن لم يحصل ذلك بسبب قصف الولايات المتحدة لمنشأة نفطية إيرانية واحدة ، وإنما حصل بعد تحرير الفاو . أهكذا يكافأ العراق لأنه ساهم في تامين استقرار المنطقة وقام بحمايتها من مدِّ لا مثيل له ؟
" ثم ماذا تعني أميركا عندما تقول الآن بأنها ستحمي أصدقاءها ؟ ليس لذلك معنى سوى التحامل على العراق .
" أقول لكم بوضوح إننا سوف نحصل على كل حق من الحقوق الواردة في المذكرة . وقد لا يحدث هذا الآن أو خلال شهر أو بعد سنة لكننا سنحصل عليها كلها . لسنا بالشعب الذي يتخلى عن حقوقه . فليس هناك حق تاريخي أو حاجة تبرر قيام الإمارات والكويت بحرماننا من حقوقنا . وإذا كانت هاتان الدولتان في حاجة إلى ذلك فنحن أحوج منهما إليه .

" ينبغي أن يكون لدى الولايات المتحدة تفهم أفضل للوضع . وعليها أن تذكر أولئك الذين تريد أن تقيم معهم علاقات وأن تقول من هم أعداؤها . وعليها أن لا تعتبر أحدا عدوا لا لسبب إلا لأنه يختلف معها في الرأي حول النزاع العربي الإسرائيلي .
" إننا نفهم بوضوح قول أميركا بأنها تريد تأمين تدفق سهل للنفط . ونفهم أميركا عندما تقول بأنها تسعى إلى صداقة دول المنطقة ، وترغب في تعزيز المصالح المشتركة . لكن ما لا نفهمه هو أن تقوم أميركا بتشجيع بعض الجهات على إلحاق الضرر بمصالح العراق .

" الولايات المتحدة تريد أن تضمن تدفق النفط . هذا مفهوم . لكن ينبغي عليها أن لا تستخدم أساليب ثم تنكرها . إن ذلك من قبيل ليّ العضلات والضغط . فإذا استخدمتم الضغط فسوف نستخدم الضغط والقوة .
" نعلم أنه باستطاعتكم إلحاق الضرر بنا حتى ولو لم نهددكم . لكن باستطاعتنا أيضا أن نلحق الضرر بكم ففي وسع كل شخص أن يسبب ضررا يتناسب مع قوته وحجمه . ليس باستطاعتنا أن نزحف على بلادكم لكن باستطاعة الأفراد من العرب الوصول إليكم .

وضرب صدام حسين بالمجاملات الدبلوماسية عرض الحائط وأخذ يهدد الولايات المتحدة بموجة من الهجمات الإرهابية . وللتوضيح، قال :

" بإستطاعتكم المجيء إلى العراق ومعكم الصواريخ والطائرات لكن لا تدفعونا إلى الحد الذي لا نعود عنده نهتم بما يحدث . وعندما نشعر بأنكم تريدون جرح كرامتنا وحرمان العراق من فرصة تحقيق مستوى حياتي أفضل فإننا لن نأبه لشيء وسيكون خيارنا الموت . ولن نخاف عندئذ إذا أطلقتم مئة قذيفة مقابل كل قذيفة من قذائفنا . فالحياة بلا كرامة لا قيمة لها .

وكان هذا تهديداً للرئيس بوش بأن صدام حسين مستعد لمحاربة أميركا بالرغم من أنه كان يعلم أنه يرجح أن يخسر المعركة . وأضاف يقول :

" ليس من المعقول أن يًطلب من الشعب العراقي نزف أنهار من الدم خلال الأعوام الثمانية الماضية ثم يُقال له : عليك الآن أن تقبل بعدوان الكويت والإمارات العربية والولايات المتحدة وإسرائيل . نحن لا نضع جميع هذه البلدان في سلة واحدة . وما يؤذينا ويزعجنا أن تكون هناك خلافات بيننا وبين الكويت والإمارات

لكن ينبغي أن يكون الحل في الإطار العربي وعبر العلاقات الثنائية المباشرة . نحن لا نضع الولايات المتحدة أيضا في خانة الأعداء . نحن نضعها في الموقع الذي نريده لأصدقائنا ونبذل الجهد كي تكون في عداد أصدقائها . ولكن تصريحاتكم المتكررة في العام الماضي تظهر جليا ان أميركا لا تعتبرنا اصدقاء لها ، حسنا ، فهم أحرار فيما يفعلون .

" عندما نبحث نحن عن الصداقة فإننا نطلب الشرف والحرية وحق الاختيار . وكما نريد التعامل مع غيرنا على مستوانا ، نتعامل مع الآخرين على مستواهم . نحن نأخذ مصالحنا ومصالح الآخرين بعين الاعتبار ونطلب من الغير مقابلتنا بالمثل . ماذا يعني استدعاء وزير الدفاع الصهيوني ، هذه الأيام ، إلى الولايات المتحدة الأميركية ؟ وما هو معنى التصريحات النارية لإسرائيل مؤخراً ؟ وماذا يعني تكاثر الحديث عن الحرب إلى درجة لا مثيل لها ؟ " .

يبدو واضحا أن الرئيس صدام كان لا يزال يعاني من صدمة ضرب مفاعل اوزيراك النووي . فلم يتردد عن الإفصاح عن مخاوفه من هجوم إسرائيلي وشيك وربما بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية وقال :

" لا نريد الحرب لأننا نعرف ما تعنيه . لكن لا تدفعونا إلى اعتبارها الحل الوحيد للعيش في كرامة وعلى مستوى حياتي لائق .

" نعلم أن الولايات المتحدة الأميركية تمتلك السلاح النووي . ولكننا مصممون على العيش بكرامة أو الموت حتى آخر فرد فينا. ولا نعتقد أنه يوجد شخص واحد في العالم لا يفهم ما أعنيه . نحن لا نطلب منكم حل مشاكلنا . لقد قلت إن المشاكل العربية تحل بين العرب وإنما المطلوب منكم عدم تشجيع أحد على فعل لا يقوى على تحمل عواقبه . ولا أعتقد بأن صداقة العراق تؤذي أحدا

برأيي أن الرئيس بوش لم يقترف أخطاء مع العرب ، مع اعتقادي بخطأ تجميد الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية . ويبدو أنه اتخذ هذا القرار لتهدئة اللوبي الصهيوني أو أنه كان جزءا من إستراتيجية ترمي إلى استيعاب الغضب الصهيوني قبل إعادة الحوار من جديد مع منظمة التحرير . وأتمنى ان يكون الاستنتاج الثاني هو الصائب . على أننا سنظل نعتبره قرارا خاطئا .
ترى متى سيأتي الوقت الذي تمتدحون العرب فيه مرة واحدة مقابل كل ثلاثة تصريحات تصدرونها لإرضاء الصهيونية .

متى ستسعى البشرية إلى حل أميركي يقيم التوازن بين حقوق مأتي مليون من البشر وبين حقوق ثلاثة ملايين يهودي .
" نحن ننشد الصداقة ولكننا لا نجري وراء أحد من أجلها , وكذلك فإننا نرفض العدوان المسلح أيا كان مصدره . وإذا جوبهنا بالعدوان فإننا سنقاوم . وهذا حقنا سواء أجاء العدوان من أميركا أم من الإمارات أو الكويت أو إسرائيل . لكنني لا أضع هذه الدول على مستوى واحد .

فإسرائيل اغتصبت الأرض العربية بمساعدة الولايات المتحدة . ثم ان الكويت والإمارات لا تؤيدان إسرائيل , وعلى أي حال فإنهما تظلان عربيتين . لكن عندما تحاولان إضعاف العراق فإنهما أنما تساعدان بذلك الأعداء وللعراق الحق عندئذ في الدفاع عن نفسه "

فأعاد إلى الذاكرة حدثين سابقين من شأنهما أن يساعدا الولايات المتحدة على التفكير ، فقال :

" التقيت في عام 1974 بإدريس ابن الزعيم الكردي الراحل الملا مصطفى البرازاني . وجلس عندئذ على الكنبة ذاتها التي تجلسين عليها الآن . جاء عندئذ ليطلب مني تأجيل تطبيق الحكم الذاتي في كردستان العراقية الذي اتفق عليه في 11 مارس 1970 . وكان جوابي له : " إننا مصممون على الوفاء بالتزاماتنا . وعليكم انتم أيضا أن تلتزموا بالاتفاق . "
وعندما أحسستُ بأن لديه نوايا عدوانية قلت له : " بلغ تحياتي لأبيك وقل له بأن صدام حسين يقول ما يلي . " ثم أطلعته على ميزان القوى مدعما بالإحصائيات تماما كما فعلت مع الإيرانيين في رسائلي المفتوحة لهم خلال الحرب وختمت حديثي معه بتلخيص العواقب بجملة واحدة وهي " إذا حاربنا فإننا سننتصر " أتعرفين لماذا ؟ شرحت له جميع الأسباب بما فيها السبب السياسي .
فالأكراد ( في عام 1974 ) كانوا يعلقون الآمال على خلافاتنا مع شاه إيران . وكان سبب النزاع مع إيران هو مطالبها في شط العرب . ولم نكن على استعداد للقيام بتنازلات . لكن لو أجبرنا على الاختيار بين نصف شط العرب وبين العراق كله فإننا نتنازل عن شط العرب للحفاظ على العراق كما نريده .
" ونحن نأمل أن لا تدفعوا الأحداث إلى الحد الذي نجد فيه أنفسنا مضطرين إلى تذكر الاختيار الذي اضطررنا له في علاقاتنا مع إيران . وبعد اجتماعنا مع ابن البرازاني تنازلنا عن نصف شط العرب ( بموجب اتفاق الجزائر عام 1975 ) . وتوفي البرازاني ودفن خارج العراق وخسر الحرب .

ثم توجه صدام بحديثه إلى السفيرة وقال :

" نأمل في أن لا ندفع إلى هذا . فكل ما يقف في طريق علاقاتنا مع إيران هو شط العرب . فإذا كان علينا أن نختار بين شط العرب والعيش بكرامة فإننا سنفاوض معتمدين على الحكمة التي أظهرناها عام 1975 . وكما أن البرازاني أضاع الفرصة التاريخية فسوف يضيع الآخرون فرصتهم .

ختم صدام السرد التاريخي بقوله بدون مجاملة :

" وفيما يختص بالرئيس بوش آمل أن يقرأ هذا بنفسه وأن لا يترك في أيدي إحدى عصابات وزارة الخارجية التي استثني منها وزير الخارجية وكيلي لأنني أعرفه وتبادلت الرأي معه .

وأخيرا استطاعت غلاسبي أن تجيب فقالت :

" أشكرك أيها السيد الرئيس ، إنه يسر أي دبلوماسي أن يجتمع بك ويتحدث معك . إنني أفهم رسالتك بوضوح . لقد درسنا التاريخ وعلمونا أن نقول : " الحرية أو الموت " ." أعتقد انك تعلم جيداً أننا شعب كانت لنا تجربتنا مع المستعمرين .

" يا سيدي الرئيس ، ذكرت خلال هذا الاجتماع أشياء كثيرة لا أستطيع التعليق عليها نيابة عن حكومتي . لكن إذا سمحت فسوف أعلق على نقطتين . لقد تحدثت عن الصداقة ، وأعتقد أنه اتضح من الرسائل التي بعثها رئيسنا أنه بمناسبة اليوم الوطني يؤكد .

فقاطعها الرئيس قائلا: " لقد كان لطيفا وظفرت كلماته بتقديرنا واحترمنا . " فقالت غلاسبي : " كما تعلمون فإنه طلب من الإدارة الأميركية رفض اقتراح تطبيق العقوبات التجارية ."

فقال صدام وهو يبتسم : " لم يعد في أميركا ما يمكننا شراؤه سوى القمح . فكلما أردنا شراء شيء آخر قالوا لنا إن بيعه محظور عليهم . وأخشى أن تقولوا لي يوما : " إنكم ستصنعون البارود من القمح " .

فسارعت غلاسبي إلى طمأنته بقولها : لدي تعليمات مباشرة من الرئيس الأميركي تقضي بالسعي إلى إقامة علاقات أفضل مع العراق . " وهنا تساءل صدام حسين : " لكن كيف ؟ ونحن أيضا راغبون في ذلك لكن الأمور تجري على نحو يناقض رغبتنا

" فأجابت غلاسبي بقولها :
" كلما واصلنا المحادثات كلما قل احتمال حدوث ذلك . فمثلا أشرتم إلى قضية المقال الذي نشرته وكالة الإعلام الأميركية . لقد كان الأمر محزنا وقدُمّ لكم اعتذار رسمي بشأنه " .

ومال صدام نحوها بطريقة ساحرة وقال : " كان موقفكم كريما . ونحن عرب يكفينا أن يقول لنا أحدهم : ( آسف . لقد أخطأت) وتعود الأمور إلى مجاريها . لكن الحملة الإعلامية استمرت وحفلت بكثرة من القصص . ولو كانت هذه القصص صحيحة لما أغضبت أحدا . لكن ما نستخلصه من استمرارها هو أن هناك تصميم على ( إفساد علاقاتنا ) . ووافقت غلاسبي على ما قاله ومضت تقول :

" شاهدت بنفسي برنامج ديان سواير على قناة ( أي بي سي ) وما حدث فيه رديء ويفتقر إلى الموضوعية . إنه صورة حقيقية لما يحدث في الاعلام الأميركي حتى السياسيين الأميركيين أنفسهم . تلك هي أساليب الإعلام الغربي . ويسرني أنكم تضمّون صوتكم إلى أصوات الدبلوماسيين الذين يواجهون وسائل الإعلام بشجاعة . إن ظهوركم ولو لدقائق قليلة في وسائل الاعلام يساعد على فهم الشعب الأميركي للعراق ، ويعزز التفاهم المتبادل ولو كان الرئيس الأميركي يملك رقابة على الاعلام لكان عمله أسهل .

" إن الرئيس بوش يا سيدي لا يريد إقامة علاقات أفضل وأعمق معكم فحسب ، بل وإسهامكم في السلام والرخاء في الشرق الأوسط . والرئيس بوش رجل ذكي . ولن يقوم بإعلان حرب اقتصادية على العراق .
" ما تقوله صحيح . وأنت مصيب في قولك إننا لا نريد أسعارا أعلى للنفط . لكنني اطلب منك أن تنظر في إمكان عدم تقاضي أسعار باهظة للنفط " .

فقال الرئيس صدام بلهجة ودية :

" لا نريد أسعارا عالية جدا . ودعيني أذكرك بأنني في عام 1974 أوحيت لطارق عزيز بفكرة المقال الذي كتبه منتقدا سياسة الإبقاء على أسعار النفط المرتفعة . وكان أول مقال عربي يعبر عن ذلك الرأي " .

ودخل طارق عزيز لأول مرة وقال : " إن سياستنا في منظمة الأوبك تعارض في القفز المفاجئ للأسعار " . فقال الرئيس :
" إن 25 دولار للبرميل ليس بالسعر المرتفع " .

فقالت السفيرة :

" لدينا كثرة من الأميركيين الذين يريدون سعرا أعلى لأنهم من المناطق التي تنتج النفط " .

وكان هذا هو الضوء الأخضر الثاني الذي جعل صدام حسين يعتقد أن السفيرة ، ومن خلالها الرئيس بوش ، يوافقان على طلبه رفع الأسعار .

فقال صدام :

(كان السعر في إحدى المراحل 12 دولارا للبرميل الواحد . وتخفيض الميزانية العراقية بمقدار 6 ـ 7 كارثة )

فأجابت السفيرة :

( أعتقد أنني أفهم هذا . لقد عشت هنا سنوات . وأنا معجبة بجهودكم الخارقة لبناء بلادكم . أعرف أنكم بحاجة إلى الأموال . إننا نفهم ذلك . ورأينا هو أنه ينبغي إتاحة الفرصة لكم لاعادة بناء بلادكم . لكن ليس لنا رأي في نزاعات العرب فيما بينهم مثل نزاعكم مع الكويت حول الحدود.

" كنت في السفارة الأميركية بالكويت في أواخر الستينات . وكانت تعليماتي تقضي بعدم إبداء الرأي في هذه القضية التي لا شأن لنا فيها . لقد أصدر جيمس بيكر أمرا إلى الناطق الرسمي للتأكيد على ذلك . إننا نأمل في أن تحلوا القضية بالوسائل المناسبة عبر ألقليبي أو الرئيس مبارك . وكل ما نرجوه هو حلول سريعة لهذه القضايا " .

( وهذا ضوء أخضر آخر فيما يتعلق بالخلافات حول الحدود مع الكويت ) .

وأضافت غلاسبي :

" هل لي يا سيادة الرئيس أن أتحدث عن صورة هذا كله في أذهاننا ؟

" في تقديري ـ بعد خمس وعشرين سنة من الخدمة في هذه المنطقة ـ أنه ينبغي أن تظفر أهدافكم بتأييد إخوانكم العرب . وأنا الآن أتحدث عن النفط . لكنك يا سيادة الرئيس خضت حربا مريرة مؤلمة . وأقول بصراحة إنني الآن لا أرى سوى قواتكم المحتشدة في الجنوب . وذلك في الأحوال العادية ليس من شأننا . لكن عندما يحدث هذا في إطار ما قلته في عيدكم الوطني ، وعندما نقرأ التفصيلات الواردة في رسالتين من الإمارات والكويت هي بعد التحليل الدقيق بمثابة عدوان عسكري على العراق ـ عندما نقرأ هذا لا بد وأن يساورنا القلق . ولهذا السبب تلقيت تعليمات تطلب مني أن أسألكم بروح من الصداقة لا بروح من المواجهة عن نواياكم .
" إنني في هذا لا أعدو وصف قلق حكومتي . ولا أعني أن الوضع سهل لكن قلقنا مجرد قلق " .

فقال صدام :

" نحن لا نطلب من الناس أن لا يشعروا بالقلق عندما يكون السلام على المحك . فذلك شعور إنساني نبيل نشعر جميعا به . ومن الطبيعي أنكم بوصفكم قوة كبرى أن تشعروا بذلك . لكن ما نطلبه هو أن لا تعبروا عن قلقكم على نحو يمكن أن يحمل المعتدي على الاعتقاد بأن عدوانه يظفر بالتأييد .

" نريد التوصل إلى حل يضمن لنا حقوقنا ولا يحرم الآخرين من حقوقهم . وفي الوقت ذاته نريد من الآخرين أن يعلموا أن لصبرنا حدودا فيما يتعلق بأعمالهم التي تضر بحليب أطفالنا ومعاشات الأرامل اللواتي فقدن أزواجهن خلال الحرب ، ومعاشات اليتامى الذين فقدوا والديهم .

" نحن كدولة لنا الحق في الازدهار . لقد أضعنا فرصا كثيرة بسبب الحرب ، وعلى الآخرين أن يقدروا دورنا في حمايتهم . وحتى هذا العراقي ( وأشار صدام إلى المترجم ) يشعر بالمرارة كسائر العراقيين . لسنا معتدين ولا نقبل العدوان . لقد أرسلنا مبعوثين ورسائل مكتوبة . وفعلنا كل ما بوسعنا عمله فطلبنا من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد أن يعقد مؤتمر رباعية . لكن الملك اقترح اجتماعا لوزراء البترول . وقبلنا . وجرى الاجتماع في جدة كما تعلمين . وتوصل المجتمعون إلى قرارات لا تعبر عما أردناه . ومع ذلك قبلناها .

" وبعد الاجتماع بيومين فقط أصدر وزير النفط الكويتي تصريحا يناقض الاتفاق . وبحثنا المسألة خلال قمة بغداد . وأخبرت الملوك والرؤساء بأن بين إخواننا من يشنون علينا حربا اقتصادية وأن بعض الحروب لا تستخدم فيها الأسلحة وأننا نعتبر هذا النوع من الحرب عملا عسكريا موجها ضدنا . فإذا ضعفت قدرة جيشنا ، وإذا عادت إيران إلى الحرب فإنها قد تحقق الأهداف التي عجزت عن تحقيقها في الماضي . ثم إن ضعف قدراتنا الدفاعية قد يشجع إسرائيل على مهاجمتنا . قلت هذا أمام الملك والرؤساء العرب ولم أذكر اسمي الإمارات والكويت لأنهما كانا في ضيافتنا.

" وكنت قبل ذلك قد أرسلت مبعوثين لتذكيرهم بأن حربنا ضد إيران اشتملت على الدفاع عنهم . وعليه فإنه ينبغي عليهم أن لا يعتبروا الأموال التي قدموها لنا ديونا . لقد فعلنا أكثر مما كانت الولايات المتحدة ستفعله مع من يهاجم مصالحها .
" وتحدثت عن هذه المسألة مع عدد من الدول العربية الأخرى وشرحت الوضع لأخي الملك فهد عدة مرات عبر المبعوثين والهاتف . وتحدثت مع أخي الملك حسين ومع الشيخ زايد بعد مؤتمر القمة . ورافقت الشيخ زايد إلى الطائرة عندما كان في الموصل ، فقال لي : " انتظر حتى أصل إلى بلادي " . لكن ما حدث بعد وصوله هو صدور تصريحات في غاية السوء لا عنه وإنما عن وزير نفطه.

" وبعد اتفاق جدة بلغنا أنهم يتحدثون عن الالتزام بالاتفاق لمدة شهرين فقط يقومون بعدها بتغيير سياستهم . والآن قولي لنا : ماذا كان سيفعل الرئيس الأميركي لو وجد نفسه في موقف كهذا . لقد ذكرت أنه كان من الصعب على أن أتحدث عن هذه القضايا علنا . لكن علينا أن نخبر الشعب العراقي الذي يواجه المصاعب الاقتصادية عن المسئول عن ذلك ."

وإزاء هذه الكلمات القاسية فضلت غلاسبي تغيير الموضوع فقالت : " لقد قضيت أربعة أيام في مصر .

" فقال صدام :

" الشعب المصري لطيف وطيب وعريق .ويفترض في دول النفط أن تساعده لكنهم لؤماء إلى حد لا يتصوره المرء . ومن المؤلم الاعتراف بذلك . والعرب يكرهون بعضهم بسبب جشعهم .

" فقالت السفيرة :

" إنك تساعدنا يا سيدي الرئيس لو شرحت لنا تقديرك للجهود التي بذلها إخوانك العرب وما حققته "

. فقال الرئيس "

" فيما يتعلق بهذا الموضوع اتفقنا مع الرئيس مبارك على قيام رئيس وزراء الكويت بالاجتماع مع نائب رئيس مجلس قيادة الثورة في السعودية لأن السعوديين بادروا إلى الاتصال بنا بفضل جهود الرئيس مبارك . وقد اتصل مبارك بي قبل قليل وأبلغني موافقة الكويتيين على الاقتراح .

" فقالت السفيرة بارتياح " تهانينا ! "

فواصل صدام كلامه قائلا :

" سوف يعقد اجتماع بروتوكولي في السعودية ، ثم ينتقل المجتمعون إلى بغداد لإجراء مناقشات أعمق بين الكويت والعراق مباشرة . ونأمل في أن يتغلب بعد النظر والحرص على المصالح الحقيقية على جشع الكويتيين .

فسألته السفيرة :

هل لي أن أسألك متى تتوقع أن يصل الشيخ سعد إلى بغداد ؟
فأجاب الرئيس :

أعتقد أنه سيصل يوم السبت أو الاثنين على أبعد تقدير ( 28 أو 30 ) تموز وقد أبلغت الأخ مبارك أن الاتفاق سيتم في بغداد يوم السبت أو الأحد . وأنت تعرفين أن زيارات مبارك كانت دائما تبشر بالخير.

" فقالت السفيرة "

هذه أخبار جيدة ، تهانينا "

يتبع >
[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 13-03-2007 الساعة 04:00 PM
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 09-03-2007, 07:29 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

وهنا توقف صدام حسين عن اللعب بأوراقه وقال :

" ابلغني أخي مبارك أنهم ( الكويتيين ) في خوف شديد . وقالوا إن القوات العسكرية على بعد عشرين كيلو مترا فقط من خط الجامعة العربية ( الحدود ) . فقلت للرئيس المصري إنه بغض النظر عمن هناك وسواء ، أكانوا من البوليس أم حرس الحدود أم الجيش ، وبغض النظر عن عددهم وعما يفعلونه يمكنك أن تطمئن الكويتيين وأن تعدهم بالنيابة عنا بأننا لن نفعل شيئا إلى أن نجتمع بهم . فإذا وجدنا عندما نجتمع بهم أن هناك أملا فلن يحدث شيئا . ولكن إذا تعذر التوصل إلى حل فسيكون من الطبيعي أن لا يقبل العراق بالموت حتى ولو كانت الحكمة فوق كل شيء وهذه أخبار جيدة "

فقال طارق عزيز : هذا للصحافة وحدها ."

على أن كل ما بقي في ذهن غلاسبي من المقابلة هو هذه الخاتمة المتفائلة ونسيت التهديدات والإنذارات التي أطلقها صدام حسين خلال حديثه . واستأذنت السفيرة بعد أن طمأنت الرئيس العراقي مرة أخرى إلى أن رسالته ستصل إلى الشخص الموجهة إليه .

قالت :

" أعتزم الذهاب إلى الولايات المتحدة يوم الاثنين القادم ( 30 تموز ) . وآمل أن اجتمع مع الرئيس بوش في واشنطن خلال الأسبوع القادم . وقد خطر ببالي أن أؤجل سفري بسبب المصاعب التي تواجهنا . وعليه فإنني سأسافر يوم الاثنين ."

وأخيرا تبادلت هي وصدام التحيات والتمنيات .

أمضى الشاذلي ألقليبي 48 ساعة في الكويت بانتظار وصول وزير الخارجية السعودي لإبلاغه ما جرى في اجتماعاته ببغداد لكنه تركها وهو يشعر بالإحباط لأن الوزير لم يظهر . وعندما انتهت مقابلة غلاسبي للرئيس صدام توجه طارق عزيز بعد أن حضر المقابلة إلى فندق الرشيد لتناول الغداء مع ألقليبي الذي كان قد وصل إلى بغداد في ذلك اليوم . وفيما كان عزيز ينفث دخان سيجاره ويشرب كأسا من الويسكي واصل التصلب الذي أظهره في 17 تموز عندما سلمه المذكرة.

تحدث عزيز عن المؤامرات التي ضد العراق وقال بأن الولايات المتحدة ضالعة فيها . وقال : " إن عدالة موقف العراق شيء مؤكد " ، وأضاف بأن على الأسرة الحاكمة في الكويت أن ترحل وأنهم يسرقون النفط ويحاولون تدمير الشعب العراقي .

كان ألقليبي قد سمع حسني مبارك يقول للكويتيين والأميركيين بأن صدام حسين قال له لن يكون هناك غزو للكويت .

فسأل ألقليبي طارق عزيز : " ماذا قال صدام حسين لمبارك ؟ "

أجابه عزيز وهو ينفث دخان سيجاره : " لا أعرف ما الذي قاله له . لكن ما أعرفه هو أن كل شيء يعتمد على اجتماع جدة في 31 يوليو مع الكويتيين . فكل شيء يتوقف عليه . "
وفي مساء ذلك اليوم توجه ألقليبي إلى الكويت لإبلاغ الأمير .

في 26 تموز وهو اليوم الذي اكتشفت فيه المخابرات احتشاد أكثر من 000 ,30 جندي عراقي على حدود الكويت قام ألقليبي بإبلاغ أمير الكويت وولي العهد ووزير الخارجية الكويتيين ما جرى في اجتماعه ببغداد . فساور القلق الزعماء الكويتيين ولكنهم ظلوا مقتنعين بأن الغزو لن يقع . وذكر ألقليبي اجتماع القمة بجدة في 31 يوليو . فقيل له بأن السعوديين والمصريين سوف يعملون على إنجاحه .

لكن ما لم يعرفه ألقليبي خلال وجوده في هذه الاجتماعات هو أن الأمير تلقى في اليوم ذاته رسالة هامة من الملك فهد يرحب هذا فيها بحضوره إلى جدة في 31 يوليو للمشاركة في مؤتمر جدة . وجاء فيها :

" في الوقت الذي أتطلع فيه إلى هذا الاجتماع الأخوي أود أن أقول بأنني على يقين تام من أن حكمتكم وبعد نظركم سوف يحققان أهدافنا بمشيئة الله ويرسخان الحب والتفاهم بين الدولتين الشقيقتين ."

ومن الواضح أن الملك قصد التأكيد للأمير على أهمية توصله في مؤتمر الكويت إلى اتفاق مع العراق . لكن الأمير كان قد قرر عدم حضور المؤتمر مما أغضب صدام حسين فيما بعد . ودون ملاحظة على رسالة الملك فهد إليه يطلب فيها من أخيه الشيخ سعد ولي العهد أن يمثله في ذلك المؤتمر . وورد في الملاحظة قوله :

" ينبغي أن نحضر الاجتماع وفقا للشروط السابقة . ومن المهم أن لا ننسى مصالحنا ، وعليه فلا تأبه لما قد يقوله لك السعوديون والعراقيون عن الأخوة والحفاظ على التضامن العربي فلكل طرف مصالح عليه أن يرعاها . إن السعوديين يريدون إضعافنا واستغلال تنازلاتنا للعراقيين وذلك لكي نقدم لهم تنازلات في المنطقة المنزوعة السلاح . أما العراقيون فيريدون تعويض خسائر الحرب من مواردنا . ولن نستجيب لمطالب أي منهما … وذلك أيضا هو موقف أصدقائنا في مصر وواشنطن ولندن . ونتمنى لك حظا سعيدا ."

وبعث الأمير برسالة إلى الملك فهد يشكره فيها على دعوته ويبلغه بأن أخاه سيمثله ويبدو فيها في غاية التفاؤل بقوله :

" دعني أشكرك وأثني على مجهودك الأخوي وحكمتك وبعد نظرك . ونحن على يقين من اجتماعنا برعايتكم ودعمكم سوف يؤدي بمشيئة الله إلى النتائج المرجوة والى التخلص من المصاعب والى المتبادلة والحب للجميع . "

وكانت الرسالتان والملاحظة لولي العهد مؤشرات هامة على أن قمة جدة لن تنجح .

وفي 27 تموز أرسلت وكالة المخابرات المركزية الأبيض صورا جوية لحشود متزايدة من الرجال والعتاد . فبادرت واشنطن إلى تحذير الكويت ومصر والسعودية . لكن ردود هذه الدول على التحذير أجمعت على استبعاد فكرة الغزو وتحدثت عن " ابتزاز عراقي " للحصول على جزيرتين كويتيتين في الخليج وعلى حقل نفط متنازع عليه . وشاركتهم الرأي وزارة الخارجية الأميركية ومجلس الأمن القومي .

وفي 18 يوليو أخذت تقارير وكالة الاستخبارات المركزية تبدو أكثر دقة وتنذر بالمزيد من الخطر . إذ ذكرت أن الرئيس العراقي أنشأ خطوط إمداد واسعة لقواته العسكرية المتمركزة على الحدود ، كما أشارت بوجه خاص إلى العدد الكبير من الشاحنات الذي يوفر الدعم اللوجستي . وكان وليم وبستر مدير الوكالة مقتنعا بأن مثل ذلك الدعم اللوجستي ضروري إذا كان الغرض من العملية مجرد الترهيب .

وأخذت وكالة الاستخبارات تتلقى معلومات جديدة في كل ساعة تقريبا . وكان مصدر اكثر هذه المعلومات هو من وكالة الأمن القومي .
كانت هذه الوكالة التي تفوق وكالة الاستخبارات كثيرا في حجمها وميزانيتها أكبر وأحدث مركز للمعلومات في العالم . وهي تقوم في " فورت ميد " بالقرب من واشنطن وتتألف ، كالدماغ البشري ، من منطقتين : منطقة اليمين المسماة " كاريبون " ومنطقة اليسار " لودستون " . وكانت لديها أجهزة كومبيوتر ضخمة قادرة على استيعاب 200 مليون كلمة في الثانية أي ما يعادل 2500 من الكتب التي يحوي كل واحد منها 300 صفحة . وبفضل مراكز التصنّت التابعة لها والموزعة في أرجاء العالم وأقمار تجسسها ، كانت قادرة على التقاط الأحاديث السرّية وعلى تحديد تحركات الفرق العسكرية ، مهما صغرت ، في كل نقطة من الأرض . وهي بفضل محلليها ورياضييها ومترجمي رموزها ، وكلهم من أفضل الجامعيين الأميركيين ، تستطيع حتى معرفة دقائق حديث يجري في غرفة مقفلة وذلك بقياس الكتروني لذبذبات زجاج النوافذ بواسطة أشعة غير مرئية .

في 28 تموز نفسه ، قابل ياسر عرفات صدام حسين الذي طلب منه الذهاب إلى الكويت وقال له : " تحدث مع الأمير وأبلغه أنه إذا دفع عشرة مليارات دولار مقابل استثماره حقل الرميلة النفطي على الحدود ، فسوف اسحب بعض قواتي " .

ولم يقل صدام حسين لعرفات بأنه لا يعتزم غزو الكويت .

وفي 29 تموز وصل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية إلى الكويت . واضطر إلى انتظار ساعات طويلة قبل مقابلته الأمير . وما أن بدأ عرفات بعرض الاقتراح العراقي حتى قاطعه الأمير جابر بفظاظة : " لا أريد النقاش في هذا الموضوع . فخلال ثمانية وأربعين ساعة سأكون في طريقي إلى جدة لعقد قمة مع العراق ولنتكلم بدلا من ذلك عن الهجرة اليهودية السوفييتية إلى إسرائيل ".

كان الاحتقار والجفاء يطغيان على لهجة الأمير . وبالرغم من المهانة التي شعر بها عرفات فإنه لم يستطع أن يقول شيئا . فالكويت كانت الممّول الرئيسي لمنظمة التحرير الفلسطينية .

وعند نهاية الاجتماع حاول عرفات العودة إلى الاقتراح العراقي ولكن الأمير قاطعه من جديد : " قلت لك بوضوح ، لا أريد الخوض في الموضوع " .

"عليكم دفع مبلغ عشرة مليارات دولار . فالعراقيون خطرون . وأنت تعلم أنني أنا من الكويت وعشت فيها عدة سنوات . حاولوا أن تحلوا المشكلة . " فأجاب الأمير سعد : " أنا ذاهب إلى جدة .

" فقال عرفات :

" لا تذهب خالي الوفاض . اقترح حلاً . " فأتى الأمير بحركة تدل على الضجر وقال : " القرار الأخير للأسف ليس بأيدينا " . وكان من الواضح أنه في غاية القلق بسبب تطور الأحداث على ذلك النحو .

فسأله عرفات : " هل أنتم مستعدون لمجابهة عسكرية " . فهز سعد رأسه وقال :

" لا لسنا أقوياء كالعراق . ونحن لا ننوي القتال " .

وبحلول 30 تموز صار بمقدور وكالة الاستخبارات المركزية تكوين صورة تقديرية واضحة للحشود العراقية قرب الحدود الكويتية : 000 , 100 ( مئة ألف ) جندي عراقي بينهم قوات النخبة التابعة للحرس الجمهوري ، 300 دبابة و 300 مدفع ثقيل . وكانت واشنطن لا تزال تلتزم الصمت .

ولم يقطع حبل الصمت إلا عندما دخل جون كيلي في اليوم التالي مبنى الكابيتول ليدلي بشهادته أمام لجنة الشرق الأوسط الفرعية التابعة لمجلس النواب . وبعد أن أدلى بها أجاب بهدوء على الأسئلة التي وجهت إليه وخصوصا أسئلة النائب لي هاملتون الذي قال :

" ورد في الصحف تصريح لوزير الدفاع ريتشارد تشيني يقول فيه إن الولايات المتحدة ملتزمة بالدفاع عن الكويت إذا هوجمت . فهل هذا هو ما صرح به ؟ هل يتفضل السيد كيلي بتوضيح هذا الأمر ؟ " فرد كيلي بقوله :

" لا أعرف التصريح الذي تشير إليه . ولكنني واثق من موقف الحكومة من هذه القضية . ليست هناك معاهدة بيننا وبين دول الخليج . هذا واضح . ونحن ندعم استقلال وأمن جميع الدول الصديقة في المنطقة . ولنا قوات بحرية في المنطقة منذ عهد إدارة ترومان وذلك لأن استقرارها يخدم مصالحنا . ونحن ندعو إلى حل سلمي لجميع النزاعات ونعتقد بوجوب احترام سيادة كل دولة في الخليج " .

فقال لي هاملتون :

" وماذا سيكون موقفنا من استخدام القوات الأميركية إذا تجاوز العراق مثلا الحدود الكويتية ؟

فرد كيلي بقوله :

" هذا سؤال افتراضي لا أستطيع التعرض له . واكتفي بالقول بأن هذا سيكون موضع اهتمامنا الشديد ولكني لا أستطيع الخوض في ميادين الافتراض " .

فسأله لي هاملتون :

" لكن إذا حدث شيء من هذا فهل يكون موقفنا صحيحا إذا قلنا بأنه لا توجد معاهدة أو التزام يوجب استخدام القوات الأميركية ؟ " فأجاب كيلي :
" هذا صحيح تماما " .

وأذاعت محطة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) تصريحات كيلي وسُمعت في بغداد . وعليه ففي هذا الوقت الحرج وعندما السلم والحرب في الميزان أرسل كيلي إشارة إلى صدام يمكن اعتبارها تعهدا بعدم تدخل الولايات المتحدة .

ولا يوجد في تاريخ الدبلوماسية الأميركية الحديث سوى خطأ واحد في الحسابات مثل هذا وذلك عندما قال دين أتشيسون وزير الخارجية للكونجرس عام 1950 بأن " كوريا الجنوبية ليست في مجال الدفاع الأميركي . " وفي أعقاب ذلك قامت كرويا الشمالية بغزو كوريا الجنوبية .

وفي اليوم ذاته غادر ثلاثة من المسئولين العراقيين بغداد إلى جدة للاجتماع بالوفد الكويتي ومواصلة المفاوضات . وكان هذا الاجتماع آخر خيط رفيع يربط العالم " بمنطق السلم " وكان هذا الخيط على وشك الانقطاع . وقبل موعد الاجتماع بثلاث ساعات فقط أعلن أمير الكويت بأنه لن يحضره وأن ولي العهد سوف يمثله فيه .

وكان لهذا النبأ وقع " الإهانة القاتلة " على صدام حسين ، وقرر هو الآخر عدم الذهاب إلى جدة وإرسال عزت إبراهيم الرجل الثاني في حزب البعث .

الفصل الخامس
(( إنها البداية فقط ))


كان مؤتمر جدة حدثا مضطربا مأساويا أدى إلى الحرب لأنه لم يكن بمقدور أحد أن يتجنبها . كما أنه لم يكن لدى أحد رغبة في ذلك .
واجتمع الوفدان في غرفة بمركز المؤتمرات الحديث في العاصمة السعودية في الساعة السادسة من مساء 31 تموز .
وضم الوفد الكويتي الشيخ سعد ولي العهد ورئيس الوزراء ووزير العدل الذي كان قد أظهر حكمة وبعد نظر في خطابه في اجتماع مجلس الوزراء قبل ذلك بثلاثة عشر يوما .
وضم الوفد العراقي بالإضافة إلى عزت إبراهيم ـ نائب رئيس مجلس قيادة الثورة والرجل الثاني في حزب البعث ـ سعدون حمادي رئيس الوزراء ، وعلي حسن المجيد ابن عم صدام حسين الذي سوف يُعين بعد ذلك بأسابيع قليلة حاكما للكويت .
وبقي الكويتيون والعراقيون في جدة حتى اليوم التالي أي الأول من أغسطس ، لكن المفاوضات الحقيقية لم تدم على أكثر تقدير أكثر من ساعة ونصف من السادسة إلى السابعة والنصف من مساء اليوم الأول ورفعت الجلسة بعد ذلك وذهب المشاركون إلى الجامع للصلاة .
وحيا الأمير عبد الله ولي العهد السعودي الوفدين لكن لم يكد يبدأ الاجتماع حتى غادر القاعة .

بدأ العراقيون بالكلام فتلا عزت إبراهيم بياناً مُعدا كرر فيه الاتهامات العراقية للكويت واحدا تلو الآخر . لكن بيانه خلا من أي اتهام محدد . وقرأه ببطء وعناية شديدة وبدون أن يزيد عليه كلمة واحدة . وجاءت لغته غريبة تتخللها التعابير الدينية . وقال أحد الكويتيين ممن حضروا الاجتماع : " لقد ولد لدينا شعورا غريبا . ان عليه مسحة من التزمت بدا معها وكأنه موعظة في أحد الجوامع. "

أحدثت هذه المقدمة في البداية ارتباطا لدى الكويتيين . لكن ما لبث الشيخ سعد ولي العهد أن أخذ يفند بهدوء المظالم العراقية واحدة بعد أخرى . وبالرغم من أن الجو لم يكن قد توتر كثيراً فان احتمال فشل المؤتمر بدا واضحا للجانبين .
قال سعدون حمادي : " إن هذا الاجتماع الذي علقنا عليه الآمال الكبيرة تكشف عن خيبة أمل شديدة . لقد اعتبرناه فرصتنا الأخيرة ، وتوقعنا أن يحمل لنا الكويتيون مشروع حل . كنا على اتصال بهم وشرحنا لهم كل شيء بوضوح . ولكن لم يكن لديهم أي شيء ملموس يعرضونه . ولم يخرج ما كان لديهم من حجج يدافعون بها عن أنفسهم وادعاءات ببطلان اتهاماتنا لهم " .

وقال الشيخ سعد ولي العهد الكويتي : " دار النقاش حول البترول . وقال العراقيون أيضا بأن الكويتيين بدأوا بوضع قوات من الشرطة داخل الأراضي العراقية، وأن الكويت قد غيرت سياستها وأن سياستها الجديدة تعرض مستقبل الإمارة للخطر وردت على جميع الملاحظات والأسئلة بطريقة مباشرة " .

في إحدى مراحل الاجتماع انتقل المفاوضان الرئيسان إلى غرفة جانبية وتحدثا لمدة 10 دقائق . ثم سأل عزت إبراهيم ، رئيس الوفد العراقي الأمير سعد : " ما رأيكم بدعوة أعضاء الوفدين كي يسمعوا ما عندكم ؟ " فوافق رئيس الوفد الكويتي . وقد بدا الجو غير العدائي السائد متناقضا مع خطورة المواضيع المطروحة .

بدأ الجو بالتوتر عند طرح الأمور المالية . وبالرغم من نفي الفريقين ، فإن الأمور المالية كانت موضع نقاش حاد طويل .

طلب عزت إبراهيم مبلغ 10 مليارات دولار ، وعلى شكل قرض إن استحال تقديمها كهبة . وبعد أخذ ورد وافق ولي العهد على تقديم قرض بمبلغ تسعة بلايين دولار . وأحسّ العراقيون بأن المقصود من إنقاص المبلغ ملياراً واحدا هو محاولة مقصودة لإذلالهم ، فأجابه عزت إبراهيم بقوله : " لا لست مخولا من قبل الرئيس صدام حسين بقبول أقل من 10 بلايين دولار " .

وبعد رفع الجلسة في السابعة والنصف وتأدية الصلاة ، عاد الوفد الكويتي إلى الفندق بانتظار حفل العشاء الذي يقيمه الملك فهد .

يقول عبد الله بشارة أمين سر مجلس التعاون الخليجي الذي حضر المناقشات : " اقترحنا على ولي العهد السعودي تقديم اقتراح يتفق بموجبه الطرفان على النقاط الأربع التالية :

- وقف جميع الدعايات العدائية في وسائل الاعلام وخاصة العراقية ؛
- انسحاب القوات المرابطة على الحدود بين البلدين ،
- اعتماد إجراءات كفيلة بزرع الثقة المتبادلة بين البلدين بواسطة الحوار والزيارات … الخ ، وهذا هو الأهم سياسيا ،
- وأخيرا التوصل إلى اتفاق حول الاجتماع المقبل " .
-
وهكذا تقرر مواصلة المفاوضات في بغداد ، الأمر الذي رسّخ اعتقاد الكويتيين بأن العراقيين لن ينفذوا أيا من تهديداتهم . والواقع أننا إذا أخذنا بعين الاعتبار خطورة الوضع والقلق الدولي المتزايد وجدنا أن النقاط الأربع التي وافق الوفد الكويتي لا تخلو من مسحة خيالية .

