تابع بوابة العرب على تويتر 





     
عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > منتديات الشؤون السياسية > منتدى العلوم السياسية

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 12-01-2007, 02:15 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
موضوع مميز بحوث ودراسات سياسية




بحوث ودراسات متنوعة متخصصة في شئون السياسة وعلومها


تنويه هـام:
* يمكنك التعليق على مايطرح هنا من موضوعات، عن طريق مشاركة مستقلة بالمنبر السياسي فقط ..
* ما يطرح هنا من بحوث ودراسات سياسية فهي تعبر عن وجهات نظر اصحابها ولاتعبر بالضرورة عن رأي المنتدى او شبكة بوابة العرب وكافة منسوبيها..[line]
مل ستيورات: مختارات من كتاب "بحث في الحرية"

الفصل الأول

المدخل: في حدود سلطة المجتمع على الفرد

ليس موضوع هذا البحث الحرية التي تسمى "حرية الإرادة" والتي تقابل لسوء الحظ ما يسمى خطأ بالضرورة الفلسفية، وإنما موضوعه: الحرية والمدنية، أو الاجتماعية، وطبيعة السلطة التي يمارسها المجتمع شرعيا على الأفراد، وحدودها. إنها مسألة قلّ أن عرضت، وندر أن بحثت بشكل عام، ولكنها مع ذلك ذات أثر عميق في مشاكل هذا العصر العملية لوجودها الكامن الخفي. واكثر الظن أنها سوف تبرز نفسها قريبا لتعتبر مسألة المستقبل الحيوية. إنها أبعد ما تكون عن الجيدة. ويمكن القول انها منذ أقدم العصور تقريبا قد شطرت العالم. أما في مرحلة التقدم الحالية التي دخلها اكثر أقوام النوع الإنساني حضارة، فإنها تعرض نفسها ضمن شروط جديدة وتتطلب معالجة جديدة وأكثر عمقا.

إن الصراع بين الحرية وبين السلطة أبرز ظاهرة في أقسام التواريخ التي نعرفها، وخاصة تاريخ اليونان وروما وإنكلترا. أما في العصور القديمة فقد كان هذا الصراع بين الرعية أو بعض طبقات الرعية وبين الحكومة، وكان المعنى المفهوم من الحرية الاحتماء من استبداد الحكام السياسيين. فقد كان هؤلاء الحكام (باستثناء بعض حكومات الإغريق الشعبية) يُنظر إليهم وكأنهم بالضرورة في وضع معاد للشعب الذي يحكمون. كان الحكم بيد حاكم فرد، أو بيد قبيلة حاكمة أو سلالة، وكانت سلطتهم آتية عن طريق الإرث أو الفتح، ولم تكن تمارس برضى المحكومين، ولم يكن أحد يجرؤ على منازعة تلك السيادة أو يرغب في ذلك رغم كل الاحتياطات التي كانت تتخذ لاتقاء ضغطها التعسفي. كانت النظرة إلى سلطانهم أنه ضروري وأنه عظيم الخطر في الوقت نفسه، فهو سلاح قد يحاولون استعماله ضد رعيتهم كما يحاولون استعماله ضد العدو الخارجي. كذلك كان من الضروري، حتى لا يقع الضعاف من أعضاء المجتمع فريسة ينهكها عدد لا يحصى من العقبان، أن يوجد هناك حيوان جارح يكون أقوى من الآخرين يُناط به أمر إخضاعها. ولكن، لما كان ملك العقبان ليس أقل ميلا إلى افتراس الرعية من أي نهاب سلاب آخر، فقد كانت الضرورة تقضي دائما باتخاذ خطة الدفاع ضد مخلبيه ومنقاره. لذلك كان هدف الوطنيين وضع حد للسلطة التي يجب أن يتحمل الحاكم مسؤولية ممارستها على المجتمع، وهذا التحديد هو ما عنوه بالحرية. حاولوا إرساء أسس هذا التحديد بطريقتين: الأولى هي الحصول على اعتراف ببعض الحصانات، تسمى الحريات أو الحقوق السياسية، كان انتهاكها من قبل الحاكم يعتبر إخلالا بواجبه، فإذا اقدم على انتهاكها كان في عمله ما يبرر المقاومة الخاصة أو الثورة الشاملة؛ أما الطريقة الثانية التي ظهرت بعد الأولى فكانت إقامة ضوابط دستورية بموجبها أصبحت موافقة المجتمع، أو أي هيئة يفترض انها تمثل مصالحه، شرطا لازما في بعض الإجراءات الهامة التي تريدها السلطة الحاكمة. لقد اضطرت السلطة الحاكمة في معظم البلاد الأوروبية إلى الرضوخ، نوعا ما، للطريقة الأولى. ولكن الحال لم يكن كذلك بالنسبة للطريقة الثانية: إذ أصبح الوصول إلى هذا النوع من التحديد أو إلى إكماله حين يكون جزء منه مؤمنا، اصبح ذلك في كل مكان الغرض الأساسي لمحبي الحرية. ولما اطمأن البشر إلى محاربة عدو بعدو آخر، وقنعوا بأن يُحكَموا من قبل سيد ضمن شروط تؤمن لهم نوعا من الحماية ضد استبداده، فانهم لم يعودوا يعملون ليدفعوا بأمانيهم إلى أبعد من هذه النقطة.

ثم جاء زمن رأى الناس فيه أن ليس من ضرورة طبيعية أن يكّون حكامهم سلطة مستقلة، تتعارض مصالحها مع مصالحهم. وبدا لهم أن الأفضل أن يكون أولئك الذين يستلمون شؤون الدولة وكلاء أو مندوبين عنهم يعزلونهم متى شاءوا. وظهر أن هذا هو السبيل الوحيد الذي يعطيهم الضمانة التامة في أن لا يساء استعمال سلطة الحكم في غير صالحهم. هذا الطلب الجديد لحكام ينتخبون انتخابا لمدة مؤقتة أصبح تدريجيا الغرض الرئيسي لأي حزب شعبي أينما وجد حزب من هذا النوع. وأخذ هذا الطلب، إلى حد بعيد، مكان طلب الحد من سلطة الحكام الذي كانت تسعى إليه الجهود السابقة. وفيما كان النضال لجعل السلطة الحاكمة تنبثق عن انتخاب دوري من قبل المحكومين يسير في وجهته، أخذ بعض الناس يفكرون بأن الأهمية التي علقوها على مسألة تحديد السلطة نفسها كانت أكثر من اللازم، وان المسألة نفسها يمكن أن تكون مأخذا يؤخذ ضد الحكام الذين كانت مصالحهم عادة متضاربة مع مصالح الشعب. فما هو مطلوب الآن هو أن يكون الحكام متجاوبين مع الأمة وأن تكون مصالحهم وإرادتهم مصلحة الأمة وإرادتها. لن تحتاج الأمة إلى حماية من إرادتها الذاتية، وليس هناك خوف من أن تستبد بنفسها. ليكن الحكام مسؤولين عنها بطريقة مثمرة، وليكونوا عرضة للعزل من قِبَلِها، وعندها يمكن أن تمنحهم سلطات تستطيع هي أن تفرض أين يجب أن تُستعمل. وسلطتهم عندئذ ليست شيئا آخر سوى سلطة الأمة، وقد تمركزت بطريقة صالحة للتنفيذ.

أن هذا الأسلوب في التفكير، أو بالأحرى في الشعور، كان شائعا بين الأجيال الأخيرة من أحرار أوروبا، ولا يزال شائعا فيها حتى الآن كما يظهر. ويبقى أولئك الذين يقبلون فرض أي حد على ما يمكن أن تفعله الحكومة (إلا في حالة الحكومات التي يعتقدون أنها يجب أن لا توجد) يبقون قلة لامعين بين مفكري أوروبا السياسيين. إن أسلوبا في الشعور مماثلا لما ذكرت كان من الممكن أن يكون سائدا في بلادنا نفسها في هذا الوقت لو أن الظروف التي شجعته فترة من الزمن بقيت ولم تتبدل.

بيد أن النجاح في النظريات الفلسفية والسياسية، وفي الأشخاص أيضا يكشف عن عيوب وخطيئات قد يخفيها الفشل عن عين الملاحظ. فالرأي القائل بأن الشعب لا يحتاج إلى تحديد سلطته على نفسه قد يبدو حقيقة بديهية حين تكون الحكومة الشعبية مجرد حلم، أو مجرد شيء تقرأ عنه على أنه حدث في الماضي البعيد. ولم يتضايق هذا الرأي بما حدث من انحرافات مؤقتة كانحرافات الثورة الفرنسية التي جاء أسوأ ما فيها عن عمل قلة مغتصبة، والتي لم تكن في أي حال ناجمة عن عمل ثابت لمؤسسات شعبية بل عن ثورة فجائية اضطرابية قامت ضد استبداد الملك والطبقة الأرستقراطية. ولكن قامت مع الزمن جمهورية ديمقراطية احتلت حيزا واسعا من سطح الكرة الأرضية وأثبتت وجودها كواحدة من أقوى أعضاء مجموعة الأمم، وبذلك وضعت حكومة منتخبة ومسؤولة موضع الانتقادات والملاحظات التي تنتظر حقيقة واقعية كبرى. وقد تبين عندئذ ان عبارات مثل "الحكم الذاتي" و"سلطة الشعب على نفسه" لا تعبر عن حقيقة الوضع الراهن. فـ "الشعب" الذي يمارس السلطة ليس دائما نفس الشعب الذي يخضع لها، و"الحكم الذاتي" الذي يتحدث عنه ليس حكم كل فرد من قبل نفسه بل حكم كل فرد من قبل كل الآخرين. وإرادة الشعب، إضافة إلى ذلك، إنما تعني عمليا إرادة العدد الأكبر أو إرادة الجزء الأكثر نشاطا من الشعب (إرادة الأكثرية)، أو أولئك الذين ينجحون في جعل أنفسهم مقبولين على أنهم الأكثرية. فقد يجوز بنتيجة ذلك أن يرغب الشعب في اضطهاد قسم من أفراده. وهنا يصبح من الضروري أن يُتخذ ضد هذا الأمر من الاحتياطات ما يُتخذ ضد أي نوع آخر من سوء استعمال السلطة وعليه تحديد سلطة الحكومة على الأفراد لا يفقد شيئا من أهميته عندما يكون القابضون على زمام السلطة مسؤولين بانتظام أمام المجتمع، أي أمام أقوى حزب فيه. وإن وجهة النظر هذه التي استساغتها على السواء عقلية المفكرين وميول الطبقات الهامة في المجتمع الأوروبي التي تتعارض مصالحها الحقيقية أو المفروضة مع الديمقراطية، لم تلاق صعوبة في تثبيت نفسها. وأصبح التفكير السياسي عامة يشمل مسألة "استبداد الأكثرية" في عداد الشرور التي يجب على المجتمع أن يظل على حذر منها.

كان أكثر الناس ولا يزالون يخشون طغيان الأكثرية كما يخشون سائر أنواع الطغيان الأخرى، وذلك لأنه ينفّذ في الغالب عن طريق إجراءات السلطات العامة. ولكن رجال الفكر يرون أن المجتمع حين يكون هو نفسه الطاغية (أي حين يكون المجتمع بجملته ضد الأفراد) فان ذلك يعني أن أساليب طغيانه لا تنحصر بالإجراءات التي يمكن أن ينفذها عن طريق موظفيه السياسيين. إن المجتمع قادر على إصدار الأوامر وعلى تنفيذها بنفسه. فإذا أصدر أوامر خاطئة بدلا من الصحيحة، أو إن أصدر أوامر في شؤون يجب أن لا يتدخل فيها، فإنه يمارس بذلك طغيانا اجتماعيا هو أشد عتوا من كثير من ألوان الاضطهاد السياسي لأنه، وإن لم تدعمه عادة عقوبات شديدة، فان وسائل النجاة التي يتركها قليلة، وهو ينفذ إلى الصميم في كثير من نواحي الحياة، ويستعبد الروح ذاتها. لهذا كان الاحتماء من طغيان الحكام غير كاف، وكان لا بد من حماية ضد طغيان الآراء والمشاعر الشائعة، وضد ميل المجتمع لان يفرض (دون اللجوء إلى العقوبات المدنية) آراءه الخاصة وطقوسه كقواعد للسلوك، يفرضها حتى على أولئك الذين لا يوافقون عليها، ليكبل النمو والتطور، ويمنع إن أمكن تكوين أي شخصية فردية لا تكون منسجمة مع طرقه، ويجبر كل الطبائع على تكييف نفسها طبق أنموذج من صنعه هو. إن هنالك حدا للتدخل المشروع في استقلال الفرد من قبل الرأي الجماعي. وإن إيجاد ذلك الحد وصيانته من التجاوز أو الاعتداء عليه لازم لحسن سلامة شؤون الناس لزوم الاحتماء من الاستبداد السياسي.

ولكن لئن كان من غير المتوقع أن تناقش هذه القضية بصورة عامة. فإن السؤال العملي: أين يجب وضع الحد، وكيف يمكن تحقيق التوفيق المناسب بين الاستقلال الفردي وبين السيطرة الاجتماعية؟ هذا السؤال يبقى الموضوع الذي عليه يتوقف كل شيء تقريبا.

إن كل ما يجعل للوجود قيمة في نظر أي شخص مرتكز على تنفيذ الضوابط التي تضبط أفعال الآخرين. فيجب إذن فرض بعض قواعد للسلوك عن طريق القانون أولا، ثم عن طريق الرأي العام في الأشياء الكثيرة التي لا تكون قابلة للإجراءات القانونية. أما ما هي هذه القيود اللازمة، فهذا هو السؤال الرئيسي في شؤون البشر.

إننا إذا استثنينا بعض المسائل الواضحة جدا، فان السؤال السابق يبقى بين المسائل التي لم يصل السعي وراء حل لها إلا إلى قدر ضئيل من التقدم. فلم يُعطِ عصران أو بلدان حلا واحدا له. لا بل إن الحل الذي قال به عصر أو بلد كان موضع استغراب الآخر وتعجبه. ومع كل ذلك فان الناس في أي عصر أو بلد لم يعودوا يرتابون بوجود أي صعوبة فيه، وكأنه موضوع كان الناس متفقين دائما حوله. والقواعد يجري بها العرف بينهم تبدو لهم جلية في حد ذاتها، ولا تحتاج إلى تبرير. إن هذا الوهم العام ليس إلا واحدا من الأمثلة على التأثير السحري للعرف، هذا العرف الذي يؤخذ لا على انه، كما يقول المثل، طبيعة ثانية فقط، بل يؤخذ دائما وخطأ على أنه طبيعة أولى. إن أثر هذا العرف في إزالة أي شك يمكن أن يعلق في نفوس الناس بشأن قواعد الأخلاق التي يفرضها الناس بعضهم على بعض هو في ازدياد مستمر لأن الموضوع أمر لا يوجد بشأنه اتفاق عام بأنه يحتاج إلى تبرير، لا من قِبَل شخص نحو الآخرين، ولا من قِبَل شخص نحو نفسه. فقد اعتاد الناس أن يعتقدوا أن مشاعرهم حول موضوعات من هذا النوع هي أفضل من الأسباب، وانها تجعل التعليل غير ضروري، وقد شجعهم على هذا الاعتقاد جماعة يطمحون في أن يكونوا بين الفلاسفة. والمبدأ العملي الذي يرشد هؤلاء الناس إلى آرائهم في تنظيم السلوك البشري هو الشعور الموجود في رأس كل منهم بأن على الجميع أن يفعلوا كما يريدهم هو ومن على شاكلته أن يفعلوا.

لا يعترف أحد في الواقع أمام نفسه أن مقياسه في الأحكام مبني على ما يحب ويرغب، ولكن الرأي الذي يُعطى في مسألة مسلكية ولا يكون مشفوعا بالأسباب لا يعدو كونه تفضيلا شخصيا. فإذا ذُكرت الأسباب ولم تكن شيئا آخر سوى تفضيلا مماثلا شعر به آخرون، بقي الأمر مجرد رغبة أناس كثيرين بدلا من واحد. إن هذا التفضيل الشخصي الذي يؤيده بهذه الطريقة تفضيل الآخرين ليس سببا كافيا وكاملا فحسب بالنسبة للشخص العادي، بل إنه السبب الوحيد عنده الذي به يبرر عادة أيا من آرائه في الأخلاق، أو الذوق، أو اللياقة حين لا تكون هذه الآراء مكتوبة صراحة في عقيدته الدينية، لا بل إنه أيضا مرشده الرئيسي في تفسيره حتى لتلك العقيدة. وهكذا تكون آراء الناس حول ما هو ممدوح أو مذموم متأثرة بكل الأسباب المتنوعة التي تتأثر بها رغباتهم بشأن سلوك الغير، وهي أسباب متعددة بقدر تعدد الأسباب التي تقرر رغباتهم بشأن أي موضوع آخر. فالأسباب تارة عقلهم، وأخرى تحّيزهم أو خرافتهم، وكثيرا ما تكون عواطفهم المحبة للمجتمع أو الكارهة له، أو حسدهم أو غيرتهم، أو غطرستهم أو ازدراؤهم. وأكثر الأسباب شيوعا هي محبتهم لأنفسهم أو خوفهم عليها: أو مصلحتهم الشخصية المشروعة أو غير المشروعة. وحيثما وجدت طبقة عالية فان القسم الأكبر من أخلاق البلاد ينبثق عن مصالح تلك الطبقة وعن شعورها بالتفوق الطبقي. فالأخلاق بين الإسبارطيين وبين الأرقاء، بين المزارعين وبين الزنوج، بين الأمراء وبين الرعية، بين النبلاء وبين مستأجري أراضيهم، بين الرجال وبين النساء؛ هذه الأخلاق كانت في معظمها وليدة تلك المصالح والمشاعر الطبقية. والعواطف التي تتولد بهذه الطريقة يرتد مفعولها على المشاعر الأخلاقية لأعضاء الطبقة العليا في علاقاتهم فيما بينهم، أما حين توجد طبقة كانت سابقا عالية وفقدت تفوقها، أو كان تفوقها غير محبوب، فان العواطف الأخلاقية السائدة عندئذ غالبا ما تحمل معها طابع الكراهية الملحة للتفوق. وهناك مبدأ خطير آخر من المبادئ التي يفرضها القانون أو الرأي العام والتي تحدد قواعد السلوك في الفعل أو في رحابة الصدر، هذا المبدأ هو خنوع البشر تجاه ما يحبه أو ما يكرهه أسيادهم المؤقتون أو أصنامهم. إن هذا الخنوع، الذي هو في الأصل أناني، ليس رياء كله: إنه يثير عواطف أصيلة من المقت والكراهية، وقد دفع البشر إلى إحراق السحرة والمارقين. لقد كان لمصالح المجتمع حتما، العامة منها والواضحة، نصيب، ونصيب كبير، بين تلك العوامل الكثيرة التي عملت في توجيه العواطف الأخلاقية، ولكن ذلك لم يكن بدافع الفكر والعقل، أو بسبب قيمة العواطف نفسها، بقدر ما كان نتيجة التعاطف أو الكراهية الذَين انبثقا عن تلك العواطف نفسها. إن ذلك التعاطف وتلك الكراهية لم تكن لهما أي صلة بمصالح المجتمع، ولكنهما أثبتتا وجودهما كقوتين كبيرتين في إيجاد الفضائل.

هكذا فإن ما يحبه المجتمع وما يكرهه، أو ما يحبه وما يكرهه قسم كبير منه، هو العامل الرئيسي الذي حدد عمليا القواعد التي يجب مراعاتها من قبل الجميع تحت طائلة عقوبة القانون أو الرأي العام. وحين جاء أناس سبقوا المجتمع في التفكير والشعور فانهم بشكل عام تركوا الوضع الراهن دون ان يحملوا عليه من حيث المبدأ، رغما عن أنهم قد يكونوا قد تصادموا معه في بعض التفاصيل. فقد شغلوا أنفسهم ببحث ما يجب على المجتمع أن يحب أو يكره بدلا من البحث فيما إذا كان ما يحبه المجتمع أو يكرهه يجب أن يفرض كقانون على الأفراد. لقد آثروا أن يحاولوا تغيير شعور الناس تجاه النقاط التي كانوا هم أنفسهم يجحدونها بدلا من أن يتضافروا في الدفاع عن الحرية مع عموم الجاحدين. والقضية الوحيدة التي ثابروا فيها على جعل النقاش على مستوى عال وبناء على مبادئ هي قضية العقيدة الدينية: هذه القضية التي ناقشها أشخاص هنا وهناك ليست وسيلة تهذيب وتثقيف فحسب، بل هي أيضا مثال واضح على أن ما يَمّس بالحس الأخلاقي ليس معصوما عن الخطأ، لان عنف المشادات الدينية عند الجلّ المتعصب من أوضح الأمثلة على الحس الأخلاقي. إن أولئك الذين كانوا أول من حطم نِيْرَ ما كان يسمى بالكنيسة العالمية لم يكونوا يريدون السماح بوجود خلاف بين الآراء الدينية، شأنهم في ذلك شأن الكنيسة نفسها. ولكن لما برد وطيس المعركة دون أن يفوز أي فريق بانتصار حاسم، واضطرت كل كنيسة أو فرقة دينية إلى تحديد أمانيها إلى حد الاحتفاظ بما نالته من نفوذ، وجدت الأقليات، التي لم يكن لها أمل في أن تصبح أكثرية، نفسها مضطرة إلى أن تطلب ممن لم تكسبهم إلى جانبها أن يسمحوا لها بان تختلف عنهم. وفي هذا الميدان وحده تقريبا أمكن لحقوق الفرد ضد المجتمع أن تثبتت على أسس عامة من المبادئ وظهرت معارضة مكشوفة لادعاء المجتمع بحقه في ممارسة سلطة ضد المنشقين. إن الكّتاب الكبار الذين يدين لهم العالم بالفضل في ما أحرزه من حرية دينية قد أكدوا أن حرية الضمير حق لا يُقهر واستنكروا بشكل قاطع أن يكون الشخص مسؤولا أمام الآخرين عن عقيدته الدينية. إلا ان عدَم التسامح من طبيعة البشر في كل ما يهمهم حقيقةٌ، ولم تتحقق الحرية الدينية بصورة عملية في أي مكان إلا حيث دعمتها اللامبالاة الدينية التي تكره أن تُعكّر صفوها المنازعات اللاهوتية. ان عقل جميع المتدينين، حتى في اكثر البلاد تسامحا، يقر واجب التسامح ولكن مع تحفظات ضمنية. فقد يقبل شخص الاختلاف في شؤون حكم الكنيسة، ولكن لا في تعاليمها المقررة، وقد يتقبل آخر كل شخص عدا البابوي أو الموحِّد، وقد يتقبل ثالث كل من يؤمن بدين مُنزَل، وقد يوسع بعضهم حدود التسامح ولكنهم يقفون عند تحد الإيمان بالله والحياة الأخرى. اما حيث لا تزال عاطفة الأكثرية أصيلة وشديدة فإننا نجد أنها لم تخفف شيئا يذكر من غلوها في وجوب إطاعتها.

إن وطأة الرأي العام في إنكلترا أشد مما هي في اكثر بلاد أوروبا، على الرغم من أن وطأة القانون قد تكون أخف، وما ذلك إلا بسبب الظروف الخاصة لتاريخ إنكلترا السياسي. فهناك قلق بالغ من جراء التدخل المباشر في سلوك الفرد من قبل السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية، ولا يأتي ذلك عن مجرد الغيرة على استقلال الفرد بقدر ما يأتي عن العادة المستحكمة في النظر إلى الحكومة على انها تمثل مصلحة أخرى معارضة لمصلحة الشعب. فالأكثرية لم تتعلم بعد أن تشعر بأن سلطة الحكومة سلطتها، وآراءها آراؤها. ومتى تعلمت الأكثرية ذلك، فالأرجح أن تتعرض الحرية لغزو الحكومة بقدر ما هي معرضة الآن لغزو الرأي العام. ولكن لا يزال هناك قدر محترم من الشعور على استعداد للقيام ضد أية محاولة من قبل القانون للسيطرة على الأفراد في شؤون لم يسبق لهم أن تعودوا على سيطرة القانون فيها. وذلك بغض النظر عما إذا كان الأمر يدخل في نطاق سيطرة القانون المشروعة أو لا يدخل. إن هذا الشعور السليم بمجمله قد يكون أحيانا في غير محله. وليس هناك في الواقع أي مبدأ معترف به لقياس ملائمة أو عدم ملائمة التدخل الحكومي، وإنما يقرر الناس ذلك وفقا لأهوائهم الشخصية. فمنهم من يهيب بالحكومة إلى التدخل والعمل كلما رأى خيرا يجب فعله أو شرا يجب معالجته وتلافيه، بينما يفضل غيرهم أن يتحملوا أي مقدار كان من الشر الاجتماعي على أن يضيفوا إلى مصالح الناس التي تُخضع للسيطرة الحكومية مصالح أخرى. والناس يأخذون هذا الجانب أو ذاك في أي قضية وفق التوجيه العام لعواطفهم، أو وفقا لمقدار اهتمامهم بالأمر الذي يقترح أن تقوم به الحكومة، أو وفقا لاعتقادهم بأن الحكومة، سوف تؤديه أو لن تؤديه بالطريقة التي يفضلونها، ولكن قَلّ أن يكون أخذهم هذا الجانب أو ذاك بناء على رأي يتمسكون به حول الأمور التي يكون من المناسب أن تقوم بها الحكومة. وبناء على عدم وجود أي مبدأ أو قاعدة، يلوح لي ان كلا من الجانبين يخطئ الآخر، وأن تدخل الحكومة يتعادل فيه عدد المرات التي يساء فيها ابتغاؤه وعدد المرات التي يساء فيها استنكاره.

إن غرض هذا البحث هو تأكيد مبدأ بسيط جدا جدير بأن ينظم معاملات المجتمع مع الفرد من حيث الإكراه والسيطرة، أكانت الأساليب المستعملة قوة مادية على شكل عقوبات قانونية أم كانت الضغط المعنوي للرأي العام. إن ذلك المبدأ هو أن الغاية الوحيدة التي تجيز للبشر، أفرادا كانوا أم جماعة، أن يتدخلوا في حرية أفعال أي واحد منهم إنما هي حماية الذات. أي إن الغرض الوحيد الذي من أجله يمكن ممارسة السلطة بحق في أي مجتمع متمدن على عضو منه رغم إرادته إنما هو دفع الأذى عن الغير. فلا يكفي أن يكون الهدف الخير الخاص للعضو، ماديا كان هذا الخير أم معنويا. ولا يجوز عدلا إرغامه على القيام بأمر أو على الامتناع عنه لأن ذلك خير له، أو لأن ذلك يجعله أسعد حالا، أو لأن الآخرين يرون أن من الحكمة والصواب فعل ذلك، إن هذه الأسباب كلها وجيهة، تنفع في التباحث معه، أو المناقشة معه، أو في إقناعه، أو في رجائه، ولكنها لا تبرر إرغامه أو إلحاق الأذى به إن فعل عكس ما يطلب منه. ولا يبرر ذلك إلا الحساب بأن السلوك الذي يقصد إبعاده عنه سوف ينجم عنه ضرر يصيب الغير: فالجزء الوحيد من سلوك أي فرد، الذي يكون مسؤولا عنه تجاه المجتمع، هو ذلك الذي يمس الغير. أما الجزء الذي يمس الشخص وحده فان استقلاله فيه مطلق وحق. فالفرد سيد على نفسه في عقله وفي جسمه.

قد يكون من الضروري أن نقول هنا إن هذا المذهب ينطبق فقط على أفراد النوع الإنساني الذين وصلوا إلى مرحلة النضوج في ملكاتهم. فنحن لا نتكلم في الواقع عن الأطفال أو الأحداث الذين هم دون السن التي يحددها القانون للرجولة أو لنضج النساء. أما الذين لا يزالون بحاجة إلى عناية الغير بهم، فتجب حمايتهم من أفعالهم كما تجب حمايتهم من الأذى الخارجي. كذلك يمكن للسبب نفسه أن نخرج من دائرة اعتباراتنا المجتمعات المتخلفة التي يمكن اعتبار الأقوام التي تؤلفها أقواما قاصرة. فالصعوبات المبكرة التي تعترض سبيل التقدم الذاتي من الخطورة بحيث لا يبقى هناك أي مجال للمفاضلة بين وسائل التغلب عليها. والحاكم المشبَّع بروح الإصلاح يجوز له أن يستعمل أي وسيلة توصله إلى الهدف الذي لا يبلغه بأي من الوسائل الأخرى. إن الاستبداد أسلوب شرعي في حكم البرابرة شريطة أن تكون الغاية تحسين حالهم، وتحقيق تلك الغاية فعلا يبرر تلك الواسطة. والحرية كمبدأ لا مجال لتطبيقها في أي من الحالات التي توجد قبل ذلك الوقت الذي يصبح فيه البشر قادرين على التحسن عن طريق المباحثات الحرة بين أطراف تحققت المساواة بينهم. حتى ذلك الحين لا يكون أمامهم إلا الطاعة لعاهل أو لملك جبار عادل إن أسعفهم حظهم بوجوده. ولكن ما ان يكتسب البشر القدرة على الانصياع إلى الاقتناع أو الإقناع في تحسين أحوالهم (وهذه مرحلة وصلت إليها منذ زمن بعيد كل الأمم التي يهمنا أمرها هنا) حتى يصبح الإكراه في شكله المباشر أو في شكل إيذاء المخالف وعقابه أمرا غير مقبول إذا قُصد استعماله كوسيلة لخيرهم، حتى وإن بقي مسموحا به في حالة ضمان أمن الغير.

من المناسب أن أذكر هنا أني أتنازل عن أي فائدة تدعم حجتي يمكن ان تأتيني من فكرة الحق المجرد كشيء مستقل عن المنفعة. فانا اعتبر المنفعة الملاذ النهائي في كل المسائل الأخلاقية: ولكنها يجب أن تكون المنفعة في أوسع معانيها، القائمة على مصالح الإنسان الدائمة من حيث هو مخلوق تقدمي. إن هذه المصالح كما أراها تسمح بإخضاع الفعل العفوي الفردي للقيد الخارجي في حالة واحدة فقط هي حين تكون أفعال الفرد ماسة بمصالح الآخرين.

تبع >
  #2  
قديم 12-01-2007, 02:19 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

قد يظهر هذا المذهب غير جديد وقد يبدو لبعضهم كحقيقة أولية بديهية، ولكن بالرغم من ذلك ليس هناك مذهب آخر يتعارض مع الاتجاه العام للرأي العام والعرف الحاليين كما يتعارض هذا المذهب. فلقد بذل المجتمع جهودا جبارة في محاولة إرغام الناس على الامتثال لآرائه في الصلاح الشخصي والاجتماعي. وكانت الدول القديمة تظن، وأيّدها الفلاسفة القدماء في ذلك، ان من حقها ممارسة تنظيم كل ناحية من نواحي السلوك الخاص بواسطة السلطة العامة بدعوى ان الدولة شديدة الاهتمام بالتربية الجسدية والعقلية لكل واحد من مواطنيها، وهذه طريقة في التفكير يمكن قبولها بالنسبة لجمهوريات صغيرة محاطة بأعداء أقوياء، وهي في خطر دائم من هجوم خارجي أو اضطراب داخلي، وقد تكون فيها الفترة القصيرة من التراخي وإعطاء الأفراد أمر قيادة أنفسهم، السبب في ضربة قاضية تصيبها بحيث لا تستطيع عندئذ انتظار الخيرات الدائمة التي تنجم عن الحرية. أما في العالم الحديث فان اتساع المجتمعات السياسية، وفصل السلطات الروحية عن السلطات الزمنية (الذي وضع إدارة ضمائر الناس في أيد غير الأيدي التي تهيمن على شؤونهم الدنيوية) قد حالا دون تدخل القانون كثيرا في دقائق الحياة الخاصة. ولكن آلات الضغط المعنوي ضد الانحراف عن الرأي السائد قد استعملت بشدة أعظم في المسائل التي تمس الفرد مما في المسائل الاجتماعية. حتى الدين، وهو أقوى العناصر التي تدخلت في تكوين الشعور الأخلاقي، كان دائما خاضعا لمطامع سلطة كهنوتية تحاول السيطرة على مختلف نواحي السلوك البشري أو لروح التزَمُت البيوريتاني. ومن المصلحين العصريين الذين وضعوا أنفسهم موضع المعارضة الشديدة لديانات الماضي مَن لم يكن اقل حماسا من الكنائس أو الفرق الدينية في تأكيد حق السيطرة الروحية، لاسيما الفيلسوف أوغست كونت الذي نراه في نظامه الاجتماعي الذي نشره في كتابه "نظام في السياسة الوضعية" يهدف إلى إقامة استبداد اجتماعي يتسلط على الفرد (ولو بالوسائل المعنوية اكثر مما بالوسائل القانونية) وهو استبداد يفوق ما فكر به اشد الفلاسفة القدماء صلفا في تفكيرهم السياسي.

وبالإضافة إلى المذاهب الخاصة لبعض المفكرين، فان في العالم على سعته ميلا متزايدا إلى توسيع سلطات المجتمع على الفرد، بدون ضرورة مبررة، بقوة الرأي العام وبقوة التشريع أيضا. ولما كانت التغيرات التي تحدث في العالم تتجه جميعها إلى تعزيز سلطة المجتمع وتضييق سلطة الفرد، فان هذا التعدي من قبل المجتمع ليس من الشرور التي تميل إلى الزوال من تلقاء نفسها، بل انه على العكس من ذلك سوف ينمو ويتفاقم. ان استعداد البشر، حكاما ومواطنين، لفرض آرائهم وميولهم على الغير كقاعدة للسلوك استعداد قوي وهو مدعوم بتأييد قوة تأتيه من أفضل المشاعر السامية ومن أحط المشاعر التي تمر بها الطبيعة الإنسانية، حتى ليكاد يتعذر عليه ان يقف عند أي حد أقل من إرادة السلطة. ولما كانت السلطة في تزايد لا في تناقص (إلا إذا ارتفع حاجز قوي من القناعة الأخلاقية في وجه إساءة الاستعمال)، فان علينا أن نتوقع ضمن ظروف العالم الحالية، ازديادا في قوة هذا الاستعداد.

قد يكون من الملائم قبل الدخول في صُلب الرسالة ان نحصر البحث أول الأمر في فرع واحد منه، وهو ذلك الفرع الذي يعترف الرأي السائد حاليا، ولو اعترافا جزئيا، بان المبدأ الذي أوردته سابقا ينطبق عليه. ان هذا الفرع هو حرية الفكر، ويستحيل ان نفصل عنه حرية القول والكتابة. وبالرغم من ان هذه الحريات تشكل، إلى حد كبير، جزءا من الأخلاق السياسية لكل البلاد التي تدعي التسامح الديني والمؤسسات الحرة، فان الأسس الفلسفية والعملية التي تقوم عليها ليست مألوفة من قبل الفكر العام، وهي لم تحط من الكثيرين، وحتى من قادة الفكر، بالاعتبار والتقدير اللائقين كما كان متوقعا. فإذا أحسن فهم هذه الأسس اصبح تطبيقها ممكنا في اكثر من قسم واحد من الموضوع، وبذا يكون البحث الوافي لهذا القسم من المسألة خير مقدمة لما تبقى من الموضوع. وإني لأرجو من الذين لن يجدوا شيئا جديدا فيما سوف أقوله بعد قليل أن يعذروني إن أنا خضت في هذا الموضوع مرة جديدة بعد أن كان موضوعا للبحث مرات عديدة خلال ثلاثة قرون مضت.

الفصل الرابع: في حدود سلطة المجتمع على الفرد

لنسأل الآن: ما هو الحد الشرعي لسيادة الفرد على نفسه؟ أين تبدأ سلسلة المجتمع؟ ماذا يجب أن يعود للفردية من الحياة البشرية وماذا يجب أن يعود للمجتمع؟

ان كلا منهما ينال حصته العادلة إذا هو احتفظ بما يخصه أو يعنيه. فيكون للفردية جزء الحياة الذي يهم الفرد، وللمجتمع الجزء الذي يهم المجتمع.

ان المجتمع غير مؤسس على عقد ولا غاية ترجى من اختراع عقد لاستخلاص الواجبات الاجتماعية منه. ولكن من ينال حماية المجتمع يكون مدينا له مقابل ذلك، والعيش في المجتمع يقتضي حتما أن يتقيد كل فرد بخطة من السلوك تجاه الآخرين. يتألف هذا السلوك، أولا، من عدم إضرار بتلك المصالح التي يجب أن تُعتبر حقوقا إما بموجب نص قانوني صريح أو بموجب تفاهم ضمني. ويتألف هذا السلوك، ثانيا، من تحمل كل فرد نصيبه (الذي يُقَرر وفق مبدأ منصف) مما تقتضيه صيانة المجتمع أو أعضاءه من أتعاب وتضحيات. ويحق للمجتمع مهما كلف الأمر ان يفرض تحقيق هذين الشرطين على من يحاول الامتناع عن ذلك. وليس هذا كل ما يجوز أن يفعله المجتمع. فقد تكون أفعال الفرد ضارة بالغير أو قليلة الاهتمام بخيرهم دون أن تكون مخالفة لحقوقهم المقررة، ويجوز عندئذ معاقبة المذنب عن طريق الرأي العام لا عن طريق القانون. وحينما ينطوي أي جزء من سلوك الفرد على ضرر بمصالح الغير تصبح للمجتمع سلطة عليه، ويطرح على بساط البحث عندئذ السؤال القائل: هل يفيد الصالح العام من هذا التدخل أم لا؟ ولكن لا موضوع لهذا السؤال إذا كان سلوك الفرد لا يمس مصالح أحد سواه، أو ليس من الضروري ان يمسها إلا إذا أرادوا هم ذلك (بشرط ان يكون المعنيون بالغير بالغين وذوي قدر كاف من الفهم). وعلى كل حال يجب أن يكون للفرد مطلق الحرية القانونية والاجتماعية في أن يفعل ويتحمل تبعة فعله.

من الخطأ الفادح في فهم هذه النظرية ان نزعم أنها نظرية لا مبالاة أنانية تدعي أن لا شأن للناس بسلوك بعضهم مع بعض وان ليس من الواجب ان يهتموا بمصالح الغير وخيره إلا إذا كانت تمس مصالحهم. فالحاجة تدعو لا إلى الإنقاص بل إلى الزيادة في كل جهد غير مغرض يُصرف في رعاية خير الغير، ولكن الحب غير المغرض للخير يستطيع أن يجد وسائل أخرى لإقناع الناس بخيرهم غير السياط بمعناها الحرفي والمجازي. إني آخر من يحط من قيمة الفضائل التي تعنى بالذات، وان جاءت بعد شيء فإنما تأتي عندي في الدرجة الثانية من الأهمية بعد الفضائل الاجتماعية، ومن واجب التربية أن ترعاهما معا. ان التربية تعمل عن طريق الإقناع كما تعمل عن طريق الإرغام فإذا انقضت مرحلة التربية يكون من الواجب استعمال الطريقة الأولى، أي الإقناع، في ترسيخ الفضائل التي تقصد الذات وتعنيها. والناس مدين بعضهم لبعضهم الآخر بالمساعدة على التمييز بين الأحسن والأسوأ، والتشجيع على اختيار الأول وتجنب الثاني، ويجب ان يحفز بعضهم بعضهم الآخر على ممارسة ملكاتهم العليا وتوجيه مشاعرهم وأهدافهم نحو أغراض حكيمة سامية لا حمق فيها ولا انحطاط. ولكن لا يحق لفرد أو جماعة أن يقول لشخص آخر بالغ انه يجب عليه أن لا يفعل بحياته كما يشاء. فالشخص هو صاحب الشأن الأول فيما يختص بخيره الذاتي، ولا يمتد بشأن الآخرين فيه إلا في حالات العلاقة الشخصية القوية.وما شأن المجتمع به كفرد (فيما عدا سلوكه نحو الغير) إلا شأن جزئي غير مباشر. وحتى الشخص العادي نفسه فانه يملك من الوسائل لمعرفة مشاعره وظروفه الخاصة ما يفوق ما يملكه أي شخص آخر. ان تدخُّل المجتمع للتحكم في حكمه وأغراضه الخاصة به لا بد أن يقوم على افتراضات عامة قد تكون خاطئة، وإن كانت صحيحة فقد يسيء تطبيقها على الحالات الفردية أناس يجهلون تلك الحالات كما يجهلها أولئك الذين ينظرون إليها من الخارج فقط. في هذا الدائرة من شؤون البشر يقع مجال عمل الفردية. ففي سلوك البشر نحو بعضهم بعضا لا بد من مراعاة قواعد عامة ليعرف الناس ما يجب أن يتوقعوا. أما فيما يختص بالفرد، فان له الحق في ممارسة انطلاقه الفردي بحرية. يجوز أن يقدم إليه الآخرون اعتبارات تساعده في حكمه أو نصائح تقوي إرادته حتى ولو كان الأمر تطفلا منهم، إلا أنه هو الحاكم الأخير. وان الشر الناجم عن السماح للغير بإرغامه على ما يرون فيه مصلحته يرجح على كفة كل ما قد يرتكبه من أخطاء رغم النصح والتحذير إذا هو بقي بدون هذا الإرغام.

أنا لا أقصد القول ان نظرة الغير للشخص يجب أن لا تتأثر قط بما عنده من حسنات أو نقائص في صفاته التي تخص ذاته، فذلك غير ممكن ولا مرغوب فيه. فهو إن شعر في أي من الصفات الآيلة إلى خيره، فانه إلى هذا الحد حري بالإعجاب، إذ يكون بهذا القدر أقرب إلى كمال الطبيعة البشرية لا مثالي. وان كان شديد الافتقار إلى هذه الصفات، تلا ذلك ظهور الشعور المناقض للإعجاب. فهناك درجة من الحماقة، أو درجة مما قد يسمى الحطة أو الخسة في الذوق، قد لا تبرر إيذاء مقترفها، ولكنها تجعله جديرا بالاشمئزاز، بل وجديرا بالاحتقار في الحالات المتطرفة. ولو أنه لا يسيء إلى أحد، فان تصرفه قد يضطرنا إلى الحكم عليه والشعور نحوه بانه أحمق أو من درجة أدنى من ذلك. ولما كان هو يفضل ان يتجنب مثل هذا الحكم والشعور، فان في تحذيره مسبقا من العواقب الوخيمة التي يعرض نفسه لها خدمة له. ليس في الإمكان تأدية هذه الخدمة بحرية أكثر مما تسمح به الآداب العامة المرعية في الوقت الحاضر، فيقول الواحد للآخر انه يظن أنه مخطئ دون ان يُعتبر متطفلا أو غير متأدب. ولدينا الحق في ان نتصرف بطرق شتى بحسب رأينا السيء في أي شخص، لا باضطهاد فرديته بل بممارسة فرديتنا. فنحن غير مضطرين مثلا إلى معاشرته، ولنا الحق في تجنبها (ولكن بدون التفاخر بإظهارها) إذ لنا الحق في اختيار عِشرة من نرضى بهم. ومن حقنا، لا بل ومن واجبنا، أن نُحذر الآخرين منه، ان رأينا ان قدوته ذات تأثير ضار بمن يعاشرونه. ولنا أن نؤثر الغير عليه في المناصب، إلا في تلك التي ترمي إلى تحسينه. ولهذه الأسباب قد ينال المرء عقوبات شديدة على أيدي الغير عن أخطاء لا تمس مباشرة إلا ذاته. ولكنه إنما ينالها كنتائج طبيعية عفوية للأخطاء بالذات، لا لأنها فرضت عليه كقصاص. فان من يبدي تهورا أو عنادا أو اغترارا بذاته، من لا يستطيع العيش ضمن إمكانيات معتدلة، أو لا يمسك نفسه عن الإباحية المؤذية، أو يندفع في الشهوات الحيوانية على حساب أصحاب الشعور والتعقل؛ يجب أن يتوقع أن ينحط في نظرة الغير إليه وشعورهم نحوه، ولا حق له في التذمر من ذلك، إلا إذا استحق عطفهم ورضاهم بامتياز خاص في علاقاته الاجتماعية، فحظي بنعمة في أعينهم لا تتأثر بنقائصه تجاه نفسه.

أريد أن أثبت أن المتاعب التي لا يمكن فصلها عن حكم الآخرين على الفرد بسوء تصرفه إنما هي المتاعب الوحيدة التي يجوز أن يتعرض لها بسبب ذلك الجزء من سلوكه وخلقه الذي يتعلق بمصلحته الخاصة وحدها ولا يمس مصالح الآخرين في علاقتهم معه. أما الأفعال الضارة بالغير فإنها تقتضي معالجة أخرى تختلف تماما. فالتعدي على حقوقهم، أو تكبيدهم خسارة لا تبررها حقوقه، أو الكذب أو المواربة في معاملتهم، أو الاستئثار غير المشروع بالفوائد دونهم، أو حتى التخلي الأناني عن حماستهم من الأذى، كل هذا يستحق الاستنكار الأخلاقي، بل والجزاء الأخلاقي والقصاص في الحالات الخطيرة. وليست هذه الأفعال وحدها هي التي تعتبر رذيلة أيضا وتستوجب الاستهجان الذي قد يبلغ حد المقت والكراهية. ان القسوة، و الحقد أو الضغينة، والحسد الذي هو في الواقع أفظع الأهواء الضارة بالمجتمع، والرياء أو عدم الإخلاص، والنزق أو سرعة الغضب لأتفه الأسباب، والحنق دون استفزاز متكافئ، وحب التسلط على الغير، والرغبة في الاستئثار بأكثر من النصيب الشخصي من الفوائد، والكبرياء التي تتلذذ بامتهان الغير، والأنانية التي تعتبر الذات ومالها أهم من أي شيء آخر. ان هذه الصفات جميعا رذائل وهي تشكل طبعا أخلاقيا شريرا، وهي ليست كالأخطاء الخاصة بالسلوك الشخصي المذكورة آنفا والتي لا تكون في حقيقتها رذائل ولا شرورا مهما تمادى الإنسان فيها. قد تكون هذه برهانا على أي مقدار من الحماقة أو قلة الكرامة الذاتية أو احترام الذات، ولكنها لا تستوجب اكثر من الاستنكار الأدبي إذا انطوت على إخلال بالواجب نحو الغير، الذي من أجله يجب أن يعتني الفرد بنفسه. ان ما يسمى بالواجب نحو أنفسنا لا يعتبر أمرا واجبا من الوجهة الاجتماعية، إلا حين تجعله الظروف في نفس الوقت واجبا نحو الغير. وإذا كان الواجب نحو الذات يعني شيئا أكثر من الفطنة أو التبصر بالعواقب فإنما يعني احترام الذات أو التطور الذاتي، وما من أحد مسؤول عن أي من هذه تجاه الغير، لأنه ليس من مصلحة البشر ان يكون مسؤولا عن أي منها.

ان الفرق بين فقدان الاعتبار الذي يتعرض له المرء بتقصيره في الفطنة أو الكرامة الشخصية، وبين الاستنكار الذي يناله جزاء على افتئاته على حقوق الغير، ليس مجرد فرق اسمي. فهناك فرق كبير في مشاعرنا وسلوكنا تجاهه بين ما إذا كان امتعاضنا منه في أمور نظن أن من حقنا السيطرة عليه فيها، وبين ما إذا كان في أمور نعرف ان لا حق لنا بالتدخل فيها. فان كدّرنا، كان لنا الحق في الإعراب عن امتعاضنا والابتعاد عنه، ولكن ليس لنا ان ننغص عليه حياته. لنفكر في أنه يتحمل أو سيتحمل مجمل جزاء أخطائه، وان أفسد حياته بسوء إرادته، فليس في ذلك سبب يدعونا إلى زيادة إفسادها، وحري بنا بدلا من طلب قصاصه ان نحاول التخفيف من قصاصه بان نبين له كيف يمكنه ان يتجنب أو يعالج الشرور التي يجلبها عليه سلوكه. قد يكون موضع شفقتنا أو امتعاضنا، ولكن يجب ان لا يكون موضع سخطنا أو نقمتنا وان لا نعامله كعدو للمجتمع. وأقصى عمل نستطيع أن نبرره أمام أنفسنا هو ان نتركه وشأنه إذا نحن لم نشأ أن نتدخل بحسن نية بإبداء اهتمامنا به و غيرتنا عليه. إلا ان وجه المسألة يختلف إذا هو خالف الأنظمة اللازمة لحماية بني جنسه منفردين ومجتمعين. فعواقب أفعاله الوخيمة لا تقع عليه عندئذ بل على الغير، وعلى المجتمع ان يقابله بالمثل دفاعا عن أعضائه، وأن يفرض عليه أو يذيقه الألم بقصد القصاص، وإن يحرص على ان يكون قصاصا صارما. انه في هذه الحالة مجرم واقف أمام القضاء، ونحن مطالبون بالحكم عليه وبتنفيذ هذا الحكم أيضا بطريقة أو أخرى. اما في الحالة الأولى فنحن غير مكلفين بإيلامه إلا بقدر ما يترتب عرضا على استعمالنا في تنظيم شؤوننا الخاصة لنفس الحرية التي نبيحها له في تنظيم شؤونه.

يأبى الكثيرون التسليم بهذا التمييز بين ذلك الجزء من حياة الإنسان الذي يخصه وحده وذاك الذي يخص الغير. قد يسألون كيف يمكن ان لا يبالي بقية أعضاء المجتمع بأي جزء من حياة عضو فيه. ما من أحد مخلوق مستقل منعزل، ومن المستحيل ان يأتي شخص عملا يسبب لنفسه ضررا خطيرا أو ضررا دائما دون ان يصل أذاه إلى ذوي قرباه على الأقل، وكثيرا ما يتعداهم إلى غيرهم. ان أضر بأملاكه، أضر بالمنتفعين منها مباشرة أو غير مباشرة، وأفقد المجتمع جزءا من موارده قَلّ أو كثر. وإن افسد قواه البدنية أو العقلية، لما أوقع الشر على من يعتمدون عليه في جزء من سعادتهم فقط، بل لجعل نفسه أيضا غير صالح لتأدية الخدمات التي هو مدين بها لعموم البشر، وقد يصبح عالة على برّهم وإحسانهم. قد يقال أخيرا، إن المرء قد لا يسبب أذى مباشرا برذائله أو حماقته ولكنه يظل مؤذيا بقدوته، ويجب ان يرغم على ضبط نفسه لئلا يفسد أو يضل الآخرين الذين يرون سلوكه أو يعرفونه.

وقد يقال بالإضافة إلى ذلك: لو اقتصرت تبعات سوء السلوك على الفرد الشرير أو غير المفكر وحده، فهل يجب على المجتمع ان يسمح لأناس بان يرشدوا أنفسهم وقد اتضح انهم غير أهل لذلك؟ ان كان الأطفال وغير البالغين حريين بان نحميهم من أنفسهم، فهل المجتمع غير ملزم كذلك بحماية الأشخاص البالغين العاجزين عن سياسة أنفسهم؟ ولئن كان في القمار أو السكر أو الكسل أو الدعارة إفساد للسعادة وعرقلة للتقدم والتحسن، كأكثر ما يحدث في الأفعال التي يحرمها القانون، فلماذا لا يحاول القانون منع هذه الآفات بقدر ما هو ممكن عمليا واجتماعيا؟ ثم الا يجب على الرأي العام أن يكمل نقائص القانون التي لا مفر منها وان ينظم على الأقل قوة بوليسية ضد هذه الرذائل، وان يفرض عقوبات اجتماعية صارمة على مقترفها؟ كذلك قد يقال إن هذه المسألة لا تتناول مسألة تقييد الفردية، ولا إعاقة إجراء تجارب جديدة في الحياة، وإنما هي معنية بمنع أمور جربت واستنكرت منذ بداية العالم إلى اليوم. أمور أظهرت الخبرة أنها غير مفيدة ولا مناسبة لفردية أي إنسان. الواقع انه لا بد من مرور زمن طويل على الاختبار قبل ان تصبح حقيقة أخلاقية ما معتبرة على أنها أصبحت مستقرة، وأن المرغوب فيه منع جيل بعد آخر من السقوط في نفس الهوة التي قضت على السلف.

إني أجزم هنا بان الضرر الذي يلحقه شخص بنفسه قد يكون ذا أثر خطير على الغير ممن لهم علاقة به، وبدرجة أقل على المجتمع عموما. فإذا قاد مثل هذا السلوك شخصا إلى الإخلال بواجب واضح نحو الغير، فان القضية تخرج عن نطاق الشؤون الذاتية وتصبح في متناول التنديد الأخلاقي بمعناه الصحيح.

وان عجز إنسان عن دفع ديونه، أو عن إعالة أسرته وتربية أطفاله بسبب تبذيره فانه يستحق الاستهجان بل والقصاص، ولكن عقابه يكون على إخلاله بواجبه نحو أسرته ودائنيه لا على إسرافه وتبذيره. ولو حول الموارد التي يجب أن تخصص لهم إلى مشاريع استثمارية حكيمة لما تغير ذنبه الأخلاقي. لقد قتل جورج بارنويل عمه ليحصل على مال لخليلته، ولو أنه فعل ذلك لينشئ لنفسه عملا تجاريا لما تبدل الحكم بإعدامه. ثم إن الشخص الذي يجلب الأسى والغم لأسرته بإدمانه على العادات السيئة يستحق التوبيخ على عدم لطفه وعلى نكرانه للجميل. ويستحق ذلك أيضا على ممارسة عادات ليست شريرة في حد ذاتها ولكنها مؤلمة لأولئك الذين يقضي حياته معهم أو يعتمدون عليه في أسباب رفاهيتهم.

وكل من يقّصر في الاعتبارات التي تقتضيها مصالح الغير ومشاعرهم دون أن يرغمه على ذلك واجب أشد إلحاحا فانه يستحق اللوم الأخلاقي على ذلك التقصير، لا على سببه ولا على أخطائه الشخصية التي تكون قد أدت إليه من بعيد! لذلك يدان بذنب اجتماعي من يجعل نفسه بسلوكه الشخصي البحت عاجزا عن القيام بواجب معين يترتب عليه تجاه الجمهور. لا يجوز معاقبة شخص على مجرد سكره، ولكن الجندي أو الشرطي يجب ان يعاقب على سكره أثناء وظيفته. وبالاختصار كلما وقع الضرر، خرجت القضية من نطاق الحرية ودخلت ضمن نطاق الأخلاق أو القانون.

اما الضرر الطارئ الذي يمكن أن يسببه شخص للمجتمع من جراء سلوك ليس فيه إخلال بالواجب نحو الجمهور، وليس فيه قصد إلحاق الأذى بشخص معين من الناس، فانه يليق بالمجتمع ان يتحمله من أجل خير الحرية البشرية الأعم. إن كان لا بد من معاقبة البالغين على عدم اعتنائهم بأنفسهم، فاني افضل ان يكون ذلك لأجلهم على ان يكون بحجة منعهم من إضاعة نشاطهم أو من تأدية خدمة للمجتمع لا يدعي المجتمع أي حق في فرضها. بيد أنى لا أوافق على مناقشة هذه النقطة، كأن المجتمع لا وسيلة لديه في رفع الصفات من أعضائه إلى المستوى العادي من السلوك المعقول سوى الانتظار حتى يأتوا أمرا غير معقول فيعاقبهم عليه قانونيا أو أخلاقيا. لقد كان للمجتمع عليهم سلطة مطلقة خلال عمرهم المبكر، كان عهد الطفولة والحداثة تحت تصرفه ليحاول جعلهم ذوي سلوك معقول. ان الجيل الحالي هو سيد التدريب وسيد كل الظروف التي تحيط بالجيل القادم، فإذا لم يستطع إبلاغهم حد الكمال في الحكمة والصلاح فلأنه هو ذاته ناقص في الحكمة والصلاح. وليست أقصى جهوده مع الأفراد دائما أنجحها، ولكنه قادر على أن يرفع الجيل الناشئ جملة إلى درجة الصلاح التي وصل إليها هو، أو إلى ما هو أعلى منها. فان سمح المجتمع لعدد وافر من أعضائه بأن يظلوا أطفالا في عقليّتهم، فليس له إلا أن يلوم نفسه على العواقب.

