عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 05-02-2007, 02:09 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي سيكيولوجية السياسة




سيكيولوجية السياسة

كتب د.محمد احمد النابلسي

ترتبط السياسة بالسيكولوجيا عبر علاقة عضوية تعود الى البدايات الأولى للفكر الإنساني . اي الى ما قبل تشكل المفاهيم النظرية لأي منهما . و بالعودة الى أرسطو نجده يصنف السيوكولوجيا و السياسة و الاقتصاد في إطار العلوم التطبيقية . معرفا الأخلاق على انها علم دراسة السلوك الشخصي ، و الاقتصاد على أنه علم تدبير معيشة العائلة و السياسة على انها علم تدبير المدينة ( الدولة ) . لكن الطابع العضوي لهذه العلاقة يعود عمليا الى حاجة السياسة الماسة لأية وسيلة تسهل الاتصال الذي يحتاج بدوره الى أية معلومة تساهم في إكمال فعاليته و تدعيمها.

هذا وتعود البدايات الحديثة لعلم السياسة إلى مطلع الخمسينيات وهي اقترنت ببدايات علم النفس السياسي. فقد نشرت منذ مطلع هذا القرن العديد من البحوث النفسية –السياسية. التي بدأها فرويد بعودة إلى ما قبل الحضارة البشرية لينتقل بعدها إلى دراسة الأساطير وتحديدا مناقشة الأساطير اليهودية ومسألة التوحيد في كتابه "موسى والتوحيد"ليدخل بعدها مباشرة إلى السياسة في مقالته "أفكار لأزمنة الحرب والموت".ثم كانت دراسات يونغ الشهيرة حول الأساطير واللاوعي الجماعي وعلاقتهما باللاوعي الفردي. وبعدها أتت محاولة إتباع فرويد والمنشقين عنه للتوفيق بين التحليل النفسي والسياسة والنظرية الماركسية خصوصا. كما تجدر الإشارة إلى الكتاب الذي نشره غراهام والاس في العام 1921 تحت عنوان " الطبيعة الإنسانية في ميدان السياسة".
لكن البحث العلمي الحقيقي في ميدان السيكولوجيا السياسة بدأ في الولايات المتحدة أثناء الحرب العالمية الثانية. خين تدعمت هذه البحوث بهجرة مكثفة لعلماء النفس الأوروبيين الهاربين إلى أميركا من الحرب. فبدأت هذه البحوث من منطلقات أثنية (عرقية) وسخرت هذه البحوث لدراسة اللاوعي الجماعي والشخصيات الأممية لأصدقاء الولايات المتحدة وأعدائها. في محاولة لتسخير سيكولوجية الرأي العام في الاتجاه السياسي المناسب. وهكذا بحيث يمكن اعتبار ولادة السياسة وايكولوجيا السياسية في مطلع الخمسينيات ولادة توأميه. لكن هذه الفترة وتحديدا العام 1952 سجلت ترسيخ العلوم النفسية كعلم له منهجيته الطبية الصارمة. إذ شهد هذا العام ظهور دواء الكلوربرومازين (دواء معقل) الذي كان مقدمة لإرساء الطب النفسي كأحد فروع الاختصاصات الطبية مما أذكى الصراع بين هذا الفرع المستجد ( الذي وجد لنفسه التطبيقات في الميادين السياسية والعسكرية والحضارية....الخ) وبين بقية الفروع المعنية بهذه الميادين. بل إن الطب النفسي بدا وكأنه يحاول وضع النظم الأخلاقية لهذه الفروع وخصوصا السياسية منها. إذ يرى الطب التفشي ضرورة الإفادة من معارفه( وضرورة مساعدة بقية الفروع له) لكي يحقق الضوابط الأخلاقية التالية:

1- إن أية أبحاث تعمل على إحداث تغييرات في الإنسان (مثل التربية العبقرية وأبحاث الهندسة الوراثية والاستنساخ والجراحة الدماغية...الخ). ويجب أن تكون خاضعة لسياسة اجتماعية صارمة تهتم بتوجيه هذه الأبحاث لتحسين شروط معيشة وسعادة الإنسان.

2- أن مثل هذه الأبحاث يجب أن يمنع توجيهها باتجاه تحقيق تفوق أفراد أو جماعات أو شعوب على حساب غيرها من البشر.

3- يجب النظر إلى جميع محاولات (تحسين) السلوك الإنساني على أنها اعتداء على حرية الشخص. باستثناء الحالات التي تتم فيها هذه المحاولات بطلب من الشخص نفسه لاستشعاره الحاجة إليها. على أن تدعم الآراء العلمية-الموضوعية هذا الاستشعار.

4- إن "اللاانسنة" المتمثل باستبدال أعضاء بشرية هامة بأعضاء حيوانية هي مسألة تطرح إشكاليات أخلاقية خطيرة.

5- أن الرغبة الشخصية بالاستفادة من تقنيات معينة لاستغلالها لتحقيق أهداف شخصية من شأنها أن تنسف قواعد السياسة الاجتماعية وأخلاقياتها. الأمر الذي يقتضي التريث في تشريعها لقياس مدى قدرة هذه السياسة على استيعاب التعديلات. مثال على ذلك أن الدعوة العالمية للحد من زيادة السكان (ومعها دعوة الشعوب لا يتجاوز متوسط أعمارها الأربعين عاما للحد من التكاثر) تصطدم بالرغبات الشخصية في الإنجاب باستخدام تقنيات طفل الأنبوب أو الاستنساخ أو غيرها.

6- إن أية محاولة لتعديل الشخصية يجب أن تخضع لتحري دوافع هذه المحاولة سواء من قبل شخص أو من قبل الاختصاصي الذي يتولى عملية التعديل.

7- إن تطور تقنية الاتصال (ومعها التجسس على الأفراد) يؤمن مراقبة دقيقة لسلوك الأشخاص مما يزيد من احتمالات إساءة الاستغلال السياسي لهذه المراقبة ( خصوصا بعد أن نعلم أن دولا نامية عديدة تخضع بشكل جماعي لهذا النوع من المراقبةّ!).

8- أن موضوع ولادة بدون رحم ومعها موضوع الاستنساخ هي مواضيع تلامس حساسيات تحديد الانتماء العائلي. الأمر الذي يهدد مفاهيم البنية العائلية في المجتمع البشري. وهو تهديد يستحق الدراسة والمناقشة المعمقة.

9- إن محاولات زيادة الذكاء السكاني (نسبة 20%) أو مايعرف بمحاولات إنتاج جيل من العباقرة , وأيضا محاولات زيادة متوسط أعمار البشر بحوالي عشرين بالمائة إضافية , هي محاولات محفوفة بمخاطر الاحتكار الذي يؤدي إلى التفرقة والتمييز العنصريين( العلميين) مما يجعل تكاليف هذه الأبحاث الأخلاقية خارج إطار قدرة البشرية على تحملها. فهي تشجع فرز البشر إلى أذكياء وأغبياء لكى يعني ولادة نوع جديد من الأسباب الممهدة لانتهاك حقوق الإنسان.

10- ترتبط كرامة الإنسان بقاعدة ذهبية تقول إن البشر يكونون أكثر فعالية وعطاء(أي أكثر إنسانية) عندما نعاملهم كأحرار مسئولين متمتعين باستقلاليتهم الذاتية وبرفادتهم.

11- إن مسألة الحفاظ على التنوع الإنساني ( الجيني والثقافي ) هي مسألة حيوية –محورية. ومحاولة إنتاج مخلوقات مثالية جينيا ( أو ثقافيا عن طريق العولمة) هي محاولة تحرم الإنسانية من هذا التنوع.

12- يجب أن تبقى العائلة الواحدة الرئيسة لتكاثر البشر ويجب الإصرار على عدم استبدالها بأي من الوحدات المقترحة. وحول حبة الرمل هذه (أي العائلة) أي تطور اللؤلؤة التي تشكل التنوع الثقافي الإنساني. الذي لم تستطع الاقتراحات المطروحة لغاية اليوم أن نأي ببديل له.