وكانت ردود فعل أسواق النفط العالمية على الحشود العراقية على الحدود الكويتية قد بدأت تظهر . ففي ذلك اليوم الذي كان الوفدان يستعدان فيه لمغادرة القصر الملكي السعودي حيث كان الملك فهد في انتظارهم ، ارتفع سعر برميل النفط 45 سنتا وبلغ سعر نفط برنت حوالي عشرين دولاراً.

بدأ تقديم العشاء في التاسعة والنصف . وحضر الملك فهد ومعه الملك حسين الذي كان قد وصل قبل بضع ساعات . وجلس الملك وعلى يمينه ولي العهد الكويتي وعلى شماله عزت إبراهيم . وأحيط الملك فهد قبل جلوسه إلى المائدة علما بمجرى المفاوضات وخصوصا برفض الكويتيين رفع مبلغ القرض من تسعة إلى عشرة بلايين دولار . وساد المكان جو ثقيل حاول الملك فهد جهده أن يخفف من وطأته بالحديث عن مباهج تربية الخيول الأصيلة وتوالدها . لكن تبادل الحديث انقطع . وظل الملك يتحدث وكأنه يتحدث مع نفسه ـ إذ لاذ العراقيون بالصمت وخيم على الكويتيين جو من الكآبة وتشتت الفكر ـ وكان الفريقان يحاولان إخفاء شعورهما بخيبة الأمل بالرغم من أن أحد المفاوضين الكويتيين ادعى فيما بعد بأن العراقيين كانوا في قرارة نفوسهم مسرورين ـ قال : " كانوا على وشك الانتهاء من اجتماع انتهى إلى الجمود . وهذا بالضبط ما كانوا يريدونه " .
وقبيل انتهاء المأدبة التفت الملك فهد إلى ضيوفه وعلى شفتيه ابتسامة عريضة وأعلن أن السعودية ستدفع البليون دولار المختلف عليه ـ " كهدية من بلادي للعراق وبدون أية شروط " .

فشكره العراقيون بحرارة . وبعد قليل انسحب إلى داخل القصر . ولا بد أنه ظن أن مبادرته كافية لتنفيس الاحتقان لدى الوفدين . وكان هذا أيضا تقدير الملك حسين الذي نهض أيضا وترك الكويتيين والعراقيين وحدهم .

فقال الشيخ سعد لعزت إبراهيم : " قبل أن نضع التفاصيل المتعلقة بالقرض علينا أن نطرح للبحث مسألة أخرى . علينا أن نرسم بالضبط الحدود بين البلدين ـ ويمكننا أن نقوم بذلك الآن وفي هذا الاجتماع . ومن ثم يكون المبلغ بين أيديكم " . فاستولى الغضب على عزت إبراهيم واتهم الكويتيين بسوء النية وسأل ولي العهد الكويتي : " لماذا لم تطرحوا مسألة الحدود في بداية الاجتماع ؟ " .
وجاء جواب ولي العهد الكويتي غريبا . قال : " لم تكن لدينا أوامر من الأمير بمعالجة هذه القضية عند بدء الاجتماع " .

فاشتدت حدة النقاش وقال ولي العهد الكويتي بأن الكويت تلقت تأكيدات من الحكومة البريطانية بأن العراق لن يهاجم . ولا ريب في أن عبارته هذه كانت مؤسفة واستفزازية ـ وقال له عزت إبراهيم : " إننا نعرف تماما كيف نحصل على المال الذي نحتاج إليه منكم ومن السعوديين ".

وعندما قال هذا كان هو وسعد يقفان أحدهما قبالة الآخر وهو يصيح غاضبا . فأجابه سعد : " لا تهددنا . فالكويت لها أصدقاء أقوياء جداً ( ومن المؤكد أنه كان يقصد الولايات المتحدة وبريطانيا ) . ولدينا حلفاء أيضا . وسوف تضطرون إلى تسديد ما عليكم من ديون لنا " .

كانت هذه التهديدات آخر ما صدر عن الطرفين . وافترق الوفدان بدون أن يتبادلا التحيات الرسمية وعادا إلى فندقيهما . وكانت الساعة قد تجاوزت الواحدة والنصف بعد منتصف الليل .

وفي العاشرة من صباح الأول من أغسطس وبينما كان سعدون حمادي في غرفته بالفندق تلقى مكالمة هاتفية من وزير خارجية الكويت الذي اقترح إصدار بيان مشترك ، وذكر النقاط التي يرى أن يشتمل عليها . وأصغى حمادي باهتمام . وفوجئ بعبارة وردت فيها وتشير إلى " إحراز تقدم " فقال بأن عليه أن يتصل برئيس وفده .

وذهب سعدون إلى غرفة عزت إبراهيم وأبلغه الاقتراح الكويتي . فقال عزت إبراهيم : " هذا ليس صحيحا . لم نستطع تسوية شيء . لا نستطيع أن نفعل ذلك " .

واتصل حمادي بالوزير الكويتي وأبلغه بأن لكل وفد أن يصدر بيانه ويصرح للصحافة بما يشاء .

وغادر الوفد الكويتي جدة في الساعة الرابعة بعد الظهر . وحال وصوله إلى الكويت توجه ولي العهد إلى مكتب الأمير بقصر بيان الذي شيد عام 1986 ليكون مقراً للمؤتمرات . وكان خلال رحلة العودة يبدو قلقا وقال لأعضاء الوفد : " إنني أرى في الأفق شبح الكارثة " .

في صباح الأول من أغسطس أيضا كان الشاذلي ألقليبي في القاهرة . وكان قد وصل إليها قبل ذلك بيومين للمشاركة في مؤتمر إسلامي يهدف إلى العودة إلى وحدة الصف العربي . وعندما أفاق في صباح ذلك اليوم قرأ في أخبار الصباح أن قمة جدة لم تسفر عن أي اتفاق . وكان قبل ذلك على يقين بأن الاجتماع سيسفر عن التوصل إلى اتفاق . فأقلقته الأخبار الواردة من السعودية . فرفع سماعة التلفون واتصل بالشيخ صباح وزير الخارجية الكويتية . فهدأ الشيخ صباح مخاوفه وقال له بأن اجتماع جدة لم يكن سوى اجتماع بروتوكولي وأنه سيكون هناك في الرابع من أغسطس اجتماع آخر ببغداد حيث ـ كما أضاف ـ سيجري التوصل إلى حل . وأعاد ألقليبي السماعة إلى مكانها وهو يشعر بتفاهة ما سمعه . فأجرى مكالمة ثانية مع الأمير عبد الله بالسعودية ، وسأله عما جرى في اليوم السابق . وجاء الجواب صريحا : " كان أصدقاؤنا العراقيون كالكويتيين في غاية التشدد . وما هذا سوى البداية . فلننتظر ما سيجري في بغداد " .

وغادر العراقيون السعودية بدون حتى وداع مضيفهم . تركوا جدة قبل الظهر . وبعد أن توقفوا قليلا في المدينة المنورة ( لأن سعدون حمادي كان شيعيا تقيا ) واصلوا رحلتهم ، فوصلوا بغداد في الرابعة بعد الظهر . وتوجه عزت إبراهيم على الفور للاجتماع بصدام حسين الذي كان ينتظره بفارغ الصبر وأطلعه على أسباب فشل الاجتماع بالتفصيل . فاستدعى صدام حسين أعضاء مجلس قيادة الثورة . وقبل مرور نصف ساعة كان قد اتخذ قرار غزو الكويت في تلك الليلة .

وفي اليوم ذاته ارتفع سعر البترول 60 سنتا ولم يسمع في العبدلي نقطة الحدود الوحيدة بين البلدين والتي تبعد 45 ميلا عن الكويت عن وقوع حوادث . وواصلت السيارات مرورها بشكل عادي .

وفي اسرائيل شاعت قصة مسلية عن خبير خطوط طلب منه أن يفحص خط صدام حسين لكن بدون أن يعرف أنه خطه . فقال بعد فحصه : " إن كاتب هذا بحاجة إلى مساعدة طبية نفسانية " . وحتى هذا الوقت لم يبد القلق على الإسرائيليين ولم يبدأوا بالتعبئة . ففي ذلك اليوم ذاته تزوج الميجر جنرال أمنون شاهاك رئيس المخابرات العسكرية . وفي حفل الاستقبال الذي أقيم سأله الصحفيون عما إذا كانت البلاد معرضة للغزو العراقي . فاعتبر السؤال مسليا وأجاب بالنفي . وبعد ذلك ببضع ساعات ذهب لقضاء شهر العسل .

وصل جيمس بيكر إلى اركوتسك ( في قلب سيبريا ) الساعة السابعة مساء ( حسب التوقيت المحلي ) لإجراء محادثات مع نظيره السوفييتي ادوارد شيفارنادزه . ولم يخطر ببال أي منهما أن هذه المدينة اللطيفة ذات الشوارع العريضة والأبنية الداكنة ستشهد أول اختبار حقيقي للعلاقة الأميركية السوفييتية الجديدة .

فقد صرح جورج بوش وميخائيل غورباتشوف في كثرة من المناسبات أن " عهدا جديدا قد بدأ " . ولم يخطر ببالهما أنها ستبدأ بهذه الطريقة المأساوية . وكانت أخبار ما يجري في الخليج تصل إلى بيكر على خط خاص يصله بواشنطن . فأخذ يشعر بأن الأمور تتخذ منحى خطيراً .

التقى بيكر بشيفارنادزه على عشاء خاص . ومنذ أصبح شيفارنادزه ذو الشعر الأبيض والابتسامة العريضة وزيراً للخارجية قبل ذلك بخمس سنوات أثبت أنه مفاوض رائع . هذا بالرغم من أنه لم يجر إعداده لهذا المنصب . إذ سبق له أن كان ضابطا في المخابرات الروسية (KGB ) ووزيرا للداخلية وزعيم جمهورية جورجيا حيث حكم بطريقة قمعية . وجلس الاثنان في المقعد الخلفي لسيارة زيل التي اخترقت شوارع اركوتسك والإعلام الأميركية ترفرف في وجه الرياح الباردة .


يتبع > [line]
[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 13-03-2007 الساعة 04:06 PM
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 10-03-2007, 03:41 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

أخذت الأحداث تتوالي بسرعة ، وبدأت الولايات المتحدة تنفض عن نفسها غبار الخمول وتولي تطور الأحداث اهتماما شديداً . وعقد اجتماع في وزارة الخارجية لمديري مختلف الوكالات المعنية ففشل مؤتمر جدة وحجم الحشود العراقية على الحدود أقنع المسئولين الأميركيين بان هدف صدام ليس مجرد الضغط على الكويت . وتلقى المجتمعون معلومات من وكالة المخابرات المركزية مفادها أن غزو الكويت صار وشيك الوقوع .

وفي البنتاغون عقد الجنرال كولن باول رئيس الأركان اجتماعا مغلقا مع كبار العسكريين في غرفة مجاورة لمقر القيادة العسكرية . وكانت الغرفة هي غرفة المؤتمرات المعروفة باسم ( المصفحة ) هي صومعة نظام الدفاع الأميركي المحصنة ضد أي محاولة للتصنت .
حتى 30 تموز لم يكن البنتاغون يعتبر الغزو العراقي أمرا محتمل الوقوع . فقد ذهب المحللون بأن العراق يفتقر إلى أربع أمور أساسية وهي : نظام للاتصالات ، ومدفعية ، وذخيرة ووسائل لوجستية ضرورية لدعم الهجوم . وبالرغم من توافر هذه العناصر في الأول من أغسطس فإنه لم يتنبأ أحد بالغزو . والواقع أن أحد الحاضرين ـ وهو الجنرال نورامان شوارز كوف ـ عاد إلى مقره في فلوريدا .

وفي تلك الأثناء دعا مضر بدران رئيس الوزراء الأردني إلى عقد جلسة مغلقة للبرلمان وسبق لمضر أن رافق الملك حسين في رحلاته إلى العواصم العربية للوساطة . وكان قبل ذلك بيومين قد زار بغداد والكويت بالتعويض عن خفض أسعار البترول . وهو لا يريد إلغاء ديونه فقط . إنه يصر على تجاوز الكويت والإمارات الحد في الإنتاج عملا أسوأ من الحرب مع إيران "

وواصل عرض مواقف العراقيين لمدة ثلاث ساعات . وقال أحد الحاضرين فيما بعد : " كان من الواضح أنه يعرف بأن الغزو سيقع في الساعات القليلة المقبلة وأنه أراد أن يهيئنا لذلك " .

ومن المصادفات الغربية أن المخابرات العسكرية الإسرائيلية علمت بأن الغزو وشيك الوقوع من مصادر أردنية بعد ظهر اليوم ذاته . وعملا بالاتفاقات القائمة منذ عدة سنوات قامت في الحال بإخطار المركز المحلي لوكالة المخابرات المركزية الأميركية .

كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف مساء في واشنطن عندما خرج ريتشارد هاس المدير الأعلى لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي من الإجماع بوزارة الخارجية وعاد إلى البيت الأبيض للاجتماع مع رئيسه الجنرال برنت سكوكورفت . وهناك قدم تقريرا مفصلا عن مختلف بيانات ووجهات نظر الذي حضروا الاجتماع . وتبين شيء واحد وهو أنه ليس هناك إجماع على أن العراق هو مجرد عرض للعضلات لإجبار الكويت على تقديم تنازلات في المفاوضات .

وبعد نصف ساعة غادر سكوكروفت وهاس مكاتب مجلس الأمن القومي بالدور الأرضي وصعدا للاجتماع ببوش في مسكنه بالدور الأول من المبنى الرئيسي . وبينما كان ثلاثتهم يناقشون نتائج الاجتماع ودلالاته رن جرس التلفون وعندما رفع سكوكروفت السماعة سمع صوت روبرت كيميت سكوكروفت أنه تلقى معلومات لم تتأكد بعد عن وقوع أول إطلاق نار بالكويت .

كان كيميت قد اتصل قبل ذلك بوقت قصير ببيكر في اركوتسك حيث كانت الساعة تشير إلى السابعة من صباح الثاني من أغسطس . وبما أن خط التلفون لم يكن مأموناً بسبب إمكان التنصت إليه كان عليه أن ينقل معلومات محدودة بعبارة غامضة . لكن بيكر فهم فحوى الرسالة : جميع الدلائل تشير إلى أن الغزو أصبح وشيكا .

وبعد ذلك بنصف ساعة أجتمع بشيفارنادزه للمرة الثانية وأبلغه ما سمعه من واشنطن . قال بيكر : " إن مخابراتنا تقول بأن القوات العراقية المحتشدة على الحدود الكويتية تتلقى الإمدادات باستمرار . ومن المتوقع وقوع الغزو . نأمل كبح جماح العراقيين " .

كان وزير الخارجية صديقا لجورج بوش . وكان كلاهما نموذجا صادقا للمجتمع الراقي في الساحل الشرقي وله القدرة على التعبير عن الوقائع الدرامية باسلوب لا أثر فيه للانفعال . وتحدث بيكر عن الأمر مع شيفارنادزه الذي صار يكن له الاحترام بكلمات محسوبة كما لو كان يتحدث إلى زميل له من أيام الدراسة ببرنستون .

واستمع شيفارنادزه إلى بيكر بمزيج من عدم التصديق والإحراج . وأجابه بأن الزعماء السوفييت يعرفون صدام حسين منذ زمن طويل وأضاف وهو يبتسم : " إنه يتعامل معنا . وأنا أثق فيه . ولا أعتقد أنه يعتزم غزو الكويت " .

وفي أعقاب ذلك مباشرة عقدا مؤتمرا صحفيا وهما لا يعرفان أن غزو الكويت قد وقع بالفعل .
كانت الساعة تشير إلى التاسعة عندما تلقى الرئيس بوش وزميلاه معلومات اكثر تفصيلا من دوائر المخابرات تؤكد أبعاد الغزو . إذ لم يكتف صدام باحتلال الحدود بل تجاوز إلى اجتياح البلاد .

في مدينة الكويت استيقظ ولي العهد في الساعة الواحدة والنصف صباحا ( العاشرة والنصف مساء بتوقيت غرينتش ، والسادسة والنصف مساء بواشنطن ) عندما تلقى مكالمة مقلقة من وزير الدفاع الذي كان يتكلم من مركز القيادة العسكرية يقول فيها بأن صدام يريد الاستيلاء على آبار النفط القريبة من الحدود وربما أيضا على جزيرتي بوبيان ووربة عند مدخل الخليج اللتين كان يطمح إلى الحصول عليهما منذ سنوات .

اتصل ولي العهد سعد على الفور بعدد من أفراد الأسرة الحاكمة . وكان الذهول قد سيطر عليهم جميعا . وازدادت حدته عندما أخذت الأنباء ترد بالتدريج عن تحرك مئات الدبابات الثقيلة السوفييتية الصنع من طراز ت 62 إلى الكويت . وكانت على بعد 35 ميلا من العاصمة ترافقها شاحنات تحمل مئات الجنود والعربات المساندة المليئة بالبترول والماء .

أذاع راديو بغداد بيانا أعلن فيه أن " جماعة كانت تحاول قلب الحكومة الكويتية " . وقبل مضي وقت طويل أصدر مجلس قيادة الثورة بيانا يقول إن المحاولة نجحت وإن " الثوار الشباب يطلبون المساعدة من العراق . وردا على نداء الحكومة المؤقتة الجديدة في الكويت قرر العراق تلبية طلبهم للمساعدة " . وأضاف البيان بشكل محدد : " لقد دعا العراق إلى منع كل إمكان للتدخل الأجنبي في شؤون الكويت وفي مصير الثورة " . وأدانت إذاعة بغداد آل الصباح وقالت " إنهم خونة وعملاء للصهيونية ".

وتم بسرعة تحييد القاعدتين الجويتين الرئيسيتين في الكويت . فاحتلت وحدات المظليين قاعدة أحمد الجابر قرب المطار بدون أية مقاومة .

وقصفت قاعدة علي السالم قرب الحدود السعودية قصفا ثقيلا قبل نزول المروحيات المحملة بالجنود .

وبعد الغزو مباشرة هبطت طائرة تابعة للخطوط الجوية البريطانية وهي في رحلتها رقم 149 إلى كوالالامبور في مطار الكويت الذي يبعد ثمانية أميال عن العاصمة . وكانت الطائرة من طراز بوينغ 747 وعلى متنها 367 راكبا وطاقم يتألف من ثمانية عشر شخصا . وبعد هبوطها على المدرج في الساعة الثانية صباحا ببضع دقائق أخذت الطائرات العراقية تقصف المطار بينما كان طابور مدرع يتجه إليه . فوقع المسافرون في الفخ وصار من الممكن تحويلهم إلى رهائن .
ولم يبد الجيش الكويتي المؤلف من 25000 جندي سوى مقاومة ضئيلة لآلة الحرب العراقية .

الرابعة صباحا تبين لولي العهد وباقي أسرة آل الصباح أنه لا أمل في وقف الحرب . وكانوا على اتصال دائم بواسطة التلفون بالسفارة الأميركية . وعندما عُلم بأن طلائع القوات أصبحت على بعد بضعة أميال من العاصمة قرر الأمير وأقرب أفراد أسرته إليه مغادرة قصر دسمان المسوّر حيث كان يعيش عدد من أفراد الأسرة الحاكمة . وأخذ أفراد الحرس الأميري مواقعهم حول القصر . لكن لم يكن لدى أي منهم أمل في الدفاع بشكل فعال ضد النيران العراقية . وأخذ الخوف يحل محل الذعر . وصارت تتلو الأوامر أوامر مضادة : فهل كان عليهم مغادرة القصر في الحال أو الانتظار ؟ وهل كان عليهم الاتصال بإحدى القاعدتين الجويتين العسكرية لإعداد طائرة ؟ وكان الأمير قد فقد ثقته بالقوات الجوية ، فقال بأنه يحتمل أن يكون العراقيون قد حيدوها.

ربما كان آل الصباح عندئذ يعيشون في غرف القصر التي تتلألأ أضواؤها اللحظات الأخيرة من عهد إمارة دامت قرنين ونصف قرن من الزمن . فبفضل الذهب الأسود والدخل القومي الذي لا يقل عن عشرين بليون من الدولارات كانت الكويت قد أصبحت أغنى دولة في العالم . لكن النفط الذي عاد عليها بالثروة طيلة سنوات أصبح سبب سقوطها . ففي حين أن الجميع كانوا يحسدونها ، فإن المسئولين فيها فقدوا القدرة على الرؤية ، والرغبة في التوصل إلى حلول وسط . ولم يدركوا أنهم كانوا فريسة سهلة تنتظر من ينقض عليها . وكان صدام حسين بالمرصاد .

وأرعب صوت القذائف من في القصر . وأخذ تبادل نيران الأسلحة الأوتوماتيكية يقترب . ولاحت أعمدة الدخان المتصاعدة . وتعرضت المباني والمستودعات لإصابات مباشرة . ولم يعد لدى آل الصباح أدنى شك فيما يحدث : لقد كان قصر دسمان أحد الأهداف وربما الهدف الأول الذي حدده صدام لقواته . إذ كان يدرك أن الاستيلاء على الكويت لن يتم بدون إزالة المسئولين عن إمارة تافهة حسب تعبيرة .

وانهمك الخدم في تحميل عدد من السيارات المتوقفة عند مدخل القصر . وفي الساعة 45: 4 صباحا انطلق آل الصباح ربما لآخر مرة مسرعين بسيارات الليموزين عبر الحدائق الرائعة المحيطة بالقصر . وشق الموكب طريقه عبر الشوارع المهجورة إلا من بعض الوحدات المدرعة المتجهة إلى جبهة القتال الزاحفة عليهم .

ووضعت جميع التفصيلاتوأجريت آخر مكالمة تلفونية قبل الانطلاق مباشرة . فتوقفت السيارات أمام باب السفارة الأميركية حيث كان السفير بانتظارهم فحيا الأمير وحاشيته . وكانت بانتظارهم على بعد خطوات مروحية أميركية متأهبة للانطلاق . ولما لم يكن فيها متسع للجميع فقد استقلها الأمير وولي العهد وعدد من أفراد الحاشية ، وتوجه الآخرون بالسيارات جنوبا إلى السعودية . وكانت الحدود على بعد 30 ميلا فقط والطرق إليها لا تزال آمنة . وعندما أقلعت الطائرة بالأمير الذي كان قد أضناه ما مرّ به ويشعر بالإنهاك ، ألصق وجهه بزجاج إحدى النوافذ وأخذ يراقب طوابير الجنود العراقيين وهي تدخل ضواحي عاصمته .

لفارق التوقيت فإن اليابان كانت أول دولة صناعية ومالية كبرى تعرف تفاصيل الاجتياح . فبينما كانت الولايات المتحدة تستعد للنوم وأوروبا غارقة فيه ، أخذت اليابان تتابع الأحداث ساعة فساعة . فبالنسبة لليابان التي تستورد 80 % من حاجاتها النفطية من الخليج بسبب عدم توافر المواد الخام فيها ، اعتبرت ما يجري من أحداث مأساوية أمرا في غاية الخطورة . وفي الأسواق حيث تجري عمليات بيع النفط وشراؤه ارتفقت أسعاره كثيرا ، وسرت آثار ذلك إلى الأسواق المالية في الشرق الأقصى كما تسري النار في الهشيم . ولم يلبث ذلك أن انعكس في الثاني من أغسطس على العالم كله .

كان الملك حسين نائما في قصره وسط عمان رن الهاتف الموضوع إلى جانب سريره . فنظر إلى المنبه وهو شبه نائم فوجده يشير إلى السادسة صباحا . وكان وزراؤه والمقربون إليه قد تلقوا منذ زمن طويل تعليمات صارمة بأن لا يزعجوه أو يوقظوه بالتلفون إلا في حالات الطوارئ .

كان صوت المتحدث على الطرف الآخر يطغى عليه الانفعال إلى حد أن الملك لم يعرف للوهلة الأولى صاحبه صارخا : " هل سمعت ؟ هل سمعت ؟ " فأدرك الملك حسين أن المتحدث هو الملك فهد . وكان هذا يتحدث إليه من جدة فأضاف : " لقد غزوا الكويت ولا يبعد الكويتيون سوى بضعة أميال عن العاصمة . عليك أن تتصل بصدام حسين وأن تطلب منه أن ينسحب إلى منطقة الحدود المتنازع عليها " .

حاول الملك حسين تهدئة الملك فهد الذي حاول جاهداً الاتصال بصدام حسين . فوعد الملك بالتدخل في الحال .

حين نشبت الحرب كان الشاذلي ألقليبي غارقا في النوم بالقاهرة فلم يستطع حتى ان يسمع جرس التلفون عندما بدأ يدق في جناحه حوالي الساعة الرابعة والنصف صباحا . وحدث عندئذ بالضبط أن عاد مساعده شوقي المرزوق من حفلة فوجد التلفون يرن أيضا في غرفته . وكان المتحدث عبد الرحمن العوضي وزير الصحة الكويتي الذي قال : " أحاول الاتصال بالقليبي ولكنه لا يجيب. أرجو أن توقظه " . فسأله المرزوق : " وهل الأمر خطير؟ فقال العوضي : " اجل وخطير جداً " .

وعندئذ أسرع المرزوق إلى جناح ألقليبي وأيقظه ووصله بالعوضي . فأبلغه هذا خير الغزو . فقاطعه ألقليبي : " لا بد أن يكون ذلك للاستيلاء على المناطق الحدودية فقط " فقال العوضي : " لقد اجتاح الكويت بأسرها . ونحن بحاجة إلى عقد اجتماع في الحال لوزراء خارجية الدول الأعضاء بالجامعة العربية " .

ووضع ألقليبي السماعة والتفت إلى المرزوق وقال : " إنه يبالغ، إنه يحاول إخافتنا . " فعلق المرزوق على ذلك بقوله إنه يصدق العوضي . على أنهما عندما فتحا الراديو بعد ذلك لم يسمعا شيئا عن الموضوع .

وعند السادسة والنصف صباحا استطاع ألقليبي أخيرا أن يتصل بالأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودية . فقال الأمير : " يا لها من كارثة . انهم يستولون على البلاد ، ولا ريب على البلاد برمتها " . وعندئذ صدق ألقليبي خبر وقوع الكارثة . فاتصل تلفونيا بمروان القاسم وزير الخارجية الأردنية الذي كان قد غادر القاهرة في الليلة السابقة ، وطلب منه إبلاغ الخبر للملك حسين . وعندئذ قرر مروان القاسم أن يخالف القواعد ويتصل بالقصر بالتلفون بالرغم من عدم وثوقه من الطريقة التي سيُستقبل بها اتصاله . ففوجئ بأن لدى الملك علم بذلك .

وفي السادسة والنصف حاول الملك الاتصال ببغداد . وكانت لديه عدة أرقام توصله عادة بصدام حسين . فطلبها كلها ولكنه لم يوفق في الاتصال به . ولم يستطع الاتصال إلا بطارق عزيز وزير الخارجية .

لم يعلم صدام شيئا عن محاولات الملك الاتصال به . فقد كان مرابطا في الحصن المنيع الذي بناه قرب بغداد . وكان يتوسط أعضاء مجلس قيادة الثورة وكبار ضباط الجيش وهو يتابع تقدم قواته داخل الكويت . وبحلول الساعة السادسة والنصف كان الغزو قد نجح ، وسيطرة قواته فعليا على البلاد بأسرها ، وبدأت بالقضاء على جيوب المقاومة في العاصمة . ولم يستطع صدام أن يخفي سروره وهو يستمع إلى ما تورده الإذاعات عن أخبار الجبهة . فالدولة التي استولى عليها كانت صندوقا بداخله كنوز خيالية . هذا بالإضافة إلى أنها كانت في نظره جزءا لا يتجزأ من الأراضي العراقية . لكن يرجح أنه لم يدرك أنه بإصلاحه الخطأ الذي اقترفته الدول الاستعمارية كان يتحدى باقي العالم .

في واشنطن كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة والنصف من مساء الأول من أغسطس . وفي حوال التاسعة من ذلك المساء توجه ريتشارد هاس وبرنت سكوكروفت مباشرة بعد اجتماعهما بجورج بوش إلى قاعة المؤتمرات في الدول الأرضي . كانت تحيط بها عدة غرف على جدرانها خرائط ضخمة لمختلف المناطق قي العالم . وكانت المعلومات التي ترد إلى البيت الأبيض كل صباح من دوائر المخابرات تنقل على تلك الخرائط . وكانت القاعة مجهزة بالكمبيوترات الأكثر تطورا والتي تمكن من في القاعة من الاتصال فورا بأي بقعة على وجه الأرض .

وأقيم في الحال فيديو للاتصالات بين البيت الأبيض ووزارة الدفاع ( البنتاغون ) ووزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية ومقر رؤساء الأركان .

و المشاركون في الاجتماع سكوكروفت وهاس ، جون روبسون وكيل وزير المالية ، وروبرت كيميت نيابة عن جيمس بيكر ، ووليم وبستر مدير وكالة المخابرات المركزية ، ونائبه ديك كير ، والأميرال ديف جيرميه نائب رئيس الأركان ، وبول ولوفثر وكيل وزير الدفاع .

كان باستطاعة هؤلاء جميعا وكل منهم في مكتبه أن يتحدثوا وأن يتبادلوا ويقارنوا المعلومات بواسطة فيديو الاتصال . وسرعان ما أكدوا من وقوع الغزو ونطاقه . وقام برنت سكوكروفت بتنسيق مختلف الآراء والمعلومات مما أسبغ على الاجتماع ما يتميز به من وكان سكوكروفت يغادر القاعة بانتظام للاتصال بجورج بوش الذي كان قد بقي في مسكنه . وفي الساعة الحادية عشرة اتصل به للمرة الأخيرة قبل أن يذهب للنوم .

اتفق المشاركون على اتخاذ عدة إجراءات منها عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي في الثامنة من صباح اليوم التالي . وتقرر تجميد جميع الأرصدة العراقية والكويتية قبل أن يضع الغزاة أيديهم عليها . ولكن تنفيذ القرار كان يستدعي عملية تنسيق فورية على نطاق العالم كله .

وكانت السلطات الكويتية قد جرت منذ سنوات على تخصيص 10 % من دخول النفط من أجل قضيتين : إحداهما ويا لسخرية القدر وقدرها 2 % لتقديم قروض للعراق خلال الحرب مع إيران ، أما الـ 8 % الباقية فكانت تحول إلى " صندوق الأجيال المقبلة " الذي يديره مكتب الاستثمارات الكويتية ، وهو شركة قابضة عملاقة مركزها لندن .

وتقدر القيمة الكلية للاستثمارات التي يديرها مكتب الاستثمارات تبلغ مئة إلى مئة وعشرين بليون دولار . وكان نصيب الولايات المتحدة 10 % من جميع تلك الاستثمارات . إذ كانت الكويت قد استثمرت بين 25 و 30 بليون دولار في أميركا في الأسهم وسندات الخزينة والعقارات . وكانت الكويت المستثمر الأكبر في اسبانيا حيث كان الكويتيون أعضاء في مجالس عدد من الشركات الكبرى وفي بعض الميادين الحساسة كالصحافة والدفاع والمركبات الهيدروـ كربونية . ولعب مكتب لندن للاستثمارات دورا حيويا في الحياة الاقتصادية ومجال الأعمال ببريطانيا . فقد كان بحيازته عدد كبير من الأسهم وخاصة أسهم شبكات البنوك والفنادق .
ومضى وقت كان بحيازته 22 % من أسهم شركة " بريتش بتروليوم " فاضطر إلى تخفيضها إلى 9 , 9 % بسبب غضب الحكومة البريطانية وموقفها العدائي .

وفي ألمانيا كان مكتب الاستثمارات مساهما في كثرة من الشركات الكبرى مثل دملر ـ بنز وهوست . وكانت الكويت أيضا أكبر مستثمر أجنبي في اليابان وذلك في سندات الخزينة والأسواق المالية . ويمكن القول بأن المكتب تمكن هو وفروعه من اختراق الأقطار الرأسمالية الرئيسة بما فيها جنوب أفريقيا في غضون بضع ساعات غير صدام ميزان القوى . فباستيلائه على آبار النفط الكويتية سيسيطر على أكثر من خمس ما ينتجه العالم من النفط .
وعلاوة على ذلك كانت الاستثمارات الكويتية كفيلة بتزويد صدام بموارد مالية ضخمة لطموحاته العسكرية ، وبوسائل إضافية لممارسة الضغط على الاقتصاد في الغرب .

ولمواجهة هذا الخطر تحرك المسئولون الأميركيون بسرعة . فجرى إيقاظ عدد من المسئولين الذين يعيشون في واشنطن وضواحيها في منتصف الليل واستدعوا إلى البيت الأبيض. وكان جميعهم من المحامين الذين يعملون في وزارة العدل . ولم يكن أحد مهم يعلم تماما وهو يتقدم نحو ضباط الأمن على باب البيت لماذا استدعي . وفي غضون دقائق عرفوا أن المطلوب منهم هو القيام بأقصى سرعة ممكنة بإعداد وثيقة قانونية يوقعها الرئيس وتجيز تجميد جميع الأرصدة العراقية والكويتية على أراضي الولايات المتحدة . وكانت هذه خطوة معادية لبغداد تهدف إلى حماية مصالح الحكومة الكويتية التي أصبحت الآن في المنفى .

وبينما كان المحامون منكبين على عملهم أخذ روبسون وكيل وزير المالية يتصل بالتلفون بحكام البنوك المركزية في العواصم الأوروبية والآسيوية . وعلم غالبيتهم بالغزو عندما فاجأهم روبسون بالاتصال بهم في مثل ذلك الوقت المبكر من صباح اليوم . روبسون يطلب منهم اتخاذ إجراءات مماثلة بأسرع ما يمكن لتجميد جميع الأرصدة قبل أن تأخذ بغداد بزمام المبادرة عبر الوسطاء الذين يهيمنون على الكويت .

وأوقظ جورج بوش في الساعة 45 : 4 صباحا بعد أن تم إعداد الوثيقة . فوقعها وبذلك أصبحت الأرصدة مجمدة بالفعل . وقام مكتب الصحافة بالبيت الأبيض بصياغة بيان يعلن ذلك .

وبينما كان بوش يوقع الوثائق التفت إلى الجنرال برنت سكوكروفت رئيس مجلس الأمن الذي جمع الحضور وقال : " تأكد من قيام وزارة الخارجية بالاتصال بالدول العربية لضمان قيامها بإدانة غزو العراق للكويت " فقال سكوكروفت بانه سيقوم بذلك على الفور .

اتسع الوقت خلال الجلسة التي عقدت في غرفة المؤتمرات واستغرقت الليل كله لاتخاذ قرار بشأن خطوة أخرى . إذ كان وقت الدهشة ـ لانه لم يكن أحد يعتقد بأن صدام حسين سوف ينفذ تهديداته ـ قد مضى ، وأخذ الحاضرون في الغرفة والمتصلون بها بالفيديو يضعون أسس الرد.

ولم يكن الخيار العسكري قد طرح للمناقشة . لكن الخيارات الدبلوماسية كانت أوضح . فجرى الاتصال بالأمير وزملائه الذين لجأوا إلى السعودية بمجرد وصولهم إلى جدة . وعمل المسئولون الأميركيون معهم على دعوة مجلس الأمن الدولي لجلسة طارئة .

وشهد مقر الأمم المتحدة بمنهاتن نشاطا غير عادي لم يعهد في مثل تلك الساعة المبكرة . فأخذت السيارات تفد تباعا وهي تحمل السفراء والوفود . وفي الساعة الرابعة صباحا اتخذ أول قرار بشأن الأزمة العراقية وهو القرار رقم 660 الذي دعا العراق إلى الانسحاب من الكويت بلا شروط ، وإلى إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الغزو. ولم يمتنع عن التصويت سوى اليمن ، في حين أن الصين وحتى كوبا صوتتا إلى جانب الاتحاد السوفييتي وفرنسا وبريطانيا . ورد سفير العراق إلى الأمم المتحدة بأن حكومته استجابت لنداء من " الثوار الكويتيين الشبان " من أجل المساعدة .

ودعا القرار العراق والكويت إلى " البدء في الحال بإجراء مفاوضات مكثفة لحل خلافاتهما " ورحب بأية جهود أخرى تبذل في هذا السبيل وخصوصا من قبل جامعة الدول العربية .

في واشنطن لم يكن أمام سكوكروفت وهاس وغيرهم ممن شارك في الاجتماع الماراثوني الذي استمر من التاسعة مساء إلى الخامسة صباحا سوى ثلاث ساعات للعودة إلى بيوتهم والاستحمام وتغيير ملابسهم . فقد كان عليهم حضور اجتماع مجلس الأمن القومي مع بوش في الثامنة صباح اليوم التالي .

وفي اركوتسك وعند تمام العاشرة والنصف صباحا ( أي التاسعة والنصف من مساء اليوم الفائت في واشنطن ) توجه وزيرا الخارجية الأميركي والسوفييتي بعد مؤتمرهما الصحفي إلى المطار ، ليعود السوفييتي إلى موسكو وليتابع نظيره الأميركي رحلته إلى اولان باتور عاصمة منغوليا . أما دنيس روس زميل بيكر فقد رافق شيفارنادزة إلى موسكو.

وتلقى بيكر خلال رحلته اتصالا من واشنطن عبر الخط الخاص وجرى إبلاغه أخبار الغزو بالتفصيل . وفيما كانت طائرته لا تزال في طريقها إلى منغوليا ، وهي دولة حدودية يبلغ عدد سكانها مليونين وتفصل بين الاتحاد السوفييت والصين بعيدا عن الجنون والذعر اللذين على باقي العالم ـ ذهب إلى مؤخرة الطائرة حيث كان يجلس الصحفيون وأخبرهم عما حدث .

وبعدها بساعة هبطت طائرة شيفارنادزة في موسكو . وكان لا يزال يجهل ما حدث . فلم يكد يخرج من الطائرة حتى اندفع نحوه صحفي يعمل بوكالة تاس وسأله :
" ما تعليقك على الغزو ؟ " وفوجئ وقال : " أي غزو ؟ " . فقال الصحفي " غزو العراق للكويت " .

وارتبك شيفارنادزه ورفض الإجابة على الأسئلة بقوله : " لم تصلني الأخبار ، وأنا ذاهب للتشاور مع المستشارين " ثم التفت فجأة إلى زميله سيرجي تراسنكو وقال بغضب : " جد في الحال ما يحدث " .

أما روس فتوجه مباشرة إلى سفارة الولايات المتحدة واتصل ببيكر واقترح إصدار بيان مشترك سوفييتي ـ أميركي ، لا يدين الغزو فقط بل يدعو إلى عمل مشترك ضد العراق . ووافق بيكر ، واتصل بجورج بوش للحصول على موافقته . فرأى الرئيس أن الفكرة ثاقبة وأعطاه الضوء الأخضر . ثم اتصل بيكر بروس في موسكو وقال : حضر نص البيان ولكن احرص على أن يكون جيدا

واتفق على أن يختصر بيكر زيارته لمنغوليا وأن يتوجه إلى موسكو لاعلان البيان المشترط مع شيفارنادزه . وعهد إلى روس بالتفاوض مع السوفييت حول ذلك . فتحدث روس مع تراسنكو وقال له بأن مثل ذلك البيان سوف يقنع الدول العربية الأخرى بعدم الوقوف إلى جانب العرق ، ويحبط آمال صدام في استغلال التنافس بين الدول العظمى كما كان الحال في الماضي . وتردد تراسنكو في البداية ولكنه بعد أن استشار شيفارنادزة سيأتي إلى موسكو خصيصا لقراءته " .

كان أبو اياد، الرجل الثاني في منظمة التحرير والمسؤول خصوصاً عن شؤون الأمن والمخابرات، نائماً في الفيلا التي يسكن بها في ضواحي تونس. وكانت زوجته التي تعيش عادة في الكويتن قد وصلت قبل وقت قصير . وأيقظتهما مكالمة تلفونية من أفراد أسرتهما في العاصمة الكويتية. وعلما منهم بأن القتال كان يجري غير بعيد من بيتهم . وقت متأخر من الليل في بيته بمنطقة صامد. وكان عرفات على علم بما يجري . إذ كان أفراد أسرته الذين يعيشون في الكويت قد زودوه بأخبار الغزو. فقررا زيارة عدد من العواصم العربية في اليوم التالي .

يتبع >[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 13-03-2007 الساعة 04:05 PM
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 11-03-2007, 06:52 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

الفصل السادس
هل نغادر الكويت ؟

كانت الساعة قد جاوزت منتصف الليل حين تلقى دوغلاس هيرد وزير الخارجية مكالمة تلفونية من السفارة البريطانية بالكويت تبلغه بأمر الغزو . فدون التفصيلات ثم اجتاز دهاليز الوزارة الخالية ليتصل عبر خط خاص بدائرة في رقم 10 شارع داوننغ تعمل أربعا وعشرين ساعة في جمع المعلومات . وجرى الاتصال في الحال بما رغريت تاتشر رئيسة الوزراء التي كانت قد وصلت لتوها إلى آسبن بكولورادو حيث كانت ستشارك في اليوم التالي مع جورج بوش في أعمال مؤتمر . وكانت الساعة عندئذ تشير إلى السابعة مساء في آسبن ، وبسبب فارق الوقت ، في الأول من أغسطس .

في هذا الوقت كان رئيس الوزراء الياباني كايفو يقضي إجازة مدّتها خمسة أيام في غوما ، وهي منطقة جبلية تبعد مئة كيلو متر إلى الشمال من طوكيو . وقام مسئولون بوزارة الخارجية بإبلاغه بأخبار الغزو بعد وقوعه بساعة واحدة . فكان رد فعله الأول قوله : " يا له من أمر مؤسف " .

وذهلت السفيرة إبريل غلاسبي التي كانت قد خرجت من مقابلتها لصدام قبل بضعة أيام وهي مطمئنة كل الاطمئنان عندما علمت في الثاني من أغسطس بوقوع الغزو من التلفزيون وهي بغرفتها بأحد فنادق لندن . وكانت عندئذ تقيم فيه مع أمها . أما كلبها الذي تركته وراءها ببغداد فكان سيتم ترحيله على أولى الطائرات التي كانت ستُجلي النساء .

وكان مستشار ألمانيا هيلموت كول يقيم في فيلا على شاطئ بحيرة في سانت جلجن بالنمسا اعتاد أن يستأجرها سنة لقضاء عطلة الصيف . وفي التاسعة صباحا اتصل به مساعده الشخصي إدوارد أكرمان من بون ليطلعه على الأخبار . ولم تصله أية رسالة من أي زعيم سياسي غربي إلا بعد ذلك بثلاثة أيام عندما اتصل به بوش لإبلاغه أنه قرر إرسال قوات عسكرية إلى السعودية .

وأصيب أهل الكويت بالذعر . وحاول كثرة من السكان الهرب إلى السعودية ، لكن الطرق كانت قد قطعت وصارت تخضع لسيطرة القوات العراقية . وأوقفت الأسر الهاربة عند الحواجز وأخرجت بالقوة من السيارات وانتزعت الهواتف اللاسلكية التي كانت شائعة بالكويت من السيارات وذلك للحيلولة دون استخدامها في نقل المعلومات عن مواقع القوات العراقية .

كانت المروحيات تحلق فوق المدينة ، بينما كانت 300 دبابة تقوم فيها بأعمال الدورية . وكانت النار مشتعلة ببعض عربات النقل ، وطلقات المورتر والأسلحة الاتوماتيكية تسمع في السوق المالي وقرب قصر الأمير الذي كان محاطا بخمسين دبابة ثقيلة . وفي هذا القتال الذي كان الأعنف خلال الاجتياح كله قتل الشيخ فهد أصغر إخوة الأمير ورئيس اللجنة الاولمبية الكويتية . وكان قد بقي في الكويت . وقامت زوارق السواحل الكويتية المزودة بالقذائف بتدمير بضع آليات عراقية . إلا أنه لم تكن هناك سوى بضعة جيوب مقاومة للجيش العراقي . ولم يكد ينتصف بعد الظهر حتى كان إطلاق النار قد توقف . وقتل أكثر من مئتي كويتي .