يتبع >
  #3  
قديم 12-01-2007, 02:23 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

ان المجتمع مسلح بقوى التربية من جهة، وهو من جهة أخرى مسلح بالتفوق الذي تفرضه سلطة الرأي العام المسَلّم به على أصحاب العقول القاصرة الذين ليسوا أهلا لتقرير أمورهم. ثم هو من جهة ثالثة يتلقى المساعدة من العقوبات الطبيعية التي لا يمكن إلا أن تصيب أولئك الناس الذين يستحقون كل امتعاض وازدراء من كل من يعرفهم. فهل يحق للمجتمع بعد هذا أن يدعي أنه بحاجة إلى سلطة لإصدار الأوامر وفرض الطاعة في شؤون الأفراد الشخصية، تلك الشؤون التي تقضي جميع مبادئ العدل ان يكون أمرها بيد من يتحملون تبعاتها. ان علينا ان نعترف أن لا شيء يؤذي أفضل الوسائل المستعملة في التأثير على السلوك مثل اللجوء إلى ما هو أسوأ منها. وإن كان في الأشخاص الذين يراد إرغامهم على سلوك سبيل التعقل والاعتدال شيء من عناصر الأخلاق القوية المستقلة، فانهم سيثورون حتما على ذلك النير. لن يقبل أحد منهم بحق الغير في السيطرة على شؤونه الخاصة، وسرعان ما يعتبر كل منهم أن من الشجاعة الوقوف في وجه تلك السلطة المغتصبة والتباهي بالقيام بعكس ما تأمر به، كما حدث إبّان عهد تشارلز الثاني للتعصب الأخلاقي الذي ظهر عند جماعة المتطهرين (puritans). أما بشأن ما يقال عن حماية المجتمع من سوء قدوة المستهترين، فالحق يقال ان القدوة السيئة ذات أثر ضار، لا سيما إذا بقي المذنب نحو الغير دون أن يعاقب. ولكننا نتحدث الآن عن السلوك الذي يفترض فيه أنه كبير الضرر على صاحبه، دون أن يكون ضارا بالغير. على أني لا أفهم هنا كيف لا يفطن الذين يعتقدون بهذا القول ان القدوة على العموم يجب أن يكون نفعها أكثر من ضررها، لأنها تستعرض الآفة وتستعرض معها أيضا نتائجها المؤلمة أو المحزنة التي تلازمها في جميع الحالات أو في معظمها إذا نال سوء السلوك ما يستحقه من التوبيخ!

إن أقوى حجة ضد تدخل المجتمع في شؤون الفرد الخاصة هي أن تدخُّله غالبا ما يكون خاطئا وفي غير محله. ان رأي العموم، أي الأكثرية السائدة، في مسائل الأخلاق الاجتماعية والواجب نحو الغير، كثيرا ما يكون خاطئا، رغما عن أنه كثيرا ما يظهر مصيبا، لان المطلوب منه إذ ذاك ان يحكم في مصالح الأكثرية، وفي الطريقة التي يمكن أن يؤثر عليهم فيها نوع من السلوك قد يسمح بممارسته. أما فرض رأي الأكثرية كقانون على الأقلية في شؤون السلوك الخاص، فانه قد يكون خاطئا بقدر ما يكون صائبا، لان الرأي العام في مثل هذه الحالات لا يعدو كونه رأي بعض الناس في ما هو خير أو شر للغير، بينما هو كثيرا لا يعني حتى هذا، فتهمله العامة ولا تبالي بإرادة أصحابه ورضاهم ولا تهتم إلا بما تفضله. هناك كثيرون يعتبرون السلوك الذي لا يحبونه ضررا لهم يجرح مشاعرهم، كذلك المتعصب الذي اتهم بالاستهانة بمشاعر الغير الدينية، فأجاب بأنهم يستهينون بمشاعره بالمواظبة على عبادتهم أو عقيدتهم اللعينة. ولكن لا يوجد شبه بين شعور شخص نحو رأيه الخاص وشعور شخص آخر يكّدره تمسك الأول برأيه، أكثر مما يوجد بين رغبة لص في أخذ محفظة نقود ورغبة صاحب المحفظة في الاحتفاظ بها. وذوق الفرد هو من شؤون الفرد الخاصة، تماما كرأيه وكمحفظته.

من السهل على أي إنسان أن يتخيل مجتمعا مثاليا لا يتدخل في حرية الأفراد واختيارهم في الأمور التي يجب فيها الاختيار، ولا يطلب منهم إلا أن يجتنبوا أنواع السلوك التي استنكرتها الخبرة العامة. ولكن أين تجد المجتمع الذي وضع لرقابته مثل هذا الحد؟ أو متى يهتم الجمهور بالخبرة العامة؟ انه في تدخله في السلوك الشخصي قلّما يفكر في شيء غير فظاعة العمل أو الشعور الذي يخالفه، وهذا القياس في الحكم يعرضه مُقُنَّعا بغلالة رقيقة تسعة أعشار رجال الأخلاق والكتاب والمفكرين على الشعب على انه رأي الدين والفلسفة. إنهم يعلموننا أن الأمور صحيحة لأنها صحيحة، أو لأننا نشعر بأنها كذلك، ويطالبون منا أن نبحث في عقولنا وقلوبنا عن قوانين السلوك الملزمة لنا وللآخرين. فهل يستطيع الجمهور المسكين إلا أن يطبق هذه التعليمات ويجعل مشاعره الخاصة في الخير والشر واجبا لازما على جميع البشر، ان أمكنه الإجماع عليها؟

إن الشر المشار إليه هنا لا يوجد نظريا فقط. وإذا كان من المنتظر مني أن أعين الحالات التي يضفي فيها الجمهور في هذا العصر وهذه البلاد على ما يفضله صبغة القانون الأخلاقي، فأنا اكتب مقالا في شذوذ الشعور الأخلاقي الحاضر، وهذا في نظري أخطر من أن يُبحث على الهامش أو بإيراد الأمثلة. بيد أنه لا بد من الأمثلة لأبين أن المبدأ الذي أقول به ذو شأن خطير وعملي، وأني لا أحاول إقامة حاجز دون الشرور الوهمية. وليس من العسير أن أبين بالأمثلة العديدة أن توسيع حدود ما يمكن ان يسمى بالبوليس الأخلاقي توسيعا يصل إلى حد الاعتداء على أعمق حرية شرعية للفرد إنما هو من أعم النزعات البشرية.

لننظر أولا في تنافر الناس القائم على أن من يخالفونهم في العقيدة الدينية لا يقبلون طقوسهم وشعائرهم ولا ينتهون بنواهها. لنوضح ذلك بمثال. لا شيء في الدين المسيحي أدعى إلى نفور المسلمين من أكل لحم الخنزير، وليس لدى المسيحيين والأوروبيين أي شيء ينظرون إليه باشمئزاز حقيقي كما ينظر المسلمون إلى هذا الأسلوب من إشباع الجوع. انه أولا مخالفة لدينهم، ولكن هذا وحده لا يوضح مدى اشمئزازهم ونوعه. فالخمر أيضا محرمة لديهم، والمسلمون يعتبرون تعاطيها إثما. ولكنهم لا يشمئزون منها. ان كراهيتهم للحم "الحيوان النجس" هي من ذلك النوع الخاص الذي يشبه النفور الغريزي الذي تثيره دائما فكرة النجاسة إذا غاصت إلى صميم المشاعر، حتى في مَن لا يراعون النظافة في عاداتهم الشخصية، والتي يكون من أبرز أمثلتها ذلك الشعورالشديد بالنجاسة الدينية عند الهنود. لنفرض ان الأكثرية المسلمة في شعب ما أصرت على تحريم أكل لحم الخنزير ضمن حدود البلاد، فهل يكون في هذا ممارسة شرعية لسلطة الرأي العام الأخلاقية؟ فان لم تكن كذلك، فلم لا؟ ان تلك العادة مثيرة حقا للشعب الذي يعتقد مخلصا أنها محرمة يمقتها الله. ولكن لا يمكن التنديد بالتحريم كاضطهاد ديني، فقد يكون دينيا في أصله، إلا أنه لن يكون اضطهادا للدين ما دام لا يوجد دين يوجب أكل لحم الخنزير. والحجة الدامغة الوحيدة التي يقوم عليها استنكار ذلك التحريم إنما هي أنه لا يحق للجمهور أن يتدخل في أذواق الفرد وشؤونه الخاصة. إليك مثل آخر أقرب إلينا: يعتقد معظم الأسبان أن من الكفر بالله أن يُعبد على غير الطريقة الكاثوليكية، فلا تعتبر أية عبادة أخرى شرعية في الأراضي الأسبانية. ثم إن شعوب جنوبي أوروبا ينظرون إلى زواج رجال الكنيسة كشيء غير عفيف، وغير لائق وفظيع، وبغيض، بالإضافة إلى كونه خروجا على الدين. ماذا يقول البروتستنت في هذه المشاعر المخلصة وفي محاولة فرضها على غير الكاثوليك؟ لو برر البشر في تدخلهم في حريات بعضهم بعضا في شؤون لا تمس مصالح الغير، فعلى أي مبدأ يمكن استثناء هذه الأمثلة؟ أو من يسعه أن يلوم الناس على رغبتهم في قمع ما يرونه معيبا في أعين الله والناس؟ لا حجة لتحريم ما يعتبر رذيلة أقوى من تلك التي يتذرع بها من يرون في الأمثلة التي أوردناها رذائل تستوجب القمع. وإلا إذا شئنا أن نأخذ بمنطق الطغاة وأن نقول إن لنا أن نضطهد الغير لأننا على حق، وإنهم لا يجوز لهم أن يضطهدونا لأنهم على باطل، فلنحذر التسليم بمبدأ نعتبر تطبيقه على أنفسنا منتهى الإجحاف والظلم.

قد يعترض بعضهم على الأمثلة الآنفة الذكر بقوله إنها مأخوذة من حوادث يستحيل وقوعها في بلادنا، إذ لا يحتمل ان يفرض الرأي العام عندنا الامتناع عن أكل بعض اللحوم أو التدخل في شؤون العبادة أو الزواج أو عدمه. بيد أن المثال التالي مأخوذ من تدخل في الحرية لم ننج بعد تماما من خطره. لقد حاول المتطهرون أن يقضوا على جميع أنواع اللهو أو التسلية العامة والخاصة، لا سيما الموسيقى والرقص والألعاب العامة والملاهي والمسارح، ونجحوا إلى حد كبير في تلك الأماكن التي قويت فيها شوكتهم، مثل بريطانيا ونيوانغلند إبان عهد الكومنولث. ولا تزال بيننا جماعات كبيرة لها من الآراء الأخلاقية والدينية ما يستنكر أسباب اللهو تلك. ولما كان معظم أولئك الناس من الطبقة الوسطى، وهي السلطة المتفوقة في الظرف الاجتماعي والسياسي الحالي، فليس من المستبعد أن يفوزوا يوما بأكثرية مقاعد المجلس النيابي. فماذا تقول بقية أعضاء المجتمع في إخضاع ما يسمح لها به من أسباب اللهو لآراء أولئك المتزمتين الدينية والأخلاقية؟ أفلا ترغب حتما في إلزام أولئك الأتقياء المتطفلين حدهم؟ وهذا هو ما يجب أن يقال لكل حكومة وكل مجتمع يدعيان أن لا حق لامرئ في أية متعة يعتبر أنها خاطئة. ولكن إذا سلمنا بمبدأ الادعاء، فلا يستطيع أحد أن يعترض على العمل به باسم الأغلبية أو السلطة الراجحة في البلاد. وعلى الجميع أن يستعدوا للإذعان لفكرة كومنولث مسيحي كما فهمه مستوطنو نيوانغلند الأولون، فيما لو نجح تدين مماثل لتدينهم في استرداد ما فقده من نفوذ.

لنتخيل احتمالا آخر قد يكون أقرب إلى التحقيق مما سبق. في العالم الحديث اتجاه نحو كيان ديمقراطي للمجتمع، مصحوب بمؤسسات سياسية شعبية. ويقال عن الولايات المتحدة، وهي اكثر البلدان ديمقراطية حكومة وشعبا، أن شعور الأغلبية يعمل كقانون فعال في تنظيم إنفاق الأموال، وأن من الصعب على صاحب الدخل الكبير، في عدد كبير من أنحاء ذلك الاتحاد، أن يجد وسيلة لإنفاق دخله الكبير لا يتعرض فيها لسخط الجمهور. ان في هذا القول مبالغة للواقع دون شك، غير أن ما يصفه من أوضاع شيء ممكن وقابل للتصور، لا بل هو نتيجة مرجّحة لشعور ديمقراطي مقرون بفكرة أن للشعب حق النقض بشأن الطريقة التي ينفق فيها الأفراد أموالهم. وما علينا بعد ذلك إلا أن نفرض انتشار الآراء الاشتراكية وتغلغلها حتى قد يصبح من العيب في أعين الأكثرية ان يقتني المرء إلا اقل قدر من الأملاك، أو أن يكسب أي دخل إلا بالعمل اليدوي. ولقد انتشر ما يشبه هذه الآراء بين أفراد الطبقة العاملة، وأزعج ذلك بقية أعضاء الطبقة الذين يتأثرون برأيها. ومن المعروف أن العمال غير الحاذقين الذين يؤلفون الأكثرية في معظم الصناعات يرون أن العامل الخائب يجب أن ينال أجرا مساويا للعامل الحاذق، وأنه لا يجوز لأحد أن يكسب بحذاقته اكثر مما يكسب الآخر بدونها. وهم يستخدمون بوليسا معنويا يتحول أحيانا إلى بوليس فعلي ليحول دون إعطاء العمال الحاذقين أجرا أعلى على خدمات أحسن وأنفع. فان اعترفنا بأن للجمهور سلطة على الأعمال الخاصة، فأنا لا أرى أن أولئك العمال على خطأ، ولا أرى أن يلام جمهور ما، كجمهور العمال، إذا ادعى لنفسه سلطة على سلوك أفراده تماثل السلطة التي يدعيها الجمهور على الناس عموما.

لا حاجة إلى أخذ حالات نفترضها افتراضا. ففي أيامنا هذه أمثلة كثيرة على اغتصاب حرية الحياة الخاصة، وعدد كبير منها ينذر بنجاح أوفر. لا بل إن هناك آراء تدعو إلى تخويل الجمهور حقا لا حد له في تحريم ما يراه خطأ بواسطة القانون، وفي تحريم عدد من الأمور يعترف بأنها بريئة بذاتها، إلا أنها طريقة في الوصول إلى ما يراه خطأ.

لقد حرم القانون، بحجة مكافحة إدمان المسكرات، شعب إحدى المستعمرات البريطانية ونصف سكان الولايات المتحدة من استعمال المشروبات المخمرة، إلا لأغراض طبية. لم يكن تحريم بيعها إلى بغية تحريم استعمالها كما هو المقصود. ومع أن عدم إمكان تنفيذ القانون قد أدى إلى إلغائه في عدة ولايات بما فيها الولاية التي يحمل اسمها ، فانه قد بدئ بحملة حماسية للعمل على سن تشريع مماثل في هذه البلاد. إن الجمعية التي تسمى نفسها "الاتحاد"، والتي أُسست لهذه الغاية، قد اكتسبت بعض الشهرة السيئة من جراء نشر مراسلات جرت بين أمين سرها وبين إحدى الشخصيات الإنكليزية القليلة القائلة بأن آراء الرجل السياسي يجب أن تقوم على المبادئ. وكان المأمول من نصيب اللورد ستانلي من هذه المراسلات أن يعزز الأمل الذي علقه عليه من أدركوا ندرة صفاته بين الشخصيات اللامعة في دنيا السياسة. إن داعية الجمعية هذا، الذي "يستنكر أي اعتراف بأي مبدأ يغتصب اغتصابا كي يبرر التعصب والاضطهاد"، يأخذ على عاتقه بيان "الحاجز العريض المنيع" الذي يفصل بين تلك المبادئ وبين مبادئ الجمعية. فيقول: "إن كل ما يتعلق بالفكر والرأي والضمير يبدو لي أنه خارج نطاق التشريع، وإن كل ما يتعلق بالأفعال الاجتماعية، والعادات، والعلاقات، يدخل في نطاق سلطة اختيارية موضوعة بِيَد الدولة نفسها لا بِيَد أي فرد من الأفراد الذين تضمهم". وهو لا يذكر فئة ثالثة تختلف عن السابقتين، مثل الأفعال والعادات التي ليست اجتماعية بل فردية، مع أن شرب المشروبات المخمرة إنما هو فعل من أفعال هذه الفئة.

إن بيع المشروبات المخمرة تجارة، والتجارة عمل اجتماعي. على أن الإجحاف المشكو منه ليس مشكلة حرية البائع بل هو حرية المشتري والمستهلك، فالدولة إنما تمنع الشرب بمنع البيع. إلا أن أمين السر يقول: "إني كمواطن أدعي أن لي الحق في التشريع كلما اعتدى على حقوق الاجتماعية فعل اجتماعي من قبل شخص آخر". وهو يعّرف هذه "الحقوق الاجتماعية" بقوله: "إن كان ثمة ما يغزو حقوقي الاجتماعية، فلا شك في أن تجارة المشروبات القوية تفعل ذلك. إنها تفسد علي حقي في الأمن، بإثارة الفوضى الاجتماعية. إنها تغزو حقي في المساواة باجتناء ربح يأتي عنه خَلقُ شقاء يفرض علي إعالته بالضرائب. إنها تعرقل حقي في حرية التطور الأخلاقي والعقلي، بإحاطة سبيلي بالأخطار، وبإفساد المجتمع الذي من حقي أن أطلب منه العون المتبادل". إن هذه النظرية في الحقوق الاجتماعية لم يسبق قط، على الأرجح، أن أعرب عن مثلها بلغة صريحة. فهي لا تعدو ما يلي: ان من الحق الاجتماعي المطلق لكل فرد ان يفعل كل فرد آخر كما يجب، وإن كل من يقصر في ذلك أقل تقصير يعتدي على حقي الاجتماعي ويخولني حق الطلب من السلطة التشريعية ان تزيل الظلم. إن مبدأ فظيعا كهذا لأشد خطرا من أي تدخل مفرد في الحرية، وما من اعتداء على الحرية إلا ويتمكن من تبريره. وهو لا يعترف بأي حق في الحرية، وربما استثنينا هنا حق الاحتفاظ بالآراء سرا دون البوح بها، إذ حالما يخرج رأي أراه أنا ضارا من فم أحد، فانه يغزو جميع "الحقوق الاجتماعية" التي يخولني إياها ذلك "الاتحاد". فهو مذهب يجعل لكل واحد من أفراد النوع الإنساني مصلحة في الكيان الأخلاقي، والفكري، والجسمي للآخرين، وكل واحد يستطيع أن يفسر هذه المصلحة طبق مقاييسه.

إليك مثلا هاما آخر على التدخل غير الشرعي في حرية الفرد الشرعية وهو التشريع الخاص بيوم العطلة أو الراحة. لا شك في أن الاستراحة في أحد أيام الأسبوع من عناء بالأعمال، بقدر ما تسمح به مقتضيات الحياة، عادة مفيدة جدا، ولو أنها غير إلزامية دينيا إلا عند اليهود. وبما أن من غير الممكن مراعاة هذا التقليد إلا بموافقة عامة من قبل الطبقات الصناعية والعمالية، وبما أن اشتغال بعض الناس يفرض ضرورة انتقال البعض الآخر، فقد يكون من الجائز والحق أن يضمن القانون لكل واحد مراعاة الآخرين لذلك التقليد وذلك بتعليق أعمال الصناعات الكبرى في يوم معين. ولكن هذا التبرير القائم على اهتمام الغير المباشر بمراعاة كل فرد للتقليد، لا ينطبق على الأعمال التي يختار المرء أن يلهو بها في أوقات فراغه، ولا يجيز أبدا فرض قيود قانونية على أسباب اللهو. صحيح أن لهو بعض الناس يعني يوم عمل بالنسبة لغيرهم، إلا ان متعة الكثيرين تستحق عناء القليلين بشرط أن يكون لهؤلاء القليلين الحرية في اختيار العمل أو التخلي عنه. ان العمال على حق في ظنهم أن الاشتغال يوم الأحد يجعل عمل سبعة أيام مكافأ عليه بأجر ستة أيام. ولكن ما دامت أكثر الأعمال معلقة في ذلك اليوم، فان القليلين الذين يجب أن يعملوا ليؤمنوا للغير المتعة التي يريدها يحصلون على زيادة نسبية في كسبهم، ثم إنهم غير مجبرين على العمل إن كانوا يفضلون الفراغ والراحة على الربح. ويمكن كذلك معالجة قضية هؤلاء الأشخاص بفرض عطلة لهم في يوم آخر من أيام الأسبوع.

لم تبق إذن حجة للدفاع عن تقييد أسباب اللهو يوم الأحد، إلا القول بان الدين لا يجيزها، وهذا اجتهاد في التشريع لا يمكن ان نفيه حقه من الاحتجاج والاستنكار. بقي ان نثبت ان المجتمع أو أيا من موظفيه لا يملك تفويضا من الأعلى للأخذ بالثأر لأي جرم مزعوم بحق الخالق لا يكون في نفس الوقت جرما بحق بني جنسنا. ان الفكرة القائلة بان من واجب كل شخص أن يكون الآخر متدينا كانت أساس جميع ما اقترف من الاضطهادات الدينية، ولو سلمنا بتلك الفكرة لبررنا تلك الاضطهادات. ومع ان الشعور الذي يتبدى في المحاولات المتكررة لمنع السفر بالقطار يوم الأحد، وفي مقاومة فتح المتاحف وغير ذلك، ليس فيه ضراوة المضطهدين القدامى، فان الحالة العقلية التي ينم عليها هي في أساسها. انها التصميم على عدم التسامح مع الآخرين في عمل أمر يسمح لهم به دينهم لسبب واحد فقط وهو أن دين المتسلطين لا يسمح به. إنها الاعتقاد أن الله يمقت أعمال الكفار فحسب، بل إنه أيضا لا يبرئ ساحتنا ان تركناهم وشأنهم.

لا يسعني في هذا الصدد أن أغفل ذكر لغة الاضطهاد الذميم التي تصدر عن صحافة هذه البلاد كلما شعرت بأنها مدعوة لملاحظة ظاهرة المورمون الغريبة التي تدعي قيام وحي جديد ودين جديد يقوم عليه. يمكن أن يقال الكثير عن هذه البدعة: حصيلة التدجيل المحسوس، التي لا تسندها أية صفات خارقة لمؤسسها، والتي يؤمن بها مئات الألوف، حتى أصبحت أساسا لجمعية في عصر الصحف والسكك الحديدية والتلغراف الكهربائي. ولك ما يعنينا هنا هو أن لهذه الديانة كما لغيرها شهداء، وأن نبيها ومؤسسها قبل بيد الدهماء بسبب تعاليمه، وأنه فتك بغيره من الأتباع بنفس العنف غير الشرعي، وأن المورمون طردوا بمجموعهم من البلاد التي نشأوا فيها. وبينما هم الآن مبعدون في ركن منعزل في قلب الصحراء، يصرح الكثيرون علنا في هذه البلاد بأن من الحق (لولا أنه من غير المناسب) إرسال حملة عليهم لإرغامهم قسرا على الإذعان لرأي غيرهم من الناس. إن المادة في المذهب المورموني التي تستفز النقمة وعدم التسامح الديني هي إباحتهم تعدد الزوجات. وهذا التعدد محلل للمسلمين والهنود والصينيين، ولكن يبدو أنه يثير عداء لا يخمد حين يمارسه أناس يتكلمون بالإنكليزية ويدعون أنهم نوع من المسيحيين. ما من أحد اشد تبرما مني بهذه الطائفة، لأسباب أخرى ولأنها إجحاف صارخ بمبادئ الحرية، فانها مجرد أحكام السلاسل التي تقيد نصف المجتمع وتحرر النصف الآخر منها. ولكن يجب أن لا ننسى أن تعدد الزوجات هذا إنما يتم بمحض إرادة النساء اللواتي يمكن اعتبارهن الطرف المَغبون. ومهما بدا هذا الأمر مستغربا، فان له تفسيرا في آراء البشر وعاداتهم العامة. ولما كانت هذه الآراء والعادات تلقن المرأة الاعتقاد بان الزواج هو الشيء الوحيد الذي لا بد منه، فمن الواضح أن هناك كثيرات تفضل الواحدة منهن أن تكون ضرة لعدد من الزوجات على أن لا تتزوج أبدا. لا يطلب من البلدان الأخرى الاعتراف بمثل هذا الزواج، أو إعفاء بعض سكانها من قوانينها الخاصة إكراما لخاطر المورمون وآرائهم. ولكن بعد أن أذعن المنشقون لمشاعر الغير المعادية إلى أبعد مما يقتضيه العدل، وهجروا المواطن التي لم ترض عن تعاليمهم، واستقروا في بقعة نائية من الأرض التي كانوا أول من جعلها صالحة لسكنى بني آدم؛ يتعذر أيجاد مبدأ غير مبدأ الطغيان يقوم عليه منعهم من العيش هناك وفق ما يريدون من القوانين، بشرط أن لا يعتدوا على غيرهم وأن يسمحوا بان يهجرهم من لا يرضى بطرق معيشتهم. لقد اقترح أحد الكّتاب أن تراسل على حد قوله "لا حملة صليبية، بل حملة تحضيرية" لوضع حد لما يبدو له أنه خطوة رجعية في الحضارة. وهي تبدو لي كذلك، ولكني لا أرى أن لأي مجتمع الحق في أن يجبر مجتمعا آخر على التحضر. وما دام الراضخون للقانون السيئ لا يطلبون العون من مجتمع آخر، لا أرى ما يوجب تدخل من لا علاقة له بالأمر لوضع حد لحالة يبدو أن من تهمهم مباشرة راضون عنها، بحجة انها فضيحة أو سبة لأناس يبعدون عنها آلاف الأميال ولا شأن لهم بها. ليرسلوا إن شاؤا مبشرين يبشرون ضدها، وليقاوموا بوسائل عادلة (ليس منها كَمّ أفواه المعلمين) تقدم مذاهب مماثلة بين ظهرانيهم. إذا كانت الحضارة قد تغلبت على البربرية يوم كانت البربرية سيدة الكون، فكيف يتسنى لنا ان ندعي الخوف من أن تنتعش البربرية بعد اندحارها وتنتصر على الحضارة؟ إن حضارة تستسلم هكذا لعدو مقهور، يجب أن تكون قد أصبحت منحطة بحيث يعجز كهانها وأساتذتها وسواهم عن الدفاع عنها أو لا يكلفون أنفسهم مؤونة ذلك. وإن كان الأمر كذلك، فخير لها أن تزول سريعا، وخير البّر عاجله، إذ ليس لها إلا أن تتردى من سيء إلى أسوأ، إلى ان تفنى وتنبعث ثانية (كالإمبراطورية الغربية) على أيدي برابرة نشيطين حازمين

المصدر : مركز ابداع المعلم
[line]
  #4  
قديم 12-01-2007, 02:40 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

الانبهار بالغرب من قبل قيادات سياسية ولّد هجوماً غير محتشم علي العروبة - كيف استهدف العهد البورقيبي الهوية الاسلامية في تونس؟
- د. محمود الذوادي

الانبهار بالغرب من طرف القيادة السياسية التونسية بزعامة الرئيس بورقيبة لفترة ما بعد الاستقلال ليس بالظاهرة الفريدة في حد ذاتها في العالم العربي والإسلامي المعاصر وان ما يميزها عن غيرها من ردود الفعل عند القيادات السياسية العربية الاخري في المشرق والمغرب العربيين هو درجة شدة انبهارها بالغرب من ناحية وهجومها غير المحتشم علي العروبة والاسلام من ناحية اخري. وهو الامر الذي دفع بتونس بعد تحول السابع من نوفمبر بان تنادي وتعمل علي اصلاح ذات البين بين التونسيين ومعالم هويتهم العربية الاسلامية، وهكذا يمكن القول بان القيادة السياسية التونسية بزعامة بورقيبة تتشابه كثيرا مع القيادة السياسية التركية بزعامة مصطفي كمال اتاتورك. علما ان هجوم هذا الاخير علي الإسلام كان أشرس من الذي قام به بورقيبة. فدعنا نتعرف بشيء من التفصيل علي بعض مظاهر تعامل القيادة السياسية التونسية في ظل العهد البورقيبي مع عناصر الهوية العربية الاسلامية للشعب التونسي.

باديء ذي بدء لابد من الاشارة إلي ان دستور الجمهورية التونسية يعلن صراحة في اول بنوده عن طبيعة الهوية الجماعية للشعب التونسي فيقول تونس دولة مستقلة، دينها الإسلام ولغتها العربية هي شهادة من السلطة الحاكمة الجديدة بعد الاستقلال مباشرة بان الهوية الجماعية للشعب التونسي هي هوية عربية اسلامية في الصميم، اي ان انتماء هذا الشعب هو في المقام الاول انتماء إلي العروبة والاسلام، هكذا اكدت القيادة السياسية التونسية الجديدة برئاسة الحبيب بورقيبة علي الهوية العربية الاسلامية للشعب التونسي علي المستوي النظري أو علي مستوي المباديء العامة. فدعنا ننظر الان إلي مدي تطبيق ذلك التوجه في دنيا الواقع الملموس من طرف تلك القيادة السياسية بخصوص انتساب المجتمع التونسي إلي العروبة والاسلام.

أ ــ التعامل مع الاسلام:

ولنبدأ بتعامل هذه القيادة السياسية الجديدة مع قطب الإسلام في الهوية العربية الاسلامية للشعب التونسي. ولا حاجة هنا إلي القيام بجرد كامل لكل المواقف والسياسات التي تبناها نظام الحكم في العهد البورقيبي ازاء الإسلام ومما له علاقة به. بل نكتفي بذكر خمسة امثلة نعتبرها مؤشرات ذات دلالة واضحة علي طبيعة علاقة السلطة التونسية الجديدة مع الاسلام.

1 ــ لقد قام الرئيس بورقيبة في اوائل الستينيات من هذا القرن بدعوة الشعب التونسي إلي الافطار في شهر رمضان. اذ ان ذلك يساعد في نظره علي كسب رهان عملية التنمية بالمجتمع التونسي. وبذلك يكون بورقيبة الزعيم الوحيد في العالم العربي المعاصر الذي يعلن علي الملأ ضرورة الافطار في رمضان للتغلب علي صعوبات التنمية. ويكون هو ايضا الرئيس العربي الوحيد الذي اجهر بالافطار امام العموم في بعض المناسبات. وقد ناشد الرئيس بورقيبة شيوخ وعلماء مؤسسة جامع الزيتونة لاصدار فتوي في ذلك تبرر وتعطي الشرعية لنداء الرئيس بالافطار في شهر رمضان، ولكن لم تكلل مساعي الرئيس بورقيبة بالنجاح في ذلك في نهاية الامر ولابد ان يكون رفض شيوخ وعلماء جامع الزيتونة سببا رئيسا في تردي العلاقة بين السلطة الحاكمة بقيادة بورقيبة وبين مؤسسة جامع الزيتونة.

2 ــ عملت القيادة السياسية التونسية علي تحجيم دور جامع الزيتونة كمؤسسة تربوية. فتم وضع حد للتدريس والتعليم في المرحلة الثانوية بها مع منتصف الستينيات، وبذلك تحول جامع الزيتونية إلي مؤسسة تعليم عال فقط متمثلة في انشاء ما اصبح يسمي بكلية الشريعة واصول الدين .

3 ــ وكما اشرنا سابقاً فان نظام الحكم في تونس تحت القيادة البورقيبية كانت تهيمن عليه سلطة اصحاب القرار ذوي التكوين المزدوج الثقافة أو التكوين الثقافي الاكثر تفرنسا، فاقصيت بذلك النخب الزيتونية وتلك التي اكلمت تعليمها العالي بالمشرق العربي من تولي المسؤوليات الهامة في المجتمع. فارسيت بذلك ما يمكن ان نسميه بتقاليد التمييز الثقافي في الوظيفة وتحمل المسؤولية بالمجتمع التونسي الحديث. فاذا كان المجتمع الامريكي ينتقد بسبب سياسات التمييز العنصري المستندة علي اللون، فانه يمكن القول بان العهد البورقيبي قد دشن هو الاخر سياسة الاقصاء الجزئي من عدد كبير من الوظائف والاقصاء الكلي من تحمل المسؤوليات الكبري من قتل التونسيين اصحاب التكوين الثقافي العربي الإسلامي والمتمثل في خريجي جامع الزيتونة وجامعات المشرق العربي. وهكذا يمكن تصنيف هؤلاء علي انهم يمثلون اقلية مهمشة في التركيبة الاجتماعية للمجتمع التونسي الحديث. وكأي اقلية تشكو من اللامساواة فهي مرشحة لكي تصبح مصدر معارضة ومجابهة مع الحكم.

ان لمعاملة النظام البورقيبي لهذه الفئة من التونسيين بالاقصاء والتهميش لا لاشيء سوي تكوينهم الثقافي العربي الإسلامي اكثر من دلالة بخصوص موقف هذا النظام من الهوية العربية الاسلامية للشعب التونسي. فممارسة التهميش والاقصاء، لا تنم بالتأكيد علي ان القيادة السياسية التونسية بزعامة بورقيبة ترحب بكل ما هو عربي واسلامي.

4 ــ لعل اكثر تشريعات القيادة التونسية الجديدة شدا للنظر هي اصدارها لما يسمي بمجلة الاحوال الشخصية والتي تقرر فيها اصدار قانون منع تعدد الزوجات في المجتمع التونسي. وهو قانون تنفرد به تونس بين كل المجتمعات العربية الحديثة. بالنسبة لتحسين وضعية المرأة الاجتماعية والرفع من مستوي حماية حقوقها المدنية في مجتمع عربي اسلامي متخلف.

ومع ذلك فان تقييما اكثر موضوعية لهذا القانون يحتاج إلي معرفة ما ترمز اليه القيادة السياسية من القيام بذلك. فالتشريع الجديد يشير بالبنان إلي انجذاب القيادة البورقيبية إلي روح القوانين الغربية من ناحية وعدم مصالحتها علي الاقل مع روح الفقه الإسلامي التقليدي الغير الاجتهادي، من ناحية أخري ومن ثم فاصدار قانون منع تعدد الزوجات لا ينبغي ان يفهم علي ان تحرير المرأة التونسية هو الهدف الاول والاخير منه. بل يجوز الافتراض بان القصد الرمزي لهذا التشريع يتجاوز ذلك فيمكن النظر إلي هذا التشريع علي انه يمثل محاولة تقريب تشريعات المجتمع التونسي من تشريعات المجتمعات الغربية من جهة وابعادها قدر المستطاع عبر الرموز التشريعية عن الانتماء الإسلامي من جهة ثانية. ومن هذه الخلفية لا يتحمس كثيرا المفكر التونسي الأستاذ محمد الطالبي لقانون تعدد الزوجات وذلك لسببين:

(1) ان زواج الرجال من اكثر من زوجة في المجتمع التونسي ظاهرة محدودة جدا. اي انها لا تمثل مشكلة اجتماعية بالمعني السوسيولوجي والاحصائي للكلمة. كما ان نسبة الفتيات التونسيات الحاملات خارج اطار الزواج لا تعتبر مشكلة اجتماعية مقارنة بنسبة نظيراتهن في المجتمعات الغربية الحديثة كالمجتمع السويدي والفرنسي والامريكي والكندي، فان ظاهرة تعدد الزوجات لم تكن هي الاخري بتلك الخطورة في واقع المجتمع التونسي حتي يؤخذ قرار الحظر بتلك السرعة التي تم بها. انا اذكر ان تعدد الزوجات عندما كان مسموحا به في تونس، لم يكن معني ذلك ان كل تونسي متزوج باربع نساء، لان ذلك يستدعي ان يكون عدد النساء في تونس يفوق اربع مرات عدد الرجال، وهذا ما لم يوجد اذن كان التعدد أمراً شاذاً ولقد كان الغرض من التعدد معالجة الحالات الشاذة .

ففي نظر الأستاذ الطالبي لم يكن هناك ما يدعو إلي الفزع والتعجب وانا اطرح سؤالاً هو: هل الافضل ان نعالج الحالات الشاذة عن طريق إباحة الزنا أو إباحة التعدد؟ انه لا ينبغي ان يُفهم من قولي اني ادعو إلي العودة إلي نظام تعدد الزوجات، كل ما في الامر هو اني الاحظ ان تعدد الزوجات لم يكن قضية في تونس. وذلك أنه لم يكن القاعدة بل الشذوذ. وهذا ما يَسَّرَ في اصدار قانون منع تعدد الزوجات وهذا ما يدعونا ايضا إلي التواضع، والا نتحدث بلغة القداسة علي هذا (المكسب) أنا ادعو بقوة والحاح إلي احترام المرأة والعدل والمعادلة بينها وبين الرجل في كل الميادين بدون استثناء. واعتقد اعتقاداً راسخاً ان الإسلام يهدف إلي ذلك في مقاصده. هي القاعدة الاساسية التي منها ينبغي ان تنطلق، غير اني ارفض ان ادين الإسلام لانه يبيح ــ لا يفرض ــ تعدد الزوجات والمباح يمكن ان يؤخذ كما يمكن ان يترك، حسب الظروف والملابسات وما تقتضيه المصلحة ويفرضه الوضع. فالآية الشهيرة في هذا الميدان (النساء 3/4) واضحة: فهي لا تحرم تعدد الزوجات ولا تفرضه وانما نتيجة إباحة احتراز فيها تحريض علي الفردية الزوجية وتفضيل لها لاستحالة العدل. فالعدل بين المرأة والرجل بحق لو انه تم في ظروف مجتمعية كان تضامناً واستقراراً يقتضي الفردية الزوجية انطلاقا مما سبق يمكن لنا ان نمنع مباحا ــ لا ان نحرمه ــ فنمنع تعدد الزوجات طبقا لإرادة مجتمعنا.. من دون ان ندين الإسلام ولا المجتمعات الاخري التي لها اختيارات تختلف عن اختيارتنا انطلاقا من واقعها، وتحليلها لهذا الواقع، فلا الحرية ولا الحق مقصوران علي مجموعة دون اخري. وذلك لان جوهر القضية لا يهم القاعدة وانما الشذوذ .

ففي نظر الأستاذ الطالبي لم يكن اذن هناك ما يدعو إلي الفزع والتعجل في اصدار قانون منع تعدد الزوجات اذ ان نسبة القران من اكثر من زوجة تبقي دائما نسبة ضئيلة بحيث لا تؤدي إلي اختلال التوازن الديمغرافي بين الجنسين. فالقانون كان يمكن ان يكون ثوريا بحق لو انه تم في ظروف مجتمعية كان تضامن واستقرار وسلامة المجتمع التونسي مهدداً فعلاً بسبب عامل تعدد الزوجات ولكن ليس هناك ما يدل علي ان الامر كان كذلك. وهكذا فتبني تشريع منع تعدد الزوجات يمثل ملمحاً من ملامح انبهار القيادة البورقيبة بالغرب اكثر من كونه نتيجة لوضع اجتماعي متفاقم في المجتمع التونسي كان لا يسمح بأخذ الوقت لدراسة القضية والبت فيها بعد التروي والنظرة الشمولية.

(2) يري الأستاذ الطالبي ان إباحة تعدد الزوجات في الإسلام يُعد استراتيجية لمعالجة الشذوذ البيولوجي الجنسي عند معشر الذكور للجنس البشري. وهذا الشذوذ البيولوجي هو الذي يستدعي التماس حلول منقوصة ومتنفسات يستحيل ان تكون مثالية ومرضية تماما من قبل الجميع ومن طرف كل المجتمعات والمجموعات علي حد سواء، وفي كل الازمنة والامكنة بلا خلاف. فعلاج الشذوذ الجنسي يؤدي حتما إلي حلول منقوصة. الحضارة الاسلامية التمست هذا الحل في نظام عائلي وجدته ولم تخترعه، وهو نظام تعدد الزوجات الذي لم تحرمه واكتفت بتهذيبه والحد منه وادخال عديد الضوابط عليه، واخضاعه للعدل مع التحريض صراحة علي الفردية الزوجية باعتبارها النظام الافضل بالنسبة للزوجة والزوج علي حد سواء.. فنظام تعدد الزوجات كحل استثنائي ومنقوص وكعلاج للشذوذ الجنسي، انما يهدف في الحقيقة إلي حماية الام والابناء، اذ يلزم الرجل تحمل مسؤولية علاقاته الجنسية ادبياً ومادياً، ولا تترك له ذريعة للتهرب منها .

فادانة الإسلام والهجوم عليه في مسألة إباحة تعدد الزوجات لا يمكن تبريرهما اذا ما نظر إلي القضية علي انها مجرد علاج منقوص للشذوذ البيولوجي عند الرجال.. وهو افضل في نظر الأستاذ الطالبي لمعالجة الشذوذ من افساح المجال لتفشي ظاهرة إباحة الزنا.

فقرار منع تعدد الزوجات قرار، في رأي الأستاذ الطالبي، تنقصه الرؤية ويفتقد إلي الموضوعية. فهو من ناحية متأثر في العمق بانبهار بورقيبة ورجال ونساء نظامه بالحضارة الغربية، وهو من ناحية ثانية، قرار لا يخلو من عدم التعاطف مع الإسلام وربما حتي العداء له. وهكذا فتشريع منع تعدد الزوجات فيه اكثر من رمز، وبالتعبير السيولوجي، هناك رمز ظاهر ورمز خفي. فالظاهر يرمز إلي الرفع من مكانة المرأة الاجتماعية والرمز الخفي يتمثل في ادانة الدين الإسلامي الذي يتخذ موقفاً مختلفا عن الغرب بخصوص مسألة إباحة تعدد الزوجات.

5 ــ اختار نظام الحكم في تونس منذ فجر الاستقلال يوم الأحد يوم العطلة الاسبوعية وجعل من الجمعة والسبت يومي عمل في الدوائر الحكومية وذلك حتي الساعة الواحدة ظهرا بالنسبة ليوم الجمعة والواحدة والنصف بالنسبة ليوم السبت. لقد ارتبطت ايام العطل بالهوية الدينية للافراد والجماعات في العديد من الثقافات والشعوب. فيوم الأحد هو يوم الراحة الاسبوعية للشعوب المتدينة بالديانة المسيحية. ففي هذا اليوم يذهب عدد اكبر من المسيحيين إلي الكنائس قصد التعبد والاستماع إلي خطب رجال الدين علي منابر تلك الكنائس . فيوم الأحد هو يوم الاله كما تعبر عن ذلك العبارة الفرنسية Le Jour du seigneur وبهذا الاعتبار فيوم الأحد علي المستويين الشعوري واللاشعوري يمثل عنصرا من العناصر المكونة للهوية الجماعية المسيحية. اما يوم الراحة الاسبوعية بالنسبة للشعب اليهودي فهو يوم السبت. فالسبت هو يوم العطلة الاسبوعية الرسمية في دولة اسرائيل. وان العديد من اليهود افراد وجماعات خارج اسرائيل يحترمون علي الاقل بعض الطقوس الدينية المقترنة بيوم السبت في الديانة اليهودية كالامتناع عن سياقة السيارات والخياطة بالنسبة للنساء اليهوديات والقيام بالتسوق والشراء.

ويحضرني هنا مثال رواه لي زميل كندي ذو ديانة يهودية يبرز بكثير من الوضوح علاقة يوم السبت (اليوم المقدس عند اليهود) بالهوية اليهودية عند الفئات اليهودية المحافظة علي الخصوص. فيحكي انه خرج يوم سبت لشراء بعض المرطبات لأسرته في احد الاحياء بمدينة منتريال. وعند خروجه من مكان بائع الحلويات التقي بشاب يهودي ينتمي إلي اليهود المتزمتين والذين ينحدرون مما كان يسمي ببلدان اوروبا الشرقية. وهي فئة تلبس ثيابا محافظة بالنسبة للنساء والرجال. وطالما يطلق الرجال لحاهم والشباب الذكور شعر رؤوسهم بحيث تنزل خصائل شعورهم علي آذنهم. وكان لقاء الاثنين عند اشارة الضوء في مفترق شارعين. وعندما اقترح الزميل باللغة العبرية علي الشاب ان ينتظر اشارة الضوء الخضراء قبل عبور الشارع، كان رد الشاب ردا غاضبا وكأنه يقول للزميل انا لا اقبل نصيحة يهودي مثلك يتسوق ويشتري المرطبات (التي كان يحملها) في يوم السبت المقدس . اي ان هوية الزميل لا يمكن ان تكون هوية يهودية حقيقية كاملة طالما انه لا يحترم طقوس يوم السبت المقدس. اما يوم الجمعة فهو يوم العطلة الاسبوعية الرسمية لكل المجتمعات العربية ذات الاغلبية المسلمة في المشرق والمغرب العربيين.

واذا كانت ايام العطل ذات معني رمزي بالنسبة لهوية الفرد والمجتمع كما رأينا في المجتمعات المسيحية وعند اليهود في اسرائيل وعند بعضهم خارج اسرائيل فالتساؤل يبقي مطروحا بالنسبة لمدي تأثر الهوية التونسية الجماعية بهذا الخليط من يوم الأحد ومن اقل من نصفي يومي الجمعة والسبت كأيام عطلة في كل اسبوع. فمن المؤكد ان العطلة الاسبوعية التي يتمتع بها التونسي يوم الأحد لا تجعله يشعر بانه قد صار ذا هوية مسيحية وربما ان اقصي ما تفعله فيه هو شعوره بالحداثة. اذ ان المجتمعات الغربية المعطلة كل احد هي مجتمعات حديثة وعصرية. اما بالنسبة لعطلته يوم الجمعة ابتداء من الواحدة بعد الظهر فيبدو انها لا تقترن بقوة في ذهنية التونسي بمسألة الجانب الإسلامي للهوية التونسية. فالتونسي، من ناحية، يعطل لبعض ساعات فقط بعد الظهر وهو من ناحية أخري يتمتع بالراحة لنفس تلك الساعات تقريبا يوم السبت. اي ان يوم الجمعة لا يكاد يتميز من حيث عدد ساعات الراحة فيه عن يوم السبت الذي هو يوم العطلة لليهود كما رأينا، وبفقدانه للتميز عن يوم السبت علي هذا المستوي فانه من الصعب القول ان عدم العمل بعد الواحدة بعد الظهر في أيام الجمعة يساعد تلقائيا علي تعزيز الشعور والانتماء للهوية الاسلامية عند التونسي. ومما سبق فان هذا الخليط من اقل من نصف الجمعة والسبت ــ ومن يوم كامل الأحد كعطلة اسبوعية ــ لا يكاد يساعد بالمرة علي تعزيز الجانب الإسلامي في الهوية الجماعية التونسية. والاغلب انه يعمل اكثر علي تعميق الشعور بالتذبذب والضياع في الجانب الإسلامي للهوية عند التونسيين افرادا وجماعات.

احالات
1 ــ عبد الحميد الكاتب ــ حكاية اتاتورك والاسلام، دار اخبار اليوم (مصر) كتاب اليوم العدد 344.
2 ــ لقد اعطي قادة تغيير السابع من نوفمبر اسم الجامعة الزيتونية كلية الشريعة واصول الدين.
3 ــ الطالبي، محمد عيال الله، افكار جديدة في علاقة المسلم بنفسه وبالاخرين، تونس، دار سراس للنشر 1992. ص 124 ــ 125.
4 ــ المصدر السابق ص 126 (5) المصدر نفسه ص 125.
5 ــ الذوادي، محمود، في سوسيولوجيا اسباب نجاح وتعثر توطين اللغة ــ مجلة (المستقبل العربي) عدد 1990/142 ص 45.

المصدر : مجلة الآداب
[line]
  #5  
قديم 12-01-2007, 02:57 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

التنمية والقوميات في ايران (3)

- انتهاكات لحقوق الأقليات غير الفارسية ثقافياً واجتماعياً
- يوسف عزيزي

استنادا الي بعض الاحصائيات المتوفرة لدينا انه في العام الدراسي لعام 2002 ــ 2003 هناك اربعة ملايين طالب يدرسون في الجامعات والمعاهد الايرانية، يمكن القول ان هناك 6000 طالب منهم من العرب الاهوازيين، وهذا يعني ان حصة الـ5% من كل سكان البلاد ــ حصة العرب الاهوازيين ــ تصل الي 15،0%من حجم كل التعليم الجامعي في البلاد. وتعني النسبة المذكورة (15.0%) ان من بين كل 10 آلاف طالب ايراني هناك 15 طالبا منهم من العرب الاهوازيين. واستنادا الي الاحصاء الذي كشف عنه السيد عبد العزيز دولتي بخشان، النائب السابق في البرلمان والمستشار الحالي لوزير التربية والتعليم في احتماع المؤسسة العليا للتعليم والبحث العلمي المنعقد في اواخر كانون الأول (ديسمبر) 2001 انه كان يدرس في جامعة زاهدان ــ عاصمة محافظة بلوشستان ــ في العام 1977 ما يقارب التسعة (9) طلاب بلوش، وقد وصل هذا العدد في العام الدراسي 2002 ــ 2003 الي 20 طالب. واستنادا الي تصريحاته ان عدد السكان البلوش في ايران يبلغ 2 مليون نسمة، واستنادا الي هذه التصاريح اذا اعتبرنا ان عدد الطلاب الجامعيين البلوش في جميع الجامعات الايرانية يصل الي 200 طالب جامعي، في مثل هذه الحالة تكون حصة البلوش من بين 4 مليون طالب جامعي ايراني تصل الي 005.0% طالب جامعي وهذا يعني ان من بين كل 10 آلاف طالب جامعي ايراني هناك 5 طلاب منهم من البلوش، ولايفوتنا القول ان البلوش يشكلون 3% من مجموع سكان ايران.

واذا قسنا نسبة الطلاب الجامعيين العرب والبلوش مع النسبة الكلية الذي اعلن عنها مصطفي معين وزير العلوم لجريدة آفتاب يزد المؤرخة في 5/2/2002 نستنج اختلافا وتمايزا فاحشا. لقد قال الوزير ان نسبة الطلاب الجامعيين ازاء كل 100 ألف نسمة من سكان ايران تصل الي 2500 طالبا جامعيا وهذا يعني ان الغالبية العظمي من الطلاب الجامعيين هم من الفرس.

منع العرب من تسجيل أسماء أبنائهم العربية في دوائر الأحوال الشخصية: القوميات والاعلام في ايران

ان التمييز في تنفيذ المادة 15 من الدستور بين القوميات غير الفارسية نفسها من شأنه ان يثير الحساسيات بينه، فعلي سبيل المثال في مجال صحافة القوميات، سمح فقط لشهرية واحدة عربية ــ فارسية بالصدور واذا استثنينا الصحافة الفارسية العامة وهي توزع بكثرة في محافظة خوزستان (الاهواز) يمكن القول ان هناك ما يقارب 15 صحيفة وجريدة فارسية تطبع وتوزع في هذه المحافظة. وخلال السنوات الثلاث الماضية سمح لصحيفة شهرية عربية ــ فارسية واخري اسبوعية بالصدور، مع العلم ان صاحب امتياز هذه الاسبوعية ليس عربيا وقد خصص مساحات قليلة من صفحات صحيفته للغة العربية، من هنا فان وجود دوريتان لاكثر من ثلاث مليون عربي اهوازي يبين لنا مدي التمييز القومي في منح التراخيص في اصدار الصحف باللغة العربية في محافظة خوزستان (الاهواز).

واليوم هناك اكثر من 15 صحيفة وجريدة فارسية تطبع وتنشر وتوزع في هذه المحافظة، اثنتان منها تصدر مناصفة عربي ــ فارسي وبذلك يصل مجموع مايصدر من صحف اكثر من 17. وبما اثنتان منهما وكما قلنا تصدر مناصفة بشكل عربي ــ فارسي، فاننا في الواقع لدينا في محافظة خوزستان (الاهواز) صحيفة عربية واحدة و16 صحيفة فارسية واذا قسمنا الصحف علي 4،5 مليون من السكان (3 ملايين عربي و5.1 مليون غير عربي) نحصل علي النتائج التالية:
حصة 66% من السكان (العرب) في محافظة خوزستان (الاهواز) تساوي 6% من الصحافة المحلية.
حصة 34% من السكان (غيرعرب) في المحافظة تساوي 94% من الصحافة المحلية.

واذا ادخلنا الصحافة الايرانية العامة الصادرة في طهران والموزعة في المحافظة في هذه الاحصائية، فانه في الحقيقة تصل حصة الشعب العربي الاهوازي من حق اصدار الصحف بلغة الام ــاللغة العربية ــ الي اقل من 6% اي نحو 5.0%.
ويوجد في الوقت الحاضر (عام 2002) لدي الادارة العامة للاعلام في محافظة خوزستان (الاهواز) وكذلك وزارة الاعلام في طهران اكثر من 30 طلبا للحصول علي امتياز لاصدار صحف عربية او عربية ــ فارسية الا انه لم تتم الموافقة علي هذه الطلبات حتي الان.

ولدي دوائر الاحوال الشخصية، اوامر وتوصيات لايستطيع بموجبها المواطنيين من غير الفرس ــ ومنهم العرب الاهوازيين ــ تسمية اطفالهم الا باسماء فارسية، ومنعوا من اطلاق اسماء لغة الام علي اطفالهم، وان هذا القانون ينفذ منذ اعوام واوجد مشكلات عديدة للمواطنيين، ولعل هذا نموذج واضح للتمييز القومي وتجاهل متعمد لانتهاك الحق الانساني للقوميات غير الفارسية في ايران. وتمتد هذه السياسة لتشمل الكتب المدرسية ايضا حيث نصادف احيانا في هذه الكتب ــ التاريخية منها والادبية ــ نصوصا مترافقة بتحقير واهانت القوميات وبخاصة القوميتين التركية والعربية. ولاشك ان الاستفادة من كتابات شخصيات فكرية وادبية معروفة بعدائها لهاتين القوميتين في الكتب المدرسية، من شأنه ان يؤجج الاحقاد والعدواة والحزازاة القومية. الامر الذي يتطلب من وزارة التربية والتعليم التدقيق في مثل هذه الامور، وهذا الامر ينطبق علي الكتب غير المدرسية التي تسمح وزارة الثقافة والارشاد الاسلامي بنشرها. كما ان بعض الصحف والكتب التاريخية والثقافية والسياسية والروايات الادبية وبشكل عام خطاب القومية المهيمنة خلال الاعوام الـ 80 الماضية مملوء من مثل هذه التعاليم الفاشية والمعادية للعرب.

80 ــ 90% من الكتاب الفرس مثيرون لنوات القصب القومي

كما ان الاذاعة والتلفزيون تبث احيانا برامج من شانها اثارة الحساسية لدي الاكراد والاتراك والعرب. وفي احصاء بسيط يتبن لنا ان بين 80 ــ 90% من الشعراء والروائيين والمؤرخين الفرس البارزين، هم معادين للعرب ويحقرونهم في مؤلفاتهم الادبية والتاريخية ويتطاولون علي ثقافتهم. ونشاهد مثل هذا النهج بوضوح في المؤلفات المعاصرة كمؤلفات طالبوف، وميرزا فتحعلي آخوند زاده، ومحمد علي فروغي، ومحمود افشار، وميرزاده عشقي، وفره وشي، وذبيح الله بهروز، وملك الشعراء بهار، وسعيد نفيسي، وزرين كوب، وصادق هدايت، واخوان ثالث وغيرهم. والبتة قد منحوا الاتراك الاذريين ايضا نصيبهم من هذا الخطاب العنصري. اما البث الاذاعي والتلفزيوني ــ المحتكر من قبل الدولة ــ قد خصص مدة قصيرة جدا من برامجه للبث بلغات القوميات غير الفارسية، فعلي سبيل المثال في ما يتعلق بالعرب الاهوازيين خصص نصف الي ساعة واحدة من برامجه للبث باللغة العربية وقد نظمت هذه البرامج بطريقة تظهر فيه لغات هذه القوميات بشكل مشوه في حين واستنادا للقانون يجب ان يكون هذا البرنامج اكثر وضوحا وان تصل لهذه القوميات بلغة ادبية افضل. اما البلوش فانهم محرومون حتي من نصف الساعة هذه، ولايوجد في البث التلفزيوني لتلفزيون محافظة بلوشستان، اي خبرعن اللغة البلوشية.