وبهذا تبدو العلوم النفسية , الطب النفسي خصوصا , وكأنها خط الدفاع الضابط للأخلاقيات. لكن هذا الضابط لا يشكل سوى قمة جبل الجليد. فمن ناحية يقع الطب النفسي ومعه العلوم النفسية والإنسانية كافة تحت تأثير علوم أخرى مثل الاقتصاد والاتصال والإحصاء. وهذا الأخير بات قادرا على فبركة النتائج بأي اتجاه كان , وباتت الإحصاءات لعبة بدون قواعد

ومن ناحية أخرى فقد وقعت العلوم النفسية في أسر الفكر السياسي. فعلاقة هذه العلوم بالفلسفة علاقة قديمة وعضوية ومتبادلة. فلو راجعنا التصنيفات المقترحة للأمراض النفسية لوجدنا أنها متأثرة لدرجة التوحد بالفكر السياسي السائد. فالتصنيف الأمريكي يعتمد المبادئ البراغماتي والظواهري من خلال تحديده للتشخيص من خلال العوارض. حتى أعتبر بعض المؤلفين يئن التصنيف الأمريكي هو حصان طروادة الذي يحاول الفكر الأمريكي النفاذ من خلاله إلى عقول الأطباء النفسيين حول العالم. فإذا ما أضفنا الوقائع المتوافرة حول إساءات استخدام الطب النفسي فإنا نجد أن الفن المسمى بالسياسة قد أمتلك القدرة على السيطرة وعلى تسخير العلوم لمصلحته مع بقاء قواعده سرية وعصية على الأبرصان في مناهج أكاديمية خاضعة للمنطق العلمي وقابلة للتجريب.[line]
سيكيولوجية التظاهر

تحدد الأدبيات الأساسية في علم النفس السياسي التظاهر وتعرفه على انه سلوك جماعي علني يطغى عليه الطابع الانفعالي ويمكنه أن ينتشر بالعدوى على شكل تقليد هستيري الطابع. وهذا الطابع يمكنه أن يأخذ منحاً تصعيدينا ليصل الى حدود الشغب أو المبالغة في الانفعالية. ويعبر التظاهر عادة عن رسالة تحدد موقفاً من اتجاه أو إجراءات سياسية معينة. ذلك هو التعريف العلمي لأركان التظاهر

كما وتشير الدروس الأولية في علم النفس الاجتماعي إلي أن مثل تلك المساندة ،احتجاجا أو تأييدا، تعد من ضمن ردود الفعل الطبيعية للفرد منذ طفولته الأولى. إذ تبدأ مظاهر الاحتجاج لدى الطفل مع صرخاته احتجاجاً و رفضاً, و ضحكاته و تصفيقه تقبلاً و تأييداً. ومع نمو الطفل و بزوغ السلوك الجماعي تتخذ المظاهرة طابعها الممارس من قبل البالغين في الساحة السياسية.

ولقد حظي سلوك التظاهر بقدر واهتمام كبيرين من دراسات علم النفس الاجتماعي والسياسي. بحيث أمكن تتبع تاريخ الظاهرة و جذورها واستخلاص القوانين السلوكية التي تحكمها, بل وفي توظيف تلك القوانين في تطوير أشكال المظاهرات. وكذلك في تطوير أساليب التعامل معها. سواء لجهة تنظيمها أو تقنين أو السيطرة على مجرياتها الصعيدية. واستفادت دول و شعوب العالم من مكتشفات العلوم السلوكية والتكنولوجية على حد سواء في تسارع ذلك التطور. ومن ثم عمدت الى توظيف هذه المعطيات العلمية.

وهكذا استفادت الدول فطورت من أساليب تعاملها مع المظاهرات داخل حدودها, بل ومن أساليب توجيهها - بل و تمويلها أحيانا- للمظاهرات في دول أخرى وفقا لمصالحها. وهكذا حصل استنساخ للمظاهرات السياسية العفوية التقليدية وأعيد إنتاجها مخابراتي لإسقاط أنظمة الحكم أو لنشر الفوضى في البلد. وذلك سواء من قبل جهات داخلية أم خارجية. مثال ذلك الدعم ألمخابراتي الأجنبي لمظاهرات تيميشوارا وبوخارست وجورجيا وأوكرانيا وفنزويلا وغيرها. واستفادت الشعوب والجماعات والأحزاب بدورها من جهتها فطورت أساليبها في التظاهر وأدركت أن نجاح تظاهرة ما يرتبط بإنتاج فكرة تظاهرية محورية واحدة جامعة بين فئات المتظاهرين.

التظاهــرات العربيــة

لقد عرفنا في الدول العربية وفي لبنان خصوصاً المظاهرات متعددة الدوافع. ونظراً لسيل المظاهرات المبرمجة في مخطط تغيير دول الشرق الأوسط فإننا سنأخذ المثال اللبناني نموذجاً للحديث عن نمط هذه المظاهرات حيث نبدأ بسرد تاريخي لمظاهرات الاحتجاج على إقامة لبنان الكبير ( 1920 – 1936) وطلب البقاء في وحدة جغرافية مع سوريا. وبعدها المظاهرات المطالبة باستقلال لبنان ( 1936 – 1943) عن الانتداب الفرنسي. وبعدها المظاهرات التي أسقطت بشارة ألخوري ( 1952) ودفعته للتنازل عن الفترة المتبقية له كرئيس جمهورية بعد تجديد ولايته.

ومع بروز الزعيم العربي عبد الناصر ارتبطت المظاهرات اللبنانية ، والعربية عموماً، بالمد القومي. فكانت تخرج تأييدا لعبد الناصر في مواقفه المختلفة ( 1956 و1967 و1970 وعام وفاته 1971). وللثورة الجزائرية ضد الفرنسيين ( 1960) وللفلسطينيين في صراعهم مع إسرائيل . الخ من المناسبات العربية والإسلامية التي لا تزال مستمرة.

ثم جاءت الحرب الأهلية اللبنانية لتنهي سلوك التظاهر وسط علاقة إشكالية بين الميليشيات والمواطن. وهي علاقة ثنائية العواطف يتمازج فيها الخوف مع التواطوء. وهو ما حول الاحتجاج من سلوك التظاهر الى سلوك المجازر. مثال ذلك ردود الفعل على الاغتيالات السياسية الحاصلة خلال الحرب.

وها هو لبنان يعيش اليوم ردود الفعل الشعبية المجسدة لاحتجاجات الشعب اللبناني على وقائع ضاغطة على معيشته وعلى حياته اليومية. وانطلقت هذه التظاهرات كردة فعل على اغتيال الرئيس رفيق الحريري. إلا أنها تخطت هذه الانطلاقة للمطالبة بالخروج السوري من لبنان. وذلك بعد حملة إعلامية طويلة الأمد وسخية التمويل مدعومة بالخطاء والإهمال السوريين. وبهذه المناسبة أستعاد المواطن اللبناني سلوك التظاهر بعد أن كاد يفقده في ظل الحرب. ومن بعدها في ظل الوجود العسكري السوري. والوجود العسكري على أشكاله لا يحتمل التظاهر الاجتماعي والسياسي.

