عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 25-02-2007, 06:13 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي مجتمع ما بعد الرأسمالية




مجتمع ما بعد الرأسمالية

د. سلمان محمد سلمان

أستاذ الفيزياء النووية والطاقة العالية - قلقيلية - فلسطين

أهداف الدراسة

وضع تصور للتطور الاجتماعي الاقتصادي والإنساني يفسر نشوء المجتمعات ومسيرة البشرية من حروب أو غيرها. ويدرس المجتمعات الحديثة وكيفية وصولها لما هي عليه وتفسير الظواهر الاجتماعية الإنسانية مثل سقوط الإقطاع وظهور الرأسمالية ودور الشيوعية وأهمية الدين. وكيفية استشراف المستقبل ووضع فهم إنساني لمجتمع بشري موحد لما بعد الرأسمالية والشيوعية وتعدد الأديان والصراعات العرقية.

المحاولة صعبة ولا يمكن الادعاء بقدرة وضع نظرية متكاملة تفسر الظواهر المعقدة. البحث هنا محاولة لتجميع الظواهر والأفكار الناجحة والصحيحة من التراث الإنساني للوصول إلى نظرية منسجمة ومتكاملة تسمح بتفسير الظواهر بنموذج يشبه التركيب الفيزيائي للكون وبالية وجود عناصر التفاعل والقوى. ومحاكاة ذلك على مستوى الوعي الفردي كوحدة التفاعل الأساسية التي تقابل الجسيم الأولي لنموذج التركيب النووي والتدرج للتركيب الجسيمي للذرة والكيماوي للجزيء والفيزيائي لمكونات الأرض والكواكب والنظام الكوني التي تخضع في الأساس للقوى الأساسية التي تتفاعل على مستوى الجسيمات الأولية وتأخذ مظاهر أخرى على مستوى القوى المتحكمة في الكون بإجماله .

محاكاة النموذج منطقية وليست حرفية.

والهدف الاعتماد على نفس الأساس المنطقي مع الاعتراف بالفرق بين المخلوقات الواعية والجماد الكوني مع أننا عادة نميز أكثر من اللازم بينهما

سنرى محاولة لرسم صورة نموذجية لكن بأمل أن تكون معبرة عن القوى الأساسية بشكل صحيح. وإذا كانت الفرضية الأصلية ناجحة نأمل أن ينجح التعميم. وربما يحصل خطأ في بعض الاستنتاجات مما يتطلب إعادة تقييم وتوسع تفصيلي حتى الوصول لتعميم ينطبق على مجمل الحالات.

أولا: نموذج نشوء وتطور المجتمعات

فرضيات نموذج نشوء وتطور المجتمعات:

1- الفرد يمثل وحدة التفاعل الرئيسة.

2- القوى الرئيسة للتفاعل هي: بقاء الذات وبقاء النوع والتكامل الوجودي.

3- الإدراك العقلي يمثل الإطار العام للتعبير عن القوى والتفاعلات.

4- العوامل الخارجية تتمثل في درجة العزلة والعامل الاقتصادي الاستراتيجي.

قوة بقاء الذات

وهي قوة غريزية يتفاعل بها الفرد من اجل البقاء وتشمل الأمن الغذائي والصحي والمادي ويندرج من نتائجها العمل والوظيفة والعنف. وهي موجبة لصالح الفرد وينتج عن تأثيرها قوى تحرك المجتمع. وتتميز بالجذب والنفور معتمدة على توافق أو تناقض المحيط مع مصلحة بقاء الفرد. وتتخذ مظاهر صراع أو تحالفات على مستوى المجتمع أهمها مظاهر صراع البقاء والصراع أو التحالفات الاقتصادية والتمايز الطبقي والصراع أو الأحلاف الطبقية. وهي قوة قصيرة المدى وقابلة للإشباع لكنها قوية جدا وفعالة وهي الأقوى على المدى القصير (في البعد الاقتصادي وغريزة البقاء). وهي قوة تتجه إلى تكوين التحالفات والاستقطاب في المجتمع. ويعتمد تأثيرها على مدى الإشباع للبقاء وكيفية الفهم العقلي لها في المجتمع.

واهم نتائجها لمجتمع مثالي من جنس بشري واحد ولا يتعرض للغزو الخارجي ومستواه الاقتصادي مكتف أنها تبدأ في فرز طبقي وانقسام المجتمع إلى من يملك ومن لا يملك.