لقد حقق صدام حلمه خلال بضع ساعات . فصار يسيطر على 20 % من احتياطي العالم من النفط وعلى مئة كيلو متر من السواحل المطلة على الخليج .

واكتشف العالم العربي الذي كان يسيطر عليه الذهول مدى تصميم صدام حسين . فلم تعد أية دولة مجاورة للعراق تشعر بالأمان . ولم يقتصر هذا الشعور على الأردن وحده بل شمل العدوى سوريا والسعودية الثرية الضعيفة التي كانت عندئذ في الواجهة . وكان لدى صدام الوسائل العسكرية التي تمكنه من اجتياح المزيد من الأراضي . وصدرت رسالة عن إذاعة سرية بضواحي الكويت تقول : " أيها العرب . لقد اعتدي على دم الكويت وشرفها . فهبوا لنجدتها . " وأضاف المتحدث وهو يبكي : " إن الأطفال والنساء والشيوخ يستغيثون بكم " .

لكن العالم العربي الذي خيم عليه الصمت لم يحرك ساكنا . ولم يكن السبب الرئيسي في ذلك الخوف بل الاضطراب والفوضى اللذين سادا على أثر الاجتياح .
على أن الملك حسين بدأ منذ الثاني من أغسطس يبذل جهودا مكثفة للحيلولة دون التصعيد .

بعد أن أجرى الملك حسين مكالمته الأولى مع صدام حسين بسبع ساعات تقريبا وفي الواحدة بعد الظهر اتصل صدام بالملك . ولم يكن هناك أثر للتوتر أو التصلب في حديثه . قال : " كان علينا أن ندخل الكويت وهي الآن تحت سيطرتي التامة . لقد حملونا على القيام بذلك . على أنني ملتزم بالانسحاب من الكويت . وسيبدأ الانسحاب في غضون أيام قليلة لكنه سيستغرق عدة أسابيع . أرجوك أن تفعل ما بوسعك لإقناع العرب بأن الإدانات والتهديدات لا تؤثر علينا . فقد ينتهي الأمر بأن تصبح الكويت جزءا من العراق . ومن المهم أن لا يوفروا غطاء للتدخل الخارجي " . فقال الملك بأن اجتماعهما أمر ضروري . واتفقا على أن يطير الملك إلى بغداد ذلك المساء أو في الصباح الباكر .

وعلى أثر الحديث تأكد اعتقاد الملك بأنه من الممكن التوصل إلى تسوية سريعة في إطار عربي . فقام على الفور بالاتصال بالتلفون بالرئيس المصري الذي كان سيغادر القاهرة إلى الإسكندرية وأطلعه على حديثه مع صدام وعلى اعتزامه الدعوة إلى قمة مصغرة في القاهرة أو الرياض صباح الرابع من آب . وأصر الملك أنه حتى ذلك الحين ينبغي تجنب التصريحات المعادية للعراق كي لا تعرقل القمة . فقال حسني مبارك : " سوف أؤيد اقتراحك " . واتفقا على أن يعرج الملك على الإسكندرية وهو في طريقه إلى العراق وذلك لمناقشة الخطط بمزيد من التفصيل . وقيل أن يختم الملك مكالمته اقترح على مبارك أن يتحدث مع صدام . فقال : " صدام ! لا . لقد خيب أملي فيه " .

في التاسعة صباحا بدأ وزراء الدول العربية بالتجمع في القاهرة في قاعدة بفندق سميراميس . وكان الشاذلي قد أصبح مقتنعا بضرورة الاجتماع بوزير خارجية مصر الذي انتدب له رجلين لمساعدته على الاتصال بالوزراء . واتصل ألقليبي أيضا بوكيل الخارجية العراقي الذي كان يمثل بلاده في المؤتمر الإسلامي . وأخبره عن اجتماع مجلس جامعة الدول العربية المزمع عقده في التاسعة . فاحتج الوكيل العراقي قائلا : " لماذا الاجتماع بمثل هذه السرعة ؟ لماذا لا ننتظر إلى أن تقرر حكومتي ما ستفعله ؟ " إلا أن ألقليبي رفض قائلا بأن الاجتماع ضروري جدا . وأبطأ الوزراء في الوصول ولم تبدأ الجلسة فعليا حتى الساعة 15 : 12 بعد الظهر .

وعندما افتتحت الجلسة في جو من الاضطراب والفوضى كانت قد مضت على بدء الغزو عشر ساعات تمت خلالها سيطرة الجيش العراقي على الكويت .

ورئس فاروق ألقدومي مدير الدائرة السياسية بمنظمة التحرير الجلسة وذلك بموجب النظام الدوري الذي يقضي بأن يترأس كل جلسة وزير مختلف .

وطالب الوفد الكويتي بتطبيق معاهدة الدفاع العربي على الفور للدفاع عن الدولة المشاركة التي تعرضت للهجوم . لكن الوزراء الحاضرين باستثناء وزير الإمارات آثروا الانتظار والترقب .

وألقى وزير الخارجية السورية فاروق الشرع خطابا مثيرا للدهشة صرح فيه بأن علاقات بلاده مع الكويت سيئة ( وذلك أيضا بسبب عدم دفع المال ) ولكن علاقاتها مع العراق آخذة في التحسن . ومع هذا ـ كما قال ـ " فإن سوريا تلتزم بميثاق جامعة الدول العربية الذي يعتبر غزو دولة عربية لأخرى عملا غير قانوني " .

وألقى الأمير فيصل ـ وزير الخارجية السعودية ـ أيضا خطابا مثيرا للدهشة . إذ تحدث عن العلاقات الخاصة بين بلاده وبين العراق ، وأضاف أن هناك صداقة بين الملك فهد وصدام حسين . ثم قال " إن السعودية لا توافق على غزو الكويت ، لكننا مقتنعون بأن صدام حسين سوف ينسحب " .

كان الشاذلي ألقليبي قد اقنع وكيل الخارجية العراقي بحضور الاجتماع ، لكن هذا رفض الإجابة على الأسئلة التي وجهها وزراء الخارجية إليه بقوله : " لست مخولا بالتحدث . عليكم أن تنتظروا وصول وفدنا " . وأعلن أن الوفد سيكون برئاسة سعدون حمادي نائب رئيس الوزراء الذي سيصل في أوائل المساء ، وأضاف بأن الوفد سيكون كبيرا . ورفعت الجلسة في الساعة الثانية بعد الظهر بعد أن اتفق الحاضرون على العودة إلى الاجتماع في السادسة مساء . وكان الجميع يتطلعون بلهفة إلى الرسالة التي كانوا جميعا متأكدين من أن حمادي سيحملها .

وفي الثامنة من صباح الثاني من أغسطس ، وبينما كان وزراء الخارجية العرب يغادرون قاعة الاجتماع بالقاهرة دخل جورج بوش غرفة المؤتمرات المجاورة للمكتب البيضاوي بالبيت الأبيض. وكان جميع الذين دعوا للاجتماع قد جلسوا على مقاعدهم حول الطاولة الضخمة التي كانت تحتل الحيز الأكبر من الغرفة .

وضم الاجتماع : نائب الرئيس دان كويل ؛ سكرتير البيت الأبيض جون سنونو ؛ وزير الخزانة نيكولاس برادي ؛ وزير العدل ريتشارد ثورنبورغ وزير الدفاع ريتشارد تشيني ؛ مدير المخابرات المركزية وليم وبستر ؛ رئيس الأركان كولن باول ؛ الجنرال شوارزكوف رئيس القيادة العامة الأميركية ( سنتكوم ) الذي سيتولى قيادة القوات الأميركية المرسلة إلى الخليج فيما بعد؛ والجنرال سكوكروفت ومساعده هاس وروبرت كيميت . وحضر الاجتماع كبار رجال إدارة بوش لمواجهة أخطر أزمة منذ توليهم مناصبهم . وسمح للصحفيين بدخول الغرفة لمدة بضع دقائق ليستمعوا إلى أول تصريح لبوش عن الأزمة .

قال بوش :

" دعوني أقول لكم إن الولايات المتحدة تدين بشدة الغزو وتدعو إلى الانسحاب الفوري فلا مكان لهذا النوع من العدوان الوحشي في عالم اليوم " . ثم أغلقت الأبواب ليبدأ الاجتماع السري الذي استغرق اكثر من ساعة .

وتركزت المناقشة في موضوع العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية التي ستتخذ ضد العراق . وعند بداية الاجتماع التفت رئيس موظفي البيت الأبيض جون سنونو ـ وهو رجل ممتلئ الجسم ومعروف بحبه لإصدار الأوامر ـ إلى ريتشارد تشيني وزير الدفاع واقترح " إرسال طائرات بي 2 (B 2 ) ( التي تستطيع الإفلات من شاشات الرادار ) لقصف العراق " . لكن الحاضرين لم يكونوا يعرفون مدى جديته .

وبدا على تشيني الحرج . وقال بعد لحظة صمت : " ليس لدينا سوى طائرة واحدة من ذلك الطراز . أما الطائرات الباقية قلم تختبر إلى حد يسمح باعتبارها صالحة للقتال " .
والواقع أن إدارة بوش وجدت نفسها بمواجهة مشكلة من النوع الاستراتيجي : فمنذ عشر سنوات لم يغب التدخل العسكري في الخليج عن الاحتمالات الواردة في ذهن الإدارة الأميركية . وعلى أثر سقوط شاه إيران عام 1979 أنشأ جيمي كارتر قوة تدخل سريعة لحماية حقول النفط .

ووضعت عندئذ خطة سرية تحمل الرقم 90 ـ 1002 . ولكن فات واضعيها أن يأخذوا أمرين بعين الاعتبار وهما لاجتياح العراقي وضياع الكويت . إذ لم تستهدف الخطة سوى مواجهة الاتحاد السوفييتي . وعهد بتنفيذها للسنتكوم ـ أي القيادة العسكرية التي أنشئت عام 1983 . لكن بالرغم من صرف 2000 مليار دولار خلال السنوات الثمانية الماضية على تحديث القوات الأميركية قد دربت على القتال في ميادين عمليات مثل أوروبا أو كوريا ولكن ليس للقتال في الصحراء . يضاف إلى ذلك أن البنتاغون أخذ على حين غرة ولم يكن مستعدا . فقد كان قد أمضى عدة أشهر في الاستعداد لـ " عملية القضية العادلة " التي أدت إلى إرسال قوات إلى بنما للقبض على الجنرال نورييجا . وعليه فقد كان عندئذ كما قال أحد الحاضرين فيما بعد " قد عاد إلى نقطة الابتداء " .

واصبح ذلك واضحا عندما سأل جورج بوش عن القوات الجاهزة . إذ كان الجواب : " هناك 25000 من الفرقة 82 المحمولة جوا والمتمركزة في " فورت براغ " بكارولينا الشمالية يمكن إرسالهم في الحال . أما إرسال أعداد أكبر فسوف يستغرق أربعة أسابيع على الأقل . وحتى عندئذ لن يكون ميزان القوى في صالح الأميركيين بالنظر إلى أنه كان لدى صدام حسين مليون جندي و 5500 دبابة وكما قال أحد القادة العسكريين ممن حضروا الاجتماع فإنه لم يكن هناك " خيار عسكري مرض . فليس لدينا جنود في الميدان " والواقع أنه بالرغم من الجهود المتواصلة التي بذلتها واشنطن ، فإن السعودية كانت دائما ترفض فكرة وجود قواعد عسكرية أميركية على أرضها .

كانت الساعة تشير إلى التاسعة صباحا عندما أمر بوش بأن تعرض عليه جميع الخيارات العسكرية الممكنة في مقره الصيفي بكامب ديفد قبل يوم السبت الموافق في الرابع من أغسطس . ونوقش كذلك احتمال إرسال روبرت تشيني وزير الدفاع إلى السعودية لكن لم يجر التوصل إلى قرار محدد بهذا الشأن .

في التاسعة والربع صباحا خرج بوش من الاجتماع وذهب إلى مكتبة البيضاوي لدرس بضعة ملفات . ثم توجه بسرعة إلى حديقة البيت الأبيض الجنوبية . وكانت في انتظاره هناك مروحية نقلته إلى قاعدة أندروز حيث كانت طائرة بوينغ الرئاسية التابعة للقوات الجوية على أهبة الانطلاق . فاستقلها الرئيس إلى آسبن لإلقاء خطاب حول شؤون الدفاع . وكان الرئيس قد فكر بإلغائه بالرغم من أن موعده حدّد قبل أشهر وذلك بسبب الأزمة المتفاقمة . لكنه قرر في آخر لحظة التقيد بالموعد لأنه كان يريد الاجتماع بمارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا . وقد قدر لها أن تؤثر كثيرا على بوش . وخلال الرحلة قام بوش بمساعدة برنت سكوكروفت بتعديل نص الخطاب بحيث ربط بين أزمة الخليج وحاجة الولايات المتحدة إلى الحفاظ على وسائل دفاع ملائمة.

قبل ذلك بنصف ساعة وصل الملك حسين بطائرته الخاصة إلى الإسكندرية . وكانت الساعة بمصر تشير إلى الرابعة بعد الظهر . وبدأ محادثاته مع الرئيس مبارك بالتذكير باعتقاده الثابت بأنه يمكن حل المشكلة وبأنه يمكن إقناع صدام حسين بالخروج من الكويت شرط عدم إدانة الجامعة العربية له . وأوضح أنه ينبغي عدم إصدار تصريحات تهاجم العراق قبل القمة المقرر انعقادها في الرابع من أغسطس . فوافق مبارك على ذلك .

وفي أثناء محادثاتهما رأيا أنه من المهم الاتصال بالرئيس بوش . فاتصلا به عبر البيت الأبيض وهو على علو 000 , 37 قدم وبينما كان في الطريق بين واشنطن وآسبن بكولورادو . وكان صوته مسموعا . فأطلعه الملك على حديثه مع صدام حسين وعلى اعتزامه التوجه إلى بغداد . وقال بأن التوصل فورا إلى حل عربي أمر أساسي . وحث الرئيس بوش على عدم خلال الساعات الثماني والأربعين التالية لإفساح المجال له لوضع مشروع حل . وأضاف الملك " يمكننا تسوية الأزمة يا جورج . باستطاعتنا معالجتها . وما نحتاج إليه هو بعض الوقت " . فقال بوش : " الوقت أمامك . والأمر متروك لك " .

كان أمام الغرفة التي يتحدث فيها الملك ومبارك شرفة تطل على البحر ، وأمامهما الإسكندرية الوادعة التي توحي بالسلام والتواؤم . وبدا أن توقف الملك فيها أقنعه تماما بأن النزاع الكويتي العراقي كان نتيجة خطأ في الحسابات ولن يلبث أن يطويه النسيان . وبالرغم من شكوك مبارك فإنه تظاهر بالاقتناع أو حاول الاقتناع بالشيء ذاته .

في الخامسة مساء افتتح الكنيست الاسرائيلي بالقدس جلسة طارئة خصصها للعراق .وكان موشى أرينز وزير الدفاع الإسرائيلي قد استقبل ، قبل ذلك بقليل السفير الأميركي وعرض تزويد الولايات المتحدة بكل المساعدات التي تطلبها من المخابرات الإسرائيلية .
والواقع أن الغزو العراقي كشف عددا من مواطن الضعف لدى إسرائيل . فلم تكن هناك " تغطية كافية " للعراق من قبل الاستخبارات الإسرائيلية التي كانت تواجه مشكلة تجنيد العملاء وعدم وجود أقمار صناعية للتجسس لديها في تلك المنطقة .

فمنذ عام 1981 والأميركيون يرفضون تزويد اسرائيل بأية صور فوتوغرافية أو معلومات يحصون عليها بواسطة أقمار التجسس الصناعية خارج منطقة تمتد 30 ميلا من حدود اسرائيل . إذ اعتبرت واشنطن قد اتخذت هذه المسافة " حزاما أمنيا كافيا لتجنب جميع الأخطار المباشرة " . وكانت واشنطن قد اتخذت ذلك الإجراء في أعقاب الغارة الإسرائيلية على المفاعل الذري العراقي أوزيراك .
وكانت الوزارة الإسرائيلية قد عقدت في الثامنة والنصف من صباح ذلك اليوم اجتماعا خيم عليه جو من التوتر . إذ انتقد بعض الوزراء وبينهم شارون نقاط الضعف التي أشرنا إليها بشدة ؛ واحتدم النقاش حول بيان قدمه البريغادير ـ جنرال داني روتشيلد نائب رئيس المخابرات العسكرية ( لأن الرئيس كان يقضي شهر العسل ) . إذ شعر غالبية المسئولين الإسرائيليين بأنها فوجئت تماما بتوقيت الغزو ونطاقه .

بينما كانت حاملة الطائرات اندبندانس مع السفن المواكبة لها في طريقها إلى الخليج لتنضم إلى طراد ومدمرة وخمس بوارج أعلنت شركة لويدز البريطانية للتأمين بأنها أدخلت تعرفه فورية للتأمين على جميع السفن في تلك المنطقة وارتفع سعر برميل النفط من بحر الشمال إلى 24 دولارا .

وقبل أن يغادر الملك حسين عمان حاول عبثا الاتصال بالملك فهد . فأمر مروان القاسم وزير الخارجية بترتيب لقاء له مع الملك فهد والسفر إلى جدة . وبعد أن قام الوزير بمحاولات عدة لذلك الغرض وانتظر طويلا تلقى رسالة من السعودية تقول : " لا تحضر " .

وكان حسني مبارك أحسن حظا . ففي السادسة مساء وقبل ان يغادر الملك حسين عمان إلى بغداد اتصل به وطلب منه ان يتصل تلفونيا بعدد من الزعماء العرب وبينهم الملك فهد وأن يطلب منهم ان يتريثوا وأن لا يناصروا طرفا على آخر خلال الساعات الثماني والأربعين التالية . واتصل مبارك بالفعل بالملك فهد الذي وافق على ذلك .
وفي تلك الأثناء كان وزراء الخارجية العرب مجتمعين في فندق سميراميس بانتظار وصول الوفد العراقي . لكنه تأخر كثيرا . واستولى الغضب الشديد على مندوبي دول الخليج لأن باقي المندوبين وبينهم مندوب سوريا عدوة العراق رفضوا إدانة الغزو . وانتظر الحاضرون وصول الوفد العراقي ثلاث ساعات ونصف في جو من التوتر المتزايد . وأخيرا وفي التاسعة والنصف مساء دخل سعدون حمادي القاعة واتجه إلى المنصة .

وعندما تأهب لإلقاء بيانه توقع الحضور ان يشتمل على خطة سلام . لكنهم لم يلبثوا ان شعروا بخيبة أمل مريرة إذ استهل بيانه بقوله : " لا مفاوضة حول الوضع في الكويت وأخذ على مدى نصف ساعة يكرر الحجج العراقية المألوفة . وقال ان بعض الدول العربية والولايات المتحدة دبرت مؤامرات اقتصادية على العراق بإبقاء اسعار النفط منخفضة وذلك لمنع العراق من استعادة عافيته الاقتصادية التي أنزلت بها الحرب العراقية الإيرانية أفدح الأضرار . وخلا بيانه من الإشارة إلى أي تنازل . وشدد على ان العراق هو الذي منع إيران من اجتياح المنطقة ، وانه طوال سني الحرب " شكل العراق ترسا لحماية دول الخليج . لكن بالرغم من تلك الحماية فان هذه الدول رفضت منحنا المساعدة المالية التي نحن في اشد الحاجة أليها " .

وعندما عاد حمادي إلى مقعده خيم الذهول على الحضور . إذ بدا ان بغداد تغلق الباب امام كل التسويات . وفجأة ازدادت أزمة الكويت تعقيدا . وحل التشاؤم الشديد محل التفاؤل السابق .

وعندما رفعت الجلسة إلى التاسعة من صباح اليوم التالي لم يعد لدى الحاضرين أي شك حول مصير الجلسات القادمة . وعليه فان الامل الوحيد في حل عربي صار معلقا على اجتماع صدام حسين والملك الأردني .

بقي الملك حسين في الإسكندرية حتى وقت متأخر من المساء على أمل ان يستطيع التوقف في السعودية للاجتماع بالملك فهد قبل ان يتوجه بطائرته إلى بغداد . الا انه عندما علم ان الملك فهد لن يجتمع به عاد إلى عمان . بعد ان نام بضع ساعات توجه إلى بغداد في وقت مبكر من صباح الثالث من أغسطس . لكنه قبل ان يبدأ رحلته اتصل بالتلفون مرة اخرى بالرئيس مبارك وسأله : " هل تسير الأمور على ما يرام ؟ " فأجابه مبارك بأنه يرجح ان لا تحضر الكويت القمة المصغرة ، ولهذا فانها سوف تقتصر على مصر والسعودي والأردن واليمن والعراق .

قبيل هبوط طائرة بوش في آسبن اتصل ببيكر الذي كان يستعد لمغادرة منغوليا وقال له : " جيم ، ينبغي ان يظهر البيان المشترك مستوى عاليا جدا من التعاون بين الاتحاد السوفييتي وبيننا ، وإلا فلن تكون هناك فائدة في ذهابك إلى موسكو .

وفور وصول بوش إلى آسبن اجتمع ـ وذلك للمرة الأولى ـ مع مارغريت تاتشر وصافحته وهي تحمل كعادتها حقيبتها تحت إبطها . قالت : " عليك ان تعرف يا جورج انه لن يتوقف " . وكان هذا يثير مخاوف متزايدة لدى بوش . وبينما كان المؤتمر حول الدفاع منعقدا على بعد ياردات اتصل بوش تلفونيا بالرئيس اليمني علي عبد الله صالح الذي كان واحدا من حلفاء صدام القلائل . وكانت جبال كولورادو القريبة الشامخة تسبغ على المناسبة جوا شبيها بجو الدروس الصيفية في إحدى الجامعات .

وبعد ان ألقى بوش خطابه اتصل بمقر الملك فهد بالسعودية وكرر له التأكيد على عزم الولايات المتحدة الدفاع عن المملكة . فشكره الملك كثيرا . لكن قلق بوش أحرجه بدلا من إدخال السرور على نفسه . وكان الملك خجولا ضعيف الصحة . وبدا عندئذ في وضع لا يحسد عليه . إذ حدث ما كان يخشاه فأصبحت بلاده في خط المواجهة . وكانت مملكته منذ إنشائها قبل ثلاثة وستين عاما واحة استقرار لكن غزو الكويت كان ـ كما قال ـ " مأساة " . إذ اصبح أميرها وأفراد أسرته ضيوفا عليه . وبذلك يكون التاريخ قد أكمل دورته بطريقة غريبة . ففي عام 1902 ـ أي قبل ذلك بثمان سنة ـ وجد مؤسس المملكة المشرد ابن سعود ملجأ لدى آل الصباح في الكويت .

وقبل عودة بوش إلى نيويورك عقد اجتماعا مغلقا مع مارغريت تاتشر في شاليه فخمة بمساكن كاتو يملكها سفير الولايات المتحدة في بريطانيا . فنصحت تاتشر الرئيس الأميركي بإظهار أكثر حزم ممكن وتجنيد العالم كله برعاية الأمم المتحدة . ولم تطرح الخيارات العسكرية للنقاش لكن ـ كما قال شاهد عيان ـ " قالت في صدام حسين ما قاله أنتوني ايدن خلال أزمة السويس في جمال عبد الناصر فقارنه بهتلر " .

وبحلول الساعة الرابعة بعد الظهر وعندما أقلعت الطائرة الرئاسية من آسبن إلى واشنطن كانت وزارة الدفاع الأميركية قد اتخذت عددا معينا من الإجراءات . فاستدعي على عجل طواقم طائرات الشحن سي 141 العملاقة . وألغيت جميع الإجازات وصدر أمر لجميع الطيارين بالعودة إلى قواعدهم خلال ثلاث ساعات . واعترت هؤلاء الدهشة وهم يودعون أسرهم وأصدقاءهم بطرية مفاجئة . فقد كانوا لا يعرفون سبب استدعائهم . ولم يكد يحل المساء حتى كانوا في الجو فوق الأطلنطي . ونقلت طواقم عشرين طائرة من طراز سي 141 إلى القاعدة الأميركية " راين مين " بألمانيا الغربية . ونقل 26 طاقما إلى طوريجون في إسبانيا . وشكل هؤلاء أول حلقات الجسر الجوي الضخم الذي سيقام مع السعودية خلال الأيام القليلة التالية .

وقُطع حفل كبير راقص في أحد المعسكرات فجأة عندما أعلن أحد الضباط بأنه على جميع الحاضرين أن يستأنفوا عملهم في الحال . ولم تقدم لهم أية إيضاحات . ولم يعد أحد منهم بعد ذلك . وكان هؤلاء ينتمون إلى وحدات العمليات الخاصة ويقومون بالمهمات الخطرة مثل غارات الكوماندوز والرد على أخذ رهائن . وكانوا سيرسلون في تلك الليلة ذاتها إلى الشرق الأوسط .

وفي الثامنة من صباح الثالث من أغسطس بالقاهرة جرى إبلاغ المشاركين في اجتماع الجامعة العربية المقرر في التاسعة صباحا أنه أجل إلى السادسة مساء . إذ لم يكن بالإمكان قول شيء أو اتخاذ قرار قبل معرفة ما يتمخض عنه اجتماع الملك حسين بالزعيم العراقي . وكانت العيون في العالم العربي كله شاخصة إلى بغداد .

وأذيعت من الكويت المحتلة استغاثة يائسة جاء فيها : " ماذا حدث للاتفاقات المعقودة بين الدول العربية ، والاتفاقات بين دول الخليج ، والاتفاقات بين الدول الإسلامية . يا إخوة اللغة والدم والعروبة والإسلام ان الكويت تناشدكم المساعدة ".

وخرج الكويتيون الذين أبقتهم الحرب في القاهرة إلى الشوارع والدموع في أعينهم . وقال ضابط مصري لأحدهم : " ان هذا الوضع عار على العالم العربي . إننا نجلس هنا ونتفرج وكأنه لم يحدث شيء " .

ومن يقرأ الصحف من العرب لم يصدق ما يرى . إذ لم تقم صحيفة واحدة بإدانة الغزو العراقي للكويت . فقد كان محررو الصحف قد تلقوا أوامر مشددة بالوقوف على الحياد . وكانت الصحف الوحيدة التي أيدت صدام حسين علنا هي صحف الأردن .

في التاسعة والنصف صباحا وصل الملك حسين إلى بغداد واستقبله صدام على الفور في القصر الرئاسي . واستغرق الاجتماع عدة ساعات لكنه انتهى بالتوصل إلى اتفاق . وطرح الملك خلالها أسئلة محددة على الزعيم العراقي : " هل تعتزم حضور القمة المصغرة غدا ؟ " فهز صدام رأسه موافقا وقال : " سأكون هناك " . وسأله : " هل ستخرج من الكويت ؟ " فأجاب " نعم إذا جرى حل خلافاتي مع تلك الإمارة " . وأضاف في أواخر المقابلة : " لا أريد ان يحضر القمة أحد من آل الصباح . أفضل التفاوض على اتفاق مع الملك فهد . فقد كانت لي دائما علاقات أفضل معه " .

تابع >
[line]
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 11-03-2007, 06:58 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

وترك صدام لدى زائره انطباعا بأنه زعيم طيب مستعد لتقديم تنازلات كبرى وكانت لحظة غضبه الوحيدة عندما ذكر الملك تهديدات الجامعة العربية بالتنديد بالغزو .
قال : " ينبغي ان نزيل الغشاوة عن أعيننا . إذا سارت الأمور في ذلك الاتجاه فسوف أقول بان الكويت جزء من العراق وسأضمها إلى بلادي " . ثم مال على الملك وخفض صوته كما لو كان يريد الإدلاء بسر وقال : " على أي حال فإنني وقعت معاهدة عدم اعتداء مع السعودية ".

" إنك تعرف ما الذي سيحدث إذا اعتمدنا هذا النص. أننا لن نوصل الرسالة المطلوبة إلى صدام حسين. فهو لن يجد في هذا النص ما يدل على اتحادنا وتصميمنا فأجابه تراستكون إننا نواجه مقاومة لذلك . فخبراء الشؤون العربية في وزارتنا يعارضون فكرة التخلي عن شريك ثابت كالعراق " .

وخرج تراسنكو مرة أخرى وعاد بعد بضع ساعات وعلى وجهه علائم النجاح . فلم يكن أمامهما وقت يضيعانه . فطائرة بيكر كانت على وشك الهبوط . فركب الرجلان سيارة ليموزين واتجها إلى المطار بأقصى سرعة ممكنة . وعندما قرأ روس النص وجده مرضيا . ولاحظ أن فيه فقرة تدعو إلى حظر مشترك على بيع الأسلحة فحذفت . وقال لتراسنكو : " إنه لا قيمة لها " . فعلق زميله السوفييتي بقوله : " يمكن لوزير خارجيتكم أن يبحث ذلك مع زميله شيفارنادزه .

ووصلا أثناء هبوط الطائرة . وكان شيفارنادزه بانتظاره على المدرجات . وتصافح الوزيران . فقال شيفارنادزه وعلى شفتيه ابتسامة تنم عن الإحراج : " كنت مخطئا يا جيم عندما أبلغتك أنه لن يكون هناك غزو " . ثم توجها ومعهما روس وتراسنكو في الحال إلى غرفة عليها حراسة مشددة.

استهل بيكر الحديث بقوله : " ينبغي أن يكون واضحا لصدام حسين وباقي العالم أننا متضامنان في هذا " . فوافقه شيفارنادزه الذي كان يميل إلى الإسهاب ولكن بدون حماسة كبيرة . وبعد أن استمع إلى ما لدى بيكر قال: " نحن نصر على أن الاتحاد السوفييتي لن يقبل قيامكم بأي شكل من أشكال دبلوماسية المدفع " .
وحاول بيكر طمأنته فقال : " لن تتخذ الولايات المتحدة إجراء من طرف واحد إلا إذا تعرض مواطنوها للخطر " .

وصل إلى جدة في وقت مبكر من مساء ذلك اليوم ، عزت إبراهيم ، الشخصية الثانية في العراق ، لإجراء محادثات مع الملك فهد . وفي الوقت نفسه أظهرت صور الأقمار الصناعية أن وحدات من الحرس الجمهوري العراقي وصلت إلى الحدود المشتركة بين الكويت والسعودية .

في عمان ، كان الملك حسين محطما ويشعر بالمهانة واليأس ، فقد اعتبر الملك البيان الذي يدين الغزو مؤامرة واسعة مدبرة من بعض الدول العربية لعرقلة جهوده ولتخريب القمة المصغرة المرتقبة ليوم الغد .

بقي الملك الذي اعتاد الكفاح والعمل عدة ساعات وحيدا في قصره . وكان الزائر الوحيد الذي سمح باستقباله هو شقيقه الأمير حسن . وقال له بصوت حزين : " كان ينبغي على العرب أن يثبتوا قدرتهم على حل الأزمة بأنفسهم ـ لقد كان علينا أن لا نفشل . والآن علينا أن نتوقع الأسوأ ".

وتوقف رنين الهاتف في القصر الذي كاد أن يكون خاليا . فلم يتصل أي من الزعماء العرب بالقصر . وفي تلك الساعات التي انعزل فيها وأخذ يشك في كل شيء وحتى في نفسه خطر بباله أن يتنازل عن العرش .

وكان باستطاعته سماع الضجة في المدينة . إذ كانت المدينة مسرحا للمظاهرات المؤيدة لصدام حسين والتي كانت تهتف باسمه إلى جانب اسم صدام . وكان المتظاهرون وغالبيتهم من الفلسطينيين يعلنون عن حقدهم على دول الخليج ، " فالكويت " في نظرهم ليست قطرا ، وليست شعبا وليست عاصمة وليست حتى بلدة . فهي بئر نفط وسط الصحراء . فالدول الخليجية المتعجرفة ترفض منح الجنسية للعرب الذين يعملون فيها والذين خدموها بإخلاص مدة طويلة . وينبغي على صدام أن يغزو السعودية أيضا " .
كانت مظاهرات التأييد هذه في نظر الملك حسين " نصراً مراً " . وعندما أسدل الظلام ستاره على التلال المحيطة بعمان كان لديه إحساس بالفرقة التي كانت ستمزق العالم العربي .

وفي تلك الأثناء ، كان مجلس الجامعة العربية بالقاهرة ينهي الهدنة التي طلبها الملك لإفساح المجال له للتوسط . وتبنى وزراء الخارجية العرب قرارا يدين العراق ويدعو إلى انسحاب قواته إلى الحدود دون شرط . ورفض سبعة من الأعضاء البالغ عددهم واحدا وعشرين أن يصوتوا إلى جانب القرار . وهم بالإضافة إلى الممثل العراقي وزراء الأردن وليبيا واليمن والسودان وجيبوتي ومنظمة التحرير الفلسطينية . وكان الوزير الليبي قد انسحب من القاعة قبيل التصويت.

وكان المندوبون العرب على علم بالضغط الأميركي الذي تعرض له حسني مبارك طوال اليوم بوسائل مثل الرسالة التلفونية التي بعثها جون كيلي . وكانت مصر بعد إسرائيل هي المستفيد الأكبر من المساعدة الأميركية المالية في المنطقة وتبلغ نحو بليوني دولار .

وبالرغم من أن القرار دعا إلى عقد قمة عربية " لبحث العدوان والبحث عن وسائل للتوصل إلى حل دائم " ، فان الأمل في التوصل إلى تسوية فورية كان قد تلاشى . وكان صدام حسين كما قال الملك حسين قد أعلن عن استعداده للانسحاب من الكويت إذا انعقدت القمة العربية المصغرة ولكن على شرط أن لا تقوم الجامعة العربية بإدانة الغزو . على أن القمة المصغرة التي كان من المتفق عليه انعقادها في الرابع من أغسطس قد ألغيت . وما قيل للعالم عندئذ هو أن القرار الذي اتخذته الجامعة العربية في ذلك المساء يدعو الدول العربية إلى عدم إنزال قواتها على الأراضي العربية . وصوتت إلى جانب القرار كل من السعودية ومصر وسوريا . إلا أن الولايات المتحدة غيرت موقفها خلال الأسبوع التالي .[line]
الفصل السابع
لن أغزو السعودية


أشارت التقارير الواردة صبيحة الرابع من آب إلى أنَّ الوحدات العراقية دخلت " المنطقة المحايدة " بين الكويت والمملكة العربية السعودية وتمركزت على بعد نصف كيلو متر من الحدود السعودية . وفي " فورت ميد " حيث مقر وكالة الأمن الوطنية أظهرت الصور التي تلتقطها أقمار التجسس الصناعية التي باتت تصور كل كيلو متر من منطقة الأزمة ، أنّ مئة ألف جندي من نخبة الوحدات العراقية قد حُشدت قرب الحدود وكانت هذه الوحدات تنتمي إلى الفيلق الثالث والحرس الجمهوري الذي يؤمّن الحماية الشخصية لصدام حسين . وكان هذا الفيلق يضم 8 فرق تتألف كل منها من 30 إلى 33 لواء .

وتلقى المسئولون الرئيسيون في الإدارة الأميركية دراسة سرية فيها تقييم لما تمثّله هذه القوات من أخطار :

" يتطلب الغزو العراقي للسعودية عملية عسكرية تفوق بكثير اتساعا وعمقا تلك التي قامت بها القوات البرية العراقية . وتشمل الأهداف الرئيسية لهذا الغزو المرافئ والمطارات القريبة من الظهران الواقعة على بعد ثلاث مائة كيلو متر من الحدود الكويتية ، على أن يكون الهدف التالي الرياض عاصمة المملكة السعودية . ففي هذه المنطقة جميع الأهداف الاقتصادية الحيوية التي تؤدي الاستيلاء عليها إلى إغلاق الخليج على السعوديين ، والى إعاقة الإمدادات الأميركية " .

ثم تعرض الدراسة لمختلف الهجمات التي قد يقوم بها الحرس الجمهوري على الأراضي السعودية وتختم ذلك بمقارنة تاريخية غير متوقعة :

" قد تشكل سمعة الحرس الجمهوري الممتازة نقطة ضعف خطيرة . فتدميرها أو إلحاق هزيمة خطيرة بها ، قد يصيب باقي وحدات الجيش بصدمة معنوية هائلة تؤدي إلى تسريع تفككه وانهياره . فليس من المستبعد أن تكون ردة فعل القوات العراقية مشابهة لتلك التي صدرت عن جحافل الجيش الفرنسي الكبرى في واترلو عندما بلغها نبأ انسحاب حرس نابليون القديم . فقد أحدثت صرخة " الحرس يتقهقر " ذعرا عمَّ الجيش الفرنسي بأكمله وأدى إلى انهياره الفوري " .

وفي كامب ديفد المقر الصيفي للرؤساء القابع في جبال " كاتوكتين " ، انعقد الاجتماع الثاني الذي دعا إليه جورج بوش في أقل من أربع وعشرين ساعة . وقد بدأ كالذي سبقه في الساعة الثامنة صباحا ، وحضره إلى جانب برنت سكوكروفت وريتشارد هاس والجنرال كولن باول ، الذي كانوا هناك في اليوم السابق ، رئيس موظفي البيت الأبيض جون سنونو ووزير المالية نيقولاس برادي ومدير وكالة المخابرات الأميركية (CIA ) وليام وبستر إضافة إلى وزير الخارجية جيمس بيكر الذي كان قد عاد من موسكو في مساء اليوم السابق . وجلس المجتمعون حول طاولة من خشب البلوط في الشاليه الخشبية بعد أن كان أكثرهم قد خلعوا ملابسهم الرسمية وارتدوا ملابس عادية كما لو كانوا قد جاؤوا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع . والواقع أنهم كانوا وسط أزمة متفاقمة.

واستهل الاجتماع عدد من الخبراء العسكريين المدعوين إلى الاجتماع بتقديم تقرير حول " الوضع كما هو على الأرض وما يمكننا علمه " .
وأثير احتمال القيام بنشاطات سرية تهدف إلى زعزعة استقرار النظام العراقي أو التخلص من صدام حسين غير أنه لم تجر مناقشة خطط محددة . وبعد أن أكمل العسكريون عرضهم وخرجوا من القاعة طلب جورج بوش من المجتمعين التعليق . ودار النقاش كله حول الخيارات العسكرية . وكان واضحا أن انتشارا عسكريا أميركيا في الخليج لا يمكن أن يتم عمليا دون دعم ومساندة الدول العربية وخاصة المملكة العربية السعودية . إلا أن الرياض لم تكن مستعدة لإعطاء الضوء الأخضر ، وذلك لسببين : أولهما أن السعوديين كانوا لا يزالون متمسكين باحتمال تسوية عربية ، وثانيهما أن فكرة وجود قوات أميركية أثارت لديهم قلقا عميقا .

هذا وقد حملت آخر الأنباء عن الوحدات العراقية التي تحتشد على الحدود مع السعودية ما يدعو إلى المزيد من القلق وشكلت فوق كل شيء الورقة الحاسمة في المفاوضات مع الملك فهد . وعبر بوش عن ذلك بوضوح . فمنذ بداية الأزمة لم يخف تبرمه بسبب بطء الاستجابة الدولية . كما عبر عن غضبه بسبب القمع الذي كان يمارسه العراقيون في الكويت .

وعندما بدأ كولن باول بالكلام استقر بوش في مقعده وعلى وجهه علامات الاهتمام ويداه متشابكتان وأصابعه تلامس أنفه . إذ كان يريد أن يستمع إلى الخيار العسكري .

منذ الثاني من أغسطس والجنرال نورمان شوارزكوف المعروف بالدب بسبب ضخامة جثته لا ينام سوى بضع ساعات كل ليلة ، ويدخن أكثر من العادة ، ويكاد لا يفارق مقره في قاعدة ماكدل الجوية بفلوريدا . وكان من قدامى لاعبي كرة القدم المعروف في وست بوينت بحبه للحياة الهنيئة ، ورئيساً للقيادة المركزية ( السنتكوم ) . وكان إستراتيجيو وزارة الدفاع قد قسموا العالم إلى مناطق وعهدوا بالمسؤولية عن كل قسم إلى جهة معينة . واعتبر السنتكوم مسئولا عن منطقة مساحتها 15 مليون ميل مربع وتمتد من كينيا إلى باكستان . وعليه فإن هذا الجنرال الضخم المرح كان مسئولا عن منطقة تحتوي على سبعين بالمائة من احتياطي النفط في العالم .

ومنذ بداية الأزمة كان شوارزكوف يعمل بالتنسيق مع رؤساء الأركان وكولن باول . وعهد إليه بتحقيق الهدف التالي : تعديل الخطة السرية المشهورة رقم 90 ـ 1002 التي وضعتها إدارة كارتر للتدخل في الخليج بحيث تشكل دفاعا هائلا عن السعودية .

وواجهت " الدب " وزملاء مشكلات عديدة أكثر خطورة منها عدم وجود قواعد على الأرض السعودية والحرارة المرتفعة في الصحراء التي تجعل القتال صعبا للغاية . وكان بين أسباب القلق الأخرى احتمال استخدام العراق للأسلحة الكيماوية وسقوط طلائع القوات الأميركية التي كانت نسبيا في حاجة إلى حماية قبل وصول الدبابات والأسلحة الثقيلة .

من المرجح أن التدخل في منطقة الخليج كان أصعب تحد تواجهه السلطات الأميركية منذ حرب فيتنام . وفي الأسبوع الأخير من يوليو أُجري تدريب أطلق عليه " علم الحرب 90 " لاختيار قدرة قادة الجيش على الاتصال فيما بينهم من مسافات طويلة . وكانت العملية موجهة إلى الشرق الأوسط . ولكن بالرغم من التوتر المتزايد فإنه لم تجر الإشارة إلى العراق والكويت والسعودية . ولتفادي إثارة الحساسيات اظهر باول لباقة خارقة عندما طلب تقطيع الخرائط وتعديلها بحيث لا يظهر أي تشابه بينها وبين بلدان المنطقة .

وفي قاعدة ماكديل وفي البنتاغون (وزارة الحربية) كانت الكمبيوترات الضخمة تعمل طيلة أربع وعشرين ساعة في استيعاب المعلومات الجديدة . وكان يجري العمل ببرنامج ضخم له اسم كاللغز ويرمز إليه بالحروف TPFD ( أي قوة الانتشار في المرحلة الزمنية ( * ) ويشتمل على معلومات مفصلة عن القوات والاعتدة التي يجب إرسالها ، ووسائل نقلها ، وأنظمة الاتصالات لتنسيق العملية ، وكل ما تحتاجه في صحارى السعودية من دفاعات جوية ومياه للشرب ومبان الخ .

وكان شوارزكوف وباول من قدامى المحاربين في فيتنام ، الذين يتخذون جميع الاحتياطات عند استخدام القوة . وكانا مقتنعين بأن نجاح العملية العسكرية رهن بتنفيذها على نطاق واسع واستخدامها كافة الوسائل وبدعمها بتصميم لا يتزعزع لدى السياسيين .

وكان في مكتب رئيس هيئة الأركان لائحة معلقة في مكان بارز وتشتمل على قائمة بـ" قواعد كولن باول" الثلاث عشرة وإحداها: " اختر بعناية ما تريده فتحصل عليه " .