والواقع أن هذه التظاهرات أربكت كل المتابعين للشأن السياسي اللبناني. فالراسخ في ذهن اللبنانيين أن المظاهرات غير الحسيسة في إطار مطالب محددة تكون مسبقة التحضير. وهي بالتالي ممولة بصورة مشبوهة. إلا أن التخطيط الجيد لهذه التظاهرات أنطلق من مبدأ التفاوض الرئيسي. وهو القائل بتجاهل نقاط الاختلاف بين الأطراف والتركيز على نقاط الالتقاء بينهم. حيث تمكن المنظمون من إقامة هذه التظاهرات على المحاور الجامعة التالية:

- المطالبة بالخروج العسكري السوري
دون الخوض في تفاصيل خلفيات ودواعي هذه المطالبة بين الفئات المشاركة. فهذه المطالبة ليست عقائدية بل هي تستند الى دواعي متناقضة تمام التناقض. فعتب الحريري على السوريين ينبع من تفضيلهم للرئيس لحود عليه. ومن هنا انسحابه الاحتجاجي من رئاسة الوزارة وعمله على تصعيب مهمة لحود ورئيس وزارته عمر كرامي.

- المطالبة بمعرفة الحقيقة حول اغتيال الحريري
وهنا لا بد من التساؤل عن سبب اختيار هذا الأسلوب الفج والدرامي في عملية الاغتيال. فلو أقتصر الهدف على اغتيال الحريري فقد كان بالإمكان اغتياله على طريقة جون كينيدي ( فناص ورصاصة واحدة).

- الخوف من الانتقام السوري
رغم الحملة الدولية المطالبة بالخروج السوري والمتحدية للسياسة السورية ( القرار 1559 وقانون محاسبة سوريا والتهديد بحصارها اقتصاديا...الخ) فإن المتظاهرين كانوا يدركون أن التواجد السوري لا يقتصر على الظاهر بل يتخطاه الى مشاركة سورية في نسيج المجتمع اللبناني على مختلف الصعود الاجتماعية والعائلية والاقتصادية وغيرها. ومن هنا ترداد قيادات المعارضة لتلميحات الخوف والتخويف من الخوف.

- تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب قبل تفجر خلافات المتظاهرين
ومن هنا دعوات الاستعجال والتهالك غير المبرر على جملة خطوات يمكنها أن تكون مؤذية بتسرعها وتعجيلها. فاللبنانيون مختصمون مثلاً على قانون الانتخاب منذ قيام الدولة ولغاية اليوم. ومع ذلك يصر المتظاهرون ومنسقيهم على استنساخ قانون جديد خلال بضعة أيام لمجرد تأمين ما يعتبرونه فوزهم المؤكد في الانتخابات إن هي جرت تحت وطأة المظاهرات. ولا يهم بعدها الانعكاسات السلبية المحتملة لمثل هذا القانون.

على الوجه الآخر وجدنا حزب الله يخرج بتظاهرة لا تقل حجماً أو تأثيراً عن مظاهرات ما يسمى بالمعارضة. إلا أنه خسر في المقابل رفعته عن الدخول كطرف سياسي مباشر. وهو تريث كثيراً قبلها لكنه أضطر لذلك أمام التصعيد المبالغ للطرف المقابل. وهكذا وجد لبنان نفسه أمام تهديد حقيقي لاستقراره وأمام صيرورة يمكنها أن تقود لإعادة إشعال نزاعه الأهلي الداخلي. وكان لا بد للجميع من التراجع بضع خطوات الى الوراء. ومن هذه التراجعات إعادة خلط أوراق الموالاة – المعارضة بما أستتبع عمليات تسرب عديدة بين الفريقين. إلا أننا وقبل الحديث عن هذه التسريبات نود تقديم عرض تحليلي للتظاهرات اللبنانية الأخيرة وللنتائج المباشرة المترتبة عليها.

قراءة تحليليــة للمظـاهرات اللبنانيــة

بالمقارنة مع المظاهرات السابقة الممولة أميركياً في الدول النامية ( ومنها مظاهرات رومانيا وجورجيا وأوكرانيا وفنزويلا . الخ) نجد أن للمظاهرات اللبنانية مميزاتها ونتائجها الخاصة. وأهما :

1. أنها لم تؤد الى سقوط الحكم كما في رومانيا وجورجيا وأوكرانيا وغيرها.

2. أن استقالة حكومة كرامي أتت في سياق تقليد سياسي عريق وليس في إطار هزيمة سياسية. وهي مسألة تطاول على شخص الرئيس كرامي.

3. أنها عجزت عن طرح موضوع الاستفتاء كما في فنزويلا مثلاً. فالاستفتاء يشكل حساسية لدى المشيحين اللبنانيين. وطرحه كان كفيلاً بتفجير البلد وليس المعارضة لوحدها.

4. أنها تركت البلد بدون دفاعات أمنية مع المطالبة بخلق فراغات أمنية بإقالة رؤساء الأجهزة. دون تقديم البدائل الأمنية لمواجهة الصدامات المحتملة في ظل هذا الانقسام الذي عمقته التظاهرات وأضافت اليه أحلافاً عابرة ومؤقتة تنهار لمجرد اقتسام المغانم.

5. اعتماد المظاهرات على مبدأ التصنيف المصطنع الى معارضة وموالاة. وهو تصنيف لم يقاوم لغاية إتمام الخروج السوري. مما أستدعى إعادة خلط الأوراق. مما يعني إعطاء تعريف جديد لحركة التظاهرات.

6. سذاجة المحاور المعتمدة كعقيدة تظاهرية. خاصة بعد خروج سوريا وقبول لجنة التحقيق الدولية اللذان أسقطا هذه العقيدة لتتفجر بعدها التناقضات المخيفة بين مختلف الأرقاء. وسنذكرها في النقاط التالية.

7. أن جميع المعارضين الموارنة هم مرشحون لرئاسة الجمهورية. وهم متنافسون بحدة ستظهرها الانتخابات القادمة.

8. أن الحضور السني في المظاهرات المعارضة أقتصر على آل الفقيد وبعض التكنوقراط من تيار الحريري. وبدا واضحاً أن هؤلاء لا يتقنون السياسة. في حين غابت أو غيبت الزعامات السنية الكبيرة والتقليدية.

9. أن الحضور الشيعي أنعدم في تظاهرة المعارضة وتكثف في تظاهرة حزب الله.

10. أن مواقف الزعيم الدرزي ترتبط كالعادة بمصلحة الطائفة التي يمثلها في نظام طائفي. وهو تمثيل لا بد له من التعارض مع مصالح طوائف الأكثرية.

11. أن مسألة إقالة رئيس الجمهورية تواجه بنقض ( فيتو) ماروني صادر عن رأس الطائفة.

12. غياب البدائل السياسية. حيث قادة المجتمع المصنعين بعد الطائف لا يتمتعون بمقومات وشروط القيادة وفق اللاوعي الشعبي اللبناني. وهم وصلوا عن طريق المال السياسي. بحيث يمكن الشك في إستمراريتهم لو أستعاد الناخب اللبناني قناعته بأنه قادر على فعل التغيير.

هذه العوامل تبين فشل أميركي سياسي لمخطط التظاهرات اللبنانية. فهي لم تغير نظام حكم ولم تسقط رئيساً كما أنها لم تطرح استفتاء. بل أن مظاهرتها ووجهت بأخرى مثيلة حجماً واندفاعا ولكن بجرعة حقيقية من العقائدية الراسخة. وعلى المراقب أن يخشى أي احتمال تصادم بين الطرفين. خاصة وأن التظاهرة العقائدية قابلة للتكرار بدون تمويل أو طقوس مرافقة. في حين أحتاج استمرار التظاهرة المقابلة للتمويل السخي ولإقامة مسرح وحفلات غنائية.

تحالفــات مــا بعــد الخــروج الســوري

بعد الانسحاب السوري من لبنان أصبح الحديث متاحاً عن جوانب العلاقة بين سوريا وبين السياسيين اللبنانيين عامة. ومن أهم هذه الجوانب ،التي سوف ترسم تحالفات ما بعد الخروج السوري، نذكر التالية:

1. أن غلاة المعارضين الطامحين لرئاسة الجمهورية قد مروا بدمشق وطلبوا دعمها وموافقتها على توليهم الرئاسة الأولى. والرفض السوري كان من أهم أسبابا تحولهم الى معارضين.