وتصدق النسبة التي تحدثت فيها عن الصحافة الي حد كبير علي نشر الكتاب وعدد المكتبات العربية وغير العربية في المحافظة. علي سبيل المثال في مدينة الاهواز وهي سادس مدينة من حيث الاهمية في ايران والتي يشكل العرب 70% من مجموع سكانها،لم يعطي اي ترخيص لاي ناشر لفتح دار للنشر باللغة العربية، الامر الذي يضطر فيه الشعراء والكتاب العرب الذهاب الي مدينتي قم او طهران لاصدار كتبهم. في حين تنشط في محافظة خوزستان (الاهواز) وليس في مدينة الاهواز فحسب، العشرات من دور النشر والمكتبات الفارسية. إن ذكر بعض من الامثال والنسب حول الشعب العربي الاهوازي يعود فقط الي حصول الكاتب علي الاحصائيات المتوفرة حول هذه القومية.
إننا ومن خلال احصاء سريع وبسيط نستطيع ان نتوصل الي نتيجة مفادها ان نحو 55% من سكان ايران (غير الفرس) يصدرون نحو 5% من صحف البلاد بلغاتهم القومية وهذه النسبة بالترتيب تقع في اختيار الاتراك الآذريين، الاكراد، العرب والتركمان. اما حصة البلوش في هذا المجال فهي لاشئ تقريبا. وبعبارة اخري يمكن القول ان 45% من سكان البلاد (الفرس) يمتلكون 95% من صحف البلاد، وهذا الامر يصدق علي الاجهزة والمؤسسات والقوي البشرية المتخصصة. مع العلم ان صحافة القوميات هي المنفذ الثقافي والسياسي الوحيد التي انفتح لهذه القوميات بعد ان اصبح خاتمي رئيسا للجمهورية في ايران عام 1997.

45% من سكان ايران (الفرس) يمتلكون 95% من صحف البلاد

إنني اعتقد جازما ان هذا التمايز قائم ايضا في مختلف المجالات الثقافية الأخري للقوميات كاقامة الحفلات الموسيقية والمسرح والسينماء ونشرالكتاب والاشرطة التسجيلية والاقراص المضغوطة (السي دي). ونشاهد هذا التمييز القومي في عملية الاهتمام بصيانة التراث، وفي الحقيقة ان القسم الاعظم من مسؤولي هذه الدائرة في وزارة الثقافة والارشاد الايرانية يعتقدون ان التراث الوطني الايراني لايشمل التراث الوطني والتاريخي للقوميات غير الفارسية. وان اكبر مظاهر هذا التخريب هو الاساءة الي قصر الشيخ خزعل الواقع في مفرق شارع نادري وشارع 24 متر في الاهواز، حيث سوي هذا القصر اوائل التسعينات مع التراب وحول الي موقف لشركة باصات المدينة لنقل الركاب. كما ان قصره الرئيسي في منطقة الفيلية في مدينة المحمرة (خورمشهر) مهمل وآيل علي الدمار.

ويضعون في محافظة خوزستان (الاهواز) اقل الامكانات الثقافية والفنية في متناول الشعراء والكتاب والمجاميع الفنية والثقافية العربية، وكمثال لو راجعنا 23 عاما من عمر الجمهورية الاسلامية الايرانية نراها قد اقامت العديد من المهرجانات الموسيقية للقوميات والمحافظات في اضخم القاعات في طهران ولم توجه الدعوة الي الفرق الموسيقية العربية في خوزستان الا مرة واحدة فحسب، في حين دعيت لهذا المهرجانات فرق موسيقية قومية ومحلية من مختلف المناطق الايرانية بدءا من بوشهر وبرازجان وبلوشستان حتي مازندران واذربايجان وكردستان صحراء التركمان. الا يعني ذلك موقفا شوفينيا مبيتا تجاه مسالة تطور الفن العربي وتنميته بين اوساط المواطنين العرب الاهوازيين؟ تري هل هذا الموقف بحاجة الي التصحيح؟
لاشك ان الحكومة تتحمل مسؤولية كبري في هذا المجال، حيث تستطيع ان تمنع اي سلوك او كتابة او حديث او دعاية عنصرية ضد اي من القوميات الايرانية غير الفارسية وهذا ما هو معمول به اليوم في البلدان الاوروبية.

التمييز الاقتصادي

يستمد التمييز القومي والاجتماعي بين القومية المهيمنة من جهة وسائر القوميات الايرانية من جهة أخري، يستمد اصوله من سياسة القهر والعنف التي رافقت تكوين الامة وبناء الدولة القومية (بمفهومها الفارسي وليس الايراني) علي يد رضاشاه وبدعم وايحاء من الاجانب، حيث تم تكريس سلطة القومية الواحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا، الامر الذي حال دون التطور الطبيعي للتنمية لدي ساير الشعوب الايرانية، ولعل هذا هو السبب الرئيسي وراء تخلف مناطق القوميات غير الفارسية وعدم وجود تجانس وتوازن للتنمية الاقتصادية والتقافية فيها.

في الحقيقة نحن نشاهد في بلادنا تركيبة اقتصادية واجتماعية معقدة تحتل فيها الثغرات والهوات القومية مكانة بارزة.الوضع الاقتصادي للمحافظات الكردية والبلوشية والتخلف المستشري فيها واضح للعيان، ولم يعد هناك من ليس له اطلاع عليه. ويعزو بعض الخبراء قسم من هذا التخلف الي نقصان في المصادر الطبيعية، لكن هذا الاسنتاج غير منطقي لسببين:الاول، لم تستغل حتي الان وبشكل جيد المصادر الطبيعية والثروات الاقتصادية الموجودة في هذه المناطق.
ثانيا: من واجبات الدولة الوطنية، العمل بشكل محايد ودون موالاة لهذه القومية او تلك المحافظة، وان يكون عملها هذا قائم علي تنمية متوازنة في جميع انحاء البلاد.

اعلنت جريدة (نوروز) الايرانية في احد اعدادها الصادر في تموز (يوليو) عام 2001 اعلنت انه وخلال ثمان سنوات من رئاسة السيد هاشمي رفسنجاني، بلغ حجم الاستثمارات في محافظة كرمان (وهي مسقط رأسه) 300 ضعفا مما هو عليه في محافظات آذربايجان الشرقية والغربية وزنجان واردبيل (وهي محافظات تقطنها اكثرية تركية آذرية).
وعلي هذا المنوال انخفض مستوي حجم الاستثمارات في محافظة خوزستان (الاهواز) الي حد كبير، قياسا الي ما قبل الثورة وحتي قبل الحرب العراقية الايرانية وذلك استنادا الي تصريحات المسؤولين. وفي الحقيقة ان القسم الاكبر من ثروات هذه المحافظة ــ حتي غير النفطية منهاــ تخرج منها، حيث تعد اغني محافظة من الناحية الصناعية والزراعية والجمركية والخدمية. اذ يشكل النفط المستخرج منها ما يعادل 80 ــ 90% من عائدات البلاد.

واستنادا الي تصريحات نواب مدينتي عبادان والمحمرة (خورمشهر) في البرلمان الايراني، لم ينجز الا 20 ــ 30% من اعادة اعمار هذين المينائين فحسب، في حين انهما كانا قبل الحرب العراقية ــ الايرانية من اكثر الموانئ الايرانية نشاطا.
في الماضي وبسبب الحرب العراقية ــ الايرانية وحاليا بسبب استمرار حالة اللا سلم واللاحرب تم اهمال هذين المينائين الهامين تماما وحل محلهما موانئ اخري كموانئ بندرعباس وجابهار، ناهيك عن ان شط العرب والذي يعتبر اهم شريان حيوي لمدينتي المحمرة وعبادان لم يطهر من مخلفات الحرب بعد.

فلهذين المينائين الافضلية علي ساير المناطق الايرانية الأخري في مجال المواصلات البحرية والارضية والسكك الحديدية واجهزة البني التحتية الصناعية والنفطية والخدمية. ومنذ سنوات واهالي هذه المدن يطالبون باقامة منطقة اقتصادية حرة فيهما، غيران هذا لمشروع ورغم اقراره لايزال حبرا علي ورق ودون تنفيذ. لكن ومنذ عقد من الزمن اختيرت مدينة سيرجان في محافظة كرمان وهي اساسا ليست ميناءا ولا تمتلك خصوصية هذي المينائين، اختيرت كمنطقة اقتصادية حرة.
ان ربط خط سكك الحديد في المحمرة بمدينة البصرة العراقية ومن هناك بسورية تستطيع ان تلعب دورا هاما في اخراج هذه المدينة من ضائقتها الراهنة واعادة ازدهارها الاقتصادي اليها.

في الحقيقة ان التركيز المتزايد للتنمية الاقتصادية في المناطق الوسطي لايران وبخاصة طهران وكرمان وسيرجان ويزد واصفهان يبين لنا التوجه القومي الفارسي في التخطيط الاقتصادي للبلاد.وبما ان ممثلي القومية المهيمنة يمسكون بالمفاصل الرئيسة للسلطة، فانهم اتخذوها وسيلة للاستفادة منها في التنمية الاقتصادية في مناطقهم اكثر من المناطق الاخري.
في منطقة بلوشستان (ذات الاغلبية البلوشية) لم يتم تدشين اي سد ماعدي سد (بيشين) ــ الذي لم يكتمل بعد ــ واي معمل ماعدي معمل (بلوش) للنسيج، الذي اسس في عهد الشاه. في حين يؤكد الخبراء ان اراضي هذه المنطقة صالحة لزراعة الموز والحمضيات.

الآثار المدمرة للحرب العراقية الايرانية علي المدن الايرانية الحدودية مع العراق

لقد تركت الحرب العراقية الايرانية والتي استمرت ثمان سنوات (1980 ــ 1988) خسائر اقتصادية واجتماعية كثيرة تركت اثارها السلبية علي حياة المواطنين العرب الاهوازيين في المناطق الحدوية،والمدن الاهوازية مثل الخفاجية والشوش والمحمرة وعبادان ومدينة الاهواز. ولعل الدمار والتخريب الناتج عن الحرب في هذه المحافظة، اكثر من اي محافظة اخري في ايران، حيث ما يزال اهالي محافظة خوزستان (الاهواز) بصورة عامة، والعرب بصورة خاصة، يعانون من آثارهاا المدمرة. وفي الحقيقة يتطابق حاليا في المناطق العربية ــ وبشكل تقريبي ــ الاضطهاد القومي مع الاضطهاد الطبقي حيث توجد هناك هوة اقتصادية وثقافية عميقة بين العرب وغير العرب. فعلي سبيل المثال ان العرب اليوم يشكلون الغالبية العظمي من حزام البؤس حول مدينة الاهواز ويحاصرون بذلك اقلية غنية من غير العرب في وسط المدينة. وقد شاهدنا مظاهر الانفجار السياسي لهذه الهوة في مظاهرات الايام العشرة التي حدثت في الفترة (22 ــ 31/12/2002) وهذه الهوة هي كالبركان يمكن ان ينشط ويثور في اي لحظة.

السوق والقطاع الخاص ــ سواءا التجاري منه او الصناعي او الخدمي ــ في خوزستان (الاهواز) اساسا بيد غير العرب، وان كان العرب يسجلون حضورا داكنا في قطاع الخدمات، الا اننا في المجموع نشاهد في القطاع الخاص تمييزا قوميا حتي في تقسيم العمل. ونشاهد هذا التميز ايضا حتي في مجال اشغال الوظائف الحكومية، فمن 25 منصبا حكوميا مهماً في محافظة خوزستان (الاهواز) والذي يشمل المديريات العامة وماشابهها هناك 2 ــ 3 مناصب منها بيد العرب اي اقل من 5% وتصل هذه النسبة في مدينة الاهواز الي 10 ــ 15% وهذا يعني ان 66% من السكان (العرب) يشغلون اقل من 5% من المناصب الرئيسة في المحافظة.

في بلوشستان وهي منطقة يقطنها البلوش من اهل السنة، عين عام 2002 ولاول مرة قائمقام بلوشي في احد مدنها وذلك رغم ان البلوش يشكلون 70% من السكان في محافظة بلوشستان وسيستان، كماان تواجدهم في مراكز مهمة كمديرية المحافظة يكاد ان يكون محدودا. واستنادا الي تصريحات السيد عبدالعزيز دولتي بخشان ــ الانف الذكرــ نادرا ما نشاهد البلوش في صفوف قوات الحرس الثوري او القوي الامنية والاستخبارات،
في حين كان البلوش قبل الثورة يعملون في صفوف الجيش الاان الغالبية العظمي منهم احيلوا اليوم الي التقاعد.
وخلال 23 سنة الماضية كان امام مدينة عبادان (65 ــ 70%من سكانها عرب) وامام مدينة الاهواز (75% عرب) وامام مدينة المحمرة ــ خورمشهر ــ (85% عرب) كلهم من غير العرب وهذا خلافا لقبل الثورة حيث كان معظم ائمه هذه المدن من العرب الاهوازيين. وفي مجال الادمان علي المخدرات تعاني محافظتي خوزستان (الاهواز) وبلوشستان اكثر مما تعانيه ساير المناطق الايرانية، ولم تكن الاساليب المتبعة في مكافحتها فعالة وناجعة.

استنادا الي احصاء المديرية العامة للتخطيط والميزانية في محافظة خوزستان (الاهواز) وبلغت حصة المحافظة من معدل جميع المخدارت المكتشفة في العام الايراني 1380 (اذار (مارس) 2001ــ اذار (مارس) 2002) والبالغ وزنها 111936 كلغ، بلغت نحو 103137 كلغ. ربما قد يكون هذا الرقم المتزايد ليس للاستهلاك المحلي في المحافظة فحسب وانما بقصد التهريب الي البلدان العربية المجاورة، وعلي كل الاحوال فانه حقا رقما مذهلا.

وصل عدد حالات الانتحار في خوزستان في نفس العام 131 حالة (72 رجل + 59 امرأة) ادت 92 حالة (50 رجل + 42 امرأة) الي الوفاة. وفي العام نفسه بلغت حالات الانتحار في طهران (يسكنها 15مليون نسمة) 205 حالة انتحار ادت 177 حالة منها الي الوفات وبلغت هذه في محافظة سمنان الي 27 حالة انتحار فقط.

21% معدل البطالة في محافظة الأهواز

بلغ معدل البطالة في محافظة خوزستان (الاهواز) في العام الايراني 1378 (اذار (مارس) 1999 ــ اذار (مارس) 2000) الي 46.21% وتحتل بعد محافظة كرمنشاه، المرتبة الثانية في ايران. وكان هذا المعدل قد انخفض نسبيا ووصل في العام الايراني 1380 الي 19%. شملت دائرة الرفاه الاجتماعي في محافظة اصفهان برعايتها ما يقارب 18029عائلة معوزة، في حين شملت هذه الدائرة في محافظة الاهواز 67909 عائلة معوزة، وبلغ معدل السرقة والاجرام في محافظة اصفهان، خمس محافظة الاهواز (خوزستان)، في حين ان سكان محافظة اصفهان اكثر من سكان محافظة الاهواز. كما ان ارتفاع رعاية العوائل المعوزة يظهر ارتفاع مستوي الفقر في الاهواز قياسا باصفهان وهي اغني منها ثروة.

يختلف الوضع الاقتصادي ومعدل البطالة في محافظة خوزستان (الاهواز) بين العرب وغير العرب، فعلي سبيل المثال بلغ معدل حجم البطالة في مدينة دسبول وهي مدينة تقطنها غالبية غير عربية بلغ عام 1380 نحو 7% في حين بلغ هذا المعدل في مدينتي عبادان والمحمرة (خورمشهر) ــ وهما ذات اغلبية عربية ــ بلغ علي التوالي 31% و50 %.

والاخطر من هذا كله تهجير ومصادرة اراضي القرويين العرب وتحويلهم الي سكان احياء الصفيح حول المدن الكبري. وجود احياء شعبية وفقيرة مثل (لشكراباد) و(رفيش اباد ) و(غاميش اباد) و(كوت عبدالله) و(حصير اباد) و(الزويه) و(الزرقان) و(الدغاغلة) و(سيد خلف) و(الملاشية) و(الدايرة) والعديد من الاحياء الفقيرة الاخري في مدينة الاهواز وهي سادس اكبر مدن البلاد، تبين لنا السياسات الاقتصادية الخاطئة المتبعة خلال السنوات الماضية والقائمة علي التمييز القومي.

لقد اعرب نواب الشعب العربي الاهوازي في البرلمان الايراني عن معارضتهم الشديدة لمشاريع مصادرة اراضي الفلاحين العرب، هذه الاراضي التي تصادر تحت عناوين مختلفة لصالح مشاريع مبهرجة كمشروع قصب السكر في الاهواز وشركة (ايثاركران) في الحويزة وشركات غير عربية مماثلة في الشوش والمدن الاهوازية الاخري.

يبدو ــ علاوة علي عامل الاضطهاد القوميــ ان قسما من العلل الراهنة وارتفاع مستوي الجريمة والسرقة في محافظة خوزستان، ناتج عن الاعراض الاجتماعية والنفسانية للحرب العراقية ــ الايرانية.ولا نملك دليل اخر لارتفاع مستوي الجلطه القلبية، والامراض النفسانية وموت الفجئة والامراض القلبية والجلدية والسرطانية الا كونها كلها من مخلفات وبقايا الحرب التي استمرت ثمان سنوات.

وفي النهاية يمكن القول ان القوميات غير الفارسية تعاني من اللاتكافؤ في الفرص والتمييز القومي في جميع المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وفي الحقيقة هو نوع من التمييز يشاهد من خلال توزيع الخيرات والثروات الاجتماعية العامة. ولاشك ان حدة التمييز واتساعه ليس متشابها بين مختلف القوميات، وطبعا ان لهذا الامر اسبابه التاريخية والجغرافية والاجتماعية.

ان اللاتكافؤ القائم يعارض المادة 19 والمادة 48 من الدستور الايراني حيث تنص المادة 19 علي ما يلي: (يتمتع افراد الشعب الايراني من اي قومية او عشيرة كانوا، بالمساواة في الحقوق، ولا يعتبر اللون والعنصر او اللغة وماشابه ذلك سببا للامتياز). كما تنص المادة 48 من الدستور علي ما يليلا يجوز التمييز بين مختلف المحافظات والمناطق في مجال استغلال المصادر الطبيعية للثروة والموارد الوطنية العامة وتنظيم وتقسيم النشاط الاقتصادي في مختلف المحافظات ومناطق البلاد، بحيث يوظف في كل منطقة الرأس المال والامكانات الضرورية في حدود حاجاتها واستعدادها للنمو).

وان كان دستور الجمهورية الاسلامية يؤكد علي نفي التميز القومي الا انه لم تنفذ فعلا ــ مع بعض الاستثناءات ــ المواد 15 و19 و48. في الحقيقة لايكفي ان يكون الدستور مناسبا، بل يجب ان يكون لدينا تنفيذا مناسبا لتطبيق ما جاء به. ان الحل الشامل للمسالة القومية في ايران يحتاج الي استقرار الديمقراطية وتطويرها، لانه تتحول في المجتمعات الديمقراطية، مبادئ التكافؤ والعدالة الي سلوك وتفكير اي الي ثقافة.

أكثر انواع الديمقراطية موضوعية في المجتمع الايراني المتعدد القوميات هي مشاركة النخب القومية غير الفارسية في السلطة، لتكون الدولة، شاملة لجميع القوميات الايرانية وتتحول من دولة القومية المهيمنة الي دولة جميع القوميات. كما ان السماح لنشاط مؤسسات المجتمع المدني مثل الاحزاب والمؤسسات الثقافية والادبية والاجتماعية والاقتصادية الخاصة بالقوميات والشعوب من شأنه ان يساعد في تحقيق هذا التوجه. لذا وعلي المدي القصير والمتوسط فان التطبيق الصحيح والعملي لمواد الدستور التي لم تنفذ وعلي المدي البعيد، ادارة البلاد علي اساس نوع من الفيدرالية المحلية من شأنه ان يحمل في طياته التنمية والعدالة والتكافؤ بين القوميات ووحدة البلاد وسيادته الوطنية.

المصدر :

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1717 --- Date 24-25/1/2004
جريدة (الزمان) --- العدد 1717 --- التاريخ 2004 - 1 - 24-25
[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 12-01-2007 الساعة 02:59 PM
  #6  
قديم 12-01-2007, 03:09 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

بحث جديد: التعليم العالي لدى الفلسطينيين في إسرائيل


صدر مؤخرًا بحث جديد للباحث مهند مصطفى بعنوان "التعليم العالي لدى الفلسطينيين في إسرائيل"، ننشر هنا خلاصته التنفيذية:

خلاصة تنفيذية:

إن النظرة التقليدية إلى الجامعة اليوم قد تغيرت، ولم يعد الاهتمام بالأبعاد التعليمية والبحثية هو كل ما تتمركز حوله اهتمامات المعنيين بالجامعات. فأمام جملة من الملابسات تشمل: التفاعلات والصراعات التي تحدث داخل الجامعة، الضغوط والمؤثرات التي تتعرض لها من خارجها، الانحيازات الأساسية التي تحكم الجامعة في توجهاتها نحو المجتمع المحيط بها، والتوقعات الجديدة التي غدت تنتظرها القوى الاجتماعية المختلفة من جامعة اليوم، فانه ليس من المبالغة القول إن الجامعة مجتمع ينطوي على قدر كبير من الخصائص السياسية والتنموية. وأنها تتجاوز كونها مؤسسة لاكتساب المهنة، بل تساهم في عملية التغيير المجتمعي من خلال خريجيها الذين يحملون مشروع التغيير.

يتمحور نشاط الجامعة في مجالين رئيسين: المجال المجتمعي الذي يمثل دائرة الخصوصية في عمل الجامعات، ويبرّر تواجدها ضمن مجتمع معين. والمجال المعرفي العام الذي يشكل دائرة العالمية في عملها، ويفرض عليها القيام بمهام تتخطى حدود مجتمعها، والمحيط الذي تنشأ فيه (Dike،1967). يهدف التعليم إلى إعادة إنتاج المجتمع، فالتعليم العالي الفلسطيني في إسرائيل (كحالة)، يطرح في سياق العلاقة مع المجتمع وحاجياته، وليس في سياق العلاقة مع الدولة بالأساس. ويمثل المبنى الاجتماعي السائد في المجتمع الفلسطيني، مع هياكل الثقافة التي تسندها، أحد منابع شرعية المبنى الاجتماعي والثقافي السائدة في المجتمع.

على هذا الأساس، يبقى المجتمع الفلسطيني- بتقليدية هياكله الاجتماعية والثقافية-، مصدرا مهما لبلورة شخصية الطالب، فهو حريص على صيانة تقليدية الثقافة السائدة باعتبارها الضامن لإعادة إنتاج هياكل المجتمع.

يلعب التعليم في هذه الحالة دورا حيويا كوسيلة جماهيرية فعالة قادرة على الحفاظ على الوضع القائم. وبصورة أوضح، يمكن القول: إن التعليم على هذا المستوى يمكن أن يلعب دورين، الأول: يتمثل في إعادة صياغة الثقافة السائدة، ومن خلال ذلك، إعادة إنتاج علاقات السلطة القائمة. أما الدور الثاني: فإمكانية أن يشكل التعليم أداة للتغيير الاجتماعي والثقافي والسياسي، إذا استطاع أن يخلص الطالب من قيوده التقليدية التي تجره إلى الخلف.

فأما بالنسبة للدور الأول، الجانب الثقافي، لا تعتبر برامج التعليم في المدارس العربية وسيلة للتغيير الثقافي، بل هي على العكس من ذلك، تجتر ثقافة مشوهة، وتعطيها شرعية وحيوية بإدراجها ضمن المناهج الرسمية. إن تعليمنا يبرر السائد والموجود، أكثر من تحفيزه على استكشاف الجديد.

ومن بين السائد والموجود الذي يعيد التعليم صياغته دون تغييره، نجد الأنماط التي تمكن المجتمع من التفكير في ذاته والتعبير عنها، أي أنماط التفكير والتصور والتعبير عن نفسه، وتأتي هذه المحافظة الثقافية كضمان لديمومة علاقات السلطة الاجتماعية والثقافية القائمة.

ومن المعروف أن مؤسسات التعليم العالي بطبيعتها، منظمات معقدة، تشتمل على كل من القوى الرجعية والتقدمية، ويمكنها خدمة الاحتياجات العاجلة، ولكن لها توجها رئيسيا نحو المستقبل، فهي المسؤولة عن خيار المستقبل من التعليم والقوى البشرية الماهرة، ويعد التغيير بالنسبة للمؤسسات القائمة الراسخة أمرا صعبا. ولكن بمجرد حدوثه فإنه يستمر طويلا.

يذكر جميل هلال في كتابة المتميز عن الطبقة الوسطى الفلسطينية، دور الجامعة في المجتمع، يقول: "إن للجامعة جمهورها الخاص الذي يتمتع بامتيازات من حيث الوصول إلى المعرفة، وما لهذه من علاقة بالسلطة (بالمعنى الواسع للكلمة)، فالجامعة، كونها مؤسسة معنية بنقل المعرفة التقنية والفكرية والثقافية إلى الأجيال الصاعدة، تساهم في إنتاج (وإعادة إنتاج) تراتبيات السلطة، وفي توفير المعرفة للطبقة الوسطى ولطبقة أصحاب رؤوس الأموال وللفئة الحاكمة. لكن للجامعة، عادة، وظيفة أخرى، هي المساهمة في تشكيل الوعي النقدي السياسي والاجتماعي، وهي وظيفة تخدم تحدي التراتبيات التي تساهم الجامعة، موضوعيا، في إنتاجها" (هلال، 2006، 49-50).

التعليم أولا ثم التفكير ثانيا، الحرب ضد الوعي، هذه هي أسس التعليم العربي في المرحلة ما قبل الجامعية، وفي المرحلة الجامعية يغيب الفكر، لأنه لا يتم إنتاج عقول تفكر في المدارس العربية، فيتحول التعليم إلى مهنة مثل الحدادة، النجارة وغيرها من هذه المهن التي نكن لها كل الاحترام. وتفصل هذه الصياغة بين التعليم والتفكير، رغم الترابط العضوي بينهما، حسب أهم نظريات التعلم. ويقوم التعليم العربي بفصل التعليم عن التفكير من خلال اعتماد برامج تعطي الأولوية للمحتوى التقني والوجداني، على حساب التفكير الإبداعي العقلاني.

فنحن نلاحظ اليوم، أن البرامج الرسمية المعتمدة في التدريس تشجع أكثر فأكثر على الاهتمام بالمواد العلمية والتقنية. ولهذا التوجه ما يبرره بطبيعة الحال، أي ضمان حيز من المعرفة، وكم من الخريجين القادرين على الاندماج في سوق العمل، ويتجلى هذا الأمر من خلال تفضيل هذه المواضيع في الجامعات للطلاب المتميزين، ويسبقه تفضيل الطلاب الثانويين لهذه التخصصات في المرحلة الثانوية.

هذا هو نمط البرامج المعتمدة والتي تحد من إمكانيات التفكير لدى الطلاب من خلال إقصاء المواد المحفزة على التفكير كالعلوم الاجتماعية والإنسانية، مقابل التشجيع الكبير على العلوم الرياضية والفيزيائية والطبيعية (دون دروس التوالد وتطور الأجناس بالطبع). ولنا أن نتساءل هنا عن غياب مادة الفلسفة أو حضورها المحتشم في البرامج. الأمر الذي يجعلنا نقرر إن أحد الأهداف الرئيسية من وراء ذلك، هو الحد من إمكانيات التفكير الفلسفي العقلاني، أي الحد من إمكانيات التفكير في الأنا كإنسان وككائن اجتماعي، أي في نهاية الأمر، الحد من إمكانيات الوعي بالذات.

ما زال التعليم في جهاز التعليم العربي يتميز بالطابع التلقيني الكمي، وهناك فرق كبير بين الطابع الكمي في التعليم، والطابع الكيفي الذي يهتم بعدد قليل من الطلاب، ويقدم لهم خدمة تعليمية متميزة، ويدفع كلاً منهم إلى مزيد من الابتكار والتجديد والقدرة على المبادرة وإبداع الحلول غير المسبوقة لمشكلات قائمة بالفعل في مجتمعاتنا. وبالطبع فإن هذه الحالة التعليمية الكائنة هي السبب في أننا نشكو من قلة الباحثين المبدعين، على الرغم من أن لدينا عددا لا بأس به من الباحثين.

إن الأمر لا يتعلق بنمطية العقل العربي، كما يروج لها بعض المستشرقين (Raphael، 1983)، إذ لا توجد فروقات بين العقول في الشرق والغرب، وإنما الفروق الأساسية في منهج البحث والتفكير، فالتعليم الأوربي (1) يقوم أساسا على تحريك ملكات الطالب الذهنية والإبداعية، إلى جانب اهتمامه بالتربية البدنية، والعلاقات الاجتماعية، وهذا ما لا نكاد نجده عندنا. فكثيرا ما نجد الطالب المتفوق في دراسته، لا يجيد العلاقات الاجتماعية.. وكثيرا ما يكون متميزاً في فترة الدراسة، فإذا ما تخرج، لا نجد له أي فكر إبداعي، بل نجده يتحول إلى مجرد موظف روتيني، يتشبث بوظيفته التي تتحول إلى كل حياته، إلى درجة العبودية.

كما أن التعليم الأوروبي مرتبط ارتباطا وثيقا مع واقع المجتمع، فان جميع الأبحاث، هي أبحاث واقعية لها علاقة بتطوير المجتمع، إنسانيا، أو تقنيا، ويرى الطالب الجامعي، أن الجامعة هي احد مؤسسات المجتمع، الذي يعمل على الارتقاء بمنظومته الإنسانية (عبر المؤسسات الخدماتية ومؤسسات المجتمع المدني)، والتقنية (عبر أجهزة الدولة والشركات الخاصة). إلا أن الطالب الفلسطيني في الجامعات الإسرائيلية، يرى انه منفصل عن واقع الأقلية التي ينتمي إليها، وهو بين إلا يجد تحفيزا وتشجيعا على دراسة ظواهر في مجتمعه (أما لان الهيئة الإدارية، أو التدريسية في الجامعة لا تساعده، وأما بسبب التخلف الإداري والتقني، الذي تعاني منه الأقلية)، وبين أن يتأكد، انه لا يمكن دراسة ظواهر في مجتمعه، بنفس الأدوات البحثية والمناهج الفكرية، والنظريات العلمية التي تناسب الآخر، ولا تناسب مجتمعه.

يتطور التعليم العالي الفلسطيني في إسرائيل في ظل غياب جامعة فلسطينية عربية، ومن خلال الجامعات الإسرائيلية، وبطبيعة الحال، تساهم الجامعة في تنمية المجتمع الإسرائيلي وفق المنظور الصهيوني للتنمية، والذي يتعاطى مع أثنية الدولة. فالجامعة الإسرائيلية لا تزرع داخل الطالب الفلسطيني القيم الوطنية، وحب الأرض، فالطالب الفلسطيني يعيش حالة من الغربة في الجامعة، وفي صدام معها في أغلب الأحيان، الجامعة بما تمثله كمؤسسة وكمجتمع ثقافي، يتكون من الأساتذة والطلاب اليهود، والمساقات التدريسية، والرحلات التعليمية، والأبحاث العلمية، وبذلك تشكل الجامعة بالنسبة للطالب العربي محطة، ونقطة انطلاق في مسيرة الحراك الاجتماعي، ووكيل للتحديث الفردي الذي لا ينعكس بالضرورة على تحديث القرية العربية فيما بعد (مصطفى، 2002).

يشعر الطلاب العرب في علاقاتهم مع الجامعة بالاغتراب، لان الجامعة تمثل حلقة من حلقات التمييز ضدهم، وقد لمسوا ذلك من خلال قضايا: سكن الطلبة، محاكم الطاعة، وطرد طلاب عرب، كما في مجال المنح والتسهيلات المختلفة، والسلوك المعادي للعرب في مختلف المنظمات الطلابية، تقييد حرية التعبير، وأخيرا وضع عقبات بنيوية أمام انخراطهم في الجامعات وفي السلك الأكاديمي والبحث العلمي. ولا يشعر الطلاب العرب بأي حالة من الانسجام مع الجامعة سوى في نقطة التقاء واحدة، وهي التخرج، والحصول على اللقب الجامعي.
يمر الطالب الجامعي الفلسطيني، القادم من القرية العربية بثلاث حالات نفسية لحظة التقائه مع المشهد الثقافي داخل الجامعة والحداثة الإسرائيلية، فإما أن يصاب بحالة من الانبهار، يكون مصيرها حالة من التغريب والتشوه الثقافي، أو يصاب بحالة من العزوف الناتج عن الخوف وتجاوز الصدام، فيصبح منغلقا وسلبيا، وإما أن يتفاعل مع البيئة الثقافية الجديدة من خلال قاعدة الحفاظ على الخصوصية الثقافية والهوية الوطنية، والتعاطي مع المشهد الثقافي والتعليمي بآليات نقدية علمية تكسبه إياها الجامعة الإسرائيلية نفسها (مصطفى، 2002). وهي عملية تحتاج إلى جهد كبير من الطالب الجامعي، فالحالة التعبيرية الثالثة يجب أن تعبر عن السلوك والمعيار في نفس الوقت. حيث لا يمكن تناقض السلوك مع المعيار، أو المعيار مع السلوك. وساهمت الفئة الثالثة من الطلاب في نهاية الأمر، في إنتاج وخلق بداية لبلورة بحث علمي فلسطيني خارج عن الإطار الإسرائيلي، وبقيت الفئة المغتربة، والفئة الخائفة خارج أسوار العملية الإبداعية، أي خارج مهمة المواجهة والصدام مع البيئة الثقافية الجديدة، فالأولى غارقة في هذه البيئة، والثانية تتجنب أي مواجهة معها.

هنالك من يعتقد أن الاغتراب عن المدينة اليهودية والجامعة فيها، بفعل الاغتراب اللغوي والقومي، يدفع إلى اتجاهين ثقافيين بين الطلاب الفلسطينيين في الجامعات الإسرائيلية، اتجاه المحاكاة والتقليد، والاندماج الوهمي، بواسطة التخلي عن الثقافة العربية، وعبر إنكار مقومات التطور الذاتي لديها، واتجاه يدفع إلى التعصب لثقافة جماهيرية تطرح ضمن جدلية الاغتراب كأصالة، أو كتأكيد لما هو قائم على الأقل، وحمايته، وكأنه تأكيد وحماية للذات. لا ينجب كلا الاتجاهين مثقفا متنورا، فصاحب الاتجاه الأول، يتملص من العلاقة مع الانتماء الثقافي العربي، الأمر الذي يبعده عن المساهمة في تطوير الثقافة العربية، أما صاحب التوجه الثاني، فلم يغادر قريته أصلا، وان غادرها بيولوجيا، بل تقوقع فيها ضمن ثقافتها الجماهيرية الريفية القائمة، وأضاف إليها مهنة فحسب (بشارة، 2003).
الباحث المعروف Barry (1990، 1984) يقدم نموذجا نظريا حول العلاقة الثقافية بين مجموعتين، الأولى مهيمنة، والثانية مهمشة، ويمكن إسقاط هذا النموذج على الحالة الثقافية والحداثة التي قد يمر بها الطالب الفلسطيني في الجامعة الإسرائيلية، ولحظة التقائه للمرة الأولى، وبشكل مباشر بالحداثة الإسرائيلية. ويبقى النقص في هذا النموذج، انه يتحدث عن مجموعتين الأولى مهاجرة مهمشة، والأخرى مضيفة مهيمنة، بينما في حالة المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، فان الحالة معاكسة، بين مهاجر تحول إلى مهيمن، واصلي أصبح مهمشا. ويطلق على نموذجهما اسم "ثقفنة" (Acculturation) ويتضمن أربع حالات من عملية التثقيف يمكن حصرها في مجموعتين:

1- الاندماج (Integration): حيث أن المجموعة المهمشة تحافظ على قيمها القديمة وتتبنى في نفس الوقت قيم المجموعة المهيمنة.
2- الاستيعاب (Assimilation): حيث تقوم المجموعة المهمشة بالتنازل عن قيمها، وتبني قيم المجموعة المهيمنة.
3- الانفصال (Segregation، Separation): حيث تحافظ المجموعة المهمشة على قيمها، وتتنازل عن عملية تبنى قيم المجموعة المهيمنة.
4- التهميش (Marginalization): وفيه تتنازل المجموعة المهمشة عن قيمها الذاتية، وفي نفس الوقت لا تتبنى قيم وثقافة المجموعة المهيمنة.

إن حالة الطلاب الفلسطينيين في الجامعات الإسرائيلية (مركز الحداثة الإسرائيلية)، قد تمر في واحدة من الحالات الأربع التي ذكرها "بيري" في أبحاثه، وفي هذه الحالة، لا ينفصل التعليم العالي عن الحالة الثقافية التي يمر بها الطالب الفلسطيني خلال التعليم الجامعي وتأثير ذلك على مرحلة ما بعد الدراسة الجامعية، قد يساهم الطالب في تعميق حالة الهامشية، ويعزز التوجه الاندماجي في المجتمع الفلسطيني بصورة لا تقل خطورة، وربما اخطر من أية فئة أخرى في المجتمع، كونهم يملكون القدرة على التنظير لحالة التهميش، على أنها حالة حداثة. وفي اطر نظرية أخرى، يتم وصف حالة التهميش عند "بيري" بالفردانية أو الإقصاء (Bourhis، et. al، 1997).

وهذه الحالة ليست بعيدة أيضا عن حالة بعض الطلاب الفلسطينيين، إذ يمكن أن يشكل التعليم العالي حالة من التهميش، وفي نفس الوقت يمكن أن يشكل حالة من تحدي الهامشية، والحالتان متعلقتان بالتعامل مع الحداثة الإسرائيلية.
مر المجتمع الفلسطيني في إسرائيل في عملية تحديث سريعة، ولكنها جزئية (Al-Haj and Rosenfeld، 1980)، ومشوهة (بشارة، 1998)، لم يحدث عند الفلسطينيين في إسرائيل تحولات اجتماعية وثقافية، نابعة من عملية هجرة من القرية إلى المدينة، المدينة في حالة الفلسطينيين في إسرائيل كانت المدينة اليهودية، وهي المدينة الوحيدة التي عرفوها بعد هدم المركز المدني الفلسطيني خلال نكبة فلسطين (بشارة، 1998، هلال، 2006).

لا شك أن القاعدة التي تقول بمساهمة مكانة الطلاب الطبقية، وتفعيلهم كمجموعة ثقافية خاصة، هي صائبة تماماً، فالتحرر الاقتصادي للطلاب يدفعهم إلى القيام بخطوات ثورية، متجاهلين رد الفعل المضاد، سواء أكان اقتصاديا أو اجتماعيا، وهذا نابع من تحررهم الطبقي والاقتصادي، أو تميزهم الطبقي والاجتماعي.

لقد أثرت ثقافة الطلاب والبيئة التي أتوا منها، على تعامل الطلاب مع المشهد الثقافي داخل الجامعة، وتوجهاتهم التعليمية، فقد طبعت هذه الثقافة والبيئة الطلابية "بالفردانية" والتشديد على الإنجاز الشخصي، والتطور والتقدم الفردي، ولفهم طبيعة الطلاب الفلسطينيين في الجامعات، نستحضر استطلاع أجراه الباحث عزيز حيدر، حول أهم النشاطات السياسية والاجتماعية التي يشترك فيها الطلاب، فقد تبين أن أكثرها شيوعا، هي مجالسة الأصدقاء، وهي 82.2%، وقراءة الصحف اليومية –83.7%، وهذا يعني، أن معظم الطلاب يقومون بنشاطات فردية، وليس بنشاطات مشتركة مع الآخرين، مما يؤشر على عزلة اجتماعية، وتمركز حول الذات، وقد أكد الطلاب على هذه العزلة، والتخلي عن النشاطات المشتركة في إجاباتهم عن مدى فعاليتهم في أطر طلابية سياسية مختلفة، فقد تبين أن 4.2% نشيطون في لجنة الطلاب العرب، 0.4% في الاتحاد القطري، 2.2% في نقابة الطلاب العامة و17% في حركة سياسية (حيدر، 1993، 1994).

وعلى هذا الأساس، لم يغير التعليم العالي كثيرا في الطالب الجامعي، فبعد عودته إلى القرية، أو البلدة العربية ينضم إلى قائمة عائلته في الانتخابات المحلية، حيث أنه يجد في الإطار العائلي استثمارا سياسيا مضمونا، يوصله إلى سدة الحكم فيبقى يعمل على غرار آليات عمل المختار السابق، مع تجديد هنا وهناك، وذلك ليحافظ على استثماره العائلي.

يتأثر تطور التعليم العالي الفلسطيني في إسرائيل بمجموعتين من العوامل، تحدد مسار تطوره واتجاهاته: مجموعة العوامل البنيوية، ومجموعة العوامل الثقافية، ويدخل في إطار العوامل البنيوية: مستوى التعليم الثانوي، وامتحان الدخول (البسيخومتري) وسوق العمل بعد التخرج. أما مجموعة العوامل الثقافية، فتتضمن: طرق التدريس والتعليم في الجامعة، والبيئة الثقافية داخل الجامعة، وتحولات في التفكير الاجتماعي داخل المجتمع الفلسطيني.

العوامل البنوية:

مستوى التعليم الثانوي: يهدف التعليم الثانوي إلى إعداد الطلاب للدراسة في المرحلة الجامعية، بالإضافة إلى إكسابهم مواد تعليمية إضافية للانخراط في المجتمع، ويشكل التعليم الثانوي العامل الأكثر تأثيرا على مميزات التعليم العالي الفلسطيني من حيث معدلات القبول للجامعات، واختيار الموضوع الدراسي. وكما تشير النتائج والمعطيات الرسمية فان التعليم الثانوي هو احد المعوقات الأساسية في انخراط الفلسطيني في التعليم العالي، وهنالك نسبة تصل إلى الربع، ممن حصلوا على شهادات الثانوية الكاملة، لا يتمكنون من مجرد التسجيل للجامعات، لعدم حصولهم على الحد الادنى من استيفاء شروط التسجيل. هذا دون الإشارة إلى شريحة سكانية من الجيل الثانوي، لا يكملون دراستهم الثانوية، ولا يتقدمون لامتحانات التوجيهي ولا يضعون التعليم العالي في سلم أولوياتهم المستقبلية. ورغم الارتفاع النسبي الذي حصل في البلاد عموما، وفي المجتمع الفلسطيني خصوصا، في نتائج امتحانات التوجيهي، بسبب تغييرات بنيوية وجوهرية في الامتحانات التوجيهية نفسها قبل حوالي عشر سنوات، فان ذلك لم يترجم إلى معدلات اكبر في القبول للجامعات، ويعود ذلك إلى المستوى التعليمي المتدني لجهاز التعليم العربي، والى استمرار الاهتمام بالحصول على الشهادة الثانوية الكاملة، دون النظر إلى قدرتها على تأهيل حاملها للانخراط في التعليم العالي، فأصبح المجتمع الفلسطيني رهينة معدلات النجاح في الامتحانات التوجيهية من عام إلى آخر، دون التمعن والتعمق في قدرة هذه المعدلات على تأهيل الطلاب للمرحلة الجامعية. وحتى في هذه المعدلات، فقد سجل التعليم الثانوي العربي تراجعا في العام 2005، هو الأكبر على صعيد الدولة.

هنالك فرق بين الطلاب الخريجين من المدارس الثانوية الأهلية، والمدارس الثانوية الحكومية، فحسب أبحاث أجريت على التعليم الفلسطيني قبل قيام الدولة، توضح أن المدارس الأهلية لعبت دورا هاما في عملية تخريج نخبة من المتعلمين في المجتمع الفلسطيني، وساهمت بشكل كبير في خلق التباين التعليمي بين المسيحيين والمسلمين بسبب انتشار اكبر للمدارس الأهلية التابعة للإرساليات الأجنبية في فلسطين، رغم أنه كان للمسلمين جهاز من المدارس الأهلية الخاصة، ولكنها لم تكن بكمية ونوعية مدارس الإرساليات الأجنبية، أو الكنائس المحلية (نخلة، 1983، 329-360)، وكذلك الأمر بعد قيام الدولة، استمرت المدارس الأهلية في إعطاء أفضل النتائج على مستوى التحصيل العلمي، ولم تعد ذات طابع طائفي على مستوى الطلاب الذين يدرسون فيها (الحاج، 2006، 146-155).

امتحان الدخول أو التصنيف للجامعات- البسيخومتري: ويعتبر امتحان البسيخومتري العائق البنيوي الثاني أمام الطالب الفلسطيني في الانخراط ومتناولية التعليم العالي، وهو يقوم بتصنيف المجموعة الطلابية التي استطاعت أن تستوفي شروط التسجيل للجامعات بعد حصولها على أجازة المرحلة الثانوية، حيث ترفض طلبات نصف الطلاب العرب الذين تسجلوا للجامعات، ويعود ذلك بالأساس إلى امتحان الدخول البسيخومتري، إذ يعتبر هذا الامتحان في أسلوبه ومضمونه عائقا أمام انخراط الطالب الفلسطيني في التعليم العالي، وتشير المعطيات إلى وجود فجوة بين تحصيل ومعدلات الطالب الفلسطيني واليهودي تصل إلى معدل 120 نقطة لصالح الأخير. يستجيب امتحان الدخول للجامعات لأسلوب التعليم الذي يميز المدارس اليهودية والغائب عن المدارس العربية، ففي المدارس اليهودية، يتم التركيز على الطريقة الإبداعية، والتفكير، وأساليب التحليل. أما في المدارس العربية، فتقتصر العملية التعليمية على تلقين المادة، وحشوها في عقول الطلاب، لاستخراجها وقت الامتحان، دون أي مجهود فكري على الطالب أن يبذله في عملية تحليل للمعطيات أو التفكير فيها، كما أن افتقار المدارس العربية للنشاطات الإبداعية، والفعاليات اللامنهجية المتقدمة التي تحتاج إلى بنية تحتية تعليمية مناسبة، تقلل من سبل تطوير التفكير الإبداعي عند الطلاب العرب في المراحل الابتدائية، حيث يصطدم الطلاب العرب مع امتحان البسيخومتري الذي يعتمد على التفكير العميق، والتحليل السريع، والمنطق السليم، فتظهر حالات كثيرة يكون فيها الطالب العربي متفوقا في دراسته الثانوية، وحاصلا على علامات متميزة في التوجيهي، لكنه يحصل على علامات متدنية في البسيخومتري، فتتقلص خيارات المواضيع المطروحة أمامه للدراسة في الجامعة.

سوق العمل بعد التخرج: يشير هذا العامل إلى مرحلة ما بعد التخرج، ولكنه في الحقيقة يرافق تفكير الطالب الفلسطيني قبل التحاقه بالجامعة وخلال دراسته الجامعية، وهو عامل يحدد الكثير من السلوكيات التعليمية لدى الطالب الفلسطيني في الجامعات الإسرائيلية من حيث: الكليات المفضلة، إمكانيات العمل بعد التخرج، انفتاح وانغلاق السوق الإسرائيلي، وقدرة الاقتصاد العربي المحلي على استيعابه، إلى درجة التفكير بجدوى التعليم كرافعة اقتصادية. وقد أثر هذا العامل على تراجع معدلات الطلاب الفلسطينيين في الجامعات في الثمانينات وبداية التسعينيات، حيث سجلت هذه السنوات تراجعا في نسبة الطلاب الفلسطينيين في الجامعات الإسرائيلية، وهو نفس العامل الذي ساهم في هذا الارتفاع منذ منتصف التسعينيات، فبدا واضحا أن هنالك علاقة بين عدد سنوات التعليم، وبين معدلات المشاركة في سوق العمل، بالإضافة إلى تحول في تفضيل المواضيع المستقلة، والمهن الحرة، أو تلك المرتبطة بسوق التشغيل الحكومي في المدن اليهودية، كمواضيع الطب المساعد.

يتبع >
  #7  
قديم 12-01-2007, 03:11 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

العوامل الثقافية:

طرق التعليم والتدريس في الجامعة: تؤثر طرق التعليم، وأنماط التدريس في الجامعة على مميزات التعليم العالي الفلسطيني، فالطالب الفلسطيني قادم من جهاز تعليمي يركز على الطريقة التلقينية، وليس الطريقة الإبداعية، بينما يعتمد التعليم في الجامعة على التحليل والتفكير والبحث، ثم إن الطريقة التلقينية، أو حشو المعلومات، كما تعوّد عليها الطالب العربي في جهاز التعليم العربي، تقلل من قدرته الإبداعية والبحثية، والجامعة ليست مكانا لاكتساب مهنة فحسب، وخصوصا في العلوم الاجتماعية والإنسانية، حيث أن 67.3% من الطلاب الفلسطينيين يدرسون هذه العلوم، بل مكانا لتأهيل باحثين وعلماء في قضايا المجتمع، فالطرق التدريسية في الجامعة تنطلق من هذا التوجه، وليس من التوجه المهني في تأهيل أصحاب مهن. بينما يأتي الطالب الفلسطيني من خلفية تعليمية تقليدية في الأسلوب والتوجه، بالإضافة إلى نظرته للجامعة كمؤسسة لاكتساب مهنة للمستقبل، تكون مقتصرة في الغالب على جهاز التعليم العربي، حيث أن الخريجين العرب في العلوم الاجتماعية والإنسانية يتوجهون بالأساس للعمل في جهازي التعليم والحكم المحلي العربيين، اللّذين يستوعبان أكاديميين أكثر من جهازي التعليم والحكم المحلي اليهوديين، لا لنقص في الأخير، بل لان مجالات العمل اكبر وأوسع أمام الأكاديميين اليهود.

البيئة الثقافية في الجامعة: لقد عالجنا هذه الإشكالية في مقدمة الخلاصة التنفيذية، ولكنها قضية مركزية جدا في التأثير على مميزات التعليم العالي الفلسطيني في الجامعات الإسرائيلية، الطالب الفلسطيني قادم من مبنى اجتماعي تقليدي، ومن بيئة ريفية قروية، مرت بنوع من الحداثة الجزئية (Sa`di، 1997). وفي الوقت الذي مرت فيه القرية العربية بعملية تحديث جزئية، فان الطالب الفلسطيني لم يمر بعملية حداثة مشابهة، اللقاء الأول للطالب الفلسطيني مع الحداثة في حياته تكون في الجامعة الإسرائيلية التي تحمل مشروعا ثقافيا صهيونيا، وعلى الطالب الجامعي الفلسطيني الدراسة في هذه المؤسسة الصهيونية والتعامل معها، حيث أن لغة التدريس في الجامعة هي اللغة العبرية، والأدبيات العلمية تكون في اللغة الانجليزية في الدرجة الأولى، ثم العبرية في الدرجة الثانية، اللغة العربية هي لغة هامشية من حيث الأدبيات العلمية (عدا أقسام اللغة العربية)، أو حيث كونها أداة اتصال بين الطالب ومؤسسات الجامعة الأكاديمية والإدارية. كما أن اللقاء الأول بين الطالب الفلسطيني، والمجتمع اليهودي يكون داخل أسوار الجامعة، وهي الساحة الوحيدة التي يتنافس كل منهما على الانجاز والتفوق، في ظروف متساوية في حدها الأدنى، مع تحيز مؤسساتي، بنيوي وثقافي للطالب اليهودي، مما يكشف ويعمق أكثر غربة الطالب الفلسطيني عن هذا المبنى من جهة، أو يساهم في ذوبانه في ثقافته من جهة أخرى. توفر البيئة الثقافية داخل الجامعة حيزا كبيرا من حرية التعبير عن الرأي، وفهما عميقا لمعنى المواطنة، فتشكل الجامعة، أما اندماجا للفلسطيني في هذه الثقافة، أو دافعا للعمل السياسي كما يتجسد ذلك في الحركة الطلابية الفلسطينية (مصطفى، 2002).

تحولات في التفكير الاجتماعي: يؤثر التحرر من القيود الاجتماعية على التعليم العالي الفلسطيني بشكل كبير، وقد كان لهذا التحرر تأثير كبير على تطور التعليم العالي ومميزاته، وإن احد أهم هذه التأثيرات كان الاندماج الواسع والانخراط السريع للفتيات الفلسطينيات في التعليم الجامعي، ففي منتصف الخمسينيات كان هنالك فتاة جامعية فلسطينية واحدة، أما اليوم، فان حوالي 55% من الطلاب الفلسطينيين في الجامعات من الإناث. يعتبر الانخراط المتزايد للفتيات الفلسطينيات في الجامعات أهم مميزات التعليم العالي الفلسطيني في العقد الأخير، ولكنه غير منقطع بالتأكيد عن بدايات هذا التحول في أواخر السبعينيات والثمانينيات، ويعود ذلك إلى انكسار القيود الاجتماعية التي كانت تحول دون انخراط الفتاة في التعليم العالي، واضطرارها للسفر من القرية الفلسطينية إلى المدينة اليهودية للدراسة، أو المبيت هناك.

وقد ساهم مشروع إقامة جامعة حيفا في أواخر الستينيات، في تسهيل عملية انخراط الطالبات الفلسطينيات في التعليم العالي، بسبب قرب الجامعة على منطقة الشمال العربي. كما أن انخراط المرأة الفلسطينية في سوق العمل، وخصوصا في جهاز التعليم العربي، ساهم من جانبه في عملية ازدياد مشاركة النساء في التعليم العالي الفلسطيني.

محددات تطور التعليم العالي الفلسطيني في إسرائيل:

تلعب العوامل البنيوية والثقافية، التي اشرنا إليها، دورا في تحديد مسار تطور التعليم العالي الفلسطيني واتجاهاته المستقبلية، بينما هنالك ثلاثة محددات لا تزال تلعب دورا فاعلا في تحديد مميزات التعليم العالي الفلسطيني، وهي:
أولا: تطور التعليم العالي الفلسطيني في ظل غياب حالة تراكمية مؤسساتية أو تعليمية فلسطينية سابقة له:

تطور التعليم العالي الفلسطيني في إسرائيل منقطعا عن التراكم التعليمي الفلسطيني قبل قيام الدولة، سواء على المستوى المؤسساتي أو على المستوى التعليمي، ففي البداية، لم يسمح الانتداب البريطاني للمجتمع الفلسطيني بإقامة جامعة فلسطينية، كما سمح للمجتمع اليهودي بإقامة الجامعة العبرية في القدس في منتصف عشرينيات القرن العشرين، بل سمح له بإقامة بعض المعاهد لتأهيل المعلمين والمعلمات، الأمر الذي دفع الطلبة الفلسطينيين إلى الدراسة خارج فلسطين، وخصوصا في القاهرة أو في بيروت، كما أن المستوى التعليمي والثقافي الذي تراكم خلال العقود القليلة التي سبقت نكبة فلسطين في المدن الفلسطينية، وولد نخبة ثقافية ومتعلمة، ومركزا ثقافيا، قد تبعثر وانقطع بعد نكبة فلسطين، التي أدت بدورها إلى تبعثر المدينة الفلسطينية، ومعها نخبها المتعلمة، والى تدمير المؤسسات التعليمية الفلسطينية. لم تؤسس التجربة الثقافية والتعليمية للمجتمع الفلسطيني المدني قبل النكبة، لأرضية تعليمية تمد المجتمع الفلسطيني القروي بعد النكبة، الذي بقي في الدولة اليهودية، بأرضية انطلاق راسخة يكمل من خلالها التراكم المعرفي والتعليمي والمشروع الثقافي الذي بدأ قبل نكبة فلسطين، بل تطور التعليم العالي الفلسطيني في إسرائيل من نقطة بداية جديدة، منقطعة عن التجربة الفلسطينية السابقة، وذلك بسبب تدمير المدينة الفلسطينية ومشروعها الثقافي والتعليمي خلال النكبة.