وعندما بدأ باول في كامب ديفد ذلك الصباح بإلقاء بيانه أمام بوش وأعضاء الإدارة ، كان عليه أن جميع المعلومات التي زوده بها شوارزكوف . قال :
" سيدي الرئيس ، قال باول ، إذا قررت القيام بعملية عسكرية ، لا بد من إدخال قواتنا بكثافة وصورة ملائمة . فمن الواضح أنَّ صدام حسين لا يبحث عن مواجهة مع الولايات المتحدة . إنَّه شرس ولكنه ليس مجنونا . وهو يعلم أنه سيخسر أي حرب يخوضها على نطاق واسع مع الولايات المتحدة . وفي حال حصول تدخل عسكري لا بد من إرسال فوري لقوات مناسبة إلى العربية السعودية وذلك لإظهار تصميمنا الواضح على الدفاع عن المملكة . ولا بد أيضا من أن يكون الانتشار واسعا بحيث يفهم صدام حسين أن الهجوم على العربية السعودية هو هجوم على الأميركيين . كما أن الخطة 1002 ـ 90 لا بد من أن تسمح بالسيطرة الجوية والبحرية وإرسال أفواج المشاة بعدد يكفي لا للردع فقط بل للقتال . فما من أمة جنت ربحا من نزاع يطول " .

كان كلام باول من النوع الذي يريد بوش سماعه . فبعد أن استمع إلى تعليقات الآخرين قرر إعطاء الضوء الأخضر لتنفيذ الخطة 90 ـ 1002 ولإرسال أضخم أسطول منذ حرب فيتنام الطوف الآخر من العالم . " لقد تحول الرئيس " كما قال شاهد عيان " إلى صقر حقيقي " على أنه ترك التفاصيل لباول . وكانت طلائع القوات ـ بموجب ذلك ـ ستغادر في أوائل الأسبوع التالي . وحتى ذلك الحين كانت الخطة ستبقى سرية من الدرجة الأولى .

كان لا بد أيضا من تذليل عقبة أخيرة وهي الحصول على موافقة المملكة السعودية . فطلب بوش من تشيني وزير الدفاع التأهب للسفر في اليوم التالي إلى جدة ؛ واقترح برنت سكوكروفت أن يرافقه روبرت غيتس الرجل الثاني في مجلس الأمن القومي الذي شغل سابقا منصب مساعد مدير وكالة المخابرات المركزية . وتقرر أن يرافقهما الجنرال شوارزكوف .

وانتهى الاجتماع في العاشرة والنصف صباحا . وتقرر عقد اجتماع أخير في البيت الأبيض بعد ظهر اليوم التالي .

في هذه الأثناء كان ياسر عرفات مجتمعا مع مبارك . وكان مبارك متوترا ، وظل يقول بغضب : " على العراق أن ينسحب " ، وأشار إلى اتصاله بالملك حسين الذي كان قد عاد من بغداد . وبدا وكأنه يحاول تبرير موقفه بغض النظر عن النتائج فقال :

" سألته ( الملك حسين ) عما إذا كان قد بحث مع صدام مسألة انسحابه من الكويت فأجاب بالنفي . وأضاف بأن كل ما بحثاه هو عقد القمة المصغرة التي كنا سنحضرها أنا وهو والملك فهد وصدام الذي أعرب عن موافقته على حضورها . فقلت بأنني لن احضر ما دام صدام لم يعد بالانسحاب .

كانت كلمات مبارك هذه تناقض كلمات الملك حسين الذي صرح بأن الرئيس العراقي أبلغه بأنه سوف ينسحب إذا تم التوصل إلى اتفاق في اجتماع القمة المصغرة .

وبدا مبارك خلال المحادثات مُحرجا لأنه لم يكن هناك في العالم العربي من يجهل انه تعرض لضغط هائل من الولايات المتحدة . وفي أثناء المحادثات أسر لعرفات بأن العراق سيكون هدفا لعملية عسكرية بين 12 و 18 أغسطس . وفوجئ ياسر عرفات بذلك ولكنه لم يسأل مبارك عن مصدر معلوماته . وفي ختام محادثاتهما .
قال ياسر عرفات : " عليك ان تذهب إلى السعودية والعراق ." فرد عليه مبارك بفظاظة : " اذهب انت أولا ؟ " . وأضاف بعد شيء من التفكير : " أجل ، اذهب واعرف ما إذا كان مستعدا للانسحاب . فإذا كان كذلك فسأذهب أنا أيضا " .

في الثامنة مساء كان الملك فهد يتحدث مع مساعديه المقربين في حدائق مقره بجدة عندما توجه إليه احد رجاله وقال : " يا صاحب الجلالة إن الرئيس على التلفون . " وكان بوش يتحدث من كامب ديفد حيث كانت الساعة تشير إلى الوحدة بعد الظهر . وكانت الكلمات الأولى التي قالها لفهد هي كلمات مارغريت تاتشر قبل ذلك بيومين . قال " يا صاحب الجلالة إنك تعلم أنه ( أي صدام ) لن يتوقف " .

ثم أطلع بوش الملك على المعلومات التي تلقاها عن الحشود العراقية على الحدود السعودية . فاستولى الاضطراب والقلق على الملك وأظهر استجابة اكبر لمقترحاته . ويقول احد الموظفين في البيت الأبيض : " حتى ذلك الوقت كان الخوف يشل الحرب " ، وهذا الخوف هو الذي شكل الورقة الرابحة في استرتيجية بوش إزاء السعودية .

وطالت المحادثات بين بوش والملك . وكان من الواضح أنه لا يمكن للجيش السعودي الذي يتألف من 000 , 65 جندي أن يتصدى للقوة العراقية الضاربة . فالحشود العراقية على الحدود ـ كما قال بوش ـ كانت من الوحدات العراقية المختارة . ( لكن تبين فيما بعد أن هذا لم يكن صحيحا ) وأضاف بوش أن الدفاع عن المملكة أمر أساسي وأنه باستطاعة واشنطن تقديم دعم عسكري هائل . واقترح بوش على الملك إرسال وزير الدفاع الأميركي حاملا " رزمة من تقارير المخابرات التي تثبت أن الغزو العراقي ينطوي على خطر حقيقي والمرفقة بخطط محددة لانتشار القوات الأميركية في أراضيكم " .

ووافق فهد على استقبال تشيني لكنه طلب إمهاله أربعا وعشرين ساعة أخرى ليفكر خلالها في أمر القبول بالتواجد الأميركي العسكري .

خرج بوش من اتصاله مع فهد اكثر ثقة . وقضى اكثر ما تبقى من يومه في المكالمات الهاتفية مع كبار زملائه ورؤساء الدول الأجنبية ولا سيما بالرئيس التركي أوزال .
فقد كانت تركيا من أعضاء حلف شمال الأطلسي ويمر فيها يوميا 6 , 1 مليون برميل من النفط ، أي نصف جميع صادرات العراق النفطية ، وذلك عبر خط من الأنابيب طوله 750 ميلا ويصل بين آبار النفط بكركوك وميناء بومرطالق على شاطئ المتوسط . وكانت الأزمة قد وضعت الزعماء الأتراك في موقف حرج . إذ كان تصدير النفط يعود عليهم بمبلغ 300 مليون دولار في السنة هذا فضلا عن أن العراق كان يزود تركيا بثلثي حاجاتها من الطاقة . وبالرغم من أن الصحافة التركية أجمعت على إدانة الغزو فقد كان المسئولون فيما بينهم اكثر تحفظا .

إذ كانت أية بادرة منهم ستكلفهم غاليا . وأوضح بوش لأوزال ان العمل الدولي ضد العراق يعتمد إلى حد كبير على قطع صادراته من النفط . وأضاف أنه طلب الشيء ذاته من السعوديين ، وأنه حصل على موافقتهم .

على أن تأكيد بوش هذا كان سابقا لأوانه . إذ كان يفضل الانتظار حتى تسوّى جميع الأمور العسكرية قبل أن يبحث هذه القضية مع الرياض . فالسعودية كانت القطر الذي يمر به النصف الآخر من صادرات العراق النفطية .

كان أوزال الرجل البدين ذو الوجه المستدير والنظارات مناورا حاذقا . ورأى من الحكمة أن يتريث ليرى كيف سيتطور الوضع . صحيح أنه أكد لبوش دعمه له ، ولكن لم يلزم نفسه بشيء محدد ، ولم يذكر له أنه كان سيستقبل مبعوثا لصدام حسين في اليوم التالي ـ وفي أعقاب هذه المكالمة مع بوش اتصل اوزال بعدو العراق اللدود الرئيس الإيراني رفسنجاني . وفي اليوم ذاته كشفت معلومات من مصادر رسمية بطهران أن صدام حسين اتصل قبل أسبوعين برفسنجاني من أجل التفاوض حول حياد إيران إذا قام بغزو الكويت .

وفي عمان صدرت عن الملك حسين كلمات قدر لها أن تزيد من عزلته عن غالبية الأقطار العربية وعن حلفائه الأميركيين . فبعد أن انتقد مواقف دول المنطقة وإدانتها للعراق أضاف قوله : " إن صدام حسين رجل وطني " .

ألقى ياسر عرفات بصدام حسين يوم الأحد الخامس من أغسطس . فادعى صدام بأنه " صدم " عندما علم بإلغاء القمة المصغرة ، وسأل عرفات : " من هو برأيك الذي أفسد الأمر ؟ " .

عكست مواقف صدام وبياناته في ذلك اليوم مزيجا غريبا من المرارة والتصميم . وأسهب في تبريره لغزو الكويت وأعرب عن خيبة أمله في ردود الفعل العربية . ولاحظ عرفات أن معنوياته لم تتزعزع على الإطلاق . إذ كان هادئا ويتصف بالحيوية . ولم يخل كلامه من الدعابة . وقال لعرفات : " لا بد من حل سياسي " . وعلق عرفات بقوله : " إنني متفق معك تماما " . وبعد لحظات من الصمت أضاف صدام : " أذهب إلى السعوديين وقل لهم إنني مستعد للحوار " .

في اليوم ذاته تلقى رجل أعمال فلسطيني بارز مكالمة تلفونية عاجلة من بغداد . وكان المتحدث نزار حمدون نائب وزير الخارجية الذي قال : " عليك أن تحضر إلى بغداد بأقصى سرعة ممكنة . إن الأمر خطير " . ولم يكن الفلسطيني متحمسا للذهاب إلى العاصمة العراقية لكنه قال بأنه سيتصل به . وفي اليوم التالي اتصل حمدون ثانية . وعندما علم رجل الأعمال الفلسطيني من المحادثة بأن عرفات سيذهب إلى فيينا في السابع من أغسطس للمشاركة في تشييع جنازة المستشار النمساوي السابق بروتو كرايسكي ، قال لحمدون بأنه سيذهب إلى فيينا واقترح عليه أن يبعث بما يريده لعرفات ليبلغه به .

وفي السابع من الشهر التقى رجل الأعمال بعرفات الذي سلمه رسالة من صدام حسين لينقلها إلى الرئيس بوش . وكان لهذا الفلسطيني معارف في البيت الأبيض . وأكدت الرسالة على أن صدام حسين كان على استعداد للانسحاب من الكويت ولكن بعد أن يسوي أموره أولا مع الكويتيين .

فاتصل رجل الأعمال الفلسطيني بجون سنونو رئيس موظفي البيت الأبيض وأبلغه أنه سيبعث له الرسالة فقال سنونو :
" حسنا ولكن لا أريد أن يعرف أحد أن الرسالة أُبلغت ؟ " ، ووصلت الرسالة إلى واشنطن ولكن لم يصدر رد عليها .

في يوم الأحد ذاك عقدت لجنة وزارة الدفاع الإسرائيلية اجتماعا سريا بالقدس . وكان شامير معكر المزاج . ذلك أن " العلاقة الخاصة " بين بلاده وواشنطن بلغت أدنى مستوى لها . وقال شامير لأحد زملائه : " لقد اتصل بوش بالتلفون بجميع حلفائه وبكل زعيم في المنطقة فيما عدا زعماء ليبيا والعراق وإيران ومنظمة التحرير. واسرائيل " .

كان موقف إدارة بوش مصدر قلق للزعماء الإسرائيليين . إذ صار من الواضح لهم أن الأميركيين يريدون استبعاد اسرائيل وإجبارها على التزام الهدوء لكي لا تهدد الحلف العربي المناهض للعراق الذي كان يجري إنشاؤه . وضربت واشنطن عرض الحائط بجميع عروض القدس للتعاون مع الأميركيين وخصوصا في مجال المخابرات .
وخيم على الجلسة السرية جو كئيب . وقال موشي ارينز وزير الدفاع : " علينا أن نحتفظ بحقنا في التدخل إذا تغير الوضع الجغرافي الاستراتيجي في الشرق الأوسط تغيرا جذريا أو إذا تعرض الأردن للغزو " .

كان بين الحاضرين الجنرال دان شومرون الذي قاد بنجاح الغارة على انتيبي ورؤساء دوائر المخابرات . ولم يكن بينهم من يعتقد بأن السعودية ستتعرض للغزو . وقال احدهم : " إن حجم ردود الفعل الدولية تجعل وقوعه أمرا غير محتمل " . لكن من الناحية الأخرى اعتبر قيام العراق بحشد قواته على حدود الأردن أمرا محتملا جدا . إذ كانت بعض الصواريخ العراقية في طريقها إلى حدود الأردن ويمكن لها أن تصل القدس أو تل أبيب في غضون أربع دقائق . وقال شامير : " علينا أن نزيد من نشاط مخابراتنا في جمع المعلومات . وينبغي أن نحصل على معلومات من أعلى المستويات لمعرفة ما يحدث عندما يحدث لا بعد ذلك بيوم " .

وكان المقصود بالاستهزاء رؤساء دوائر المخابرات . فمنذ الثاني من أغسطس كثر الكلام على تقصير المخابرات الإسرائيلية وخصوصا في الصحافة . ولهذا أمعن الحاضرون في تحليل حركات صدام حسين ـ وتمخض تحليلهم عن تشابه عجيب بين ما يحدث وما حدث في عام 1980 .

يتبع >
[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 12-03-2007 الساعة 07:51 AM
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 12-03-2007, 08:05 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

ففي عام 1980 وعشية الهجوم الإيراني على جزيرة الفاو ـ وهو الهجوم الذي مثل بداية الحرب العراقية الإيرانية ـ ذهب صدام حسين لتفقد قواته التي كانت في جبهة بعيدة وذلك لإحداث انطباع بأن الهجوم سيقع على منطقة مختلفة . وبعد ذلك بعشر سنوات قام بدعوة الملحقين العسكريين الأجانب في بغداد إلى الحدود مع الكويت لمشاهدة فرقتيه المرابطتين هناك . وبهذا حول العراقيون الأنظار عن الهدف بطريقة رائعة . فمن كان يصدق بأن بلدا يدعو خبراء أجانب لمشاهدة قواته وهي تتأهب للغزو ؟ وفور عودة الملحقين العسكريين إلى بغداد وبينما كانت السفارات الغربية والعربية تبرق إلى عواصمها مطمئنة وداعية إلى التفاؤل ، أصدر صدام أوامره إلى قواته الرئيسية بالزحف على الكويت .

شيء واحد أصبح واضحا وهو انه يفتقر بشكل مؤلم إلى قمر صناعي عسكري قادر على رصد حركات القوات المعادية عن بعد . فكان لا بد من اللجوء إلى الأميركيين من أجل مساعدتهم فورا في تحقيق ذلك .

وبعد هذا الاجتماع عقد ديفد ليفي وزير الخارجية جلسة مغلقة مع شامير وموشي أرينز . وكان ليفي سيغادر البلاد إلى واشنطن في اليوم التالي وعليه فقد كان ذلك هو الوقت المناسب لوضع تفاصيل الموضوعات التي سيجري بحثها بصورتها النهائية . وجاءت الرحلة في أوانها تماما لأنها تتيح الفرصة لجس النبض بالنسبة للنوايا الأميركية تجاه أزمة الخليج . ولكن بعد بضع ساعات استولى الفزع على شامير عندما علم بأن جيمس بيكر ـ وزير الخارجية الأميركية ـ اجل ليفي شهرا .

في وقت متأخر من بعد الظهر هبطت الطوافة التي عاد بها بوش من كامب ديفد على العشب أمام البيت الأبيض . ونزل منها وهو يقرأ عبارة على قصاصة من الورق ناوله إياها ريتشارد هاس الذي كان إلى جانبه ، وتقول : " إن اوزال على التلفون " ، وأخذ بعض الصحفيين الذين كانوا بالقرب من الطائرة يسألونه . فتقدم إليهم بشيء من العصبية وقال: " إن احتلال الكويت لن يدوم ".

وبالرغم من أن الذي كان ينتظر التحدث معه حليف ذو شأن فإنه قضى عشرين دقيقة وهو يرد على أسئلة الصحفيين . وعندما قال بوش " لقد ظفرنا بدعم العالم العربي " ، وجه إليه أحد الصحفيين سؤالا أخرجه عن طوره . وكان سؤاله : " كيف تقول ذلك وكل صحيفة تحمل صورة لصدام حسين مع ملك الأردن على صفحتها الأولى ؟ " فجاء رد بوش فظا . قال : " أستطيع القراءة . فما هو سؤالك ؟ " .

وعاد بوش إلى المكتب البيضاوي حيث كانت بانتظاره رسائل تأييد من جميع أنحاء البلاد . وكان بعضها في غاية الإيجاز مثل " عليك به " و " " أطح به " . علق أحد مساعديه عليها بقوله : " لقد أخذ ينفد صبر البلاد " .

وقبل ذلك بقليل غادر تشيني وزير الدفاع البلاد إلى السعودية ومصر . واعتبر اجتماعه مع الملك فهد حاسما . وقال أحد موظفي البيت الأبيض في ذلك :
" إن القضية كما نطرحها أمام السعودي محددة تماما " . نقول له : اسمع ، أمامك شخص كذب عليك قبل إقدامه على ما فعله بخمسة أيام . وليس هناك الآن ما يدعوك إلى تصديقه . فأنت أدرى بالمثل القائل : " لا يلدغ الشخص من جُحر مرتين " .

ولمسئول أميركي كبير تصريح غير رسمي يلقي أضواء على الاهداف الأميركية يقول : " إن احتلال الكويت لا يشكل في حد ذاته تهديدا للمصالح الأميركية . فالتهديد الحقيقي يكمن في القوة التي يحصل عليها العراق عندما يضع يده على 20 % من احتياطي العالم من النفط ويسيطر على منظمة الأوبيك ويبسط هيمنته على الشرق الأوسط ، ويهدد إسرائيل ويسعى إلى الحصول على القنبلة الذرية ".

بحلول المساء كان بوش قد ضرب المثل في النشاط : ففي غضون أربعة أيام أجرى ثلاثا وعشرين مكالمة تلفونية مع أثني عشر من زعماء العالم ، وأحيانا بمعدل مكالمة كل ساعتين . والآن وقبل أن يعود إلى جناحه الخاص تحدث بالتلفون مع كولن باول وعهد إليه بالبدء بتجميع كل القوات التي يمكن إرسالها إلى السعودية . وبعد ذلك بقليل عقد اجتماعا أخيرا مع جيمس بيكر وبرنت سكوكروفت لبحث العقبة الأخيرة المتبقية وهي رد فعل الاتحاد السوفييتي .

كان بوش قد اعتزم إصدار الإشارة النهائية لانطلاق القوات مساء الاثنين بعد اجتماع تشيني بالملك فهد ، بحيث تغادر طلائعها صباح الثلاثاء ، لكنه آثر الانتظار إلى يوم الأربعاء ليعلن ذلك.

اتفق الثلاثة على أن مواجهة الاتحاد السوفييتي بالأمر الواقع سيكون كارثة . فإذا انتقد غورباتشوف نشر القوات علانية فان جميع الجهود التي تبذل لإقناع الأمم المتحدة بالموافقة على العقوبات ستتعرض للفشل . وكان التصويت سيجري في الأمم المتحدة بعد ظهر اليوم التالي . فاقترح سكوكروفت الاستفادة من " الوقت القصير ولكن الكافي " لطمأنة موسكو وإطلاعها على النوايا الأميركية . وقال سكوكروفت : " يمكننا استخدام دقة الوضع لتقوية العلاقات الأميركية السوفيتية بشكل أسرع " . وتقرر أن يستغل بيكر الفرق في التوقيت فيتصل بشيفارنادزه من موسكو في وقت متأخر من ذلك المساء .

وبحكم كون باول وبيكر وسكوكروفت دائما في الواجهة خلال إدارة الأزمة فقد شكل ثلاثتهم في واقع الامر وزارة حربية . على أنهم كانوا ذوي طباع مختلفة .
كان باول ـ كما يقول احد أصدقائه بمثل " الحلم الحقيقي رجال الأعمال " ، والتجسيد الحي للحلم الأميركي . فهو ابن مهاجر من جامايكا ونشأ في هارلم وجنوب البرونكس ( أي المنطقة بين هارلم ولونغ آبلند ) . ولم يكن طالبا نجيبا . ففي المدرسة الابتدائية وضع في قسم التلاميذ " البلداء " على ان هذا كله تغير في الجيش . فقد برز في حرب فيتنام ونال احد عشر ميدالية . ولفت بتشدده في أمر " التهديد السوفييتي " نظر رجال ريغن . فدخل البيت الأبيض ولم يجد صعوبة في الانتقال إلى عهد بوش . وعندما عين جنرالا أربع نجوم ورئيسا لهيئة الأركان المشتركة أكد بشيء من التحدي : " لقد شققت طريقي في سلم الجيش من دون أن ألعب البريدج والغولف والتنس " .

وكان جيمس بيكر ـ الثالث الذي يحمل هذا الاسم كما يحلو له أن يقول ـ قد ورث كأعز أصدقائه بوش ثروة كبيرة . ودرس بيكر بجامعة برنستون بينما درس بوش بجامعة بيل وقد أتاحت لبيكر ثروة أسرته التي تكونت من ممارسة المحاماة في هيوستن ان يشق طريقه بنجاح في ميدان الاعمال الحرة والسياسة . وإذ تولى رئاسة هيئة الموظفين بالبيت الابيض في عهد ريغن ثم وزارة المال فقد كان رفيقا دائما لبوش في حفلات العشاء ، وعطل نهاية الأسبوع ، ورحلات صيد السمك . وبالرغم من أنه كان مثل بوش متحفظا في كلامه، فانه كان في أكثر الأحيان اكثر جزما وينفعل على نحو غير متوقع .

أما سكوكروفت الذي بلغ الخامسة والستين من العمر فهو وسط بين بوش وبيكر . كان حاد الذكاء يغلب عليه الصمت . وسبق له أن كان جنرالا في سلاح الجو ، وعُرف بـ " الجندي المفكر " وكان شديد الولاء لبوش . وشهد في عهود مختلف الرؤساء ما يحدث من تنافس بين رئيس مجلس الأمن القومي ـ وهو منصبه الحالي ـ وبين وزير الخارجية ، ورأى كيف كان وزير الخارجية يخرج في الغالب منتصرا . وربما كان هذا ما يدفعه إلى عدم التعالي على بيكر المتعطش اكثر منه إلى اثارة اهتمام وسائل الاعلام به . ولكنه ـ أي سكوكروفت ـ صاحب نفوذ كبير ودهاء ربما ورثه عن مرشده ورئيسه السابق هنري كيسنجر . ومنذ بداية الأزمة لم يفارق الرئيس بوش . وكان بعد له بياناته وخطبه ، ويحلل تقارير المخابرات بالتفصيل ، ويوازن بين منافع القرار ومضاره .

في السادس من أغسطس كان شيفارنادزه يقضي عطلة تمتد بضعة أيام في بيته الصيفي في القرم . وكان وحده فيه يتمتع بالراحة عندما رن التلفون وعلى طرفه الآخر زميل له في موسكو أبلغه أن وزير الخارجية الأميركية يريد أن يتحدث معه .
قال بيكر بصوت ينم عن سروره : " شيف ، كيف تجد عطلتك ؟ هل الجو جميل ؟ " لكن لم يلبث ان غير لهجته وقال : " سوف نرسل قواتنا إلى الخليج " وأضاف على الفور : " وذلك بطلب من السعودية " . ومضى بعد ذلك يتحدث على آخر تقارير المخابرات حول الحشد المتواصل للقوات العراقية في الكويت وعلى الحدود السعودية حيث احتشد اكثر من مئة ألف جندي . وأضاف : " نؤكد لكم اننا لا نحاول الاستفادة من الوضع لنزيد من نفوذنا في المنطقة " . فقال شيفارنادزه : " ماذا تقصد بهذا ؟ هل تريد استشارتنا أم إبلاغنا ؟ " ، وكان صوت شيفارنادزه يتصف بالبرود . فقال بيكر محرجا : " إننا نعلمكم لأنني لا أعتقد أنه شيء يمكن أن نقوم به معا . لكن هل تريدون أن تفكروا في الأمر ؟ لست مخولا باقتراح مشاركتكم لنا. فهل تتعاونون بإرسال قوات بحرية أو برية ؟ ".

كان بيكر قد طرح هذه الفكرة أمام السعوديين في اليوم السابق فلم يعترضوا على التواجد السوفييتي . فلم يقل شيفارنادزه شيئا ـ وعندئذ طرح بيكر سؤاله بطريقة أخرى : " لماذا لا نعمل في إطار اللجنة العسكرية بالأمم المحتدة ؟ " وكان السوفييت يحاولون منذ سنوات إيقاظ تلك اللجنة من سباتها .

قام بيكر على الفور بإبلاغ مضمون الحديث لبوش وأظهر حماسة كبيرة لفكرة إشراك السوفييت في أزمة الخليج . فأعرب بوش عن اهتمامه واتصل على الفور بكولن باول الذي لم يكن لديه اعتراض على المبادرة .
فعاد بيكر إلى الاتصال بشيفارنادزه . قال : " لا يرى الرئيس بوش عقبة أمام تواجد بحري أو بري سوفييتي في تلك المنطقة . فقال شيفارنادزه بمزيد من التحفظ : " حسنا . إذا كان الرئيس بوش مهتما فعلا بالأمر فسوف ابحثه مع الرئيس غورباتشوف " .

كانت هذا تقدم كبير جدا . لأن هناك أولا البلاغ المشترك الذي سنصدره في موسكو والذي يتخلى فيه السوفييت عن أحد حلفائهم ويدينونه . نحن الآن نقترح حليهم أن يشاركوا سياسيا وعسكريا في الخليج " .
لكن لم تكد تتسرب أخبار هذا الاقتراح إلى خارج الحلقة الضيقة التي تضم زملاء بيكر المقربين حتى واجهت وزارة الخارجية عاصفة أشبه بالثورة . فمنذ عشرات السنين كان هدف السياسة الأميركية إبعاد الاتحاد السوفييتي عن الشرق الأوسط . فجاءت مبادرة بيكر خروجا على هذه العقيدة . فانهالت على مكتبه المذكرات التي يشيع فيها القلق أو الغضب من مختلف دوائر وزارة الخارجية . ووجد موظفوها حليفا غير متوقع وهو غورباتشوف . الذي لم يظهر امتنانه للاقتراح . فالمصاعب الداخلية التي كان عليه أن يواجهها والذكرى المرة لغزو أفغانستان شجعت زعماء الكرملين على إتبّاع سياسة الحذر والترقب .
قال بيكر لشيفارنادزه بعد بضعة أيام : " هذا العرض رمز لحسن النية " . فقال هذا باقتضاب : " شكرا لكم . لقد أدركنا ذلك " .

قبيل ظهر اليوم ذاته عاد عرفات إلى القاهرة حيث انضم إليه أبو إياد الرجل الثاني في منظمة التحرير ، واستقبلهما مبارك . فأطلعه عرفات على ما دار بينه وبين صدام خلال مقابلتهما في اليوم السابق . قال : " إنه فعلا مستعد للتفاوض " . وأضاف أنه يخشى اكثر من أي وقت مضى حدوث مواجهة عسكرية . ونبه أبو إياد إلى إمكان تدخل اسرائيل . وبدا ان مبارك كان يشعر بعداء متزايد للعراق وأنه يعارض القيام بأية تسوية . أما الذي أدى إلى اتخاذه هذا الموقف الجديد المتصلب فهو الحملة السياسية والإعلامية العنيفة في الولايات المتحدة . فاعتزم عرفات وأبو إياد أن يذهبا إلى السعودية وهي البلد الوحيد الذي كان لا يزال قادرا على التفاوض معه حول التسوية.

في جدة كان ريتشارد تشيني يضع اللمسات الاخيرة على الاتفاق الذي جرى التوصل إليه مع الملك فهد . والواقع أنه كان قد أصبح مفاوضا أكثر منه رسولا في الأزمة القائمة . وكان يمثل الخيار الثاني لدى بوش للحلول في منصب وزير الخارجية الذي يعتبر من المناصب الرئيسية . واقترح ترشيحه وأيده برنت سكوكروفت . وكان تشيني يعاني من مرض في القلب . وعندما اجتمع به سكوكروفت لبحث إمكان ترشيحه كان السؤال الذي طرحه عليه بلا مجاملة : " ديك كيف صحتك ؟ " .
كان قد جرى التمهيد إلى حد كبير لمحادثات بوش التلفونية مع الملك بحضور الجنرال شوارزكوف وروبرت غيتس ، وأخو الملك ووزير الدفاع الأمير سلطان الذي كان قد قطع رحلة استجمام في مراكش ؛ وعبد الله بن عبد العزيز ولي العهد ؛ ونائب رئيس الوزراء ورئيس الحرس الوطني . وكان عبد الله طوال الوقت اكثر شكا في الاميركيين من فهد . وعليه فقد كان هو الذي ينبغي إقناعه .

لكنه درس بعناية تقارير المخابرات الأميركية السرية والصور الفوتوغرافية التي التقطتها الأقمار الصناعية والتي تشير بالتفصيل إلى الحشود العراقية في الكويت وعلى الحدود السعودية وتحدث مطولا مع شوارزكوف وتشيني عن المواقع التي يمكن تمركز القوات الأميركية عليها . وقال له تشيني : " هذا كل ما نستطيع تقديمه لكم " . فقال فهد أخيرا :
" حسنا ، سأقبل ذلك كله " .
وكان السعوديون قد اشترطوا مسبقا وقبل أن يعربوا عن موافقتهم النهائية . أنه " مما لا يقبل الجدل أنه لن يجري إنشاء قواعد عسكرية دائمة على أرضنا " . وكان الأميركيون قد توقعوا هذا فاقترحوا بروتوكولا سريا : انسحاب القوات الأميركية من الأراضي السعودية حالما تسمح الأحداث بذلك ولكن اقامة قواعد دائمة ومساكن للقوات الأميركية والقوات المتعددة الجنسيات في إمارة البحرين وداخل الكويت .

لقد عوّل الأميركيون على عدم رضى الزعماء السعوديين . إذ كانت هناك اولا مشكلة الملك فهد الذي كان لم يقرر بعد الإقدام على أي عمل . ويقول احد المقربين منه والمطلعون على الأمور : " لا تكاد تظهر المشكلة حتى يهرب الملك منها " . واخذ يطيل اعتكافه في قصره ويتجنب مستشاره ورجال أسرته . ثم ان الزعماء السعوديين كانوا يدركون مواطن ضعفهم : إذ كانوا قد اشتروا خلال السنوات القليلة الماضية ما قيمته 150 بليون دولار من الأسلحة المتطورة ومع هذا فقد كانوا يعترفون بأنهم لا يستطيعون صد عدوان جيش قوي كجيش العراق عليهم . كما أن السعودية كانت تستخدم دخلها الهائل البالغ خمسين بليون دولار في السنة في محاولة عقد التحالفات الاقليمية وتحييد أولئك الذين قد يصبحوا أعداء لهم . على أن أزمة الخليج كشفت عن نواحي قصور هذه الإستراتيجية .

عندما افتتحت المحادثات في جدة بين الأميركيين والسعوديين كان صدام حسين يستقبل جوزف ولسون القائم بالأعمال الأميركي في جدة . وبدا عليه الارتياح وهو يحيي الدبلوماسي الأميركي وبادره بقوله : " ما هي الأخبار السياسية والدبلوماسية ؟ " . فالتفت ولسون لوزير الاعلام العراقي الذي حضر المقابلة وقال : " لدى وزيرك من الأخبار التي يتلقاها من محطة سي أن أن(CNN ) ما يفوق ما عندي " . فقال صدام :
" طلبت منك ان تدرس التطورات التي تحدث بعد مقابلتي لسفيرتكم . فقد تلت ذلك مفاوضاتنا الفاشلة مع حكومة الكويت السابقة . لكن ما حدث قد حدث " . فقال ولسن : " لقد أخبرني وزيركم من قبل " .

واصل صدام كلامه للدبلوماسي الامريكي قائلا :
" إني مطلع على تفاصيل الموقف الأميركي . نحن نعلم جيدا انه حين يحدث أي شيء في العالم العربي ، أوروبا ، أو في أميركا اللاتينية يكون للولايات المتحدة موقفها دائما . ولا يفاجئنا ان يدين الأميركيون عملا من هذا النوع الخاصة أنهم ليسوا طرفا فيه . ولكن على الولايات المتحدة ان تحرص على أن لا تتبع النصائح السيئة ، إذ قد تجد نفسها في وضع محرج .
" إنني متأكد من أنكم اطلعتم على الرسائل التي وجهناها إلى ايران خلال الحرب ، رسائل تقيم الوضع في الحاضر والمستقبل . وبما ان هذه الرسائل كانت في غاية الصراحة ، اعتقد الإيرانيون أنها لعبة تكتيكية من طرفنا . ولكننا كنا نقول لهم ما نعتقده لأننا كنا نريد السلام ولأن الحرب لا تفرحنا . ولكن تعرفون النتائج : فلو أخذ الإيرانيون بالاعتبار ما كنا نقوله لهم لما نشبت الحرب .

" أريد أن أتحدث عن العلاقات بين العراق والولايات المتحدة في ضوء التطورات وعما سيحدث إذا ارتكبت الولايات المتحدة أي خطأ . وفي البدء سأتناول ثلاث نقاط ذات صلة بالوضع الراهن:
"كانت الكويت دولة بلا حدود حقيقية. وقبل عام 1961 لم تكن دولة . فما الذي حصل في عام 1961 ؟
"عندما عيَّن عبد الكريم قاسم حاكماً على الكويت، تابعاً لمحافظة البصرة، كان العراقيون يعلمون، وكذلك عبد الكريم قاسم نفسه، أن الكويت تشكل جزءا من العراق . كانت الكويت إذاَ حتى ذلك الحين دولة بدون حدود، ولا يمكننا بالتالي أن نحكم على دخول القوات العراقية في إطار العلاقات بين دول العالم العربي.

"وأنتم تعلمون أنه كانت لنا منذ 1975 علاقات ممتازة مع السعودية، وأن هذه العلاقات كانت تتطور بصورة جيدة قبل الثاني من آب . فحتى تاريخ الثاني من آب كانت تسود فيما بيننا علاقات ثقة وتعاون فعلية. وأيا كانت السياسة الأميركية فإننا لم نر في علاقتنا الجيدة بالسعودية ما يضر بالمصالح الامريكية . وإذا صح هذا فإن العلاقة الحسنة بين العراق والسعودية لم تضر الولايات المتحدة وليس هذا فحسب ، بل انها كانت عامل استقرار في المنطقة . إذا فأي تدخل في العلاقات بين العراق والسعودية لا يمكن إلا أن يزعزع الاستقرار في المنطقة وأن يلحق الضرر بالمصالح الأمريكية .

" إننا لا نفهم ما تقصدونه عندما تصرحون بأنكم تتخوفون من نوايا العراق تجاه السعودية وأنه بعد الكويت سيجيء دور السعودية . هناك شيء آخر لا نفهمه أيضا : فإذا كنتم تستبقون الأمور وتدفعون بالسعودية إلى عمل ما ضد العراق ، فأنكم تجبروننا على الرد وبذلك يكون عملكم من قبيل الاستفزاز .
" وكما تعلمون فإننا أول من اقترح عقد معاهدة أمنية مع السعودية تقضي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل من البلدين وعدم اللجوء إلى القوة , ووقعنا الاتفاق . واقترحنا الاتفاق ذاته مع الكويت التي رفضته ربما بناء على نصيحة دولة أجنبية قد تكون بريطانيا .

" وتعلمون أيضا ان الاتفاق أزعج بعض الأوساط الغربية التي أخذت تسخر منه مقارنة إياه بالمعاهدات بين انجلترا وفرنسا ( كمعاهدة سايكس ـ بيكو التي نصت على اقتسامهما للشرق الأوسط ) . ونحمد الله على أن الكويت لم توقعه .
" كنت سعيدا جدا عندما قررنا دعم الجماعة الثورية في الكويت لأنه ليس هناك اتفاق بيننا وبينها . فلو كان هناك مثل هذا الاتفاق لما استطعنا ذلك .
" لقد ساعدتنا السعودية ودعمتنا خلال الحرب مع إيران . وبادرت إلى تمكيننا من استخدام خط أنابيب ( لتصدير النفط عبرها ) . بل إنهم قدموا لنا مساعدات مالية لا قروضا .

" فإذا كنتم قلقين فعلا على السعودية فإنه لا أساس لقلقكم . أما إذا كنتم تتظاهرون بذلك لإثارة قلق السعوديين فذلك شيء آخر . وسنقول الشيء ذاته لإخواننا السعوديين ، ونحن على استعداد لتقديم الضمانات التي يريدونها لإزالة قلقهم . ونحن فوق ذلك نشعر بأن من واجبنا إذا كان هناك خطر خارجي أن نحمي السعودية . أما علاقتنا بالعالم العربي فقد نتفق اليوم ونختلف في اليوم التالي . وحتى الآن لم تواجهنا مشكلة في ذلك .

" والنقطة الثالثة التي أريد أن أتحدث عنها هي الشائعات التي تقول بأن صدام حسين تعهد لبعض الدول العربية بأن لا يستخدم القوة ضد الكويت مهما كانت الظروف . كما علمنا أيضا بطريقة أو بأخرى أن بعض المسئولين العرب أبلغوا شيئا كهذا للأميركيين . وأود أن أؤكد هنا انه ينبغي على الأميركيين أن لا يأخذوا بهذا . ذلك أني لم أتعهد بذلك لأي عربي . وما حدث هو أن بعض الزعماء العرب تحدثوا معي عن حشد القوات على الحدود الكويتية وقالوا إن القلق والخوف استوليا على الكويتيين . فقلت لهم إنني وعدت أن لا أقوم بأي عمل عسكري قبل الاجتماع المتفق عليه بجدة . هذا هو ما حدث . إذ لم أقم بأي عمل عسكري قبل الاجتماع . وكنا ننتظر عودة نائب الرئيس ( العراقي ) لاتخاذ قرار .

" هناك من يتحدث عن السرعة التي تمت بها العملية ، ويقصدون بذلك أن النية كانت مبيتة للغزو قبل الاجتماع . لقد خطر ببالنا قبل الاجتماع أن نقوم بذلك بسبب الحركة الوطنية في الكويت لكنه لم يكن الخيار الأول أمامنا . كنا نبذل المزيد من الجهد للتأكيد على حقوقنا من خلال المفاوضات . فنحن عرب ، وكان من الطبيعي أن تكون لنا علاقات مع المعارضة الكويتية كعلاقات الكويتيين بالمعارضة العراقية .

" عندما باتت مصالحنا الاساسية مهددة وبعد أن استهلكت جميع السبل اضطررنا إلى اللجوء إلى القوة . والسؤال الذي يطرح الآن على الرئيس والقادة الأميركيين هو التالي : ما الذي يتهدد المصالح الأميركية في الكويت أو في غير الكويت ؟ .
" إنكم تعلمون أنكم كنتم تشترون نفط العراق منذ توليت الحكم . وبالرغم من أن علاقاتنا كان في تلك الأثناء مقطوعة ، وأنكم صرتم تشترون المزيد منه بعد استئناف العلاقات عام 1984 . وكنتم حين قررتم مقاطعة النفط العراقي تشترون ثلث نفطنا . وقراركم هذا قرار سياسي لا فني . إذ نعلم أن ما يخدم مصالحكم هو التجارة واستمرار حصولكم على النفط . إذاً ما الذي يخيفكم ؟ ما الذي يجعلكم تبحثون الخيارات العسكرية التي ستنتهي حتما بالفشل .

" أنتم دولة كبرى ونحن نعلم أن باستطاعتكم أن تلحقوا بنا الضرر كما قلت سابقا لسفيرتكم . ولكن إذا ما حصل ذلك ستخسرون كل المنطقة ولن تتمكنوا من تركيعنا حتى وإن استخدمتم كل ما تملكون من أسلحة . يمكنكم أن تدمروا مراكز أبحاثنا التكنولوجية واقتصادنا ونفطنا . ولكن بقدر ما تدمرون تصبح الأشياء صعبة بالنسبة لكم . ثم أننا لن نتردد في ضرب مصالحكم في المنطقة كما هجمنا على الكويت عندما تآمر هذا الأخير ضدنا . لا تضعونا في مثل هذا الموقف . فعندما نرى حياتنا مهددة نهدد الآخرين . إننا نعرف أنكم قوة عظمى قادرة على إلحاق الأذى والدمار ، ولكن لا أحد غير الله يستطيع تدمير الإنسان .

" لماذا تريدون ان تكونوا أعداء لنا ؟ لقد ارتكبتم ما يكفي من أخطاء بإضعاف حلفائكم في المنطقة الذين فقدوا أي اعتبار بنظر شعوبهم . وفي رأينا أنكم تحسنون رعاية مصالحكم عبر نظام وطني واقعي لا عبر السعوديين . إنكم تتحدثون عن العراق المعتدي . فإذا كان هو المعتدي في حربه ضد إيران فلماذا حافظتم على علاقاتكم معه ؟ إنكم تتحدثون عن تصريح الثاني من إبريل . إننا لم نصدر مثل ذلك التصريح قبل وخلال وبعد الحرب مع إيران .

" فما الذي جعلني إذن أصدر ذلك التصريح ؟ أصدرته لأن بعض الأوساط الغربية والأميركية كانت تحث اسرائيل على مهاجمتنا وذلك لوضع حد للعدوان . إننا نؤمن بأنه خدم السلام . كانت اسرائيل ستهاجمنا لو لزمنا الصمت ، وكنا بالطبع سنرد على الهجوم . وتذكرون أننا خلال الحرب مع إيران تعرضنا للقصف المتواصل ، وأننا عندما حصلنا على الصواريخ لم نبدأ باستخدامها بل بالتهديد بذلك . فلو أن إيران أخذت بنصائحنا لما استخدمناها . ونحمد الله على أن إسرائيل استمعت إلينا . فهل خدم ذلك قضية السلام ؟ يمكن للعراق أن يصمد ضد الصواريخ أكثر من إسرائيل .

" ,أخيرا فانه إذا كان الرئيس الأميركي يريد مواصلة إتباع سياسته في المنطقة والحفاظ على بمصالحه ، اللهم إلا إذا كان وراء تصعيد التوتر غرض أخر . وعلى أي حال فإننا نسعى إلى الاستقرار والسلام ولن نذعن لأحد . إننا نكره المجاعة والجوع . وقد سبق لشعبنا أن عانى من الجوع آلاف السنين . ولن نعود به إلى ذلك . إننا نتطلع بشرف إلى مستقبل إنساني يحفل ببناء يحفل ببناء وتطوير علاقات طيبة مع الولايات المتحدة ، هذا إذا أرادت ذلك . تلك هي رسالتي الجديدة إلى الرئيس بوش " .

واخيرا استطاع ولسون أن يجيب فقال :
" شكرا يا سيادة الرئيس . سأنقل ما قلتموه إلى حكومتي ، وسأبلغ رسالتكم فورا بالتلفون كما أني سأرسلها مسجلة على الورق . وكما قلتم بحق فان الوضع بهدد لا العلاقات الأميركية العراقية فحسب ، بل الاستقرار في المنطقة والعالم " فسأله الرئيس العراقي : " ولماذ يهدد العالم بالخطر؟ " فأجاب : " ما أعرفه هو أن القلق والاضطراب يسودان الأسواق العالمية " . فسارع الرئيس إلى القول :

" كان ذلك خطأ منكم . قبلنا بخمسة وعشرين دولار للبرميل ، ولولا مقاطعتكم لوصل سعر البرميل إلى 21 دولارا . وعندما تقاطعون خمسة ملايين برميل مرة واحدة فان ذلك يؤدي إلى عدم الاستقرار . ونعتقد بأن الذي سيستفيدون من ذلك هم تجار النفط لا الشعب الأميركي " .