2. كان التدخل السياسي السوري في لبنان عميقاً ومتخطياً للحدود. إلا أنه حصل بضغط السياسيين اللبنانيين الذين كانوا يحملون خلافاتهم الى دمشق ويطلبون تدخلها تحت طائلة تفجر الوضع الداخلي والاستقرار السياسي. ودفع السوريون ثمن هذا التورط في تناقضات البلد الداخلية.

3. أن الزعامات الحقيقية ( المستندة الى رصيد شعبي فاعل) لما سمي بالمعارضة كانت متعاونة مع الأجهزة الأمنية السورية على مدى عقود. وهي تراجعت بعد أن أبلغت بالرغبة الأميركية والفرنسية بالدخول السريع على الخط اللبناني.

4. حاول الطامحون ركوب حصان التظاهرات المعارضة طمعاً في تحقيق طموحهم. لكن الزعامات المعارضة أسقطتهم عن ظهر الحصان بمجرد بداية خلط الأوراق بينهم وبين الفريق الآخر.

5. بقاء سوريا لاعباً رئيسياً ( لكن ليس وحيداً كما قبل) الى جانب كل من الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل. وهذا الواقع يجعل عداء سوريا ممنوعاً على اي سياسي لبناني. لأنه يعني عداوة لاعب رئيسي في الساحة السياسية اللبنانية.

6. تجهد السعودية للحفاظ على دور لبناني اكتسبته عبر الرئيس الحريري. وهي لا تريد فقدانه بفقدان الأخير. إلا أن هذا الطموح يواجه بطموح إيراني مماثل. الأمر الذي يفتح أبواب لبنان أمام سلسلة من اللاعبين الفرعيين. وهذا يعني تجدد الحرب الأهلية فهل هذا هو المطلوب؟. أم أن باب اللاعبين الفرعيين يبقى موارباً بانتظار تطورات الوضع الأميركي في العراق؟.

7. إن نكتة تقسيم لبنان الى معارضة وموالاة تحولت الى السماجة. مما يستدعي خلط الأوراق لإيجاد صيغة تصنيفية جديدة للبلد ولمتظاهر المظاهرات القادمة.

8. يبقى انتظام هذه العوامل مجتمعة مرتبطاً بالمفاجآت القادمة قريباً الى لبنان. ذلك أن الوضع الحالي هو وضع فوضى محدودة لكنها مهددة بالأتساع والتفجر. ومن هنا ضرورة حدوث مفاجآت غير منتظرة للخلاص من احتمالات الفوضى التي لا تبدو مطلوبة من أي من الأطراف الداخلية أو الخارجية أقله لغاية الآن.

9. قانون الانتخابات هو المرشح البارز للتصنيف اللبناني الجديد. وذلك بحيث يتوزع المتظاهرون القادمون على مؤيدين لتعجيل أو تأجيل الانتخابات. ومنهم مؤيدي القضاء والدائرة الوسطى والكبرى. وبذلك يكون لبنان قد عاد الى سيرته السابقة. حيث شعب رمسيس ومتورع حول محاور سياسية تحددها مصالح الزعامات والطوائف.

تحــولات الجمهور اللبناني بعد المظاهرات

بالرغم من التحفظات الواردة أعلاه فإن تحولات عديدة طرأت على الجمهور اللبناني بعد هذه المظاهرات. وهذه التحولات وإن لم تكن إيجابية في جملتها إلا أنها ساعدت جيل ما بعد الحرب على المتوقع في سياسة البلد وإن هو لم يبلغ التصورات المثالية المناسبة لعمره في هذا المتوقع. إلا أن هذه التحولات ستترك أثرها على الانتخابات القادمة أو على الأسباب التي قد تعوق هذه الانتخابات. ومن هذه التحولات نذكر:

1. استعادة الشعور بالقدرة على الفعل والتغيير بدل الشعور بالضآلة واللاجدوى. وإن كان السؤال يطرح حول احتمالات استمرارية هذا الشعور في حال اصطدامه بلعبة خلط الأوراق في التحالفات الانتخابية الآتية.

2. إعادة إحياء رموز الحرب وزعاماتها في ظل العجز عن تخليق زعامات بديلة مقابلة.

3. القبول بعودة التدخل الأجنبي المباشر في الشؤون الداخلية للبلد.

4. فتح الأبواب أمام تصنيع قادة مجتمع على الطريقة الأميركية.

5. معاودة طرح التناقضات المذهبية والطائفية.

6. تسجيل سابقة تعطيل الأكثرية البرلمانية وتقييدها بتحركات شعبية.

7. تجاوز أتفاق الطائف الى فراغ سياسي ناجم عن العجز في إنتاج أتفاق بديل له.

8. الإشكاليات اللبنانية المهددة: المديونية وسلاح حزب الله والفلسطينيين..الخ.

مما تقدم لا نبالغ بالقول بأن هذه المظاهرات جعلت من لبنان المدخل الى فوضى المنطقة بكاملها. والدروس المستفادة من هذه المظاهرات ستلقى تطبيقاتها العملية في المظاهرات المقبلة في البلدان الأخرى في المنطقة. بل أن الشراكة الظاهرية بين الفئات المتظاهرة ستتحول قريباً الى مشاعر الخداع والاضطهاد. بل أن هذا التدريب المكثف على التظاهر سوف يمارس لإعادة إحياء الصراعات القديمة وأخطرها الصراعات داخل المذهبية.

الخلاصــة

إن التظاهر هو سلوك إنساني – اجتماعي وهو عرضة كغيره من السلوكيات الإنسانية لإساءة التوظيف والاستخدام. وبخاصة عندما يأتي سلوك التظاهر قبل طرح الأسئلة وقبل انتظار الأجوبة عليها. وفي المثال اللبناني نسأل هل تحل التظاهرات الإشكاليات الرئيسية المطروحة على الساحة السياسية اللبنانية كمثل:

1. المديونية البالغة 45 مليار دولار؟.

2. الطائفية السياسية؟.

3. الخطر الإسرائيلي؟.

4. مشكلة توطين الفلسطينيين؟.

5. التناحر الطائفي الكامن في لا عدالة توزيع مقدرات البلد؟.

6. عدم الاتفاق على دستور نهائي للبلد؟.

إن التحليل الموضوعي لنتائج التظاهرات الأخيرة يبين أن المتظاهرين حققوا ظاهرياً هدفاً مشتركاً واحداً. إلا أنهم انقسموا الى جماعات حقق كل منها أهدافه الخاصة. الأمر الذي سوف يبرر غضبة الفئات الأخرى وإحساسها بانها كانت موضع استغلال من قبل الرفاق في التظاهرات. حيث تم الإيحاء لكل فئة منهم بأنها هي صاحبة التظاهرة. وفي هذا مقدمة لانقسامات داخل صفوف الشباب المشارك في هذه المظاهرة. لذلك نأمل ألا يستمر سلوك التظاهر الممول والموجه خارجياً سلوكاً معتمداً للوصول الى المناصب السياسية. وهذا ينطبق على لبنان كما على بقية دول المنطقة المعنية التي قد تراجع التجربة اللبنانية الراهنة وتستفيد منها لتوسيع أطر شعور الشباب بالقدرة على الفعل والتغيير بدون الانسياق وراء الإيحاءات المفبركة خارجياً[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 05-02-2007 الساعة 03:21 AM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 05-02-2007, 02:39 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