ثانيا: تطور التعليم العالي الفلسطيني داخل الجامعة الإسرائيلية:

اعتبر جيل المؤسسين للدولة، وعلى رأسهم بن غوريون، أن لمؤسسات التعليم العالي دور هام في عملية بناء الدولة، وتشكيل الأمة (فولنسكي، 2005)، والمقصود في هذه الحالة، الأمة الإسرائيلية والدولة اليهودية، وقد أعيق سن قانون مجلس التعليم العالي لسبع سنوات بسبب النقاش حول مساحة الحرية الأكاديمية لمؤسسات التعليم العالي، حيث أرادت الدولة أن تكون مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي مجندة لخدمة الأهداف السياسية والعسكرية للدولة الجديدة، بينما ناضلت الجامعات للحفاظ على اكبر مساحة ممكنة من الحرية الأكاديمية (كلاين، 1998، 2006). تنبع خصوصية الجامعة الإسرائيلية من كونها احتوت منذ بداية تبلورها مركبين متصارعين، المثالية الأكاديمية الغربية من جهة، والتجند للمشروع الصهيوني في عملية بناء الدولة، وبناء "اليهودي الجديد" من جهة أخرى (غور-زئيف، 1999، 2004).

أدت هذه المكانة الخاصة لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، إلى بناء جدول أعمال أكاديمي، وأجندة بحثية تتجاوب مع احتياجات الدولة. بينما تعثر التعليم العالي الفلسطيني في غياب أجندة بحثية، وجدول أعمال أكاديمي خاص في المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل، لان الجامعة كانت صهيونية ذات أهداف صهيونية، حيث تطور التعليم العالي الإسرائيلي استجابة لأجندة وجدول أعمال صهيوني، وفي ظل غياب أجندة واضحة للتعليم العالي والبحث العلمي الفلسطينيين. وتتحدد الأجندة البحثية في إطار دولة وطنية ومدينة قوية، ولذلك فإن غياب الدولة الوطنية، وضعف المدينة الفلسطينية، عاملان حاسمان في التأثير على نمو ثقافة مدنية، وتطور الفنون والفكر والأدب، وفي تشكيل الطبقة الوسطى الفلسطينية (هلال، 2006)، لا بل أن أجندة البحث العلمي للباحثين الفلسطينيين، كانت أجندة إسرائيلية كاملة في مرحلة معنية، قبل دخول أفكار الخصخصة، واعتبارات سوق المال إلى الجامعات والتي هددت، في رأي البعض، بانهيار الاكاديميا الإسرائيلية (غور- زئيف، 2005). وقد تعمقت مسألة غياب الأجندة البحثية الفلسطينية، وجدول أعمال للتعليم العالي، في ظل غياب جامعة فلسطينية في إسرائيل، وهي المحدد الثاني في ترسيم مميزات التعليم العالي الفلسطيني في إسرائيل.

ثالثا: مسيرة التعليم العالي الفلسطيني في ظل غياب الجامعة الفلسطينية:

لم ينجح المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، بعد حوالي ستين عاما على قيام الدولة من إنشاء جامعة فلسطينية عربية في إسرائيل، محققا في ذلك ما حققته أقليات قومية واثنية في العالم، كما في كندا والولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال (2) ، أو كما حققه المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي، حيث تمكن من إقامة مؤسسات تعليم عالي فلسطينية في مختلف المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة (Abu-Lughod، 2000). أدت هذه المؤسسات التعليمية التي أقامتها أقليات في زيادة متناولية التعليم العالي، وتوسيع طبقة المتعلمين، كما أنها حافظت على الهوية الثقافية للمجموعة الاثنية، وحسنت من مكانتها الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية مقارنة مع الأكثرية المهيمنة (Justiz، et.il، 1994).

يقدم أبو الهيجا (2005) سببين لعدم قيام جامعة عربية فلسطينية في إسرائيل، الأول: التناقضات والصراعات الداخلية بين شرائح اجتماعية مختلفة في المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، الثاني: السياسة الحكومية المعارضة لفكرة إقامة جامعة عربية فلسطينية في إسرائيل. من الصعب فحص: أيا من العاملين له تأثير اكبر على هذه النتيجة؟ ويمكن إرجاع نفس العاملين إلى عدم قدرة الفلسطينيين في إسرائيل على انتزاع استقلالية تعليمية في جهاز التعليم العربي. تتخوف إسرائيل، أو على الأقل توجهات بداخلها، من مسألة إقامة جامعة فلسطينية، حيث تعتقد أنها ستتحول إلى ساحة للنشاطات القومية المعادية للدولة، كما حدث في الجامعات الفلسطينية في الأراضي المحتلة (لنداو، 1993، 61-62). وهي جزء من النظرة العامة للدولة الرافضة لتنظيم الفلسطينيين مؤسساتيا من خلال بناء مؤسسات قومية مختلفة (Ghanem، 2001). إلى جانب معارضة الدولة، فان مجلس التعليم العالي يرفض من طرفه إقامة جامعة عربية فلسطينية، بسبب غياب الحاجة الموضوعية لمثل هذه الجامعة، لان الجامعات القائمة تسد مثل هذه الحاجة، بالإضافة إلى الأسباب الاقتصادية المرافقة لإقامة جامعة عربية، وقلة الطلاب الفلسطينيين المتسجلين والمقبولين في الجامعات عموما (أبو الهيجا، 2005، 308). يتجاهل مجلس التعليم العالي أن قلة المسجلين والمقبولين من الطلاب الفلسطينيين، يعود في جزء منه، إلى غياب جامعة عربية فلسطينية تسهل مسألة متناولية التعليم العالي لدى الفلسطينيين في إسرائيل.

منح قانون مجلس التعليم العالي صلاحيات لمجلس التعليم العالي ومنها الاعتراف بمؤسسات التعليم العالي في إسرائيل وإضفاء عليها الطابع الأكاديمي، وقد حاول أعضاء الكنيست العرب تجاوز هذه الصلاحية، وذلك لانتزاع الاعتراف بإقامة جامعة عربية في الناصرة، وذلك من خلال تقديم اقتراح قانون إقامة جامعتين في الناصرة والمثلث، وقد رفضت الحكومة هذا الاقتراح، معللة أن ذلك من صلاحية مجلس التعليم العالي، وليس من صلاحية المشّرع (فولنسكي، 2005، 320-321).

لا تلعب مسألة إقامة جامعة عربية فلسطينية في إسرائيل دورا تعليميا فقط في زيادة الطلاب في مرحلة التعليم العالي والدراسات العليا، بل تؤسس لهوية جماعية منظمة، وتوفر آليات لتنظيم المجتمع، من خلال صياغة أجندة تعليمية، وجدول أعمال بحثي، يستجيب لاحتياجات المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، كما انه يساهم بتطوير البحث في العلوم الاجتماعية، مثل تطوير علم اجتماع فلسطيني، بعيدا عن قيود الاستشراق الإسرائيلي، والأجندة البحثية الإسرائيلية.

ونخلص في النهاية، إلى أن تطور التعليم العالي الفلسطيني في حالة أقلية أصلية، كالأقلية الفلسطينية في إسرائيل، يمكن أن يشكل تحديا لحالة الهامشية والسيطرة التي يقوم على بنائها جهاز التعليم العربي. جهاز التعليم العربي الذي يديره عرب من مدراء ومعلمون ومفتشون، وتشكل فيه اللغة العربية لغة التدريس، كان من المفروض أن يشكل أساسا لتمكين المجتمع وتطوره، ولكنه في الواقع يشكل عاملا لتهميش المجتمع العربي، وأداة للسيطرة عليه (Al-Haj، 1995)، بينما يمكن أن يشكل التعليم العالي الفلسطيني الذي يتطور في الجامعة الإسرائيلية اليهودية، ويتخذ من اللغة العبرية لغة للتدريس، ويتحرك في إطار المشهد الثقافي اليهودي، تحديا لحالة الهامشية والسيطرة. ويملك الخريجون الفلسطينيون فيه وعيا اكبر للقوة الكامنة في مجتمعهم.

تخضع عملية اختيار الموضوع الدراسي إلى قرار عقلاني في الدرجة الأولى، مرتبط باعتبارات سوق العمل والتوظيف، حيث يتوجه غالبية الطلاب الفلسطينيين لدراسة العلوم الاجتماعية والإنسانية لأسباب عديدة، منها، أن شروط القبول لهذه المواضيع أسهل من شروط القبول للمواضيع المستقلة، أو المواضيع الطبية، مع العلم أن الطالب الفلسطيني يدرك أن الاقتصاد الإسرائيلي مغلق أمامه في مثل هذه المواضيع بالذات، فيبقى سوق العمل الأساسي المفتوح أمامه، هو السوق المحلي، وينحصر هذا العمل بالنسبة للأكاديمي الفلسطيني في مجالين: جهاز التعليم العربي، والحكم المحلي.

تعتبر المهن الحرة والمستقلة خيارا لدى الطلاب المتفوقين، وخصوصا عند أبناء الأقليات، وهذا حال الفلسطينيين في إسرائيل، وتبقى مواضيع العلوم الاجتماعية والإنسانية خيارا للطلاب غير المتفوقين، ولكن لا يعني ذلك أن أبناء مجتمعات الدول المتطورة، لا يتوجهون إلى مواضيع المهن الحرة والمستقلة، ولكن يضاف لديهم ميل لدراسة لغتهم الأم، ودراسة التاريخ والفلسفة والعلوم السياسية والآداب، وذلك للمساهمة في عملية بناء الدولة، وإنتاج الثقافة وبرامج التعليم، الأمر الذي يفسر الاختلاف بين أبناء الأقليات وأبناء الأغلبية.

في حالة الأقلية الفلسطينية، تشكل نظرية الاستثمار في رأس المال، والنظرية البنيوية، ونظرية الخيار العقلاني، (انظر المبحث النظري) منظومات يمكن من خلالها فهم الالتحاق بالجامعات لدى الطلاب الفلسطينيين. ينظر الفلسطينيون إلى التعليم العالي على انه جزء من استثمار فردي ومجتمعي، يصب في النهاية في تحسين الظروف الحياتية للفرد، وينعكس بالتالي على المستوى الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع، لأنه وبعد ضياع الأرض لم يعد المجتمع الفلسطيني مجتمعا فلاحيا، بل أصبح بروليتاريا في الاقتصاد اليهودي، لم تخلق هذه الصيرورة برجوازية عربية، أو طبقة وسطى منظمة، ويطلق زريق على هذه العملية بـ"التجرد من الزراعة" (Zureik، 1979). ومع بداية نشوء طبقة وسطى في السبعينات، وارتفاع الوعي الوطني، وبناء مؤسسات المجتمع، بدأ التعليم عموما، والتعليم العالي خصوصا، يأخذ منحى جديد في التفكير المجتمعي والجماعي للفلسطينيين في إسرائيل، وتحول إلى أكثر الاستثمارات جدوى على تطور المجتمع. وتنطلق نظرية رأس المال البشري أن الاستثمار في التعليم العالي سيعود بالفائدة المستقبلية على الفرد والمجتمع، وعندما تتحول الفائدة إلى هامشية أو غير مجدية من الناحية الاقتصادية بالأساس، فان القابلية للانخراط في التعليم العالي تهبط، وهذا ما يمكن أن نفسر من خلاله هبوط نسبة الطلاب الفلسطينيين في الجامعات منذ منتصف الثمانينيات وأوائل التسعينيات، حيث أن عدم قدرة سوق العمل على استقطاب الخريجين الفلسطينيين من الجامعات الإسرائيلية أدى بدوره إلى هبوط معدلات الطلاب الفلسطينيين في مؤسسات التعليم العالي.

ينطلق هذا البحث من فرضية، لها ما يؤيدها، تقول إن المبنى الذي ينضوي تحته الفلسطينيون في إسرائيل أدى إلى تهميشهم، فجهاز التعليم العربي يهدف إلى إحكام السيطرة على الفلسطينيين في إسرائيل (Al-Haj، 1995، Abu-Saad، 2006، 2006a)، والجهاز السياسي الإسرائيلي يهدف إلى إقصاء المواطنين الفلسطينيين عن عملية صنع القرار السياسي وتوزيع الموارد المادية والمعنوية (Ghanem، 2001)، أما مشاركة العرب في الاقتصاد الإسرائيلي فتتم على هامشه، دون تطوير لاقتصاد فلسطيني مستقل (Haidar، 1990)، بينما نصل إلى نتيجة، من خلال بحثنا، أن من الممكن للتعليم العالي الفلسطيني في إسرائيل أن يشكل حالة من تحدي الهامشية، إذا تم صياغة أجندة بحثية واضحة، وجدول أعمال أكاديمي منظم للمجتمع الفلسطيني، ذلكم أن التعليم العالي سيكون الأداة والمساحة التي تشكل حالة تحدي الهامشية والإقصاء. ولا يحتاج انجاز ذلك، إلى مباركة رسمية مؤسساتية، كما هو الحال، لأي تغيير نسعى له في جهاز التعليم العربي، بل هو خاضع لإرادة مجتمعية وجماعية منظمة، يقوم على حملها المجتمع الفلسطيني، بكل مركباته السياسية، الاجتماعية، الثقافية والاقتصادية.

(1) - وآثرت استخدام مصطلح أوروبي بدل غربي، في محاولة لإذابة الفوقية والعرقية بين الشرقي والغربي في البنى العقلية، فأما أوروبا فيسكنها العربي وغير العربي والمسلم وغير المسلم.

(2) - أقامت الأقلية الافروامريكية في الولايات المتحدة، شبكة من الكليات والجامعات قبل عام 1964 (HBCU)، ويصل عدد هذه الكليات والجامعات اليوم إلى 100 كلية وجامعة، لكن لا بد من الإشارة إلى أن الدافع لإقامة هذه الجامعات والكليات، كان الإقصاء الشديد الذي لحق بالمجموعة الافروامريكية في الجامعات الأمريكية البيضاء، باستثناء بعضها. وحسب المعطيات الحالية فان 14% من الطلاب الافروامريكيين يدرسون في هذه المعاهد، 24% من طلاب اللقب الأول يدرسون فيها، وواحد من ستة حملة ماجستير حصلوا عليها من هذه المؤسسات

المصدر : عرب 48
[line]
  #8  
قديم 12-01-2007, 04:07 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

كتاب اسرائيلي جديد يؤكد قيام اسرائيل باغتيال محمود عباس سياسيا


29/10/2005 13:40

وديع عواودة

اكد كتاب اسرائيلي جديد،" غزة كالموت" لمؤلفه الصحفي شلومو الدار ان الاسرائيليين لا يعرفون ويفضلون عدم معرفة شيء عن الفلسطينيين المقيمين في قطاع غزة بدافع الرغبة بالتعامي عن رؤية الطرف الاخر احيانا، وبسبب كونهم ضحايا التعمية والمغالطة المقصودة من قبل صناع القرار.

وشدد الكتاب الجديد على فكرته المركزية بالاشارة الى هيمنة العقلية والاعتبارات العسكرية على عملية التفكير الاسرائيلي الخاصة بتسوية الصراع، لافتا الى فشلها في تأمين حل المشكلة الامنية الكبيرة لاسرائيل والى دورها –العقلية العسكرية- في تجنيد كافة السكان الفلسطينيين نحو دائرة الانتفاضة بعد ان تبين ان " الحل الاسهل" هو الاكثر سوءا.

وحول تسمية الكتاب قال الدار ردا على سؤالنا ان " عزاة كمافت" تعني غزة كالموت نتيجة ما تعرضت له خلال سنوات الاحتلال، لافتا الى انه يمكن اعتماد المعنى الاخر لكلمة "عزاة" بالعبرية ليصبح معنى اسم الكتاب- " قوية كالموت".

واكد الدار استنادا الى تجربة طويلة ان السياسات العسكرية دائما مفضلة على تلك المدنية حتى بعد توقيع اتفاقات السلام، واشار الى الجيش هو الذي يوصي ويملي وينفذ قبل وبعد اتفاقات اوسلو، لافتا الى امثلة ميدانية كثيرة تتناقض مع الرواية الاسرائيلية الرسمية المهيمنة.

وفي الواقع يكمل هذا الكتاب مقولة مشابهة صدرت عن كتب اسرائيلية اخرى( الحرب السابعة او " سهم مرتد" وغيرهما) رأت النور في السنوات الخمس الاخيرة، وهي تحمل السياسات الاسرائيلية قسطا وافرا عن مسؤولية نزيف الدم وبقاء الجانبين في الدائرة المفرغة، لكنه اكثر جرأة في فضح تواطؤ الاحتلال على مساعي التهدءة والسلام وفي كشف عمق سيطرة المؤسسة العسكرية على صناعة القرار في اسرائيل.

واوضح الكاتب الصحفي شلومو الدار مراسل القناة الاولى والعاشرة الاسرائيليتين في غزة منذ العام 1995 في كتابه ان الانباء المتعلقة بالقطاع خلال الانتفاضتين الاولى والثانية قد وصلت دوما من الزاوية العسكرية الاسرائيلية بهدف تضليل المجتمع الاسرائيلي، وكأن هناك حلا عسكريا لهما.

واضاف في مقدمة الكتاب" سعت اسرائيل الرسمية إلى ايهام الاسرائيليين بوجود خطة جاهزة في الدرج للقضاء على الانتفاضة لكنها تتردد في استخدامها خشية غضب العالم".

ان الاستخدام المكثف بمصطلح " بنى الارهاب" الذي تم تلقينه للاسرائيليين أوحى بوجود قواعد عسكرية للتدريب في غزة يقدر الجيش على محوها واجتثاث المشكلة لو اعطي الضوء الاخضر من قبل المستوى السياسي.."

وسائل الاعلام الاسرائيلية عمياء ومتعامية

واتهم الدار وسائل الاعلام الاسرائيلية بالمشاركة في خلق حالة الجمود داخل المجتمع الاسرائيلي، حينما تبنت المزاعم الرسمية حرفيا دون ابداء اي تساؤل حول حقيقتها او مراميها.

واشار الدار ان الاسرئيليين لم يعرفوا انه ليست هناك قواعد عسكرية ولا بنى تحتية يمكن الاجهاز عليها بضربة واحدة مثلما انه لم يعرف ان الجيش يعدم جواب عسكري للانتفاضة.

وشدد الكتاب على ان قوة القوى الفلسطينية المعتدلة قد انحسرت ميدانيا لصالح "حماس"و" الجهاد" وفصائل المعارضة الاخرى مع وقف الانتفاضة وانجاز فك الارتباط عن غزة في صيف 2005 على خلفية السياسات الاسرائيلية التي تخلو من التفكير.

واشار الدار الى ان اسرائيل انسحبت من غزة في عملية درامية وتاريخية تاركة ورائها مدينة محطمة وجائعة وسجينة مليئة بالكراهية والعدوانية-" غزة كالموت"- دون ان تقول كلمتها الاخيرة بعد.

ونوه الكاتب الى ان مؤلفه هو ثمرة تجربة 15 عاما من العمل الصحفي المكثف في القطاع بدءا من العام1990 اي قبل اعلان "اوسلو" بعامين وانتهاء بخطة ارئيل شارون.

واوضح الدار انه خلال هذه المدة عمل على استجلاء جذور " الجنون" واستبيان " اطباع العرب" لافتا الى انه رافق ميلاد وترعرع قادة فلسطينيين وخبر من عمل من اجل الانتقام الى جانب من حاولوا الحفاظ على عقلانية وسط بحر من الجنون.

ويستبق الكاتب اؤلئك الذين يمكن ان يلوموه ويتهموا كتابه باحادية النظرة واعتماد رواية الفلسطينيين وبالتعامل المتسامح مع اخطائهم فيقول " لا ابرىء الفلسطينيين من المسؤولية عن العمليات التخريبية التي جبت ارواح ابرياء كثر ولا ازعم انهم كانوا خالين من الاخطاء التي ساهمت في تدمير المسيرة السلمية مثلما انني اتهم القيادة الوافدة من تونس والتي لم تغير انماط تفكيرها ولا الوصمات المخزونة لديهم حيال الاسرائيليين. مثل هذه المزاعم وردت وترد في كتب كثيرة. ما اردته هنا محاولة فهم ما يجري خاصة بما يتعلق بالجماهير الفلسطينية على اشكالها: العاطلون عن العمل والفاقدون للامل بحياة افضل، قادة حماس وطرق تفكيرهم وامكانية جسر الهوة بينهم وبين عقلية " الامن والسلام" الاسرائيلية."

وينوه الكاتب الى ان نقطة انطلاقه لفحص النشاط الاسرائيلي في القطاع منذ الاحتلال تدور حول السؤال: هل نشطت اسرائيل انطلاقا من حكمة سياسية طويلة الامد اخذت بالحسبان المخاطر والنتائج او انها تحركت بدوافع اخرى مثل ارضاء الرأي العام الاسرائيلي او تبني حلول " اضرب واخلص" دون الاخذ بالحسبان العواقب المدمرة والمؤثرة لهذه القرارات على امن اسرائيل ومواطنيها.

وتساءل الكاتب وهل هناك سياسة اسرائيلية في غزة؟ وكيف سيطرت المفاهيم العسكرية على العمليات السياسية برمتها وصارت هي التي تقرر؟

ويقتبس الدار في هذا السياق "صديقه "الناشط ايهاب الاشقر عضو قيادة الانتفاضة الاولى الذي قال" انتم الاسرائيليون لا تعرفون ان شعبا اخرا يعيش هنا؟ شعب فيه السمين والنحيل والجميل والقبيح والمتطرف والمعتدل والمسن والشاب.. شعب باغلبيته يريد الحياة بهدوء".

فسيفساء بشري فلسطيني

ويلفت الدار الى ان "غزة كالموت" هو قطعة فسيفساء بشرية مركبة من اشخاص يروون قصة واحدة كبيرة حول اضاعة الفرصة.

واضاف " وهو قصتي انا ايضا كصحفي اسرائيلي في غزة بين الانتفاضتين وداخلهما. حاولت نقل صورة الواقع كما هو لا عبر فوهة البندقية والمفاهيم انما من خلال عدسة الكاميرا والعيون التي ترنو للمعرفة."

ويسهب الكتاب في وصف اهمية الاسرى بالنسبة للفلسطينيين واعتبر انها السبب المركزي لفشل كافة المسيرات السلمية منذ توقيع اتفاقية اوسلو واندلاع الانتفاضة، لافتا الى ان اسرائيل اخطأت في فهم وتقدير حجم الضغط الكبير الذي مارسه الاسرى على قيادة السلطة الوطنية.

واضاف " فيما اعتبر الفلسطينيون ان سجناءهم هم اسرى حرب ينبغي الافراج عنهم كشرط للسلام فقد قامت اسرائيل بتكبيل يديها بصك مصطلح " اسرى دماؤهم ملطخة بالدماء" لا يمكن اطلاق سراحهم للابد بدلا من ان تجتهد لايجاد تسوية او مخرج.".

واشار الكاتب الى انه عند توقيع اتفاقات كانت اسرائيل تلتزم للقيام بالافراج عن اسرى لكن سرعان ما افرجت عن سجناء جنائيين ولصوص سيارات او اسرى انتهت مدة محكومياتهم وهذا ما دفع الفلسطينيين للشعورب بأنهم مضللين.

كما نوه الدار الى ان اسرائيل لم تثمن وزن ودور الاسرى الفلسطينيين في دفع مسيرة السلام وليس العكس، واضاف" وفي ذلك تنعكس هيمنة المفاهيم العسكرية حيث لا تسمع اراء مديري السجون الذين يحتكون بالاسرى يوميا ويعرفون مواقفهم وقدرتهم على تغيير الاوضاع السياسية".

من قتل عرفات؟

وفي سياق الحديث عن العلاقة المركبة بين الرئيس الراحل ياسر عرفات والوزير السابق محمد دحلان يورد المؤلف محادثة بينه وبين دحلان جاء فيها:

- هل تعلم سبب وفاة الرئيس عرفات؟
دحلان:" انت تعلم ان هذا بمثابة سر"
-وهل قرأت تقريرالمرض والوفاة؟
دحلان:" طبعا شاهدت كل شيىء"
-وانت طبعا تعرف ماذا يقولون بأنه مات جراء الايدز..هذه الاشاعة بلغت دحلان لكنه لم يكن متفاجئا ولم يسارع الى نفيها.
دحلان:" استطيع ان اقول بالتاكيد ان عرفات لم يمت موتا طبيعيا "
-وهل مات مسموما؟
دحلان:" لا .انا لا اقول ذلك . لقد مات موتا غير طبيعي وهذا ما سيتكشف لاحقا."

ويسهب الكتاب في تبيان المعاناة اليومية الكبيرة اللاحقة بالفلسطينيين جراء الاجراءات الاسرائيلية الصارمة في المعابر خاصة في معبر " ايريز وجعل خروج الصادرات والعمال الفلسطينيين مهمة غير انسانية الى حد كبير.

ويؤكد ان عبور البضائع الفلسطينية كان مرهونا بصحة كلب ابيض مدرب استخدمه الاحتلال لفحص الصادرات والواردات الفلسطينية، والتي كانت تعطل عندما خلد الكلب للراحة ساعات طويلة او في حالة تغيبة عن العمل بسبب المرض. هذا اضافة الى الاثمان الباهظة التي تكبدها الفلسطينيون نتيجة عمليات حراسة المستعمرات من قبل الاحتلال.

ويوضح الكتاب ان القيادة الاسرائيلية طالما كانت تعي في قرارة نفسها ان مطالبتها عرفات ومحمود عباس من بعده بنزع اسلحة المنظمات المسلحة ليست عملية كون السلطة الفلسطينية غير قادرة على ذلك بعد ان خرج المارد من القمقم خلال الانتفاضة. واضاف" هذه المطالب الاسرائيلية كانت موجهة في الواقع لاذان الاسرائيليين قبيل كل خطوة ربما يفسر كتنازل اسرائيلي".

ونوه الكتاب الى ان محمود عباس دائما كان معنيا بوقف التسلح وفوضى السلاح غير انه لا يقوى على ذلك بواسطة 2700 بندقية متقادمة.

وكشف ان ارئيل شارون في لقائه الاخير مع عباس في يونيو/حزيران2005 رفض طلب الاخير بتزويد الشرطة الفلسطينية بالسلاح والذخائر بحجة ان السلطة تتمتع بالواقع بقوة اكثر مما يبدو في الاعلام.

وفي هذا السياق يزعم الكاتب ان الفلسطينيين والاسرائيليين يتصرفون بموجب دوافع وضغوطات داخلية ترمي الى اشباع رغبات الراي العام المحلي ومراضاة الانا والكرامة القومية للجانبين..

ويستذكر الكاتب عملية اختطاف الجندي الاسرائيلي نحشون فاكسمان في اكتوبر/تشرين اول 1994 واشار الى ان الامن الوطني انتدب الناشط المطلوب جمال ابو سمهدانة لاقناع حماس بعدم جدوى مساومة اسرائيل بالجندي من اجل الافراج عن اسرى فلسطينيين، واضاف" اكد لي ابو سمهدانة وقتذاك ان قيادة حماس في غزة استجابت لطلبي بعدم قتل الجندي وكانت تبحث عن طريقة للنزول عن الشجرة، لكنها فوجئت بالمحاولة الاسرائيلية الفاشلة للسيطرة على الخاطفين في بيت نبالا".

واشار الدار ان القائد في كتائب عز الدين القسام عبد الفتاح السطري قد اكد امامه قرار حماس عدم قتل الجندي حتى بعد نفاذ وقت الانذار بقتله.

وفي السياق ذاته يقول الكتاب ان السلطة الوطنية بمبادرة محمد دحلان اوشكت عام 1996 على ابرام اتفاق مع "حماس" على وقف العمليات الاستشهادية داخل اراضي 48 ودمج مسلحيها في اجهزة السلطة ضمن "جيش الشعب"، لكن اسرائيل فضلت اعتبارات سياسية قبرت فرصة كبيرة باغتيالها المهندس يحيى عياش في 15 يناير/كانون ثاني 1996.

ويقتبس المؤلف محمد دحلان قوله ان السلطة وحماس بدأتا بتدوين بنود الاتفاق بينهما لوقف العمليات في العمق الاسرائيلي، ودمج الكتائب المسلحة في الاجهزة الرسمية مقابل التزام اسرائيل بوقف الاغتيالات والملاحقات.

واشار الكتاب الى ان الجانب الاسرائيلي كان مطلع على الاتصالات المذكورة غير انها كانت تتهرب تارة او توافق شرط اخراج يحيى عياش ومحمد ضيف من دائرة الالتزام رغم تحذيرات محمد دحلان من المس بعياش وعرض تهريبه الى مصر وصولا الى حل مرض للطرفين.

السبب الحقيقي وراء اغتيال يحيى عياش

ويكتفي المؤلف بالاشارة الى رأي محمد دحلان الذي اعتبر ان الشاباك فضل تصفية عياش من اجل التغطية على فشله اثر اغتيال اسحق رابين، خاصة ان لجنة التحقيق الرسمية قد اوصت باستقالة رئيس الجهاز كارمي جيلون. وفيما لا يعلق الكاتب على رؤية دحلان هذه فانه يكمل عرضها بالقول ان القيادة الفلسطينية الرسمية اعتقدت ان واقع اتفاق اوسلو ومجمل العلاقات الفلسطينية الاسرائيلية كانت ستبدو مختلفة تماما لو منحت اسرائيل الفرصة لاتفاق حماس والسلطة الوطنية ان يخرج للنور وتحاشت اغتيال عياش.

وبعد سلسلة عمليات الثأر التي نفذتها حماس في العمق الاسرائيلي اقترح محمد دحلان، وفقا للكتاب، على الرئيس عرفات بتفكيك حركة حماس غير ان الاخير رفض اصدار الاوامر.

ويلقي الكتاب الضوء على مختلف الحملات العسكرية وعمليات القصف الوحشية التي قام بها الاحتلال ضد المدنيين والعسكريين في قطاع غزة وسط استخدام مفرط للقوة منوها ان ذلك صب الزيت على النار وجند المزيد من الفلسطينيين الى دائرة المقاومة بعيدا عن انجاز هدف الجيش بحسم المواجهة عسكريا وكي وعي الفلسطينيين.

ومن ضمن هذه العمليات حملة" قوس قزح"ضد رفح عام2004 التي زعم الاحتلال رسميا انها تهدف الى الكشف عن الخنادق وهذا ما يفنده الكاتب بالاشارة الى ان حي تل السلطان المستهدف يبعد عن محور صلاح الدين(فلادلفي) اكثر من كيلومترين..

واعتبر الكتاب ان مواصلة الاحتلال قصف اهداف متعددة في القطاع في ضوء استمرار العمليات التفجيرية في المدن الاسرائيلية رغم الاجهاز على قواعد المقاومة في الضفة الغربية، تنم عن رغبة اسرائيل بجعل غزة هدفا لضربات " فشات الخلق" لاشباع رغبات الاسرائيليين بالانتقام، خاصة وان الجيش لا يستطيع مصارحتهم بانه استنفذ كل الوسائل لمواجهة تفجيرات الحافلات وصواريخ القسام ولم يعد بالامكان ما يفعله للحيلولة دون وقوعها.

ونوه الكتاب ان الطريقة الوحيدة التي بقيت بايدي الجيش تتمثل بالسعي لقتل اكبر عدد ممكن من الفلسطينيين لغرض الردع.

ونوه الكتاب الى استخدام الاحتلال لاسلحة سرية خلال قصف استهدف مطلقي صواريخ القسام في مخيم النصيرات في اكتوبر2003 والى انكشاف اكاذيب الجيش حول حقيقة القصف الذي اودي بحياة تسعة مدنيين وذلك بفضل تهديدات النائب يوسي سريد الذي هدد بنشر المعلومات التي بحوزته حول العملية.

واكد الكتاب ان اسرائيل لم تبادر الى بلورة اي برنامج عدا الحملات العسكرية العينية، لافتا الى ان الفلسطينيين ادركوا ذلك خلال الانتفاضة الثانية. ويقتبس المؤلف انتقادات ضباط كبار خدموا في القطاع قالوا ان المواجهةالاخيرة مع الفلسطينيين امتازت بغياب الفرق بين الاستراتيجية والتكتيك في اشارة الى ضعف المستوى السياسي وانقطاعه عما يحدث في الميدان تاركا للجيش حرية التصرف كما يروق له.

وبشكل يطابق مضامين كتاب اسرائيلي سابق-"سهم مرتد"- لمؤلفيه الصحفيين عوفر شيلح ورفيف دروكر يتهم " غزة كالموت" اسرائيل باستخدام رواية ان عرفات هو سبب كل علة من اجل تصفية السلطة الوطنية وقمع الفلسطينيين وشق الطريق امام الفوضى السائدة اليوم.

تصفية محمود عباس

وتحت عنوان " الهدف: تصفية ابو مازن" يقول الكاتب ان امنية هامة لاسرائيل قد تحققت في ابريل/نيسان 2003 عندما انتخب محمود عباس رئيسا للحكومة الفلسطينية والمعروف بموقفه ضد الانتفاضة المسلحة.

لكن اسرائيل، يؤكد الكتاب، بادرت الى بتر السلم الطويل من تحت اقدام ابو مازن ورجالاته الذين استعدوا للقيام بتغييرات في الجانب الفلسطيني.

وحينما توجه عباس لاسرائيل طالبا منحه الفرصة لاعادة ترتيب الامور باشرت هذه بموجة اغتيالات للناشطين الفلسطينيين في "موسم صيد" جديد فيما سارع رئيس وزرائها الى نعت ابو مازن ب"الفرخ".

ولفت الدار الى قيام الاحتلال باستخدام الاعذار الجاهزة لتبرير اغتيالاته واضاف" لكن الجيش لم يصرح بحقيقة اسباب الاغتيال في حوادث غير قليلة ودائما كانت اسرائيل ترفع من اهمية ودرجة من تغتاله بل وتزور وظيفته كما حصل مع الناشط رائد ابو زيد الذي عمل موظفا في نادي الاسير في البريج واغتيل في ربيع 2003 بحجة انه نائب محمد ضيف".

ولفت الدار ان المس بالمدنيين العزل جراء سياسة الاغتيال العشوائية وغير المفهومة هي التي حركت مجموعة من الطيارين لاصدار بيان اكدوا فيه رفضهم المشاركة بعمليات القصف الجوي في القطاع.

واشار الكتاب الى ان سلسلة الاغتيالات التي طالت القادة السياسيين في حماس قد ضاعفت من قوتها على حساب السلطة الفلسطينية ومحمود عباس.

ومن ضمن الامثلة الصارخة على دأب اسرائيل على عرقلة مساعي عباس وصولا للهدنة يورد الكتاب بلوغه غزة في مايو/ايار 2003 من اجل التوصل الى اتفاق تهدئة مع الفصائل فوجد اسرائيل تسابقه لزيارة القطاع وتبدأ بعملية اجتياح وحصار لبيت حانون.

واستذكر الكتاب اغتيال القائد السياسي في حماس اسماعيل ابو شنب في اغسطس/اب 2003 بهدف الانتقام من عملية تفجيرية في القدس نفذها ناشط من حماس من الخليل دون علم قيادة الحركة وبهدف الاجهاز على الهدنة.

حماس حركة براغماتية

ويرفض الكتاب الموقف الاسرائيلي الرسمي حول المزاعم ان "حماس" و" الجهاد الاسلامي" قد قبلتا بالهدنة الاخيرة(يونيو/حزيران 2003) بسبب خوف قادتيها من الاغتيال، واضاف" الاسباب مركبة وحماس حساسة لنبض الشارع وهي استشعرت برغبة اغلبية الشارع الفلسطيني بالهدنة اضافة الى الاسرى انفسهم".

ونوه الكتاب الى بعض كبار الاجهزة العسكرية يبدون اليوم ندمهم على الخطأ الكبير في تعاملهم مع حكومة محمود عباس، لافتا الى ان اسرائيل تجاهلت عمدا اشارات سياسية براغماتية صادرة من حماس وقائدها الشيخ احمد ياسين منها تصريحات اسماعيل هنية في 1995 حول التوصل الى تسوية تقام فيه دولة فلسطينية بحدود العام 1967 فيما ترجأ القضايا الجوهرية الاخرى لمدة عشرين عاما –للاجيال القادمة.

واقتبس الكاتب اسماعيل هنية يقول ان تصريحاته هذه جاءت بموافقة الشيخ احمد ياسين نفسه الذي كان قد صرح بما هو مشابه في مطلع الانتفاضة الاولى ولفت ان رئيس الموساد افرايم هليفي كشف في حينة للقناة الاسرائيلية الاولى حقيقة مسعى حماس لفتح قنال اتصال مع اسرائيل نحو التوصل للحل المذكور.

واضاف على لسان هليفي" قام الشيخ ياسين من سجنه في عسقلان بايصال الرسالة السياسية لخالد مشعل حيث قام بدوره باطلاع الملك الاردني الذي اوصل الرسالة الى رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو.

ويقول الكاتب ان حماس اضطرت للتصدي لاتفاق اوسلو ليس بدافع سياسي يتعلق بالتنازل عن اراضي 48 او حق العودة فحسب انما بالاساس بسبب اخراجه الحركة خارج اللعبة وتحويلها الى معارضة.

ويعتبر الكاتب ان القيادة الجماعية الراهنة للحركة تتعمد الخطاب الضبابي وتسعى الى السيطرة على مقود القيادة في السلطة الوطنية بدلا من محاربتها خلافا لما حصل في الماضي، منوها الى انها تهدف ايضا بواسطة ذلك الى منع انشقاق الحركة وانقاذها من فوضى مسلحة بعد خروج المارد من القمقم وانفلات الامور مشيرا الى الجناح العسكري المتشدد داخلها.

المصدر : عرب 48
[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 12-01-2007 الساعة 04:10 PM
  #9  
قديم 14-01-2007, 03:40 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

"الهجوم التالي"على الولايات المتّحدة الأمريكية

"فشل الحرب على الإرهاب، و إستراتيجية للتغلب عليه بشكل صحيح"


اسم المؤلف: دانييل بنيامين و ستفين سايمون

تاريخ النشر: تشرين اول 2005

دار النشر: نيويورك تايمز بوكس

الطبعة: الأولى

عدد الصفحات: 352

قراءة: علي حسين باكير 17/8/1427

10/09/2006

يُعدّ هذا الكتاب ذروة عمل كِلا المؤلّفين، اللذين استفادا من تجربتهما كمستشارين للرئيس كلينتون في مجلس الأمن القومي في عهده، و يتميز الكاتبان بنظرتهما العميقة و التحليلية -بحسب الدوائر الغربية- لتنظيم القاعدة و طريقة عمله، و للإسلام "الراديكالي" و للسياسة البيروقراطية المتّبعة في مكافحة الإرهاب.
و قد جاء هذا الكتاب لهما ضمن سياق كانا قد ساهما فيه من خلال كتاب سابق تمّ نشره العام 2002 حول التهديد الإرهابي المعاصر، و جهود الحكومة الأمريكية للتعامل معه بعنوان "عصر الإرهاب المقدّس"، و نشرته "راندم هاوس".
الفكرة الأساسية للكتاب الذي بين أيدينا يمكن تلخيصها بالجملة الواردة فيه و هي: "نحن نخسر. أربع سنوات و حربين بعد هجمات 11 أيلول عام 2001، أمريكا تتّجه نحو تكرار ما تعرّضت له في ذلك اليوم، بل و ربما ما هو أسوأ منه. موقفنا الإستراتيجي يضعف باسمترار أمام عدوّنا اللدود و الخطير". و يدعّم الكاتبان هذه النظرية بأفكار و شواهد عديدة, منها أنّ الولايات المتّحدة الأمريكية تخسر الحرب على الإرهاب بسبب الجهل، الحماقة، و الرؤى الأيديولوجية لإدارة بوش. و يؤكّد المؤلفان أنّ الأحادية و الخطابات الاستفزازية و الوسائل العدوانية جداً المستخدمة من قبل إدارة بوش، و خاصة مسألة غزو و احتلال العراق أشعلت نيران الراديكالية الإسلامية حول العالم، و أوجدت جحافل كبيرة من الأعداء و الإرهابيين الجدد.

الخطر الجهادي يزداد و الجماعات تتكاثر

يبدأ الكتاب بالتركيز على انبعاث الخطر الجهادي بعد 11 أيلول 2001، ثم ينتقل للتركيز على الجيل الجديد لما يسميه بالإرهابيين الإسلاميين "المبادئين ذاتياً" أي الذين يأخذون المبادرة ذاتياً كما حصل في تفجيرات مدريد، المغرب، لندن، و غيرها. على أنّ القصد من هذه النماذج التي يتكلم عنها الكتاب الإشارة إلى انتشار الخلايا "الإرهابية" بشكل ذاتي و لا مركزي، لكن بدوافع مشتركة، أيديولوجيات متشابهة و تواصل عالمي على الإنترنت.
و يناقش الكتاب فيما بعد أيضاً مسألة "الجهاد في عصر العولمة"، فيقول المؤلفان: إنّ ذلك قد أدّى إلى ذوبان الفروقات الوطنية و العرقية بحيث أصبح مثلاً الأردني من البدون من الصحراء الشرقية للبلد، و الجزائري المهاجر في حيّ باريسي، و الاندونيسي في الشرق الأقصى، يعدون أنفسهم الآن جزءاً من مجتمع واحد له مصالح مشتركة، و كل ما عدا ذلك هو مسألة ثانوية.
و يشير الكاتبان إلى إنّ صورة الولايات المتّحدة لدى العالم الإسلامي لم يسبق لها أن كانت بمثل هذا السوء، و إنّ ادّعاءات الجهاديين بأنّ الولايات المتّحدة تسعى إلى اضطهاد و معاقبة المسلمين لم يسبق لها أن كانت بمثل هذه المعقولية.

غزو العراق خطأ كبير جداً قد نندم عليه

يخصص الكاتبان فصلين كاملين لتحليل قرار إدارة بوش بإزاحة صدّام. و عدم توقّع رجال الإدارة و المسؤولين الأمريكيين لتداعيات و نتائج و آثار و سلبيات عملها هذا. فالمؤلفان مقتنعان تمام الاقتناع أنّ غزو و احتلال العراق قد أدّى إلى ازدياد الخطر "الإرهابي" على الولايات المتّحدة نفسها و على العالم الغربي بأسره، وأنّه سيستمر هكذا. و يستندان في قولهما هذا إلى أنّ غزو العراق قد وفّر قاعدة استقرار "للإرهابيين" و أمّن لهم مكاناً مناسباً و جيداً للتدريب، و لاكتساب الخبرة العملية على أرض الواقع. كما أنّه قد غذّى صورة أمريكا السيئة أصلاً لدى العالم الإسلامي، و دعّم حملة (البروبغندا) الناجحة التي تقوم بها القاعدة، و هي (أي الحرب على العراق) تلحق الضرر بالجماعات الموالية لأمريكا في العالم العربي و بسياساتها.
يحذّر الكتاب فيما بعد الولايات المتّحدة الأمريكية من عواقب تركها لساحتها الداخلية مكشوفة بهذا الشكل بسبب انشغالها في الحرب على العراق. و يطالبها بالاستعداد لتحمّل و إدارة عواقب وخيمة جداً في حال وقوع ضربة ثانية منتظرة في عمق الأراضي الأمريكية؛ بيولوجية أو إشعاعية هذه المرّة.

الإخفاق في الحرب على الإرهاب و احتمال وقوع ضربة ثانية كبيرة

و ينقض الكتاب حجج أتباع إستراتيجية بوش في الحرب على الإرهاب و المناصرين له من رجال الإدارة الأمريكية فيقول: "إنهّم لا يقدّمون دليلاً على تحقيقهم أي تقدّم في مكافحة الإرهاب باستثناء القول إنّ القاعدة لم تنفّذ أي اعتداءت على التراب الأمريكي منذ 11-ايلول". إنّ الإدارة الأمريكية تعتمد على الإنكار السلبي في دعم نظريتها التي تقول إنّها نجحت في القضاء على القاعدة و تفكيكها. ثمّ يردّ الكتاب على هذه الحجّة بالقول: "لكنّ أكثر المنطقيين يعرفون أنّ غياب أي عمل أو ضربة للقاعدة ضدّ أمريكا ليس دليلاً على أنّه قد تمّ القضاء عليها أو تفكيكها".
و بحسب مستشاري الرئيس السابق بل كلينتون و الخبراء في مكافحة الإرهاب (دانييل بنيامين) و (ستفين سايمون) فإنّ تركيز إدارة بوش بشكل أحادي على الجانب الهجومي في الحرب على الإرهاب قد ترك العمق الأمريكي عرضة لهجوم هائل و كارثة اخرى. و وفقاً لهما فإنّ إدارة بوش استنتجت أنّ مجتمعاً مفتوحاً كالمجتمع الأمريكي فيه الكثير من الأهداف السهلة و الرخوة، و إنّ كلفة الدفاع عن أي عمل قد يُشن على هذه الأهداف عالٍ جداً. يمكن لأحدهم أن يتصور مدى الكلفة العالية التي يتطلبها مثلاً حماية نظام السكك الحديد الأمريكي للنقل، أو الموانئ الأمريكية، أو التصدي لخطر صاروخ يُطلق من الكتف على طائرة مدنية، أو مدى كلفة صد أي هجوم إرهابي بيولوجي. و عندها فقط يمكن للمرء إدراك مدى الانكشاف أمام حماية الوطن بشكل كافٍٍ.
لقد اتّخذت إدارة بوش قراراً باستخدام الوسائل و الأدوات الهجومية على أمل القضاء على تنظيم القاعدة و هزيمته، لكنّ إعصار كاترينا برهن بشكل واضح عدم جهزوية و استعداد أمريكا على الصعيد الداخلي لأي كارثة قد تضرب و تصيب الأراضي الأمريكية.
إنّ حيازة أي من الجماعات المعادية للولايات المتّحدة الأمريكية أسلحة دمار شامل سيغيّر من طريقة حياة الأمريكيين. فإسقاط طائرة مدنية واحدة بصاروخ كتف يبلغ ثمنه (5000) دولار سيكلّف الاقتصاد الأمريكي (15) مليار دولار، و إذا ما تمّ إلحاقه بصاروخ آخر فإن ذلك سيكلف الاقتصاد الأمريكي أكثر من (50) مليار دولار.
و يقول دانييل و ستيفن إنّ الإدارة الأمريكية و بدلاً من أن تقوم بحماية قطاع الملاحة الجوية المدنية الذي يكلّف من أدوات تشويش إلى حراسة و مستلزمات أخرى حوالي (40) مليار دولار، و مثلها لحماية الموانئ، و بدلاً من أن تقوم بتمويل مراكز مراقبة الإرهاب الكيماوي و النووي تقوم بإنفاق (400) مليار دولار في العراق و هي غارقة فيه.

المطلوب تغيير الإستراتيجية

و يؤكد المؤلفان أنّ الإدارة الأمريكية شتّتت و بدّدت المصادر الأمريكية، و هيبة و احترام و نفوذ أمريكا و ثوابتها الأخلاقية في إستراتيجيتها الملتبسة لإعادة صياغة الشرق الأوسط وفق النظرة الأمريكية، و يشيران إلى أنّ تأكيد الإدارة الحصري و الأوحد على الجانب الهجومي الذي يتناسب مع عقيدة و خلفية بوش الإنجيلية قد جعل من أمريكا في الحقيقة أكثر ضعفاً ليس إلاّ.
و يصل المؤلفان إلى قناعة مفادها أنّ الدفاع وحده هو ما يمكن أن يؤمّن كسب الحرب على الإرهاب؛ فبالدفاع وحده تُربح البطولات، و الدفاع المناسب و الكافي التمويل و الأقل إثارة و درامية من إستراتيجية "الصدمة و الترويع" هو الذي يجعل أمريكا أكثر أمناً.
و يؤكّدان أنّ المطلوب هو اتّباع إستراتيجية مبتكرة طويلة المدى، إستراتيجية تعترف أنّه قد تمّ عسكرة المعركة أكثر من اللازم، و أنّ الالتزام يجب أن يكون بالإصلاح أيضاً بطريقة أكثر من خطابية و أقل من عسكرية. و يشير الكتاب إلى أنّ سعي واشنطن لتأطير الصراع بشكل ديني قد قوّض من قدرة الولايات المتّحدة على محاربة الإرهاب، و يتساءل: هل أمريكا تمتلك ما هو لازم لمحاربة الإرهاب الإسلامي؟ أم أنّ أيديولوجيتنا نحن الأمريكيين قد أعمتنا؛ فلم نعد نعي ماذا يحصل؟! الجواب على هذ االسؤال هو الذي سيحدد ما إذا كنّا حقيقة في مأمن من ضربات الإرهابيين في السنوات القادمة أم لا.[line]
ضحايا بريئة للحرب العالميّة على الإرهاب

عرض: عبدالله الرشيد 19/4/1427

17/05/2006

تأليف: د. محمد بن عبد الله السلومي
الناشر: مجلة البيان
الطبعة الأولى : 2005
غلاف كبير في 304 صفحات

يُعدّ هذا الكتاب امتدادًا لكتاب "القطاع الخيري ودعاوي الإرهاب" الذي تحدث عن المرحلة الأولى للحملة الأمريكية الإعلامية ضد العمل الخيري الإسلامي؛ إذ يأتي كتاب (ضحايا بريئة)ليكمل الصورة بتناول مرحلة تاريخية جديدة لهذه الحملة اتسمت بالمستجدات في الإجراءات الإدارية والعالمية.
ينطلق المؤلف من حيث انتهى كتابه الأول من عدم وجود تعريف للإرهاب حتى الآن ليثبت في كتابه الجديد من خلال آراء الساسة الغربييين أنه إذا كانت الحرب الباردة تُعدّ حربًا ثالثة واضحة الأهداف والمعالم؛ فإن الحرب العالمية الرابعة (حرب الإرهاب) ليست كذلك؛ لأنها حرب هلامية لم تتحدد فيها حقيقة العدو، لكنها حرب خلّفت أشلاء بريئة من الفقراء والأغنياء على حد سواء؛ فالقاسم المشترك بينهم هو الانتماء الديني والعمل الإنساني.
يطرح الكاتب اصطلاح "ضحايا بريئة" قاصدًا به المؤسسات والجمعيات الخيرية الإسلامية الإغاثية والتعليمية ببرامجها وأنشطتها وأموالها وبعض العاملين فيها لتكون الضحايا الأكثر تضررًا بعد ذلك هي تلك الشعوب والأقليات الجائعة والمتعطشة للإغاثة من ملايين البشر التي تصارع الموت وتعاني من المرض، وتتجرع كل آثار الحروب والتشرد والاضطهاد، وليصبح العالم المتحضر أكثر سوءًا من قبل.
يوضح الكاتب أن ذلك بدأ بشكل مبكر من خلال طرح الافتراءات والشكوك والشبهات تجاه المؤسسات الخيرية الإسلامية داخل وخارج أمريكا؛ وذلك قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بسنوات، وإن كانت مسوغات قوة عولمة الحملة الأمريكية جاءت بعد الأحداث؛ حيث الاتهامات ودعاوى التجميد والمصادرة والإغلاق تحت مسمى "الدعم المالي للإرهاب" والتي يعدها غطاء للإستراتيجية الجديدة التي تعدّ الإسلام ومؤسساته من فصيلة "المنافسين الجدد"، متفقًا في ذلك مع رؤية (توفلر) عن منظومة المنافسين الجدد؛ وذلك لأن عنصري المنافسة والاستقلالية عن الحكومات متحققان بشكل كبير في المنظمات والجمعيات الخيرية الإسلامية، ولأنها –حسب هذه الرؤية الجديدة- تُعدّ خارج نطاق السيطرة كما تصنفها أمريكا، ومن ثم فهي بأجندتها الأخلاقية الإسلامية واستقلاليتها المالية والفكرية تشكل عنصرًا قويًا في ميدان المنافسة والندية للمتعصبين من الغرب أفرادًا ومؤسسات ودولاً. ويخشى الكاتب من امتداد التعسف الظالم إلى أن تُصنّف بعض وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة ومواقع مستقلة في شبكات الإنترنت –بل بعض المراكز العلمية والمناهج الفكرية، وحتى المؤسسات والمنظمات الدولية المستقلة- ضمن قائمة (المنافسين الجدد)؛ خوفًا من انتقال القوة أو السلطة لها؛ لأنها تتعارض مع سياسة المرحلة التاريخية الجديدة؛ ويدل على ذلك بعدة شواهد منها:
الحرب على الإرهاب أسفرت عن موجة من التغييرات ضمن الدول؛ إذ بدأت الواحدة تلو الأخرى في فرض إجراءات تشديدية جاءت على حساب الحريات المحدودة. ودليل آخر على ذلك تمثّل في طلب الولايات المتحدة الأمريكية إلغاء مناهج التعليم الديني في الوطن العربي بصفته الوعاء الذي يتخرج منه الإرهابيون بحسب دراسة للخارجية الأمريكية.
ويبرز الكتاب حرفية اختيار اتهام المنظمات بصلتها بالإرهاب؛ إذ من الصعب تخيل قضية يمكنها تقويض الثقة في العمل الخيري أكثر من الشك في صلتها بتمويل الإرهاب؛ وعلى ذلك قامت الولايات المتحدة الأمريكية بالضغط على دول العالم لإلزام بنوكها بتجميد الأرصدة المشتبه في دعمها للإرهاب دون سند قانوني أو يقين تام بانتماء هذه الأرصدة إلى جماعات إرهابية، وإنما الأمر مجرد اشتباه. وإزاء هذه القرارات أصبحت دول العالم أمام أمرين لا ثالث لهما: إما أن تحترم قوانينها الداخلية ونظامها القضائي، ولا تجمد الأرصدة إلا بالرجوع إلى القواعد المتبعة في هذا المجال واحترام سرية العملاء، وإما أن تسارع إلى إرضاء أمريكا وتضع نظامها البنكي وسرية الحسابات بل نظامها القضائي وقوانينها الداخلية في متناول الأيدي الأمريكية وتحت تصرفها.
ويرى الكاتب بعد تحليلاته أن الدول التي سلكت المسلك الثاني هي الغالبية العظمى من دول العالم التي سارعت بمراجعة قوائم الأشخاص والمؤسسات التي أعلنت عنها الولايات المتحدة الأمريكية، وتجميد الأموال التي تخص الأفراد والمؤسسات الواردة فيها دون أن تبذل أي جهد لمراجعة واقع هذه المؤسسات أو الأفراد للتحقق من مصداقية انتمائها أو مساعدتها للإرهاب "غير المعرّف" من عدمه، ودون أن تدرس خطورة اتباعها لهذا المسلك على مناخ الاستثمار فيها، وعلى علاقة بنوكها مع العملاء بعد إهدار أهم الأعراف والقوانين المصرفية وهو سرية حسابات العملاء؛ مما حقق للإدارة الأمريكية مراقبة كاملة للحركات المالية؛ إضافة إلى تحقيق الإفلاس المالي للمؤسسات الخيرية الإسلامية والانصراف عن مواقع العمل الإنساني والانشغال بالدفاع عن النفس.