قال ولسون :

" أشعر أنني ضربت على وتر حساس . فالحقيقة هي أنني أردت أن أقول بأنه يبدو لي في هذه الأيام الصعبة أنه من المهم أن نواصل الحوار بيننا لكي نتلافى الأخطاء. فبهذه الطريقة وحدها نستطيع إزالة التوتر وبرودة العواطف . ولهذا فأنني أرحب بهذه المناسبة لنقل الرسالة ؛ لكن أود تسجيل ملاحظتين قبل أن أعود إلى ما تفضلتم به ـ وسوف أحمل إليكم والى وزرائكم جواب الرئيس بوش . أولا ذكرتم في القسم الأول من رسالتكم أن الكويت جزء من العراق " .

يتبع >
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 12-03-2007, 08:11 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

فقال الرئيس :

" هذا هو تاريخنا . وعندما نقول ذلك فإننا نقوله لنؤكد للجميع بأن الكويت يجب أن تأخذه بعين الاعتبار لا أن تحتال عليه . هذا هو جوهر العلاقة بين العراق والكويت ، ويختلف الأمر بالنسبة لمصر أو السعودية " . فقال ولسون : " يهمني أن أفهم طبيعة العلاقة " .

وشرح صدام ذلك فقال:

" إن الذي يحدد هذه العلاقة شعبا البلدين لا أنا ولا الأميركيون أو السوفييت وغيرهم . وينبغي أن تقوم هذه العلاقات على الأخوة والاحترام المتبادل " .

فسأله ولسون : " وهل كان هذا ينقض العلاقة بين العراق والكويت ؟ " . فأجابه صدام بقوله : " أجل وخصوصا في الشهر الماضي . لقد ركضت وراء جابر في محاولة مني لتحديد الحدود فقال : دع الآخرين يفعلون ذلك ؟ لدينا ما يثبت قولنا . ولهذا استغربنا قوله ، ووجدنا بعد ذلك أنه كان يتآمر علينا " .

قال ولسون : " أشكركم . وسأنقل الآن إلى ملاحظتي الثاني . تحدثت عن علاقاتكم الأخوية مع السعودية وذكرتم اتفاق عدم الاعتداء عليها . أود أن أبلغكم قلق حكومتي حول نواياكم الحالية . وأشعر أنكم فعلتم ذلك بوجه عام ولكن اسمحوا لي . . . "

وهنا قاطعه الرئيس العراقي بقوله :

" وما الذي يبدد قلقكم ؟ " فقال ولسون : " لا ادري . وسوف أسأل رئيسنا . أعلم أنك شخص صريح ومستقيم ، ولكن أرجو أن نتفق على أنه نظرا للأحوال السائدة الآن حيث لم يحصل أي عمل عسكري من قبل الولايات المتحدة أو السعودية فانك تتعهد بأنك لا تنوي اتخاذ أي عمل عسكري ضد السعودية " .

فكان جواب صدام :

" يمكنكم أن تبلغوا تعهدي إلى السعوديين والى كل العالم . فنحن لا نعتدي على من لا يعتدي علينا ، ولا نؤذي من لا يؤذينا . ومن يسعى إلى صداقتنا يجدنا أشد تحمسا لمصادقته . وبالنسبة للسعودية فان الفكرة لم تخطر ببالي . فصداقتنا قوية . وإذا كنت تعرف شيئا لا نعرفه فأود أن تطلعني عليه . فمن الطبيعي ومما لا يزعجنا أن يستقبل الملك فهد حاكم الكويت السابق الشيخ جابر . ولن يساورنا القلق إلا إذا سمح له بالعمل ضد العراق من بلاده . وبالمناسبة أبلغ تحياتي للرئيس بوش وأطلب منه أن يسلّم بأن أسرة جابر ومن حوله قد انتهوا وأصبحوا جزءا من التاريخ.

" من الأمور المشروعة أن يهتم كل شخص بمصالحه الخاصة . ونود أن نعرف تماما ما هي مصالحكم المشروعة لكي نضمن لكم سلامتها . وأود أن تعلموا أن استقبالي لكم ليس حركة تكتيكية . وبرهنت على ذلك باستقبالي لكم بعد المقاطعة . ولست أسعى إلى إلغائها . ولا أسعى الآن حتى إلى موافقة الولايات المتحدة على ما فعلناه .

" فالذي أود معرفته هو المصالح المشروعة للولايات المتحدة . كما أود أن أنصحها بان لا تقدم على خطوات جريئة لا تستطيع التراجع عنها " .

فقال ولسون :

" سأعلم حكومتي بذلك . لقد أتيت إلى هنا وفي ذهني أفكار ثلاث تقلق حكومتي . أولا ، طبيعة الاجتياح . وتعرفون تماما موقف حكومتي من ذلك . ثانيا ، نواياكم مستقبلا تجاه السعودية وهذا ما أجبتم عليه . وأخيرا ، أمن الرعايا الأميركيين وخصوصا السماح لمواطنين الأميركيين بالرحيل . وكما تعلمون فإن الأميركيين حساسون جدا فيما يختص بفقد حرية التنقل . وهذا ينطبق أيضا على الأميركيين في الكويت حتى لو سلمنا بحدوث الانسحاب ( وربما كان يشير بذلك إلى الانسحاب الجزئي الزائف الذي أعلن عنه في أعقاب الغزو ) .

فسأله صدام :

" كيف يمكنكم الإدعاء بأنه لم يحصل انسحاب ، ثم الحديث عن شيء مختلف ؟ " فقال ولسون :
" شاهدت ثلاث قوافل تغادر البصرة وأعلمت واشنطن بالأمر ".

قال صدام :

" لقد استغرق دخول قواتنا إلى الكويت ثلاثة أيام ولا يمكنها أن تنسحب في يوم واحد . ولا بد لهذا الانسحاب أن يستند إلى اتفاق دولي ، ولن نسمح بوقوع الكويت في أيدي قوة اخرى . وإذا تزايدت التهديدات ضد الكويت فأننا سنرسل أفواجا أخرى . وطبيعة هذه التعزيزات مرتبطة بطبيعة التهديدات . وعندما يزول التهديد تنسحب قواتنا . نحن لا نريد أن تتحول الكويت إلى لبنان آخر . ولا اعتقد أنه من مصلحة أحد أن ينسحب الجيش العراقي بسرعة تاركا الكويت مسرحا للقوات المتناحرة . لقد أخذت الحكومة المؤقتة بنصيحتنا لها بتشكيل ميليشيات منفصلة . وكنا نصحناها أيضا بأن تصبح مكتفية ذاتيا وأن تعتمد على الجيش الشعبي . أما بالنسبة للأميركيين في الكويت والعراق فإن السفر محظور على العراقيين والأجانب في كلا البلدين . ومصادركم على علم بأن جيشنا عامل الأجانب بطريقة رتيبة . وقد سمحت حكومة الكويت في بلاغها بالسفر إلى العراق إذا توافرت السلامة " .

فسأله ولسون :

" هل لي أن أطلب منكم مباشرة أن تعلموني متى ستسمحون للرعايا الأميركيين المقيمين والزوار منهم بمغادرة البلاد ؟ " .

فسأله صدام :

" هل تسأل عما إذا كان سيسمح لجميع الأجانب بذلك ؟ " فقال ولسون : " لا أسمح لنفسي بالكلام نيابة عن الآخرين " . فقال الرئيس : " أردت أن أوضح أن هذا التقييد لا ينطبق على الأميركيين وحدهم . وسوف نبلغكم عن ذلك في حينه " . فسأله ولسون : " أرجو أن تسمحوا لي بأن أطلب منكم دراسة هذه المسألة بأسرع ما يمكن لأنها قضية عاطفية جدا وحسّاسة بالنسبة لحكومتنا وشعبنا " . فقال الرئيس : " نفهم ذلك ؛ ونفهم أيضا جانبه الإنساني " .

وواصل ولسون كلامه فقال : " أخيرا أود أن أضيف شيئين . لقد أشرتم إلى حسن تصرف القوات العراقية وهذا ما أكده لي وزيركم ونائبه ، وأعتقد أنه شيء منتظر . لكن أود لفت انتباهكم إلى أمر مهم وهو أن الجنود العراقيين اقتحموا في الليلة الفائتة بيت المستشار بالسفارة الأميركية في الكويت . وهذا يناقض السياسة التي شرحتموها . وأضيف إلى ذلك أن ما فعلوه هو انتهاك للحصانة الدبلوماسية . وما كنت لأذكر هذا لولا أنكم أثرتم هذه المسألة " .

فقال صدام :

" اجتمعت بالأمس مع بعض ضباطنا وحدثوني عن بعض الآسيويين والسعوديين وغيرهم ممن يخلّون بالأمن . وعلى أي حال فإذا كان الجيش العراقي قد فعل فإننا سنعترف به ، وسنؤكد لكم أنه عمل خاطئ وأننا سنقوم بمعاقبتهم . فهذا التصرف يتعارض مع سياستنا " .

فقال ولسون :

" نقطة أخيرة . في هذه الأيام الصعبة وخصوصا بالنسبة لسلامة المواطنين الأميركيين . .. " وهنا قاطعه صدام قائلا : " هل تعتزمون مهاجمتنا ؟ أمن أجل هذا تريدون ترحيل مواطنيكم ؟ " فأجاب ولسون : " كلا . ولكن من واجبي أن اوفر لهم حرية اتخاذ قرار بذلك . فأنا شخصيا سأبقى ، وأحب الحياة هنا. وأود أن أضيف أنه خلال الأزمة كانت أبوابها تظل مفتوحة لي ولزملائي من الساعة الثامنة صباحا إلى الخامسة مساء . كما أني اعبر لكم عن تقديري لرغبتكم في مقابلتي وعن رغبتي في الاطمئنان على مصير مواطنينا في الكويت " . فقال صدام : " كن مطمئنا " .

وعندئذ قال ولسون : " أود أؤكد لكم إخلاصي لمهنتي . فالحوار عصب حياة الدبلوماسيين وحال السياسة " . فقال صدام : " من الطبيعي أن تطمئنني إلى حسن نوايا زملائكم ؛ لكن عليك أن تتعهد لي بنقل رسالتي إلى الرئيس بوش " . فقال ولسون : " حدث أخيرا أن التقيت في أفريقيا بأحد الرؤساء الإفريقيين فطلبت منه أن يعود إلى وقائع اجتماعنا . ولو عدت إلى محادثاتي معكم لوجدت أنني شكرتك كثيرا " .

في العاشرة مساء بجدة ، اتصل ريتشادر تشيني بالبيت الأبيض عبر الخطوط الخاصة بفندقه . وكانت الساعة الثالثة بعد الظهر في واشنطن . فأطلع الوزير رئيسه على الضوء الأخضر السعودي الذي اقترن بشرط وهو أن على الولايات المتحدة إرجاء الإعلان عن ذلك حتى وصول طلائع القوات . ثم اتصل تشيني بكولن باول . وفي الرابعة بعد الظهر أصدر الرئيس الأمر النهائي بانتشار القوات الأميركية . وفي حديثه مع باول أسند إلى هذه القوات أهدافا ثلاثة وهي :

ردع العراق عن أي اعتداء ، والدفاع عن العربية السعودية ودعم قدرات شبه الجزيرة العربية .

وتلقى كبار الضباط تعليمات بأن يظلوا مستعدين لمهام أخرى ، ولكن لم يتطرق إلى ذكر شيء حول هجوم محتمل يهدف إلى إرغام العراق على الانسحاب من الكويت .
وبعد ساعة أقلع سرب من المقاتلات من طراز ف 15 باتجاه السعودية . وبذلك بدأت عملية درع الصحراء وفي ديسمبر 1989 استغرق اتخاذ قرار من قبل بوش لغزو بنما تسع عشرة ساعة . واستغرق اتخاذ قرار بالرد على غزو الكويت 115 ساعة .

توقفت مارغريت تاتشر في طريق عودتها من كولورادو بواشنطن . فاستقبلها بوش الذي كان قد اجتمع قبل ذلك بقليل مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مانفرد وورز. وفي تلك الأثناء وصلت نتائج التصويت في مجلس الأمن على القرار 661 الذي نال ثلاثة عشر صوتا وامتنع اثنان عن التصويت وهما كوبا واليمن . وقد حبذ القرار مقاطعة العراق تجاريا وماليا وعسكريا.

بعد ذلك بقليل أبحرت حاملة الطائرات سراتوغا والبارجة وسكونسن إلى الخليج . وأخذت الولايات المتحدة ترسل الإمدادات لدعم وجودهم البحري في المنطقة تمهيدا لحصار عسكري يهدف إلى دعم قرار الأمم المتحدة . وسأل بوش تاتشر كثيرا عن سير الحرب بجزر فولكلند والصعوبات التي كان عليها مواجهتها .

وفي اليوم ذاته تلقى البيت الأبيض أول برقية مختصرة عن المحادثات بين صدام والقائم بالأعمال الأميركي ببغداد وذلك قبل أن يتلقى النص كاملا . وعندما تم فك رموزه لم يثر الكثير من الحماسة . صحيح أن صدام صرح بأنه لم تكن لديه أية نية لغزو السعودية ، لكن الشك كان يكتنف تصريحه . وقال أحد مساعدي بوش : " من الصعب تصديق شيء مما يقوله . فما أكثر الضمانات التي قدمها قبل غزوه للكويت ".

كان مجلس الأمن مجتمعا للموافقة على القرار (661 ) الذي يفرض عقوبات على العراق . لكن حدث ما ولد الانطباع بأنه في حين أن البيت الأبيض يرفض ما قاله ولسون عن صدام حسين فإنه مستعد لاتخاذ موقف أكثر اعتدالا منه . ذلك أنه عندما لاحظ السفير توماس بيكرنغ علامات الاكتئاب بادية على وجه السفير الأردني عبد الله صلاح ذهب إليه وقال : " تشجع ، وقل لعمان أن تتصل ببغداد وتحصل منها على جواب . إذ لم ينقطع الأمل بعد " . ثم أملى عليه خمس نقاط (ليرسلها إلى بغداد ) .

1 ـ يجب أن يكون هناك انسحاب معلن وبيان يشتمل على جدول زمني يقول مثلا : في يوم الأربعاء سنفعل كذا . لكن لا ضرورة للقيام بهذا ( الانسحاب ) في يوم وليلة .

2ـ لا ضرورة للقلق حول عودة الأمير وأسرته . إذ يمكن الاهتمام بذلك فيما بعد .

3 ـ إننا نعتقد بأن موقفكم من القضايا المعلقة بينكم وبين الكويت جدير بالاهتمام . وفي حين أننا لا نناصر فريقا على آخر فإننا سنقوم بما هو ضروري للقيام بما يتطلبه الموقف من توسط وغيره.

4 ـ إننا نعترف بحاجتكم إلى منفذ على الخليج ، ونتعاطف مع قضية وصولكم إلى جزيرتي وربة وبوبيان .

5 ـ نقترح الدعوة علنا إلى استفتاء يتيح للمواطنين الكويتيين أن يقرروا مصيرهم .
وفي تلك الليلة بعث السفير الأردني الرسالة . وفي وقت مبكر من صباح اليوم التالي أيقظه زيد بن شاكر وزير البلاط وقال له : " لكن هل الرسالة من صنع بيكرنغ أن هي بالون اختبار من الإدارة ؟ ".

فاتصل عبد الله صلاح ببيكرنغ لمعرفة ما إذا كانت تلك هي مقترحات الإدارة . فأجاب بيكرنغ : " لا اعرف تماما غير أني على يقين من انها أقرب ما تكون إلى التعبير عن موقف الإدارة " .

وعلى الأثر اتصل بيكرنغ ببيكر وزير الخارجية الذي قال بأنه سيعود إلى الاتصال به . واتصل بالفعل بعد خمس دقائق وقال : " يمكننا تحمل هذا : وعلى الأثر قام بيكرنغ بتبليغ ذلك إلى السفير الأردني . وكان من المنتظر أن يجري على الفور نقل الرسالة إلى بغداد . لكن ليس هناك ما يؤكد نقلها .

يتبع >
[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 13-03-2007 الساعة 04:09 PM
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 13-03-2007, 12:41 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

الفصل الثامن
سطر كتب على الرمال

عندما نزل ياسر عرفات وأبو إياد في مطار جدة في السابعة من صباح 7 أغسطس كانوا مثل باقي الناس في العالم لا يعرفون شيئا عن الاتفاق الذي تم بين الزعماء السعوديين وواشنطن وعن عملية درع الصحراء الوشيكة الوقوع .
كان الليل في آخره في القواعد الأميركية على ساحل الولايات المتحدة الشرقي ، حيث كانت طلائع القوات { المتجهة إلى الخليج } . لكن لم تظهر أية علامات على وجود نشاط غير عادي.

عندما وصل الزعيمان الفلسطينيان قصر الملك فهد وجدا الجو المخيم عليه محيرا. لقد اعتادا أن يجداه غارقا في صمت يدعو إلى الخمول . أما عندئذ فكان خلية تعج بالنشاط . كانت ارتال السيارات تشاهد في طريقها إلى القصر حاملة أركان الحكم ، بينما كان مسئولون آخرون يروحون ويجيئون في دهاليز القصر وهم يحملون الملفات .
وظل عرفات وأبو إياد ينتظران إلى ان وصل رسول من الملك وأبلغهما ان الملك لن يستطيع استقبالهما قبل اليوم التالي . فقال عرفات مشيرا إلى الحركة غير العادية : " ما الذي أثاركم على هذا النحو ؟ " .

فتردد رسول الملك قليلا ثم أجاب بقوله : " لقد وصل وزير الدفاع الأميركي أمس على رأس وفد . وهو الآن يواصل محادثاته مع الملك " .
فأقلقت هذه الأخبار عرفات . ولم يكن أبو إياد المسئول عن دوائر الأمن والمخابرات بالمنظمة قد علم مسبقا بالزيارة . وعليه فإنهما أخذا يفكران في وضع جدول لزيارتهما .
وقبل ان يقررا زيارة السعودية للاجتماع بالملك فهد كانا يعتزمان الذهاب إلى فيينا للاشتراك في تشييع جنازة المستشار السابق يورنو كرايسكي الذي كان يدافع عن الفلسطينيين . لكن لم يعد بإمكانهما القيام بالرحلة لعدم وجود طائرة تقلهما إليها . وعبّرا عن خيبة أملهما لرسول الملك الذي أبلغهما نبأ تأجيل اجتماعهما مع الملك ، فاستمع إليهما باهتمام وبعد أن غاب حوالي عشرين دقيقة عاد منفرج الأسارير وقال : " لقد تم ترتيب سفركما . أمر الملك بتخصيص طائرة لكما . وهي الآن جاهزة لنقلكما إلى فيينا وإعادتكما إلى جدة " .

في القدس أدى تشييع جنازتي شابين إسرائيليين كانا قد قتلا، إلى أعمال عنف ضد العرب .
وفي مقر المخابرات العسكرية كان هناك أمران يشغلان الخبراء . فالعراقيون بغزوهم الكويت استولوا من الكويتيين على أعتده عسكرية متطورة أكثرها من صنع أميركي وشبيه بالأسلحة الموجودة لدى القوات الإسرائيلية . وبالاضافة إلى هذا كشفت " المصادر " أن المخابرات العراقية السرية تلقت وهي تعد للغزو معلومات كثيرة من مخابرات منظمة التحرير . وهذه بدورها حصلت عليها من الفلسطينيين الذين يحتلون مناصب مهمة في الكويت . وفي تلك الأثناء كانت طائرات ف 15 وف 16 تقلع من الولايات المتحدة إلى السعودية بينما كان أربعة آلاف رجل من الفرقة المحمولة جوا يتأهبون لمغادرة البلاد.

وبدأت الآثار الأولى لضغوط واشنطن السياسية هي الأخرى بالظهور . فقد أغلق السعوديون خط الأنابيب الذي ينقل النفط العراقي إلى البحر الأحمر ، ومنعت تركيا نقل النفط عبر أراضيها إلى شواطئها على البحر الأبيض المتوسط .
وكما قال أحد السياسيين الأوروبيين فانه كان هناك أسلوبان لمعالجة المشكلة وهما " المواجهة والخنق " واختار بوش اللعب بالوراقتين في الحال . لكن كان كلاهما يتطلب درجة كبيرة من التنسيق والتعاون الدوليين ليكون فعالا.

وفي داخل الدائرة المغلقة لزملاء بوش من أصحاب الاطلاع دار نقاش مثير حول أفضل وقت لإعلان حشد القوات في الخليج . ورأى أكثرهم أن يعلن عن ذلك بالتلفزيون مساء الثلاثاء " قبل ان تنشر الصحافة أخبار العملية " . أما بوش الذي لا يشعر بالارتياح عندما يظهر على شاشة التلفزيون فقد تمسك باعتقاده الذي يشوبه الغموض وهو أن الإعلان يجب أن " يجري في اللحظة المناسبة سياسيا وعسكريا " .

في تلك الأثناء أكد صدام حسين عبر التلفزيون أن احتلال الكويت " أنهى التجزئة الاستعمارية " التي كانت تفصل الأكثرية فقيرة عن الأقلية الغنية .

عاد عرفات وأبو إياد من فيينا ليلة الثامن من أغسطس واستقبلهما الملك فهد في الصباح ، وحضر المقابلة الأمير عبد الله ولي العهد . وكانت طلائع القوات الأميركية قد بدأت في الوصول .

وكان عرفات قد أصبح على مر السنين خبيرا في فن البقاء . فبعد أن تولى دور الوسيط الذي تخلى عنه الملك حسين بسبب خيبة أمله ، اعتقد انه يستطيع تعزيز مكانة المنظمة لا بين رؤساء الدول العربية فقط بل في الغرب . وكان قد رفض أن يدين غزو الكويت واعتبر ذلك ورقة مرور رابحة تمكنه من البقاء على اتصال بصدام حسين لكن موقفه لم يكن مصدر قوة له . فالواقع أنه أضعف مركزه .

وكان حافظ الأسد يحتقره ، ومبارك لا يثق فيه ، ودول الخليج تشجب موقفه . والسعودية وحدها التي كانت مموله الرئيسي ووقفت موقفا معتدلا من المنظمة .
وقبل وصول عرفات وأبو إياد إلى الرياض كانا قد فكرا في الانعكاسات المالية المحتملة للأزمة على المنظمة . وكان بعض مستشاري المنظمة الموثوق بهم قد نطقوا بكلمة " إفلاس " فإذا فقد الفلسطينيون البالغ عددهم 000 , 400 أعمالهم في الكويت وإذا تراجعت الدول عن تعهداتها المالية فان المنظمة ستجد نفسها بلا موارد تذكر .

وكان عرفات قد طلب وضع خطة تأخذ بعين الاعتبار تخفيض 35 % من الميزانية السنوية التي تبلغ بليون دولار . وجاء إلى جدة لا للمفاوضة فقط بل ولطلب المال .
وفاجأ الملك المتزن عادة ضيفه ـ عرفات وأبو إياد ـ بهجومه العنيف على آل الصباح الذين لجأوا إلى بلاده . قال غاضبا : " لدي انتقادات كثيرة لهم . إنهم لم يسددوا ديونهم . إنهم يتحملون القسط الاكبر من المسؤولية عن نشوء الأزمة " .

ثم بحث الملك مع الزعيمين الفلسطينيين خطة انسحاب من الكويت يمكن تقديمها لصدام حسين ، وتسمح للعراقيين بالانسحاب إلى المنطقة المتنازع عليها حيث آبار النفط . وتمكنهم من البقاء في الجزيرتين اللتين توفران لهم منفذا على الخليج .
فسأله أحد الفلسطينيين : " هل جلالتكم على استعداد للاجتماع بالزعيم العراقي ؟ " فنظر الملك إلى ولي العهد الأمير عبد الله وأجاب :
" نعم إذا التزم بهذه الشروط " . ووافق الملك كذلك على تقديم مال للعراق . وكان طوال المقابلة يتحدث عن صدام حسين بطريقة سلمية جدا .

وتحولت وجهة الحديث على نحو لم يسرّ الفلسطينيين عندما أثيرت مسألة تمويل المنظمة . إذ استولى الغضب على الأمير عبد الله الذي كان أقل مجاملة من الملك وقال :
" يبدو أنكم أيها الفلسطينيون لا تعرفون شيئا عما يفعله الكويتيون من أجلكم . إنكم لم تقدموا لهم شيئا في مقابل ثقتهم بكم ومساعدتهم لكم . "
وأخذت حدة النقاش تتصاعد فأمر الملك الجميع بالهدوء .

في الرابعة صباحا خرج بوش من جناحه بالبيت الأبيض وتوجه إلى قاعة المؤتمرات حيث قام مع برنت سكوكروفت بالإشراف على مغادرة القوات الأميركية . وفي السادسة صباحا عاد إلى المكتب البيضاوي . ورأى في طريقه صحفيا ملحقا بالبيت الأبيض فطلت منه أن يستمع باستمرار للراديو . وفي التاسعة التقى بالصحفيين في مكتبه وأعلن عن العملية . وعندما انتصف النهار عقد مؤتمرا صحفيا صرح فيه أنه " جرى رسم خط على الرمل " .

وفي التاسعة قام بمهمة يكرهها وهي الظهور على شاشة التلفزيون لمخاطبة الأمة . وبدا عليه التجهم والتوتر وقال : " يأتي وقت في حياة الأمة ندعى فيه لأن نكتشف من نحن وبماذا نؤمن . واليوم وبوصفي رئيسكم أطلب منكم دعمكم للقرار الذي اتخذته والذي يسمح لنا بأن نقف بثبات إلى جانب الحق ، وأن ندين الباطل " .
وأوضح في خطابه أن مهمة القوات الأميركية دفاعية تماما . وقال ان لها أربعة أهداف :

- انسحاب العراق الفوري غير المشروط من الكويت ؛
- إعادة الحكومة الشرعية إلى الإمارة ؛
- الحفاظ على أمن منطقة الخليج ، وخصوصا احتياطي النفط ؛
- حماية الأميركيين .

لم يكد الرئيس بوش يلقي خطابه حتى أصدر مجلس قيادة الثورة في العراق بيانا يعلن " ضم الكويت " ووصف ذلك بأنه " وحدة أبدية " .
وفي السعودية وغير بعيد عن الظهران حيث مقر أرامكو بدأت طلائع القوات الأميركية بالانتشار . وذكرت مصادر البنتاغون أن 000 , 500 جندي سوف يأخذون مواقعهم قبل نهاية الشهر .
وكان العالم العربي يقوم بآخر محاولة يائسة لتسوية الأزمة وكان مبارك منذ اليوم السابق يتصل بزعماء المنطقة لعقد مؤتمر في القاهرة في العاشر من أغسطس .

في تلك الأثناء كانت الحكومة في بغداد تقوم بالخطوات الأزمة لقطع ما تبقى من علاقات بينها وبين العالم الخارجي . ففي التاسع من أغسطس وبعد إعلان ضم الكويت بأربع وعشرين ساعة قرر العراق إغلاق حدوده وإبقاء جميع الأجانب على أراضيها " لأسباب أمنية " الأمر الذي كان سيحول ثلاثة ملايين شخص إلى رهائن .
كما أعلن العراق بأنه على جميع السفارات الأجنبية في الكويت ان تغلق أبوابها في غضون أربع وعشرين ساعة . لكن الصحافة الأجنبية عوملت معاملة خاصة . فمنح الصحفيون حرية الدخول والخروج . وأحسنت بغداد بصورة خاصة معاملة شبكات التلفزيون الأميركية .

وعلق المسئولون العراقيون على الحصار والإجراءات العسكرية ضدهم بقولهم : " نستطيع العيش بدون بيبسي (كولا) وبدون كومبيوترات ماكنتوش وبدون ويسكي " . لكنهم لم يذكروا أن العراق كان معاني من نقص في الحبوب وأنهم كانوا يستوردون ثلاثة أرباع ما يستهلكونه من القمح وكميات كبيرة من الأرز والسكر واللحم . والواقع أن العراق كان قد قام بتخزين حاجياته بسبب توقعهم حدوث الأزمة .

وفجأة اختفى صدام حسين بصورة غريبة من البلاد التي أعاد تشكيلها . كانت صورته في كل مكان : في الشوارع وعلى جوانب التماثيل والبنايات العامة . وكان قد أوجد حقائق جديدة ، وأعاد صياغة غيرها على طريقته . وأقام في بغداد صرحا شبيها بقوس النصر الباريسي أسماه " سواعد النصر " وطوله نحو ثلاثين قدما وعلى شكل سيفين متقاطعين يحملهما ذراعان ضخمان من البرونز . وكان تصميمه يمثل الشعار الذي اتخذه صدام والذي يرمز إلى انتصار العراق على إيران ـ وهو الانتصار الذي لم يحدث . لكن الشعب العراقي لم يحتج على ذلك بسبب يقظة البوليس السري . وكما قال أحد الدبلوماسيين فانه لم تكن تصل إلى البلاد " سوى لقطات من حقائق العالم الخارجي " . إذ كان صدام قد كون البلاد على صورته هو . فصارت مثله تجهل ما يجري في الخارج وتنعم بعزلتها .

ومرت أيام في الشطر الأول من أغسطس لم يشاهد أحد خلالها الرئيس العراقي . وكانت الدفاعات ضد الطيران قد عززت حول القصر الرئاسي . لكنه لم يكن يتواجد هناك إلا نادرا . ولما كان يخشى القصف ومحاولات الاغتيال فقد صار يميل إلى تغيير مكان إقامته كل ست ساعات ويقضي أكثر وقته في حصنه . وكان منذ زمن طويل قد اعتاد أن يتصرف بلا غاية سوى البقاء على قيد الحياة . أما الآن فقد كان كما يعرف تماما يقوم بأخطر لعبة خلال حكمه .
كان قد أحرق كل الجسور . وفي هذه الفترة التي تعرض فيها للإدانة دوليا فان الزوار الأجانب صاروا يتحاشون الذهاب إلى بغداد . ولم يشذ عن ذلك سوى ياسر عرفات وأبو إياد اللذين كان يسعيان إلى التسوية .

خرج صدام من مخبئه لمقابلتهما . ولم يبد عليه شيء من القلق أو الدهشة بسبب الحملة الشعواء التي شُنت عليه . وكانت الأمور قد ازدادت تعقيدا بعد الاجتماع الأخير بين صدام وعرفات . وكان قد جرى إعلان ضم الكويت وأخذت القوات الأميركية تصل إلى السعودية . وقدر لاجتماعهم هذا أن يدوم ثلاث ساعات .
حاول عرفات وأبو إياد إقناعه بحضور قمة القاهرة في اليوم التالي . فرفض ذلك إذ كان أمير الكويت يعتزم حضورها . وبالرغم من جميع محاولاتهما فانه لم يغير موقفه . وقال لهما بغضب : " لقد زالت الإمارة وممثلوها من الوجود " . وكانت تلك اللحظة الوحيدة التي خرج فيها عن طوره.

فاقترح الزعيمان الفلسطينيان خطة أخرى تقضي بأن يسافر عرفات إلى القاهرة ويقنع زعماء الأقطار الرئيسية الخمسة بزيارة بغداد لإجراء مفاوضات ، على أن تتوقف القمة إلى أن يعودوا . لكنهما كانا يدركان أن اقتراحهما فيه مجازفة كبيرة ومعقد إلى حد يتعذر معه نجاحه إلا إذا استطاعا إقناع رؤساء تلك الاقطار الخمسة حال وصولهم إلى القاهرة . ووافق صدام على الاقتراح .

وعندما انتهى الجانب الدبلوماسي الصرف من الاجتماع استبقاهما صدام ليتحدث إليهما . وتكلم بهدوء وحزم عن الحريق الضخم الذي كان باستطاعته إشعاله في المنطقة . ولم يعمد إلى التبجح ، بل كان واضحا ودقيقا وكأنه خبير في القنابل يعد قنبلة للتفجير ويختار وقت تفجيرها .
ثم تحدث صدام عن احتمال نشوب الحرب بينه وبين الولايات المتحدة فقال : " من الواضح أنه حالما أهاجم سوف أهاجم اسرائيل . فتدخل إسرائيل في النزاع سوف يغير موقف كل شخص في العالم العربي ، وسوف يعتبر العدوان على العراق مؤامرة أميركية صهيونية . وسوف يقوم عدد من الدول التي تدعم الولايات المتحدة الآن وخصوصا مصر وسوريا بتغيير موقفها عندما ترى أن إسرائيل تشارك في الحرب ."
ثم أوضح صدام ذلك فيما بعد بقوله : " إنني أقوم بتعزيز البنية العسكرية التحتية في الكويت . سيكون هناك أربعة خطوط دفاعية اثنان منهما للدفاع عن مدينة الكويت . وسوف تضطر القوات الأجنبية إلى اختراقها إذا أرادت استعادة المدينة . وحتى لو تحقق للولايات المتحدة التفوق في الجو فان قواتي ستلحق خسائر جسيمة بالقوات المهاجمة " .

وكان الجانب الثالث من خطته يتعلق بالسعودية " حيث تشكل فريق من العراقيين والسعوديين مستعد لشن هجمات إرهابية على القوات الأميركية المتمركزة على الأراضي السعودية " .
وختم صدام حديثه بقوله : " إذا نشبت الحرب فسوف يقع القتال في السعودية . وفي السنوات الخمس الماضية تم تهريب عشرات الأسلحة التشيكية والبولندية عبر الحدود من اليمن . وهي الآن بأيدي القبائل المعادية للأسرة السعودية الحاكمة " .

في أنقرة على بعد بضع مئات من الأميال وجد الرئيس التركي أوزال نفسه في وضع صعب . وكان إلى جانبه جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركية . فشكره بيكر على إغلاقه خط الأنابيب الذي كان ينقل النفط العراقي وأضاف : " على أن هذا ليس الغرض الرئيسي لاجتماعنا …" وأخذ أورزال يشعر بالقلق وهو يصغي إليه باهتمام . فقال بيكر : " المهم هو التفكير في كيفية استخدام قواعدكم العسكرية وبأية شروط " .

وجاء جواب أوزال مشحونا بالعبارات العامة الغامضة . قال : " لقد كانت لتركيا علاقات وثيقة بالغرب منذ أن أعلنت الجمهورية عام 1923 . ولكن كانت لنا أيضا علاقة تاريخية تقليدية مع العالم العربي والإسلامي " . فقال بيكر : هذا صحيح . إن الأزمة الحالية تبرز الأهمية الإستراتجية لبلادكم ودورها في حلف شمالي الأطلسي . ولهذا نريد أن نعرف إذا كنا نستطيع استخدام قواعدكم . " فسأله أوزال : " بأي إطار يا حضرة الوزير ؟ " أجاب بيكر : " لعل أعنفها طبعا هو القيام بهجوم على العراق ".

وعلت شفتي أوزال ابتسامة يشوبها الإحراج وقال : " تلك نقطة حساسة . ان باستطاعة قواتكم استخدام قواعدنا في إطار مناورات حلف شمال الأطلسي لكن الاحتمال الذي تتحدث عنه …" وهنا قاطعه بيكر وقال : " لا بد من عرض أي خطوة أولا على حكومتكم لنيل موافقتها . " فقال أوزال : " أعتقد أنه باستطاعتنا الاتفاق علي ما يلي وهو أننا سنلبي طلبكم إذا أصبح العمل العسكري …" فقاطعه بيكر وقال : "ضروريا " وعندئذ هز أوزال رأسه وقال : " لا ، إنني أفضل كلمة " لا يمكن تجنبه ."

فوافق بيكر على ذلك . ثم تطرق الحديث إلى احتمال مشاركة تركيا في القوة المتعددة الجنسيات التي كانت قد أخذت مواقعها للدفاع عن السعودية . ولم يبد الحماس على وجه أوزال الذي كان قد انضم إليه وزير خارجيته . فقال : " إنه احتمال ينبغي دراسته . " فقال بيكر :

" على أي حال تلك مسألة ينبغي تسويتها بين تركيا والمملكة العربية السعودية ، لا بين تركيا والولايات المتحدة ".

وبعد ذلك بوقت قصير طرح الزعيمان التركيان مسالة تضحياتهم المالية التي تنطوي عليها العقوبات ضد العراق . وعندما سألهما بيكر عن حجمها قالا بأنها ستبلغ 6 بلايين دولار . فوعد الوزير الأميركي بتقديم مساعدات أميركية وقال: " إن الحكومة الكويتية في المنفى تعرض المساعدة للتخفيف من الخسائر التي ستلحق بتركيا ."

وفي عمان كان الملك حسين يتأهب للسفر إلى القاهرة لحضور مؤتمر القمة الذي كان سينعقد في اليوم التالي .واختار للرحلة طائرة ملكية أردنية من طراز " إرباص " اسمها " بغداد " ورفض اقتراح مساعديه طمس الاسم . وكان يأمل أن يقترح على المؤتمر إنشاء لجنة تحكيم تضم رؤساء الدول العربية وأن يطلب من الدول الخليجية ان تدعم عريضة تطالب بالتخفيف من التواجد العسكري الأميركي في المنطقة .

كانت القمة في نظر الولايات المتحدة الأميركية حدثا بالغ الأهمية . إذ كانت الإدارة الأميركية تأمل في أن تصوت غالبية الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة إلى جانب إرسال أفواج من القوة المتعددة الجنسيات .
وفي السابع من أغسطس توقف تشيني وهو في طريق عودته من السعودية في القاهرة حيث طلب من الرئيس حسني مبارك ان يرسل قوات مصرية إلى السعودية . ونفى مبارك فيما بعد حقيقة ما حدث ، وهو انه وافق " على شرط ان توافق الدول العربية الأخرى " ولم تكد طائرة البوينغ التي تقل تشيني تقلع من مطار القاهرة وتحلق فوق المتوسط حتى وصلته رسالة من بوش تقول : " دك ، أود ان تذهب إلى المغرب لمقابلة الملك الحسن " .

وكان طلب بوش هذا غير متوقع إلى حد أنه تعين إرسال خريطة السفر إلى الرباط فورا بالفاكس لملاحي الطائرة . ولم تتمخض مقابلة الملك الحسن عن شيء مجد . إذ رفض الملك إرسال قوات مغربية . وعندما علم مبارك بذلك تراجع هو بدوره عن موافقته .
وأظهرت الأنظمة العربية إذ ذاك انها ضعيفة لا تصمد للهزات ، وانها اكثر ميلا إلى التسوية منها إلى اتخاذ مواقف ثابتة , وتميزت القمم العربية في الماضي بالنفور من اتخاذ أية قرارات بشأن المسائل المطروحة للبحث . وفي هذه المرة وقفت وظهورها إلى الحائط عاجزة عن إخفاء مراوغتها .

اجتمع مبعوث غورباتشوف الخاص بصدام عدة مرات . وفي إحداها ـ وكان ذلك في أكتوبر ـ بلغت دهشة بريماكوف وضيقه بتصلب الرئيس حدا تخلى معه عن اللغة الدبلوماسية التي كان حتى تلك اللحظة يستخدمها وقال :
" سيدي الرئيس إذا أصررت { على موقفك } فان الأميركيين سيشنون الحرب عليك ولن نتدخل لمنعهم " . فقال صدام بلا مبالاة : " أعرف ذلك " . فما كان من بريماكوف إلا أن قال : " لكنك ستخسر " . فنظر إليه صدام طويلا ثم قال بهدوء : " ربما " .

واستمرت المواجهة في اليوم التالي . وبينما كان مبارك والأسد الحليفان خلال المؤتمر يتأهبان للسفر إلى الإسكندرية دعيا ألقذافي لمرافقتهما . وما ان ابتعدوا عن الآخرين حتى أشار مبارك بأصبعه نحو ألقذافي مهددا وقال والأسد ينظر بلا مبالاة : " كيف توافق على احتلال الكويت ؟ كن حذرا . إذا واصلت السير في ذلك الاتجاه فسوف احتل بلادك غدا ولن يحرك احد ساكنا " .

كان للقرار العربي بتشكيل قوات طوارئ دولية موازية للقوات الأميركية هدفان متناقضان وهما ارضاء الأميركيين كما أراد البعض ومنع التدخل الغربي في المنطقة . وكان مبارك قد أشار ضمنا خلال القمة إلى عدم الثقة النفوذ الأجنبي عندما قال : " خيارنا واضح : عمل عربي للحفاظ على مصالحنا أو تدخل أجنبي لا سلطان ولا سيطرة لنا عليه . "
وكان الزعماء العرب الذين اقترعوا لصالح إرسال القوات يخشون رد فعل الرأي العام في بلادهم . إذ كانوا يدركون انه من واجب الدول الإسلامية معاقبة من يسمح للكفار بالقتال على أرضه لانه يعتبر مرتداً .

الواقع ان الجميع كانوا يعرفون الحقيقة وهي أن المواجهة الوشيكة هي في الاساس مبارزة بين العراق والولايات المتحدة ، وان الدول العربية تلعب دوراً ثانويا .
وكان صدام حسين يعرف ذلك تماما . فبينما كانت تجري الأحداث العاصفة في القاهرة أذاع صدام خطابا بالتلفزيون قرأه شخص يشبهه ودعا فيه إلى " الجهاد ضد الولايات المتحدة والزعماء العرب الفاسدين " وقال بأن وصول القوات الأميركية يدنس مكة {المكرمة} مسقط رأس الرسول .

في واشنطن فسرت وكالة المخابرات المركزية (السي آي إي) ما أذاعه صدام بأنه دعوة للإطاحة بنظام الملك فهد . وتحدث مدير الوكالة وليم وبستر في هذا الشأن مع الرئيس بوش الذي كان قد وصل قبيل ذلك وبعد الظهر إلى مقره في كينبنكبورت بولاية ماين حيث كان يعتزم قضاء عطلة تمتد بضعة أيام . وكان القلق يساور وبستر بشأن أمر آخر . ففي ذلك اليوم نفسه تظاهر الآلاف في الشوارع عمان تأييدا لصدام وذلك بتحريض من الإخوان المسلمين . وكان قد تطوع أكثر من 000 . 40 أردني للقتال مع القوات العراقية . وعلى أي حال فمخاطر الانفجار كانت تتزايد باستمرار .

وكان محللو وكالة السي آي إي منكبين بعناية على تحليل نقاط ضعف عدد من الأمم المتحالفة . وكان أبرزها نقاط ضعف الأردن بالرغم من أن الملك حسين كان ـ كما قال أحد الخبراء ـ " قد غير جلده مليون مرة من أجل البقاء " فلم يسبق أن كان عرشه مهددا إلى ذلك الحد . فالحصار الاقتصادي على العراق الذي تعهد باحترامه سوف يلحق خسائر كبيرة بدخل بلاده لا قبل له بها . وإذا قرر صدام حسين أن يهاجم إسرائيل فان الأردن سيكون في الواجهة .

ولم تكن مصر في وضع أفضل . إذ كان مبارك قد صرح بما يلي : " عندما كذب صدام حسين على شعر 40 مليون مصري بأنهم أهينوا " . فلم يكن باستطاعته أن ينكر أن 5 , 1 مليون مصري يعملون في العراق وأن 000 , 150 غيرهم يعملون في الكويت . فإذا طرد هؤلاء جميعا فان الوضع الحرج للاقتصاد المصري سيزداد سوءاً .
ولم يظهر الخبراء حماسة كبيرة لمشاركة سوريا التي كان يصفها الأميركيون قبل ذلك بوقت قصير بأنها " دولة إرهابية " . وصرح أحدهم " بأن الأسد سيحاول أن يأخذ منا ما يستطيع أخذه ". وستبرهن مسألة لنبان على صدق قوله .

جرى حديث بوش مع وبستر في صالون فاقع الألوان بسيط الأثاث في بيت بوش بكنبنكبورت . والبيت مبني من الخشب ويقع قرب البحر وملعب غولف . وكان منذ سنوات ركن الراحة والانزواء المفضل لدى بوش وأسرته ، وبناه جد بوش الذي كان لاعب بولو معروف .