سيكولوجية العدوان

ليس هناك أدنى شك في ان الناس يميلون نحو عقد صداقات وروابط محبة بينهم و بين الآخرين وفى نفس الوقت يتقن بعض الناس فن ايذاء الآخرين من بني جنسهم والاعتداء عليهم بدنيا ولفظيا مما ادى بالمشتغلين بعلم النفس الاجتماعي الى كشف النقاب عن الجانب المظلم لدى الإنسان من ناحية والجانب النوراني لدية من ناحية اخرى ومن المعلوم ان العنف والعدوان يزدادان طبقا لأثر مشاهدة أفلام العنف في التليفزيون كما تزيد المستويات الهرمونية الذكرية في الدورة الدموية لدى المجرم وقت ارتكاب الجريمة وبالمثل يؤثر المناخ بما يتضمنه من برودة وحرارة ورطوبة على الشخص اثناء ارتكاب جريمته .ومما يؤكد اثر هذه العوامل البيئية على العدوان ان بعض الباحثين في علم النفس الاجتماعي (بيل BELL ) عام 1990 قد لاحظوا ان الحرارة والرطوبة والتهوية والضوضاء تؤدى كلها الى العدوان الزائد لدى الإنسان او تصيبه على الأقل بالشعور العدائي نحو الآخرين بالإضافة الى ارتفاع معدلات استمرار العنف او الثورات السياسية " اندرسون ANDERSON" عام 1989 الخلاصة ان الطقس الحار يؤدى الى إحداث زيادة في الجرائم البشعة مقارنة بالجرائم العادية

وهناك من يرى ان مشاهدة العنف تعتبر بمثابة تصريف لاتجاهات العدوان وذلك طبقا لنظرية فرويد في التنفيس CATHARSIS THEORY التي تفترض ان الدافع نحو العنف او العدوان يبدأ في التصاعد نحو الهدوء بمرور الوقت مثل الشعور بالجوع وبداية البحث عن الطعام والواقع ان كلمة CATHARSIS تنفيس كلمة انجليزية مشتقة من المصطلح الاغريقى الخاص بموضوع التطهير PURGING .

و يرى فرويد في هذا المجال انه يمكننا ان نشبع رغبتنا العدوانية بمجموعة بدائل منها إهمال الشخص الذي يثير الإحباط لدينا او مشاهدة لعبة الكراتية كبديل للأفعال العدوانية وهنا نتساءل

وما اسباب السلوك العدواني ؟

هناك عدة اسباب تسهم فى نشأة و ظهور السلوك العدواني لدى الفرد و اهمها

1 الأسرة

اذ أظهرت دراسة أجراها (كوكس COX) من عام 1979 – 1980 ان هناك ارتباط بين طلاق الزوجين وظهور السلوك العدواني لدى الأطفال بسبب الضغوط والصراعات داخل المنزل كرد فعل لهذه الضغوط .ومن الجدير بالذكر ان الأسرة التي تستخدم العدوان اللفظي او البدني في كل نزاع بين الوالدين ؛ تميل الى استخدام نفس الأسلوب العدواني مع الآخرين ، ومن ثم فان الطفل العدواني هو نتاج عدوان الوالدين .

2 المستوى الاقتصادي و الاجتماعي

في دراسة آمال عثمان عام 1982 ، أثبتت ان الأسر ذوى المستوى الاجتماعي المنخفض ، يستخدمون العقاب البدني بصورة اكبر من الطبقات الوسطى والعليا مما يشكل دافعا للسلوك العدواني بعكس الطبقات الوسطى التي تميل الى استخدام العقاب النفسي مثل النبذ ، و اللامبالاة ، و التجاهل ، و هذا يفسر زيادة نسبة السلوك الاجرامي بين الطبقات الدنيا .

3 جماعة الأصدقاء

معلوم أنة تحت تأثير الجماعة يقل التفكير المنطقي ، وتبتعد المعاير الاجتماعية التي تتحكم في العدوان ومن ثم تظهر جميع الاندفاعات العدوانية المكبوتة في مختلف الاتجاهات . وبالاضافة لذلك ، فإننا لا نستطيع ان نغفل دور المجتمع بأسرة الذي يعيش فيه الفرد كأحد الظروف الهامة المساعدة على العدوان . فالمجتمع التي تغيب فيه العدالة الاجتماعية في توزيع المكاسب وإشباع الحاجات لدى الأفراد ، تنتشر فيه مشاعر الحرمان والإحباط ، وضعف الانتماء للوطن والشعور بالاغتراب . ان مثل هذا المجتمع يثير العدوان بانواعة المختلفة كالسلبية واللامبالاة والخروج عن القانون وارتكاب الجريمة .

التفسير النفسى للعدوان

يفسر علماء النفس الاجتماعي العدوان من منظور المقاصد الكامنة وراء السلوك البشرى ، فاذا كانت المقاصد الكامنة وراء السلوك منطوية على إلحاق الأذى المتعمد بالآخرين ، والضرر المهلك للحرث والنسل ، فان ذلك يعتبر عدوانا ،ويرى (بيركاوتز BERKOWITZ)1990 , ان حالات الإحباط الشديد تؤدى الى ظهور قدر معين من العدوانية الذي يعتمد على كمية المشاعر السلبية الناجمة عن حالة الإحباط او الفشل ولما كان الإحباط مفتاحا للغضب , والغضب بدورة يؤدى الى العدوان ، والعدوان يعتبر بمثابة (الدينامو)الذي يقوم بتوليد العنف ، فان العنف يتحول في هذه المنظومة السيكودينامية الى سلوكيات مضطربة ومسالك دامية تتبلور في نهاية المطاف لتصل الى الانتقام .

وعن الغضب نقول ليس بإمكاننا فك الاشتباك بيننا وبين غريزة الغضب بالتربية والتدريب حيث انه ما تم كسبه للنوع البشرى لا يسهل اقتلاعه بجهد فرد او مجموعة أفراد ولا حتى بجهد أجيال متعاقبة من بني الإنسان لا يتعدى قوام وجودهم بضع الاف من السنين فالجهود التربوية تدريبية لا تستطيع اقتلاع ما أرست قوامه ملاين السنين منذ طفولة النوع الانسانى ومن قبلة الجنس الحيواني . ان الغضب غريزة في جبلتنا البشرية وهو يمثل قواما من قوامنا الاساس والجوهري يستحيل الفرار منه لكن يمكن ترويضه وتوجيهه فالغريزة ديكتاتور قابل للإقناع و التفاوض.

ورغم ان غريزة الغضب تعتمل بكامل قواتها لدينا فإننا نستطيع ان نبقى عليها في حالة كمون معظم الوقت بحيث لا نغضب من اي شئ يمكن ان يستثير غضبنا لو أننا لم نحاول إقناع ذلك الديكتاتور بالبقاء في حالة من السكون و الهدوء .

والواقع ان الغريزة بمثابة المادة الخام التي تصنع لكي ترتدي ثوب الغضب . فغريزة الغضب ليست هي الغضب نفسه بل هي الاستعداد للتجسد في الأشكال السلوكية للغضب .فنحن لانغضب بواسطة غريزة الغضب بل نغضب بملامح الوجه وبما نصدره من أصوات عالية وبما نستخدمه من عنف بالايدى والأرجل إذا وصل الغضب لدينا الى حد الاعتداء بالضرب عل من نغضب منهم ونوجه غضبنا أليهم .

الهرمونات والنوع والعدوان

ثبت ان هناك علاقة ايجابية بين العنف و العدوانية من ناحية و بين الحقن بالهرمونات الذكورية من ناحية اخرى . هذا ويرى عالم النفس الاجتماعي" جيمس دابس و زملاؤه 1987-1988" ان مستويات هرمون الذكورة مرتفعة بشكل ملحوظ لدى المعتقلين المتهمين في جرائم عنيفة بصورة مختلفة عن نظرائهم مرتكبي الجرائم العادية.

ولما كانت المرأة لديها هرمون الذكورة منخفض عادة فان اثر هذا الهرمون يرتبط بارتفاع معدل السلوك العنيف بين الرجال . وقد دلت بعض البحوث في مجال علم النفس الاجتماعي ان الرجل – على سبيل المثال – يرتكب ستة جرائم سنويا في مقابل جريمة واحدة تقوم بها المرأة في معظم المجتمعات الانسانية .