الوهابيّة والكونجرس:

حشدت الإدارة الأمريكية عددًا من كبار موظفيها ومن الخبراء من خارج الإدارة للشهادة أمام لجان الكونجرس لإقناعها بخطر (الوهابية) على مصالح وأمن الولايات المتحدة؛ بزعم أن الوهابية تهيئ بيئة صالحة لنمو ثقافة الإرهاب؛ إذ تتميز –حسب هذا الزعم- عن الاتجاهات الإسلامية الأخرى بعداوة غير المسلمين وكراهيتهم، ولإقناع الكونجرس بخطر الجمعيات الخيرية الإسلامية بشكل عام والسعودية منها بشكل خاص بزعم بأنها تعمل على نشر الفكر الوهابي في العالم الإسلامي؛ إذ إنه بين عامي 1975 و 1987م أنفق السعوديون حوالي (48) مليار دولار وهو ما يعادل (4) مليارات سنويًا في إطار المساعدات الخيرية والتنموية في الخارج والمستمرة إلى الآن؛ هذه الأموال –بحسب التقارير- هي عبارة عن مساعدات سعودية حكومية؛ وفي الغالب لا تتضمن التبرعات الخاصة ويتساءل الأمريكان: ما الذي يستطيع السعوديون شراءه بهذه التبرعات الإسلامية غير المسبوقة؟ وخاصة أن المذهب الوهابي أصبح لاعبًا رئيسًا في المؤسسة الإسلامية العالمية من خلال شبكة متقنة من المنظمات الأممية والخيرية، ومن ثم ينبغي تقزيم هذا الخطر.
ويقف الكاتب عدة وقفات مع تقرير الحالة الدينية في العالم لاستيضاح معالم تلك الإشكالية القائمة على استعمال الأسلوب الخطابي والشحن العاطفي للمتلقى.
- يحلل الكاتب من خلال أسلوب دراسة الحالة ثلاثًا من الدول الأشد تضررًا من الحملة الدولية على العمل الخيري الإسلامي وهي: فلسطين، وأفغانستان، والعراق. ففي الحالة الفلسطينية –على سبيل المثال- يرى أن المراقب بشكل دقيق للحملة الأمريكية على مؤسسات العمل الخيري الإسلامي يلحظ من خلال النتائج أن الشعب الفلسطيني أصبح ضحية بريئة للحرب على الإرهاب، مع ما نالته تلك الحملة من كل أو معظم مؤسسات الإغاثة الإسلامية داخل الأراضي الفلسطينية والمؤسسات الداعمة لها من خارج فلسطين، سواء في أمريكا أو أوروبا أو العالم العربي، وهذه الحملات المنظمة تعطي انطباعًا للمتابع بأنها قد تكون داخلة ضمن سياسة (الحرب الاستباقية).
ومن النقاط الحيوية والتي سيسلمها القارئ في أكثر من موضع في هذا الكتاب هي "عملية الإحلال" من خلال تفريغ المجتمع من المنظمات الإسلامية وإحلالها بالمنظمات التنصيرية، فيكشف الكاتب عن محاولات التنصير في العراق، مع إشارات بليغة لما يحدث على الساحة المصيرية التنصيرية هناك عبر عنها المتحدث باسم الكنيسة المعمدانية الجنوبية والتي تُعدّ أكبر كنيسة بروتستانتية أمريكية ساندت الغزو على العراق بكل قوة، بعيدًا عن تقديم العون المادي للشعب العراقي؛ فإن القضية الأساس هي الوصول إلى الحرية الحقيقية مع يسوع المسيح.
وترفع تلك المنظمات العاملة في العراق شعار "إنقاذ المسلمين من دينهم المزيف".
كذلك استثمار الأزمات في العمليات التنصيرية، والتي أطلق الكاتب عليها تعبير "الراقصون في الأزمات"، فيشير إلى الإرساليات التنصيرية في إفريقية، والتي رفعت شعارًا يقول: "تخلوا عن دين الإسلام، وسوف نقوم نحن بتحريركم من الجوع والفقر والخوف والمرض"، فضلاً عن استثمار كارثة تسونامي وأزمة دارفور التي ينقل الكاتب عن والي جنوب دارفور قوله: "إن الخطر الحقيقي ليس في التدخل الخارجي بالسلاح، ولكن في تغييب شبه كامل للمنظمات الإسلامية، والخطر الأكثر هو في تنصير مواطني دارفور الذين عُرفوا بحبهم للقرآن"؛ وذلك من خلال (30) منظمة تنصيرية أوروبية وأمريكية تعمل في دارفور.
وفي محاولة لتفسير تلازم التنصير مع الحرب العالمية على الإرهاب يذهب الكاتب إلى بوش الابن ليجده استحدث في البيت الأبيض ولأول مرة في تاريخ أمريكا مكتبًا يُعنى بالشؤون الدينية اسمه (مكتب البيت الأبيض للأديان والمبادرات الاجتماعية) وبناءً على طرح وزارة الخارجية الأمريكية؛ فإن الرئيس الأمريكي جورج بوش مهتم شخصيًا –وبصورة لم يسبق لها مثيل من رئيس أمريكي- بدعم المؤسسات الخيرية الكنسية داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، والتي يسميها بوش الابن باسم "جيوش الرحمة" حيث يرى الرئيس الأمريكي أن هذه المؤسسات والجمعيات أهم بكثير من المؤسسات الخيرية العامة وجمعيات الضمان الاجتماعي؛ وعلى ذلك فقد طلب بوش الابن من وزارة العدل اتخاذ إجراءات كفيلة بصرف (3.7) مليار دولار من الأموال الفيدرالية لمساعدة الأنشطة الخيرية التي تقوم بها جمعيات دينية نصرانية، ودافع عن ذلك بقوله: "إن هذا البلد يجب ألاّ يخشى تأثير الإيمان على مستقبله، ينبغي أن نجد مجالاً للإيمان لنجعل من أمريكا مكانًا أفضل". ومن هنا تم اختياره أكثر شخصية مسيحية مؤثرة لعام 2005م.
وهنا يلتقط الكاتب خيط ظاهرة التمييز السلبي بين المنظمات الإسلامية حيث الإمكانيات المالية المحدودة وغيرها من المنظمات غير الإسلامية المصحوبة بالأموال الضخمة؛ فبحسب الجارديان أنه بينما تُقابل المنظمات الخيرية النصرانية والعلمانية بالثناء لإرسالها الأموال إلى أفغانستان، تُعامل المنظمات الإسلامية كمشتبه بها في تمويل الإرهاب.
ويلاحظ الكاتب أن تلك الدعاوي والمزاعم على المنظمات الخيرية الإسلامية أو الدول والمؤسسات المالية أو حتى الأفراد غالبًا ما تقوم بسبب طمع بعض شركات المحاماة الأمريكية التي تجوب العالم لاصطياد وتوظيف بعض الأخبار، ولاسيما في مجالات دعاوى التعويضات المالية المتوقعة عن أضرار الحادي عشر من سبتمبر؛ منتهزة التوجهات السياسية الجديدة لأمريكا. فأبرز الذين تصدروا المرافعات في قضية تعويضات (لوكربي) هو من أوائل المحامين الذين قاموا بجولات عالمية لشراء بعض الأخبار عن المؤسسات الخيرية الإسلامية في أنحاء العالم، وتوظيفها للقيام بعمل دعاوى تعويضات نيابة عن أهالي ضحايا الحادي عشر من سبتمبر. والجانب الآخر في ضعف الدعاوى والمزاعم أنها تعتمد في معظمها على ما يُنشر في وسائل الإعلام دون وجود أدلة دامغة؛ في الوقت الذي تقوم فيه بعض المنظمات الغربية غير الإسلامية بدعم الإرهاب المحلي والعالمي، وبصفة خاصة دعم الميليشات العسكرية داخل الأراضي الأمريكية وخارجها؛ مثلما حدث في مجلس الكنائس العالمي من دعم للمتمردين في جنوب السودان؛ وكذلك دعم الحركة الانفصالية في إقليم بيافرا النيجيري ذي الأغلبية المسلمة، إضافة إلى الدعم الأمريكي والبريطاني للمنظمات الإرهابية الهندوسية التي تقوم بذبح المسلمين وحرق ممتلكاتهم حسب خطط المنظمات الهندوسية، وعلى هذا المنوال يورد الكاتب العديد من صور دعم المنظمات الغربية للإرهاب.
يصل الكاتب في نهاية كتابه إلى أن الصعوبات في وجود أدلة بوقائع محددة تدين المؤسسات الخيرية الإسلامية في حركتها المالية؛ وبهذا الشمول والعمومية في الاتهام الدعائي؛ كل ذلك أصبح شاهدًا لها على انضباطها الإداري والمالي في بلادها؛ إذ إن الجمعيات والمؤسسات الخيرية الإسلامية –خاصة في العالم العربي- تخضع لإشراف داخلي حكومي قوي ومبالغة في الرقابة الحكومية ولاسيما في الجوانب المالية؛ إذ الارتباط الوثيق بوزارات حكومية، وإعداد ميزانيات وموازنات سنوية معتمدة من محاسبين قانونيين، وقد يتعدى في بعض الدول العربية إلى تحكم في أموالها ومجالس إداراتها، وقد كان كل ذلك الانضباط المالي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر مما يؤكد صعوبة أن يكون التصرف من قبل هذه المؤسسات متجاوزًا أو خارجًا عن نظامها.
يتميز هذا الكتاب "ضحايا بريئة" بأنه استند في استدلالاته وتحليلاته واستنتاجاته على الحقائق والآراء والشهادات المؤثقة والصادرة من الساسة والمفكرين والمراقبين الغربيين.[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 14-01-2007 الساعة 04:39 PM
  #10  
قديم 14-01-2007, 03:47 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

أمريكا والإسلام السياسي
أمريكا والإسلام السياسي، صدام الثقافات أم صدام المصالح؟

باسمة محمد 26/7/1427

20/08/2006

للمؤلف: فواز جرجس
عدد الصفحات 298
الطبعة الثانية 2005.
صادر عن منشورات جامعة كمبردج ـ بريطانيا
حين نزلت في المكتبات الطبعة الثانية من كتاب "أمريكا و الإسلام السياسي.. صدام الثقافات أو صدام المصالح" بدا التهافت عليه كبيراً، ربما لأن الصراع الحضاري القائم في هذه الفترة قد اتضحت معالمه وفق الإستراتيجية الغربية بالخصوص في تعاطيها مع الإسلام، عبر جملة من المقالات التي صارت تصب أغلبها في خانة "الإساءة" كما حدث في الدنمرك في الفترة الأخيرة، و هي الإساءة التي انتشرت بسرعة البرق في العديد من الصحف الأوروبية التي وجدت أن من "قواعد الديموقراطية" التضامن مع الدنمرك عبر إعادة نشر تلك الرسومات الشنيعة ضد رسولنا محمد صلوات الله عليه و سلم. ما حدث لا يمكن وصفه بالعفوي أو البريء، بدليل أن صحيفة مثل (فرانس سوار) الفرنسية عدت الأمر حرية لا يحق لأحد حجرها، طبعاً من دون أن يتكلم أحد عن تلك الحقوق التي حجرت حين منعت الصحف الغربية من مجرد التشكيك في حقيقة المحرقة اليهودية، على أساس أن ذلك التشكيك ـ مهما كان صغيراً ـ سيدخل آلياً في خانة معاداة السامية!

الصراع العقائدي الأعنف:

الدكتور فواز جرجس أستاذ العلاقات الدولية في جامعة (سارا لورانس) بنيويورك هو واحد من الذين يصرون على أن الصراع القائم هو صراع حضاري فعلي، ليس على أساس معتقدات فقط، بل و على أساس التواجد، بحيث أن الحضارة الغربية التي انعكست عليها اليوم الماديات تسعى إلى البقاء منفردة و أحادية، و هو الذي يجعل فكرة المشاركة مرفوضة مع ثقافات و معتقدات أخرى يرى فيها الغرب الجديد خطراً على صيرورة الحياة! من هنا، ليس من البديهي القول إن القوة الأحادية في العالم هي القوة الغربية؛ لأن مصطلح الغرب ليس دقيقاً، بل و غامضاً على أساس أن الأمريكيتين -من الناحية العقائدية على الأقل- تدخلان في سياق الغرب لكونهما جزءاً من الكنيسة، أي أن قانون "الفاتيكان" هو الذي يسري عليها من الناحية الدينية، و إن اختلف المذهب.. بينما الكلام عن الإسلام فهو مختلف، و إن كانت ثمة انقسامات كبيرة في الدول الإسلامية فهي انقسامات سيقت على أساس سياسي، و هو ما يجعل الخوف من الإسلام حقيقياً، على أساس أن وحدة المسلمين في العقيدة، هي نفسها وحدتهم في الإيمان، بأن الله واحد، و أن الرسول (عليه الصلاة و السلام) هو آخر الأنبياء و المرسلين، و أن قواعد الدين يمكن العثور عليها في شريعة مشتركة.. و هو الشيء الذي يبدو الغرب بعيداً عن تحقيقه في واقع لجؤوا فيه (أي الغرب) إلى العنف، و الحرب و الدمار لأجل فرض إستراتيجية مغايرة، تهدف إلى احتلال ما يمكن احتلاله لفرض حكم الطاعة على بقية الدول التي لا تريد الدخول إلى بيت الطاعة الأمريكي.. النقطة الأخرى هي أن الحرب التي تفشت منذ انتهاء الألفية الماضية لم تكن حرباً إستراتيجية فقط، و حتى و إن كانت اندلعت في مواقع إستراتيجية مثل أفغانستان و العراق، و في الشرق الأوسط و القوقاز الخ.. لكنها ليست حرباً سياسية خالية من الرؤى الدينية، لسبب أن الذي فجرها بشكل مباشر هو الرئيس الأمريكي الحالي، و بعبارته التي يكررها قبل كل خطاب" يباركنا الرب و يبارك أعمالنا" و هي الصيغة الخطابية التي كشفت ربما بشكل متأخر عن الفكرة الدينية المطلقة التي يتبناها الرئيس الأمريكي، و التي لا يتردد لحظة في الكشف عنها في كل خطاب يلقيه.. فعبارة "الرب" صارت عبارة إنجيلية واضحة في الخطاب السياسي الأمريكي الرسمي. الشيء الذي حدث أن الحرب وفق الرؤى الأمريكية الجديدة انتشرت بسرعة في العالم. فصارت عبارة "الإرهاب" ( Terrorisme) هي التهمة الجاهزة لأجل إقناع الجميع أن ما يمكن القيام به هو لأجل المصلحة العامة، حتى لو كانت تلك المصلحة العامة تتناقض و المبادئ الإنسانية و تتعارض مع التسامح الديني ككل. لكن المصالح لم تكن تتعارض مع الرغبة في القضاء على الآخر، أي القضاء على من يعدونه "العدو الأخطر"، و الذي لا يمكن أن يكون دولة غربية، و لا حتى دولة من أمريكا اللاتينية على الرغم من الصراعات القائمة بين الأمريكيتين، و لكنه صراع قائم ضد دول مختلفة عن أمريكا لغوياً و عقائدياً و ثقافياً و فكرياً و مصائرياً أيضاً.. أي ببساطة الغول الإسلامي!
لقد حاولت أمريكا أن تقود سياسة الاحتواء ضد العالم المختلف، بمعنى فرض سياسة الاحتواء الطوعي، الذي يعني أن الدول تصبح جزءاً من النظرية الأمريكية من حيث الفكر و التوجه، و ليس بالضرورة من حيث العقيدة.. فكانت مصطلحات مثل "الحرية" و "الديمقراطية" و "العدالة" و " القانون" و المساواة" هي المصطلحات التي انبهر بها الآخرون بحيث إنهم اكتشفوا حتميتها و فقدانها في بلدانهم، و كانت الحرب لأجل الحرية و الديموقراطية قد نجحت في تأسيس جبهات و أحزاب سياسية معارضة استطاعت أن تصنع "حروبها الداخلية" في الدول المعنية، و هي الحروب التي قادت إلى زعزعة الأمن في العديد من الدول، حتى و إن عجزت في الإطاحة بأنظمة كانت الولايات الأمريكية نفسها تبقيها قائمة لأجل أن تخدمها أكثر!

الدين و الدنيا:

لعل العبارة الأسهل للوصول إلى ما يشبه ميكافيلية الثقافات المتضادة هي عبارة "الدين و الدنيا"، و الحال أنها العبارة التي تبدو مفبركة إلى حد كبير فيما يخص التوجه العقائدي في الصراع القائم، و مفادها أن كل طرف يعد أن الدين/الدنيا يجب أن يكون جزءاً لا يتجزأ من الدين/ الدولة، و الغريب أن الغرب يعيب على المسلمين أن يطالبوا بأن تقام دولهم على أساس شرعي إسلامي في الوقت الذي يلجأ الغرب نفسه إلى الكنيسة لأجل "تشريع" القرارات التي سرعان ما تصبح عامة. فلا أحد ينسى أن الكنيسة "انتقدت" الزواج الشبيه، أي زواج الرجل بالرجل و العكس، بينما شرعته القوانين السياسية على الرغم من معارضة الأكثرية (أكثر من 66% من الأوروبيين يعارضون زواج الأشباه)، و الكنيسة غضت النظر عن الأمر لكي لا يتهمها أحد بالتعصب و التعنت و الانسداد و الانغلاق. اللافت للانتباه أن الرئيس الأمريكي (قائد الحرب الحضارية الجديدة) يعدّ زواج الأشباه جريمة ضد الأعراف. و هي الكلمة التي كررها بحزم فيما يتعلق وجوب أن يتوافق الدين مع الحياة، و مع كل هذا حدث العكس فيما يخص بالنظرة إلى الإسلام، على أساس أن الإسلام أساساً دين و دنيا، لكن أريد له أن يكون عكس ذلك، و تم تحميله الكثير من الأخطاء التي لم تكن له يد فيها، على أساس أن الغرب يرفض أن يكون الإسلام السياسي حاكماً، و يرفض أن يكون الإسلام السياسي خياراً شعبياً و منظوراً فكرياً و عقائدياً، و هذا قمة التناقض و قمة الكيل بمكيالين؛ لأن التطرف الذي يسود العالم كان نتاجاً لتطرف اسمه المعيار غير الصحي الذي ينظر من خلاله الغرب إلى الإسلام اليوم، معتبرين إياه ديناً متخلفاً غير قادر على التعايش مع العصر، و مع المدنية الحديثة، حتى و إن كان يستفيد منها. هذا الاختلال يرى ـ فواز جرجس ـ أنه صنع التوترات الكبيرة و التي تفجرت على هذا الشكل الغلياني فيما يخص دفاع كل طرف عن رؤيته وفق ما يراه ضرورياً لأجل إلغاء الآخرين..

صراع الحضارات:

لقد بدأ الكلام عن صراع الحضارات بشكل جدي منذ تحولت النزعة الحربية إلى واقع و قرار معمول بهما ضمنياً و بشكل واسع أيضاً. ليس الأمر حالة مرحلية، بل صار حالة مشهدية، بحيث انتشرت في العديد من الجهات و من المناطق حتى تلك التي لم تكن معنية بشكل مباشر بأي مواجهة كانت بين الديانات و الثقافات الأخرى.. يعتبر "فواز جرجس" أن الغرب وقع في خطأ كبير حين لم يدرس بشكل عميق الإسلام، بحيث أن الذين تداولوا السلطة في العديد من الحكومات الغربية، و الذين تداولوا السلطة في الولايات الأمريكية عملوا على الإبقاء على مصالحهم فقط من دون البحث عن المصالح الأخرى، حتى في عمليات الفبركة السياسية التي سرعان ما كانت تتحول إلى صراعات مباشرة. لم يكن الأمر يتعلق بصراع علمانية و عقيدة مثلاً، بحيث إن العلمانية في كثير من الأحيان أفرغت من محتوياتها الكثيرة حين كانت تتعارض مع قناعات البشر فيما يخص الدين و العقيدة على الأقل، بدليل أن الدول العلمانية الغربية تعارضت و تصادمت بشكل مباشر مع الكنيسة، و تحديداً مع رمز الكنيسة المتمثل في الفاتيكان، و لا أحد ينسى الخطابات القاسية التي كان يوجهها يوحنا بولس الثاني لبعض أقطاب العلمانية المبتعدين عن القرارات العقدية، و لهذا السبب حدث الصدام الحقيقي بين عقيدتين هما في الأساس الأهم في العالم، بين الإسلام و الغرب (بدل القول الإسلام و المسيحية) . و ليس الغرب في النهاية سوى جملة من العقائد التي تدخلت فيها بشكل آلي العقيدة اليهودية في بعض أسفارها التي كانت تتقارب كثيراً مع أقطاب الفكر السياسي الأمريكي من الذين وصلوا إلى سدة الحكم في البيت الأبيض. و هو ما يعيد نفس الفكرة التي سبق ذكرها و المتمثلة في الخطاب الديني حين يتعلق الأمر بقرار الحرب كما حدث مع جورج بوش الأب و الابن معا. و حتى في الحكومات السباقة، أي حين كان الحزب الديمقراطي الأمريكي يحكم كان نفس التيار الذي يقود فكرة أل"تخويف" من الآخر، و إن لم يكن ذلك التخويف يأخذ شكلاً كبيراً و مباشراً محافظاً بالخصوص على مصالحه مع العرب و مع المسلمين، أي أنها كانت تتبنى مصالحها على حساب التعامل بشكل متناقض مع ما صار يراه الحزب الديموقراطي خطراً محدقاً حقيقياً. الدكتور ـ فواز جرجس ـ يذهب إلى حد القول إن التناقضات الرهيبة في السياسة الأمريكية أنتجت تناقضات أكبر في التعامل مع العالم العربي و الإسلامي، فمن جهة ترى أمريكا أن الإسلام يقود ضمنياً إلى هيكلة جديدة للفضيلة و للقيم الإنسانية، و في الوقت نفسه تربط الإسلام بالعنف المباشر، و هو ما عكس الواجهة الأمريكية في خطابها السياسي المخاطب الشعب الأمريكي، و الذي لم يتغير مطلقاً عن ذلك الذي كان سائداً إبان الحرب الباردة، فإن تغيرت الكلمات إلا أن الفكرة لم تتغير، أي محاولة الانتهاء من الإسلام عبر تقزيمة و تقليم أظافره و تفريغه من محتواه، هو ما تعكسه فعلياً التصريحات الأمريكية الرنانة و الودية فيما يخص الإسلام، و التي تتصادم تماما مع الممارسات (الأمريكية ـ الغربية ) على أرض الواقع! [line]
لماذا يكره العالم أمريكا؟

قراءة: خالد الخليفة 6/7/1427

31/07/2006

المؤلف : ضياء الدين سردار و ميريل وين ديفيز
ترجمة : معين الإمام
الناشر : مكتبة العبيكان/الطبعةالعربية الأولى 1426 هـ
الصفحات : 434 من القطع المتوسط
ليس من المستغرب أن يكون هذا الكتاب أحد أكثر الكتب مبيعاً، ويترجم إلى أكثر من (22) لغة في العالم, فهو جاء في وقت يتساءل فيه الأمريكييون ويقولون: لماذا يكرهوننا؟
فبعد أحداث 11 سبتمر أخذ الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن, يظهر على شاشات التلفاز ليتساءل متصنّعاً البراءة: "لماذا يكرهوننا؟"، ويصمت للحظات، ثم يأتي بعقليّته الخارقة للعادة، ويجيب عن التساؤل الذي طرحه ويقول: إنهم يكرهون حضارتنا وديموقراطيتنا وشعبنا .... الخ. ويبدأ بعدها الرئيس بسرد الصفات العظيمة للجنس الأنجلوسكسوني الذي بسببها يقوم " المتخلّفون الإرهابيون" بالعمليات المسلحة، دون أن يترك المجال للمفكرين والمنصفين بدراسة الظاهرة.
وكان هذا العذر بالإضافة لأسلحة الدمار الشامل عذراً منطقياً لغزو العراق؛ فلقد اقتنع قطاع كبير من الشعب الأمريكي بهذا المسوّغ. لكن مع بداية عمليات المقاومة العراقية واستمرارها على الرغم من تنفيذ انتخابات "ديموقراطية" على المقاس الأمريكي. فأدت ظاهرة المقاومة إلى ما بعد الديموقراطية لتساؤل قطاع من الشعب الأمريكي عن السبب الحقيقي لكره العالم للأمريكيين, فأتى هذا الكتاب من رحم هذا السؤال؛ محاولاً تفسير ظاهرة الكره العالمي لأمريكا, ليس في العالم الإسلامي فقط, بل على الصعيد العالمي, فهناك الصين وأمريكا اللاتينية بل وجزء من شعوب أوروبا.
وما يميز المؤلفين أنهم اتخذوا طريقة جديدة في دراسة السياسة الأمريكية؛ فهم لم يسلكوا طريق المؤيدين لسياسة المحافظين الجدد, بالتأييد الأعمى لهم, ولم يتجهوا للفريق الآخر بالنقد دون حقائق علمية, بل قاما بقراءة السياسة الأمريكية في الاقتصاد والزراعة وحقوق الإنسان ...الخ, ثم ذِكْر نتائجها، وختمها بالدراسات والاستفتاءات على سكان تلك المناطق والدول.
بدأ الكتاب بانتقاد السياسة الإعلامية الموجودة في أمريكا. فكيف أنها تهاجم الناس وتصنفهم مباشرة دون أي رؤية موضوعية!! وكيف يصور إعلامهم أن المسلم و العربي ليس سوى إنسان همجيّ متخلّف يعشق القتل والتخريب؟
موقف اليمين برمته أوجزتْه بأسلوب متقن مقالة مطولة كتبها المؤرخ العسكري (فيكتور ديفيز هانسون) في مجلة (سيتي جورنال) "إنهم يكرهوننا؛ لأن ثقافتهم متخلفة وفاسدة، ولأنهم يحسدون قوّتنا وهيبتنا ونفوذنا"، ويضيف قائلاً: "نحن أقوياء عسكرياً، والعالم العربي ضعيف ذليل, لا بسبب تفوّقنا في الشجاعة والعدد وحاصل الذكاء، أو نتيجة وجود كمية أكبر من الخامات والمعادن النفيسة لدينا أو الجو الأنسب, بل بسبب ثقافتنا, وحين يتعلق الأمر بالحرب فإن ملياراً من البشر ونفط العالم كله لا يفيدان من الناحية العسكرية مثل معهد (ماساتشوستس) للتكنلوجيا أو مجلس النواب".
والمشكلة الأخرى في الإعلام الأمريكي, هي محاربة ومهاجمة كل من لا يتفق مع النظرية الأمريكية في تفسير الهجمات ونظرتها لبقية العالم.
فمن يحاول أن يذكر السبب الحقيقي لهجمات سبتمبر، وهي السياسة الأمريكية تجاه دول الشرق الأوسط, يكون وقتها حسب الإعلام الأمريكي متعاطفاً بل وإرهابياً وإنساناً يفتقر إلى الحس الوطني, فعلى سبيل المثال تعرضت المحاضرة في الآداب الكلاسيكية في جامعة كمبردج "إن الولايات المتحدة نالت جزاء ما فعلت, فالمستأسدون في العالم, حتى وإن كانت قلوبهم في مكانها الصحيح, لا بد أن يدفعوا الثمن في نهاية المطاف".
وقد لقيت هذه المقالة هجوماً واسعاً وشديداً في الصحافتين الأمريكية والبريطانية.
وذكر كيف أن الإعلام الأمريكي رسم نظرية محددة ينظر بها الأمريكيون تجاه العرب, فهم ليسوا سوى مجموعة من البدو المتخلّفين الذين يملكون الكثير من المال، ولكن لايعرفون كيف يتصرفون به، وأنهم أناس وحشيّون همجيّون لا يعرفون شيئاً غير القتل. هذه الرؤية الإعلامية الأمريكية اتضحت آثارها أثناء وقوع عمليات سبتمبر, فلقد خطر ببال الأمريكيين والعالم الغربي عموماً أثناء العملية مباشرة أن من قاموا بها هم (عرب – مسلمون – أصوليون – تكفيريون) وقبل أن تظهر أي نتائج تحقيق في العملية.
بعدما أفرد الكاتبان الفصلين الأول و الثاني للحديث عن الإعلام الأمريكي, فقاما في الفصل الثالث بالحديث عن كيفية سيطرة الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي, فهي لم تكتفِ بالاستيلاء على البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة الدولية فقط، بل قامت بأعمال يجعل من أمريكا تقتات على حساب الدول الفقيرة والنامية ذكرها في سبع فقرات, نوجزها هنا باختصار شديد:

1- الولايات المتحدة استفادت من عملتها المهيمنة على العالم, وهذا يعني استفادتها من أرباح سك العملة (الفرق بين القيمة الاسمية للعملة وتكاليف إنتاجها) أي النقود المجانية, من أرباح إصدار الدولار لاستخدامه كنقد سائل في مختلف أرجاء العالم, وظهرت نتائجها جلياً في عهد (ريغان/تاتشر) أي التحكم بالموارد المالية, وذلك برفع معدلات الفائدة إلى مستويات قياسية، الأمر الذي عجّل بانهيار المكسيك مالياً عندما أوعزت الولايات المتحدة إلى النخب المسيطرة على الاقتصاد بسحب الأموال من المكسيك إلى الولايات المتحدة بعد رفع الفائدة. وهذا له نتائج وخيمة, فلا يتيح للدولة سوى خيارين أحلاهما مرُّ, الأول أن تسمح بتعويم عملتها، وهو خيار صعب في وجه قوة الدولار واليورو والين أو ربطها بالدولار أي "دولرة" عملتها, وهو خيار مخفق أدّى إلى عواقب مروّعة بالنسبة للأرجنتين مثلاً, عندما هربت رؤوس الأموال الأمريكية.

2- تحرم الولايات المتحدة ثلثي سكان العالم من التحكم الديموقراطي بمصائرهم الاقتصادية. وليس لدى معظم دول العالم أي تأثير في قرارات صندوق النقد الدولي, أما السياسيات المرتبطة بقروض صندوق النقد الدولي على وجه الخصوص فتمهّد السبيل للملكية الأجنبية والهيمنة على الاقتصاد, لا سيما في القطاعين: التصنيعي والمالي, مثلما حدث في جنوب شرق آسيا بعد الأزمة الاقتصادية؛ إذ اشتُرط على تايلند و كوريا الجنوبية السماح بالمزيد من الملكية الأجنبية لاقتصادها.

3- (تحرير التجارة) على المقاس الأمريكي، يعني حرية وصول الشركات الأمريكية التجارية والمتعددة الجنسيات إلى دول العالم. وتبعاً "لاتفاقية الزراعة" ضمن إطار منظمة التجارة الدولية, وبرامج "الإصلاح الهيكلي" المفروضة من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين, يتوجب على الدول النامية فتح أسواقها للمنتجات الزراعية الأمريكية الرخيصة، وتخفيض التعريف الجمركي, وأن تقلل الدول الفقيرة من دعمها للمزارعين المحليين. وبعدُ فقد أدت هذه القرارات حسب منظمة "أوكسفام" الأوربية على سبيل المثال: أنها فاقمت من حدة الفقر في الأرياف، ودمّرت مصدر رزق المزارعين الصغار, في حين مكّنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من تصدير بضائعها بأسعار رخيصة إلى الدول النامية؛ حيث أفلس المزارعون بعد أن فقدوا قدرتهم على المنافسة.

4- وضعت الولايات المتحدة دول العالم الثالث بين فكّي كماشة تقليدية: فمن جهة مهدت السبيل للأعمال التجارية المعتمدة على تقنيتها للدخول بشكل مباشر واقتناص أسواق العالم, ومن جهة أخرى عملت على كبح الجهود التي تبذلها الدول النامية لتعزيز ودعم منتجاتها وصادراتها, وحظرها في الأسواق الأمريكية.

5- تعمل الولايات المتحدة بشكل منهجي على تقويض جهود ومساعي الدول الأقل تطوراً لمحاربة الفقر وإطعام سكانها. فقد فرضت رسوماً جمركية ضخمة على المحاصيل الزراعية مثل الأرز والسكر, وعلى سبيل المثال فرضت على الفول السوداني ما نسبته 100%، مما تسبب في نتائج كارثية تقدر بـ(2.5) مليار دولار سنوياً من العملة الصعبة.

6- نهبت الولايات المتحدة الدول الأقل تطوراً, مما زاد في فقرها, على سبيل المثال "مرسوم النمو و الفرصة المتاحة لإفريقية" الذي وقّعه الرئيس جورج بوش الابن في اكتوبر 2001 ليتحول لقانون ضد الدول الإفريقية ونهب ثرواتها, ولم تسمح حكومة الولايات المتحدة للمنتجات الإفريقية بدخول أراضيها، إلا لتلك التي لن يكون لها تأثير سلبي على السوق الأمريكية.

7- عملت أمريكا بإصرار على تخفيض أسعار السلع في الدول النامية, فأقنعت الولايات المتحدة الدول الفقيرة بمكافحة التضخم لكن كيف؟ لمواجهة التضخم تقوم -وفق المنطق الأمريكي- إلى بزيادة صادراتها إلى الدول النامية لكن بأسعار رخيصة جداً لمنتجاتها بسبب كثرة المعروض وقلة الطلب, مثل ماحصل تجارة الشاي والبن؛ إذ أدت هذه العملية إلى انخفاض أسعارها، مما أدى بالشركات المتعددة الجنسيات إلى شرائها بسعر منخفض، وإعادة إنتاجها بأسعار مرتفعة مقارنة بسعرها من المصدر الرئيس.

8- كأنما كل ماتقدم ليس كافياً, فقد فرضت الولايات المتحدة, بشكل منتظم إجراءات اقتصادية قسرية من جانب واحد عُرفت باسم "العقوبات"، ففي العام 1998 وحده فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات مختلفة على (75) بلداً, تضم 52% من سكان العالم!!

أما البيئة العالمية فيجب على سكان الأرض أن يتحملوا مضاعفات المصانع والمنشآت النووية إذا كان هذا يرضي العم سام, فبروتوكول "كيوتو" الذي أُقر تطبيقه عام 1997 في اجتماع منظمة تابعة للأمم المتحدة في اليابان, وضع أهدافاً محددة لتقليص انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون الذي تلفظه مصانع السيارات والصناعات التي تعتمد على الوقود المستخرج من باطن الأرض, ويطالب الاتفاق الدول الصناعية بتخفيض نسبة انبعاث الغاز بحلول عام 2012, لكن في عام 2001 أعلنت ادارة الرئيس الأمريكي جورج بوش انسحابها من الاتفاقية الذي تسبب بسخط عالمي واحتجاجات واسعة! حتى الدول الأوروبية الحليفة للولايات المتحدة قالت: إن هذا سيسبب بزيادة الغازات بنسبة 33%.

وقال مستشار شؤون الطاقة في المملكة العربية السعودية: "محمد الصبان" إن تصريح بوش كان بمثابة إعلان وفاة بروتوكول كيوتو.

بعد هذا الشرح عن كيفية سيطرة الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي, ذكروا كيف تعاملت الولايات المتحدة مع ثقافتها. وكيف أن أمريكا تعدّ ثقافتها سلعة يجب ترويجها في العالم.

فعلى سبيل المثال "همبرغر". فأينما ذهبت في هذا العالم ستجدها, فلو انتقلت إلى غابات البرازيل أو صحاري شمال إفريقية أو إلى سور الصين العظيم وحتى وسط العاصمة نيودلهي؟ فستجد حتماً مجموعة من المطاعم الأمريكية مثل ماكدونالدز وبرجر كنج وغيرهما. يقول وزير خارجية أمريكا الأسبق (كولن باول): " ليس ثمة خطأ في تعيين شخص يعرف كيف يبيع شيئاً, أما الشيء الذي تبيعه يبرز فهو ماركة ممتازة جذابة اسمها الولايات المتحدة الأمريكية, والرئيس ووزير الخارجية هم الرمزان المعبران عن الماركة" .

بل إن أمريكا لن تضطر لدفع الملايين لنشر ثقافتها وأسلوب الحياة فيها, فهي في أحيان كثيرة تعتبر أن ثقافتها ليست سلعة يجب تسويقها, بل قنبلة بيلوجية يتولى الناس نشرها ؟! فأمريكا لا تمانع مثلاً أن تقوم العشرات بل المئات من المطاعم التي تنافس مكدونالد بانتاج الهمبرغر بأسماء تلك البلدان الآسيوية أو الأوروبية ,... لا يهم ... المهم هو نشر الثقافة الأمريكة على أوسع نطاق.

بعد ذلك تحدث الكاتبان في الفصول الثلاثة الأخيرة عن فكرة واحدة وهي الولايات المتحدة والعنف..!
وكيف ان حملة بوش الصليبية على أفغانستان والعراق ليست مجرد حملة عسكرية إنما هي جزء من الذات. ونظرية الكابوي الاحتقارية لكل ماهو دون الجنس الإنجلوسكسوني.
بل إن العنف كان في كل مرحلة عنصراً محورياً لتعريف هوية أمريكا.
وهو مقترن بازدواجية المعايير التي تتعامل بها أمريكا, فعلى الرغم من أنها كما تدعي راعي حقوق الإنسان العالمي, قصفت هيروشيما وناجازاكي بالقنبلة النووية, بل وكيف أنها تدخلت لمرات عديدة لقلب الحكم أو خلع رئيس، وخاصة في دول وسط آسيا و أمريكا اللاتينية, وكيف أن الجيش الأمريكي نفسه يقوم بتسليح الجماعات المسلحة في تلك الدول وخاصة كولمبيا, وكل ما لاحت بادرة سلام في تلك الدول تدخلت تلك المليشيات بأوامر من أمريكا لإعادة الوضع إلى ما كان عليه بل أسوأ مما كان عليه.

ولم تكتفِ أمريكا بهذا بل قامت من خلال برامجها و أفلامها بزرع في نفوس شعبها أن الموجود في الدنيا هو (الخير والشر فقط) وعند حدوث أمر ما في الأرض فإن أمريكا هي الأمة المصطفاة من الله، وأن الشر هو الآخر, وهذا يوضح سبب تأييد كثيير من الأمريكيين للحرب على العراق، على الرغم من عدم وجود أسباب منطقية (هذه التأييد كان قبل الحرب), ولم تكتف بذلك، بل قامت بنشر: كيف أن الوحيد الذي يستطيع أن يحل مشاكل العالم هي أمريكا وشعبها المخلص!!
فكم من قلم أو برنامج تلفازيّ يُعرض أن العالم بأسره والكون معرّض لخطر الزوال إما بسبب مخلوقات فضائية أو مجموعة من الإرهابيين الذين يملكون قنابل نووية سرقوها من الاتحاد السوفيتي, ويحاولون أن يدمروا الأرض, لكن يأتي الجندي الأمريكي المخلص للبشرية بإنقاذ العالم من هذا الخطر على حياة الناس أجمعين؟! وهذا من أهم مسببات نظرات الاستعلاء، وعدم قبول أي انتقاد لسياسة بلادهم خاصة الخارجية منها.[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 14-01-2007 الساعة 04:43 PM
  #11  
قديم 14-01-2007, 03:58 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

رهانات القوة والسلام
"المخاطر: أمريكا في الشرق الأوسط. عواقب القوة وخيارات السلام".

محمد أبو رمان 13/10/1426

15/11/2005

المؤلف شبلي تلحمي

ترجمة نقله إلى العربية ثائر ذيب

دار نشر مكتبة العبيكان- الرياض، 2005
يقدم شبلي تلحمي الأكاديمي والمحلل السياسي الأمريكي (من أصل عربي) قراءة نقدية معمقة للسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، في كتابه "المخاطر: أميركا في الشرق الأوسط عواقب القوة وخيار السلام"، والذي ترجمته مكتبة العبيكان بالرياض عام 2005، بينما صدرت الطبعة الإنجليزية في الولايات المتحدة عام 2004.
وتبدو مقاربة "تلحمي" متوافقة مع اتجاه من المثقفين والسياسيين الأمريكيين المخضرمين الذين يحتفظون بمسافة - ليست بعيدة- عن توجّهات المحافظين الجدد ورؤيتهم السياسية، تسمح لهم بممارسة "نقد جزئي" وليس اختلافاً كلياً. فهم وإن كانوا يقرون بالمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ويتوافقون على الأهداف وعلى بعض سياسات المحافظين الجدد ورؤاهم خاصة فيما يتعلق بمسألة الإصلاح السياسي في المنطقة والحرب على الإرهاب، إلا أنهم يختلفون في أغلب السياسات المتبعة لتحقيق هذه الأهداف وحماية تلك المصالح، وأبرز رموز هذا الاتجاه اليوم على المستوى الفكري والتنظير السياسي جوزيف ناي، وبريجنسكي وعدد من المثقفين الذين أصدروا رسالة تظهر حالة من القلق حول صورة أميركا وسمعتها الأخلاقية.
أهم ملاحظات التيار السابق على السياسة الخارجية الأمريكية- الذي يقع كتاب "تلحمي" في سياقه- يتمثل بالتمادي في الاعتماد على القوة العسكرية، سياسة الأحادية وتجاهل الحلفاء، معالجة ظواهر الإرهاب دون أسبابه ومسبّباته، العقائد الدينية- الفكرية للمحافظين الجدد، ملامح صدام الحضارات التي تظهر في بعض الأحيان في خطاب المقربين من الإدارة الأمريكية.
كتاب "تلحمي" يتناول بؤرة الجدل السياسي داخل واشنطن وخارجها: الحرب على الإرهاب، أهمية الرأي العام العربي، الصراع العربي- الإسرائيلي، الخليج العربي وأهميته والعلاقة الأمريكية- السعودية. ومن الواضح أن المصالح الأمريكية الحيوية في الشرق الأوسط (إسرائيل، النفط) هي مدار كتاب "تلحمي" من خلال فصوله الرئيسة.

1 - الحرب على الإرهاب

كانت 11/9/2001 بمثابة الصدمة الكبيرة للشعب الأمريكي، وأوجدت شعوراً بالاهتزاز والقلق، سرعان ما واجهته الإدارة الأمريكية من خلال الحرب على الإرهاب، وإسقاط نظام طالبان وتدمير مركز القاعدة المسؤولة عن الأحداث، مما أعاد الثقة مرة أخرى للشعب الأمريكي. لقد حظي الأمريكيون بقدر كبير من التعاطف العالمي بعد أحداث سبتمبر، وتعاونت كثير من الدول – حتى المعارضة لواشنطن كإيران وسوريا- مع الحملة الأمريكية على الإرهاب. وعلى الرغم من الأسئلة المبررة حول مشروعية الحرب على أفغانستان فإنّ هذا لم يمنع من وجود تحالف وتأييد دولي كبير. إلا أن البيت الأبيض سرعان ما بدّد حالة التعاطف الدولي ودفع الرأي العام العالمي بما في ذلك العربي والدول الصديقة والحليفة لواشنطن إلى التذمر من السياسة الخارجية الأمريكية.
ويشير "تلحمي" إلى أن واشنطن اكتسبت سلطة أخلاقية بعد سبتمبر لبناء الأرضية المشتركة لتحالف عالمي ضد الإرهاب لكن الأحادية، والتمادي في الاعتماد على القوة العسكرية، والتوسع في مفهوم الحرب على الإرهاب، عوامل كلها أدّت إلى فقدان التأييد الدولي خاصة في الحرب على العراق. وبرزت فجوة كبيرة بين رؤية واشنطن للإرهاب وبين رؤية تيار عريض في العالم. أبرز معالم الاختلاف التي يرصدها ويحللها "تلحمي" أن واشنطن صرفت جهدها وتفكيرها في تحديد المنظمات الإرهابية، وليس في تعريف الإرهاب، فكان الخلط بين "الإرهابي" و"العدو"، وكان الأجدى أن يكون التركيز الأمريكي على تعريف الإرهاب، ومعاييره وبناء توافق عالمي على هذا الأساس.
كما تعاملت واشنطن مع الإرهاب كظاهرة تواجهها دون البحث عن أسبابها والأسباب التي تؤدي إليها، وهي الشعور باليأس والإذلال. ومن المآخذ على سياسة واشنطن كذلك أنها نظرت إلى الإرهاب على أنه حركة تحاربها وليس أداة، فأغفلت السجال الأخلاقي ضد الإرهاب. وفي حين جعلت محور تركيزها في الحرب على الإرهاب منصباً على الدول فقد ظهر أن الفاعل الحقيقي هي الجماعات والأفراد وليس الدول، بل على النقيض من ذلك فإن الإرهاب يزدهر في حالة الفوضى السياسية.
بالإضافة إلى الخلل السابق ظهرت فجوة كبيرة في إدراك وتفسير الإرهاب الشرق أوسطي وعلاقته بالدين. وعلى الرغم من تأكيد خطاب الإدارة الأمريكية على الفصل بين الإسلام كدين وبين "الحركات الإرهابية ذات الخطاب الإسلامي"، إلا أن ضمير واو الجماعة في سؤال "لماذا يكرهوننا؟" كان دوماً يتجه نحو العرب والمسلمين. وقد ظهرت نزعات الصدام الديني والحضاري في ثنايا مقالات ورؤى واتجاهات سياسية أمريكية. فلم يتردّد محرر في مجلة "ناشونال ريفيو" إلى التهديد بقصف مكة بالأسلحة النووية إذا تعرّضت أمريكا لهجوم آخر من إسلاميي الشرق الأوسط.
فجوة أخرى في تفسير "الإرهاب الشرق أوسطي" برزت عندما تبين أن عدداً كبيراً من منفذي هجمات سبتمبر قد تلقوا تعليماً جيداً وتحدّروا من عائلات تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وهو ما يناقض الفرضية السائدة شعبياً بأن منفذي العنف هم من عائلات غير متعلمة ومن الطبقة الفقيرة. والحال أن الفقر وضعف التعليم من أهم أسباب العنف إلا أن الأسباب الأهم هي الشعور باليأس والإذلال.

2 - لماذا يكرهوننا؟

يشير "تلحمي" إلى اتجاه واسع في الفكر والسياسة الأمريكية فسّر مشاعر الكراهية وتنامي نزعة العداء للولايات المتحدة في العالم بأسباب الغيرة من الديموقراطية والحياة الأمريكية أو الاختلاف حول القيم الأمريكية. وإذا كان اختلاف القيم يصح على تنظيم القاعدة الذي يتبنى "أيدلوجيا مغلقة معادية للقيم الغربية" فإنه لا يصح على كثير من الخصوم والمعارضين الآخرين الذين يرفضون سياسات واشنطن وليس قيمها، وهذا ما أظهرته استطلاعات الرأي في كثير من دول العالم؛ إذ لا تقتصر نزعة العداء والرفض للسياسة الأمريكية على العرب والمسلمين بل تشمل حتى شعوب حلفاء أميركا المقربين في أوروبا كالفرنسيين والألمان والبريطانيين. ويرى "تلحمي" أن ما يكاد يكون مؤكداً هو أنّ الصورة النمطية عن الولايات المتحدة أنها "متغطرسة ومنغمسة في ذاتها ومنافقة وغافلة ولا تريد أو لا تستطيع أن تنخرط في حوار عابر للثقافات".
وفي الوقت الذي أظهر استطلاع للرأي في عدة دول عربية أجراه "تلحمي" قبل سنوات قليلة أن هناك رأياً عاماً عربياً يثبت وجود اختلاف قيمي بين الثقافة الأمريكية والثقافة العربية، إلا أن الرأي العام لا يحيل حالة السخط والغضب إلى هذه القيم بل إلى السياسة الأمريكية تجاه العالم العربي، وبالتحديد تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية. وما سبق يبرز بوضوح عدم وجود منظور كلي لحقيقة الصورة الأمريكية في العالم.
لكن الجدل السابق يطرح سؤالاً جوهرياً يتردد صداه منذ سنوات داخل الولايات المتحدة وهو: ما قيمة وأهمية الرأي العام العربي؟ وهل يستحق أن تعبأ به الولايات المتحدة؟
في هذا السياق يشير تلحمي إلى اتجاه عريض في الفكر والسياسة الأمريكية يتجاهل الرأي العام العربي، ويرى أنه غير مؤثر وعاجز، ويستقي أدلته من الواقع السياسي العربي الراهن، والذي يبدو واضحاً أن الحكومات والزعماء العرب يتحكمون فيه، بينما الشعوب لا حول لها ولا قوة. ومما يزكي هذا الاتجاه أنه على الرغم من حالة السخط والغضب الشديد العربي على السياسة الأمريكية فلا يوجد ردّ على هذه السياسة سوى عمليات القاعدة.
لا يؤيد "تلحمي" الرؤية السابقة، فهناك كثير من المؤشرات التي تدفع إلى أخذ رأي العام العربي بجدية بالغة، وأولها سؤال الشرعية للنظم العربية الذي لا يمكن تجاوزه بالكلية. كما أن سلطة الدولة العربية بدأت بالتراجع بشكل كبير في الآونة الأخيرة في ظل تنامي دور وسائل الإعلام وعبور أدوات العولمة إلى مختلف دول العالم العربي، الأمر الذي يحد كثيراً من قدرة الحكام العرب على قمع الشعوب، ويفتح متنفساً حقيقياً للتعبير عن الحرية والمواقف الشعبية.
ويشير "تلحمي" إلى دور فضائية (الجزيرة) في التأثير على الشارع العربي، إلا أن اتهام الأمريكيين لـِ(الجزيرة) بصناعة رأي عام عربي معاد اتهام غير صحيح؛ فـَ(الجزيرة) تعكس الرأي العام العربي وتعبر عنه ولا تصنعه.

3 - الصراع العربي- الإسرائيلي

بدأ الرئيس دبليو بوش رئاسته الأولى عام 2000 بعد إخفاق محادثات كامب ديفيد 2 التي كان الرئيس كلينتون يعوّل عليها كثيراً. ولم يكن بوش يعطي الأولوية لمفاوضات السلام إلى أن تفاجأ برفض ولي العهد السعودي لدعوته لزيارة البيت الأبيض احتجاجاً على الدعم الأمريكي لإسرائيل، عند ذلك – كما يقول مقربون من الرئيس بوش- بدأ يفكر جدياً في مدى أهمية القضية الفلسطينية في سياسة الولايات المتحدة الخارجية. لكن تفكير بوش لم يستمر طويلاً حتى وقعت أحداث سبتمبر، وأعادت الشرق الأوسط وفي قلبه القضية الفلسطينية إلى أولوية اهتمام الرئيس بوش، واستأنفت الولايات المتحدة محاولاتها لإحياء عملية السلام التي تدهورت منذ فشل كامب ديفيد 2 واندلاع "العنف المسلح" مجدداً.
القضية الفلسطينية تأتي في مركز العلاقة بين الولايات المتحدة والعرب؛ فهي بالنسبة للعرب قضية هوية، ودورها في الوعي العربي الجمعي خلال خمسين عاماً كان شبيهاً بالدور الذي لعبته دولة إسرائيل في الهوية اليهودية المعاصرة. لذلك فإن إصلاح العلاقة العربية- الأمريكية لن يتحقق إلا بوجود حل سلمي نهائي ينهي الصراع. وأغلب السخط والغضب العربي من الولايات المتحدة يعود لموقفها الداعم والمساند لإسرائيل. وهو الأمر الذي تستغله القاعدة، ويمثل مسوّغات وتربة مناسبة لخطابها وعملياتها ضد الولايات المتحدة والدول العربية الحليفة لها.
بل في الوقت الذي تضغط فيه الولايات المتحدة على الدول العربية لمد جسور العلاقة مع إسرائيل وإدانة "الإرهاب الفلسطيني" فإن هذه المواقف تساهم بدرجة كبيرة في هز وإضعاف شرعية النظم العربية أمام شعوبها التي تشعر بالغضب كذلك من عجز النظم العربية في ردع إسرائيل ومساندة الشعب الفلسطيني.

4 - الخليج العربي والإصلاح السياسي

يعيد "تلحمي" قراءة السياسة الأمريكية تجاه منطقة الخليج العربي ابتداء من سياسة ملء الفراغ محل النفوذ البريطاني، وصولاً إلى دعم الشاه في مواجهة الحكومة العراقية، مروراً بالثورة الإسلامية، والعمل على إرهاق كلا الجانبين العراقي والإيراني واستنزافهما في هذه الحرب التي كانت تهدف أميركا من ورائها إلى عدم خروج أي من الطرفين منتصراً كي لا يخل بالتوازن الإستراتيجي في المنطقة. حتى عندما أجبرت أميركا صدام على سحب قواته من الكويت فقد كانت حريصة على عدم السماح بسقوط النظام تحسباً من استثمار إيران لذلك. وعمدت الولايات المتحدة إلى سياسة الاحتواء المزدوج - بعد حرب العراق الأولى 1991 – لكل من إيران والعراق، وإلى تشديد العقوبات الاقتصادية على العراق، إلى أن وقعت أحداث أيلول 2001 وعادت فكرة احتلال العراق وإسقاط النظام إلى مشروع البيت الأبيض تجاه الشرق الأوسط.
أدّت أحداث أيلول إلى هزة كبيرة في العلاقات الأمريكية- السعودية، وتنامى اتجاه داخل السياسة والفكر الأمريكيين يدعو إلى حفظ مسافة مع السعودية والاستغناء عن دورها في المنطقة وعن نفطها، بل ظهر من يدعو إلى إضافة السعودية إلى محور الشر. في هذا السياق تبنى هذا الاتجاه الفكري بقوة الحرب على العراق في مقاربة سياسية تبحث عن بديل إستراتيجي عن السعودية في الطاقة والسياسة، وكانوا يرون هذا البديل في العراق الجديد من خلال قيام حكومة صديقة للولايات المتحدة، ومن خلال إعادة صوغ النظام الإقليمي بأسره.
استخدمت الإدارة الأمريكية مسوغات كثيرة ومتعددة لتسويغ غزو العراق، من أسلحة الدمار الشامل إلى اصطناع علاقة مع الإرهاب، ولم يكن الصوت المعارض للحرب داخل الولايات المتحدة قوياً. ربما يلمّح "تلحمي" هنا دون أن يشير إلى أن السبب في ذلك هو حجم الذرائع والقصص المفبركة والحملة الإعلامية والسياسية التي وظّفتها الإدارة الأمريكية لتمرير الغزو على الشعب الأمريكي. وكان مدار الجدل الرئيس للفريق المعارض للحرب داخل الإدارة الأمريكية حول عواقب الغزو وفترة ما بعد الحرب، وبالفعل سرعان ما تهاوت الحجج الأمريكية وظهر جلياً عدم وجود أسلحة دمار شامل، وأي علاقة بين صدام وتنظيم القاعدة، وتحوّل العراق إلى مركز جديد للقاعدة على النقيض من الدعاية الأمريكية مما أثر على شعبية الرئيس بوش وقناعة الأمريكيين بجدوى البقاء في العراق.
وفي إطار التسويق الإعلامي للحرب على العراق أخلاقياً تم الحديث عن الإصلاح السياسي في العالم العربي، وأن الهدف من الغزو العسكري بناء نظام عراقي ديموقراطي يكون محفزًا على انتشار النظم الديموقراطية في المنطقة. وهي الحجة التي يرفضها "تلحمي" ويرى أن الديموقراطية والإصلاح السياسي لا يمكن أن يأتي من خلال القوة العسكرية الخارجية. كما أن هناك أسئلة جدية مطروحة حول واقعية هذا الخطاب ومدى ملاءمته للمصالح الأمريكية في المنطقة، فهل حقاً الولايات المتحدة حريصة على بناء مشروع ديموقراطي في المنطقة حتى لو كان الأمر على حساب مصالحها؟
من الأمثلة التي تعطي زخماً وحججاً تعمق من مشروعية السؤال السابق أن الدول التي أتيح فيها للشعب التعبير عن رأيه اتخذت مواقف معارضة لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة كما حدث في تركيا عندما اعترض البرلمان التركي على انطلاق الغزو الأمريكي للعراق من الأراضي التركية، وكما هو الحال في الأردن عندما راعى الملك الأردني الراحل حسين مشاعر الشعب في حرب العراق الأولى. وهو ما يطرح من جهة أخرى مدى تقبل الولايات المتحدة لديموقراطية في السعودية تأتي بالمعارضين للولايات المتحدة إلى السلطة؟!
ويصل "تلحمي" إلى نتيجة رئيسة أن الديموقرطية مطلوبة بحد ذاتها لكن الطريق إلى الديموقراطية غالباً ما يكون متوتراً ولا يؤدي إلى الاستقرار. من هنا فإن المقاربة المقترحة للإصلاح السياسي أن يكون تدريجياً "عبر عملية لا تنطوي على زيادة كبيرة في عدم الاستقرار، بالانطلاق من التركيز على النظامين الاقتصادي والتعليمي، فجميع الدول بما فيها الغنية بالنفط، تواجه تحديات اقتصادية خطيرة تساهم في زيادة التهديد السياسي الذي تتعرض له هذه الدول. وهي تحتاج إلى "لبرلة" اقتصاداتها المركزية، وإلى اجتذاب الاستثمارات الأجنبية، وإيجاد بيئة مناسبة للتجارة الدولية. ويمكن للولايات المتحدة أن تساعد في هذه المجالات غير أن لدى الحكومات أيضاً ما يدفعها إلى السعي وراء هذه الأهداف، كالأمل، في تحسين اقتصاداتها المضطربة. ولسوف تزداد الحاجة الداخلية إلى الإصلاح السياسي مع تقدم الإصلاح الاقتصادي، كما يمكن للولايات المتحدة أن تواصل مساعدتها لتلك الأصوات الإصلاحية في المنطقة".
ليس من المتوقع أن تتخلى الولايات المتحدة عن مصالحها الحيوية لصالح الدعوة إلى الديموقراطية. ومن المتوقع أن تبقى على المسار الواقعي في العلاقات الدولية المبني على تفضيل المصالح. لكن إقامة علاقة فاعلة بين الولايات المتحدة والعرب يتطلب حلاً للقضية الفلسطينية من ناحية. ونجاح السياسة الأمريكية في العالم العربي – من ناحية أخرى- يتوقف على نجاحها بإقامة عراق مستقر ومزدهر وديموقراطي. [line]
قراءة في كتاب "العسكر والصحافة في إسرائيل"
العسكر والصحافة في إسرائيل

قراءة: إبراهيم الزعيم 17/6/1426

23/07/2005

المؤلف صالح النعامي
الناشر دار الشروق
سنة النشر 2005
عدد الصفحات 145 صفحة
صدر مؤخراً عن "دار الشروق" في القاهرة كتاب "العسكر والصحافة في إسرائيل" للصحافي والباحث الفلسطيني في الشؤون الإسرائيلية صالح النعامي.