قوة بقاء النوع

وهي قوة غريزية يتفاعل بها الفرد من اجل بقاء نوعه. والنوع هنا الأكثر تمثيلا لاستمرار الذات الجينية والعقلية. واهم تعبير مادي لها الرغبة في التناسل والإنجاب ومحبة السلالة والانتماء لها والأنس للشبيه والنفور من المختلف. وتتميز بالجذب والتنافر معتمدة على توافق أو تناقض محيط الفرد مع متطلباته البيولوجية الجينية وكيفية الإدراك العقلي لأهميتها. وبدون إدراك عقلي تميل لتفضيل القريب بالمطلق ومعاداة الغريب.

وتتخذ مظاهر الأسرة والعائلة الممتدة والعشيرة والقبيلة والقومية والسلالات البشرية. وينشا عن تكتلاتها الاجتماعية نشوء الكيانات القبلية أو العرقية. وهي قوة طويلة المدى غير قابلة للإشباع المطلق مع أنها قوية في المدى القريب وتتلاشى مع الابتعاد في المدى (في البعد العرقي وبقاء النوع). وينتج عنها في المدى القصير التمايز العرقي وصراعات القوميات والعنصرية.

وهي قوة تجمع المتكامل وتنفي المختلف ويمكنها أن تتدرج في الاستقطاب ولكن نتيجتها النهائية متعادلة على مستوى المجتمع البشري بحيث لا ترى قيمة موجهة لها على مستوى البشرية جمعاء مع أنها فعالة في المستويات الجزئية للمجتمع الإنساني.

واهم نتائجها لمجتمع مثالي من جنس بشري واحد ولا يتعرض لغزو خارجي ومستواه الاقتصادي مكتف أنها ايجابية للمجتمع ولكن بنظرة عنصرية تجاه الأخر.

قوة التكامل الوجودي

وهي قوة وجدانية تشمل مجمل الفرد ولا تخضع لحاجاته الآنية ولكنها تعرفه بالنسبة للأخر إنسانا أو كائنا حيا أو جمادا ضمن عالم المادة أو عالم الغيب ويعرف بها قيمته كجزء من الوجود. وهي قوة جاذبة ايجابية بذاتها تدفع الفرد للتكامل مع الآخرين وتعرف اجتماعية الإنسان ورغبته بالتكامل مع الجنس البشري والكون. وهي مصدر دوافع الخير والأخلاق والفكر التنويري والاستكشاف العلمي والاستغراق في العبادة ومساعدة الأخر. وتتم ترجمتها بمقدار إدراك الفرد أو المجموع لدورها وكيفية تأطيرها الفكري من خلال الأيدولوجية أو الدين. ويمكن أن تصبح أداة سلبية إذا تم تحريف الفهم العقلي لها من خلال تأطير دور القوى قصيرة الأمد كصراع البقاء أو العنصرية لتصبح ايدولوجيا منحرفة تؤدي دورا مناقضا لدافعها الأصلي.

وهي في الأصل قوة جذب ولا تظهر قيمتها الإجمالية إلا بتراكم الإدراك الاجتماعي. وتبدو ضعيفة جدا على مستوى الأفراد أو المدى القصير المتعلق بصراع البقاء أو الصراع القومي لكنها الوحيدة التي تبقي ذات معنى عند دراسة المجتمع البشري بمجمله. وهي العنصر الأساس في تحديد اتجاه التقدم البشري والأخلاقي وما يحدد معنى الحضارة الإنسانية.

ونتائجها لمجتمع مثالي من جنس بشري واحد ولا يتعرض للغزو ومستواه الاقتصادي جيد أنها تحرك روح الاكتشاف العلمي والتقدم الأخلاقي لذلك المجتمع. وتمثل عامل التوازن مقابل القوى العنصرية أو الصراع الطبقي وتعبر عن الجانب الأخلاقي في التعامل.

والقوى الثلاثة أعلاه غريزية وجدانية بدوافع ذاتية, وتمثل المحركات الطبيعية للنفس البشرية.

قوة العقل المدرك

والعقل المدرك هو أداة إستشراقية تشرف على إدارة القوى الغريزية والوجدانية وتحاول التحكم بها وموازنتها بما يحقق أفضل الإشباع لكل منها. وتتكون المفاهيم العقلية من خلال التجربة الذاتية لتفاعل القوى الأساسية ومن خلال التعلم من الأخر كان ذلك تراثا حضاريا أو تجارب إنسانية معاصرة.