تناول وبستر في حديثه المملكة السعودية التي لم يسبق لها أن كانت في مثل ذلك الغنى والتعرض للخطر في وقت ذاته . كان ارتفاع أسعار النفط سيمكنها من مضاعفة دخلها منه بحيث يصل إلى 95 بليون دولار خلال السنة التالية . على أن الجانب المقلق هو النقد الذي يتعرض له الملك فهد داخل نطاق الأسرة المالكة بسبب الضوء الأخضر الذي أعطاه للأميركيين . إذ كانت خطب بعض الأئمة في المساجد يوم الجمعة بمكة والمدينة قد سجلت على أشرطة وصارت توزع . وكانت تشتمل على " نقد شديد للأسرة الحاكمة " . ففي حرب الكلام كان العراقيون يركزون على تواجد الأميركيين الذي سيؤدي إلى " حفلات الجنس والخمر " .

وبعد هذا الحديث بينهما اتصل بوش بالبنتاغون وتحدث مع تشيني وباول ، وقرروا زيادة عدد " قوات الخاصة " التي سترسل إلى الخليج . وكانت تتألف من عدة مئات من وحدات " سيل Seal " البحرية وقوة التدخل " الدلتا Delta " الملحقة بالقوات البرية ، ومهمتها حماية آبار النفط من الهجمات الإرهابية والاستعداد الدائم للقيام بعمليات لإنقاذ الرهائن ، ولو ان كلمة رهائن لم تذكر . وتقرر كذلك أن يعهد لعدد من الوحدات بحراسة كبار أفراد الأسرة السعودية المالكة .

على الأرض كان اللفتنانت ـ جنرال تشارلز هورنز يقوم بتنسيق وصول القوات المحمولة جواً . وكان من المنتظر أن تكون مئتا طائرة مقاتلة قد أخذت مواقعها في القواعد السعودية بالإضافة إلى مئة طائرة مساندة قبل نهاية الأسبوع . كما كانت هناك خمسون طائرة من طراز ب ـ 52 تنتظر على جزيرة دييغو غارسيا لكي " تفرش بساطا من القنابل " ـ كما قال أحد الضباط ـ على الأهداف العسكرية العراقية ، ووضعت 14 طائرة ف ـ 111 في القواعد بتركيا . وكان مجموع الطائرات التي كان البنتاغون يتوقع وصولها 600 وذلك لمواجهة 500 طائرة عراقية منها مئة من طائرات الميج 23 واليمراج ف ـ 1 س كانت تعتبر مصدر تهديد حقيقي .

يتبع >
[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 13-03-2007 الساعة 12:56 PM
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 13-03-2007, 12:52 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

وكان الجنرال نورمان شوارزكوف يشرف من مقره بالرياض على كل جوانب العملية . وكان لقائد القوات الأميركية هذا الذي لقب بـ " دب الصحراء " بالقياس إلى رومل على اتصال مباشر بكولن باول في واشنطن . وكانا يتحدثان مرة كل يومين . ويقول شوارزكوف : " إن لقواتنا على الأرض قدرات دفاعية وهجومية " .

كان البنتاغون قد أقام ما يمكن اعتباره جسراً جويا مع السعودية وأخذت تهبط طائرة عملاقة من طراز سي ـ 141 في السعودية كل خمس دقائق . وقدرت المواد التي كان يجري إرسالها بأكثر من 000 , 450 طن تشمل إلى جانب الأعتدة العسكرية جبالا من الصناديق التي تحتوي على سلع مختلفة تشمل 000 , 168 جهازا واقيا من الأسلحة الكيماوية و 000 , 150 قارورة من السوائل الواقية، حرارة الشمس .
ولم يكن في الجيش من يعلم أن هذا الجهد الهائل سينتهي بوجود 000 , 250 جندي في صحارى السعودية إلا باول وشوارزكوف واقرب الزملاء إليهما . ولم يحدث منذ حرب فيتنام أن نشرت الولايات المتحدة مثل هذه القوات أو قدمت مثل هذا العرض للقدرات العسكرية.

وبينما كانت القوات الأميركية تغادر البلاد إلى السعودية كان بوش يقوم كل صباح يلعب جولة غولف في الملعب المجاور لمقره في بكنبنكبورت . وكان يوقف اللعب من وقت لآخر ليتحدث بالتلفون مع زملائه في واشنطن أو مع زعيم في جهة من العالم . وكان احد مساعديه يقف دائما إلى جانبه يحمل التلفون المتحرك الذي يمكنه من الاتصال بأي بقعة في العالم . ومنذ اندلاع الأزمة كان بوش قد أخذ ينفض عن نفسه صفة التردد التي وُصم بها . وبدا الآن كشريف حازم يأمر الإسرائيليين بالهدوء والتكتم ، ويطلب من اليابانيين أن يلتزموا بالقيام بأكثر من الإسهام المالي ، ويوضح للصينيين والسوفييت أن الفرصة سانحة لكي يصبحوا جزءا من المجتمع الدولي ، ويظفر بتأييد حلفائه الأوروبيين وغالبية الأقطار العربية .

كانت شخصية بوش أكثر تعقيدا مما بدت عليه في بداية الأمر فبالإضافة إلى أنه من الأسر العريقة على الساحل الشرقي ومن محبي الموسيقى الكلاسيكية، ومن المهذبين في تصرفاتهم ، كان عصاميا وجمع ثروته من العمل بنفط تكساس . لقد كان من " وحوش المال " لا يرحم في التعامل ومن المتيمين بالموسيقى الفولكلورية .
ويجد المرء في " دبلوماسيته التلفونية " ومحادثاته التي لا تنتهي مع زعماء العالم أمثلة أخرى على هذه الثنائية {في شخصيته} .
إذ كان من ناحية ينتقد الملك حسين بشدة بسبب موقفه الغامض وتأييده المقنع لبغداد . وقام الملك المعجب بصراحة بوش بتذكيره بأنه كان دائما حليفا مخلصا للولايات المتحدة . وعرض عليه القدوم إلى الولايات المتحدة للاجتماع به في غضون أيام بعد ان يكون قد ذهب إلى بغداد للاجتماع بصدام .

وكان الملك يأمل ان يقدم صدام بعض التنازلات . فكان جواب بوش القاطع " إني أشك في ذلك".
ومن ناحية أخرى نجد أن بوش ظل ساهرا حتى الثانية والنصف بعد منتصف الليل ليتحدث إلى ميتران الذي كان بباريس . فقد خشي بوش ان يوقظه لان الساعة بباريس كانت عندئذ تشير إلى الثامنة والنصف صباحا .

خلال لعبة الانتظار التي كانت تجري في الصحراء أجريت دراسة مفصلة لجوانب القوة والضعف في الجيش العراقي . وكان في نظر الخبراء الأميركيين كجيش حلف وارسو تقريبا ، لان غالبية اعتدته كانت سوفييتية ، ولأنه درب على غرار الجيش الأحمر . وكان يشن هجماته بدبابات سوفييتية من طراز ت ـ 72 و ت 62 ، ويمهد لها بنيران المدافع من عيار 122 ملم و152 ملم . أما دفاعه الجوي فكانت تقوم به بطاريات محمولة لصواريخ سام وأجهزة رادار مضادة للطيران من طراز ZSU 23 . ولم يكن هناك وجود يذكر للأسطول . وكان عدد من الدبابات العراقية من طراز قديم . ولم تكن قوته الجوية مجهزة في الغالب بالتقنية التي تمكنها من القتال بفعالية .

غير أن الحرب البرية التي تستهدف في الاساس استرجاع الكويت كانت تنطوي على المجازفة بأرواح الكثيرين . وقام البنتاغون ورؤساء الأركان بناء على طلب بوش بوضع تقدير للخسائر المحتملة . وذهبت هذه التقديرات التي لم تكن قد قدمت بعد إليه إلى ان عدد القتلى سيتراوح بين عشرين وثلاثين ألف قتيل ، والى ان عشرة آلاف منهم سوف يسقطون في الأيام الأولى للقتال ـ وهو ثمن بشري وسياسي ضخم .
وكانت الإدارة الأميركية تأمل أن يحمل حجم القوات وفعالية الحصار صدام حسين على تغيير لهجته . ذلك أن العراق لم يعد قادرا على تصدير نفطه الذي يشكل المصدر الوحيد لدخله وعلى استيراد شيء بما في ذلك الخبر .

ولتقدير أثر العقوبات قامت وكالت المخابرات المركزية ووكالات المخابرات الأخرى بتنسيق عمليات جمع المعلومات . وكان العنصر الأول هو الصور الفوتوغرافية التي تلتقطها الأقمار الصناعية والتي تظهر بدقة جميع الحركات المدنية والعسكرية وتطورات الوضع في الميدان. وكانت مسؤولية هذا تقع على عاتق وكالة الأمن القومية . كانت لهذه الوكالة أيضا محطات تنصت سرية جدا في تركيا تستطيع أن تلتقط غالبية المكالمات التلفونية التي تجري في العراق وأن تنقل تفاصيلها على الفور إلى الولايات المتحدة حيث يقوم المترجمون واللغويون بتقييمها استنادا إلى الكلمات المستخدمة ، ونبرة الصوت ، ومعنويات السكان ، والتذمر المحتمل ، وأولى علائم الضائقة الاقتصادية . وتم وضع برنامج كمبيوتر في مقر وكالة المخابرات المركزية بلانجلي لتغذيته بجميع المعطيات المتوافرة حتى أشياء مثل زيادة أجور التاكسي التي قد تكشف عن ارتفاع في تكاليف العيش وأسعار الوقود وربما صعوبة الحصول على قطع غيار .

وفي الوقت ذات بدأ تنفيذ عمليات " حرب العصابات النفسانية " التي جرى تنسيقها في إطار لجنة من وكلاء الدوائر الرئيسية مثل روبرت غيتس نائب مدير مجلس الأمن القومي ، الذي سبق له ان كان الرجل الثاني في الوكالة المخابرات المركزية . وكان أحد الأهداف التصدي للدعاية العراقية . وقال أحد المشاركين في هذا النشاط : " كلنا نذكر فيتنام حيث خسرنا الحرب سياسيا . "
وفي تلك الأثناء كان صوت أميركا يذيع للعراق أربعا وعشرين ساعة في اليوم بالرغم من اعتراض عقبة واحدة وهي عدم وجود مذيعين باللهجة العراقية . وكان اختصاصيون من الفريق الرابع للعمليات النفسانية المتمركز في " فورت براغ " بكارولينا الشمالية يتأهبون لمغادرة البلاد إلى السعودية للقيام بتخريب إعلامي يحطم معنويات القوات العراقية المحتشدة على الجانب الآخر من الحدود مثل حملها على الاعتقاد بأن آبار الماء في الصحراء مسمومة .
وجرت ممارسة ضغط نفساني قوي على العراق للتأكيد على تصميم الأميركيين . وكانت تعرض صور الجنود وهم يتدربون على تفتيش البيوت بيتا بيتاً وذلك تمهيدا لاستعادتهم مدينة الكويت .

وكان فريق روبرت غيتس قد أعد قائمة سرية جدا فيها " كل ما يجب وما لا يجب عمله " وموجهة لجميع المسئولين المدنيين والعسكريين المشاركين مباشرة بالأزمة . وكانت تشتمل على منهج للسلوك ، فتصف مثلا البيانات العامة التي ينبغي إصدارها وتلك التي ينبغي تجنبها .
واقترف الجنرال دوغان رئيس القوة الجوية خطأ فاحشا . ففي إحدى المقابلات صرح للصحفيين بأن هناك خطة لقصف بغداد ، وأن إسرائيل سوف تساعد القوة الجوية على اختيار أهدافها . فطرده بوش على الفور ، وذلك لأن تصريحه سبب الكثير من الإحراج . إذ كان قد تجاهل أحد بنود " ما يجب وما لا يجب عمله " الذي يقضي بعدم ذكر أي شكل من أشكال التعاون مع إسرائيل.

في القدس ساور القلق الإسرائيليين . إذ كانوا قد تلقوا معلومات من دوائر الاستخبارات مفادها أنه سيقع هجوم جوي على المفاعل النووي في ديمونا بصحراء النقب . واخذ التهديد على محمل الجد ، ونقلت صواريخ هوك من الحدود الأردنية إلى المفاعل النووي لتقوية الدفاع القائم . وجرى بحث احتمال الجلاء عن البلدة القريبة .
وفي 12 أغسطس اقترح صدام في خطاب بثه الراديو والتلفزيون تسوية شاملة للشرق الأوسط ، جاء فيها أنه لا يمكن بحث الانسحاب من الكويت بدون مناقشة الوجود السوري في لبنان ، والوجود للقوات الإسرائيلي في الأراضي المحتلة . ودعا في الواقع إلى " الانسحاب الفوري غير المشروط للقوات الإسرائيلية " . ورد بوش على ذلك فورا بالدعوة إلى " الانسحاب الفوري غير المشروط للقوات التي تحتل الكويت . "

على أن الرد الأميركي لم يطمئن شامير رئيس وزراء اسرائيل كثيرا . فقد كان يرى أن صدام " يحاول إضعاف التحالف ضده " . وفي الصفة الغربية وغزة رحب الفلسطينيون بحماسة بتصريح الزعيم العراقي . وخصصت الوزارة الإسرائيلية أكثر اجتماعها الأسبوعي يوم الأحد لبحث أزمة الخليج . وتحدث فيه مطولا كل من موشي أرينز وزير الدفاع ، ودان شاميرون رئيس الأركان ، وأمون شاهاك رئيس المخابرات العسكرية .

وصل الملك حسين إلى بغداد يوم الاثنين الموافق في الثالث عشر من أغسطس . وكان من المقرر ان يغادرها بعد يومين إلى واشنطن على أمل أن يجتمع ببوش ومعه رسالة من صدام أو مشروع خطة للسلام . والظاهر أنه كان لا يزال يعتقد بالحل ولو أن ذلك كان مخالفا لكل منطق . فالولايات المتحدة وغالبية الدول الأعضاء في الجامعة العربية ـ وذلك منذ قمة القاهرة ـ كانت تقف ضد الفكرة . وكانت بلاده قد أخذت تغرق في المصاعب الاقتصادية ، وفقدت الرياض وواشنطن ثقتهما به . وأقدمت عدة أقطار عربية على طرد الأردنيين المقيمين فيها . وعلم الملك أن السعودية ـ الشريك التجاري الأكبر والثالث للأردن ـ على وشك أن توقف شراء البضائع الأردنية .

واعترف الملك حسين بأن كل يوم يمر يقرب بلاده من الحرب ، وأن الذين يدعون ان الحل العربي سقط نهائيا ينسون انه ظل ممكنا خلال الأسبوع الأول من الأزمة والى أن وقف الأميركيون في وجهه .
وكان الملك يدرك أيضا أن عليه مواجهة عداء الشيوخ والنواب في الكونجرس الأميركي ؛ فأعد رسالة يشرح فيها موقفه ، وبعث بنسخة منها لكل منهم .
وعندما خرج من اجتماعه بصدام حسين كان متجهما ولم يفه بكلمة واحدة . وكشف الأمير حسن أخوه عن أن الاجتماع كان فاشلا .

وفي الرابع عشر من أغسطس قطع جورج بوش عطلته لوقت قصير عاد فيه إلى واشنطن . وكان قد تم انتشار ستين ألف جندي وبحار وطيار في السعودية بالإضافة إلى خمسين ألف آخرين كان من المتوقع وصولهم إليها في الأيام القليلة القادمة . وقدر البنتاغون تكاليف عملية درع الصحراء بعشرة ملايين دولار في اليوم .
وفي صباح الخامس عشر من أغسطس التقى بوش بزعماء الكونجرس . وكان القانون يخوله سلطة دعوة 000 , 120 من جنود الاحتياط لمدة 180 يوما . دون حاجة إلى موافقة الكونجرس . لقد كان يحاول الحفاظ على إجماع في الداخل شبيه بالاجتماع الذي حققه على الصعيد الدولي . لكن كما قال بعض مستشاريه " كان الحصول على موافقة الأمم المتحدة أسهل من الحصول على موافقة الكونجرس " . وقال أحدهم : " لقد وعدناهم فعلا باستشارتهم في حال اللجوء إلى الحرب . وبمعنى آخر أننا كنا سنتصل بهم بالتلفون بعد إسقاط الدفعة الأولى من القنابل " .

في ذلك اليوم جرى الإعلان عن مبادرة صدام حسين . ففي كتاب منه إلى الرئيس رفسنجاني عرض السلام على البلاد التي كانت حتى ذلك الوقت عدوه اللدود . وصرح أنه سيتخلى عن مطالبه في منطقة الحدود وأعلن انه ابتداء من 17 أغسطس سيجري سحب القوات العراقية المرابطة هناك وإرسالها إلى الكويت وحدود السعودية . وأخيرا وافق صدام على إطلاق سراح 19000 أسير إيراني .
وهكذا فان الزعيم العراقي محا بسطور قليلة ذكرى مئات الآلاف من القتلى العراقيين وذكرى أشد صراع دموي منذ الحرب العالمة الثانية . فبرهن بذلك على مهارته كرجل مناور .

وكان من السهل تفسير الانسحاب العراقي من شط العرب . فبفضل ضم الكويت صار للعراق منفذ واسع على الخليج .
والواقع أن كلمة " ضم " ليست الأنسب . فما حدث هو دمج للكويت في العراق الكبير. وقد تساءلت أجهزة الاستخبارات الغربية كثيرا عن الهوية الصحيحة للكولونيل علي الذي قيل بانه زعيم جماعة من " الثوار الشبان " الذين استولوا مؤقتا على السلطة في مدينة الكويت . فتبين أنه لا وجود للكولونيل علي في الجيش الكويتي . وكشف المزيد من التحري أنه ابن عم صدام حسين وسمه علي حسن الماجد .

وبالاضافة إلى الأربعمائة وثلاثين ألف جندي الذين انتشروا في المنطقة ومعهم 7500 عربة مصفحة تم إرسال سبعة آلاف بوليس سري إلى مدينة الكويت . وكان هدفهم سحق حركات المقاومة الناشئة . وقسمت العاصمة إلى مناطق تخللتها نقاط تفتيش كثيرة . وجرى تفتيش البيوت وكان نصيب كل من وجدت معه منشورات أو صحف صادرة عن المقاومة الإعدام الفوري . وجرى التدقيق في سجلات البنوك لمعرفة المسئولين والموظفين الذين كانوا يتلقون شيكات من دوائر حكومية . وحولت المدارس ومراكز البوليس إلى مراكز للاستجواب والتحقيق .

وأعيد رسم الخرائط العراقية التي أصبحت الكويت تشكل فيها المحافظة التاسعة عشرة . وأطلق على مدينة الكويت اسم كاظمة . ووضعت على السيارات لوحات عراقية . وعلقت صور صدام ونصبت تماثيله في الشوارع والميادين . وعليه وكما قال زميل للزعيم العراقي : " ضاعت الكويت في خضم التاريخ واختفت من الجغرافيا " .
وكان العراقيون قد استولوا على ثروات الكويت . وبينما ظفرت قوات الاحتلال بشيء منها فان الزعماء نهبوا على نطاق واسع . فخسر تاجر سيارات واحد 000 , 14 سيارة شيفروليه وأولدزموبيل جديدة في غضون بضع ساعات ، وأرسلت جميعا إلى بغداد وصار زملاء عدد من الوزراء يترددون على الإمارة السابقة لا لغرض سوى تكديس السلع الكمالية .

غير أن الزعيم العراقي لم يستطع وضع يده على ودائع الكويتيين الهائلة لأنها جمدت في الساعات الأولى التي أعقبت الغزو . لكن استطاعت قوافل عراقية خاصة نقل ما يوازي ثلاثة بلايين دولار من العملات الأجنبية وبليون دولار من الذهب الذي سرق من البنك المركزي والعديد من المؤسسات المالية في البلاد .
وفي 16 أغسطس هدد صدام حسين باحتجاز الأميركيين والبريطانيين المقيمين في الكويت ، وأمرهم بالتجمع في أحد الفنادق . هدد أيضا بإعادة الأميركيين " في النعوش "

في ذلك الصباح وصل الملك حسين إلى كينبنكبورت للاجتماع ببوش . وبدا أن صداقته مع الرئيس الأميركي آخذة في التدهور وذلك لان صورته كحليف لصدام حسين كانت آخذة في الانتشار . وأشارت الصحافة إلى أنه يحمل معه رسالة من الرئيس العراقي . لكن هذا لم يكن صحيحا . فأحد الأشياء التي كان يريد أن يقوم بها هو إطلاع بوش على المحاولات الضخمة التي قام بها خلال الأيام القليلة الأولى لحل الأزمة .و أوضح للرئيس أن الزعيم العراقي كان على استعداد للانسحاب من الكويت ولكنه أصبح بعد ذلك أكثر تصلبا بسبب انتشار القوات الأميركية وغيرها على الأراضي السعودية . فقال بوش : " نحن هناك لحماية السعودية من العدوان لا أكثر . وسننسحب عندما يطلبون ذلك " . وبالرغم من أنهما لم يتوصلا إلى اتفاق فان الملك ترك الاجتماع متفائلا بعض الشيء لأن بوش كان في موقف دفاعي فقط ولأن الحل الدبلوماسي كان لا يزال ممكنا .

وفي اليوم التالي أعلنت الحكومة العراقية أن الغربيين الذين تسيطر عليهم سوف ينقلون إلى مواقع إستراتيجية مدنية وعسكرية وأنهم سيبقون هناك ما دام التهديد قائما . فطلب مجلس الأمن من السكرتير العام بيريز دي كويار أن يعمل على إطلاق سراح جميع الأجانب. وفي تلك الأثناء كانت ثلاثون فرقة عراقية تغادر الحدود الإيرانية لتنضم إلى القوات العراقية في الكويت البالغ عددها 000 , 150 جندي .
وفي 17 أغسطس غادر جيمس بيكر واشنطن لقضاء عطلة لمدة بضعة أيام في مزرعته بويومينغ . وكان لا يزال على اتصال بادوارد شيفارنادزه بموسكو . وبناء على اقتراح من بوش طلب بيكر من شيفارنادزه تأييد قرار يصدر عن هيئة الأمم المتحدة يجيز استخدام القوة لفرض الحصار . وبذلك بدأت لعبة الخداع . فبينما كان السوفييت يجرجرون أقدامهم لأنهم لا يزالون يعتقدون بامكان التوصل إلى حل بالتفاوض ، كان الأميركيون في سباق مع الوقت .

وفي 20 أغسطس وصل سعدون حمادي نائب رئيس الوزراء إلى موسكو واستقبله المسئولون السوفييت الذي طالبوه بانسحاب غير مشروط من الكويت وإخلاء سبيل جميع الأجانب . فعاد حمادي في اليوم التالي إلى بغداد . واتصل شيفارنادزه على الفور ببيكر وقال : " انتظروا 48 ساعة قبل أن تطرحوا قرارا في الأمم المتحدة للتصويت عليه . فقد ينجح نائب رئيس الوزراء بإقناع صدام حسين " . فسأله بيكر :
" وهل إذا فشل ستقفون إلى جانبنا في غضون يومين ؟ " فأجابه نظيره السوفييتي :
" سأعلمك بذلك بأقرب وقت ممكن " .
وبعد ظهر اليوم التالي اتصل شيفارنادزه ببيكر وقال بأنه يحتاج إلى المزيد من الوقت . فلما سأله بيكر كم من الوقت يحتاج قال : " خمسة أيام ـ إلى 27 أغسطس . فصمت بيكر برهة وقال : " يبدو هذا طويلا جدا . عليّ أن ابحث الامر مع الرئيس " .
واتصل بيكر ببوش . وكان هذا قد عاد من بيته في ماين وسافر إلى بلطيمور لإلقاء خطاب أمام جمعية المحاربين القدامى . وفي الخطاب وصف للمرة الأولى الأجانب المحتجزين في الكويت بأنهم " رهائن " . وكانت هذه الكلمة قد اكتسبت منذ أزمة الرهائن في طهران عام 1980 دلالات عاطفية وسياسية كبيرة في الولايات المتحدة . وبدا بوش متضايقا بسبب مماطلة السوفييت وطلب من بيكر الحصول على مهلة أقصر وعاود بيكر الاتصال بموسكو وقال لشيفارنادزه : " من الصعب علينا قبول طلبكم . فنحن نتعرض لضغط كبير وخصوصا من البنتاغون الذي يطلب السماح باستخدام القوة لفرض الحصار بدون انتظار دعم الأمم المتحدة .

فتنهد شيفارنادزه وقال : " أعرف {ذلك} . فلدينا المشكلة ذاتها مع قواتنا المسلحة التي يعتقد أفرادها أننا نقترف خطأ بدعمكم . ويقولون ان لكم هدفا واحدا وهو التواجد العسكري الدائم في الشرق الأوسط . لكن لنعد إلى مسألة الأمم المتحدة ، فماذا تقترحون ؟ " أجاب بيكر : " أن يتخذ القرار في 24 أغسطس " . فقال شيفارنادزه : " حسنا " . وهنا قال بيكر : " ولكننا سنظفر بتأييدكم . أليس كذلك ؟ "
فجاء جواب شيفارنادزه غامضا . ومع هذا ففي اليوم التالي ـ 23 أغسطس ـ حضر القائم بالأعمال السوفييتي سيرجي شنفيركوف إلى وزارة الخارجية بواشنطن . وكانت حكومته قد كلفته أن يقوم كدلالة على حسن النية بتسليم الأميركيين النص الكامل لرسالة بعث بها غورباتشوف إلى صدام حسين وطلب منه فيها الانسحاب من الكويت وإخلاء سبيل جميع الأجانب وأضاف فيها قوله : " لقد أجلنا التصويت في مجلس الأمن قدر ما استطعنا . إننا نطلب منك الرد قبل مساء الجمعة الموافق في 24 أغسطس على أبعد تقدير " .

وحال وصول جواب العراقيين اتصل شيفارنادزه بنظيره الأميركي . فسأله بيكر : " ماذا يقولون ؟ " وبدا أن شيفارنادزه أصيب بالفزع لدى قراءته الجواب العراقي وقال : " إنه لا يستحق حتى الرد . وعلى أي حال فانه لا يرضينا على الإطلاق . يمكنكم الذهاب إلى الأمم المتحدة وسوف نؤيدكم".
وبعد بضع دقائق صدرت الاوامر لتوماس بيكرنغ رئيس الوفد الأميركي في الأمم المتحدة لإبقاء الجلسة منعقدة حتى يجري اتخاذ القرار . وفي الساعة الرابعة من صباح السبت الموافق في 25 أغسطس صدر القرار 665 الذي يسمح باستخدام القوة في تنفيذ الحصار بثلاثة عشر صوتا مقابل لا شيء . وامتنعت كوبا واليمن عن التصويت .

وفي 27 أغسطس غادر جيسي جاكسون مطار كندي بنيويورك على متن طائرة تابعة للخطوط الأردنية . وكان هذا المرشح السابق للرئاسة قد ابتدع أسلوبا سيظل حديث الناس طيلة أشهر : إذ قام برحلة إلى بغداد ، واجتمع مع صدام ، واستمع إلى مظالمه ، ثم عاد بعدد من الرهائن . وكان أول من فعل ذلك المستشار النمساوي كورت فالدهايم الذي انتهز الفرصة السارة لرفع الحجر الدولي المفروض عليه بسبب ماضيه الذي يثير الجدل .
واكتسبت رحلة جاكسون المزيد من الأهمية لأنه كان شخصية مرموقة في الولايات المتحدة ولأنه صار ينظر إلى الأزمة على أنها مبارزة بين بوش وصدام حسين . ثم إن جاكسون طار إلى بغداد وبرفقته فريق تلفزيوني ؛ وكان هدفه إجراء مقابلة مع صدام حسين . على أن المنحى الذي اتخذته رحلته كشف عن الطريقة التي كانت بغداد ستستغل فيها مثل هذه الزيارة .

كان في العراق والكويت ثلاثة ملايين من الأجانب أكثرهم من المصريين ( 5, 1 مليون في العراق و 000 , 150 في الكويت ) ويليهم الفلسطينيون ( 000 , 300 في العراق و 000 , 170 في الكويت ) ويلي هؤلاء الهنود والفلبينيون ـ لكن عمال العالم الثالث هؤلاء كانوا في سوق المساومات أقل أهمية بكثير من الأميركيين ( 2500 في الكويت و 500 في العراق ) ومن البريطانيين ( 4000 في العراق و 500 في الكويت ) ومن الجنسيات الأوروبية الأخرى .

وبعد وصول جاكسون ووفده بوقت قصير اجتمع طارق عزيز معهم لمدة ثلاثة ساعات ونصف شرح لهم خالها بعناية موقف بلاده والخلفية التاريخية للأزمة . وذهب حتى إلى حد القول : " لقد أظهر الرئيس صدام حسين عدة مرات خلال المفاوضات أنه كان أكثر صبرا واعتدالا مني … فبعد قمة جدة { في 31 يوليو عشية الغزو } دفعنا عناد الكويت إلى حافة اليأس . إذ لم نكن نستطيع أن ندفع ثمن ما نستورده من الغذاء . كانت هناك حملة حقيقية تستهدف تجويعنا . وحتى الملك فهد لم يقلقه أن يسمع بجوعنا . فاستنتجنا أن هناك مؤامرة تستهدف تدمير العراق . ولم يكن بإمكان الكويت أن تحيك المؤامرة بدون دعم من دولة عظمى . وتبين لنا أن هدف المؤامرة هو التسبب في انهيار اقتصادي يتبعه انهيار سياسي وتغيير النظام " .

وعندما أنهى طارق عزيز شرحه سأله صحفي من مرافقي جاكسون : " كيف تأمل العراق في التعاطف معها بينما لا يزال الأميركيون يذكرون كيف رأوا المدنيين الأكراد يختنقون بالغاز عام 1988 وكيف شنق صحفي بريطاني خلال هذا العام ؟ " .
وفوجئ طارق عزيز بذلك . فصمت لحظة ثم قال بصوت منخفض : " أعترف أنها مشكلة " .

في ذلك المساء ظفر جاكسون بمقابلة خاصة مع صدام حسين . وخلال الحديث تناولا استشهاد المسيح . فاعتبر صدام نفسه كالمسيح ضحية للتحامل والاتهامات الباطلة ـ واعترف بأنه هو الذي أمر باحتجاز الأجانب لكنه اعتبر ذلك " ضمانة للسلام " وقال بأن " الحصار الحالي لمنع الطعام والدواء أسوأ من أخذ رهائن " . وكان من الواضح أن الزعيم العراقي كان يشعر بمرارة نحو الولايات المتحدة . شعر بالاهانة بسبب عدم استجابتها لعروضه .

قال صدام لجاكسون بشيء من التواضع : " بعد اجتماعي مع سفيرتكم في 25 يوليو لم تقم السلطات الأميركية حتى بطلب نسخة رسمية عن وقائع الاجتماع . ان بلادكم تعاملني بعجرفة كما تعامل الدول الاستعمارية مستعمراتها " .
وفي اليوم التالي تمكن جاكسون بعد زيارة قصيرة للكويت من مقابلة صدام مرة أخرى . ولأسباب أمنية طلب المحيطون بصدام أن يقوم بالتصوير مصورو التلفزيون العراقي وبأجهزته . وفي نهاية المقابلة سأله جاكسون ان كان مستعدا للقيام ببادرة حسن نية " تخدم أغراض السلام " فيطلق على الفور سراح الرهائن .

فرد عليه صدام بغضب قائلا:

" لقد شرحت موقفي بالنسبة لذلك الموضوع بوضوح في مقابلات كثيرة مع الصحفيين . وليس عندي ما أضيفه " . ثم هب واقفا ولكن بلحظة واحدة تغير موقفه وتغيرت ملامحه ، فتلاشى الغضب وحلت محله ابتسامة عريضة ومصافحة حارة مع جاكسون جميلة وتبادل إنساني عميق للآراء . وتكريما لمشاهدينا الأميركيين يمكنكم ان تصطحبوا معكم النساء والأطفال الذي سأسمح لهم بمغادرة البلاد وكذلك المرضى الأربعة . ويمكنك السفر إلى الولايات المتحدة على طائرة عراقية " .

وبينما كان جاكسون يستعد لمغادرة بغداد عاد ديفد إفري المدير العام لوزارة الدفاع الاسرائيلي إلى تل أبيب . وكان قد أرسل على عجل إلى واشنطن لإجراء محادثات سرية مع كبار المسئولين في البنتاغون . إذ كان القلق يساور الحكومة الإسرائيلية حول الخطط الأميركية لبيع أسلحة للسعودية وخصوصا 24 طائرة ف ـ 15 سي إس ) (F15 CS و 150 دبابة و 200 صاروخ ستينغر مضاد للدبابات . وقدر الإسرائيليون هذه الصفقة ب 5 , 2 بليون دولار . وحمل افري معه طلبا للسماح لاسرائيل بالحصول فورا على كمية اكبر من الاعتدة العسكرية وخصوصا طائرات ف ـ 16 س وصواريخ أب شي وتاو ، وبالحصول كذلك على مجمل المساعدات المقررة لاسرائيل بقيمة 8 , 1 بليون دولار في بداية السنة المالية وبدفعة واحدة { لا بالتقسيط } . وعاد إفري ومعه وعد بان تقوم الولايات المتحدة ببيع ما قيمته بليون دولار من الأسلحة المتطورة لاسرائيل .

يتبع >
[line]
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 13-03-2007, 12:53 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

وفي اليوم نفسه تلقت الحكومة الإسرائيلية رسالة من غورباتشوف نقلها رولان دوما وزير الخارجية الفرنسية الذي كان قد اجتمع معه . وعبرت موسكو في الرسالة عن تخوفها من أن تقوم بغداد بهجوم على اسرائيل .

لم تكن أزمة الخليج في نظر غورباتشوف فرصة رائعة لإظهار اعتداله وشعوره بالمسؤولية للعالم وذلك بالعمل جنبا إلى جنب مع واشنطن فحسب ، وإنما كانت أيضا صداعا في الرأس وربما شركا منصوبا . كان عليه أن يصمد لهجمات عدد من مراكز القوى صاحبة النفوذ وخصوصا داخل الجيش ، وبعض أقسام المخابرات ( كي جي بي ) وفي وزارة الخارجية التي كان لا يزال لها علاقات وثيقة ببغداد . كانوا جميعا " يشعرون بالقلق بسبب تواطئه مع الإستراتيجية الأميركية " .
وفي الثالث من أغسطس كرر التأكيد على اعتقاده بان ما أقدمت عليه الولايات المتحدة " يتفق مع ميثاق الأمم المتحدة " . ورد المعترضون عليه بالإشارة إلى ان واشنطن كانت تقوم بإنشاء نظام امني جماعي في الخليج من شأنه أن يؤدي إلى تواجد عسكري أميركي دائم في المنطقة . وكان من المحتمل أن يضعه هذا الاعتراض في موقف صعب .

ومما أغضب غورباتشوف أيضا أن الكرملين لم يكن يعلم شيئا عن خطط العراق . ويوم الغزو استدعى إلى مكتبه وزير الدفاع المارشال ديمتري بازوف الذي كان من المحافظين المتشددين . ولكن حديثهما لم يكن وديا .
وأظهرت التحريات أن المخابرات العسكرية السوفيتية أبلغت باستعداد العراق للغزو قبل وقوعه بأسبوعين . وكان لهذه المخابرات ، من تتصل بهم داخل العراق مثل الخبراء العسكريين والمسئولين ذوي الصلة الوثيقة بالزعيم العراقي . وبرر زعماء المخابرات صمتهم بأنهم ظنوا أن المعلومات التي حصلوا عليها مبالغ فيها . هذا بالإضافة إلى أنه كان بيد العراقيين ما يساومون عليه : كان لديهم عدد محاط بالسرية من العسكريين السوفييت الذين كانوا لا يزالون ببغداد . فأوضحت هذه لموسكو أنه قد تتعثر عودتهم إذا أفشت " الأسرار العسكرية " للولايات المتحدة .

واشتبه أشد المتشككين من المحللين الغربيين في أن غورباتشوف كان يمارس لعبة مزدوجة . فبدا أنه من ناحية يلعب بالورقة الدبلوماسية فيشارك المجتمع الدولي غضبه؛ ومن ناحية أخرى يواصل سراً تقديم المساعدات العسكرية للنظام العراقي حليفه منذ عشرين عاما . ومهما تكن الحقيقة فانه بات واضحا أن هذه الشكوك تضعف مصداقيته .
وفي صباح الخامس من أيلول ظهر في برنامج " فرميا " على شاشة التلفزيون وقدم وصفا كاملا عن وقائع ذلك اليوم والزائرين الذين استقبلهم . ولم يذكر اجتماعه مع طارق عزيز الذي كان قد قام برحلة قصيرة إلى موسكو قابل خلالها غورباتشوف بناء على طلبه . وعندما خرج عزيز من المقابلة التي وصفت بأنها " صريحة " ـ أي " صعبة " حسب اللغة السوفيتية الرسمية الدارجة ـ صرح وهو يبتسم : " أقول بلا تردد إن الاتحاد السوفييتي لا يزال صديقا " . وربما قصد بالصراحة الظاهرة لعبارته هذه إحراج خروتشوف قبل اجتماع القمة مع بوش في هلسنكي بثلاثة أيام . وكان ادوارد شيفارنادزه قد صرح في اليوم السابق أن المجتمع الدولي لا يمكن ان يقبل الدول المعتدية والأنظمة التي تماس القرصنة .

لم يكن الاتحاد السوفييتي البلد الوحيد الذي يشتبه في أنه يقوم بلعبة مزدوجة . ففي الأسابيع التالية سوف تتساءل عدة مراجع رسمية عن الموقف الفرنسي الحقيقي . إذ كان هناك من يصفه بانه " موضع شك " أو " غامض : . فهل فاوضت فرنسا العراق لإطلاق سراح الرهائن ؟ فقد كان لفرنسا مبعوثون في تونس وعمان لهم علاقات مميزة مع الزعماء العرب ودوائر الاستخبارات . ويحتمل ان كان هؤلاء على اتصال مباشر بالمسئولين العراقيين . وكان الاسمان اللذان يتردد ذكرهما كلود تشيسون وفيليب روندو المختص بالشؤون العربية في المخابرات الفرنسية . وسبق لوالد رونرو أن ساعد قبل سنوات كثيرة على إنشاء مخابرات مماثلة في سوريا . ترى ما هو الثمن الذي دفعته فرنسا ؟ من المؤكد انه تجاوز مجرد الانسحاب الرمزي لخمسة آلاف جندي فرنسي في السعودية مسافة ثلاثين ميلا أو التخلي عن السفارة الفرنسية في الكويت بحجة نقص المياه .

لكن بقي لغز آخر أكثر أهمية وهو ما إذا كان لا يزال هناك مواطنون فرنسيون في العراق . إذ قيل ان التقنيين المدنيين وربما أيضا العسكريين الذين كانوا يقومون ببغداد قبل الغزو بصيانة الاعتدة العسكرية الفرنسية كانوا لا يزالون يعملون بعد تحرير الرهائن ، الامر الذي كان انتهاكا لقرارات الأمم المتحدة .
وفي الثامن من سبتمبر ، وقبل وصول الرئيس الأميركي ونظيره السوفييتي إلى العاصمة الفنلندية ببضع ساعات ، وجه صدام حسين بالتلفزيون تحذيرا من التدخل الأجنبي في العالم العربي . وكان لقوله هذا ينطوي على عداء ودهاء ويشير ضمنا إلى ان موسكو بتأييدها الموقف الأميركي تخسر نفوذها بالتدريج وتحول دورها إلى دور ثانوي .

وفي التاسع من سبتمبر توصل بوش وغورباتشوف إلى اتفاق . وبعد أن نجح غورباتشوف في إقناع الرئيس الأميركي بانه لن يقدم دعما عسكريا للعراق حصل على الضوء الأخضر للإبقاء على صلاته مع العراق . وعهد إلى واحد من أقرب زملائه وهو يفجيني بريماكوف بمتابعة المسالة . وفي مقابل ذلك خول غورباتشوف بوش مواصلة الاستعدادات العسكرية . وأصدرا بيانا مشتركا أكدا فيه على الرغبة في التوصل إلى حل سلمي للأزمة . وجاء فيه أيضا انه " إذا فشلت جميع الخطوات الحالية ، فإننا مستعدون للنظر في اتخاذ إجراءات أخرى طبقا لميثاق الأمم المتحدة " .

كان العامل الخفي لا يزال صدى تصميم صدام حسين ـ لكن هناك ما يشير بعض الشيء إلى حقيقته في المحادثات السرية بينه وبين زعيمي منظمة التحرير ـ عرفات وأبو إياد ـ في آخر أغسطس .
وجده الزعيمان الفلسطينيان " في منتهى الاسترخاء " . قال لهما بهدوء : " الآن وقد اتخذت أزمة الخليج مثل تلك الأبعاد فهل يمكنني أن أقصرها على المطالبة بجزيرتين وبضعة آبار من النفط خصوصا بعد أن انسحبت من شط العرب؟ ذلك لا يكفي . إذا قلت للشعب العراق بأنني انسحب لأنني توصلت إلى تسوية قضية في أهمية القضية الفلسطينية فسوف يفهمون ذلك . والواقع أنه أسوأ من خسارة الحرب . لم يسبق لي أن ذكرت أنني مستعد للانسحاب . لماذا ؟ لأنني أعتقد أن الجنود العراقيين سيفقدون معنوياتهم إذا شعروا بأنني مقتنع { بضرورة } الانسحاب " .

ثم أضاف صدام : " إذا تقدمت باقتراح للسلام فانه ينبغي ان أكون الطرف الذي يقدم التنازلات . لكن إذا قدمه الآخرون فأنني سأحصل على تنازلات ".
وناقش ثلاثتهم احتمال وقوع الحرب . وتناوله صدام باتزان وشجاعة . قال : " إنني على يقين من أن الأميركيين متفوقون من الناحية التكنولوجية وخصوصا في الجو ، ولكن أعتقد بأنهم لا يستطيعون تحييد سوى جزء من القوات العراقية ، وأن المعركة الحاسمة ستجري على الأرض".
ووصف صدام بالتفصيل طبيعة ونطاق مختلف أنواع الهجمات التي تُشن عليه، وبدا أنه يحسب حساب كل شئ ، الخسائر المحتملة، وسبل الانتقام ، وأشار عرفات إلى ذلك فيما بعد بقوله "لقد أذهلني بهدوئه وأنا استمع إليه" وأخبره عرفات بانه هناك معلومات موثوق بها تشير إلى وجود مؤامرة تستهدف القضاء عليه . فانفجر صدام ضاحكا وقال : " هل تحاول أن تخوفني لكي استسلم ؟ ما هذه النكتة ؟ " .

الفصل التاسع

العد العكسي للحرب

عندما انتصف أكتوبر كان من الواضح أن الأزمة ستطول بعض الوقت ، وان حلها يزداد تعقيدا يوما بعد يوم ، واصبح الشرق الأوسط مسرحا لأحداث مأساوية .
وركزت الصحف في صفحاتها الأولى كما ركزت الإذاعات والتلفزيونات على المشكلات الجديدة : مقتل واحد وعشرين فلسطينيا في القدس في 8 أكتوبر ، وقيام القوات السورية في 13 من الشهر ذاته بالإطاحة بالزعيم العسكري المسيحي ميشيل عون في لبنان .

وفي الثاني عشر من أغسطس ـ أي بعد غزو الكويت بعشرة أيام صرح صدام حسين بأنه لا يمكن حل الأزمة الا في إطار النزاعات الأخرى في الشرق الأوسط : الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية وغزة وهضبة الجولان وجنوب لبنان . وردت حكومتا الولايات المتحدة واسرائيل على ذلك بانه " دعاية رخيصة . "

وبينما كانت الأزمة آخذة في الاشتداد أصدرت بعض الدول الغربية تصريحات تربط في الظاهر بين هذه القضايا الشرق أوسطية . فالرئيس الفرنسي ميتران أعلن في خطاب له في الأمم المتحدة في 24 سبتمبر ان صدام حسين صرح بانه سوف ينسحب من الكويت ، وأن أبواب التفاوض مفتوحة . وقال دوغلاس هيرد وزير خارجية بريطانيا ان الأولوية ستكون للقضية الفلسطينية عندما يتم حل أزمة الخليج .