ويتطرق الكتاب بشكل أساس للقيود التي تفرضها الدولة العبريّة على حرية الصحافة. فعلى الرغم من أن (إسرائيل) لا تنفك عن الزعم أنها واحة الديموقراطية وسط أنظمة ديكتاتورية لا تولي أي احترام لقيم الديموقراطية، إلاّ أن هذا الكتاب حاول اختبار صدقيّة هذا الزعم من خلال الوقوف على هامش الحرية التي يمنحها النظام السياسي الإسرائيلي للصحافة ولحرية التعبير، مع العلم أن ضمان حرية الصحافة هو أحد أهم المعايير التي تُقاس بها ديموقراطيّة أي نظام سياسي.
يتعرض الكتاب بالتفصيل لجملة القيود التي يفرضها القانون الإسرائيلي على حرية الصحافة، إلى جانب الرقابة الذاتية التي تداعت وسائل الإعلام الإسرائيلية لفرضها على نفسها بدعوى الالتزام بـ "المسؤوليّة الوطنيّة" في كل ما يتعلق بالنشر حيث تطوعت لـ " غربلة " المواد التي تنشرها خوفاً من أن تمس بـ " الأمن الوطني والنظام العام".
ويوضح الكتاب – المكون من سبعة فصول - أن الصحافيين الإسرائيليين مارسوا مهامهم بصفتهم كتيبة مقاتلة تتحرك ضمن الإستراتيجية التي تحددها مصلحة المشروع الصهيوني، وتتولى الدفاع عن كل مخططاته وسياساته.
يتعرض الكتاب لصور تجند وسائل الإعلام الإسرائيلية واستنفارها لخدمة رواية سلطات الاحتلال، وتواطئها في قتل شهود الإثبات على جرائم الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني.
ويظهر الكتاب تفنن وسائل الإعلام الإسرائيلية في ابتداع آليات سحب الشرعية عن النضال الوطني الفلسطيني المشروع ضد الاحتلال، وتحميل الضحية الفلسطيني المسؤولية عن الجرائم التي يرتكبها الاحتلال بحقه.

الرقابة العسكرية

بعد أن تطرق الكتاب لمراحل تطور الصحافة الإسرائيلية، تعرض بالتفصيل للقيود التي يفرضها القانون الإسرائيلي على حرية الصحافة، وتحديداً القوانين التي تشرّع فرض رقابة عسكرية مسبقة على النشر. فإسرائيل هي " الديموقراطية" الوحيدة في العالم التي تفرض على المطبوعات ووسائل الإعلام فيها رقابة عسكرية مسبقة بحكم القانون. فيحظر القانون على وسائل الإعلام نشر وبث موادها قبل الحصول على إذن من سلطات الجيش ممثلة بمؤسسة الرقابة العسكرية. والمفارقة أن محرري الصحف هم الذين بادروا لاقتراح فرض رقابة عسكرية على ما تنشره صحفهم، وهو ما لم تقدم عليه أي صحافة في العالم.
ليس هذا فحسب، بل إن نقابة الصحافيين الإسرائيليين تطوّعت في العام 1948 لتوفير مقر لضابط عسكري لكي يقوم بدور الرقيب العسكري على ما تنشره الصحف، فقامت النقابة بإخلاء إحدى غرف مقرها في تل أبيب ليكون المقر المؤقت للرقيب العسكري!! وعندما كانت معلومات ذات طابع أمني تتسرب لوسائل الإعلام كانت لجنة محرّري الصحف هي التي تطالب بتشديد أساليب الرقابة على ما تنشره مؤسستها، بشكل يحول دون تسرب هذه المعلومات. يوضح الكتاب دور لجنة محرّري الصحف في التعاون مع سلطات الجيش في تحديد المبادئ العامة للرقابة العسكرية؛ إذ تم تحديد ستة عشر مجالاً يُحظر نشر معلومات بشأنها، خمسة عشر منها يتعلق بالقضايا الأمنية. أحد البنود العامة للرقابة العسكرية يتعلق بحظر نشر معلومات "من شأنها أن تؤدي إلى إثارة الفزع في أوساط الجمهور"، وهذا البند الفضفاض والمثير للاستغراب ظل حتى الآن أحد المعايير التي تعتمدها الرقابة العسكرية في تعاملها مع المواد الصحافية، مع العلم أن هذا البند سمح للرقيب العسكري اعتبار الكثير من المواد " مثيرة للفزع في أوساط الجمهور".
يتعرض الكتاب أيضا للإطار القانوني للرقابة العسكرية، الذي يعتمد على القوانين التي سنها الانتداب البريطاني قبل الإعلان عن الدولة العبرية، وخصوصاً قانون الصحافة للعام 1933، وقانون الطوارئ للعام 1945. وحسب نص القانون فإنه لا يحق فقط للرقيب العسكري الاطلاع على المواد المتعلقة بالأمن، بل يحق له الاطلاع على المواد المتعلقة بالرياضة وحتى بنشرة الأحوال الجوية. يفوض القانون الرقيب العسكري حظر نشر كل مادة يرى هو أن نشرها قد " يمس بقدرة البلاد على الدفاع عن نفسها، ويضر بسلامة الجمهور والنظام العام". وللرقيب وحده الحق في تحديد معايير " المس بقدرة البلاد على الدفاع عن نفسها"، أي أن القانون أتاح لمقص الرقيب هامشاً واسعاً. ويبين الكتاب أن الدوافع وراء الكثير من القيود التي فرضها الرقيب على نشر المواد في وسائل الإعلام هوس أمني واعتبارات سياسية وشخصية. يشير الكتاب إلى أنه -وعلى الرغم من التعاون الذي أبدته الصحف مع الرقيب العسكري- إلا أنه سرعان ما توسّع في تطبيق القانون، وقام بإغلاق العديد من الصحف وفرض غرامات مالية عليها، الأمر الذي دفعها للاحتجاج. وبفعل هذه الاحتجاجات توصل محررو الصحف مع سلطات الجيش لتسوية تحل عملياً محل قانون الرقابة العسكرية، وتنصّ التسوية على تشكيل لجنة ثلاثية مكونة من ممثلين عن " لجنة المحرّرين "، وممثلي الجيش وشخصيات عامة لتحاول حل الإشكاليات المتعلقة. ونصّت التسوية على أن يكون فرض العقوبات بالتدريج، ولا يتم إلا بعد التقاء الرقيب بمحرر الصحيفة التي خالفت تعليمات الرقيب.

الانتقائية ضد الصحف الفلسطينية

يتعرض الكتاب للطابع الانتقائي في تطبيق القوانين المتعلقة بالصحافة في (اسرائيل)، ومبالغة الدولة في تطبيق القوانين على المطبوعات الفلسطينية.
فالصحف الفلسطينية سواء التي تصدر داخل (اسرائيل) أو تلك التي تصدر في القدس المحتلة ليست ممثلة في "لجنة المحررين"، من هنا فلم تكن طرفاً في التسوية التي توصّل إليها الجيش مع "لجنة المحررين" ، وظلت الرقابة العسكرية على ما تنشره الصحف الفلسطينية تخضع لقانون الرقابة الانتدابي. الرقيب العسكري استنفد كل الصلاحيات التي يخولها له القانون في حظر نشر كل المواد التي يرى أنها تعبر عن التعاطف مع النضال الوطني للشعب الفلسطيني ضد الاحتلال. يوضح الكتاب أن الرقيب العسكري استغل صلاحياته لتقليص الهامش المتاح لفلسطينيي عام 48 للتعبير عن أرائهم وإبداعهم الأدبي والفكري والفني، وأُغلقت الصحف الفلسطينية، وفُرضت الغرامات المالية على محرّريها وكتابها بتهمة التحريض على مساعدة "الإرهاب" الفلسطيني. يتوصل الكتاب إلى حقيقة مفادها أن معايير حظر النشر تتعلق بهوية الناشر والجمهور المتلقي. بحيث إن كان ناشر الصحيفة فلسطينياً والجمهور المتلقي فلسطينياً، فإن قيود الرقيب لا تعرف حدوداً. فمثلاً منذ العام 1953 وحتى الآن لم يحدث أن قام وزير الداخلية بناء على توصيات الرقيب العسكري بإغلاق أي صحيفة عبرية باستثناء مرة واحدة، لكن الصحف الفلسطينية تعرضت مرات عديدة للإغلاق وفرض الغرامات.
إلى جانب قانون الرقابة العسكرية، فإن هناك جملة من القوانين التي تقلص من حرية الصحافة الإسرائيلية، لكنها في الواقع تُطبّق ضد الصحف الفلسطينية تحديداً. فهناك قوانين تخوّل وزارة الداخلية الموافقة على طلب إصدار صحيفة أو رفض الطلب، أو إغلاق صحيفة قائمة، ونادراً ما استغل وزير الداخلية صلاحياته ضد الصحف العبرية، في حين أنه لا يتورع عن إغلاق الصحف الفلسطينية بناء على توصية المخابرات الإسرائيلية. ويُعدّ قانون "التحريض على التمرد"، هو أحد أبرز القوانين الجنائية التي تتيح تقليص حرية الصحافة، لأنه يوسع مفهوم "التمرّد" بشكل يعزز الرقابة الذاتية لدى المحررين والصحافيين. وكذلك قانون "التحريض على العنصرية"، الذي يشرع في الواقع التحريض العنصري على الفلسطينيين. فهذا القانون لا يعدّ الدعوات العنصرية تجاوزاً للقانون إذا استندت إلى اقتباسات من الكتب الدينية اليهودية!! مع أن جميع المنظمات الإرهابية اليهودية التي تنشط ضد الفلسطينيين تستند إلى اقتباسات من الكتب الدينية اليهودية. ولعب قانون "التحريض على الإرهاب" دوراً أيضاً لتشريع محاربة الصحافة الفلسطينية. فقد تم إغلاق الصحف الفلسطينية استناداً لهذا القانون، على اعتبار أنها على علاقة بمنظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت تعدّ منظمة إرهابية. ولسنوات طويلة تم حظر نشر مقالات مؤيدة لمنظمة التحرير في الصحف الفلسطينية الصادرة في القدس الشرقية بزعم أن هذا يمثل "تحريضاً على الإرهاب".

يتبع > [line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 14-01-2007 الساعة 04:52 PM
  #12  
قديم 14-01-2007, 04:24 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

القانون الجنائي : ماكينزمات ردع الصحافة

يشير الكتاب إلى جملة من القوانين الجنائية التي تعمل على ردع الصحافة الإسرائيلية عن النشر، مثل قانون القذف والتشهير، وقانون المحاكم. فضلاً عن حظر القانون على الصحافة مجرد الحصول على ما يعتبر معلومة "سرية". ويحظر القانون على موظفي الدولة تسريب أي معلومة للصحافة بدون إذن مسبق، سواء كانت سرية أو غير سرية. هذه القوانين في المحصلة قلّصت من قدرة الصحافي الإسرائيلي على الوصول إلى مصادر المعلومات. ليس هذا فحسب، بل إنه حتى أواسط الثمانينيات من القرن الماضي كانت المحاكم تلزم الصحافيين بالكشف عن مصادر معلوماتهم. ويشير الكتاب إلى الكثير من الأمثلة التي تؤكد تواطؤ الجهاز القضائي الإسرائيلي للتستر على عمليات القمع ضد الفلسطينيين عبر التوسع في تطبيق القوانين الجنائية. وينوّه الكتاب للدور الذي تعلبه مؤسسة " الناطق باسم الجيش " في منع تسريب المعلومات التي تفضح ممارسات الجيش ضد الفلسطينيين. فالناطق باسم الجيش لا يتعاون مع الصحافيين إلا في حال اثبتوا أنهم مستعدون لتبني الرواية الرسمية للجيش.

آليات تجريم النضال الفلسطيني

يوضح الكتاب الدور الذي لعبته وسائل الإعلام الإسرائيلية إبان انتفاضة الأقصى في جعل الجمهور الإسرائيلي أسير للرواية الرسمية لكل من الحكومة والمؤسسة الأمنية. فقد تم تصوير الانتفاضة على أنها الرد الفلسطيني "الإرهابي" على المقترحات "السخيّة" التي عرضتها (إسرائيل) على القيادة الفلسطينية قبيل اندلاع الانتفاضة. ويشير الكتاب إلى أن الإعلام الإسرائيلي اعتمد في تغطيته للانتفاضة طريقة تعبوية، ولعب دوراً في تجريم الاحتجاج الفلسطيني على الاحتلال ومظاهره. وينوّه الكتاب إلى دور الصحافة الإسرائيلية في نزع الشرعيّة عن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات كقائد منتخب للشعب الفلسطيني، وكشريك لإسرائيل في مشروع التسوية، على اعتبار أنه يتحمل مسؤولية كبيرة في التخطيط لاندلاع الانتفاضة. يبين الكتاب من خلال دراسة محتوى ما نشرته الصحف الإسرائيلية في بداية الانتفاضة أن تغطية هذه الصحف كانت انتقائية إلى حد كبير؛ حيث تم تخصيص مساحات واسعة للحديث عن "العنف الفلسطيني"، في حين تم إهمال القمع الإسرائيلي للمدنيين الفلسطينيين، أو تصويره على أنه ردة فعل لا مفر منها. ومن خلال دراسة المحتوى يتبين كيف عمدت الصحف في التغطية على جرائم الاحتلال من خلال التوسع في استخدام صيغ المبنى للمجهول لمحاولة إخفاء هوية المجرم، والتوسع في استخدام صيغ المبنى للمعلوم في الإشارة إلى ما تعده "العنف والإرهاب" الفلسطيني. تطرق الكتاب إلى تميز تغطية الصحافة الإسرائيلية بتبني الرواية الرسمية للدولة العبرية وتجاهل الرواية الفلسطينية أو التشكيك فيها. ولم تكتف الصحافة بالدفاع عن الدولة والجيش، بل تولّت الدفاع عن المستوطنين وبررت جرائمهم ضد الفلسطينيين. يشير الكتاب بالتفصيل إلى دور المستشرقين والمراسلون العسكريون والمعلقين للشؤون العربية في وسائل الإعلام الإسرائيلية في التحريض على الفلسطينيين، فضلاً عن دورهم في تجاهل التنازلات التي قدمتها القيادة الفلسطينية مقابل التوصل لتسوية مع (إسرائيل). ويتعرض الكتاب للجهد الذي بذلته وسائل الإعلام الإسرائيلية في اشتقاق وتسويق المصطلحات التي تخدم الخط الدعائي الإسرائيلي. ويتناول الكتاب مضامين البث لوسائل الإعلام الإسرائيلية الرسمية باللغة العربية؛ إذ يثبت أنها تخضع لإشراف المخابرات الإسرائيلية التي تقوم بتوجيهها. يوضح الكتاب أن المخابرات الإسرائيلية استغلت وسائل البث الإسرائيلية باللغة العربية في مساعدتها على تجنيد عملاء من بين الفلسطينيين.[line]
الإسلام السياسي في المؤسسات البحثية الأمريكية

قراءة في دراسة" منظمات سياسية متطرفة:الشبكة الإسلامية"

قراءة: محمد سليمان أبورمان 1/6/1424

30/07/2003

معهد يهودي لشؤون الأمن القومي ، جعل أحد أبرز اهتماماته البحثية " موضوع الحركات الإسلامية ".

خطورة الدراسة أنها صادرة من معهد له تأثيره القوي في أوساط النخب الأمريكية السياسية والمثقفة.

هذه الدراسة ذات كم كبير من المعلومات ، لكن تم توظيفها بطريقة غير موضوعية، وبهدف تحريضي مكشوف.

أهميتها تكمن أنها تعطي رؤية وصورة واضحة حول الإطار والمنهج الذين تُقدّم من خلالهما الحركات الإسلامية وأيدلوجياتها وفعالياتها.

من الحلول: نشر الصورة الصحيحة المعتدلة عن الحركات الإسلامية ومناهجها.

مقدَّمـــة:
أصدر هذه الدراسة المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي ، في الولايات المتحدة الأمريكية ، وهو من المراكز المعروفة بانحيازها الأيدلوجي السافر ضد كل الحركات الإسلامية ، الأمر الذي يظهر في أغلب دراسات ومشاريع المركز البحثية حول الإسلام السياسي، وتأتي هذه الدراسة في سياق مجهودات إدارة المركز في بناء تصورات مغلوطة متحيزة أيدلوجيا بغطاء معرفي حول الحركات الإسلامية لدى النخب السياسية والثقافية في الولايات المتحدة .
في هذه الورقة سأقدم ملخصاً لمجهودات المركز في هذا الحقل المعرفي مع قراءة تحليلية في إحدى دراساته المتخصصة في الحركات الإسلامية ..

المعهد والإسلام السياسي:

تأسس المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي (Jinsa)عام 1973م ، وقد وضع أحد أهدافه الرئيسة تمتين العلاقات الأمريكية / الإسرائيلية، وبيان الدور الذي يمكن أن تلعبه إسرائيل في حماية المصالح الأمريكية، ويقوم بإدارة المركز مجموعة من السياسيين والباحثين المحترفين والذين يمتلكون شبكة علاقات قوية مع المؤسسات الأمريكية أو كانوا في مواقع مهمة في الإدارة الأمريكية ؛ فالمدير التنفيذي للمعهد "ثوماس نيومان" اعتبرته صحيفة يومية يهودية في الولايات المتحدة سادس أفضل زعيم يهودي مؤثر، ومن الأسماء المشرفة على المعهد "جيمس وولزي" والذي كان مديراً لوكالة الاستخبارات الأمريكية بين عامي 1993/ 1995م، "وجاك كيمب" وزير الاسكان والتنمية السابق، و " د. جين هيركباتريك " وكانت تعمل سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة ، ووزيرة في عهد ريغان وعضواً في مجلس الأمن القومي الأمريكي ، وتعمل أستاذا في جامعة جورج تاون الشهيرة.
وقد جعل المعهد أحد أبرز اهتماماته البحثية موضوع الحركات الإسلامية ، ومن الواضح من تناول موقع المعهد على شبكة المعلومات [الانترنت] لموضوع الحركات الإسلامية التحيز المسبق الذي يتخذه من كل هذه الحركات؛ إذ يعتبر أن الأصولية الإسلامية تهدد الولايات المتحدة وحلفاءها في منطقة الشرق الأوسط ، والمشكلة أن تهديد الأصولية لا يقف عند حدود زعزعة الأنظمة الشرق أوسطية المعتدلة ، بل يمتد إلى دول واسعة في إفريقيا وجنوب أسيا ليؤسس لإرهاب عالمي عريض.
وفي المقارنة بالتهديد الشيوعي يرى المعهد أن التهديد الأصولي الإسلامي أخطر بكثير، فالإسلام أثبت دوما أنه قابل أن يكون توسعيا لإعادة إمبراطوريته.
ويرى المعهد أنّه نتاج المزيج بين التطرف الأيدلوجي والتوجه المعادي للغرب مع الطاقة التكنولوجية ، وبالتالي فإنّ الإسلام الراديكالي يصلح أن يكون أحد التهديدات الاستراتيجية التي تواجه الولايات المتحدة.
وتبرز في سياق اهتمام المركز بحقل الحركات الإسلامية ثلاث دراسات ومشاريع بحثية تمت تحت إشرافه: إحداها الدراسة التي سأقدمها هنا ، بينما هناك مشروع سبقها عام 1994م ، بعنوان " الإرهاب الشرق أوسطي: ملفات جماعات مختارة، 1994م "وتلاها مؤتمر بعنوان" الإسلام السياسي: تطبيقات سياسية أمريكية " عام 1997م ، سنعرض لهذين المشروعين قبل الولوج إلى الدراسة موضوع هذه الورقة...

الإرهاب الشرق أوسطي:

جعل المعهد من أبرز اهتماماته البحثية موضوع الإرهاب ، وفي إحصائية يضعها المعهد على موقعه يبين أن "ستين ألف " حادث إرهابي وقع بين عامي 1970- 1994م، قتل فيها تسعون ألف شخص وجرح ستون ألفا.
في هذا السياق أشرف المعهد على مشروع دراسة للحركات التي يعتبرها إرهابية في الشرق الأوسط شارك فيه مجموعة من الباحثين الشباب من جامعة جورج واشنطن ، وأشرف عليه " يوناح الكسندر " بعنوان " الإرهاب الشرق أوسطي: ملفات جماعات مختارة " عام 1994م ، ويتكون المشروع من مئة وخمس صفحات، وقد جاء هذا المشروع بعد الانفجار الذي تعرّض له مبنى التجارة العالمي عام 1993م ، حيث رأى المشروفون على المشروع أنّ هذا الحادث -والذي اتهمت به جماعات إسلامية- بيّن أنّ الإرهاب العالمي قد تمكن من تحصيل وجه داخلي في الولايات المتحدة نفسها.
وتعرض الدراسة لعشر منظمات عربية تعتبرها إرهابية، تتضمن قائمة هذه المنظمات حركات إسلامية مثل: حماس والجهاد وحزب الله وغيرها، ومنظمات يسارية مثل: جبهة التحرير الفلسطينية، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ..، من خلال تتبع عدة أمور: التعريف بالمنظمة ، وأيدلوجيتها، وأهدافها ، وخلفيتها التاريخية وأبرز قياداتها، وعدد أعضائها ، ومصادر تمويلها، وأماكن وجودها وفعاليتها ، وأساليبها ومناهجها ، وقائمة ببلوغرافية بعملياتها.

مؤتمر الإسلام السياسي:

عقد المؤتمر عام 1996م، وصدر التقرير حوله عام 1997م، وقام برعايته وتنظيمه المعهد بالتعاون مع جامعة جورج واشنطن ومؤسسة "The Rabbi Marc H.Tanenbaum"، حيث شارك فيه 52 باحثاً من مختلف دول العالم، بما في ذلك دول عربية وإسلامية من ضمنها: مصر وتونس والجزائر وتركيا، وحضرته مؤسسات بحثية كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الرغم من التحيز الكبير السافر في المؤتمر ضد الحركات الإسلامية فقد شارك فيه –للآسف- عدد من الباحثين والدبلوماسيين العرب آنذاك منهم: سيف العشماوي، فريد بلحاجي من السفارة التونسية، عمر عزّة سفير سوداني سابق ، وأحمد ماهر السيد وكان آنذاك في السفارة المصرية في الولايات المتحدة.
وقد قدّم للتقرير مدير المعهد اليهودي الذي أشاد بالثراء والتنوع في أراء ومناقشات المشاركين ، والذين اجتمعوا لمحاولة فهم وتعريف الإسلام السياسي، على المستوى العالمي، وقد بدأ المقدمة حول الإسلام السياسي بتساؤل: أين هم المعتدلون؟ ، ثم ذكر أنّ المشاركين قد أجمعوا على قضيتين أساسيتين:

1. أنّ ظاهرة الإسلام السياسي تستفيد من الظروف السياسية والاجتماعية -في العالم الإسلامي- التي توفر الأرضية الصلبة لمجموعات من المتطرفين الذين يستخدمون الدين والعنف لتطبيق مفاهيمهم وأفكارهم لقيام الدولة النموذج التي يريدون.

2. في نفس الوقت فهناك على صعيد العالم الإسلامي عدم اتفاق مهم وخطير حول العلاقة بين الدين الإسلامي ومتطلبات الدولة الحديثة.
وانتهى المؤتمر إلى مجموعة من التوصيات بعد أن ناقش محاور متعددة في موضوع الحركات الإسلامية.

الشبكة الإسلامية:

أما الدراسة التي بين أيدينا فهي بعنوان "منظمات إرهابية سياسية: الشبكة الإسلامية "، من إعداد وتأليف "ميتشيل فولي"، وعلى الرغم أنها صدرت عام 1996م إلاّ أنّ أهميتها تكمن انّها تعطي رؤية وصورة واضحة حول الإطار والمنهج الذين تقدّم من خلالهما الحركات الإسلامية وأيدلوجياتها وفعالياتها.
وقد قدّم للدراسة ثلاثة من المسؤولين في المعهد مبينين أن الحركات الإسلامية قد أصبحت من مصادر التهديد الفاعلة للأمن القومي الأمريكي، وأن هناك عوامل من الفشل الاقتصادي والسخط الاجتماعي وراء انتشار وازدهار الأصولية الراديكالية الإسلامية، والتي تستخدم اللغة والتصورات الدينية مما يجعل الذين يعارضون ويقفون ضد هذه الحركات كأنهم ضد الدين الإسلامي ذاته.
وتتعرض الدراسة لعدة حركات إسلامية في الأردن ، وشبه القارة الهندية ومصر والسودان والجزائر وفلسطين ولبنان، وتتناول تاريخها وأفكارها وأبرز قادتها ومفكريها، وتركز على حضورها وفعاليتها في الولايات المتحدة والغرب، تتعرض الدراسة لتلك الحركات بلغة لا تخلو من الترصد والتحريض وغياب واضح للموضوعية البحثية. وتظهر الدراسة بمنهج أقرب إلى التفكير بمنطق المؤامرة أن هناك درجة من التنسيق والتفاهم والدعم المتبادل بين هذه الحركات، والتي تقدم كلها: مَنْ تتبنى العمل السلمي ومن تتبنى العمل العسكري، من تؤمن بالحوار ومن تتخذ مواقف مبدئية من كل الغرب. وبمنهج بحثي غريب يوضع فيه حسن الترابي والمودودي وعمر عبد الرحمن والقرضاوي والظواهري – في المحصلة- ضمن إطار فكري وأيدلوجي واحد ، وكأنهم جميعا في نفس المنزلة من التطرف والعداء المطلق للغرب، وإنما يختلفون بالدرجة والوسائل. كما يظهر -في الدراسة- دور دائم للدعم المالي السعودي لأغلب هذه الحركات المتطرفة!.

*الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية:

يبين المؤلف أنّ الجماعة الإسلامية هي الحزب الأصولي الأكبر في شبه القارة الهندية، بحيث ينتشر أتباعها في ثلاث دول رئيسة : باكستان، الهند، بنغلادش، وأبرز قياداتها: القاضي حسين أحمد، ونائبه خورشيد أحمد والذي تلقى جزءاً من تعليمه وقضى كثيرا من حياته في الغرب ، وهو مدير لمعهد الدراسات السياسية في إسلام آباد، والمعهد مكون من قسمين : قسم باكستاني ، وقسم عربي يوفر ملجأ لقادة إسلاميين من الجالية العربية، وكان يرأسه " كمال الهلباوي" وهو قائد جناح متطرف في جماعة الأخوان في مصر.
ويرى الباحث أن الدعم المالي السعودي قد ساهم كثيرا في دعم نشاطات الجماعة خاصة بوجود عدد كبير من أعضائها في منظمات ذات تمويل سعودي، وهي: منظمة المؤتمر الإسلامي ، واتحاد العالم الإسلامي ، ويعتبر الكاتب أن الجماعة اليوم جزء من المنظمات الإسلامية الأصولية.
ويتتبع الباحث نشاط وفعالية الجماعة في الولايات المتحدة بمنهج مترصد متحامل بشكل واضح ، ويرى أن أبرز التعبيرات المؤسسية للجماعة هناك هي الدائرة الإسلامية لشمال أمريكا ، وبدرجة أقل الجالية الإسلامية لشمال أمريكا ISNA ،أما المركز الرئيسي للجماعة في أمريكا فيكمن في مسجد إمامه هو " موزاميل صديقي" في منطقة أورنج كاونتي بجانب لوس أنجلوس، هذا الإمام الذي تدعمه السعودية بشكل كبير، ويُصوّر وكأنه صاحب فكر معتدل.
وتتعرض الدراسة لمؤسس الجماعة: المودودي ولتاريخه ، وحتى وفاة المودودي لا تخلو من سخرية الباحث الذي قال: إن المودودي توفي عام 1979م بعد عملية جراحية في الولايات المتحدة ، والتي كان يصفها هي والدول الغربية بالغرب الفاسق!.

* جماعة الأخوان المسلمون:

يرى الباحث أنّ عددا من المراقبين يعتبر جماعة الأخوان المسلمين بمثابة الحركة الأم، والأكثر أهمية بين المنظمات الأصولية، والتي تفرّخ منها أغلب الجماعات والأحزاب الأصولية المتشددة، وقد يكون بعضها بطريقة غير مباشرة لكن مؤسسيها كانوا أعضاءً في الجماعة.
ويتطرق الباحث لتاريخ الجماعة وتأسيسها وخلفية حسن البنا الفكرية والاجتماعية، ويسلط الضوء على تأسيس " البنّا " للجهاز السري في الجماعة ، والذي يفخر الأخوان الآن بأنه كان يقوم بعمليات سرية ضد الإنجليز، كما أرسل البنا كتيبة من الأخوان إلى فلسطين عام 1948م لقتال اليهود ، وقد أصبح الأخوان في داخل مصر أكثر عنفا، بحيث اغتالوا رئيس الوزراء المصري الذي ألغى الجماعة خوفا من نشاطاتها الإرهابية، وأدى الأمر في النهاية إلى اغتيال "حسن البنا" نفسه بأوامر من فاروق عام 1949م .
ويشير الكاتب إلى العلاقة بين عبد الناصر والأخوان وإلى الصراع الذي نشأ بعد التحالف، ومحاولة اغتيال عبد الناصر من قبلهم، الأمر الذي أدى إلى قتل أعداد منهم واعتقال الآلاف، وهروب الآلاف إلى دول عربية أخرى وبالذات دول الخليج ، وهنا يصل الباحث إلى ما يسميه بـ " النفي الذهبي" لهم ، والذي ساهم وساعد على انتشار دعوتهم وتأثيرهم في العديد من دول العالم الإسلامي، واتصالهم بجماعات أخرى خاصة الجماعة الإسلامية في باكستان والتي يعتبرها الباحث الحركة الموازية لحركة الأخوان في شبه القارة الهندية.
ويعود بنا الباحث في هذا السياق أيضا إلى الدور السعودي والمتمثل دوما لديه بالدعم المالي والاقتصادي، بحيث يرى أنّ السعودية كانت تحاول في السبعينات والثمانينات بناء حصن إسلامي في مواجهة المد الشيوعي، وبما أن السعوديين لا يمتلكون الإمكانيات والخبرات البشرية – كما يرى- فإنهم قد اعتمدوا في هذا المجال وبالتحديد في منظمتي اتحاد العالم الإسلامي، والمؤتمر الإسلامي على عناصر وأعضاء من جماعة الأخوان والجماعة الإسلامية في باكستان، في تلميح واضح إلى دور مزعوم لهاتين المنظمتين في بناء شبكة إسلامية عالمية، وفي إشارة غريبة أخرى للباحث: بأن عددا من السعوديين حاول "سعودة " هذه المنظمات في التسعينات ، لكن حتى هؤلاء السعوديون هم نتاج الحركتين السابقتين!.
ويشير الباحث إلى دور التنظيم العالمي لجماعة الأخوان المسلمين، والذي يقوم بأعماله واجتماعاته بشكل سري في عدة دول غربية منها: جنيف، المانيا، هيرندن/ فيرجينيا، لندن،..الخ.

- سيد قطب منظر أيدلوجي رئيسي:

يتناول الباحث حياة سيد قطب ومسيرته وأهم أفكاره، بنفس المنهج المتحامل ، ويشير الباحث أن سيد قطب يحمل موقفا معاديا من الغرب ابتداءً، عمل على تبريره من خلال الزيارة التي قام بها الى الولايات المتحدة لدراسة نظامها التعليمي ، ويذكر المؤلف قصة منسوبة إلى قطب تتلخص: بأنه أثناء وجوده في مستشفى وجد الأجراس تقرع وكان العاملون مبتهجين، وعندما سأل الممرضة، أخبرته أن الولايات المتحدة تحتفل فرحا بموت شخص شرير هو حسن البنا، الأمر الذي دفع سيد قطب إلى مراجعة مواقفه والتوجه نحو الأخوان. ويعقب الباحث على ذلك بأنه لا يوجد حاجة للإشارة أن عددا كبيرا من الأمريكيين لا يعرفون حسن البنا باستثناء بعض السياسيين والباحثين!.
ويشير الباحث أن كراسات وكتب سيد قطب انتشرت بشكل كبير في العالم الإسلامي، وترجمت إلى اللغة الانجليزية بفضل الدعم المالي من الخليج العربي، ويبلغ تحامل الباحث على قطب بوصف كتاباته أقرب إلى الطابع الصحفي مقارنة بكتابات البنا والمودودي.

- الأخوان وأزمة القيادة :

يتابع الباحث نشاط الأخوان -وما يسميه صراع الأجيال- عندما فتح السادات لهم المجال للعمل، بحيث بدى أن عددا كبيرا من الجيل الأخواني الشاب بات يرفض منهجية الأخوان التدريجية وأخذ يتوجه إلى التجمعات والحركات الأخرى، وقد عانت الجماعة من أزمة في القيادة منذ وفاة مرشدها عمر التلمساني عام 1982م ، بحيث تولى القيادة مصطفى مشهور وهو صاحب خط متشدد، في حين يصف الناطق الرسمي باسم الجماعة مأمون الهضيبي بأنه الرجل الخطأ في الوقت الخطأ ، ويشير إلى دور سيف الإسلام البنا في قيادة وتوجيه الجماعة.
أما في الحياة السياسية فنظرا لمنع مصر قيام أحزاب على أسس دينية أو عرقية فقد تحالف الأخوان مع حزب الوفد ثم حزب الشعب الذي يقوده عادل حسين، وعلى الرغم أن الأخوان خسروا جزءا رئيسا من قاعدتهم المتطرفة، فإنه لا يزال لديهم وجود كبير خاصة في الأوساط المتعلمة وبالتحديد المهندسين، والذين كان يطلق عليهم " الأخوان المهندسون" نظرا للحضور الكبير للأخوان فيهم .

- القرضاوي..المعلم الجديد :

لم يسلم الشيخ القرضاوي من همز ولمز الباحث، بحيث تعرّض له الباحث بالتفصيل في معرض حديثه عن الأخوان، وترجم عدة اقتباسات من كتبه، ويشير الباحث في البداية إلى الخلفية الفكرية والاجتماعية للقرضاوي وإلى تميزه عن القادة الأخوان السابقين: البنا وقطب بحصوله على تعليم ديني، ويرى الباحث إلى أن القرضاوي الذي يدرّس في دول الخليج يقوم الإخوان بتسويقه على أنه رمز الاعتدال والوسطية، ويستشهد الإخوان دوما بكتابه الصحوة الإسلامية بين الجمود والتطرف ، والذي يهاجم فيه التطرف والتشدد الديني، كما يشير الباحث إلى كتاب القرضاوي "الحلال والحرام في الإسلام"، ويرى الباحث أن الكتاب لا يقدم جديدا في الفقه وفي المجال الذي كتب فيه، لكنه انتشر بشكل كبير في الغرب وبالتحديد في الولايات المتحدة الأمريكية ليس فقط بين أتباع الجماعة ولكن حتى بين الجالية المسلمة، والتي لا تهتم بالدور الخطير الذي يقوم به القرضاوي كمرشد وموجه لجماعات توتاليتارية متطرفة! وإنما لحاجتها الشديدة للفتوى والعلم الشرعي، ويذكر الباحث -في هذا السياق- قصة منع الكتاب من دخول فرنسا عام 1995م لما فيه من تمييز على أسس جنسية ، بما يتعارض مع القانون الأساسي للجمهورية الفرنسية.
ويصف الباحث اعتدال القرضاوي بـ "المزعوم"، إذ إنه عندما يتناول القضايا السياسية وبشكل خاص الصراع العربي- الإسرائيلي يبدأ بتبرير العمليات الاستشهادية –يصفها الباحث بالانتحارية - وبتبرير قتل المدنيين اليهود، ويعلق ويقتبس في هذا المجال من كتاب القرضاوي: " نحو جيل النصر.." خاصة العبارة إلتي تشير إلى أنّ إعادة الحكم الإسلامي طاعة دينية وضرورة سياسية ، والتي يعتبرها الباحث عباره محورية لفهم فكر القرضاوي، ويقتبس الباحث من كتاب القرضاوي جمل يحث فيها على الجهاد. ويرى الباحث أنّ القرضاوي والعديد من المتطرفين الإسلاميين يقدمون تفسيرا لآيات القرآن مثل آية " إن حزب الله هم الغالبون" مختلفا عن فهم المسلم العادي لها ، بحيث يعطونها صبغة سياسية عدائية ضد الآخرين.
في هذا السياق يشير الباحث إلى حديث: الحجر والشجر، الذي يذكره القرضاوي في كتابه ، شارحا مضمون الحديث ومعلقا: أن هذا الحديث هو الذي يحكم تصور المتطرفين الإسلاميين لمستقبل الصراع مع اليهود.

- أخوان سوريا:

يتناول الباحث إخوان سوريا بشكل مختصر، بحيث يشير إلى أن سوريا من أوائل الدول التي انتشرت فيها دعوة الأخوان، وأصبحوا من أكبر التنظيمات السورية، ويتناول صدامهم مع حافظ الأسد عام 1982م، بحيث سوّى الأسد حماة بالأرض وقتل آلاف الإخوان المسلمين هناك، واعتقل أعدادا كبيرة، فيما هربت أعداد أخرى.
ويتعرّض الباحث لقيادات الإخوان في سوريا وبشكل خاص عصام العطّار، الذي انتقل إلى ألمانيا، ويشير الباحث أن العطار يقود الآن النشاط والفعالية الإسلامية في أوروبا من خلال مدينته التي يعيش فيها على الحدود الألمانية مع عدد من الدول الأوروبية.

* حزب التحرير الإسلامي/ الأردني:

يقدّم الباحث عرضاً لأبرز أفكار الحزب والخلفية الفكرية والاجتماعية لمؤسسه؛ بحيث يذكر أن "النبهاني" قام بتأسيسه في القدس عام 1951م، وانتشر الحزب في فلسطين والأردن ولبنان وسوريا ، ووجد موطيء قدم في الغرب من خلال المهاجرين العرب والمسلمين، وازدهر نشاطهم في الولايات المتحدة في ولاية كاليفورنيا.
نشط الحزب بشكل أساس في الأردن، على الرغم أن النبهاني قد استقر في لبنان، والناس في العالم العربي يجدون مشكلة في فهم الفرق بين الإخوان المسلمين وحزب التحرير؛ إذ أنهما يستخدمان المصطلحات الشرعية ذاتها ويبدو أنهما يسعيان إلى نفس الهدف. إلاّ أن حزب التحرير يوجه عدة اتهامات للإخوان المسلمين خاصة في علاقتهم في الأردن بالنظام الملكي القائمة على إعطائه الشرعية وعدم التصادم معه على الرغم من ميوله الغربية، ويفسر الباحث ذلك: بأن الإخوان حرصوا على أن يتجنبوا في الأردن مصير الجماعة في دول أخرى مثل: مصر وسوريا، وبالتالي عملوا على أن تبقى الأردن "جنّة آمنة " لهم. بينما اختار حزب التحرير العمل تحت الأرض: إما باختياره لرفضه القبول بشرعية الأنظمة العربية، وإمّا بالقوة والإكراه ضده.
كما يتناول الباحث أيدلوجيا التحرير، وخاصة مصطلح الخلافة، ومنهجهم بالتغيير، ويصل في آخر المطاف إلى القول: إنّ الفرق بين الإخوان والتحرير في الدرجة والمنهج ، فالتحريريون أقل براغماتية من الأخوان.
ويشير الباحث في هذا السياق إلى ما يعتبره تطورا تاريخيا كبيرا في مسيرة الحزب، وذلك بانضمام عدد كبير من الباكستانيين إليه في التسعينات مما يعطي الحزب وجودا في تلك المنطقة الاستراتيجية، ويكسر احتكار الشرق العربي لفكره.

يتبع >[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 14-01-2007 الساعة 04:53 PM
  #13  
قديم 14-01-2007, 04:30 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

* حماس والجهاد:

أسس حركة حماس الشيخ " أحمد ياسين " عام 1987م ، ويؤكد قادة حماس أن حماس هي جماعة الأخوان المسلمين في فلسطين، لقد بدأت الحركة بالإصلاح الاجتماعي في مناطق المخيمات الفلسطينية خاصة في مدينة غزة، وتطورت بشكل كبير عندما تم تأسيس جناحها العسكري: كتائب عز الدين القسّام ، واستطاعت أن تحصل على جزء كبير من شعبية منظمة التحرير الفلسطينية.
لقد أدركت قيادة حماس أن الأجيال الجديدة في الإخوان غير متقبله لمنهج الأخوان التدريجي، خاصة بعد الضربات التي نزلت بهم في كل من سوريا ومصر، فطوّر أحمد ياسين تفسيرا راديكاليا لدعوة الإخوان، يقترب من منهج الجماعات المسلحة المصرية، ويرى الباحث: أن حماس على علاقة جيدة بحزب التحرير بسبب عدم اضطرارها للقبول بالأنظمة العربية وبشرعيتها.
ويعرض الباحث في جانب آخر الجدال بين الأخوان وحماس وبين حزب التحرير حول العلاقة مع إسرائيل والولايات المتحدة، بحيث يرى التحرير أن الولايات المتحدة هي مصدر الشرور، وأن إسرائيل مجرد تابع لها، بينما يرى الإخوان أن المشكلة والصراع مع إسرائيل ، أما الولايات المتحدة فيمكن أن تكون جيدة ويمكن أن تكون سيئة.
ويتطرق الباحث إلى مصادر دعم حماس، بحيث يشير أنها كانت من السعودية إلى حرب الخليج الثانية عندما وقفت حماس مع العراق، فانتقل الدعم ليصبح بشكل أساس من إيران ومن السودان، هاتين الدولتين اللتين وفرتا معسكرات تدريب لقادة وأعضاء حماس.
أما نشاطها في الولايات المتحدة فقد تركز بشكل كبير في شيكاغو، بحيث يصدرون مجلة الزيتونة، ويبقون على الجمعية المتحدة للبحوث والدراسات UASR، كجزء من دعايتهم السياسية. كما أنهم يتعاونون مع منظمة CAIR.
ويتناول الباحث تنظيم الجهاد بشكل مختصر وسريع، بحيث يشير إلى علاقته بإيران، وأنه بمثابة حزب إيراني في فلسطين، وقادته عبد العزيز عودة ود. خليل الشقاقي الذي يدرّس في University of Southern Florida.

* الجماعة الإسلامية والجهاد في مصر:

يقدم الباحث عرضا لأبرز مراحل تطور الجماعة الإسلامية ، و الخلفية الفكرية والاجتماعية لمؤسسها " الشيخ عمر عبد الرحمن " ؛ بحيث يشير إلى أنّ الجماعة الإسلامية قد تأسست من خلال طلاب الجامعات المصرية بشكل خاص، والذين كانوا يختلفون مع جماعة الإخوان المسلمين ، وأبرز مواطن الخلاف هو عدم إيمان الجماعة بالانتخابات كوسيلة للتغيير السياسي في مصر، بحيث تأثرت بالثورة الإيرانية وبمنهج الصراع المسلح مع النظام المصري والذي تتهمه الجماعة بأنه طاغوتي كافر.
وقد اعتمدت الجماعة في البداية في مصادر تمويلها على سرقة متاجر الأقباط المصريين، واستولت على السلاح من خلال قتل الشرطة المصرية، وحاولت ضرب النظام المصري من خلال العمليات الإرهابية ضد السياح والتي تستهدف الاقتصاد المصري ؛ إذ أنّه يعتمد بشكل كبير على السياحة الخارجية. كما نفّذت الجماعة عدة عمليات مسلحة منها: قتل فرج فودة عام 1992م ، ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ الذي حاز على جائزة نوبل عام 1994م، بفتوى من عمر عبد الرحمن مشابهة لفتوى الخميني بقتل سلمان رشدي ، كما حاولت الجماعة اغتيال حسني مبارك ، وأعلنت أنها ستستمر في محاولاتها.
أما مؤسس الجماعة وشيخها الروحي فهو عمر عبد الرحمن ، الذي كان ينتمي في شبابه إلى جماعة الإخوان ، وهو بمثابة المرشد الروحي لشباب جماعة الجهاد الذين اغتالوا السادات ، وصل أمريكا عام 1990م ، وقد فاجأ بذلك الشباب المسلم في كل مكان، إذ أنه كان دوما صاحب موقف معادٍ للولايات المتحدة.
ولدى وصول عبد الرحمن إلى أمريكا بدأت عملية مقارنته بالخميني ، وبالتحديد في ظاهرة أشرطة الكاسيت ، والتي أمسكت الشرطة المصرية بثلاثة ملايين نسخة منها في مصر. واعتقل عبد الرحمن بعد انفجار مبنى التجارة العالمي عام 1993 واتهامه بالتخطيط له، وقد تولى الدفاع عنه رمزي كلارك والذي صوّره وكأنه غاندي، على الرغم من أن أتباع عبد الرحمن كانوا يتدربون في أفغانستان للقيام بعمليات إرهابية .
ويقدر الباحث عدد أعضاء الجماعة بأكثر من عشرين ألف عضو، ويعتبر كتب عبد الرحمن أبرز أدبياتهم الأيدلوجية، على الرغم أن " محمد عبد السلام فرج " منظر جماعة الجهاد قد سبقه بكتابه الفريضة الغائبة.
أمّا الجهاد الإسلامي فيعتبرها الباحث الحزب التؤام للجماعة الإسلامية ، وكانوا يحاولون إقناع عبد الرحمن ليكون مرشدهم الروحي إلاّ أنه رفض أن يلزم نفسه بذلك، نشطت الجهاد بالعنف وكانت تتهم الجماعة بأن عملياتها ضعيفة وتؤدي إلى اعتقال عدد كبير منهم، إلاّ أن جماعة الجهاد نفسها اعتقل عدد كبير من خلاياها المعروفة بطلائع الفتح ، وتبين أن الجماعة الإسلامية تزيد في عدد أعضائها أضعافا عن الجهاد.
ويتطرق الباحث لأبرز قيادات الجهاد : أيمن الظواهري وعبود الزمر في خلفيتهم الاجتماعية والفكرية ، مشيرا إلى أن نقاشاً طرأ حول القيادة في الجهاد حول عمر عبد الرحمن [ أعمى] و عبود الزمر [ أسير].

*الجبهة القومية وجبهة الإنقاذ:

يتطرق الباحث إلى الجبهة القومية الإسلامية في السودان ، وعلاقتها بالضباط الذين قاموا بالانقلاب عام 1989م ، وأبرز قياداتها " حسن الترابي "، وخلفيته الفكرية والاجتماعية ، بطريقة لا تخلو كذلك من الترصد والتحامل البعيد عن أية موضوعية منهجية ، مشيرا إلى تقارير منظمات حقوق الإنسان حول ما يسمى ببيوت الأشباح في السودان والتعذيب، كما يشير إلى علاقة الترابي بالمؤتمر القومي الإسلامي، وموقفه من الولايات المتحدة ، ومحاولته تحسين علاقته بفرنسا من خلال تسليم كارلوس، وسعيه إلى تسويق نفسه على أنه صوت الاعتدال والعقل في العالم العربي.

أما جبهة الإنقاذ فيشير الباحث إلى الطريقة التي تأسست بها ، ويرى أن هناك منهجين يتنافسان على السيطرة عليها: المنهج العالمي الذي يقوده نائب رئيس الجبهة علي بلحاج، والمنهج الأقرب إلى " الجزأرة " الذي يتبناه عباس مدني . ويشير الباحث إلى عملية الانتخابات التي جرت وأدت إلى سيطرة الجيش على الحكم، ويقسم حال قيادات الجبهة بأن منهم من اعتقل: مدني، بلحاج، حشاني ، ومنهم من انضم للجماعة المسلحة مثل: عبد الرزاق حشام ، ومنهم من هرب إلى الخارج : رباح كبير، وأنور هدام ، ويتحدث عن العنف الجزائري في تلميح واضح لتبرير التدخل العسكري وإلغاء الانتخابات.

كما يتطرق إلى حركة حماس التي يتزعمها "النحناح" والذي يعتبره الباحث مواليا للسعودية ، ويرى الباحث أن العلاقة بين الإنقاذ وحماس الجزائرية بقيت موجودة ، وهناك قنوات من التواصل بين المتطرفين ، والذين لا يُخرِج الباحث حتى محفوظ النحناح – رحمه الله- منهم !.

* حزب الله:

يشير الباحث إلى خطأ يقع فيه العديد من الغربيين عندما يقصرون حزب الله على لبنان، ويرى أن الخميني قد قام بتوظيف سياسي لهذا المفهوم [حزب الله] في صراعه السياسي مع أعدائه، ويتتبع الباحث ما يعتبرها منظمات باسم حزب الله في العديد من الدول، خاصة الأرجنتين، وألمانيا ودول أخرى في العالم، ويعتبرها جميعها إرهابية.
ويتطرق الباحث بشكل خاص إلى حزب الله في لبنان ونشأته التاريخية، والطائفة الشيعية في لبنان، وعلاقة الحزب بإيران والأهداف الإيرانية من دعم ومساندة الحزب.
كما يتطرق الباحث إلى نشاط الحزب في أوروبا وأهم المؤسسات التي أنشأها في عدد من الدول: جنيف، برلين، أوسلو.

*ملاحظات ختامية على الدراسة:

بعيداً عن التقييم المنهجي الموضوعي للدراسة، إذ يظهر منذ البداية ومن توجهات المعهد نفسه التحامل المسبق، والحمى الأيدلوجية الصهيونية اتجاه الحركات الإسلامية ، فإنّ هناك عدة ملاحظات يجدر وضعها في ختام هذه الورقة..

1- إن الإنصاف المنهجي يقتضي الإقرار بحجم وكم المعلومات الكبير في الدراسة ، والذي توافر عليه الباحث على الرغم من تنوع وتعدد الدول التي شملتها الدراسة واختلاف توجهات الجماعات المدروسة ، بيد أن هذه المعلومات قد تم توظيفها بطريقة غير موضوعية وبعيد عن أية استقامة منهجية، وتم اجتزاؤها من سياقاتها، والتعامل معها بتوظيف أيدلوجي سافر لا يصعب على أي متتبع من رصده وكشفه ، ويمكن مقارنة هذه المنهجية بمنهجية أخرى أقرب إلى الموضوعية تتناول جماعات مذكورة في هذه الدراسة نفسها وهي المنهجية التي استخدمها "جون اسبوزيتو" في كتابه "التهديد الإسلامي خرافة أم حقيقة" ( انظر ترجمة د. قاسم عبده قاسم، دار الشروق، القاهرة، ط2 ،2002.

2. لو كانت هذه الدراسة مستقلة وكاتبها مستقل، لم نكن لنعبأ بها لما فيها من تحامل وانحياز يخل بمصداقية كل الدراسة ونتائجها، إلاّ أن المشكلة تكمن أن هذه الدراسة تصدر عن مركز دراسات معروف ومشهور ومؤثر في أوساط النخب السياسية والمثقفة الأمريكية – كما ذكرنا سابقاً- وبالتالي هذه الصورة المخيفة والمتحاملة هي ذاتها التي تحملها أعداد كبيرة من النخب الأمريكية، هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار كذلك منتوج مراكز دراسات أخرى تحمل كذلك رؤية متحاملة على الحركات الإسلامية، مثل: مؤسسة هيريتج ومؤسسة راند، مركز الشرق الأدنى للدراسات، ولا يعجز الراصد والمتابع لهذه المراكز من إدراك الأهداف والأبعاد المقصودة من هذه الدراسات.

3- لم يقف البعد التحريضي في الدراسة عند حدود نشاط هذه المؤسسات في الشرق الأوسط أو في دولها ، بل امتد ليقوم بعملية ربط بين مؤسسات متعددة في الولايات المتحدة وأوروبا وبين الجماعات التي وضعت كلها – في هذه الدراسة - في نسق التطرف والتشدد والعداء للغرب، وبالتالي لا يقف الاستهداف عند حدود هذه الجماعات بل يمتد للفعالية العربية في أوروبا وأمريكا بشكل كبير.

4- كما أن هناك دولاً لم تسلم من تحريض الباحث، وإذا استثنينا الدول المعروفة دوما بوضعها على لائحة الإرهاب الأمريكية؛ سوريا، العراق، السودان، ليبيا، إيران، فإن هذه الدراسة كانت منذ كتابتها عام 1996م تحرض ضد السعودية ، ودورها في دعم الدعوة الإسلامية، و قام الكاتب بطريقة سيئة جدا بالزج باسم كل من المؤتمر الإسلامي واتحاد العالم الإسلامي في الموضوع ؛ لينالا نصيبهما من الرصد والتتبع..الخ.

5- إن هذه الدراسة وما شاكلها من دراسات ومشاريع وانتاج يصل إلى الآلاف عن مراكز الدراسات الأبحاث الأمريكية، تستدعي من الحركات والمثقفين والدول الإسلامية الجادة القيام بعدة إجراءات، منها :

متابعة هذا الإنتاج، ورصده وتكوين تصورات واضحة حول هذه المراكز والباحثين وتوجهاتهم وأهدافهم .

نشر الصورة الصحيحية المعتدلة عن الحركات الإسلامية ومناهجها، ومفكريها وتصوراتها، ودعم المجهودات المعرفية في هذا المجال.

التدقيق في الخطاب الإسلامي وأبعاده والأفكار الإسلامية، خاصة في ظل هذه الحالة من التصيد والمتابعة الغريبة لكل ما يعني هذه الحركات ومواقفها وانتاجها ومفكريها، وعدم التورط بتصريحات ومواقف وأفكار غير عملية وغير مسؤولة توظف كلها في النهاية لإدانة الحركات الإسلامية
[line]
المصدر : الاسلام اليوم [line]
  #14  
قديم 14-01-2007, 05:57 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

تاريـخ الدبلوماســـية (1)

د. حنان اخميس- دراسات دولية

الدبلوماسية.