وتتكون لدى الفرد في النهاية منظومة ملخصة لكافة المفاهيم المتعلقة بعد معاينتها الذاتية عقليا بدرجات متفاوتة جدا بين الأفراد بحيث يتم قبول العرف عادة (ملخص المفاهيم السائدة في حضارة الفرد) مع تطوير يميز التجربة الشخصية. وبمقدار تعدد خبرة الشخص المعني وتعرضه لتيارات فهم حضاري مختلفة وبتأثير تجاربه الشخصية وتفاوت المعاناة تنشا للفرد شبكة المفاهيم النهائية التي يعيش على أساسها وربما يطورها ويتوسع في ذلك إلى درجة المساهمة الريادية في تطوير الفهم البشري الإنساني العام وما نطلق عليه عادة الاستكشاف الفكري أو الحضاري.

وقوة العقل المدرك تمثل مركبة مستقبلة ومنتجة وتؤدي إلى تعريف الحقيقة وربما تشويهها. وعليه لا يمكن اعتبار الإنتاج العقلي ايجابيا أو سلبيا بالمطلق مع أن كيفية فهم مراكز القوى الاجتماعية ذات دور كبير في تأطير التفاعل اللاحق للقوى الفاعلة في المجتمع. ويشمل ذلك إدارة الدول والحروب والعلاقات الاقتصادية الدولية.

ويمكن اعتبار الفكر الإنساني محصلة لتفاعل القوى المؤثرة على مستوى الفرد والمجتمع وكيفية فهم هذا الفكر للظواهر وتشغيله لها.

وكلما كانت المفاهيم حقيقية معبرة عن واقع الحال كلما كان التعبير أكثر تطويرا للفكر الإنساني ويدفع باتجاه التقدم البشري. ويؤدي في العادة إلى نقلات نوعية في مستوى معيشة البشر أو المجتمعات الفرعية.

وكلما كان الفهم ناقصا أو مشوها أدى ذلك إلى نمو مواقف تؤدي إلى نشوء صراعات أو حروب تدفع البشرية ثمنها خسائر في المستوى الإنساني.

ومع أن نتائج تلك الحروب توصل البشرية في العادة لاكتشاف الخلل في النظريات التي أدت للصراع. إلا أن ذلك لا يظهر على المدى الزمني القصير بسبب تشويه المنتصر عادة لكل ايجابيات فكر المهزوم وتضخم مفاهيم المنتصر المنحرفة بنفس قيمة مفاهيمه السليمة. وكلما كانت نسبة الجيد من مفاهيم المنتصر اكبر يكون مكسب البشرية اكبر والعكس صحيح.

وليس هناك علاقة صلبة تضمن انتصار المفاهيم الأكثر صحة بسبب تراكم مفاهيم المجتمع السابقة ونفوذ المصالح الطبقية أو العنصرية وتمركز فعاليات القوة بيد مجموعات صغيرة لا تملك المفاهيم الصحيحة ومع أن التجربة الإنسانية العامة توحي بان مفاهيم البشرية الصحيحة تنتصر عادة أسهل من المفاهيم الأخرى وتتحلى بفترات انتشار طويلة البقاء إلا أن الإفساد لتلك المفاهيم دائم الحصول بسبب تلاعب المصالح الخاصة وسهولة الخداع العقلي للمفاهيم وتشابهها.

نماذج لتفاعل القوى

حيث أن القوى تعمل معا ولها دوافعها المستقلة والمتداخلة فمن الممكن توقع تطور المجتمع بناءا على مواصفات التشكيل.

1- مجتمع غير طبقي وحيد القومية ومعزول عن الغزو الخارجي( مكتف اقتصاديا وغير مكتف)

2- مجتمع غير طبقي وحيد القومية غير معزول عن الغزو الخارجي (مكتف اقتصاديا وغير مكتف)

3- مجتمع طبقي وحيد القومية معزول خارجيا (مكتف وغير مكتف)

4- مجتمع طبقي وحيد القومية غير معزول خارجيا (مكتف وغير مكتف)

5- مجتمع غير طبقي متعدد القوميات معزول (مكتف وغير مكتف)

6- مجتمع غير طبقي متعدد القوميات غير معزول (مكتف وغير مكتف)