ومعلوم ان أفراد المناطق العشوائية ذات الكثافة السكانية المتزايدة اكثر ميلا للعدوان سواء كان العدوان لفظيا او جسديا " باص ،بيرى " 1992 ، كما ان الرجال فى هذا الصدد يتميزون بتخيلات خصيبة و تصورات غريبة عن كيفية ارتكاب الجريمة واستخدام الأسلحة فيها حيث بلغت نسبتهم 76% بينما كانت نسبة النساء لا تزيد عن 62% فقط "كينريك، شيتس)1994 ، وكما ذكرنا من قبل فان ذكور الحيوانات اكثر عدوانية ووحشية من إناثها وليس هناك استثناء بين الثدييات الأخرى اللهم الا في دنيا الضباع حيث وجد ان الذكور و الإناث يتساوون فى العدوانية وذلك عند قتال بعضهم بعضا ذكورا وإناثا او التهامهم جثة فريسة اشتركوا في صيدها وقتلها، وهنا تصاب هذه الضباع جميعها بالجنون والسعار اثناء صراعها على الضحية " اسماك ،هولكامب"1993

و نتساءل : هل تمثل العدوانية الموجودة لدى انثى الضبع خروج عن القاعدة الخاصة بالربط بين هرمون الذكورة والعدوانية ؟ نجيب على هذا التساؤل بقولنا بان إناث الضباع تتعرض لكميات زائدة عن الحد المألوف من التستسترون ( هرمون الذكورة ) قبل ولادتها ، كما ان الأنثى تستمر في إفراز كميات مرتفعة من هذا الهرمون بصورة غير عادية بعد الولادة مباشرة "فرانك،جليكمان"1993 .

العوامل المؤثرة على العدوان

هناك عوامل تلعب دورها في زيادة العدوان و التأثير فيه و هي كالتالي

1 الحرارةHEAT
يستخدم قائدو السيارات آلة التنبيه كثيرا عند ارتفاع درجة الحرارة في الجو صيفا كما لا يحسنون استخدام حزام الأمان في السيارة بسبب الضيق من الحرارة.

2 التهوين و الإهمالDEINDIVIDUATION
عندما ياتى المساء و يغطى الظلام الكون بوشاحه فان حشدا كبيرا من الناس يسلك افراده مسلكا ينم عن أخلاقيات الزحام التي تكمن في العربدة و الانفلات و التحريض على العدوان.

3 الإحباط و الانتقامFRUSTRATION / RETALIATION
من المعلوم أن الإخفاق في تحقيق الامل يحدو بالمرء نحو العدوان حيث انه قد ثبت علميا ان بعض جرائم القتل قد تحدث نتيجة اهانة الشخص او الحط من كرامته و التقليل من قيمته على ملأ من الناس الامر الذي يهدد مستقبلة فيشرع الشخص في هذه الحالة للثأر لكرامته المنهارة.

4 عنف وسائل الاعلام MEDIA VIOLENCE
هناك ارتباط ايجابي قوى بين مشاهدة البرامج التليفزيونية العنيفة والسلوك العدواني مع الأخذ في الاعتبار الوضع الطبقي للمشاهد . ان معدل ارتكاب جرائم القتل يزداد – عادة – بعد مشاهدة مباراة عنيفة في الملاكمة كما ان مشاهدة الأفلام الجنسية العنيفة قد تؤدى الى زيادة السلوك العدواني نحو المرأة .

5 هرمون الذكورة TESTOSTERONE
ان مستويات هرمون الذكورة مرتفع بطبيعة الحال لدى المجرمين من الرجال المتورطين في الجرائم العنيفة وذلك بعكس النساء حيث ان الرجال يرتكبون ستة أضعاف ما ترتكبه النساء من جرائم القتل ولاسيما في المرحلة العمرية التي تتسم بارتفاع معدل هرمون الذكورة وكذلك الحال في عالم الحيوان ولله في مخلوقاته شئون وهو فوق كل ذي علم عليم[line]
سيكولوجية الاستشهادي

شاب أدرك عبثية آماله وعقم طموحاته ففجر نفسه ليتناثر جسده فتاتاً بعدد أحلامه الضائعة؟

أم فتاة أعلنت أن المساواة بين الرجل والمرأة تبدأ من الموت حين تسخر الحياة وترفض الاعتراف ؟

أم قصة طفل لم يدرك أن هنالك نهاية للحياة اسمها الموت إلا بعد أن لفظ أنفاسه الأخيرة في حضن والده؟

حكاية هؤلاء واحدة ومتكررة كحكايات الجدات في ليالي الشتاء وهي قد شاعت أخيراً حتى بات الأطفال يمثلونها في لعبهم في باحة المدرسة حيث يلعب واحدة منهم الشهيد وتلعب بقيتهم دور المشيعين لجثمانه وهم حولوا بذلك الموت إلى لعبة تعطيهم الاعتراف فهل تتم مكافحة رغبة الانتقام برفع الظلم عن المظلوم المنتقم أم بزيادته إذ يبدو انتقام هؤلاء الأطفال سيكون أشد وطأة من محاولات آباءهم الخجولة .

وعلى المتضررين أن يبحثوا لهم منذ الآن عن مصطلح جديد أكثر تعبيراً من مصطلح " الإرهاب" الفاقد لدلالته منذ ولادته .
حكاية هؤلاء واحدة وهم أنفسهم أطفال الانتفاضة الأولى وقد أمسوا يافعين وشباناً . ما نجا منهم في الانتفاضة السابقة كان مرشحا لأن يكون ضحية مشاركته في الثانية .وبعضهم قليل ممن لم يشأ انتظار انتفاضة مقبلة قد لا تأتي .

اختار تفجير نفسه وتحويل جسده أشلاء تضاعف رعب الخائفين الذي يطلقون نيرانهم خوفاً لاستجلاب الأمن عبر العدوان.
واحدة من وسائل الإعلام العربية أصرت على تعريف قرائها بسيكولوجية الاستشهادي فلم تقع إلا على تعريفات لسيكولوجية الإرهابي بعد أن أدمنت أدبياتنا مصطلح الإرهاب بقوة حرب أفغانستان وتهديدات الحروب المحتملة لاحقاً .

قد يكون من المفيد تعريفكم بتعريف سيكولوجية الاستشهادي بعد رواية حكايته . بل إنكم تريدون التعرف إليها بعد تعرفكم على الحكاية فالاستشهادي هو إنسان عادي ليست سيكولوجية خاصة . وهو إنما يفجر نفسه بدافع تعرضه لكارثة معنوية .
وهي كارثة تهدد قيم الشخص ومقدساته واستمرارت نوعه وأمته فتصبح حياته فاقدة لقيمتها مما يدفعه إلى استسهال الموت . بل إلى تمني الموت هربا من تحمل أثار الكارثة .

قد لا تكون لدينا جميعا شجاعة استحضار وجلب الموت الشخصي ودعوة عزرائيل لقبض روحنا . لكننا نعاني من إذلال المرافق لكوارث المعنوية وهي معانة ترجمتها شعوب العربية بتظاهراتها وتبرعاتها وتضاعف شعورها بالانكسار .
بل هذا الإذلال تحول إلى شعوب غير عربية تمكنت من التمييز بين الجاني والضحية في عتمة الحصار الإعلامي الممهد للمجازر الإسرائيلية .

و أدرك الأوروبيون مثلا أن هذه الجرائم تعكس ميول معادية للإنسانية وليس للعرب لوحدهم .