هي كلمة يونانية اشتقت من كلمة دبلوم او دبلون ومعناها طبق أو طوى أو ثنى فلقد كانت تختم جميع جوازات السفر ورخص المرور على طرق الامبراطورية الرومانية، و قوائم المسافرين والبضائع على صفائح معدنية ذات وجهين مطبقين ومخيطين سوياً بطريقة خاصة وكانت تذاكر المرور هذه تسمى (دبلومات ) و اتسعت كلمة دبلوما حتى شملت وثائق رسمية غير معدنية التي تمنح المزايا أو تحتوي على اتفاقات مع جماعات أو قبائل أجنبية .

*قال شيشرون عن الدبلوماسية عام ( 106- 43 ق.م )

استخدم كلمة دبلوما بمعنى التوصية الرسمية التي تعطي للأفراد الذين يأتون الى البلاد الرومانية وكانوا يحملونها معهم ليسمح لهم بالمرور وليكونوا موضع رعاية خاصة.

*انتقلت الدبلوماسية اليونانية لللاتينية و اللغات الأوروبية ثم اللغة العربية.

1- الدبلوماسية في اللاتينية

تعني الشهادة الرسمية او الوثيقة التي تتضمن صفة المبعوث والمهمة الموفد بها ، والتوصيات الصادرة بشأنه من الحاكم يقصد تقديمه و حسن استقباله أو تسير انتقاله بين الأقاليم المختلفة وكانت هذه الشهادات او الوثائق عبارة عن أوراق تمسكها قطع من الحديد ( تسمى دبلوما ) .

2- أما المعنى الثاني

الذي استعمله الرومان لكلمة دبلوماسية والذي كان يفيد عن طباع المبعوث أو السفير و قصدت باللاتينية ( بمعنى الرجل المنافق ذي الوجهين ) .

*الدبلوماسية بالمفهوم الفرنسي

تعني مبعوث او مفوض أي الشخص الذي يرسل في مهمة ( اما كلمة سفير فتشتق من كليتيه ،أي تابع ، خادم وهو لقب يمنح فقط لممثلي الملوك) .

إن الأسبان كانوا أول من استخدم كلمة سفارة او سفير بعد نقلها عن التعبير الكنسي بمعنى الخادم او السفارة

*فاتسع مفهوم الدبلوماسية فيما بعد وأصبحت تستعمل في عدة معان

أ‌- معنى المهنة .
ب‌- معنى المفاوضات
ت‌- ومعنى الدهاء و الكياسة.
ث‌- ومعنى السياسة الخارجية .

*الدبلوماسية في اللغة العربية

فكانت كلمة ( كتاب) للتعبير عن الوثيقة التي يتبادلها أصحاب السلطة بينهم والتي تمنح حاملها مزايا الحماية والأمان.
و كلمة سفارة تستخدم عند العرب بمعنى الرسالة أي التوجه والانطلاق الى القوم ، بغية التفاوض وتشتق كلمة ( سفارة من سفر) أو ( أسفر بين القوم إذا أصلح ) و ( كلمة سفير هو يمشي بين القوم في الصلح أو بين رجلين ) .

*تعريف الدبلوماسية

1-تعريف معاوية بن أبي سفيان :
" لو ان بيني و بين الناس شعرة لما قطعتها إن أرخوها شددتها وإن شددتها أرخيتها".

2- تعريف ارنست ساتو :
" هي استعمال الذكاء والكياسة في إدارة العلاقات الرسمية بين حكومات الدول المستقلة.

3- تعريف شارل كالفو:
هي علم العلاقات القائمة بين الدول كما تنشأ عن مصالحها المتبادلة و عن مبادئ القانون الدولي، و نصوص المعاهدات و الاتفاقات و معرفة القواعد والتقاليد التي تنشأ وهي علم العلاقات أو فن المفاوضات أو فن القيادة و التوجيه.

4- تعريف هارولد نيكلسون :
يقول أنها إدارة العلاقات الدولية عن طريق المفاوضات او طريقة معالجة وإدارة هذه العلاقات بواسطة السفراء والممثلين الدبلوماسيين فهي عمل وفن الدبلوماسيين .

5- يقول الدكتور عدنان البكري:
انها عملية سياسية تستخدمها الدولة في تنفيذ سياستها الخارجية في تعاملها مع الدول والأشخاص الدوليين الآخرين وإدارة علاقاتها الرسمية بعضها مع بعض ضمن النظام الدولي.

6- يقول مأمون الحموي:
إنها ممارسة عملية لتسيير شؤون الدولة الخارجية وهي علم وفن علم ما تتطلبه من دراسة عميقة للعلاقات القائمة بين الدول ومصالحها المتبادلة ومنطوق تواريخها ومواثيق معاهدتها من الوثائق الدولية، في الماضي والحاضر وهي فن لأنه يرتكز على مواهب خاصة عمادها اللباقة والفراسة وقوة الملاحظة.

*الدبلوماسية و القانون الدبلوماسي

يقول براديه فودريه :
انه ذلك الفرع من القانون الدولي الذي يتناول بصفة خاصة تنسيق العلاقات الخارجية للدول.

يقول جينيه :
انه فرع من القانون العام الذي يهتم بصورة خاصة بممارسة وتقنين العلاقات الخارجية للدول، و صيغ تمثيلها في الخارج وإدارة الشؤون الدولية وطريقة قيادة المفاوضات.

*الدبلوماسية – و التاريخ الدبلوماسي

التاريخ الدبلوماسي

يقول الدكتور أبو هيف هو دراسة تاريخ الدبلوماسية في ماضيها تتبع المراحل المختلفة التي مرت بها في مجال العلاقات البشرية ومصائر الشعوب و عن طريق هذا التاريخ يمكن معرفة مجريات السياسة الدولية في الماضي و اتجاهها، و دوافع الحرب عن طريق المفاوضات و المعاهدات ان تعيد تنظيم المجتمع الذي يعيش فيه .

*الدبلوماسية القديمة – أهمها

1- الدبلوماسية البدائية ( القبلية)- الفئة الأولى

أ‌- يقول بلاغا : يرجح تاريخ الدبلوماسية الى الكرسي البابوي حيث كانت الخطوة الأولى للدبلوماسية في ايطاليا قد خطتها الدبلوماسية البابوية، ودبلوماسية المدن الايطالية ( و خاصة دبلوماسية البندقية) .

ب‌- يقول موات: انها بدأت عام 1451 في نهاية حروب المئة عام .

ت‌- يقول هل : انها بدأت مع القرن العشرين أي مع مرحلة الدبلوماسية العلنية .

*الفئة الثانية تقول نشأة الدبلوماسية بنشأة المجتمع وتطوره:-

1- يقول نيوملن: ان التاريخ يذكر ان القبائل البدائية والجماعات البشرية الأولى قد عرفت الحرب والسلم وإجراء الصلح ، و مراسم الاحتفالات الدينية والسياسية والاتصالات التجارية و هذه الجماعات كانت لها مراسم خاصة عند وفاة الزعيم و عند تولي زعيم جديد للسلطة.

2- يقول دوليل : بأن الدبلوماسية ظهرت أثارها على الألواح الآشورية وفي التاريخ الصيني والهندي والإغريقي و الروماني ولكن لا صلة مباشرة بين النظام الحديث وبين إرسال الكنيسة الرومانية الوسطى للمبعوثين.

*تطور العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع القبلي أدى الى بروز بعض القواعد و الأغراض أهمها

1- كانت البعثات الدبلوماسية تنشأ عن الإعلان عن تولي زعيم جديد للسلطة او تتويج احد الملوك أو وفاة آخر أو إجراء انتخاب لاختيار زعيم أو رئيس .

2- كان إرسال البعثات والسفراء يجري بهدف القيام بالاتصال والتباحث من أجل المصاهرة والزواج .

3- كانت الدعوة الى عقد الاجتماعات التي تضم القبائل القريبة والبعيدة تهدف إلى بحث عدة شؤون منها الصيد و الأعياد والشعائر الدينية.

4- كانت غاية البعثات تطوير العلاقات الودية ونبذ الحروب و الدعوة للمفاوضات و عقد الصلح والاحتفال بإرساء قواعد السلام.

5- كانت هذه البعثات تشجع على قيام جماعات سياسية من أجل التحالف والمساندة كوسيلة لرعاية السلام(مثل حلف الفضول " حلف الطيبين" ) .

*حلف الفضول: كانت القبائل العربية في العصر الجاهلي تعقد حلف لنصرة المظلوم إذا ظلم و هو عقد لحماية زائري مكة والحج أليها .

6- كان البعثات الدبلوماسية تقوم بدور في إعلان الحرب أو التهديد بها و الأخطار التي تترتب على وقوعها.

7- مبدأ تبادل الرسل والمبعوثين المؤقتين إقرار مبدأ الحصانات والامتيازات .

8- في بعض المجتمعات البدائية كانت تلقى عمل السفارة على النساء.

*الدبلوماسية في حضارة الشرق الأوسط القديمة: ( حضارة الفراعنة، و الرافدين) .

كانت الدبلوماسية والعلاقات الدولية في هذه المرحلة ناشطة في الشرق الأوسط حيث قامت في هذه المنطقة مدينات امتدت من أرض ما بين النهرين دجلة، والفرات الى وادي النيل، محاطة بمدن صغيرة ودويلات مدنية أكبرها امبراطورية الكلدانيين او البابليين أو امبراطورية الفراعنة وكانت العلاقات الدولية تتميز بسمات المجتمع الآسيوي التي شكلت قاسماً مشتركاً لحضارات واسعة تمتد من مصر الى سوريا و بلاد فارس حتى الهند الصينية و كانت السلطة مركزة بشكل قوي لإدارة شؤون الحكم وكان الحاكم أو الملك يجسد الدولة فكانت الدبلوماسية والعلاقات الدولية تنفذ لخدمة السياسة الخارجية التي تحدد أهدافها الأباطرة والملوك كما ان جميع المشكلات العامة و الخاصة كانت تحل (عادة بالحرب) أو (بالسلم) ، ضمن اتفاق او تعاهد
يجري بعد التفاوض عن طريق مبعوثين او رسل ،

مثال:

1- مصر كانت تتبع قواعد تقوم على انتهاج سياسية خارجية قائمة على مبدأ التوازن القوي و سياسة تقديم المعونات المالية و الهدايا الى الملوك المجاورين بالإضافة الى المصاهرة و الزواج.

2- كما اكتشف مجموعة من الرسال الدبلوماسية بلغ عددها 360 لوحاً من الصلصال وهي عبارة عن المراسلات الدبلوماسية المتبادلة بين فراعنة الأسرة الثامنة عشرة التي حكمت مصر في القرنين الخامس عشر والرابع عشر وملوك بابل والحثيين وسوريا وفلسطين معظمها كان مكتوباً باللغة البابلية لغة العصر الدبلوماسية.

3- هذا ما تؤكده معاهدة قادش بين الفراعنة والحثيين سنة 1279 ق.م التي أتت نتيجة في القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية،

أهم مبادئ هذه المعاهدة

أ‌- أهمية المبعوثين والرسل والاعتراف بمركزهم في تحقيق السياسة الخارجية .

ب‌- التأكيد على اقامة علاقات ودية وإشاعة السلام القائم على ضمان حرمانه أراضي الدولتين وتحديد التحالف و الدفاع المشترك .

ت‌- مبدأ رعاية الآلهة للعهد كقسم وتحريم النكث بالعهد .

ث‌- مبدأ تسليم المجرمين والعفو عنهم إنما دون تمييز بين المجرم العادي و المجرم السياسي.

*و تبرز أهمية هذه المعاهدة ( قادش) في تاريخ العلاقات الدولية في ثلاثة أمور: -

1- هذه المعاهدة تعتبر أقدم وثيقة مكتوبة حتى الآن في تاريخ القانون الدولي .

2- هذه المعاهدة بقيت حتى العصور الوسطى ( النموذج المتبع) في صياغة المعاهدات لما تضمنته من مقدمات ومتن و ختام .

3- هذه المعاهدة ترسم لنا صورة صادقة وأمنية عن اوضاع الممالك في الشرق القديم وعن كيفية انصهار الدولة بشخص الحاكم او الملك.

*الدبلوماسية في حضارة الشرق القديم الهند الصينية

الدبلوماسية في الصين القديمة، اتبعت قواعد ومبادئ ارتبطت بنظرتهم الفلسفية و أسبغت عليها هالة من القدسية النابعة من الديانة البوذية والبراهمية، دعا كونفوشيوس الفيلسوف في القرن السادس قبل الميلاد الى اختيار مبعوثين دبلوماسيين يتحلون بالفضيلة ويختارون بناء على الكفاية و ذلك ليتمثل دولهم في الخارج سواء على المستوى الدولي ام جماعة الدول.
و فضل الفيلسوف كوانج شينغ ، اللجوء الى استخدام السلمية على الوسائل الحربية و دعا الى أن تخصص الدولة ثلثي ميزانيتها للإنفاق على الاتصالات والبعثات الدبلوماسية واتبعت قواعد الأسبقية، ومراسم الاستقبال واستقصاء مبعوثيها للمعلومات بشكل سري.

* الدبلوماسية في الهند القديمة

يمكن الرجوع إليها من خلال كتب الهنود المقدسة خاصة الفيدا والمانوا ،أو قانون مانو الذي يتضمن بعض القواعد الخاصة بالسياسة الخارجية والسفراء و شؤون الحكم وهذه القواعد عن العلاقات الدبلوماسية في حضارة الشرق القديم ، اهمها

1- في اختيار السفراء و صفاتهم

يجب على السفراء ان يلموا بكل القواعد الدينية التي تقدم الكثير من المعلومات للسفراء بشأن التجسس والقضايا النفسية و مسألة النسب الى جانب الاستقامة والمعرفة التاريخية والجغرافية والتمتع بالشجاعة و الفصاحة .

2- تقوم العلاقات الخارجية على عاتق السفير حتى ان الحرب اعتبرت المهمة الأولى للدبلوماسية و عول عليها اكثر من السلم( و في المادة 65 من قانون مانو) بأن الحرب و السلام يعتمدان على السفير).

3- في مجال التفاوض

يجب على السفيران يفطن الى أهداف الملك الأجنبي من خلال بعض الإشارات و الحركات المتعلقة بالحاكم أو بمبعوثيه السريين كما يجب أن يعرف مشاريعه عن طريق اتصاله بمستشاريه الطامعين او الناقمين هذا الى جانب حنكته في المحافات (و الحصول على المعلومات).

ويقول نيكولسون: بأن قوانين مانو (تمشل مجموعة كاملة لأحكام دبلوماسية نجدها في الحروب تنهي عن قتل اللاجئين من غير المحاربين و حتى عندما يكونوا المحاربين على درجة متساوية من التسلح فيجب على المنتصرين أخذ جرحى الأعداء للعناية بهم.

تقول المادة "66" ما يلي: ا السفير هو الذي يقرب بين الأعداء ويوقع بين الحلفاء .

*الدبلوماسية في عهد الإغريق

يقول نيكلسون ان الإغريق طوروا نظماً دقيقاً للاتصال الدبلوماسي. بحيث

1- بحيث عرفوا مبدأ التسوية بالتراضي او المصالحة التي تشير الى وقف الأعمال العدواني .
2- لقد عرفوا الاتفاق أي الهدنة المحلية المؤقتة.
3- تبنوا نظام الاتفاقات العلنية وحتى المعاهدات الى جانب التحالفات والهدنة المقدسة التي تعقد في فترة الألعاب الأولمبية و كان عقد الصلح والسلم بالنسبة للإغريق أقرب الاستخدامات والأسماء الى القلوب .

*و قد تميزت أساليب الدبلوماسية وممارستها في عهد الإغريق بثلاث مراحل

1- مرحلة المنادين او حملة الاعلام البيضاء قد أسبغت على هؤلاء سلطات شبه دينية و وضعوا تحت حماية الإله هرمس الذي يمثل السحر و الحيلة والخداع ويقوم بدور الوسيط بين العالم العلوي والعالم السفلي حيث كان الدبلوماسي المنادي يستخدم كرسول لإعلان رغبة السيد أو الملك حول موضوع معين والتفاوض بشأن بعض الأمور .
2- مرحلة الخطباء: و هي مستوى أعلى من مستوى المنادي و كان يتم اختيار المبعوثين من بين الخطباء والفلاسفة والحكماء وهي مرحلة الدبلوماسي الخطيب.
3- مرحلة ازدهار حضارة الدولة المدنية وتقدم وسائل الاتصال حيث اعتمدت على أسس ثابتة في مجال السلم و الحرب( ومبدأ الحصانات).

أ‌- في زمن السلم قامت العلاقات الدبلوماسية على التعاهد والتحكيم وايفاد الممثلين الدبلوماسيين مثلاً نصت المعاهدة المبرمة بين طيبة و أثينا على ان تقوم مدينة لاميا بدور الحاكم بينهما في حال نشأ خلاف حول تفسير المعاهدة.

ب‌- في زمن الحرب : فقد خضعت العلاقات بين المدن الإغريقية لقواعد خاصة اهمها

1- لا تبدأ الحرب إلا بعد الإعلان والحرب لتسوية الخلافات الدولية و كان الإغريق قبل الحرب يلجئون الى المفاوضات الدبلوماسية الفردية وعقد المؤتمرات التي كان يطلق عليها الامفكتونية ويقول نيكلسون :"أن الإغريق قد اوجدوا نظاماً خاصاً للعلاقات الدبلوماسية الدائمة و ان أعضاء البعثات الدبلوماسية منحوا حصانات معينة و كان لهم اعتبار عظيم وأنهم اعترفوا بأن العلاقات بين الدول لا يمكن توجيهها فقط عن طريق المكر، والشدة ( فثمة قانون ضمني معين كان فوق المصالح الوطنية المباشرة أو المنافع غير الدائمة.
2- تكون حرمة المعابد و الملاعب مصونة و خاصة كانت بعض المعابد تستخدم لحفظ الوثائق ومحفوظات الدولة كمعبد مترون.
3- لا يعتدي على الجرحى والأسرى: حيث حكموا على صور الوحشية التي ترتكب بحق الجرحى و الموتى في المعركة انها بمثابة أمور تليق بالبرابرة .

*العوامل التي أدت الى تأخر استتباب الاستقرار في العلاقات الدبلوماسية بين الدول المدنية الإغريقية خاصة في مجال التمثيل الدبلوماسي اهمها

1- ان المدن اليونانية لم يعترف بعضها للبعض بالمساواة في السيادة.
2- ان العلاقات الدبلوماسية بين هذه الدول المدنية كانت في الواقع علاقات داخلية بين مدن ترتبط بروابط الدم واللغة و الدين والجوار أكثر مما كانت علاقات دولية.
3- لم تكن لتلك الدول المدنية القوة التي تمكنها من فرض نظمها على غيرها أو ضم الدول إليها، ولم تبرز هذه القوة إلا إبان عصر الاسكندر المقدوني حيث بلغ مبدأ القوة إليها، و الإخضاع على مبدأ الإقناع والتفاوض أي ( الأسلوب الدبلوماسي).

*تميز الأسلوب والممارسة الدبلوماسية عند الاغريق بعدة خصائص هي

1- عدم وجود ممثلين دائمين ، فقد كانت مجالس الشعب او جمعية المدنية هي التي تقوم بتفويض السفراء المؤقتين بمهامهم وتسلمهم خطابات الاعتماد و تقوم باستقبالهم .
2- كانت الديمقراطية الاغريقية تضع مبعوثيها موضع الشك دائماً و لذلك كانت السفارة تتكون غالباً من أكثر من مبعوث واحد بحيث تمثل جميع الأحزاب ومختلف وجهات النظر أي كانت البعثة بشكل عام(جماعية ).
3- كان السفراء يحملون تصريحات بالسفر و الانتقال عبر البلدان كما كانت الدولة تكفل لهم نفقات الاقامة والسفر والمعاملات بسخاء.
4- كان للسفراء حصانات و امتيازات لا يخضعون لسلطة القضاء المدني والجنائي المحلي في البلد الموفد اليه وخاصة ان المبعوث كان يتمتع بحماية الآلهة و كثيراً ما كانت الحرب تعلن بسبب انتهاك حرمة سفيرها او الاعتداء عليه ، *مثال أعلنت الحرب على تساليا لأن سفراء قد اعتقلوا أو سجنوا في تساليا .
5- كان يحرم على السفراء قبول الهدايا مدة القيام بمهامهم .
6- إذا نجح السفير في مهمته وعاد الى وطنه و وافقت الجمعية الوطنية على ما قام به منح حديقة من الزيتون و دعي الى وليمة تقام خصيصاً له دار البلدية وكان موضع حفاوة و تبجيل، اما إذا اخفق فكان يتعرض لأقصى العقوبات الجنائية و كان عليه ان يعيد النفقات التي اقتضتها مهمته .
7- من أبرز ماعرفه اليونان في تاريخ العلاقات الدولية هو نظام القناصل و هكذا يلاحظ ان الاغريق قد مارسوا الدبلوماسية وضرورة اتباع هذه القواعد التي تنظم العمل الدبلوماسي.

*الدبلوماسية في عهد الرومان

1- ورث الرومان عن الاغريق بعضاً من التقاليد والقواعد الدبلوماسية .
2- في عهد الرومان وصلت العلاقات الدبلوماسية الى مرحلة متقدمة من التطور والانتظام من خلال المؤتمرات و الاتحادات التعاضدية وقد سار تطور العلاقات الدولية ضمن اطار ( خدمة الاهداف الخارجية لروما ) التي ارتكزت على مبدأ السيطرة و خضوع الشعوب الأخرى و كيفية استيعابها وصهرها في البوتقة الرومانية.
3- لجأت روما الى رفض فكرة المفاوضة والدخول في معاهدات و تحالفات بين روما و غيرها من المدن ، و الشعوب المغلوبة على أمرها، و هذه المعاهدات أبقت لتلك المدن والشعوب نوعاً من الحكم الذاتي.
و كان أفضل ما ابتدعته الرومان مبدأ ( سحق خصمهم العنيد والصفح عمن يخضع لهم ).

*آثار العقلية الرومانية القانونية و غلبتها على الأسلوب الدبلوماسي في النقاط واهمها

1- عرف الرومان المعاهدات و صياغتها وأشكالها حيث أقروا مبدأ احترام العهود وقدسية المواثيق كأساس لاستقرار العلاقات الدولية.
2- في العصر الاول لسيادة روما برزت العقلية القانونية من خلال تلاشي العادات الدينية وتلاشي القانون المقدس و مسألة القسم في تنفيذ المعاهدة امام قانون الشعوب وأصبح يحكم علاقات روما بغير مواطنيها من الشعوب الصديقة و الاجانب المتحالفين معها.
3- مع تطور الامبراطورية الرومانية نشأ قانون الأجانب الذي يطبق على سكان الأقاليم المفتوحة حديثاً من غير الارقاء الذين لم يكتسبوا بعد حق المواطنية الرومانية .
ويقول نيكولسون :" إن نظام الرومان الدبلوماسي لم يكن يتسق مع الاعتراف بمبدأ المساواة القانونية ذات السيادة .
و هكذا نلاحظ بأن الرومان كانوا يفضلون استعمال القوة على استعمال الأساليب الدبلوماسية ( اي انها كانت علاقة استعمارية).

*تميزت الممارسة والأسلوب الدبلوماسي الروماني و هذه الخصائص تركزت في الأمور التالية

1- كان اهتمام الرومان يتركز على الشكل قبل المضمون في اجراءات عقد و تسجيل المعاهدات فمثلاً انصرف اهتمام الرومان الى النظر بصحة اعلان الحرب بالشروط المرسومة قبل بدئها و كذلك بما يتعلق بعقد الصلح طبقاً لمراسم معينة.
2- كان مجلس الشيوخ الروماني هو الذي يدير الخارجية ثم أصبح للاباطرة من تدبير هذه السياسة و لكن بعد استشارة هذا المجلس.
3- كان مجلس الشيوخ يقوم بقبول سفراء الدول الأجنبية و الاستماع الى مطالبهم و قبولها أو رفضها.
4- في عصر الرومان أصبح تكوين البعثة الدبلوماسية بمثابة لجنة تمثل مجلس الشيوخ يتراوح عددها بين شخصين او عشرة أشخاص و ان السفراء عادة من درجة الشيوخ او من الفرسان البارزين أو البعثات الدبلوماسية الهامة، فكانت تتكون من عدد من القناصل او الفرسان يرأسهم أحد أعضاء ديوان الخارجية .
5- عند عودة السفراء من مهمتهم يقدمون إلى مجلس الشيوخ تقريراً مفصلاً يصوت عليه المجلس بالموافقة او الرفض.
6- كانت تجري مراسم واجراءات متعددة لاستقبال السفراء.
7- عندما يقترف السفراء الأجانب عملاً مخالفاً للقانون يبعث بهم الى دولتهم لتقوم سلطاتهم بمحاكمتهم و معاقبتهم.
8- كان الممثلون الدبلوماسيون لدى روما يتمتعون بالحصانة الشخصية حتى وقت الحرب.

*بعد انهيار الامبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي أصبحت منقسمة الى قسمين

1- الدولة الرومانية العربية وعاصمتها (ميلانو) والتي سقطت على أيدي القبائل الجرمانية أفقدها هيبتها القديمة ولم تعد سوى مقر للبابوية حتى قيام دولة الفرنجة في بلاد الغال( فرنسا) و ظهور شارلمان سنة 800 م الذي اعاد لروما مجدها الروحي القديم.
2- الدول الرومانية الشرقية: التي تأسست في بيزنطة و أدت لقيام روما جديدة ( هي القسطنطينية ) واستمرت هذه الدولة كقوة جبارة حتى عصر شارلمان و ظهور الإسلام، والدولة الإسلامية.

*الدبلوماسية في عهد البيزنطيين

1- كانت الدبلوماسية البيزنطية أكثر مهارة في استخدام الدبلوماسية وممارستها.
2- اتبع البيزنطيون أسلوب من التفاوض في استخدام الدبلوماسية في علاقاتهم مع الأمم الأخرى بدهاء تام.
3- بعد ان وجدوا أباطرة بيزنطة ان فض الخلافات بحد السيف وحده لا يكفي .

*ابتكروا ثلاثة أساليب رئيسية هي

1- سياسة اضعاف للشعوب والقبائل البرابرة من خلال نشر التفرقة وإثارة التنافس بينهم و ايقاع الخصومات و ذلك بهدف تقوية وحدتهم الداخلية.
2- شراء صداقة الشعوب والقبائل المجاورة بطريق الرشوة و الهدايا ، أي التملق و المساعدات المالية.
3- ادخال أكبر عدد ممكن في الديانة المسيحية كما حصل مع العرب في جنوب الجزيرة أيام دولة الحميريين اليهودية، حيث قامت قامت أول سفارة مسيحية في العصر الحميري في عدن سنة 365 م و قد تم كل ذلك كان بمساعدة أبرهة نائب ملك الحبشة.
- لقد استخدم البيزنطيون عنصر التحري، و جميع المعلومات المتعلقة بأسرار الدولة التي يبعث اليها البيزنطيون بمبعوث حيث يجب عليه ان يتعرف على مواطن الضعف فيها و اطماع حاكميها و كيفية استغلال كل ذلك لصالح دولته البيزنطية عن طريق المراقبة وجمع المعلومات.

*تميزت الممارسة والأسلوب الدبلوماسي عند البيزنطيين بخصائص وسمات أهمها: -

1- اعتمد البيزنطيون على فن المفاوضة وممارسة الدبلوماسية بأشكال و صيغ معينة.
و اعتمدوا أسلوب الدبولماسي المراقب بدل الدبلوماسي الخطيب وهذا الأسلوب يستند الى شخصية الدبلوماسي المحترف ذي الخبرة و الدراية .
و يقول نيكلسون ان البيزنطيين في تقاليدهم الدبلوماسية سبقوا غرب أوروبا بخمسة قرون على أساس المساواة في السيادة و قواعد حسن الجوار، وتبين أشكال العلاقات الدبلوماسية لتصبح وسيلة تحقيق التضامن بين الأسر الأوروبية.
2- أنشأ البيزنطيون في القسطنطينية ديواناً خاصاً للشؤون الخارجية قام بتدريب المفاوضين المحترفين الذين يقومون بأعمال السفارة لدى الدول الأجنبية وأنشأ الى جانب ذلك ديوان الأجانب او حسب تعبيرهم ( ديوان البرابرة) وهو يختص بمصالح المبعوثين الأجانب وشؤونهم و كان من تعليمات ديوان الشؤون الخارجية لسفراء بيزنطة ان يراعوا قواعد الذوق و اللياقة في بعثاتهم ، ومعاملاتهم مع الاجانب والمجاملة في أحاديثهم و ان لا ينتقدوا البلد الموفدين اليه في شيء بل عليهم امتداحه قدر المستطاع.
3- أهداف السفارات البيزنطية هو ان تقوم باعداد تقارير عن الاوضاع الداخلية في البلاد الموفد اليها فكانوا يسكنون في مبان خاصة و يكرمونهم ويراقبونهم ويحيطيونهم بحرس الشرف.
4- الاهتمام الزائد بالمراسم و إجراءات الضيافة وحسن الضيافة والاستقبال كما في روما ومن هذه المراسم احتفاظ البيزنطيين لسفراء العرب بمكان الصدارة بين جميع الدبلوماسيين الموفدين اليها ، و هو احترام بيزنطة الكبير لسفارات بغداد والقاهرة وقرطبة و تفضل سفراء العرب المشرف قبل عرب المغرب، حتى اعتبر ان العرب المشرق و خاصة بغداد الأفضلية على سفراء قرطبة .

يتبع >
[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 14-01-2007 الساعة 07:14 PM
  #15  
قديم 14-01-2007, 06:03 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

3- اعتباره نظاما غير دستوري و يشكل خطرا على المجموعة الدولية .

*التمثيل الدبلوماسي المزدوج و المتعدد و المشترك الدائم فقد نصت المادة رقم (5) على :
1- يجوز للدولة المعتمدة بعد إرسالها الإعلان اللازم الى الدولة المعنية المعتمد لديها ، اعتماد رئيس بعثة او انتداب أحد الموظفين الدبلوماسيين حسب الحالة لدى عدة دول .
2- يجوز للدولة المعتمدة لرئيس بعثة لدى دولة او عدة دول أخرى ان تنشأ بعثة دبلوماسية برئاسة قائم بالأعمال بالنيابة في كل دولة لا يكون لرئيس البعثة فيها مقر دائم .
3- يجوز لرئيس البعثة او لأي موظف دبلوماسي فيها تمثيل الدولة المعتمدة لدى أية منظمة دولية .

*و يظهر مضمون هذه المادة عدة أمور :

1- ان باستطاعة الدول اعتماد التمثيل الدبلوماسي المزدوج او المتعدد و ذلك حسب الحالة ، لا سيما الدول الصغيرة و الفقيرة بإمكانياتها المادية و المالية .
2- إذا كانت قاعدة الرضا المتبادل تشكل قاعدة ملزمة لاقامة العلاقات الدبلوماسية و إرسال بعثات دبلوماسية دائمة بناء على اتفاق واحد او اتفاقين منفصلين بين الدول المعنية حسب نص المادة الثانية من الاتفاقية حيث يصبح رئيس البعثة ممثلا لعدد من البعثات الدبلوماسية يعادل عدد الدول التي يعتمد لديها حيث يمكن لرئيس البعثة ان يكون سفيرا لدى دولة و وزيا مفوضا لدى دولة و في ذات الوقت قائما بالأعمال لدى دولة ؟.
3- عملت هذه المادة على دمج شكل التمثيل المزدوج و المتعدد مع شكل البعثات الدائمة حيث أقرت ان باستطاعة الدولة المعتمدة إنشاء بعثة دائمة برئاسة قائم بالأعمال بالنيابة في كل دولة لا يكون لرئيس لبعثة فيها مقر دائم .
4- الاعتماد او التمثيل المزدوج او المتعدد من خلال إمكانية قيام الموظف الدبلوماسي او رئيس البعثة بتمثيل الدولة المعتمدة لدى الدولة المعتمد لديها ، و لدى أية منظمة دولية ، و هذا ما يساعد كثيرا بعض الدول الصغيرة و الضعيفة الإمكانيات المادية و نصت الفقرة الثانية أنه لا يجوز للموظف القنصلي بعد إعلان الدولة المعتمد لديها ان يمثل الدولة المعتمدة لدى اي منظمة يحق له التمتع بالامتيازات و الحصانات العائدة لمثل هذا التمثيل وفقا للقانون الدولي العرفي و الاتفاقات الدولية . [line]
تاريـخ الدبلوماســـية (3)

- البعثات الدائمة لدى المنظمات الدولية :-
1- نجحت هيئة الأمم المتحدة في عقد مؤتمر دولي في فينا و صدر عن المؤتمرين في 13 آذار عام 1975 "اتفاقية تمثيل الدول في علاقاتها مع المنظمات الدولية ذات الصفة الكونية من 92 مادة – تنظم علاقات و قواعد دبلوماسية متعددة قائمة بين دولة مرسلة ، و دولة مضيفة توجد على إقليمها المنظمة و هذه الأخيرة التي تستقبل البعثة او وفد الدولة المرسلة .
2- ان اتفاقية تمثيل الدول لعام 1975 تنظم علاقات دبلوماسية مثلثة الأطراف اي العلاقات بين منظمة دولية و دولة مرسلة و دولة مضيفة .
*أحكام تعيين البعثة و أعضائها – اتفاقية عام 1961
و قواعد اتفاقية 1969 :-
1- تكوين البعثة : تتضمن الاتفاقية تحديد أحكام تمثيل الدول لدى المنظمات الدولية ذات الصفة الكونية او لدى هيئاتها او لدى المؤتمرات التي تدعو إليها او تعقد تحت رعاياتها و ذلك دون استبعاد بقية المنظمات الآخر في حال وافقت على تطبيق أحكام هذه الاتفاقية .
2- فإن هذه الاتفاقية تنظم الوضع القانوني للبعثات الدائمة للدول الأعضاء و لبعثات المراقبة الدائمة للدول غير الأعضاء او للوفود المرسلة للهيئات او للمؤتمرات او لوفود مراقبة لهذه الهيئات و المؤتمرات .
3- بالنسبة للبعثات الموفدة لدى المنظمات الدولية فإن عنصر الاعتراف او عدمه او غياب او قطع العلاقات الدبلوماسية او القنصلية بين الدولة المرسلة و الدولة المضيفة هو شرط غير ضروري لإرسال بعثة لدى منظمة دولية تقيم على إقليم دولة مضيفة و هذا ما تؤكده المادة رقم 82 على الشكل التالي : هذا على صعيد عنصر الاعتراف :-
1- بموجب هذه الاتفاقية ان حقوق و التزامات الدولة المضيفة و الدولة المرسلة لا تتأثر بعدم اعتراف دولة من هاتين الدولتين ، بالدولة الآخر او بحكومتها و لا بعدم وجود علاقات دبلوماسية او قنصلية او قطعها بينها .
2- ان إقامة و استمرار بعثه ، و إرسال او وجود وفد او وفد مراقبة او كل إجراء تطبيقي لهذه الاتفاقية لا يتضمن بذاته ، اعترافات الدولة المرسلة بالدولة الضعيفة او بحكومتها او من الدول المضيفة بالدولة المرسلة او بحكومتها .

- أما على صعيد عنصر الرضى – يقول عبد الله العريان :
_ يتأسس عنصر الرضى أساسا بين الدولة المضيفة و المنظمة الدولية من جهة ، و من جهة أخرى ، بين المنظمة الدولية و الدولة المرسلة كما ان غياب العلاقات الدبلوماسية او القنصلية او عدم الاعتراف بين دولة مضيفة و أخرى مرسلة ليس له الآثار إلا في إطار علاقاتهم المتبادلة .
*حددت المادة رقم 8 أحكام تعيين و اعتماد رئيس البعثة :
1- الفقرة الأولى : نصت على انه لا يجوز للدولة المرسلة اعتماد نفس الشخص بوصفه رئيسا لبعثة لدى منظمتين او عدة منظمات دولية او تعيين رئيس بوصفه أحد الأعضاء الدبلوماسيين لإحدى بعثاتها الأخرى .
2- الفقرة الثانية :انه يجوز للدولة المرسلة اعتماد أحد الأعضاء الدبلوماسيين لبعثة بوصفه رئيس بعثة لدى عدة منظمات دولية او تعيين أحد أفراد البعثة بوصفه أحد أفراد إحدى بعثاتها الأخرى .
3- الفقرة الثالثة : انه يجوز لدولتين او عدة دول اعتماد نفس الشخص بوصفه رئيسا لبعثة لدى نفس المنظمة الدولية .
- ومع التقيد بأحكام مادة رقم 13 و مادة رقم 14 من اتفاقية 1961:
1- حيث اعتبر ان كتاب الاعتماد يمكن ان يصدر عن رئيس الدولة ، او رئيس الحكومة او وزير الخارجية ، او أية سلطة صالحة في الدولة المرسلة إذا سمحت لوائح المنظمة ، و يقدم هذا الكتاب الى المنظمة ، كما نصت المادة رقم 11 على إمكانية اعتماد ممثليها لدى هيئات المنظمة المختلفة ، كما ان المادة 12 سمحت لرئيس البعثة بموجب وظائفه في تبني نص معاهدة بين دولته و المنظمة دون كتاب تفويض كامل الصلاحية ، أما بالنسبة للتوقيع على المعاهدة و إبرامها يجب ان يكون لديه تفويض كامل الصلاحية .
*وظائف البعثة و واجباتها :
_ وظائف البعثة الدائمة للدولة العضو :-
حددت المادة رقم 6 على الشكل التالي :
1- تأمين تمثيل الدولة المرسلة لدى المنظمة .
2- تعزيز العلاقة بين الدولة المرسلة و المنظمة .
3- خوض المفاوضات مع المفاوضات و في إطارها .
4- الاستعلام عن النشاطات في المنظمة و رفع تقرير عناه الى الحكومة الدولة المرسلة .
5- تأمين مشاركة الدولة المرسلة في نشاطات المنظمة .
6- حماية مصالح الدولة المرسلة لدى المنظمة .
7- العمل على تحقيق أهداف و مبادئ المنظمة بالتعاون معها و في إطارها .
*أما بالنسبة لوظائف بعثة المراقبة الدائمة للدولة غير العضو في المنظمة كما نصت المادة رقم 7 على الشكل التالي :
1- تأمين تمثيل الدولة المرسلة ، و حماية مصالحها لدى المنظمة و توثيق العلاقة معها .
2- الاستعلام عن النشاطات في المنظمة و رفع تقرير عنها الى حكومة الدولة المرسلة .
3- تعزيز التعاون مع المنظمة و التفاوض معها .
*أما على صعيد انتهاء مهمة المبعوث الدبلوماسي او رئيس البعثة فقد حددت المادة رقم 40 الأحكام التالية :
1- إعلان الدولة المرسلة للمنظمة بانتهاء الوظائف الدبلوماسية .
2- إذا استدعيت البعثة نهائيا او مؤقتا ، كما نصت المادة 41 على انه عندما تستدعي البعثة نهائيا او مؤقتا فيجب على الدولة ان تحترم و تحمي مقرات و أموال و محفوظات البعثة ، كما انه يجب على الدولة المرسلة اتخاذ كل التدابير لتحرير الدولة المضيفة من هذا الالتزام الخاص، كما انه يجوز ان يعهد بحراسة المقرات و الأموال و المحفوظات البعثة الى المنظمة او وافقت او الى دولة ثالثة تقبل بها الدولة المضيفة .
*نظام الحصانات و الامتيازات :
1- نصت المادة 20 على ان الدولة المضيفة تمنح البعثة كل التسهيلات اللازمة للقيام بوظائفها و تساعدها المنظمة في الحصول على التسهيلات التي تتعلق بصلاحيتها الخاصة .
2- تساعد الدولة المضيفة و المنظمة الدولة المرسلة على الحصول على مقرات للبعثة و على الحصول على المساكن اللائقة لأعضاء البعثة .
3- ان حصول اي اعتداء على مقرات البعثة تتخذ الدولة المضيفة كل التدابير اللازمة لمعاقبة الأشخاص من الذين ارتبكوا الاعتداء .
4- فقد نصت المادة رقم 50 على ان الوضعية الخاصة لرئيس الدولة الأشخاص ذوي الرتب العالية كرئيس الوزراء و وزير الخارجية حيث تمنح كافة التسهيلات و الحصانات المقررة لهذه الاتفاقية بموجب القانون الدولي .
*مصادر قواعد التبادل الدبلوماسي الدائم :
الفقرة الأولى : أنواع المعاهدات و القانون الدولي :-
1- تعتبر المعاهدات و الاتفاقيات الدولية من المصادر الأساسية للعلاقات الدبلوماسية ، مع ظهور اتفاقيات و نصوص مكتوبة من قوانين و مراسيم و تشريعات داخلية شكلت مصدرا مهما في تدوين قواعد العمل الدبلوماسي و مع الانتقال الى مرحلة الدبلوماسية الدائمة ، منذ القرن الخامس عشر برزت الحاجة لتحديد و تنظيم و تقنين قواعد الدبلوماسية على الصعيد الدولي :
_ فكانت معاهدة او اتفاقية وستفاليا عام 1648 التي جاءت بمبدأ التوازن الأوروبي و مبدأ البعثات الدبلوماسية الدائمة لمراقبة هذا التوازن .
_ مؤتمر فينيا عام 1815 التي انبثقت عنه اتفاقية فينيا .
_ و برتوكول اكس لاشابيل عام 1818 حيث بحث مسالة السلم بين الدول .
_ اتفاقية هافانا عام 1928 و نهاية الحرب العالمية الثانية و ظهور هيئة الأمم المتحدة .
*تعريف قانون المعاهدات :
في مادة رقم (2-1) على الشكل التالي :
1- تعريف كلمة معاهدة : كل اتفاق دولي مبرم خطيا بين الدول و محدد من القانون الدولي و سواء كان مدونا في وثيقة واحدة او وثيقتين او عدة وثائق ملحقة و مهما يكن تأثيره الخاص .
2- يعرف شارل روسو : المعاهدة هي مصطلح يطبق عادة و ليس حصرا على الالتزامات الدولية و ينصب على غرض منهم ، و الاتفاقية و هي مصطلح يطبق عندما يحصل إرساء قواعد قانونية او يستخدم لتحقيق او إنجاز عملية قانونية محددة .
3- يعرف بول روتر : ان الاتفاقية هي تعبير عن ارادات متطابقة تعزى الى شخصين او عدة أشخاص للقانون الدولي المخصصة لإنشاء آثار قانونية وفقا لقواعد القانون الدولي .
*تصنف المعاهدات الى صنفين :
1- المعاهدات العقدية : و هو طبيعة مادية مثل معاهدات التحالف و التجارة و هي وثائق ذات ذاتي تولد التزامات متبادلة على كاهل الدولة المتعاقدة .
2- المعاهدات الشارعة او المعيارية : تقوم على تمييز ذي طبيعة شكلية او صورية و على وضع قاعدة قانونية صالحة موضوعيا و تتميز بتطابق مضمون إدارة الموقعين عليها.
مثل اتفاقية عصبة الأمم المتحدة في 28/6/1919
و ميثاق هيئة الأمم في 26/6/1945
و اتفاقيات لاهاي في 29/7/1899- 18/10/1907
و هو التمييز القائم بين المعاهدات الثنائية و الجماعية .
1- المعاهدات الثنائية : تبرم بين دولتين .
2- المعاهدة الجماعية : تبرم بين مجموعة من الدول .
ينقسم الموظفون الدبلوماسيون الى ثلاث درجات حسب اتفاقية فينيا عام 1815 :
1- السفراء و وكلاء البابا او القاصدون الرسوليون لهم وحدهم الطابع التمثيلي .
2- المندوبون و الوزراء او غيرهم المعتمدون لدى الملوك .
3- القائمون بالأعمال المعتمدون لدى وزراء الخارجية .
*المادة الثانية :
ليس للموظفين الدبلوماسيين بمهمة فوق العادة اي تقدم على سواهم من جراء قيامهم بهذه المهمة .
*المادة الثالثة :
تقرر في كل درجة أسبقية الموظفين الدبلوماسيين بالاستناد الى تاريخ التبليغ الرسمي لوصولهم الى الدولة المضيفة .
*المادة الرابعة :
تحدد كل دولة نمطا واحد لاستقبال الموظفين الدبلوماسيين من كل درجة .
*المادة الخامسة :
ان روابط القربى او النسب بين بلاط الملوك لا تمنح موظفيهم الدبلوماسيين أية أسبقية و كذلك الحال في شأن التحالفات السياسية .
*المادة السادسة :
في الوثائق و المعاهدات المبرمة بين عدة قوى و ينص على الأسبقية بالتناوب يعمد الى القرعة بين الوزراء و ما يتبع الترتيب من التوقعات .
و قد اندمجت هذه القرارات في بروتوكول خاص عام 1815 و وقعها ثمانية دول هي ( النمسا – إسبانيا – فرنسا – بريطانيا – البرتغال – بروسيا – روسيا – السويد )
*البند الثالث – اتفاقية هافانا 1928 و التي تتعلق بالتمثيل و الحصانة :
1- الممثلون الدبلوماسيون يمثلون حكوماتهم و السلطات الدستورية في بلادهم لا الأشخاص مثل رؤساء الدول كما كان سائدا من قبل .
2- تبادل التمثيل لا يكون إلا بين الدول التي تعترف حكوماتهم بعضها ببعض .
3- لا يمنح الممثلون الدبلوماسيين إلا الحصانات اللازمة لهم للقيام بأعمالهم الرسمية .
4- لا يجوز لإحدى الدول الموقعة على الاتفاقية ان تعهد بتمثيلها الى من يتمتعون بجنسية الدولة التي يوجد بها مقر البعثة الدبلوماسية دون موافقة هذه الدولة .
5- الحصانات الدبلوماسية التي يتمتع بها الموظفون الدبلوماسيون و الرسميون الملحقون بالبعثة و أفراد أسرهم . و هي الحرمة الشخصية و حصانة المقرات الرسمية و مساكن موظفيها و حماية ممتلكات رئيس و أعضاء البعثة ، و حرية اتصال الممثلين بحكوماتهم و عدم جواز التعرض لدار البعثة و منزل رئيسها من قبل السلطات القضائية و الإدارية للدولة المعتمد لديها دون إذن فيهم ، و كذلك الإعفاء من القضاء الجزائري و المدني بشكل مطلق بالإضافة الى الإعفاء من الضرائب العقارية بالنسبة لمقر البعثة و كافة الضرائب الشخصية لأفرادها و الإعفاء من الرسوم بالنسبة للبضائع اللازمة لأعمال البعثة الرسمية و العائدة لأفراد الأسرة .
*الجهود الرسمية و الخاصة :
_ البند الأول و التشريعات الوطنية :
لا بد من معرفة العلاقة القائمة بين التشريعات الداخلية و قواعد القانون الدولي العام يقول عز الدين فودة : ان القاعدة العامة هي ان قواعد الدبلوماسية التي يجري العمل بمقتضاها بين الدول و ينظمها القانون الدولي العام و تطبق هذه الدول القواعد بموجب ما يفرضه القانون الدولي عليها من التزامات و تبعات في هذا الشأن باعتبار أنها جزء من قانونها العام دون حاجة الى النص في دساتيرها او قوانينها الداخلية او في تشريعات خاصة .
*و يمكن ان نميز بين فئتين كبيرتين من القواعد الداخلية حسب ما ذكره "فيليب كاييه"
1- القواعد المتروكة لحرية تصرف الدول حيث ان القانون الدولي لا يملك في الميادين تشريعا يلزم الدول ان تتبنى مسلكا معينا مثلا بالنسبة للنظم الجمركية و الضرائبية و بالمجاملات الدبلوماسية اكثر مما يتعلق بالقانون الدولي .
2- القواعد القانونية الداخلية هدفها تكييف النظام القانوني الداخلي مع النظام القانوني الدولي ، بالتالي إلزام المسؤولية الدولية للدول في حال قامت الهيئات الداخلية للدول لانتهاك قواعد القانون الدبلوماسي .
*ان الغاية هي تكييف النظام القانوني الداخلي مع النظام القانوني الدولي يمكن حسب فيليب كاييه تعيين ثلاث حالات بشكل عام .
1- القوانين التي تلامس النظام القانوني الدولي و تلتقي معه ، ففي حالة معاملة البعثات الدبلوماسية يمنح النظام القانوني الداخلي ما يمنح النظام القانوني الدولي من حقوقه .
2- بعض التشريعات تمنح الدبلوماسيين معاملة أعلى من تلك التي يلحظها القانون الدبلوماسي ففي هذه الحالة لا توجد اي مشكلة .
3- بعض الدول تمنح الدبلوماسيين معاملة أدنى من تلك التي يلحظها القانون الدولي ، ففي هذه الحالة نلامس مشكلة الضمانات ان افضل و احسن الضمانات للقانون الدبلوماسي تقوم في أحد أسسه اي المعاملة بالمثل "مثلا حرية انتقال و تنقل الدبلوماسيين" .
*البند الثاني – اجتهاد المحاكم :
بالنسبة للاجتهاد : اي أحكام و قرارات المحاكم الداخلية و الدولية ، من داخلية و دولية و التي تتعلق بالأمور الدبلوماسية فإنها تشكل مصدرا للقانون الدبلوماسي بقدر ما توضح نقاطه الغامضة في بعض الأحيان ، و على الرغم من انه ليس لأحكام المحاكم في دولة ما صفة القانون في دولة أخرى ، و كذلك أحكام المحاكم الدولية ، فإنه يمكن الرجوع الى قضاء هذه المحاكم على سبيل الاستدلال و التعرف الى كيفية تطبيقه للقاعدة القانونية. كما انه يمكن سد الثغرات التي ترافق القانون الدبلوماسي بفضل صدور القرارات القضائية و على الصعيد الدولي يتمثل الاجتهاد في قرارات المحاكم التحكيمية و لجان التوفيق ، و قرارات محكمة العدل الدولية و هذه القرارات التي تتخذها المحاكم في حل المنازعات الدولية في مجال القانون الدبلوماسي .
*جهود المنظمات الدولية
_ جهود عصبة الأمم المتحدة التي عالجتها :
1- اتخذت الهيئة العامة للعصبة قرارا مؤرخا في 22/9/1924 بتكوين لجنة خبراء في الحقوق الدولية و خاصة القانون الدولي من أجل :
_ تحضير قائمة مؤقتة بمسائل القانون الدولي التي تصلح او يرغب في تنظيمها عن طريق تضمينها اتفاقيات دولية في الوقت الحاضر .
_ ان تبعث أمانة العصبة بالقائمة الى حكومات الدول الأعضاء فيها و غير الأعضاء لأخذ الرأي بشأنها و من ثم تقوم اللجنة بدراسة ما تتلقاه من ردود الدول .
_ تقوم اللجنة بأعداد تقرير لمجلس العصبة في المسائل التي تم بحثها و عن الإجراء اللازم اتباعه للتحضير للمؤتمرات بقصد الاتفاق حول هذه المسائل .
*الفقرة الثانية – جهود هيئة الأمم المتحدة
1- عملت هيئة الأمم المتحدة منذ ظهورها على الاهتمام بتقنين و تنظيم قواعد العمل الدبلوماسي .
2- نصت المادة رقم 105 من ميثاقها : على ان المنظمة تتمتع في ارض كل عضو من أعضائها بالمزايا و الإعفاءات التي يتطلبها تحقيق مقاصدها .
3- ان يتمتع المندوبون من أعضاء الأمم المتحدة و وموظفوا هذه الهيئة بالمزايا و الإعفاءات التي يتطلبها استقلالهم في القيام بمهام وظائفهم المتصلة بالهيئة .
*حق التمثيل الدبلوماسي .
يقول لفور ان صفات او صلاحيات الدولة بالمفهوم التقليدي تتلخص بثلاثة امتيازات :
حق الحرب – حق التمثيل – و حق إبرام المعاهدات ، فإن حق التمثيل او السفارة "يعتبر جنييه" مفتاح الدبلوماسية الذي يعتبره صلات ممكنة بين الدول بمعنى لا عمل دبلوماسي دون حق التمثيل ، و يشتمل على وجهين :
1- مظهر إيجابي : يتمثل في مقدرة الدولة على إرسال مبعوثين دبلوماسيين لدى الدولة الأجنبية و يدعى "حق التمثيل الإيجابي"
2- المظهر السلبي : يتمثل في مقدرة الدولة على استقبال او قبول مبعوثين دبلوماسيين للدول الأجنبية لديها ويدعى "حق التمثيل السلبي".
و ممارسة حق التمثيل باعتبار أنها تتمتع بالاستقلال و السيادة بكيان سياسي موحد و بشخصية دولة موحدة باستطاعتها ممارسة التبادل الدبلوماسي بوجهه السلبي و الإيجابي دون اي صعوبة إلا بما يفرضه القانون الدولي من أحكام ، أما الدول لمركبة و هي الدولية الكونفدرالية و الدولة الاتحادية لا يؤلف دولة ذات كيان سياسي واحد او موحد بل تبقى كل دولة متمتعة بشخصيتها الدولية المستقلة ، و تحتفظ كل منها بسيادتها داخل و خارج إقليمها و بالتالي تتمتع بحق التمثيل و ممارسته بصورة مستقلة عن الأخرى ما لم تتفق على خلاف ذلك .
بالنسبة لمبدأ السيادة : هناك دولا ناقصة السيادة يمكن لها ان تمارس حق التمثيل الدبلوماسي بوجهيه إذا وافقت الدولة المسيطرة وبالعكس هناك دول كاملة السيادة يمكن ان تمارس حق التمثيل الكامل و هذا لا يتعلق بأسباب السيطرة و الخضوع او الاحتلال ، بل تتعلق أسباب بظروف الدولة الاقتصادية و السياسية التي تهدف الى التقليل من النفقات المالية فتكتفي هذه الدولة بوجه واحد من التمثيل السلبي .
*التبادل الدبلوماسي و النزاع المسلح الداخلي
تفجر نزاع مسلح يأخذ شكل تمرد او عصيان يتحول الى حرب أهلية او ثورة بهدف ان قلب نظام الحكم او الانفصال عن الدول القائمة ، و بحالة العلاقات الدبلوماسية يتعين على الحكومة ملاحقة المتمردين ، و إلقاء القبض عليهم و محاكمتهم و تحمل مسؤوليتها الدولية عن أعمالهم التي أحدثت أضرارا بالأجانب لا سيما في حالة إثبات تقصرها في واجب الحيطة او حالة صفحها عن الثوار ، أما إذا لم تستطيع الحكومة القائمة قمع التمرد المسلح و إنهاء الثورة بالسرعة اللازمة فهناك حالتين و ما هي آثار الاعتراف بحالة الحرب على العلاقات الدبلوماسية :
1- حالة استمرار الحرب الأهلية و قيام حكومتين واحدة قائمة قانونية و أخرى جديدة تمارس سيادتها و سلطتها على جزء من الإقليم الوطني في حال لم ينته النزاع المسلح و لم تستطع الحكومة القديمة قمع التمرد المسلح و تثبيت سلطتها على إقليمها ينظر القانون الدولي العرفي الى مسألة الاعتراف بحالة التحارب من زاويتين ، زاوية الاعتراف من قبل الحكومة القائمة بالمتمردين او الثائرين .
2- الحالة الثانية : هي حالة توقف النزاع المسلح بانتصار المتمردين او الثوار و قيام حكومتهم كبديل للحكومة القديمة فعرف القانون الدولي في هذه الحالة بمعيار ممارسة السلطة الفعلية للاعتراف بالحكومة الجديدة التي ظهرت نتيجة الانقلاب او الثورة على اعتبار ان هذه الحكومة تصبح الهيئة التي تمارس السلطة العادية للدولة و على كل إقليم الدولة .
*أما الاعتراف الدولة الثالثة بحالة التحارب او بالثوار او بالمتمردين كمحاربين في الدولة ضحية النزاع المسلح ، فإن القانون الدولي العرفي يعتبر ان الاعتراف بهم و بحالة التحارب لا يشكل قاعدة ملزمة حتى و ان اعترفت الحكومة القانونية بهم كمحاربين ، فالدولة الثالثة غير ملزمة بهذا الاعتراف ، بالتالي فاعترافها هو اعتراف صريح و ليس ضمنيا كالاعتراف الذي تصدره الحكومة القائمة القانونية و يصدر هذا الاعتراف عادة نتيجة لاعتبارات سياسية و اقتصادية و جغرافية وذلك حسب مصالح الدولة الثالثة حيال الدولة ضحية النزاع المسلح .
و بالتالي تترتب على الدولة الثالثة الأمور التالية :
1- ان تلتزم الحياد في تعاملها مع الفريقين المتحاربين .
2- ان تطبق على الثائرين قوانين الحرب فيكون لهم حقوق العسكريين المحاربين و يخضعون مثلهم للواجبات التي تمثلها حالة الحرب او التحارب .
3- ان يحق للثائرين المحاربين ممارسة الحصار و الحصول على الغنائم .