7- مجتمع طبقي متعدد القوميات معزول (مكتف وغير مكتف)

8- مجتمع طبقي متعدد القوميات غير معزول (مكتف وغير مكتف)

وبإجمالي 16 مجتمعا متمايزا حسب الأربع عوامل (الطبقية 2 * القومية 2 * العزلة 2 * الاكتفاء الاقتصادي 2 = 16 مجتمعا

ويمكن مضاعفة عدد المجتمعات إلى 32 إذا تم اعتبار عامل وجود فكر أو ثقافة أو ايدولوجيا متقدمة مقابل بدائية (النمو الحضاري) وبهذا يمكن تعريف أي مجتمع في أية لحظة من تاريخ تطوره بناء على اقرب تمثيل له من احد هذه المجتمعات الـ 32.

والمعادلة العامة

نوع المجتمع = اقتران (الطبقية*القومية* النمو الحضاري* المحيط*الاقتصاد الاستراتيجي)

وتعطي عدد المجتمعات = 2**5 =32 مجتمعا

وإذا أخذنا بالاعتبار دور كل عامل في التأثير على التطور يمكننا توقع مسار تطور ذلك المجتمع للفترات القادمة. ويعتمد الحدس على درجة تحقق أي عامل مع ملاحظة أن القوى الأساسية (البقاء والنوع والتكامل) تعمل بشكل ذاتي- ولكن إذا أضفنا الفكر الموروث أو المستورد وعوامل الغزو فان التنبؤ يصبح أكثر تعقيدا لأنها عوامل خارجية أكثر منها ذاتية ونفس الأمر ينطبق على الاقتصاد والاكتفاء لأنه يخضع لظروف خارجية وبيئية مع أن ذلك طبعا يتم بشكل جزئي ويتأثر بطريقة نمو المجتمع.

ومع أن هذه النماذج عديدة والعوامل المتغيرة كثيرة وتبدو غير قابلة للحصر إلا أن المجتمعات الفعلية عادة تظهر فيها بعض العوامل صارخة أكثر من غيرها مما يسهل التقريب بشكل كبير. وأمر آخر أن معظم المجتمعات طبقية ومتعددة القوميات مما يحصر العدد الفعلي.

كيفية تأثير العوامل على مسار التطور للنماذج:

1- الطبقية: عامل استقطاب وعدم استقرار ومستمر التأثير.

2- القومية: عامل توحيد داخلي لكنها تغري بغزو الأخر أو الصراع الداخلي لمجتمع متعدد القوميات.

3- النمو الحضاري: كلما كان أعلى بالمفهوم الإنساني الشامل (وليس بالمقاييس القائمة على التقدم المادي فقط) كلما استطاع المجتمع تخفيض العوامل السلبية للقوى المختلفة والعكس صحيح. ويشمل ذلك الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهو تراكم تفاعل العقل وقوة التكامل الوجودي.

4- المحيط (العزلة وعدمها): تحصر التنوير الفكري وتعظم دور القوى الطبقية والعنصرية ولكنها تحيد الغزو الأجنبي مؤقتا. وعدم العزلة يعظم التنوير الفكري وتسمح بتمدد الطبقية على المستوى الأوسع من الدولة ولكنها تشجع الغزو الخارجي( التوسع أو الاحتلال).

5- الاقتصادي الاستراتيجي: الاكتفاء يساعد على الاستقرار والنمو ولكن الطبقية تستمر في التهديم والغنى يغري الطبقة المتنفذة بالغزو للأخر وما ينتج عن ذلك من حروب وربما استدراج الفقراء للعمل في المجتمع الغني مما يؤدي إلى تغير تركيبته. وعدم الاكتفاء يؤجج الصراع الطبقي ويدفع للغزو الخارجي وربما يودي إلى الدمار لمجتمع متخلف نسبيا.

وقد أدخلنا عامل القوة العسكرية كجزء من الاكتفاء ( تم اعتماد تسمية الاكتفاء وعدمه بالعامل الاقتصادي الاستراتيجي)

من الواضح أن المعادلات صعبه ولكنها ليست مستحيلة الحل. ومن السهل نسبيا وضع آليات للحل والتطور تتوقع المستقبل بشكل مناسب.