لكن هؤلاء والأجانب كافة لا يستطيعون استيعاب دوافع استجلاب الموت الشخصي عبر عملية استشهادية .والوقت لا يتسع لإفهامهم العلاقة بين الاستشهاد و بين البحث عن الاعتراف بالجماعة وكرامتها فحسبنا أن نعرض على هؤلاء نوعا آخر من شهدائنا . ذلك النوع الذي يصاب ويبقى ينزف حتى الموت لان الإسرائيلي المتحضر يمنع إسعافه ووصول إي مساعدة طبية له هذا النوع وفقا أقصى طرق الموت التي يمكن لبشر أن يتخيلها حيث تجتمع عليه الآلام ومخاوف الموت ومشاعر الذل ورغبة الانتقام وكل جبروت الاضطهاد . وكأن وحوش الآدمية لا تكتفي بهذه العذابات فتتابع عدوانها على جثته حيث تتركها للإنتان والتحلل على أيام منتهكة بذلك حرمة الأموات .

لو قدر لشخص الاختيار بين هذه الميتة المسالمة ولكن أسلو ب شيطاني غير بشري ، بين الموت خلال لحظات بتفجير استشهادي ، فإن الشخص سيختار الثانية حكما . وذلك بغض النظر عن انتمائه " عربي أو مسلم أو غيرهما "
وعندها فقط يستطيع هذا الشخص أن يظهر جسده للاستشهاديين وتفهمه لدوافعهم وطريقتهم في الموت

قراءة سيكولوجية في الظاهرة الاستشهادية

نظرا للانطلاقة الغربية لتصفيات الطب النفسي فإن هذه التصفيات لا تضم بندا خاصا بالاستشهاد. لكنها تفتح المجال لإدراجه في خانة "الانتحار ألإيثاري"altrsuiste)) وتعريفه أنه تضحية بالحياة لخدمة أهداف سامية غير فردية.

هذا الإدراج ينطوي على قدر من الغموض تدعمه دلالة السينة غامضة لمصطلح الاستشهاد( أو الشهادة). ويتضاعف هذا الغموض مع الفروق الحضارية لمفهوم الشهادة يبن الثقافات المختلفة. حتى يبلغ الغموض درجة كافية يرفض إدراج الظاهرة الاستشهادية في تصنيفات الطب النفسي.فهذه التصفيات غربية , وهي بالتالي بعيدة عن مفهوم الشهادة المنبثق من ثقافات شرقية.
وغياب البند المصنف للاستشهاد , عن التصفيات الأجنبية , هو مفتاح الحوار حول اختلاف المواقف من هذه الظاهرة على الصعد الأخلاقية والسياسية والسيكولوجية.

في غياب هذا الحوار برز موقف غربي اختزالي ينظر للعملية الاستشهادية على أنها فعل إرهابي يوقع ضحايا بين المدنيين. وبالتالي فإن الاستشهاد هو إرهاب ناجز لا يمكن قبول تبريرات مخففة له , ولا شك أن التجارب الصدمية السابقة تشكل أساس الموقف الغربي المسبق من هذه الظاهرة. فاللاشعور الغربي ينطوي على ذكريات مؤلمة مواضيعها السيئة هي من فئة "الكاميكاز"(الانتحاريين اليابانيين).الذين بلغوا قمة إثارة الهلع الإيركي(والغربي عامة) تحبذ عملياتهم الانتحارية في بيرل هاربور , عندما حولت الصدمة الأمريكية إلى حماقة استخدام كل القوة التي تجلت بإلقاء قنبلتي هيروشيما ونكازاكي. وقبل الكاميكار يحكوني لا شعور الغرب على ذكريات المصارعين الصينيين في حرب الأفيون. والذين كانوا ينفذون عمليات انتحارية ثأرا لكرامة وطنهم الصين , ومع ذلك فإن العقل ألحمي الفردي يحتفظ بذكريات تهديد المسلمين في خانة خاصة.فمثل هذه العمليات تدخل في إطار مفهوم أسلامي متكامل هو" الجهاد" لذلك أستطاع المسلمون صد الهجمات الصليبية والانتصار عليها عبر صيرورة الجهاد.الني يشكل الاستشهاد مجرد حلقة من حلقاتها , وهذا ما يميز الجهاد المسلم عن العمليات الصينية التي لم تمنع انكفاء الصين وانغلاقها على نفسها , وأيضا عن العمليات اليابانية التي لم تحل دون تغريب اليابان.

إستادا لهذه المقاربات صنف مفهوم الجهاد المسلم في خانة الخطورة الفائقة , فاتخذت لمواجهته مجموعة خطوات مترابطة وإن بدت ظاهريا متناقضة. إذ تمت محاولات عديدة ومتنوعة لاحتواء جماعات الجهاد المسلم عبر التحكم في تمويله ومصادر هذا التمويل , وبمؤازرة هذا الاحتواء عمل الإعلام الغربي طيلة سنوات على تغذية الخوف من الإسلام في أوساط الرأي العام الغربي حتى انبثق مصطلح "الهلع من الإسلام" أو الإسلاموفوبيا. وذاع صيته وأنتشر ليكون مدخلا للمرحلة الثانية من تحويل الإسلام إلى بعبع حضاري عبر طرحه طرفا في صدام الحضارات. وهو مصطلح سرقه هنتنغتون عن رواية أميركية صدرت مطلع الثمانينات. وفيها يتخيل المؤلف تكاثر عدد العرب في أميركا وصولا إلى حكمهم لها وفق الشريعة الإسلامية.

ولا نتجاوز الموضوعية إن نحن قررنا أن هذه الصيرورة بمراحلها , إسلاموفوبيا والرواة وصدام الحضارات ومعها الحرب ضد الإرهاب , هي صيرورة ظالمة للإسلام وللمسلمين. ذلك أن الإسلام التقليدي يرتكز إلى النص , مما يجعله عاجزا عن النمو في تربة مذوبة كتربة الحضارة الغربية , لذلك نجحت زراعة البهائية والقاديانية في تلك التربة , في حين فشلت زراعة الإسلام التقليدي فشلا تاما , بل أن هذا الإسلام يعاني من تصحر في تربته الأصلية , هو المسئول عن عجزه المتواصل عن تجاوز بثنائياته وخلافاته المتحذرة , كما أنه المسئول عن رفض ومقاومته كل محاولات التجديد والتطوير , وهذا الواقع المتصحر يثبت أن الخوف من الإسلام هو مجرد إيحاء موجة لأسباب سياسية اقتصادية غير خافية على أي متابع.
في المقابل نجد أن الديانات الشرقية الأخرى نجحت في تحقيق اختراقات ناجزة وعميقة في بنية المجتمع الأمريكي , فكانت اليهودية وراء حركة المسيحية الصهيونية , وكانت البوذية والهندوسية وراء كوكتيل متنوع من الصراعات و الطوائف الدينية الجديدة , وتجلت خطورة هذه الاختراقات بنشوء حركات الإرهاب الأمريكي الداخلي من انتحار لويس جيم وجماعته بعد قتالهم للقوات الأمريكية إلى انفجار أوكلاهوما مرورا بفصائل الجريمة المنظمة التي تقترب من هذه الطوائف عن طريق تقديم الدعم المالي لها.

هذه الوقائع تدفع لاستغراب التركيز على العرب والمسلمين في موضوع الإرهاب وتجاهل أخطاره الحقيقية الدخيلة.خصوصا بعد ما بينته أحداث 11 أيلول عن إمكانية متابعة المسلمين الأمريكيين وسهولة حصرهم ورصدهم لعجزهم عن الذوبان في موازييك المجتمع الأمريكي , ولسنا هنا في مجال البحث في قيمة الأدلة الجنائية تأتي تثبت مسؤولية القاعدة عن أحداث الثلاثاء. كما أننا بعيدون عن مناقشة تحليلات سيول المعلومات المتسربة حديثا والموحية بوجود تواطؤ داخلي أميركي بعضه مباشر وبعضه على شكل إهمال إذ أن ما يهمنا في هذا السياق هو التأكيد على أن الظاهرة الاستشهادية قد تسربت إلى الحضارة الغربية. بحيث لم تعد هذه الحضارة قادرة على تجاهل هذه الظاهرة وإسقاطها من تصنيفاتها للحالات النفسية , بما يؤكد أن الطبيعيات القادمة لهذه التصفيات سوف تضم مراجعات جذرية تتضمن تحديدا الفئات الإفراضية التالية:

1-فئة الانتحار
التي تقتضي زيادة ظاهرة الاستشهاد

2-فئة معاداة المجتمع
التي ستضم بندا إضافيا هو الإرهاب

3-فئة الإضراب عقب ألصدمي
التي ستحتاج إلى التخلي عن بساطتها الحالية

2- ضرورة التأكيد على مراعاة الفروق الثقافية في كافة الفئات التصنيفية

وهذه التعديلات مجتمعة تحتاج لمتابعة متعددة الصعد للظاهرة الاستشهادية , بينما يعيد طرح سيكولوجية الاستشهاد للمناقشة.