كانت الأحداث الدامية التي وقعت في القدس في الثامن من أكتوبر بمثابة هدية لصدام حسين . إذ ركزت أنظار العالم في القضية الفلسطينية ، ووضعت اسرائيل في موقف بالغ الحساسية . فبادرت اسرائيل إلى القول بان منظمة التحرير الفلسطينية أحكمت تدبير ذلك لإحراج اسرائيل ، بل ذهب بعض الناطقين الإسرائيليين إلى حد القول بانه ربما كان العراق وراء جهود المنظمة في هذا السبيل . على انه كانت للفلسطينيين وجهة نظر أخرى . فاتهموا الإسرائيليين بالقيام بالمجزرة في محاولة لمنع المتطرفين الإسرائيليين من " جماعة المؤمنين في الهيكل " من الزحف على المسجد .

فكانوا قد نادوا بضرورة هدمه وتحويله إلى كنيست . ومن الواضح أن البوليس الاسرائيلي منع المتطرفين من الاقتراب من المسجد وان الفلسطينيين أخذوا يقذفون الحجارة على آلاف المصلين اليهود امام حائط المبكى . لكن كان من الواضح أيضا أن الجنود الإسرائيليين أطلقوا النار على الفلسطينيين بعد فرار اليهود من الحجارة وابتعادهم عن الخطر .

وهاجمت بعض الجماعات الاسرائيلية حكومتها بسبب الطريقة التي عالجت بها المظاهرة . واتهمت جماعة " بتسيلم " المستقلة التي ترصد الأعمال الاسرائيلية في الأراضي المحتلة القوات الاسرائيلية بإطلاق النار دون تمييز على المتظاهرين والمتفرجين ورجال الإسعاف . وورد في تقرير للجماعة يشجب ما حدث ويقع في أربع وثلاثين صفحة قولها : " واستمر إطلاق النار حتى بعد أن اخذ المتظاهرون يتفرقون في كل اتجاه وبعد ان هرب كثرة منهم وحتى بعد ان وصلت سيارات الإسعاف والفرق الطبية ".

خلق هذا الحدث مشكلة كبيرة للحكومة الأميركية التي كانت لها منذ سنوات طويلة علاقات وثيقة مع اسرائيل .
فخلال مناقشات امتدت خمسة أيام في مجلس الأمن حاولت التوصل إلى صيغة قرار يحمل أقل ما يمكن من الإدانة لاسرائيل .
لكن بعد أن حصلت على دعم غالبية الحكومات العربية في أزمة الخليج ، لم تعد في وضع يمكنها من استخدام حق الفيتو ضد القرار . وفي الأيام التي تلت أحداث القدس كان في مقدور المرء أن يلاحظ ان الهجوم في البلاد العربية على منظمة التحرير بسبب تأييدها لصدام حسين قد تحول مؤقتا إلى هجوم على اسرائيل . وبرز هذا بوضوح في مصر حيث كان مبارك قد اصبح مناصرا قويا لموقف الولايات المتحدة من صدام .

وعندما تبنت الأمم المتحدة أخيرا قرارها ، لم يشتمل هذا القرار فقط على انتقاد اسرائيل بسبب الطريقة التي عالجت فيها (مظاهرات) الفلسطينيين ، بل وعلى الطلب من الأمم المتحدة إرسال وفد إلى اسرائيل للتحقيق في الأحداث .
فردت حكومة شامير على ذلك بغضب وهاجمت الولايات المتحدة بسبب موقفها ، ورفضت رفضا قاطعا فكرة الوفد قائلة بانه باستطاعة أفراده ان يزوروا اسرائيل كسائحين . وقارن جيمس بيكر بين رد الفعل الاسرائيلي تجاه قرار الأمم المتحدة برد فعل صدام حسين تجاه تلك الهيئة الدولية ، مما زاد التوتر بين الولايات المتحدة واسرائيل .

وكانت الولايات المتحدة تحرص كل الحرص على أن تتحاشى حدوث ذلك . فمنذ بداية الأزمة نصحت الولايات المتحدة اسرائيل ان تعمد إلى الهدوء ، لانها لم تكن تعتبر أزمة الخليج مؤامرة أميركية صهيونية . وكان هذا هو ما فهمه صدام حسين وما يفسر لماذا أعلن صدام في عدد من المناسبات انه إذا قامت الولايات المتحدة والقوات العسكرية الأخرى في السعودية بمهاجمة العراق فانه سيقوم على الفور بمهاجمة اسرائيل بالصواريخ . وكان يأمل من وراء هذا توريط اسرائيل في الحرب ودق إسفين في تأييد الدول العربية للهجوم على بلاده .

قامت اسرائيل بتشكيل لجنة تحقيق حول حمام الدم بالقدس برئاسة مدير الموساد السابق زفي شامير . وجرى الاستماع لأول شهادة في الجلسة المغلقة يوم الأحد في الرابع عشرة من أكتوبر وبعد مضي اثني عشر يوما أعلن تقرير شامير ان القوات الاسرائيلية بريئة من قتل الفلسطينيين البالغ عددهم واحدا وعشرين .

ويحتمل ان يكون الغضب على الولايات المتحدة هو الذي حفز الإسرائيليين إلى اتخاذ قرار آخر كفيل بإلحاق المزيد من الضرر بالعلاقات مع الولايات المتحدة . إذ أعلن وزير الإسكان عن وجود خطط لبناء مساكن في القدس الشرقية لليهود المهاجرين من الاتحاد السوفييتي . وكان الأميركيون قد قدموا قرضا مضمونا باربعمئة مليون دولار لاسرائيل لإيواء المهاجرين السوفييت لكن بشرط ان لا يخصص أي جزء منه لبناء مساكن في الأراضي المحتلة . وقال شارون ان القدس الشرقية ليست منطقة محتلة بل هي جزء من القدس عاصمة اسرائيل ، وهو شيء رفضت قبوله كل دولة في العالم .

جرى أيضا الربط بين القرار السوري باستخدام القوة للإطاحة بالجنرال عون بلبنان وبين أزمة الخليج . فبعد أن ظلت الولايات المتحدة سنوات تدين سوريا بوصفها دولة إرهابية ، فانها اصبحت حليفة لها في أزمة الخليج . وكان من دواعي سرور الرئيس الأسد الذي كان على الدوام يكن الكراهية لصدام ان ينضم إلى قوة عالمية تعتزم طرد صدام من الكويت ، وربما من السلطة أيضا . وكان جيمس بيكر قد عقد اجتماعا مع الرئيس الأسد تعرض لبعض النقد في الولايات المتحدة ، وأثار بوجه خاص سخط أسر ضحايا الرحلة 103 لطائرة بان أمريكان التي انفجرت فوق لوكيربي باسكتلندا .
فلم يكن بوسعهم أن يصدقوا انه من الممكن لمسئول أميركي كبير أن يزور بلادا لعبت دورا في الهجوم الإرهابي .

لكن الرئيس الأسد كان قد أصبح عندئذ في وضع لا غبار عليه في نظر الولايات المتحدة . إذ كان قد أرسل قوات سورية إلى السعودية والإمارات وأيد بقوة موقف الولايات المتحدة وهيئة الأمم من العراق . وكشف مصدر سوري عالي المستوى انه أحاط بقواته القسم المسيحي الذي يسيطر عليه الجنرال عون في بيرات ، تلقى الضوء الأخضر من البيت الأبيض للمضي قدما والإطاحة بعون.

وعندما وجد عون نفسه محاصرا بالقوات السورية ناشد الإسرائيليين ان يقوموا بمساعدته . وهذا ما أكده أوري لوبراني منسق العمليات الاسرائيلية في لبنان الذي أكد أن التحالف السوري الأميركي في الخليج سهل على السوريين استخدام القوة للإطاحة بعون . قال " لا ريب عندي في ان صار لدى السوريين الحرية في استخدام القوة داخل لبنان طالما أنهم حلفاء للأميركيين " .

وبعد معركة قصيرة ولكن دامية هرب الجنرال عون من القصر الرئاسي إلى السفارة الفرنسية . ولا يزال فيها .
ومنذ ذلك الوقت رفضت الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة الهراوي طلبا تقدمت به الحكومة الفرنسية للسماح له بمغادرة لبنان إلى فرنسا . وتصر على محاكمته بتهمة الفساد .

لم يثر التدخل السوري في بيروت الشرقية أي انتقاد رسمي في الولايات المتحدة أو في غيرها من الدول الكبرى . وبدلا من ذلك ، جرى تصويره باعتباره محاولة كريمة لاعادة توحيد لبنان . وليس من شك في أن إعادة توحيد دولة انتهكت حرمتها أمر في غاية الأهمية ، لكن من الصعب تفسير الاحتلال السوري للبنان خلال السنوات الكثيرة القادمة على انه مختلف .

لكن إذا كان نجاح سوريا في الحصول على الضوء الأخضر قد جاء نتيجة لانضمامها للتحالف فانه كان ذلك بعض النتائج الايجابية . فالواقع ان الذي دفع سوريا إلى الانضمام للتحالف لم يكن مجرد علاقاتها السيئة مع العراق منذ وقت طويل .
إذ كانت تشعر بالعزلة عن عدد من الدول العربية المهمة وخصوصا مع مصر والسعودية . إذ لم يكن لسورية أية مشاركة في مجلس التعاون العربي الذي تشكل عام 1989 ولا في مجلس التعاون الخليجي، ولكن بانضمامها إلى التحالف ضد العراق كسرت الحواجز وأصبحت مشاركة لدول عربية مهمة . ثم ان السوريين أدركوا ما يجري في الكتلة الشرقية والاتحاد السوفييتي اللذان كانا يدعمان نظام الأسد . إذ كان غارقين في المشكلات الاقتصادية إلى حد أيقن معه السوريون بأن المساعدات الاقتصادية والعسكرية سوف تتوقف . وعليه كان من المهم إيجاد حليف قوي آخر ، فكان الولايات المتحدة .
لكن بالرغم من هذه الايجابيات فقد كان في سوريا شعور متزايد بالإحباط بالنسبة لقضايا أخرى ، وأولها أن الولايات المتحدة خصصت 700 مليون دولار لإسرائيل لمساعدتها على تحسين نظامها الدفاعي ضد الصواريخ .

فأدان السوريون هذا القرار بشدة لأنه كما قالوا محاولة من الولايات المتحدة لربط أزمة الخليج بالنزاع العربي الإسرائيلي . كما أن السوريين أصيبوا بخيبة أمل عندما رأوا المساعدات المالية التي كانت تحصل عليها أقطار مثل مصر من الغرب . وكانت الولايات المتحدة قد ألغت دينا لها على مصر بمبلغ 7 بلايين دولار وكذلك فعلت دول الخليج بدينها البالغ 5 بلايين دولار نقدا . كما أن سوريا كانت لا تزال تعاني من العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة وبريطانيا وغير قادرة في الوقت ذاته على الحصول على المساعدات المالية التي تمكنها من حل المشكلات الاساسية للاقتصاد السوري .

ومما أغضب السوريين أيضا العلاقات الدبلوماسية . فبريطانيا التي أعادت علاقاتها الدبلوماسية مع إيران ، رفضت إعادتها مع سوريا . وكانت علاقاتها ببريطانيا قد قطعت على أثر حادث الهنداوي عام 1986 عندما وجدت قنبلة على إحدى طائرات العال بمطار هيثرو ، وحملت بريطانيا سوريا المسؤولية عن تلك العملية الإرهابية .
وأصرت رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر على هذا الموقف بالرغم من السياسة السورية الجديدة التي تجلت في الدفاع عن التحالف ضد العراق . وبقيت هذه المشكلة دون حل إلى أن خرجت تاتشر عن الوزارة في نوفمبر . فبعد ذلك بأربع وعشرين ساعة أعادت بريطانيا علاقاتها مع سوريا .

وكان السوريون يواجهون مشكلة أخرى . فبالرغم من أنهم كانوا يكرهون العراق فانه كان سيتحالف معهم في حال نشوب الحرب مع اسرائيل . وهكذا فإنهم أعلنوا بوضوح ان قواتهم موجودة في السعودية للدفاع عنها لا لمهاجمة العراق وأنهم لا يسعون إلى حرب مع العراق بل إلى حل سلمي . أجل كانوا يريدون حلا سلميا لا يضعف قوة العراق . لكن هذا الموقف تغير كليا فيما بعد عندما اندلعت الحرب ، فقبلت بهدوء تدمير العراق وأيدت فكرة الإطاحة بصدام حسين .

طرأت أحداث أخرى مهمة أثرت في أزمة الخليج . ففي 18 نوفمبر ـ أي بعد الغزو بثلاثة أشهر ـ اجتمع بباريس لأول مرة منذ الحرب الباردة رؤساء ورؤساء وزارات 34 دولة تضم دولا من أوروبا الشرقية والغربية بالإضافة إلى كندا والولايات المتحدة ( ضمن إطار منظمة CSCE ) . وفي تلك الأثناء وصلت رسالة مستعجلة من بغداد تعلن أن صدام حسين سيبدأ في عيد الميلاد بإطلاق سراح جميع الرهائن . على ان الرسالة لم تفاجئ أحدا . فمنذ بداية الأزمة وصدام حسين يحاول استغلال قضية الرهائن في محاولة منه لإضعاف تأييد الرأي العام الدولي لأي هجوم عسكري على بلاده .

ومهما يكن من أمر فان إعلان صدام استقبل باستخفاف من قبل الولايات المتحدة بوصفها مجرد دعاية عراقية أخرى . وفي صباح اليوم التالي ، وبعد أن تناول بوش الفطور مع مارغريت تاتشر ، شجب القرار العراقي بالإفراج عن الرهائن على دفعات ، وقال بأنه إذا أراد صدام حلا سلميا فعليه ان يفعل بالكويت ما فعله بإيران . وهذا يعني " أن عليه أن يتراجع تراجعا كاملا . فلن تطلق رصاصة واحدة غضبا إذا فعل ما يفترض فيه عمله وهو التقيد تقيدا كاملا بقرارات الأمم المتحدة " .

عند بدء اجتماع الدول الأربع والثلاثين . كان من الواضح أن أزمة الخليج تتزايد تعقيدا . فطوال شهور كنا نسمع عن مختلف الخيارات لحل الأزمة ـ المفاوضات السلمية ، وانسحاب طوعي للقوات العراقية من الكويت ، والحل العربي ، والحرب . وبعد أن قام الرئيس الأميركي بنشر 000 , 200 من الجنود كخطوة أولية ، أعلن في أوائل نوفمبر أنه سيرسل تعزيزات للوجود العسكري في السعودية تتألف على الأقل من 000 , 200 جندي .

وفي هذه صار من الواضح لدى متتبعي الأزمة أنه طرأ تغير أساسي على الموقف الأميركي . إذ تحولت الولايات المتحدة إلى دولة مهاجمة ، وبالتالي أخذ احتمال وقوع الحرب يتحول إلى حقيقة . وذهب عدد من الخبراء إلى أن نشر القوات يعني أن الحرب ستقع بين منتصف وآخر يناير أو أوائل فبراير . واعتقد آخرون نشرها قد يكون خدعة لتغطية هجوم مبكر على الكويت.

لم يحضر جورج بوش وسكرتير الدولة جيمس بيكر إلى باريس فقط بهدف المشاركة في المؤتمر ، بل أيضا وأساسا من أجل إقناع فرنسا والاتحاد السوفييتي بالحاجة إلى قرار جديد تصدره الأمم المتحدة يجيز استخدام القوة العسكرية ضد العراق . بعد أن اجتمع بيكر ووزير الخارجية الفرنسية رولان دوما أشاع مساعدو بيكر بان فرنسا وافقت على دعم هذا القرار .

وأشيع الشيء ذاته على أثر عشاء ضم بوش وميتران . فسارع الاليزيه إلى القول بأن أي اتفاق بهذا الشأن لم يتم ، وبأن فرنسا إذا كانت تقبل " من حيث المبدأ " فانها لا تدعم أي قرار لم يناقش في مجلس الأمن . وحدد ميتران موقفه النهائي في مؤتمر صحفي عقده بعد انتهاء اجتماع باريس ، معلنا فيه ان قرارا جديدا سوف يتم تبنيه خلال ثلاثة أسابيع ويجيز استخدام القوة .
وجرى الشي ذاته مع السوفييت . فقد عقد بيكر ثلاثة اجتماعات مع ادوارد شيفارنادزه ؛ واجتمع بوش كذلك بغورباتشوف . وعرف أولا أن السوفييت غير متحمسين لصدور قرار عن الأمم المتحدة يؤيد استخدام القوة .

وأعلن الناطق الرسمي السوفييتي في عدة مناسبات ، بان موقف بلاده هو " الصبر " .
ولكن قبل مغادرة غورباتشوف لباريس ، ظهر على شاشة التلفزيون الفرنسي وحمل على العراق وعلى صدام حسين قال : " الوضع شديد الخطورة . يجب علينا ان نتحرك ، ونظهر حزمنا وتصميمنا . ونشعر بالحاجة إلى قيام مجلس الأمن دون تأخير بالاجتماع ومناقشة الوضع واتخاذ قرار" .

وخاب أمل الذين قالوا باحتمال التوصل إلى حل عربي . وفي أوائل نوفمبر دعا الملك الحسن الثاني إلى عقد قمة عربية لحل أزمة الخليج . ولكن في حين أن العراق سارع إلى تأييد اقتراحه فان الدول العربية الرئيسية مثل مصر وسوريا والسعودية بادرت على الفور إلى رفضه .

يتبع >
[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 14-03-2007 الساعة 04:55 PM
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 14-03-2007, 05:06 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

وخاب كذلك الأمل في حل دبلوماسي . فالوسيط السوفييتي يفجيني بريماكوف الذي قام بجولة مكوكية على الاقطار العربية بما فيها العراق بهدف التوصل إلى حل سلمي ، تحدث عن القيام بتنازلات للعراق . لكن الولايات المتحدة لم تكن على استعداد لقبول شيء من هذا . والواقع أن بوش كان قد وضع نفسه في موقف كان من الصعب تغييره ومن المستحيل التفاوض حوله .

إذ قال انه لا يمكن إجراء محادثات مع العراق إلا بعد انسحاب العراق من الكويت وعودة الأسرة الحاكمة والإفراج عن جميع الرهائن من الأجانب . وكان صدام قد أشار في كثرة من المقابلات بأنه لن يقبل ذلك . وعندما كنت ببغداد في أوائل سبتمبر أبلغتني وزارة الخارجية العراقية ان صدام حسين يرغب في مناظرة تلفزيونية مع بوش .

ونقلت رغبته إلى البيت الأبيض فكان الجواب قاطعا بالنفي . وفي مقابلة لبيتر جنكز المراسل الرئيسي لشبكة " إي بي سي " مع صدام ببغداد شدد هذا على استعداده للتفاوض مع الولايات المتحدة والسعودية ولكن بدون " شروط مسبقة " وكان معنى ذلك أنه لن ينسحب من الكويت قبل التوصل إلى حل تفاوضي . لكن بالرغم من كل الحديث عن الحاجة إلى حل دبلوماسي فانه بات في حكم المستحيل .

أما وقت تعذر انسحاب صدام بدون شروط ، وتعثر الحل العربي والحل التفاوضي فلم يبق هناك إلا خيار واحد وهو الحرب .
وفي 29 نوفمبر تبنى مجلس الامن القرار 678 الذي أيد بوضوح ذلك الخيار . واتخذ القرار باثني عشر صوتا مقابل اثنين عارضاه وهما اليمن وكوبا وامتنعت الصين عن التصويت . وخولت الفقرة الرئيسية من القرار " الدول الأعضاء بالتعاون مع حكومة الكويت " لاستخدام " جميع الوسائل الضرورية " لتنفيذ القرار رقم 160 الذي دعا إلى انسحاب العراق انسحابا تاما من الكويت . وحدد تاريخ الانسحاب بموجب القرار 678 " في أو قبل " الخامس عشر من يناير 1991 .

كما دعا القرار إلى إعادة " السلم والأمن الدوليين إلى المنطقة " . وهذه هي الكلمات الرئيسية التي استندت إليها الدول الغربية فيما بعد لتبرير تجاوز تحرير الكويت إلى غزو العراق . وهكذا بدأ العد العكسي نحو الحرب .


الفصل العاشر
وتمر الأيام

عندما صدر قرار الأمم المتحدة رقم 678 في 29 نوفمبر 1990 صار من الواضح أن الحرب قد اصبحت خيارا جديا في أزمة الخليج . ولو ان الولايات المتحدة ودول التحالف الأخرى كانت تشعر بأن الحل التفاوضي لا يزال ممكنا ، ولو أن بعض الخبراء لم يكونوا يريدون حلا تفاوضيا لما اتخذ القرار .

واعتقد كثرة من الزعماء السياسيين في العالم أن تحديد تاريخ لانسحاب صدام حسين من الكويت كان إشارة إلى أن الولايات المتحدة تخلت عن خطتها الاصلية التي ترمي إلى الانتظار حتى تبدأ العقوبات التي أقرتها هيئة الأمم في التأثير على الشعب العراقي .

واصبح واضحا ان العقوبات تتطلب وقتا أطول من الوقت الذي تنبأ به المسئولون في بادئ الأمر .
لكن الولايات المتحدة واجهت عددا من المشكلات الصعبة . فبانتظار تأثير العقوبات كان لا بد لها من أن تترك قواتها على الأراضي السعودية لمدة طويلة ، الأمر الذي سيؤثر على دعم مالي هام من أقطار كالسعودية والكويت واليابان .

وكانت هنالك مشكلة دينية . فكان رمضان سيبدأ في منتصف آذار الامر الذي يؤثر كثيرا على الإطراف العربية المشاركة في التحالف وخصوصا على السعودية ومصر وسوريا . وكان سيلي ذلك فيما بعد موسم الحج الذي يفد فيه كل سنة ملايين من المسلمين على الأراضي المقدسة . ولم يكن من المستبعد إذا بقيت القوات الأجنبية حتى ذلك الحين في السعودية أن يقوم الحجاج بثورة عليها .

وأخير مشكلة الطقس. فبعد انقضاء شهر مارس تشتد الحرارة في منطقة الكويت والسعودية إلى حد لا يطاق . وكان يخشى أن يكون لذلك تأثير ضار على الاعتدة العسكرية الأميركية وعلى القوات التي لم تعتد حياة الصحراء . وهكذا فان الخبراء في الحكومة الأميركية قرروا انه لا مفر من إيجاد حل قبل منتصف آذار .

في 30 نوفمبر ـ أي بعد صدور قرر الأمم المتحدة رقم 678 بيوم واحد ـ أعلن بوش بذكاء عن خطة سلام لإقناع العالم بان الحرب لم تكن حتمية ـ فاقترح ان يجتمع بوزير خارجية العراقية طارق عزيز وان يوفد وزير خارجيته بيكر للاجتماع بصدام حسين . ورحب العالم بالاقتراح بوصفه دليلا واضحا على ان الرئيس بوش كان لا يزال يسعى إلى حل دبلوماسي للازمة .

وصلت إلى تونس في وقت متأخر من بعد ظهر ذلك اليوم . وفي صباح اليوم التالي اجتمعت مع أبو إياد الرجل الثاني في منظمة التحرير . وقد عرفته منذ سنوات طويلة . وكان قد قضى شطرا من حياته في الكويت حيث كانت لا تزال تعيش أسرته بما فيها زوجته . وكان في أوائل السبعينات ، الرأس المدبر للعمليات " الإرهابية " وهو الذي نظم الهجوم على الرياضيين الإسرائيليين في الألعاب الاولمبية بميونيخ عام 1972 .

على انه اقتنع منذ أوائل الثمانينات بان الإرهاب ليس أسلوبا لحل القضية الفلسطينية واتخذ موقفا اكثر اعتدالا . ولعب دورا أساسيا في حمل المنظمة على التخلي عن الإرهاب ، والاعتراف بوجود اسرائيل ، وفتح حوار مع الولايات المتحدة . لقد كان يد عرفات اليمنى ومن الذين دفعوه إلى الاعتدال .

بدأ أبو إياد يخبرني عما حدث في مقر منظمة التحرير عندما علم المسئولون فيها باقتراح بوش . بادر عرفات إلى عقد اجتماع بكبار قادتها الموجودين بتونس . وبعد نقاش استمر عدة ساعات كتبوا مذكرة سرية لصدام حسين نقلتها إليه السفارة العراقية بتونس . واشتملت المذكرة على ثلاث نقاط رئيسية : الأولى قبول اقتراح بوش الذي يحتمل ان يكون آخر فرصة للتوصل إلى حل سلمي للازمة . والثانية التخلص من جميع الرهائن الأجانب قبل الاجتماع بين طارق عزيز وبوش ، لان ذلك يسهل إمكان التوصل إلى حل دبلوماسي . والثالثة الاستعداد للانسحاب من الكويت مع عدم نسيان الصفقة السرية مع الملك فهد التي تقضي باحتفاظه بمناطق الحدود المتنازع عليها منذ وقت طويل بين العراق والكويت .

وأخبرني أبو إياد أن عرفات كان في طريقه إلى عمان للاجتماع مع الملك حسين قبل الذهاب إلى بغداد لمقابلة صدام حسين . وأضاف أنه سيسافر في اليوم التالي إلى اليمن لمحاولة الحصول على تأييد زعمائها للخطة التي تقترحها المنظمة على صدام .

وسألته إذا كان سيجتمع مع الزعيم العراقي في العاصمة العراقية كما كان يفعل دائما ، ففاجأني بجوابه : " لن أذهب إلى بغداد مرة أخرى . ولن اجتمع بصدام حسين مرة أخرى " . فلما سألته عن سبب اتخاذه هذا القرار كشف النقاب عن خبر مثير .
في 16 نوفمبر اجتمع هو وعرفات مع صدام حسين . وفي ذلك الاجتماع حدث مشادة عنيفة بينه وبين الزعيم العراقي .

قال له : " إنك لا تساعد القضية الفلسطينية كما تدعي . إنك تدمرها . إنك تقضي على آلاف الفلسطينيين في الكويت . إنك تدمر أسرتي . لقد فقد جميعهم وظائفهم ويتضورون جوعا " . وقال أبو إياد أيضا انه انتقد بشدة دعم صدام لنشاط أبو نضال الإرهابي . وكان أبو نضال ـ وهو واحد من أخطر الإرهابيين في العالم ـ قد انفصل عن المنظمة في أوائل السبعينات ؛ ثم ما لبث أن أنشأ منظمة خاصة به وهي فتح المجلس الثوري وحكم بالموت على أبو إياد .

وكان أبو أيام يعلم انه منذ ان أنشأ ابو نضال منظمته تورط في اكثر من محاولة لاغتياله هو وغيره من زعماء منظمة التحرير . فأثارت كلمات ابو إياد غضب صدام حسين الذي طرده من مكتبه . كما أثارت غضب عرفات الذي تمكن مع هذا من إخراجه من العراق سالما .

كانت تلك آخر مرة قابلت فيها أبو إياد . ففي ليل الخامس عشر من يناير ـ أي قبل نشوب حرب الخليج بيومين ـ اغتيل في تونس هو وهايل عبد الحميد المعروف بأبي الهول . وكانت المنظمة قد اقترفت خطأ أمنيا مأساويا عندما سمحت للقاتل حمزة أبو زيد الذي تظاهر بالانشقاق عن أبو نضال بان يكون حارس أبو الهول . ومع أن التحقيق في الاغتيال لا يزال جاريا ، فان هناك ما يشير إلى أن منظمة أبو نضال هي التي دبرت العملية . لكن ليس من الواضح ما إذا كان الاغتيال قرارا مستقلا اتخذته المنظمة أم أنه قرار جهة أخرى .

في الرابع من ديسمبر اجتمع عرفات والملك حسين ونائب الرئيس اليمني لمدة أربع ساعات مع صدام حسين في بغداد للعمل على تنفيذ توصياتهم . وبعد ذلك بأربع وعشرين ساعة ـ أي في 6 ديسمبر ـ أعلن صدام الإفراج الفوري عن جميع الرهائن الأجانب . لكن لما كان قد أعلن سابقا أنه سوف يسمح لهم جميعا بمغادرة البلاد في عيد الميلاد فقد شك البعض في البداية بصدقه . لكن وضح في الأيام التالية ان جميع الرهائن قد أطلق سراحهم ، وبذلك حلت عقدة من عقد أزمة الخليج .

أما على الجبهة الدبلوماسية فلم يبد أثر للتقدم بالرغم من كثرة النشاط . فأولا وقبل كل شيء لم يظهر ما إذا كانت الولايات المتحدة والعراق قد اتفقتا على موعد ذهاب طارق عزيز إلى واشنطن وبيكر إلى بغداد . وتحمل الولايات المتحدة العراق مسؤولية ذلك . فقال الأميركيون انهم اقترحوا خمسة عشر من تاريخا وان صدام لم يقبل ايا منها .

وكان صدام قد عرض الاجتماع ببيكر في الثاني عشر من يناير ولكن الولايات المتحدة اعتبرت التاريخ قريبا جدا من 15 يناير الذي حدد للانسحاب من الكويت . أما العراقيون فقد رأوا في ذلك إشارة إلى ان الولايات المتحدة لا تريد إجراء أية محادثات حقيقية معهم . وقالوا إنه لا تفرض التواريخ على أي قطر عربي ، بل ينبغي التفاوض عليها . وأضافوا أن الولايات المتحدة لا ترغب في المفاوضة حتى على تاريخ الاجتماع.

وعلمت من مصدر عراقي أن كل ما كان الأمر يستدعيه لإجراء محادثات بين طارق عزيز وبوش ، وبين بيكر وصدام هو أن يرفع بوش سماعة التلفون ويطلب صدام لمناقشة القضية معه. هكذا كان يفكر صدام . فمنذ بداية الأزمة شعر الزعيم العراقي ان الطريق الوحيد للتوصل إلى حل تفاوضي للازمة هو إجراء محادثات مباشرة مع شخصين وهما الملك فهد والرئيس بوش.
وعلى أي حال فانه لم يجر التوصل إلى حل بشان اقتراح الرئيس بوش وأخيرا لم يتم الاتفاق إلا على اتصال أميركي عراقي واحد بين بيكر وعزيز في التاسع من يناير. لكن كان لا بد من التمهيد للاجتماع بنشاط دبلوماسي واسع .

في 12 ديسمبر أطلق الشاذلي بن جديد الرئيس الجزائري مبادرة سلام في اجتماع له مع صدام في بغداد . وكان تدخل الجزائر في العملية في نظر الذين يفهمون المفاوضات الشرق أوسطية ، أمرا على جانب كبير من الأهمية . فمنذ سنوات طويلة كانت الجزائر تلعب دورا ايجابيا في معالجة ازمات المنطقة .

ولعل ابرز نشاطاتها في هذا الميدان ما قامت به في أواخر 1980 وأوائل 1981 عندما نجحت في وضع حد لمأساة الرهائن في إيران . وبفضل الجزائر أطلق سراح الرهائن في اليوم الذي جرى فيه تنصيب رونالد ريغن رئيسا للولايات المتحدة وهو 20 يناير 1981 .

على ان جهود بن جديد لإجراء مفاوضات لم تلبث أن بلغت حائطا مسدودا . فالسعودية رفضت استقباله بحجة ان المفاوضات غير ممكنة قبل انسحاب صدام من الكويت . وأبلغت الولايات المتحدة الجزائر انه ينبغي ان لا يقوم بن جديد بزيارة واشنطن . إذ يكفي ان يتصل تلفونيا بالرئيس بوش .

في 18 ديسمبر ازدادت الأمور تعقيدا . فالولايات المتحدة والعراق لم تكونا قد توصلتا إلى اتفاق على تاريخ الاجتماع بين طارق عزيز وبوش . وكان طارق عزيز قد بعث برسالة إلى الجماعة الأوروبية يقول فيها انه على استعداد للاجتماع بوزراء الخارجية الأوروبيين . لكن ما حدث في ذلك اليوم ان وزراء خارجية السوق الأوروبية رفضوا الاجتماع به لأنهم لا يريدون ان يولدوا انطباعا بان هناك انشقاقا في الحلف المناهض للعراق .

وقدر لقرار وزراء الخارجية هذا أن تكون له نتائج هامة . ففي الأيام التي سبقت 15 يناير المحدد للانسحاب شهد العالم فورة من النشاط الدبلوماسي . فقد غير وزراء خارجية الجماعة الأوروبية رأيهم وقرروا انه من المهم لهم أن يجتمعوا بعزيز . لكن عزيز رفض عدة مرات لأنه كان لا يزال غاضبا بسبب قرار 18 ديسمبر في بروكسل .

وبعد بيومين أي في 20 ديسمبر شهد الاتحاد السوفييتي حدثا دراميا أظهر ان الازمة التي كانت تواجه العالم ليست في الشرق الاوسط وحده بل وفي الاتحاد السوفييتي إذ استقال شيفارنادزه بعد أن اتهم ميخائيل غورباتشوف بالسير نحو الدكتاتورية . وجاءت استقالته خسارة لبيكر بوجه خاص ، لانه أنشأ مع شيفارنادزه أفضل علاقة نشأت بين وزير خارجية أميركي ونظيره في الاتحاد السوفييتي . كما ان استقالته كانت مؤشرا على ان بعض الزعماء المتصلبين في الاتحاد السوفييتي بدأوا يشككون في قرار غورباتشوف بالانضمام إلى الولايات المتحدة في الحلف المناهض للعراق ، لان العراق كان حليفا للاتحاد السوفييتي منذ زمن طويل واكبر مستورد للأسلحة السوفييتية .

ومرت الأيام إلى ان بدأ عام 1991 .
كان أول يناير يوم عطلة . لكن الثاني منه شهد موجة من المحاولات الدبلوماسية . فوزير خارجية لوكسمبرغ جاك بوه الذي كان قد أصبح في اليوم السابق رئيسا للجماعة الأوروبية دعا إلى اجتماع لوزراء خارجيتها يوم الجمعة في الرابع من يناير . وقال إنه يتوقع أن يوفده وزراء الخاريجة إلى بغداد لإجراء محادثات مع طارق عزيز .

وكان الملك حسين في طريقه إلى أوروبا لإجراء محادثات في لندن وروما وباريس وبون ولوكسمبرغ . ولم يكن قد توقف عن السعي إلى إيجاد حل دبلوماسي منذ قام بجهد خارق خلال السنوات الثماني والأربعين التي أعقبت الأزمة . وقال أن الجزائر ويوغوسلافيا اللتين تمثلان دول عدم الانحياز لا تزالان تشاركان في عملية السلام .

وبينما كانت تبذل هذه الجهود كان الرئيس بوش يخبر الشعب الأميركي في مقابلة له مع الصحفي البريطاني ديفد فروست أن استعادة الكويت هي أكبر تحد أخلاقي منذ الحرب العالمية الثانية . وعندما سئل عما سيحدث إذا نشب القتال في الخليج قال إنه يأمل أن ينتهي في غضون بضعة أيام.

وفي اليوم التالي ـ 3 يناير ـ وبعد أن خاب أمل بوش في الاتفاق على تاريخي الاجتماعين في واشنطن وبغداد عرض على العراق فرصة أخيرة لإجراء محادثات بين بيكر وعزيز في السابع والثامن والتاسع من يناير . لكنه قال بأن الاجتماع لن يشتمل على مفاوضات أو تسوية أو إنقاذ لماء الوجه أو مكافآت على العدوان .

والمؤكد أن مثل هذا البيان لم يكن من النوع الذي يوحي بان اجتماعهما سيحل الأزمة .
وبعد يومين قبل العراقيون الاقتراح وقالوا بأن عزيز سيجتمع مع بيكر في جنيف في التاسع من يناير . وحيث انه لم يكن قد بقي سوى ستة أيام على التاريخ المحدد للانسحاب وهو 15 يناير فإنه كان من المنتظر أن يكون حدث جنيف حاسما .


الفصل الحادي عشر والأخير
اترك سيارتك في الكاراج هذه الليلة

وصل جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركية وطارق عزيز وزير الخارجية العراقية إلى جنيف في المساء . وكان اجتماعهما سيبدأ في صباح اليوم التالي في فندق الانتركونتيننتال . وكانت وسائل المباشر الأول وربما الأخير على مستوى عال بين الولايات المتحدة والعراق منذ غزو الكويت في 2 أغسطس 1990 . وتنبأ غالبية الخبراء أن الاجتماع لن يكون للتفاوض بل لكي يطلع كل من الطرفين الطرف الآخر على موقفه الذي يتمسك به .

وعندما بدأ الاجتماع في صباح اليوم التالي بين الوزيرين اللذين كان كل منهما محاطا بالوفد المرافق له ، سُمح لرجال الصحافة بدخول القاعة لمشاهدة وتصوير ما يجري بجلسة الافتتاح . وبالرغم من أن الوزيرين انحنيا على الطاولة وتصافحا فإنهما لم يبتسما . وخرجت الصحافة من التصوير مقتنعة بصحة ما توقعته وهو أن الاجتماع سينتهي بالفشل .

لكن سرعان ما فوجئ الجميع بأن الاجتماع طال اكثر مما كان منتظرا . وساعة بعد ساعة أخذ يبدو كما لو أن بيكر وعزيز كانا بالفعل يحاولان التوصل إلى حل . وتوقفت المحادثات عدة مرات ولمدة ساعة للغداء ، لكنها استمرت . وأعلن خبير في شؤون الشرق الأوسط على شاشة التلفزيون البريطاني أنه علم من مصادر داخلية بأنه جرى إبرام صفقة ستؤدي إلى نهاية سلمية للأزمة .

وأخذ يتزايد تفاؤل الصحفيين الذين كانوا ينقلون وقائع الاجتماع . وكان الصحفيون مقتنعين بأن بيكر كان يتصل ببوش خلال فترات الراحة التي تخللت الاجتماع ، وأنه بالرغم من أن عزيز لم يكن يتصل بصدام فإن هذا كان قد زوده بطائفة من المقترحات . وانتهى الاجتماع بعد ست ساعات من المناقشات . وانتظر الصحفيون أن يخرج بيكر ويطلعهم على ما جرى في مؤتمره الصحفي .

على أن العبارات التي استهل بها بيكر بيانه بردت كل أمل في احتمال التوصل إلى حل سلمي .

قال بيكر :

" سيداتي سادتي . قبل قليل بعثت للرئيس بوش تقريرا عن اجتماعنا اليوم . أخبرته أن الوزير عزيز وأنا أكملنا محادثات جدية مطولة في محاولة لإيجاد حل سياسي لازمة الخليج . لقد اجتمعت مع الوزير عزيز اليوم ولكن كما سبق لنا أن بينا لا للتفاوض على ما جرى قبل قرار مجلس الأمن بل للاتصال المباشر معه مستمعا ومتحدثا . وهذا ما فعله كل منا . أما الرسالة التي نقلتها إليه من الرئيس بوش والشركاء فمفادها أنه ينبغي على العراق أن يستجيب لإرادة المجتمع الدولي وأن ينسحب سلميا من الكويت وإلا طرد منها بالقوة .
" ويؤسفني سيداتي سادتي أنني لم أسمع اليوم خلال الساعات الست ما يوحي بأي مرونة في مسألة التقيد بقرار مجلس الأمن الدولي " .

كانت الرسالة واضحة : لقد فشل الاجتماع .

وصرح بيكر بأن عزيز رفض قبول رسالة قدمها إليه لينقلها إلى صدام . ذلك أن عزيز أعادها إليه بعد قراءتها . وقال عزيز في مؤتمر صحفي عقده بعد ذلك إن " لهجة الرسالة ليست تلك التي ينبغي استخدامها في المراسلة بين رؤساء الدول " .
والآن وقد تعذر الاتصال بين رؤساء الدولتين اتضح لي سبب فشل الاجتماع ـ فطارق عزيز لم يحمل معه إلى جنيف أية مقترحات ـ لقد جاء لتحقيق هدف واحد وهو إقناع الولايات المتحدة بسحب توقيت الانسحاب في 15 يناير الذي وافقت عليه هيئة الأمم ـ فلم يكن صدام من النوع الذي يقبل بالمواعيد النهائية المحددة . لقد كان يعتبرها نوعا من التهديد، كما أنه لم يبعث بعزيز إلى جنيف يظهر استعداد العراق لإجراء محادثات حول الحل السلمي بل للحديث عن التاريخ النهائي للانسحاب . وهذا ما لم يكن بيكر على استعداد لقبوله .

وكان في جناح عزيز خلال اجتماع هذا مع بيكر وزير خارجية الجزائر السيد أحمد الغزالي ، ومدير الدائرة السياسية بمنظمة التحرير الفلسطينية فاروق القدومي . وخلال فترة الغداء التي أعقبت ثلاث ساعات من المحادثات دخل عزيز إلى جناحه وقال للغزالي والقدومي : " لن نحرز أي تقدم في هذه الحادثات . فهم يرفضون مناقشة موضوع التاريخ المحدد للانسحاب { 15 يناير } . كما أنهم ليسوا على استعداد لحذفه . ولن نفاوضهم حتى يفعلوا ذلك " .

كان صدام قد علم بان الكونجرس الأميركي صوت في اليوم السابق مؤيدا خطة الرئيس لاستخدام عمل عسكري لتحرير الكويت . لكن الذي حيرّه هي الأخبار التي وردته من الولايات عن معارضة عدد كبير من الشيوخ والنواب الأميركيين ، الأمر الذي أوحى له بانقسام الرأي الأميركي حول الأزمة . وبذلك أظهر عجره عن فهم العقلية الأميركية : فحالما تنشب الحرب يقف الشعب الأميركي وراء الرئيس بلا معارضة أو بشيء قليل منها .

عندما وصل بيريز دي كويار إلى بغداد في وقت متأخر من مساء 11 يناير إلى بغداد علم بأن عليه أن ينتظر 48 ساعة قبل أن يتسنى له الاجتماع بصدام حسين . لكنه أجتمع مع طارق عزيز . وفي مساء 13 يناير استقبله صدام .
في أوائل فبراير 1991 نشرت الحكومة العراقية ما وصفته بأنه تسجيل لوقائع الاجتماع . ولم يشك أحد في صحة ما جاء فيه . كان دقيقا مثل تسجيل وقائع اجتماعات صدام مع غلاسبي ، سفيرة الولايات المتحدة وجو ولسون القائم بالأعمال . وقد حصلت على هذه التسجيلات خلال زيارتي لبغداد في في سبتمبر 1990 . ومن المهم أن نفهم ماذا حدث في تلك الليلة ـ قبل الموعد المحدد للانسحاب وهو 15 يناير .

استهل دي كويار الاجتماع بقوله لصدام :
" سيدي الرئيس . أود أن أقول بأنني قدمت إلى العراق بدون أن أكلف بأي مهمة . فلم يعهد إليّ أحد بأي شيء من ذلك القبيل . ولم يكلفني مجلس الأمن أو الأمم المتحدة بالقيام بأي شيء . لكن ما شجعني على القيام بهذه الرحلة ليسوا رؤساء الدول والحكومات وحدهم بل والبابا ومواطنون عاديون طلبوا مني أن استخدم مركزي وخصوصا نفوذه الأدبي للعمل على إقرار السلام في المنطقة .

" وقد تفاجأ يا سيادة الرئيس إذ عملت أن بين الذين تمنوا لي النجاح في مهمتي رئيس الولايات المتحدة الذي اجتمعت وتحدثت معه أربع مرات يوم السبت الفائت . لكن أود أن أؤكد لك بأنني لا أحمل أية رسالة وأنني لست رسولا من قبل أحد . فأنا أمثل نفسي فحسب .
" قبل مجيئي إلى العراق بأسبوع اجتمعت مع الرئيس بوش لأبلغه أنني قررت الاجتماع معك . ذلك أنني أردت قبل مجيئي أن استمع إليه وأنه أتأكد من رغبته في التوصل إلى حل سلمي للأزمة . ولا أستطيع أن أقدم أي ضمانة بشأن ما يضمره . لكنه قال لي عندما علم باعتزامي الاجتماع معك إنه يشعر برغبة ملحة في التوصل إلى حل سلمي للأزمة .