ويشمل حل المعادلات تقديرا لقيمة مؤشرات معينة مرتبطة بكل نوع من المجتمعات تميزه وتعطي توجه تطوره واهم المؤشرات:

الاستقرار الداخلي – النمو – العدل الداخلي- المساهمة الإنسانية- التوسعية ... الخ وبالطبع يمكن التصرف بتأثير العوامل الخمسة الأساسية في عملية حساب المؤشرات بما يتناسب مع الوزن الحقيقي لها على مدي مراحل زمنية طويلة.

معظم المفكرين اخذوا بأجزاء مهمة من المعادلات والعوامل المدرجة أعلاه ولكن بتفاوت في تقدير قوة التأثير لتلك العوامل أو عدم تمييز القوى الأساسية عن قوى التأثير الطارئة (القوى الأساسية ذاتية والعوامل الاقتصادية والغزو الفكري والعسكري لها مركبات خارجية) وهنا تتفاوت النظريات في قدرتها على التنبؤ والنجاح في بناء الايدولوجيا المناسبة للمجتمعات.

ثانيا: مفاهيم ونظريات من التاريخ

القديمة (مصر والنهرين والهند والصين)

تميزت بمفاهيم محلية وتجلت قوة الطبقية والقومية والشمولية بمفاهيم عقلية أمنت بتعدد الآلهة وألوهية الملوك والاستغلال الطبقي المقبول بأساس ديني وقد تفاقمت عوامل الطبقية وألوهية الحكام لتصنع مجتمعات غير متنورة ممزقة طبقيا وسهلة الهزيمة من القوى الخارجية مما أدى إلى اندثار تلك الحضارات.

وقد تمثلت عوامل الفشل الداخلي في تعاظم الدور الهادم للطبقية عندما تم احترامها كجزء من قدسية الحكام. وبسبب مسخ الفكر لخدمة ذلك المفهوم واختصار التكامل بالكون للعبودية للحاكم. فقد نشأت مجتمعات غير قابلة للتطور الايجابي المستمر وارتبط انهيارها بموت الحكام بدرجات متفاوتة. مع ملاحظة أن حضارات الصين ومصر تميزت باستقرار اكبر لفترات طويلة نسبيا بسبب العزلة من الغزو والاكتفاء الاقتصادي الذي سمح للطبقية بالاستمرار دون سحق مستوى الطبقات المعدومة.

الإغريقية

اختلفت الإغريقية عن الحضارات السابقة بان الطبقية فيها لم تجعل الحاكم إلها بشكل عام بل اعتبرته ممثلا للآلهة يتم اختياره من النخبة. ولكن الطبقية ظلت مسيطرة والتحسين الوحيد مقارنة بالمجتمعات السابقة كان من خلال آلية الحكم التعددي. وقد تميزت أيضا بعدم العزلة مما جعلها تخوض حروبا مستمرة أدت إلى أفولها خلال فترات قصيرة.

الرومانية

تبنت الرومانية نفس مفاهيم الإغريق بخصوص الحكم والعلاقة بالآلهة مع تقليل نفوذ الآلهة لصالح الطبقة الحاكمة ومع ترسيخ الطبقية المادية. وقد أنتجت مجتمعا طبقيا توسعيا وغنيا مما جعلها تخوض حروبا مستمرة. وكانت مؤهلة للسقوط مثل من قبلها ولكن عوامل التباطؤ كانت الاكتفاء والنمو الحضاري ممثلا بتعددية ودورية الحكم ضمن النخبة.

الديانات التوحيدية

وهي أديان اعتبرت أن الكون يحكمه اله واحد فقط وهو مصدر الشرعية المطلق لاختيار الحكام وتفاوت تبني شرعية الحكام من كونهم عبيدا لله مؤدين لفروضه لخدمة الرعية إلى ظل الله في الأرض.

ولم تستطع المجتمعات المؤسسة على هذا الفهم الديني استيعاب الفكر التعددي وتداول الحكم السلمي. وتعاملت مع المجتمع ككيان حي يحكمه مركز. ولم يتم تأطير دور الجمهور في الحكم. وسمحت بتعدد القوميات والطبقية وكانت توسعية بشكل عام ومرت بفترات اكتفاء وعدمه.