سيكولوجية الاستشهاد.

إن استيعاب الظاهرة الاستشهادية تقتضي دراسة تكاملية تجمع ما بين السيكولوجيا الفردية(الموقف من الموت الشخصي تحديدا) والإنتربولوجيا والمقارنة الثقافية خاصة. وصولا إلى متابعة تطور الظاهرة عبر التاريخ , وربطها بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية و السياسية , حيث من الطبيعي أن يضيق بنا المجال هنا لعرض تفاصيل هذه الرؤى من هنا لجوؤنا إلى الاختصار و التبسيط في عرضنا لهذه الظاهرة من الوجهة السيكولوجية ونبدأ بـ

1-الموت الشخصي

حيث يتهرب الفرد عادة من التفكير بموته الشخصي لأنه لا يحتمل الفكرة , وللهروب من حتميتها يلجأ الفرد إلى خدعة الموت المؤجل , ومفادها أننا كلنا طائر ون إلى الموت ولكن ليس الآن , وهذا التأجيل يؤمن الاطمئنان في مواجهة حتمية الموت. ولكن ماذا يجري عندما يسعى أحدهم إلى حتفه ويختار إراديا وضع نهاية لحياته؟

تصنيفات الطب النفسي تنظر لهذه الرغبة على أنها قتل للذات (انتحار) بسبب تعرض الشخص لكارثة فردية خاصة يصعب عليه تحمل وطأتها , بل أن تجارب الطب النفسي تشير إلى أن الناجين من محاولات الانتحار غالبا ما يراجعون دافعهم إليه و يقرون بعدم أهليته لإنهاء حياتهم , فيعودون إلى التمسك بالحياة بروابط أقوى من السابق ولا يخالف هذه القاعدة سوى مضطربي المزاج , الذين يدفعهم مزاجهم المضطرب للإصرار على فداحة خسارتهم وأهليتها كي تجعلهم يصرون على الانتحار.

في المقابل تهمل تصنفات الطب النفسي الكارثة المعنوية الجمعية. وهي تلك التي تجعل الفرد يحس بالعبودية وبعدم الاعتراف بجماعته وبالتالي بالإنكار الكلي لشخصه. وفي هذه الحالة تصبح تضحية الفرد بحياته خلاصا من العبودية وجلبا للاعتراف بجماعته وبكرامتها , وذلك يتحول الموت الشخصي إلى مشروع مخطط ومدروس بدقة وعناية.

2- الأنماط الثقافية للكارثة المعنوية

يختلف نمط الكارثة المعنوية باختلاف المناخ الثقافي الذي تحدث فيه , وهنا لا بد من الملاحظة بأن عنف ردود الفعل يزداد بزيادة مستويات الفقر والقهر والعجز إجمالا , وهنا نجد من المفيد إيراد بعض الأمثلة ومنها

أ- شهدت متاصة بريتانيا الفرنسية من الثمانينات طفرة كبيرة في حالات الانتحار فيها, وتبين لاحقا أن هذه الزيادة كانت على علاقة بتراجع اللغة البريتونية لصالح الفرنسية (محا يعني فقدان مقوم أساسي للهوية)

ب- الانتحار الاحتجاجي الياباني
الذي يجري بطريقة استعراضية (حرق الجسم في مكان عام) بسبب كوارث معنوية أقل حدة من السابقة (فقد الانتماء). لكن ما يشجع عليها هو اعتقاد اليابانيين بالتقمص(عودة الروح للحياة في جسد آخر) , وهو يرتقي مع عمق نبل دافع الانتحار وسمو هدفه.

ج- إنتحار الماسادا(الحصن اليهودي)
حيث تدعي الأسطورة أن هذه الجماعة من اليهود قاومت لسنتين بعد سقوط القدس(73 م), فلما فقدت قدرتها على المقاومة فضلت الانتحار الجماعي بديلا عن ذل الاستسلام.
لكن المؤرخين الجدد كشفوا عن كون هذه الجماعة عصابة من اللصوص الذين كانوا يغيرون على القدس ويسرقون أبناء جلدتهم اليهود , وانتحارهم كان لمعرفتهم أنهم سيتعرضون للعذاب و الانتقام بسبب إجرامهم .

د- انتحار القادة والعسكريين عقب الهزائم الكبرى , حيث يلعب العامل الثقافي أثره في تحديد طقوس هذا الانتحار وأشكاله.

ج-أنماط الاستشهاد

ينطبق مصطلح الاستشهاد على حالات التضحية بالذات لخدمة قضية حيوية بالنسبة لمستقبل الجماعة , حيث يكتسب مقدم التضحية لقب الشهيد , ولكل جماعة تصورها الخاص لمكافأة الشهيد بعد مماته , وتتضاعف القيمة المعنوية للشهيد مع زيادة المكاسب التي يحققها موت الشهيد لقضيته

وغالبا ما تكون هذه المكاسب من نوع التسبب بقدر أكثر من الأذى للعدد القوي المضطهد للجماعة الضعيفة صاحبة القضية. وللاختصار نورد قائمة بأنواع العمليات الاستشهادية التي لعبت أدوارا مقررة قي توجيه دفة الصراع خلال القرن الماضي
وهذه العمليات الأخرى هي

1-عمليات العنف الثوري
التي اعتمدتها بعض الفصائل والتيارات الماركسية , والتي لا تزال بعض الفصائل الفرعية تمارسها لغاية اليوم , وبطبيعة الحال هذا النوع من العنف انتهى بنهاية الحرب الباردة.

2- عمليات مقاومة المستعمرين
وعرفت نهايتها مع نهاية النمط الكولونيالي , الذي أستمر في جنوب أفريقيا لمدة , والذي لم يعد قائما إلا في إسرائيل , ومن هنا حصر عمليات المقاومة في عمليات يقوم بها مقاومون عرب ضد إسرائيل
3- عمليات الانفصاليين وتقوم بها أقليات تسعى للانفصال عن الأكثرية الحاكمة.

4- عمليات العنف الطائفي
وتجري بمجتمعات تعددية تنفجر خلافات الجماعات المكونة لشعبها.

5- الصراعات ( دينية فكرية سياسية) .

د-الجهاد المسلم

>> تابع الاطلاع على الموضوع بالملف المرفق :
سيكيولوجية السياسة

المصدر :
المركز العربي للدراسات المستقبلية
[line]
الملفات المرفقة
نوع الملف: zip سيكولوجية السياسة.zip‏ (91.9 كيلوبايت, المشاهدات 5)

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 28-09-2009 الساعة 08:00 PM
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
السياسة 2 rajaab منتدى العلوم والتكنولوجيا 3 29-01-2007 10:47 AM
السياسة rajaab منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 08-01-2007 09:05 PM
مجالات العلوم السياسية castle منتدى العلوم والتكنولوجيا 4 30-10-2006 11:31 PM
ماهية السياسة castle منتدى العلوم والتكنولوجيا 3 19-10-2006 01:37 AM
مجلس السياسة الدفاعية.. ألغيت..الحب منتدى العلوم والتكنولوجيا 2 09-09-2002 01:45 AM


الساعة الآن 05:17 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com