" لقد قمت بعدد من المبادرات بينها مبادرة مهمة وبناءة وهي قرارك بالإفراج عن الأجانب ، فبذلك أزلت عقبة في طريق التخفيف من التوتر في المنطقة . على أن مبادرة 12 أغسطس { وذلك عندما صرح صدام حسين بأنه على استعداد للانسحاب من الكويت كجزء من حل عربي أوسع بما في ذلك النزاع الفلسطيني الإسرائيلي } لم تفهم تماما . لكنها تظهر بشكل أو بآخر في إطار قرارات مجلس الأمن التي أشارت بالتحديد إلى جامعة الدول العربية ومشاركتها في أي حل . فعلى ذلك الأساس يمكن عمل شيء . وكما سبق لي أن أخبرت وزير خارجيتكم فإنكم قد قمتم بعمل شيء . وأرى أنكم عملتم الكثير في سبيل القضية الفلسطينية وها أنتم قد وضعتم مصير الشعب الفلسطيني على جدول الأعمال .ونظرا لأني من أصل إسباني فإنني أشعر بأنني قريب من العالم العربي والشعب الفلسطيني " .

وقال دي كويار إنه خلال اجتماعه في جنيف مع وزراء خارجية دول السوق الأوروبية وهو في طريقه إلى بغداد قال له الوزراء بأنهم يريدون معالجة القضية الفلسطينية . ثم واصل كلامه لصدام فقال:
وحتى عندما رأيت بوش يوم السبت اعترف بالحاجة الملحة معالجة أزمة فلسطين وقال إنه لم ينس البيان الذي ألقاه في الجمعية العامة في الأول من أكتوبر وإنه قد تسنح الفرص لجميع الدول لإيجاد حل للمشكلة التي تفرق بين العرب والإسرائيليين .

على أن دي كويار بعد ذلك نقطة تنطوي على نقد فقال إنه لا يمكن حل أية قضية بما في ذلك قضية فلسطين إذا لم ينسحب صدام من الكويت .

ثم قال :

" أعرف شجاعتكم وكرمكم . فقد تابعت أخبار الحرب العراقية الإيرانية والمبادرات التي قمتم بتقديمها لإنهاء الحرب . وآمل أن تتقدموا بالروح ذاتها بشيء يضع حدا للنزاع الحالي . ولعمل ذلك علينا بالطبع أن نجد طريقة للتقيد بقرارات الأمم المتحدة وخصوصا رقم 660 ورقم 675 … هناك شيء قاله بوش وسجلته على قصاصة ورق وهو : " إن الولايات المتحدة ستهاجم العراق أو قواته المسلحة إذا لم يتم الانسحاب من الكويت ولم تعد الأمور فيها إلى ما كانت عليه في الثاني من أغسطس . إن الولايات المتحدة لا ترغب في أن تبقي قواتها البرية في المنطقة ؛ وسوف تدعم المفاوضات بين الأطراف المعينة وسوف أقبل أي قرار تتخذه " .

وعندما أنهى دي كويار كلامه سأله صدام حسين : " هل تشرب قهوة سوداء {مرة} ؟ إن هذا النوع من القهوة لا يساعد على النوم خلال الليل " . فأجابه دي كويار :
" إني أسافر كثيرا . وأنا رجل متقدم في السن ، ولكنني قوي بالنسبة لسني . إن الرأس هو الذي يتحكم بكل شيء " .

ثم أخذ صدام يبسط آراءه فقال :
" أحببت أن تأتي لأنك تعاملت معنا في الماضي وتعرف طريقة تفكيرنا . وقد كنت أخشى أن تأتي من زاوية مختلفة لأنك آت في ظروف يدعو فيها الأقوياء إلى استخدام السلاح ضدنا بأسرع وقت ممكن . " ولهذا فانك إذا لم تقدم لهم ما يريدونه فقد يتخذون من زيارتك حجة لشن الحرب . وبينما كنت أصغي إليك تبين لي أنك أثرت عدة نقاط إيجابية . وأنا متفق معك على أنه بالنسبة لموضوع معقد على هذا النحو فانه لا ينتظر التوصل إلى الحلول في اجتماع واحد . إنه ينبغي مناقشة هذه الأمور بطريقة شاملة وبعمق " .

وقضى صدام ربع الساعة في مناقشة الوضع الذي نشأ خلال الحرب العراقية الإيرانية . ثم انتقل إلى مسألة الكويت

يتبع >

[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 16-03-2007 الساعة 11:09 PM
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 16-03-2007, 10:48 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

فقال :
" ما الذي أوصل الأمور منذ الثاني من أغسطس إلى الحد الذي وصلت إليه ؟ إنه التهديد الذي شعرنا به ؟

كانت الكويت أصبحت قاعدة في يد الولايات المتحدة للتآمر علينا . إننا لم نضم الكويت أو نوحد بينها وبين العراق في الحال بالرغم من أن حكام الكويت ـ كما تعلم ـ فروا في اليوم الأول ذاته . وافقنا على عقد مؤتمر قمة في السعودية تحضره دول : العراق ، اليمن ، الأردن ، السعودية ومصر . أردنا أن نناقش هذه التعقيدات مع العالم العربي لنحلها.

" وماذا حدث ؟ بدلا من أن يعقد مؤتمر القمة قامت السعودية ومصر بإلغائه ، واتفقتا مع الولايات المتحدة على نشر قواتها على أرض السعودية . هكذا أضعنا فرصة التوصل إلى حل عربي ، وواصل الأميركيون نشر القوات بدون قرار من مجلس الأمن .

" ورغم أن قرار نشر القوات الأميركية في السعودية كان قد اتخذ فإننا تصرفنا على نحو بناء حيال قرار مجلس الأمن رقم 660 . صحيح أننا لم نعترف بالقرار إلا أننا تحركنا في إطاره . وهكذا فإننا أعلنا بوضوح أننا سنسحب قواتنا في الرابع من أغسطس . وبالفعل قمنا بسحب بعض قواتنا . وأعتقد أننا سحبنا لواء بكامله ، بالرغم من أن قواتنا المتواجدة هناك عندئذ لم تكن بحجمها الحالي . لكن عندما استمر التصعيد الأميركي ، واستمرت القوات الأميركية في الوصول بأعداد متزايدة ، أوقفنا سحب قواتنا . وكما قلت ، فإننا أعلنا الوحدة ، وأبلغنا الشعب ، والجيش في العراق أن الكويت اصبحت جزءا من بلادهم وأن عليهم أن يقاتلوا من أجلها حتى الموت . {وكان صدام يشير إلى إعلانه في الثامن من أغسطس أن العراق قامت بضم الكويت } "

وتناول صدام القضية الفلسطينية فانتقد الولايات المتحدة لمعارضتها عقد مؤتمر دولي لبحث المشكلة " وذلك لكي لا يكون عقده بمثابة انتصار سياسي لصدام حسين . ما الذي يقولونه الآن ؟ فلينسحب العراق من الكويت ثم نعقد مؤتمرا دوليا لمناقشة القضايا . وهذا وعد غير صادق إنه مجرد احتمال " .

وتبين من الحديث أن الزعيم العراقي لم يكن مستعدا للانسحاب من الكويت إلا في إطار حل أشمل . قال : " إن العراقيين لن يفروا من الموت . وسوف يحشر بوش يوما بعد يوم في الزاوية ؛ وسوف يضطر إلى اللجوء إلى السلاح لأن الذي يشغل نفسه في توفير متطلبات استخدام الأسلحة لا يمكن أن يركز على التفكير في إيجاد بدائل لذلك "

وكان الجزء الأخير من محادثات الزعيمين في غاية الأهمية ، إذ قال الأمين العام دي كويار بكل وضوح : " إذا كنت قد فهمتك تماما فان موقفك من الكويت لا يمكن الرجوع عنه . وفي هذه الحالة لا يمكننا العمل بمبدأ الصفقة "

فقال صدام :
" لم أقل ذلك ـ لقد قلت ما قلته ـ إذا وجدت أن الأميركيين يسعون إلى إيجاد مخرج من الأزمة ، وأنهم يبحثون عن طريقة لا تعود عليهم بالخسارة ولكنها في الوقت ذاته لا تحقق لهم بالضرورة كل ما يريدون ، فانه من الممكن وضع مخطط لهذا الغرض ؛ ويمكن للعرب أن يبحثوا عن حل على أساسه "

فشكر دي كويار الزعيم العراقي على ضيافته والوقت الذي خصصه له . وقال صدام " أتمنى لك النجاح " وقال دي كويار : " ينبغي علينا أن نفكر في إخواننا الفلسطينيين " . فأجاب صدام : " إنهم يذبحون يوميا الأطفال والنساء "

عاد دي كويار إلى نيويورك قبيل ظهر 14 يناير بعد أن توقف في باريس لرؤية الرئيس ميتران . وخرج من اجتماعه مع ميتران مكتئبا . قال :
" من المؤسف أنني في نهاية رحلتي لا أجد سببا يدعو إلى التفاؤل . ولا يوجد كذلك سبب يجعلني أكثر أملا . أنا دبلوماسي ولكنني أيضا نزيه ومستقيم ، ولا أستطيع أن أخفي أنني لم أحرز تقدما ببغداد "
لم يكن بقي على الموعد النهائي 15 يناير سوى ست وثلاثين ساعة ؛ ويوافق ذلك منتصف الليل في واشنطن . وكان الفرنسيون يتحدثون عن آخر جهود للسلام . وأشار رولان دوما إلى أنه على استعداد للذهاب إلى بغداد .

في 15 يناير . وفي الساعات الأولى من صباحه اغتيل أبو أياد في تونس . وكان دوما لا يزال يفكر في السفر ولكنه قال بأنه لن يسافر حتى يتلقى رسالة من العراق تقول بأنه على استعداد للانسحاب من الكويت . وكان عرفات يبذل جهودا يائسة للاتصال بالزعماء العرب في محاولة منه لإحراز أي تقدم نحو السلام .
وحل الموعد في منتصف الليل والعراق لا يزال متشبثا بالكويت . ومن الواضح أن الزعيم العراقي كان ينتظر نشوب الحرب .

صباح 16 يناير توجهت مبكرا إلى مكتبي . وكان يخامرني شعور بأن شيئا ما سيحدث . وفي الرابعة بعد الظهر دق جرس التلفون وكان المتحدث مصدري العسكري الأول الذي أثق به كل الثقة . قال : " يفضل أن تضع سيارتك في الكاراج هذه الليلة " . قال هذا وأقفل الخط . على أن رسالته كانت واضحة . كان سيقع الهجوم على العراق في تلك الليلة .
في الحادية عشرة والنصف ليلا بتوقيت لندن بدأت القنابل في السقوط على بغداد . وبذلك بدأت حرب الخليج.

الخاتمة

الثانيه عشرة والنصف من صباح 28 فبراير رن التلفون بجوار سريري وقيل لي أن أذهب في الحال إلى مكتبي لأن الرئيس بوش كان سيخاطب الشعب الأميركي في الثانية صباحا . وكانت تلك هي الليلة الرابعة على التوالي منذ أن بدأت الحرب البرية التي أهب فيها من الفراش وأحلق ذقني وارتدي ملابسي على عجل وأتجه إلى مكتبي . وعندما دخلت المكتب وجدت بعض الأخبار التي تشير إلى أن الرئيس الأميركي سيعلن نهاية الحرب .
وفي الثانية صباحا أعلن وقف إطلاق النار المؤقت وأن الغارات الجوية على العراق توقفت وأن الحرب البرية ستتوقف عند منتصف الليل بتوقيت واشنطن والثامنة صباحا بتوقيت بغداد . وبهذا تكون الحرب قد استمرت ستة أسابيع وأربع ساعات بينما استمرت الأزمة ستة أشهر وستة وعشرين يوما .

سأترك للمحللين العسكريين أمر تقييم الحرب . وقد يمضي بعض الوقت قبل أن يتمكنوا من فك رموز الرسائل التي أرسلت إلى الصحافة في واشنطن والسعودية وإسرائيل والعراق ، ومعرفة تفاصيل ما حدث بالفعل . لكن هناك أشياء واضحة . لقد سحقت قدرات العراق العسكرية ، ودمرت بنياتها التحتية . وعليه فسوف يمر جيل من الزمن على الأقل لإعادة البناء . وكذلك فان القوات العراقية أنزلت خرابا خطيرا في الكويت . إذ دمرت أقسام من المدينة وأشعلت النار في آبار النفط وعذب بعض المواطنين وقتل غيرهم . لكن ربما كان الأهم من هذا بكثير هو الطريقة التي هزت بها الحرب العالم العربي وقسمته على نفسه .

إن الأمة العربية سريعة العطب . وقد أحدثت كل أزمة شهدتها المنطقة تغيرات درامية فيها . فخلق إسرائيل في عام 1948 اعتبر هزيمة عربية كبرى . وفي السنوات الخمس التالية سقط زعماء ثلاث دول ، وهي مصر وسوريا والعراق . وخلال حرب السويس سمحت العراق التي كانت لا تزال تخضع للحكم الملكي لبريطانيا باستخدام مطاراتها لمهاجمة مصر بالطائرات المقاتلة . وبعد سنتين أطيح بالأسرة الحاكمة وأدى الانتصار المذهل لإسرائيل في حرب الأيام الستة إلى قيام منظمة التحرير بنشاط " إرهابي " واسع . وأدى الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 إلى قيام حزب الله الذي تدعمه إيران . وبعد ذلك بخمس سنوات ابتدأت الانتفاضة في الأراضي المحتلة .

وشهدت السنوات الخمس والأربعون منذ نهاية الحرب العالمية الثانية 81 انقلابا في أربع عشرة دولة عربية نجح منها أربعة وعشرون . وكان القطران اللذان شهدا أكثرها هما العراق وسوريا . إذ شهد 32 محاولة نجح منها 14 . والأقطار العربية تخضع للحكم الملكي أو الجمهوري ، لكن لا يتمتع أي منها بحكم ديمقراطي . صحيح أن في بعضها " برلمانات " أو " جمعيات وطنية " أو " مجالس شعبية " ، لكن هذه ليست سوى مؤسسات هزيلة أنشئت لإضفاء هالة من الشرعية على النخب الحاكمة . وإن عجز الحكومات الغربية التي تحالفت في حرب الخليج عن الضغط على هذه الأقطار لتبني نظم ديمقراطية سوف يؤدي إلى تفاقم الأخطار التي نجمت عن الحرب . كما أن عجز الدول الغربية عن حل القضايا العربية الأساسية مثل النزاع العربي الإسرائيلي سوف يزيد من تلك الأخطار .

قام الخبراء بإعداد قائمة بأسماء الرابحين وأخرى بأسماء الخاسرين في العالم العربي . وتضم الأولى إيران ، وتركيا ، ومصر وسوريا والسعودية . وتضم الثانية الأردن واليمن ومنظمة التحرير الفلسطينية ويضيف الخبراء أن الأشخاص الرابحين هم الرئيس التركي أوزال ، والرئيس المصري مبارك ، والرئيس السوري حافظ الأسد . والخاسران في نظرهم هم الملك حسين وياسر عرفات . والحقيقة هي أن الذين وصفوا بالرابحين يواجهون معارضة علنية أو سرية في بلادهم ، في حين أن الملك حسين يتمتع بشعبية كبيرة ، وأن ياسر عرفات لا يزال المسيطر على المنظمة .

فعلى المرء أن لا يفاجأ خلال السنوات القليلة القادمة إذا خسر أحد الرابحين وظل الخاسرون في أوج قوتهم وشعبيتهم .
لقد تحدث الرئيس بوش عن خلق نظام عالمي جديد . لكن هذا ليس بالأمر السهل . فقد فقدت أميركا الكثير من شعبيتها في بعض الأقطار العربية . وكذلك فإن العلاقات الأميركية السوفيتية قد أصبحت سريعة العطب بعد وقت غير طويل من انتهاء الحرب الباردة .

أصابت حرب الخليج اندفاع الجماعة الأوروبية نحو مزيد من الوحدة السياسة والنقدية بأضرار بالغة. وعلينا أن لا ننسى أن الحرب أدت إلى انتفاضات في كثرة من الأقطار الآسيوية.
من الصعب أن يحاول المرء فيما تصفه الولايات المتحدة بالنصر الدرامي . لكن السلام في غاية التعقيد ، وخصوصا في الشرق الأوسط . لقد تمت هزيمة العراق بسرعة . لكن ليس من السهل التوصل إلى سلام طويل الأمد .


الوثائق

الملحق الأول

رسالة نائب رئيس الوزراء ، وزير الخارجية العراقي
إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية
بتاريخ 15 يوليو (تموز) 1990

سيادة الأخ الشاذلي ألقليبي الأمين العام لجامعة الدول العربية
تحية أخوية …

في بداية هذه الرسالة لابد من التذكير بالمبادئ التي يؤمن بها العراق والتي طبقها بكل أمانة وحرص في علاقاته العربية .
إن العراق يؤمن بأن العرب في كل أقطارهم أمة واحدة .. ويفترض أن يعم خيرهم الجميع وأن يستفيدوا منه ، وإذا ما أصاب أحدهم ضرر أو أسى فأن هذا الضرر والأسى يلحق بهم جميعا وأن العراق ينظر إلى ثروات الأمة على أساس هذه المبادئ .. وقد تصرف في ثروته منطلقا من هذه المبادئ .

كما يؤمن العراق .. بأنه برغم ما أصاب الأمة العربية في العهد العثماني وبعده تحت ظل الاستعمار الغربي من شتى ألوان التقسيم والهوان والاضطهاد ومحاولة فسخ الشخصية القومية ، فان مقومات وحدة الأمة العربية ما تزال حية وقوية .. وأن الوطن العربي برغم انقسامه إلى دول هو وطن واحد وأن أي شبر من هذا الوطن هنا أو هناك في أرض هذا القطر أو ذاك ينبغي المشترك ، كما ينبغي تجنب الوقوع في مهاوي النظرة الضيقة والأنانية في التعامل مع المصالح والحقوق لهذا القطر أو ذاك . إن مصالح الأمة العربية العليا.. والحسابات الإستراتيجية العليا للأمن القومي العربي يجب أن تكون حاضرة دائما كما يجب أن تكون المعيار الأول في التعامل في كل هذه المسائل بين الأقطار العربية .

على أساس هذه المبادئ القومية والأخوية المخلصة والصادقة تعامل العراق مع الكويت رغم ما هو معروف من حقائق الماضي والحاضر بالنسبة للكويت والعراق . والذي دعانا إلى كتابة هذه الرسالة .. إننا مع عميق الأسف بتنا نواجه الآن من جانب حكومة الكويت حالة تخرج عن إطار المفاهيم القومية التي ذكرنا .. بل تتناقض معها وتهددها في الصميم .. وتتناقض مع أبسط مقومات العلاقات بين الأقطار العربية .. إن المسئولين في حكومة الكويت وبرغم مواقفنا الأخوية الصادقة في التعامل معهم في جميع القضايا ، وبرغم حرصنا على مواصلة الحوار الأخوي معهم في كل ولأوقات قد سعوا وبأسلوب مخطط ومدبر ومتواصل إلى استمرت ثمان سنوات والتي أكد كل العرب المخلصين قادة ومفكرين ومواطنين ، ومنهم رؤساء دول الخليج بأن العراق كان يدافع خلالها عن سيادة الأمة العربية كلها وخاصة دول الخليج ومنها بل وبصورة خاصة الكويت . كما سلكت حكومة الكويت هذه السياسة التي تتعمد إضعاف العراق في الوقت الذي يواجه فيه العراق حملة امبريالية صهيونية شرسة بسبب مواقفه القومية في الدفاع عن الحق العربي، تدفعها إلى ذلك مع الأسف دوافع أنانية ونظرة ضيقة وأهداف لم يعد ممكنا النظر إليها إلا على أنها مريبة وخطيرة .

وفي هذا الشأن هنالك صفحتان رئيسيتان :

الأولى : من المعروف أنه منذ عهد الاستعمار والتقسيمات التي فرضها على الأمة العربية هنالك موضوع معلق بين العراق والكويت بشأن تحديد الحدود .. ولم تفلح الاتصالات التي جرت خلال الستينات والسبعينات في الوصول الذي حل بين الطرفين لهذا الموضوع حتى قيام الحرب بين العراق وإيران .. وفي أثناء سنوات الحرب الطويلة بصورة خاصة وفي الوقت الذي كان فيه أبناء العراق النشامى يسفحون دمهم الغالي في الجبهات دفاعا عن الأرض العربية ومنها أرض الكويت وعن السيادة والكرامة العربية ومنها كرامة الكويت ، استغلت حكومة الكويت انشغال العراق كما استغلت مبادئه القومية الأصيلة ونهجه النبيل في التعامل مع الأشقاء وفي القضايا القومية لكي تنفذ مخططا في تجميد وتيرة الزحف التدريجي والمبرمج باتجاه أرض العراق فصارت تقيم المنشآت العسكرية والمخافر والمنشآت النفطية والمزارع على أرض العراق وقد سكتنا على كل ذلك واكتفينا بالتلميح والإشارات علها تكفي في إطار مفاهيم الأخوة التي كنا نعتقد أن الجميع يؤمنون بها . ولكن تلك الإجراءات استمرت وبأساليب ماكرة وإصرار يؤكد التعمّد والتخطيط .

وبعد تحرير الفاو ، بادرنا ـ في أثناء مؤتمر قمة الجزائر عام 1988 ـ إلى إبلاغ الجانب الكويتي برغبتنا الصادقة في حل هذا الموضوع في إطار علاقات الإخوة والمصلحة القومية العليا ولكننا وجدنا أنفسنا أمام حالة تثير الاستغراب الشديد .. فبرغم أن المنطق يفترض أن يفرح المسئولون الكويتيون لهذه المبادرة الأخوية الكريمة من جانبنا وأن يعملوا لانجاز هذا الموضوع بسرعة ، لاحظنا التردد والتباطوء المتعمدين من جانبهم في مواصلة المباحثات والاتصالات وإثارة تعقيدات مصطنعة مع الاستمرار في التجاوز وإقامة المنشآت البترولية والعسكرية والمخافر والمزارع على الأراضي العراقية وقد صبرنا على هذه التصرفات بدواعي الحكمة والحلم .

وكان استعدادنا لمزيد من العمل كبيراً لولا انتقال الأمور إلى مستوى خطير لم يعد ممكنا السكوت عليه وهو ما سنتناوله في الصفحة الثانية والأكثر خطورة من الموضوع .
إن العراق يحتفظ بسجل كامل لهذا الموضوع يوضح بالوثائق والحيثيات كل التجاوزات التي قامت بها حكومة الكويت .
الثانية : بدأت حكومة الكويت ومنذ عدة أشهر ، وبالتحديد منذ أن رفع العراق صوته عاليا يدعو بقوة إلى استعادة حقوق العرب في فلسطين وينبه إلى مخاطر الوجود الأميركي في الخليج ، بدأت بانتهاج سياسة ظالمة القصد منها هو إيذاء الأمة العربية وإيذاء العراق خاصة .

وفي هذا الجانب اشتركت حكومة الإمارات العربية المتحدة مع حكومة الكويت . فقد نفذت حكومتا الكويت والإمارات عملية مدبرة لإغراق سوق النفط بمزيد من الإنتاج خارج حصتهما المقررة في الأوبك بمبررات واهية لا تستند إلى أي أساس من المنطق أو العدالة أو الإنصاف .. وبذرائع لم يشاركهما فيها أي من الأشقاء من الدول المنتجة .. وقد أدت هذه السياسة المدبرة إلى تدهور أسعار النفط تدهورا خطيرا .. فبعد التدهور الذي حصل قبل سنوات في السعر ، من المعدلات العالية التي كان قد بلغها وهي 24 ، 29 ، 28 دولارا للبرميل الواحد ، أدت تصرفات حكومتي الكويت والإمارات إلى انهيار سعر الحد الأدنى المتواضع الذي تم الاتفاق عليه في الأوبك أخيرا وهو 18 دولارا للبرميل إلى ما بين 11 ـ 12 دولارا للبرميل . وبعملية حسابية بسيطة يمكننا أن نقدر مقدار الخسائر الباهظة التي لحقت بالدول العربية المنتجة للنفط .

أولا : إن معدل إنتاج الدول العربية من النفط هو 14 مليون برميل في اليوم وأن تدهور الأسعار في الفترة الواقعة بين 1981 ـ 1990 قد أدى إلى خسارة الدول العربية بحدود 500 مليار دولار ، كانت حصة العراق منها خسارة 89 مليار دولار . ولو أن العرب جميعا لم يخسروا هذه المبالغ الهائلة ووفرنا نصفها للتنمية القومية ولمساعدة البلدان العربية الفقيرة لحققنا تقدما هائلا في التنمية القومية وأسعدنا الفقراء من أبناء أمتنا .. ولكان وضع الأمة أقوى وأكثر رفاها وتقدما مما هو عليه الآن .
إذا اعتمدنا الحد للأسعار كما قررته الأوبك عام 1987 وهو 18 دولارا للبرميل ، فان خسارة الدول العربية خلال الفترة من 1987 ـ 1990 بسبب تدهور هذا السعر تبلغ حوالي 25 مليار دولار .

ثانيا : أن نقص كل دولار من سعر النفط يؤدي إلى إلحاق خسارة بالعراق تبلغ مليار دولار سنويا . ومن المعروف ان السعر قد انخفض هذه السنة عدة دولارات عن سعر 18 بسبب سياسة حكومتي الكويت والإمارات ، مما يعني خسارة العراق لعدّة مليارات من دخلة لهذه السنة في الوقت الذي يعاني فيه العراق من ضائقة مالية بسبب تكاليف الدفاع الشرعي عن أرضه وأمنه ومقدساته وعن أرض العرب وأمنهم ومقدساتهم طيلة ملحمة ألثمان سنوات . إن هذه الخسائر الجسيمة من جراء تدهور اسعار النفط لم تصب الدول العربية المنتجة للنفط وحدها .. وإنما أصابت بنتائجها الدول الشقيقة الأخرى التي كانت تتلقى المعونات من أخواتها الدول العربية المنتجة للنفط .. فقلّت إمكانات الدعم بل توقفت في بعض الحالات كما تدهورت أيضا أوضاع مؤسسات العمل العربي المشترك وعانت الأزمات وهي الآن في أصعب الظروف ، لهذا السبب أو لاتخاذ ذلك ذريعة لتقليل أو إيقاف المساعدات والدعم لمؤسسات العمل العربي المشترك .

وقد أضافت حكومة الكويت إلى هذه الإساءات المتعمدة إساءة اخرى مستهدفة الإضرار بالعراق بالذات . فقد نصبت منذ عام 1980 وخاصة في ظروف الحرب منشآت نفطية على الجزء الجنوبي من حقل الرميلة العراقي وصارت تسحب النفط منه . ويتضح من ذلك انها كانت تغرق السوق العالمي بالنفط الذي كان جزءا منه هو النفط الذي تسرقه من حقل الرميلة العراقي وبهذا تلحق الصرر المتعمد بالعراق مرتين .. مرة بإضعاف اقتصاده وهو أحوج ما يكون فيه إلى العوائد ومرة اخرى بسرقة ثروته . وتبلغ قيمة النفط الذي سحبته حكومة الكويت من حقل الرميلة فقط بهذه الطريقة المنافية لعلاقات الأخوة وفقا للأسعار المتحققة بين 1980 ـ 1990 ـ (400 ) مليون دولار .

وأننا نسجل امام جامعة الدول العربية وأمام الدول العربية كلها حق العراق في استعادة المبالغ المسروقة من ثروته وحق العراق في مطالبة المعنيين بإصلاح التجاوز والضرر الذي وقع عليه .

لقد سبق ان شرحنا مخاطر سياسة حكومتي الكويت والإمارات لأخوتنا في الدول العربية المنتجة ومنهم الكويت والإمارات مرات عديدة .. وشكونا .. وحذرنا .. وفي قمة بغداد تحدث السيد الرئيس صدام حسين حول هذه المسألة أمام الملوك والرؤساء والأمراء وبحضور المعنيين بصراحة وبروح أخوية (ونرفق طيا نص حديث سيادته حول الموضوع في مؤتمر قمة بغداد ) . وكنا نتصور وخاصة بعد الأجواء الأخوية الايجابية التي تحققت في قمة بغداد ان حكومتي الكويت والإمارات سترعويان عن النهج ولكن الحقيقة المؤلمة هي أن كل ما قمنا به من مساع ثنائية ومن اتصالات مع دول شقيقة لتلعب دورا ايجابيا في ثني حكومتي الكويت والإمارات عن هذا النهج وبرغم حديث السيد الرئيس صدام حسين في قمة بغداد فقد تعمّدت هاتان الحكومتان مواصلة هذه السياسة واستمرتا فيها بل ان بعض المسئولين فيهما أطلقوا تصريحات وقحة عندما ألمحنا إلى هذه الحقائق وشكونا منها . لذلك لم يبق هناك أي مجال لاستبعاد الاستنتاج بان ما فعلته حكومتا الكويت والإمارات في هذا الشأن إنما هو سياسة مدبرة تستهدف أهدافا خفية . ومع إدراكنا بأن هذه السياسة التي أدت إلى انهيار اسعار النفط تضر في المحصلة النهائية باقتصاد هذين البلدين نفسيهما .. فلم يبق أمامنا غير ان نستنتج بان من تعمد هذه السياسة بصورة مباشرة ومكشوفة أو من آزرها أو دفع أليها ، إنما ينفذ جزءا من المخطط الامبريالي ـ الصهيوني ضد العراق وضد الأمة العربية خاصة في التوقيت الذي جاءت فيه وهو ظروف التهديد الخطير من جانب اسرائيل والامبريالية الذي يتعرض إليه الوطن العربي عامة والعراق خاصة ، إذ كيف يمكن لنا ان نواجه هذا التهديد الخطير ونحافظ على التوازن في القوة الذي حققه العراق بأغلى التكاليف وهو الذي عانى ما عانى من الخسائر في اثناء الحرب مع انهيار مورد العراق الأساسي وموارد الدول العربية المصدرة للنفط وهي العراق ، السعودية ، قطر ، عمان ، اليمن ، مصر ، سورية ، الجزائر وليبيا ؟ !

هذا فضلا عما تؤدي إليه هذه السياسة المريبة من إضعاف قدرة هذه الدول العربية على مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة التي تعاني منها وهي مشكلات ذات طبيعة مصيرية .. فإلى أي مصير تريد حكومتا الكويت والإمارات ان تجرا الامة العربية ؟ ! .. في هذا الظرف الصعب الدقيق والخطر ؟! .. وسياسات من وأهداف من تريدان إرضاءهما ؟!.
إنّا .. وبعد أن أوضحنا هذه الأمور لكل الأشقاء وبعد أن طلبنا مباشرة من هاتين الحكومتين الكف عن هذه السياسة الظالمة والمدمرة وشرحنا لهما ما نتعرض إليه من أضرار كبيرة .. قبل قمة بغداد وفي اثناء القمة .. وبعدها .. وأرسلنا المبعوثين وكتبنا الرسائل .. لذلك فإننا ندين ما فعلته حكومتا الكويت والإمارات بالعدوان المباشر على العراق فضلا عن عدوانهما على الامة العربية .

اما بالنسبة لحكومة الكويت فان اعتداءها على العراق هو اعتداء مزدوج فمن ناحية تعتدي عليه وعلى حقوقه بالتجاوز على أراضينا وحقولنا النفطية وسرقة ثورتنا الوطنية .. وإن مثل هذا التصرف هو بمثابة عدوان عسكري .
ومن ناحية اخرى تتعمد حكومة الكويت تحقيق انهيار في الاقتصاد العراقي في هذه المرحلة التي يتعرض فيها إلى التهديد الامبريالي الصهيوني الشرس وهو عدوان لا يقل في تأثيره عن العدوان العسكري .

أننا إذ نعرض هذه الحقائق المؤلمة امام الأشقاء العرب فإننا نأمل ان يرفع الأشقاء صوتهم عاليا لوضع حد لهذا العدوان المتعمد المدبر ولكي ينصحوا المنحرفين للعودة إلى السلوك السوي الذي يأخذ بالاعتبار المصلحة القومية المشتركة ومتطلبات الأمن القومي المشترك .

ثالثا : وبمناسبة الحديث عن المصالح القومية العليا وارتباط الثروة العربية بمصير الامة العربية نطرح مقترحا كالتالي .
ـ لو تضامنت كل الدول العربية المنتجة وغير المنتجة تضامنا سياسيا متينا واتفقت على العمل على رفع سعر النفط إلى ما يزيد عن 25 دولارا ثم أقامت صندوقا للمعونة والتنمية العربية على غرار ما تفق عليه في قمة عمان على ان يمول هذا الصندوق بدولار عن كل برميل نفط تبيعه الدول العربية المنتجة بأكثر من سعر 25 دولارا فان المبلغ الذي سيتحقق لهذا الصندوق هو 5 مليارات دولار سنويا في نفس الوقت الذي تتحقق فيه زيادات كبيرة في مداخيل الدول المصدرة للنفط ، لأن التضامن العربي الجماعي الذي يفترضه هذا السعر المنصف يزيد من مدخولاتها المالية ويحميها من المحاولات العدائية التي تستهدف إضعاف القوة العربية من خلال إضعاف مواردها من الثروة البترولية .

ويمكننا ان نتصور كيف ان مبلغا ثابتا كهذا سيعزز الأمن القومي العربي ويوفر إمكانات نمو لكل الدول العربية ويمكنها من مواجهة الضائقة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها اغلب دولنا.
ان العراق يطرح هذا المقترح للدراسة الجادة وقد يكون مؤتمر القمة العربي القادم في القاهرة مناسبة لبحث هذا المقترح وإقراره .

رابعا : ولمناسبة الحديث عن هذه الحقائق المؤلمة نرى من الضروري ان نوضح اللبس الذي ربما يكون موجودا لدى بعض الأشقاء حول موضوع (المساعدات) التي قدمتها الكويت والإمارات للعراق اثناء الحرب .
لقد اجمع العرب المخلصون في كل الوطن العربي على ان الحرب التي اضطر العراق إلى خوضها لم تكن للدفاع عن سيادته فحسب وإنما كانت دفاعا عن البوابة الشرقية .
أننا نضع هذه الحقائق المؤلمة أمام ضمير كل عربي شريف وفي المقدمة منهم شعب الكويت الشقيق لكي يقدروا الألم والضرر والأذى الذي أصابنا ويصيبنا .
أرجوا سيادة الأمين العام توزيع هذه الرسالة على الدول العربية ..

مع أطيب التحيات والتمنيات .
طارق عزيز
نائب رئيس الوزراء
وزير خارجية الجمهورية العراقية
بغداد في 23 / ذي الحجة / 1410 هـ
الموافق 15 / تموز 1990 م


يتبع >[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 16-03-2007 الساعة 11:19 PM
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 16-03-2007, 11:26 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

الملحق الثاني

ـ رسالة من وزير خارجية العراق إلى الأمين العام للأمم المتحدة ، 24 أكتوبر 1990

أرسل لكم نسخة من الرسالة المؤرخة في 22 نوفمبر 1989 والتي بعث بها مدير عام مديرية الأمن إلى وزير الداخلية في حكومة الكويت السابقة . إن هذه الوثيقة الخطيرة تبرهن على وجود مؤامرة بين تلك الحكومة وحكومة الولايات المتحدة لزعزعة استقرار الوضع في العراق .

سبق أن ذكرت هذه المؤامرة في رسالة مؤرخة في 4 أيلول 1990 وجهتها إلى رؤساء الخارجية في العالم ، وشرحت فيها الخلقية التاريخية لمكائد الزعماء الكويتيين للعراق.

لا مفر لنا إذن من الاستنتاج بأن زعماء النظام السابق في الكويت أرادوا المضي في مؤامراتهم حتى يتحطم اقتصاد العراق ويتزعزع استقرار نظامه السياسي . ومن المستحيل الاعتقاد بأن نظاما كالنظام الذي كان قائما في الكويت يمكن أن يدبر مثل تلك المؤامرة ذات الأهداف الكبيرة بدون دعم وحماية دولة كبرى .

وضمنت الرسالة أيضا الملاحظات التالية :
" يتبين من سردي التاريخي ووصفي للحوادث أن الخلاف لم يكن مجرد خلاف على المسائل الاقتصادية أو مسائل الحدود . فقد سبق أن نشأت بيننا خلافات من ذلك القبيل خلال السنوات العشرين الماضية ، ولكننا حاولنا أن نحافظ على أفضل العلاقات الممكنة مع زعماء الكويت السابقين بالرغم من سلوكهم الخسيس وموقفهم الحقير من العراق . وحقيقة الأمر أن هناك مؤامرة منظمة تعمد زعماء الكويت السابقون الاشتراك فيها بدعم من الولايات المتحدة وذلك استقرار الاقتصاد العراقي وهدم القدرات الدفاعية ضد مطامع إسرائيل الاستعمارية واعتداءاتها على العالم العربي . ولتحقيق ذلك كان لا بد من هدم النظام السياسي في العراق وتقوية هيمنة الولايات المتحدة على المنطقة وخصوصا على موارده النفطية . والواقع كما صرح الرئيس صدام حسين في قمة بغداد وكما أشرت في رسالتي إلى الأمين العام للولايات المتحدة هو أن ذلك بمثابة حرب ضد العراق " .
إن هذه الرسالة تبين بوضوح ودون لبس أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية ودوائر مخابرات حكومة الكويت السابقة تعاونت على التآمر على أمن العراق القومي وسلامة أراضيه واقتصاده القومي .
أكون ممتنا إذا تكرمت بتوزيع هذه الرسالة والنص المرافق بوصفهما من الوثائق الرسمية للأمم المتحدة .

طارق عزيز
وزير خارجية العراق
بغداد 24 أكتوبر 1990


الملحق الثالث

سري جداً وخاص

رسالة من العميد فهد أحمد إلى صاحب السمو الشيخ سالم الصباح السالم الصباح (بلا تاريخ)

سمو وزير الداخلية الشيخ سالم الصباح السالم الصباح
بعد لقائنا المشترك وتنفيذا لأوامر سموكم الصادرة بتاريخ 22 (أكتوبر) تشرين الأول 1989 ، قمت بين 12 و 18 (نوفمبر) تشرين الثاني 1989 ، بزيارة مقر وكالة الاستخبارات في الولايات المتحدة ، بصحبة الكولونيل اسحق عبد الهادي شدَّاد ، مدير المباحث في محافظة الأحمدي .
وقد شدد الجانب الأميركي أن تبقى الزيارة سرية جداً ، إلى حين حل مشكلة حساسية أشقائنا في مجلس التعاون الخليجي من جهة وفي كل من إيران والعراق من جهة ثانية .
وفي هذه الرسالة أضع بين يدي سموكم ، النقاط الرئيسية التي اتفقنا عليها مع القاضي وليم وبستر ، مدير وكالة الاستخبارات الأميركية ، وذلك خلال لقائي الخاص معه يوم الثلاثاء في 14 (نوفمبر) تشرين الثاني 1989 .

1ـ إن الولايات المتحدة ، مستعدة لتدريب أشخاص ، نختارهم نحن ، لحماية سمو الأمير وسمو الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح . إن الإعداد والتدريب سوف يكونان في مقر وكالة الاستخبارات الأميركية نفسه ، هذا مع العلم أن العدد النهائي لهؤلاء الأشخاص هو 123 شخصاً.
وقد اتفقنا أن تناط ببعضهم مهمات خاصة مرتبطة مباشرة بالعائلة الملكية ، هذه المهمات يحددها سمو الأمير ولي العهد .
وحول هذا الموضوع أفادنا الجانب الأميركي ، أنهم غير راضين عن كفاءة وقدرات قوات الحرس الاميري اثناء الهجوم الذي تعرض له سمّو الأمير .

2ـ وقد اتفقنا مع الجانب الأميركي على أن تتم زيارات متبادلة على كل المستويات بين مديرية الأمن الوطني ووكالة الاستخبارات المركزية .
وأن يتم تبادل معلومات حول تسلح كل من إيران والعراق ، وحول البني الاجتماعية والسياسية لكليهما .

3ـ وقد طلبنا بإلحاح مساعدة خبراء الوكالة ، لإعادة تكوين بنية مديرية الأمن الوطني ، بعد لقائنا معهم ، حيث أصبحت هذه القضية من الأولويات الملحة خصوصا بعد الأوامر التي أصدرها سمّو الأمير .
إننا ننتظر خبراتهم للشروع في وضع إستراتيجية جديدة تتناسب مع الوضع الداخلي في البلاد ومع التغيرات في منطقة الخليج ، وذلك عن طريق تركيب نظام معلوماتي وآلي في مديرية الأمن الوطني .

4ـ وكما طلبنا نحن ، فقد أعلمنا الجانب الأميركي ، أنه مستعد لتبادل المعلومات ، حول نشاطات المجموعات الشيعية المتطرفة داخل البلاد، وفي بعض دول مجلس التعاون الخليجي.
وقد قام السيد وبستر بتهنئتنا على الاحتياطات التي اتخذناها ضد الحركات المدعومة من إيران ، وأعلمنا أن الوكالة مستعدة لعمل مشترك معنا ، لا استبعاد كل عوامل التوتر في منطقة الخليج.

5ـ وقد اتفقنا مع الجانب الأميركي ، على أنه من المهم الاستفادة من تدهور الوضع الاقتصادي في العراق، حتى نجبر حكومة هذا البلد على الموافقة على رسم حدودنا المشتركة . وقد عرضت وكالة الاستخبارات الأميركية وسائل الضغط التي تراها ملائمة . مع التشديد على أنه يجب أن يقوم بيننا تعاون واسع في هذا الحقل ، بشرط أن يتم التنسيق على أعلى المستويات.

6ـ يرى الجانب الأميركي ، أن تكون علاقاتنا بإيران على الشكل التالي : من جهة بجب أن نسعى لتلافي أي اتصال مباشر معهم . وبخلاف ذلك من جهة ثانية ، يجب أن نمارس عليهم كل الضغط الاقتصادي الممكن ، بنفس الوقت الذي يجب ان نستمر فيه بدعم تحالفهم مع سوريا .
وقد حدد الاتفاق مع الجانب الأميركي، أنه على الكويت تلافي أي تصريح علني ضد إيران ، وبالمقابل تقليص دورها ونشاطها في الاجتماعات العربية المختلفة .

7ـ لقد اتفقنا مع الجانب الأميركي، أنه من المهم جداً محاربة المخدرات داخل الكويت ، وذلك بعد أن أخبرنا خبراء مكتب المخدرات في الوكالة ، أن جزءا كبيرا من الرأسمال الكويتي، يُستعمل لتشجيع تجارة المخدرات في باكستان وإيران . وأن نموّ هذه التجارة له انعكاسات كارثية على مستقبل الكويت .
لقد وضع الجانب الأميركي بتصرفنا خطا هاتفيا خاصا ، لتشجيع التبادل السريع للأفكار والمعلومات التي تتطلب اتصالات مكتوبة .

إن رقم خط الهاتف الخاص العائد للسيد وليم وبيستر هو التالي : 5241 ـ 659 (202).
إنني انتظر توجيهات سمّوكم . وابعث لسمّوكم بأفضل التحيات .

العميد فهد أحمد الفهد

مدير عام مديرية الأمن الوطني
[line]
انتهى
ومن لدية تعليق فعلى الرحب والسعة
[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 16-03-2007 الساعة 11:29 PM
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الدولة السعودية castle منتدى العلوم السياسية 10 18-12-2006 05:44 PM


الساعة الآن 10:39 AM.


New Page 4
 
 المركز التعليمي منتديات الحوار تسجيل النطاقاتخدمات تصميم مواقع الإنترنت  إستضافة مواقع الإنترنت  الدعم الفني لإستضافة المواقع
  متجر مؤسسة شبكة بوابة العرب   الدردشة الصوتية والكتابية  مركـزنا الإعـلامي  مـن نـحــن  مقــرنـا  قسم إتفـاقيات الإستــخــدام
Copyright © 2000-2014 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com