واهم مكتسبات الأديان التوحيدية لصالح التنوير والنمو الحضاري كان ربط الدنيا بالآخرة مما وسع دائرة التكامل واشبع دور القوة الشمولية الموحدة بأقصى نفوذها. وقد رسخ ذلك مفاهيم الأخلاق المطلقة والتقدم البشري. وقد اعترفت الأديان بنفوذ القوى الأخرى (النوع والذات وتعبيراتها المجتمعية من الطبقية والعنصرية والقومية) ولكنها عملت على كبحها.

ومع أن الفكر الديني وازن بين العوامل بشكل جيد على مستوى الفكرة والأخلاق إلا أن ضعف تعريف الحكم أدى إلى تحوير كبير في المفاهيم وسمح للقوى السلبية بالتغلغل بدرجات متفاوتة وتخريب الفهم الأصلي نحو خدمة الطبقية أو العنصرية. واضعف الدور الإنساني الشامل والمتوقع من الدين أساسا. وقد دفعت الدول القائمة ثمن تلك التجاوزات والتحويرات هزائم على المستوى المادي والفكري معا.

فكر النهضة الأوروبية

في نهاية القرون الوسطي وبدء الثورة الصناعية ظهرت مفاهيم جديدة رفضت هيمنة الدين والكنيسة وتحفظت على الشكل المنحرف للدين في خدمة نشوء طبقة كهنوتية اقتصادية متخلفة. وقد نتج عن النهضة إحياء للفكر اليوناني بخصوص الحكم وانهيار الإقطاع بسبب الثورة الصناعية.

وقد استمرت الطبقية بشكل جديد وترسخ العامل القومي بشكل عظيم ونشأت الدولة القومية العنصرية والاستعمارية. وطبعا تم ذلك بسبب اعتماد الفكر الجديد على القوة الاقتصادية الطبقية وعلى القومية كأسس للحضارة ونمو المجتمع.

ومع أنها لم تنكر القوة الثالثة (الشمولية) نظريا إلا أنها أضعفت نفوذها بشكل كبير. وقد مثلت المجتمعات حيوية قومية وطبقية لا تكترث كثيرا للأخلاق وشمولية الفهم الإنساني ونتج الاستعمار كحتمية لذلك التفكير.

الفكر الماركسي

حاولت الماركسية تفسير النمو والتطور من خلال القوة الأولى فقط (الطبقية) واعتبرت العوامل الاقتصادية الأساس لنشوء الأخلاق والقومية. وبذلك نفت اعتبار عاملين أساسيين من عوامل التأثير. وقامت الماركسية على مركبة واحدة بدلا من ثلاث.

وفشلت الماركسية في تفسير الأخلاق مع أنها قامت أساسا على فكرة أخلاقية وهي رفض الطبقية والاستغلال. ولم تستطع وضع تفسير مقنع بناء على التحليل الاقتصادي فقط - لماذا من الأفضل أن يثور الفقراء في مجتمع يقوم على التمايز الطبقي- مع أن منظري الماركسية حاولوا كثيرا تفسير ذلك.

وقد تم رفض الاعتراف بتأثير القومية المستقل أيضا بدافع أخلاقي دون فهم لماذا يتم الرفض أصلا إذا اعتبرنا القومية منتوجاً وليس قوة أصيلة تحرك التفاعل البشري. وبسبب فشل الماركسية في تأطير القوتين القومية والشمولية على مستوى الفرد فقد أسست لمجتمع أخلاقه جماعية مشتقة من الاقتصاد.

وبسبب ذلك الخطأ انهارت الدولة العظمى في عز قوتها العسكرية لدور القوميات وانهيار مفهوم الأخلاق الذاتي مما صنع مجتمعا ماديا لا يحقق اكتفاء الفرد نفسيا ولا يراعي عوامل نشوء التحالفات في المجتمع.

ويحفظ للماركسية تركيزها الكبير على بشاعة الطبقية وتفاهة العنصرية ويسجل عليها عدم القدرة على تفسير الأخلاق وحب الخير كعوامل ذاتية للأفراد.

الرأسمالية

الرأسمالية تمثل الوجه الأخر للماركسية- فهي تقوم على مبدأ أن الاقتصاد هو الأساس لكل شيء وان الطبقية ناتج عن ذلك وان القومية تعبير سخيف لتجمع طبقي مؤقت وان الأخلاق لا تخرج عن كونها مشتقات من صراع الطبقات ومحاولة التعايش. مع الاعتبار ان الرأسمالية في أساسها النظري تعترف مبدئياً بالقوة الخارجية للأخلاق. والرأسمالية لا تعني الاقتصاد الحر كما يحلو للكثير القول بل هي محاولة رأس المال السيطرة والربح من خلال تنافس مؤقت ينتهي عادة باحتكارات وتحكم كبير من مركز غير ثابت.

وتختلف الرأسمالية طبعا في أنها تقف مع الأغنياء ضد الفقراء من الناحية النظرية والعملية مع أنها تدعي الإنسانية أكثر من الماركسية بسبب استيعابها للدين واستخدامه أداة ممتازة لشمول الفقراء ضمن معادلة الحكم.

السبب في صمود واستمرار المجتمعات الرأسمالية أكثر من الماركسية تاريخي أكثر منه فكري حيث مستوى المفهومين متساو. ولكن الرأسمالية تقوم على دعم الطبقة الغنية وتغذي نفوذها. وقد نمت في مجتمعات غنية ومتقدمة ماديا واستعمرت جزءا كبيرا من العالم.

وقد خفف ظهور الماركسية والشيوعية من سرعة انهيار النظام الرأسمالي لان ذلك نبه الطبقات الغنية للأخطار فعدلت من مسارها الجشع وخففت من مستوى الاستغلال وتعاونت لكسب الجمهور الفقير ضد الفقر الأشمل والمتوقع للنظام الماركسي بسبب الحصار وخلل البنية التنظيمية له.

أما السبب الأخر لبطء انهيار الرأسمالية فهو استغلال الدين. وقد نجحت الرأسمالية في تجنيد الكثير من رجالات الدين لتأطير دورها المهيمن. وهي ليست جديدة في ذلك فمنذ الفراعنة تم استخدام الدين للتدجين.

أما الخلل الكامن في الرأسمالية فهو في الأساس النظري الذي يقوم على فكرة الاقتصاد كقوة وحيدة وإهمال العامل القومي في المراحل المتقدمة لها (العولمة) وفي تلاشي اعتبار الأخلاق قوة ذاتية بقيمة مطلقة.

وعوامل هدم الرأسمالية تتم أساسا كصراع طبقي يأخذ شكل صراعات عرقية داخل المجتمعات الرأسمالية. ومع أن الغرب تعامل في عصر العولمة بفكرة فقدان قيمة القومية من الناحية النظرية إلا أن التأثير العظيم للقومية يمثل العامل الأساس في التوجه العنصري للغرب تجاه العالم.

والرأسمالية حاليا تمارس موقفها الطبيعي بوحشية وقسوة على الفقراء أينما كانوا وسوف تستمر طالما كان ذلك ممكنا. وعندما يثور الفقراء فهي اقدر على قمعهم لأنهم فقراء أصلا. وعندما يحاول الفقراء تغيير النظام بالطرق الديموقراطية فالطبقة الغنية اقدر على اللعب والمناورة. ولكن لذلك حدودا.

عندما يصل الاستغلال والوعي بذلك درجة محددة يصبح التلاعب صعبا مما يسمح أخيرا بنشوء حركات تقتبس من الماركسية رغبتها في خدمة الفقراء وتعمل على تحريرهم. ولكن دون فهم أعمق لعوامل التأثير لن تستطيع تلك القوى النصر. وفي الحقيقة لن يتلاشى الصراع الطبقي أبدا.

تابع الاطلاع على الموضوع كاملا بالملف المرفق :

مجتمع ما بعد الرأسمالية

المصدر :
صحيفة الحقائق
[line]
الملفات المرفقة
نوع الملف: zip مجتمع ما بعد الرأسمالية.zip‏ (38.9 كيلوبايت, المشاهدات 2)

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 25-02-2007 الساعة 06:20 AM
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
البحث التربوي (المجتمع والعيـّـنة) Samiha Al-Salem منتدى العلوم والتكنولوجيا 8 19-02-2007 12:53 AM
الـرأسمالية castle منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 13-11-2006 06:27 PM
@ الرأسماليه @ فارس الاسكندرانى منتدى العلوم والتكنولوجيا 2 20-03-2006 03:56 AM
كذبه كبيره [نحن مجتمع له خصوصيته] محمود جابر منتدى العلوم والتكنولوجيا 1 12-08-2002 12:39 AM
الفضيله ..في مجتمع متغير.. أوتـاد منتدى العلوم والتكنولوجيا 2 05-03-2002 12:24 AM


الساعة الآن 10:38 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com