يتبع > [line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 14-01-2007 الساعة 06:08 PM
  #16  
قديم 14-01-2007, 06:13 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

*هناك ثلاث أسباب تلجأ إليها الدول لتبرير قطعها العلاقات الدبلوماسية مع الحكومة الجديدة و يمكن إجمالها في ثلاثة أسباب و هي :
1- تعارض النظام الجديد مع نظام الدول التي قطعت علاقاتها .
2- عدم ثبات النظام الجديد و اعتماده على الدعم العسكري الخارجي
3- اعتباره نظاما غير دستوري و يشكل خطرا على المجموعة الدولية .
*التمثيل الدبلوماسي المزدوج و المتعدد و المشترك الدائم فقد نصت المادة رقم (5) على :
1- يجوز للدولة المعتمدة بعد إرسالها الإعلان اللازم الى الدولة المعنية المعتمد لديها ، اعتماد رئيس بعثة او انتداب أحد الموظفين الدبلوماسيين حسب الحالة لدى عدة دول .
2- يجوز للدولة المعتمدة لرئيس بعثة لدى دولة او عدة دول أخرى ان تنشأ بعثة دبلوماسية برئاسة قائم بالأعمال بالنيابة في كل دولة لا يكون لرئيس البعثة فيها مقر دائم .
3- يجوز لرئيس البعثة او لأي موظف دبلوماسي فيها تمثيل الدولة المعتمدة لدى أية منظمة دولية .
*و يظهر مضمون هذه المادة عدة أمور :
1- ان باستطاعة الدول اعتماد التمثيل الدبلوماسي المزدوج او المتعدد و ذلك حسب الحالة ، لا سيما الدول الصغيرة و الفقيرة بإمكانياتها المادية و المالية .
2- إذا كانت قاعدة الرضا المتبادل تشكل قاعدة ملزمة لاقامة العلاقات الدبلوماسية و إرسال بعثات دبلوماسية دائمة بناء على اتفاق واحد او اتفاقين منفصلين بين الدول المعنية حسب نص المادة الثانية من الاتفاقية حيث يصبح رئيس البعثة ممثلا لعدد من البعثات الدبلوماسية يعادل عدد الدول التي يعتمد لديها حيث يمكن لرئيس البعثة ان يكون سفيرا لدى دولة و وزيا مفوضا لدى دولة و في ذات الوقت قائما بالأعمال لدى دولة ؟.
3- عملت هذه المادة على دمج شكل التمثيل المزدوج و المتعدد مع شكل البعثات الدائمة حيث أقرت ان باستطاعة الدولة المعتمدة إنشاء بعثة دائمة برئاسة قائم بالأعمال بالنيابة في كل دولة لا يكون لرئيس لبعثة فيها مقر دائم .
4- الاعتماد او التمثيل المزدوج او المتعدد من خلال إمكانية قيام الموظف الدبلوماسي او رئيس البعثة بتمثيل الدولة المعتمدة لدى الدولة المعتمد لديها ، و لدى أية منظمة دولية ، و هذا ما يساعد كثيرا بعض الدول الصغيرة و الضعيفة الإمكانيات المادية و نصت الفقرة الثانية أنه لا يجوز للموظف القنصلي بعد إعلان الدولة المعتمد لديها ان يمثل الدولة المعتمدة لدى اي منظمة يحق له التمتع بالامتيازات و الحصانات العائدة لمثل هذا التمثيل وفقا للقانون الدولي العرفي و الاتفاقات الدولية . [line]
تاريـخ الدبلوماســـية (4)

*تكوين البعثة ( أنواع البعثات و أجهزتها)

أ‌- هناك شكلان من البعثات الدبلوماسية الدائمة اعتمدتها و تعتمدها الدول في تبادلها الدبلوماسي الدائم .
1- السفارة: تعتبر أرقى وأرفع أشكال البعثات البدلوماسية في حال رئسها شخص برتبة سفير يعتمده رئيس دولة لدى دولة أخرى.
2- المفوضية: وهي بعثة دبلوماسية من الدرجة الثانية يرأسها عادة وزير مفوض معتمد من رئيس دولة لدى رئيس دولة، و لكنه أقل رتبة من السفير لجهة الأسبقية فقط.
مع أنه يتمتع بجميع صلاحيات السفير، و هذا ما أكدته المادة رقم 14 (لا يجوز التمييز بين رؤساء البعثات بسبب فئاتهم إلا فيما يتعلق بحق التقدم والمراسم).

*ثم هناك اشكال من البعثات الدبلوماسية التي تتخذ إسم المفوضيات السامية و التي تنشأ بين دول تجمع بينها رابطة ولاء سياسية مثل رابطة الشعوب البريطانية ( الكومونولث) أو جماعة دومينون الفرنسية حيث يرأس المفوضية مفوض سام يتمتع بامتيازات السفير و صلاحياته ويختلف عن السفير العادي بأنه لا يقدم كتاب اعتماد إذا كان رئيس الدولة ما زال رئيساً للدولة المعنية في ( الكومونولث أو الدومينون ) .
و هناك بعثات التي تتخذ اسم الوفود الدائمة لدى منظمة الأمم المتحدة التي يرأسها موظف برتبة سفير أو وزير مفوض معتمد من رئيس دولة لدى الأمين العام للمنظمة و يقدم كتاب اعتماده اليه ، تحدد حقوق و واجبات و صلاحيات و وظائف و حصانات و امتيازات هذه الوفود و رؤسائها الاتفاقية المعقودة بين الامم المتحدة والدول الأخرى.
و هناك بعثات موفدة الى منظمات اقليمية و قارية يرئسها موظفون دبلوماسيون أو موظفون إداريون أو فنيون تحدد وظائفهم وصلاحياتهم الاتفاقيات المبرمة بهذا الخصوص لا سيما مسألة تنظيم حصاناتهم وامتيازاتهم .

*فإن إنشاء البعثة الدبلوماسية وهو نتيجة اتفاق بين الدول بناء على رضاها المتبادل يتخذ عدة أشكال :-

1- حيث تبقى الدول حرة في تحديد الشكل الذي تريده، إن تحديد درجة و فئة البعثة الدبلوماسية يبقى مرهوناً بإرادة الدول واتفاقها بمبدأ المعاملة بالمثل غير أنه قد يتفق بين الدول على مبدأ تفاوت درجات التمثيل فإن اعتماد مبدأ المساواة ومبدأ المعاملة بالمثل وقاعدة الرضا المتبادل بين الدول لإقامة علاقاتها الدبلوماسية وارسال بعثات دائمة بينها.

*البند الثاني - (الأجهزة) :-

من أجل قيام البعثة بوظائفها على أكمل وجه من أجل تحقيق أهدافها، تعتمد الدول الى تنظيم بعثاتها الدبلوماسية بما يتلائم ومصالحها وامكانياتها المالية و الفنية فهناك بعثات تتألف من عدة أجهزة ومكاتب بشكل يتناسب مع الوظائف الدبلوماسية على قاعدة التخصص وتقسيم العمل و على هذا الأساس تعمل البعثة وتقوم بمهامها في الدولة المعتمدة لديها و ذلك ضمن التنظيم التالي :-

1- ديوان المستشارية : والجهاز الرئيسي للبعثة الذي يجري فيه إعداد وتحضير وارسال الإجراءات التي هي من صلاحيات رئيس البعثة وفي هذا الجهاز يتم تنسيق عمل كل الفروع أقسام البعثة، حيث توجد الوثائق والأرشيف و الرموز و يتم أيضاً بالشأن الإداري للبعثة بالنسبة لرعايا الدولة المعتمدة من إخراج قيد وأعمال الكاتب العدل، و جوازات السفر و يدير هذا الجهاز الموظف الذي يأتي بعد رئيس البعثة.
2- المكتب الاقتصادي و التجاري: و هو القسم المهم من البعثة و يهتم العلاقات التجارية بين البلدين : و هو يقوم بدراسة ومعرفة حاجات ومصادر وامكانيات السوق بالنسبة للتصدير والاستيراد وحقوق الجمرك وأمور تتعلق بتوطيد العلاقات الاقتصادية .
3- المكاتب العسكرية: ويرأس هذه المكاتب الملحقون العسكريون والجويون أو البحريون وهؤلاء يخضعون إدارياً لرئيس البعثة، فإن وظائف الملحق العسكري تكمن في القيام بمراقبة أوضاع البلد عسكرياً والاستعلام بالوسائل المشرعة لأن مهمتهم مهمة حساسة لاقترابها من عمليات التجسس التي يمكن أن تؤدي عمليات الطرد، و هناك وظيفة المستشار التقني والعسكري لرئيس البعثة بهدف توفير المعلومات التقنية له بالنسبة لقوة الدولة المعتمد لديها.
4- مكتب المستشار الثقافي: و هو المكتب الذي يقوم بتحضير الاتفاقيات الثقافية بهدف توسيع اطار التعاون الثقافي في اعطاء منح دراسية للطلاب، وتبادل طلابي وتنظيم حلقات ومؤتمرات ومعارض ثقافية والعمل على انتشار لغتي البلدين وثقافتيهما.
5- مكتب الصحافة: ويرأسه الملحق الصحافي الذي يقوم بالاطلاع على أخبار جميع الصحف، و رفع تقرير صغير عن مختلف التحليلات والمواقف السياسية وسياسة الدولة الخارجية ومواقف مختلف القوى و الأحزاب إزاء الأزمات و المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية هذا على صعيد الدولة المعتمدة لديها، أما على صعيد الدولة المعتمدة أي دولته فإن الملحق الصحافي يفترض فيه ان يكون مصدر معلومات الصحافة المحلية حول أوضاع دولته، ويساهم في توفير هذه المعلومات عن طريق إصدار نشرة أو إلقاء التصريحات أو إجراء مؤتمرات صحافية.
6- مكتب الهجرة: وهو المكتب الذي يؤمن دراسة سوق العمل وتحضير الاتفاقيات المتعلقة بالهجرة وتنظيمها و تقنينها .
7- المستشارية القنصلية: في حال عدم وجود بعثة قنصلية في الدولة المعتمد لديها يحق للبعثة الدبلوماسية القيام بمهام قنصلية بالتالي إنشاء أقسام قنصلية تهتم بالوضائف المنصوص عنها في اتفاقية العلاقات القنصلية لعام 1963 .

*حجم البعثة و فئاتها : -

1- الحجم: يجب ان يكون حجم البعثة متناسباً مع الوظائف التي تقوم بها البعثة لجهة عدد الأجهزة وعدد العاملين فيها وهؤلاء يتمتعون بنظام من الحصانات والامتيازات الدبلوماسية يضعهم خارج نطاق السلطات المحلية القضائية.
*و قد نصت المادة رقم 11 من الاتفاقية قاعدة الرضا في تحديد حجم البعثة أهمها :-
1- يجوز للدولة المعتمد لديها، عند عدم وجود اتفاق صريح بشأن عدد البعثة ، اقتضاء الاحتفاظ بعدد أفراد البعثة في حدود ما تراه معقولاً وطبيعياً .
2- ويجوز كذلك للدولة المعتمدة لديها أن ترفض ضمن هذه الحدود وبدون تمييز قبول أي موظفين من فئة معينة.

*البند الثاني: الفئات والأعضاء:-

يمكن تقسيم أفراد البعثة ضمن ثماني فئات وهذه الفئات يمكن تنظيمها على الشكل التالي: -

1- فئة المبعوثين الدبلوماسيين وتضم رئيس البعثة والموظفين الدبلوماسيين .
2- فئة الموظفين الإداريين والفنيين العاملين في خدمة البعثة الإدارية والفنية .
3- فئة مستخدمي البعثة العاملين كخدم فيها.
4- فئة الخدم الخاص، العاملين في الخدمة المنزلية لأحد أفراد البعثة ولا يكون من مستخدمي الدولة المعتمدة.
5- فئة الملحقيين العسكريين و الجويين والبحريين وهم موظفين دبلوماسيين .
6- فئة الرسل الدبلوماسيين حاملي الحقيبة الدبلوماسية.
7- فئة الموظف الدبولماسي ( القنصلي ).
8- فئة أسر المبعوثين الدبولماسيين والموظفين الإداريين والفنيين.

*تعيين البعثة و أعضائها:

1- الفقرة الاولى: الاحكام العامة :-

بوصفها ممثلة للدولة تعتبر البعثة الدبولماسية هيئة العلاقات أو الشؤون الخارجية وبهدف إدارة هذه العلاقات على أكمل وجه .
2- تعيين رئيس البعثة: -

*البند الأول : (الاستمزاج) :

التي أصبحت مبدأ أو قاعدة معترفاً بها عند الفقهاء ومكرسة في الاتفاقيات الدبلوماسية لا سيما اتفاقية هافانا عام 1928 وفينا عام 1961 وبناءاً على هذا المبدأ يتوجب على الدول أن تعمد الى استخراج بعضها البعض قبل الاقدام على تعيين رؤساء بعثاتها، فقد نصت المادة الرابعة من اتفاقية فينا عام 1961 على أن الاستمراج هو شرط ضروري، يسبق التعيين النهائي لرئيس البعثة الدبولماسية يجب على الدولة المعتمدة أن تتأكد من قبول الدولة المعتمدة لديها للشخص المزمع اعتماده رئيساً للبعثة المنشأة فيها، وتجدر الإشارة الى أن الاستخراج لا يسقط حق الدولة المعتمد لديها في اعتبار أي فرد في البعثة بما فيهم الرئيس شخصاً غير مرغوب فيه أو غير مقبول و تستطيع ممارسته في أية لحظة حسب المادة رقم(9) غير أن هذا الحق سقط بعد الاستمزاج فيها، لو حاولت الدولة المعتمد لديها إبداء أي اعتراض يتعلق بأعمال رئيس البعثة السابق على تعيينه و بالتالي لا يحق للدولة المعتمد لديها أن ترفضه بسبب هذه الأعمال المنسوبة اليه قبل تعيينه.

*البند الثاني: ( كتاب الاعتماد ومباشرة الوظائف):-

كرست اتفاقية فيينا هذا التقليد في تقديم أوراق الاعتماد وما أهميته الدبلوماسية ويعرف كتاب الاعتماد أو خطاب الاعتماد بأنه كناية عن وثيقة رسمية تثبت صفة حاملها وتبين أهليته في ممارسة الوظيفة الدبلوماسية.

*البند الثالث: ( تجديد كتاب الاعتماد) :

هناك حالات قد تحصل وتتطلب تجديد كتاب اعتماد رئيس البعثة حيث ينتهي مفعول كتاب اعتماده وهذه الحالات هي :-
1- إذا كان نظام الحكم غير جمهوري ملكياً أو ما شابه ينتهي مفعول كتاب اعتماد رئيس البعثة في حالة وفاة او تغيير أي من رئيس الدولتين بسبب إقالته أو تنازله أو استقالته طوعياً أو إكراهياً ( ثورة أو انقلاب) وبالتالي مع استمرار رئيس البعثة في رئاسة البعثة فهو بحاجة لتجديد كتاب اعتماده .
2- أما إذا كان الحكم جمهورياً و رئيس الدولة منتخباً وحصل أن توفي أو استقال أو انتهت مدة رئاسته فرئيس البعثة ليس بحاجة في هذه الحالة لتجديد كتاب اعتماده إلا إذا كانت ظروف التغير قد حصلت بفعل ثورة أو انقلاب .
3- زوال الدولة، إما باندماجها أو تجزئتها، يؤدي الى انتهاء كتاب الاعتماد وبالتالي يتطلب تجديده.
4- إذا كان رئيس البعثة من فئة سفير أو وزير ( بمن فيهم الرسولي ونائبه) فتجديد كتاب الاعتماد لا يؤثر أقدميته وأسبقيته بل يحتفظ برتبته و فئته الأولى حسب نص المادة رقم (16) : حيث تنص :"لا يتأثر تقدم رئيس البعثة بأية تعديلات تتناول كتاب الاعتماد ولا تتضمن تغييراً في فئته" .
5- أما إذا رفع رئيس البعثة ورقي من فئة الى فئة، فإنه بحاجة لتجديد كتاب اعتماده وذلك بمعزل عن أي تعديل أو تغيير يحصل في الدولتين بناء على ما ذكر .
6- في حال تغيير وزير الخارجية أو وفاته: يبقى كتاب الاعتماد صالحاً ونافذاً و لا يحتاج الى تجديد .
7- في حال غياب رئيس البعثة بسبب مرض أو إجازة أو لأي سبب آخر يزود عادة الشخص الذي يأتي بعده في اللائحة الدبلوماسية بكتاب اعتماد مؤقت كما انه يمكن أن لا يزود بل يتسلم الرئاسة بصفة قائم بالأعمال بالنيابة لحين وصول الرئيس الأصيل.
8- يتمتع رئيس البعثة بجميع الحصانات والامتيازات بمعزل عن كتاب اعتماد جديد و ذلك بموجب المادة رقم (39 ).

*الوثائق السياسية والإعلامية والاقتصادية : -

1- الوظائف السياسية : -

أ‌- وظيفة التمثيل الثنائي .
ب‌- وظيفة التمثيل المتعدد المشترك وقد نصت المادة رقم (5) على التمثيل المتعدد والمادة رقم ( 6) على التمثيل المشترك على الشكل التالي: -

*المادة رقم (5) : -

1- يجوز للدولة المعتمدة بعد إرسالها الاعلان اللازم الى الدول المعتمد لديها المعنية اعتماد رئيس بعثة أو انتداب أحد الموظفين الدبلوماسيون حسب الحالة، لدى عدة دول، ما لم تقم إحدى الدول المعتمد لديها بالاعتراض صراحة.
2- يجوز للدولة المعتمدة لرئيس بعثة لدى طاولة أو عدة دول أخرى أن تنشئ بعثة دبلوماسية برئاسة قائم بالأعمال بالنيابة في كل دولة لا يكون لرئيس بعثة فيها فقر دائم .
3- يجوز لرئيس البعثة أو لأي موظف دبلوماسي فيها تمثيل الدولة المعتمدة لدى أية منظمة دولية.

*البند الثاني : - (وظيفة التفاوض):-

يقول البعض: إذا كانت الحرب فن الإكراه ، فالمفاوضة فن الاقناع ، المفاوضات كوظيفة هي ذات مدلول سياسي تنشط أثناء السلم كما نشط أثناء الحرب ولما كانت الدبلوماسية تتركز في رسم واعداد وتنفيذ السياسة الخارجية للدول فإن أهم أداة تساهم في تحقيق أهداف هذه السياسة هي وظيفة المفاوضة أو (المحادثات) سواء العلنية أو السرية حيث تقرب أو تباعد بين الأهداف السياسية لكل دولة أو لكل شخص من أشخاص القانون الدولي وإذا كانت اتفاقية فيينا لعام 1961 قد اعتبرت ان وظيفة التفاوض هي من وظائف البعثة المهمة القائمة على الاتصال والتباحث مع حكومة الدولة المعتمد لديها بهدف تعزيز العلاقات بين الدولتين وقد اعتبر أن من أهم الوسائل التي يجب اللجوء إليها لحل المنازعات الدولية هي وسيلة( المفاوضة) وقد نصت المادة رقم 33 لأنه يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ سلم وأمن الدولتين للخطر أن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء بطريق المفاوضة والوساطة و التوفيق والتحكيم والتسوية القضائية أو أن يلجأوا الى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارها (فإن التفاوض هو من أهم الوظائف الدبلوماسية) حيث يكمن فن هذه الوظيفة في الوصول الى الأهداف بأكبر قدر ممكن من المكاسب وبأقل قدر ممكن من الخسائر.

*وظيفة الاستعلام و الاستطلاع : -

يقول كاييه:

1- إن أول ما تعمله البعثة هو دراسة كل أوجه الحياة في الدولة المعتمد لديها.
2- دراسة سياسة الدولة الخارجية إزاء الدولة الثالثة ونتائج الأحداث الدولية على السياسة والحياة الداخلية لهذه الدولة.
3- تقوم البعثة بتفحص دائم لتطور كل المسائل القائمة بين البلدين مشاكل سياسية وتجارية وثقافية وأخيراً تبادل المعلومات تتعلق بمواقف دولتها إزاء أي مشكلة دولية و هكذا ينظر الى الدبلوماسيين وكأنهم مبعوثو استخبارات بمعنى عيون وآذان حكومتهم في الخارج مكلفون إعلام دولهم بما يحصل في الدولة المضيفة .

*تعزيزات العلاقات بين الدول: -

نصت المادة الثالثة على هذه الوظيفة بهدف تعزيز العلاقات الودية بين الدول تضمنت بعض الأسس والمبادئ التي يجب أن ترتكز عليها هذه العلاقات وأول هذه المبادئ:

1- يقوم على المساواة في السيادة بين الدول المختلفة والأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
2- مبدأ التعايش السلمي والودي بين الدول بما يخدم مصالحها ومصالح شعوبها على قاعدة بند الخلافات و حل النزاعات بالطرق والوسائل التي تصون السلم والأمن الدوليين ولا سيما أن اللجوء الى استخدام القوة أو التهديد بها أصبح من المحظورات في التعامل الدولي مثالاً لسيطرة السلاح النووي وبما يحمل من مخاطر جدية تهدد ليس مصالح هذه الدولة، بل هدد الوجود البشري بحد ذاته لهذا اتجهت الاتفاقية و كرست هذه الوظيفة التي تقوم بها البعثات الدبلوماسية و التي تهدف الى تعزيز علاقات الصداقة والود بين الدول ، بل الى تمتين أواصرها وتنمية روح التعاون والتضامن في شن المجالات الاقتصادية والثقافية و العلمية.

*وظائف الحماية و رعاية المصالح: -

لقد أقر القانون الدولي، والقانون الدبلوماسي، مبدأ الحماية الدبلوماسية وذلك من خلال انظمة الحصانات الدبلوماسية التي تتعلق بالأشخاص الدوليين من دول و منظمات دولية واقليمية وبعثات دبلوماسية وأعضائها وهذه الحماية التي تشمل مصالح الدولة ومصالح رعاياها تمارسها عدة أطراف ضمن الأشكال الأساسية التالية: -

1- الحماية التي تمارسها الدولة المعتمد لديها إزاء البعثات الدبلوماسية الأجنبية المعتمدة لديها وسواء أكان ذلك أثناء السلم أم أثناء الحرب ام أثناء قطع العلاقات الدبلوماسية .
2- الحماية التي تقوم بها البعثات الدبلوماسية في الدولة المعتمد لديها، والتي تشمل مصالح الدولة المعتمدة ومصالح رعاياها وذلك بموجب المادة رقم 3 من اتفاقية 1961 .
3- حماية دولة ثالثة لمصالح الدولة المعتمدة ومصالح رعاياها وبعثتها الدبلوماسية في الدولة المعتمد لديها وذلك بموجب الفقرة (ب و ج) من المادة رقم 45 التي تنص على أن الحماية في حالة قطع العلاقات الدبلوماسية بين دولتين أو الاستدعاء المؤقت أو الدائم لإحدى البعثات وحالة وجود نزاع مسلح.
4- حماية الدولة المعتمدة لمصالح دولة ثالثة (و مصالح رعاياها) غير ممثلة في الدولة المعتمد لديها و ذلك بموجب المادة رقم 46 و هذه الحماية هي مؤقتة.
يعتبر روسو : أن واجب الدولة المعتمد لديها يقوم في تأمين حماية حرية ممارسة الوظائف الدبلوماسية على اقليمها، وهذا الواجب الإلزام يقوم على عدة وجوه منها واجب تأمين حماية الموظفين الدبلوماسيين و واجب تأمين حرية تحركاتهم وواجب تأمين حرية دخول المواطنين للسفارة وكذلك تقوم (البعثة القنصلية) بحماية مصالح الدولة المعتمدة ومصالح رعاياها سواء كانوا أشخاص ماديين أو معنويين وذلك ضمن الحدود التي يقرها القانون الدولي.
إن مبدأ حماية الدبلوماسيين هو مبدأ مطلق و كان خرقه يؤدي الى التهديد باعلان الحرب وخوضها، إذا لم تحرم الدولة المعتمد لديها المبعوثين الدبلوماسيين فقتل المبعوث أو التعدي عليه و إهانته او اعتقاله كان يؤدي الى اشهار الحرب على الدولة المعتمد لديها.

*مبدأ الحماية الدبلوماسية المقررة في القانون الدولي الاتفاقي أو العرفي هي التي تحكم تطبيق مبدأ الحماية الدبلوماسية بجميع أشكالها ضمن الشروط العامة التالية: -

1- شرط الجنسية : يجب على الشخص الأجنبي المتضرر أن يحمل جنسية الدولة التي يطلب حمايتها الدبلوماسية و ذلك منذ لحظة ارتكاب العمل غير المشروع ضده.
2- شرط نفاذ جميع طرق الطعن أو المراجعة يجب على الشخص الأجنبي المتضرر ان يستنفذ جميع طرق المراجعة التي تيتحها التشريعات الداخلية حيث من الممكن أن يصار الى اصلاح الضرر قبل اللجوء الى طلب الحماية الدبلوماسية.
3- شرط أن يكون العمل غير مشروع دولياً: يجب ان يكون العمل الذي ألحق ضرراً بالشخص الاجنبي غير مشروع بالنسبة للقانون الدولي، مثل خرق قاعدة دولية أو انتهاك معاهدة أو خرق قاعدة مستوى الحد الأدنى على حد تعبير (كاييه) .

*الحماية الدبلوماسية المفوضية : -

*البند الاول : -

*طبيعتها القانونية : -

هناك أشكال متعددة من ممارسة الحماية الدبلوماسية المفوضة إذ يمكن للدولة الراعية ان تقوم بحماية مصالح عدة دول ومصالح رعاياها لدى دولة واحدة، أو أن تقوم بحماية مصالح دولة واحدة، ومصالح رعاياها لدى أكثر من دولة لا يوجد علاقات دبلوماسية معها أو لا يوجد تمثيل دبلوماسي معها وهناك فروقاً أخرى لا تغيب على البال أثناء المقارنة وهي : -

1- إن العلاقة بين الدولة الراعية ومواطنيها المقيمين في الدولة المعتمد لديها ليست بتاتاً علاقة تفويض كما هي العلاقة بين الدولة الراعية ومواطني الدولة المستفيدة المقيمين في الدولة المعتمد لديها، والتي تمارس حمايتها الدولة الراعية من خلال بعثتها الدبلوماسية .
2- إن مواطن الدولة المستفيدة لا يستطيع ان يطلب مباشرة من الدولة الراعية اللجوء الى القضاء الدولي أو أن تقوم هذه الأخيرة باللجوء الى القضاء الدولي تنفيذاً لمبدأ الحماية البدلوماسية كما يحصل لمواطنيها على اعتبار أن القضاء الدولي مقرر فقط من دولة الشخص الذي يقدم أو يرفع الشكوى .
3- تمارس الدولة الراعية حمايتها الدبلوماسية الوظيفية لصالح رعاياها ومصالحها فقط، بينما تمارس الحماية الدبلوماسية المفوضة لرعاية مصالح الدولة المستفيدة ومصالح رعاياها في الحدود التي يتضمنها التفويض فقط ،وبالتالي إلزام مسؤولية الدولة المستفيدة من الأعمال التي قامت بها الدولة الراعية.
و نظام حماية الانتداب الدولي الذي هو عبارة عن تفويض يمنح ليس من الدول المستفيدة التي يطلق عليها في هذه الحالة دولة ( محمية) بل من قبل هيئة دولية كعصبة أو هيئة الامم المتحدة وهكذا يبدو أن الحماية الدبلوماسية المفوضة تكتسب أهمية بالغة أكان ذلك أثناء الحرب أم أثناء السلم، كما في اتفاقية فيينا في مادتيها رقم 45 – 46.

* ويلخص روسو وظائف الدولة الراعية أثناء الحرب على الشكل التالي : -

1- قيادة المفاوضات المتعلقة بتبادل الأفراد الدبلوماسيين والقنصليين للدولة المستفيدة .
2- حماية رعايا الدولة المستفيدة ( حماية و إعادة المدنيين المعتقلين ) .
3- حماية الأملاك العامة للدول المتحاربة ( المباني الرسمية والمحفوظات).
4- حماية الملكية الخاصة لرعايا الدولة المتحاربة.
5- حماية مشتركة مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لأسرى الحرب( زيارة المعتقلات وتوزيع لاعانات وتبادل معلومات الهوية وإعادة المرضى و الجرحى إلى أوطانهم ).
أما في حالة قطع العلاقات الدبلوماسية (يقول كورتاز) أن التأكيد أصبح يتجه نحو حماية المصالح العامة والخاصة (و يهدف تفويض الدولة الراعية بالدرجة الأولى الى حماية حياة رعايا الدول المستفيدة، وحماية أموالهم، ويقع الواجب العام للحماية على ممثل الدولة الراعية التي تطلب منه في حالة الاعتداء على حقوق الرعايا المستفيدين، التدخل لدى السلطات المحلية أو حكومة بلد الاقامة

يتبع >[line]
  #17  
قديم 14-01-2007, 06:33 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

*الوظائف القنصلية: -

العمل القنصلي : يرتبط تاريخ وتطور الوظيفة القنصلية بالدور الهام الذي لعبته في نمو حركة التجارة وحركة الملاحة البحرية بين الأمم .
و قد شهد النظام القنصلي منذ نشأته وحتى صدور اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية عام 1963 أربع مراحل من التطور العام.

1- المرحلة الأولى :
مرحلة القنصل الحامي الذي ظهر في اليونان حوالي القرن 6- 7 ق .م والذي تقوم مهمته في مساعدة و حماية الأجانب وأشخاصهم وأموالهم ومصالحهم( ثم القنصل القاضي أي قاضي الأجانب أو حسب التسميات الروحانية في ذلك العهد من القرنين الرابع و الخامس الميلاديين وهو القاضي المكلف بفض النزاعات الناشئة بين الأجانب أو بين هؤلاء و المواطنين الرومان ( و امتدت هذه المرحلة حتى نهاية القرن الخامس عشر .

2- المرحلة الثانية:
عرفت بمرحلة القنصل ممثلاً لدولته يرعى مصالحها، ومصالح رعاياها ويمارس بعض المهام الدبلوماسية وقد امتدت هذه المرحلة الى أواخر القرن السابع عشر، حيث مع ظهور الدبلوماسية الدائمة وارسال بعثات دائمة لدى الدولة.

3- المرحلة الثالثة:
عرفت بمرحلة تضييق الاختصاص القنصلي أي سحب الاختصاص القضائي من القنصل بالإضافة لسحب المهام الدبلوماسية كلياً و عاد القنصل في هذه المرحلة الى ممارسة مهامه التقليدية في رعاية المصالح التجارية واستمرت هذه المرحلة حتى صدور اتفاقية 1963.

4- المرحلة الرابعة : التي أنهت الاختصاص القضائي كلياً للقناصل و أكدت على دورهم التقليدي وعلى نشاطاتهم الاقتصادية التجارية والإدارية والتنظيمية وأحكام هذه الاتفاقية التي قننت ونظمت قواعد العمل القنصلي .

*وظائف البعثة القنصلية: -

1- منح الجوازات ووثائق السفر لرعايا الدولة الموفدة والسمات والوثائق اللازمة للأشخاص الذين يودون زيارة الدولة الموفدة.
2- مساعدة وإعانة رعايا الدولة الموفدة من أفراد ومؤسسات.
3- القيام بأعمال الكاتب العدل و المسجل المدني وما يشابهها وبعض الأعمال ذات الطبيعة الإدارية شرط أن لا يكون في قوانين وأنظمة الدولة المضيفة ما يمنع ذلك.
4- حماية مصالح رعايا الدولة الموفدة من أفراد ومؤسسات في قضايا الشركات في إقليم الدولة المضيفة وفق أحكام قوانينها وأنظمتها.
5- حماية مصالح القصر و ناقصي الأهلية، خاصة لدى استيجاب الوصاية والولاية عليهم وذلك ضمن حدود قوانين وأنظمة الدولة المضيفة.
6- يخضع للتعامل والأصول المرعيين لدى الدولة المضيفة تمثيل أو العمل على تمثيل رعايا الدولة الموفدة أمام المحاكم والمراجع الأخرى لدى الدولة المضيفة بقصد الحصول وفق قوانين وأنظمة الدولة المضيفة على إجراءات احتياطية للمحافظة على حقوق و مصالح هؤلاء الرعايا عندما لا يكون بإمكانهم لتغيبهم أو لأي سبب آخر، الدفاع عن حقوقهم.
7- تصديق الوثائق العدلية: ونسخها، والاستدعاءات والوكالات وكتب التفويض وتحويلها الى محاكم الدولة الموفدة كوثائق ثبوتية وذلك وفقاً للاتفاقات الدولية المرعية وفي وجود مثل هذه الاتفاقات الدولية فبأية طريقة تتفق مع قوانين الدولة المضيفة.
8- ممارسة حقوق الرقابة والتفتيش المنصوص عنها في قوانين وأنظمة الدولة الموفدة على السفن التي تحمل جنسيتها و على الطائرات المسجلة لديها، و على كل ما يتعلق بملاحيها .
9- منح المساعدة للسفن و الطائرات ولملاحيها، وأخذ الافادات المتعلقة بسفر السفينة وتدقيق سجلات السفينة وختمها دون المساس بحقوق سلطات الدولة المضيف وإجراء التحقيق في أي حادث حصل أثناء الرحلة، و فض النزاعات بمختلف أنواعها بين القائد والضابط والبحارة في حدود ما تسمح به قوانين وأنظمة الدولة الموفدة .
10- القيام بأي عمل آخر كلفت به البعثة القنصلية من قبل الدولة الموفدة شرط ان لا يكون مخالفاً لقوانين وأنظمة الدولة الضيفة.

*وعلى صعيد انتهاء وظائف عضو البعثة القنصلية فقد نصت المادة رقم 25 على ثلاثة حالات وهي: -

أ‌- اعلان الدولة المرسلة للدولة المضيفة انتهاء وظائفه.
ب‌- سحب الإجازة القنصلية.
ت‌- اعلان الدولة المضيفة للدولة المرسلة توقفها عن اعتباره في عداد موظفي البعثة القنصلية.

*حصانات و امتيازات أعضاء البعثة القنصلية: -

نصت المادة رقم 40 و حتى 54 على: -
1- على صعيد الحصانة الشخصية: نصت على حماية الموظف القنصلي من قبل الدولة المضيفة والعمل على اتخاذ جميع التدابير والإجراءات اللازمة لمنع أي اعتداء على شخصه و حريته وكرامته، هذا بالإضافة الى معاملته بالاحترام المتوجب ، حيث نصت المادة رقم 41 على أنه لا يمكن اخضاع الموظفين القنصليين للاعتقال أو الاحتجاز الاحتياطي بانتظار المحاكمة إلا في حالة الجرم الخطير على أثر قرار من السلطة القضائية المختصة.
2- الحصانة القضائية.
3- والاعفاءات المالية فإن البعثة القنصلية تتمتع بالاعفاء من الضرائب المباشرة و غير المباشرة ومن الرسوم الجمركية .[line]
تاريـخ الدبلوماســـية (5)

*انتهاء مهمة المبعوث الدبلوماسي: -

الأسباب التي تؤدي إلى انتهاء مهمة المبعوث الدبلوماسي والتي يمكن تصنيفها إلى أربع فئات و هي: -

1- فئة الأسباب المتعلقة بشخص المبعوث الدبلوماسي:-

و هي أسباب تتعلق بحالات الوفاة، والمرض والاستقالة الطوعية، والاستيداع والوضع خارج الملاك، والتقاعد وهذه الأسباب ينظم أحكامها نظام المؤلفين العموميين ونظام وزارة الخارجية المتعلق بكل دولة من الدول، وعن حصول هذه الأمور تعتبر مهمة الموظف الدبلوماسي منتهية وبالتالي وجب تعيين غيره وفي حال كان رئيس البعثة وانتهت مهمته بناء على هذه الأسباب وحتى لا يبقى مركزه شاغراً نصت اتفاقية فيينا لعام 1961 على أن تسند رئاسة البعثة مؤقتاً إلى قائم بالأعمال بالنيابة.

1- فئة الأسباب المتعلقة بالدولة المعتمدة: -
تعمل دولة المبعوث الدبلوماسي على استدعائه أو استدعاء رئيس البعثة وذلك لأسباب تتعلق بفقدان الثقة نتيجة سوء تنفيذ سياسة الحكومة او نتيجة سوء تصرف أو سلوك في الدولة المعتمد لديها، وبالتالي تتخذ الدول المعتمدة هذه التدابير وتستدعي مبعوثها الدبلوماسي وتعمل إما على إقالته أو صرفه أو عزله من منصبه أو نقله إلى منصب آخر او استدعاء مبعوثها للتعبير عن استيائها من سياسة الدولة المعتمد لديها، أو بحصوله على ترفيع او ترقية من قائم بالأعمال إلى وزير مفوض أو إلى رتبة سفير وفي هذه الحالة يجب عليه أن يقدم كتاب اعتماد جديداً، بسبب انتهاء مهمته السابقة.

2- فئة الأسباب المتعلقة بالدولة المعتمد لديها: -
- (الحالة الاولى): -

وهي تتعلق بحالة اعتبار الشخص غير مرغوب فيه أو غير مقبول وبحالة الطرد، فهو تعبير عن استيائها من سلوكه وأعماله وهو نوع من العقوبة يفترض أن يكون الدبلوماسي شخصاً مرغوباً في ومقبولاً به، وأن لا يخالف واجباته وأن لا يتدخل في الشؤون الداخلية، وان يحترم القوانين والعادات والتقاليد وان يسلك السلوك الحسن هو وأفراد أسرته، وإذا ما خالف المبعوث هذه الواجبات وأقدم على ارتكاب أعمال غير مشروعة ومخالفة للقانون الدولي، لا سيما أعمال التجسس او أعمال مشابهة في حق للدولة المعتمد لديها عندئذ أن تعتبره شخصاً غير مرغوب فيه او غير مقبول، وتطلب استدعائه او أن تعمد إلى طرده وهو إجراء أكثر خطورة من اعتباره شخصاً غير مرغوب، يمكن أن يؤدي إلى توتر شديد في العلاقات بين الدولتين

- الحالة الثانية:

وهي حالة الطرد، يقول كاييه:" تستطيع الدولة المعتمد لديها أن تعتقل شخص المبعوث وتطرده وهناك ظرف استثنائية يمكن أن تبرر تشويه مبدأ الحرمة الشخصية مثل التجسس والخطر على أمن الدولة الداخلي وهي ظروف يمكن لها أن تبرر الطرد دون اعتقال لشخص الدبلوماسي وإعطاؤه فترة قصيرة او بضع ساعات أو يوماً من أجل أن يترك البلد وفي بعض الحالات مثل التجسس بالجرم المشهود يحق للدولة المعتمد لديها أن تعتقل الدبلوماسي وترافقه للحدود، وهكذا فإن الطرد هو إجراء غير ودي يعبر عن استياء الدولة المعتمد لديها من سلوك وتصرف المبعوث الدبلوماسي.

3- وهناك مجموعة أسباب مشتركة: -

أ‌- حالات استقالة أو تنازل أو عزل أو وفاة رئيس إحدى الدولتين هذه تؤدي فقط إلى انتهاء مهمة رئيس البعثة الدبلوماسية.
ب‌- تغيير نظام الحكم سواء عن طريق دستوري أم غير دستوري بفعل ثورة أو انقلاب أو حالات الحرب، او قطع العلاقات الدبلوماسية وسحب البعثة وإغلاقها كتهديد أو لأسباب اقتصادية مالية أو لأسباب تتعلق بمبدأ المعاملة بالمثل او الانتقام.

*الآثار المترتبة على انتهاء مهمة المبعوث الدبلوماسي لا تنهي مباشرة نظام تمتعهم بالحصانات والامتيازات الدبلوماسية وان انتهت وظائفهم وهذا ما أكدته اتفاقية فيينا لعام 1961 في مادتها رقم 39، 44، 45، وكما أكدت لهم على السماح لهم بسحب أمواله المنقولة والإعفاء من الضرائب عليها.

*انتهاء مهمة البعثة الدبلوماسية: -

1- تغيير درجة البعثة وينتقل التبادل الدبلوماسي من مستوى إلى آخر إما صعوداً وإما هبوطاً مثلاً، يرتفع مستوى التبادل من درجة مفوضية إلى درجة سفارة وهذا التغيير هو رهن بمستوى تطور، ونمو العلاقات بين الدولتين المعنيتين بالتغيير، وذلك بهدف تعزيز اكبر للعلاقات الودية بما يخدم مصالحها على قاعدة السيادة والاستقلال، ويمكن أن يحدث التغيير إما من كلا الطرفين والدولتين وإما من طرف واحد دون مجاراة الدولة الأخرى للدولة التي أرادت التغيير.

2- إلغاء البعثة وسحبها: تلجأ الدول عادة أثناء اجتيازها أزمات اقتصادية حادة إلى التخفيف من بعض المصاريف والتكاليف وضغطها لمواجهة العجز في موازنتها فتعمد إلى إلغاء بعثاتها في بعض الدول وسحبها بشكل وحيد الجانب ودون أن يؤثر على العلاقات الدبلوماسية مع الدول المعتمد لديها وفي هذه الحالة لا تنقطع العلاقات الدبلوماسية بل تستمر حيث تكلف الدولة المعتمدة بعثتها القنصلية تأمين النشاط الدبلوماسي.

3- زوال الشخصية القانونية الدولية:-
ينتهي نشاط البعثة الدبلوماسية بزوال الشخصية القانوني لإحدى الدولتين وذلك بسبب الاندماج او الوحدة في اتحاديه او تعاهديه أو الضم بالقوة، او بسبب التجزئة أو الانفصال أو بسبب السيطرة والخضوع لدولة أخرى، او بسبب الانتداب والحماية او الوصاية أن هذه العوامل تؤدي إلى توقف كامل لنشاط البعثة وزوالها بزوال شخصية الدولة القانونية، حيث تنشأ بفعل هذه العوامل شخصية قانونية جديدة تستطيع بموجبها الدولة إرسال و تبادل بعثات دبلوماسية جديدة بناء على رضا متبادل.

4- تغيير نظام الحكومة و مسألة الاعتراف: -

يؤدي تغيير نظام الحكم بطريق الثورة، او الانقلاب العسكري إلى إثارة موضوع الاعتراف بالحكومة الجديدة او رفض الاعتراف بها أو ينشأ عن هذا التعبير وجود حكومتين تتنازعان السلطة والإقليم وفي هذه الحالة تطرح المسألة بكل جوانبها حتى ينتهي الوضع أما بانتصار أحدهما أو بتكريسهما كأمر واقع فإذا حصل اعتراف مباشر و سريع بها من قبل الدول الثالثة لا يتأثر أبداً نشاط أعضائها وتستمر العلاقات الدبلوماسية بشكل طبيعي، أما إذا حصل تأخير في الاعتراف بالحكومة الجديدة، فهناك سيكون تعليق مؤقت لنشاط البعثة الدبلوماسية يتبعه قطع العلاقات الدبلوماسية وبالتالي إنهاؤها في حال رفضت الدول الثالثة الاعتراف بالحكومة الجديدة، وهكذا فإن رفض الاعتراف او إنكاره يؤدي مباشرة إلى إنهاء قطع العلاقات الدبلوماسية وسحب وإقفال البعثات الدبلوماسية.

5- تعليق مهمة البعثة الدبلوماسية: -

يقول السيد فيليب كاييه:"يعتبر أن التعليق يقصد به بعثة دبلوماسية لم يعد في مقدورها ولأسباب مختلفة، أن تمثل مصالح الدولة المعتمدة لدى الدول المعتمدة لديها و لكن مع هذا لم تقطع العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين، وانطلاقاً من هذا التمييز بين التعليق والقطع و بين العلاقات والبعثة والمبعوثين نعتبر التعليق يمكن أن يشمل إما مهمة المبعوثين، وإما مهمة البعثة وإما الاثنين معاً، كما انه يشمل التبادل الدبلوماسي وهنا نقترب من حالة قطع العلاقات الدبلوماسية وعليه فإن التعليق هو توقف مؤقت وجزئي وغير دائم للمهمة الدبلوماسية سواء مهمة البعثة أم المبعوثين وهو يتحصل من طرف واحد أي من دولة واحدة، على عكس القطع الذي هو توقف كامل لمهمة البعثة او للتبادل الدبلوماسي وهو بتحصيل من كلا الطرفين او الدولتين.

*حالات تعليق المهمة الدبلوماسية فهي التالية: –

1- إن استدعاء الدولة المعتمد لرئيس بعثتها في الدولة المعتمد لديها لأجل غير مسمى بسبب توتر شديد للعلاقات بينهما، بالطبع إن هذا الاستدعاء لرئيس البعثة يؤثر على نشاط البعثة ويؤدي إلى إضعاف وتعليق لبعض وظائفها الجوهرية لا سيما وظيفة التمثيل والتفاوض غير أن دعوة او إعادة رئيس البعثة لمنصبه وممارسة لوظائفه بعد هذا الاستدعاء ولأجل غير مسمى، لا تتطلب منه تقديم أوراق اعتماد جديدة.

2- أثناء فترة الحرب تحصل عمليات غزو واجتياح جيوش أجنبية لبعض البلدان واحتلالها ومحاولة ضم بعضها فينشأ عند هذه الحالة وضع يؤدي بالحكومات الشرعية لأن تلجأ إلى الخارج وتقيم على أراضي دول حرة أخرى، فالدولة الحرة لا تقيم علاقات دبلوماسية مع دولة أخرى أو حكومة لا ترضى عنها أو لا تعترف بها و بالمقابل وما عدا أوضاع مؤقتة واستثنائية، لا يمكن استمرار علاقات مع حكومة لمدة طويلة لم يعد لها أية قاعدة على الأرض.

3- هناك حالات تعليق تنشأ نتيجة تغيير نظام الحكم بطريق دستوري أو غير دستوري أو عن طريق انقلاب او ثورة للحكومة، وبالتالي تنشأ حكومة جديدة تفضي إلى خلق وضع قانوني جديد يتطلب الاعتراف به من قبل الأطراف الدولية أي حالة التغيير الثوري للحكومة، فإن تعليق العلاقات الدبلوماسية من خلال تعليق البعثة ونشاط أعضائها يتطلب بالضرورة تقديم أوراق اعتماد جديدة من قبل رئيس البعثة، ولكن لا يتطلب ذلك إجراء اتفاق جديد نظراً لأن العلاقات لم تقطع بل علقت ونظراً لأن الاتفاق الجديد هدفه تأسيس بعثة وإقامة علاقات دبلوماسية.

*انتهاء العلاقات الدبلوماسية: -

* الفقرة الاولى: قطع العلاقات الدبلوماسية:-

فقطع العلاقات الدبلوماسية وهو إجراء وحيد الجانب فهو لا يعبر إلا عن إرادة طرف واحد ودون اتفاق مسبق والى جانب كونه إجراء وحيد الجانب فهو إجراء استنسابي وعمل غير ودي و هو في ذات الوقت وسيلة و ظاهرة، وسيلة لأنه يشكل أحياناً بديلاً عن الحرب ولكن دون أن يلغيها بتاتاً وكظاهرة لأنه يعبر عن اضطراب معين فينظم العلاقات الدولية.
يقول فيليب كاييه: اعتبار الدول أنها ليست حرة في قطع العلاقات الدبلوماسية مع غيرها عندما تتهدد مصالحها كما انه يعتبر أن قطع العلاقات الدبلوماسية وهو إجراء غير ودي ولا توجد قاعدة لمنعه.

*أسباب قطع العلاقات الدبلوماسية: -

1- يتضمن قطع العلاقات الدبلوماسية عملياً ليس فقط انتهاء وظائف البعثة وأعضائها بل وأيضاً إقفال البعثات الدائمة ككل ولكن هذا التوقف الكامل لا يعني عدم التقيد ببعض القواعد والأحكام التي تهدف إلى احترام وحماية مصالح كل دولة ومصالح رعاياها.

2- الأسباب المتعلقة بالأعمال غير المشروعة التي ترتكبها الدولة أو بعثتها أو أعضاء البعثة لا سيما تلك الأعمال التي تخالف الواجبات الدبلوماسية التي نصت عليها المادة رقم 41 او التصرفات أو الأعمال التي تخل بنظام الحصانات والامتيازات الدبلوماسية.

3- وهناك الأسباب المتعلقة بالحرب او بتغيير نظام الحكم عن طريق الانقلاب او الثورة والتي تطرح موضع الاعتراف او عدمه بالحكومة الجديدة.

4- وهناك الأسباب المتعلقة بمسألة الانتقام والتأثر والضغط والاحتجاج والمعاملة بالمثل أو تلك المتعلقة بالعقوبة الجماعية.

5- هناك أسباب تتعلق بالاعتداء على الأشخاص او الرعايا او الأموال أو انتهاك معاهدة او التزام دولي، او انتهاك حرمة الإقليم.

6- وهناك أسباب الإهانة المباشرة للدولة وجرح هيبتها أو تلك المتعلقة بخلاف أيديولوجي او سياسية او تلك المتعلقة بالمصلحة الحيوية للدولة.

7- وهناك أسباب سياسية وأخرى قانونية:-

أولاً :-(المجموعة القانونية)

تتضمن خمس فئات من قع العلاقات الدبلوماسية :-

أ‌- فئة القطع التي تتعلق بالإهانة المباشرة بناء على تصرفات وسلوك أعضاء البعثة الدبلوماسية المخالفة للأعراف والقوانين.
ب‌- فئة القطع التي تتعلق بالاعتداء على الأشخاص والأموال.
ت‌- فئة متعلقة بمخالفة عدم التدخل في الشؤون الداخلية بلد ما مثل التجسس والتخريب.
ث‌- فئة متعلقة بانتهاك حرمة الأراضي الإقليم.

ثانياً:-(المجموعة السياسية):

نفس الأسباب القانونية آثار قطع العلاقات الدبلوماسية يظهرها هنا مدى الفرق بين القطع وبين حالة الحرب وحالة التعليق وحالة تغيير نظام الحكم.
ففي حالة الحرب لا تنقطع فقط العلاقات الدبلوماسية بل وتتأثر مجمل العلاقات الدولية، وتتوقف الصلات الاقتصادية و التجارية والاتصالات الدولية والعلاقات القنصلية ويزول مفعول المعاهدات الثنائية، بينما في الحالات الأخرى لاسيما قطع العلاقات الدبلوماسية لا تتأثر هذه العلاقات الدولية الأخرى إلا إذا كانت قطع العلاقات الدبلوماسية سببه الحرب.
تنص المادة رقم 74 من قانون المعاهدات على أن قطع العلاقات الدبلوماسية القنصلية وغياب مثل هذه العلاقات بين دولتين او عدة دول لا يعوق إبرام المعاهدات بين هذه الدول أن إبرام المعاهدة بذاتها له أثر فيما يتعلق بالعلاقات الدبلوماسية والقنصلية.

*ما هي آثار الحرب على العلاقات الدبلوماسية: -

1- أن تلجأ الدولة إلى قاعدة اعتبار الدبلوماسي شخصاً غير مرغوب فيه، وتطلب استدعاؤه من قبل دولته.
2- أن تلجأ إلى الحد من تحركه وتنقله داخل إقليمه او تخفيض حجم البعثة الدبلوماسية.
3- باستطاعة الدولة الاخرى أي الدولة المعتمدة أن ترد بالثأر او الانتقام وتلجأ إلى المعاملة بالمثل.
4- أما في حال تفاقمت الأزمة إلى درجة التوتر الشديد فعندئذ يمكن اللجوء إلى قطع العلاقات الدبلوماسية او إلى الحرب.

يتبع >[line]
  #18  
قديم 14-01-2007, 06:50 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

* بالنسبة للحالتين الأولتين يقول بابيني وكورتاز أنه يمكن تمييز وضعين على صعيد الممارسة وهما: -

1 - الحرب مع او بدون إعلان تؤدي بشكل عام إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول المتحاربة وفي هذه الحالة يمكن قطع العلاقات الدبلوماسية إعلان الحرب.

2- الحرب دون إعلان، لا تتسبب دائماً بقطع العلاقات الدولية، يمكن أن يحصل هجوم ومسلح دون إعلان حرب، ودون قطع العلاقات الدبلوماسية مثل النزاع الصيني والياباني سنة 1931 – 1932 لأن الدولتين لم تكن لهما مصلحة.

*الآثار غير المباشرة على الدول الثالثة: (للحرب) أهمها: -

1- حالة قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة المعتدية، لارتباط الدولة الثالثة بمعاهدة مساعدة متبادلة مع الدولة المعتدى عليها.

2- حالة قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة المعتدية، بسبب رد فعل الدولة الثالثة على الهجوم ضد دولة حيادية (و هذا القطع غالباً ما يكون كاحتجاج معنوي.

3- حالة دولة ثالثة حليفة دولة متحاربة مع دول أخرى تقطع علاقاتها مع هذه الدولة الأخيرة، دون أن تكون متورطة معها في مسائل المصلحة، أو الهيبة ولا في أي خصام قانوني معها، وذلك لأسباب المجاملة السياسية.

4- حالة دولة متحاربة مع دولة أخرى، تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة ثالثة غير متحاربة بسبب الدعم المقدم من هذه الدولة الثالثة لخصمها.

5- حالة حكومة تقطع علاقتها الدبلوماسية مع الدولة الأخرى التي تعترف بالحكومة الانفصالية بسبب حرب أهلية داخل بلدها.
فكما أن قطع العلاقات الدبلوماسية يشكل أحياناً إنذاراً قبل الدخول في حرب أو تمهيداً لها فإن الحرب تشكل أيضاً قطعاً وليس تعليقاً للعلاقات الدبلوماسية حتى إنها تؤدي إلى قطع مجمل العلاقات الدولية من اقتصادية وتجارية وقنصلية والى انتهاء أو زوال مفعول المعاهدات الثنائية بين الدولتين المتحاربتين.

1- آثار الحرب على الدول المتحاربة تطال ليس فقط العلاقات الدبلوماسية والبعثة والأعضاء بل أيضاً تطالب الرعايا و الأموال المنقولة وغير المنقولة.

2- فريق المتحاربين الذي يتصف بصفة العدو يخضع إلى النظام القانوني لحماية أسرى الحرب حسب اتفاقيات لاهاي عام 1927 واتفاقية جنيف عام 1929.

3- أي المدنيون أصبحت اليوم تعمل على إبقائه في إقليم الدولة المحاربة ووضعهم تحت المراقبة او اعتقالهم في أماكن تبادل ترحيل الأطفال والنساء والعجز، هذا بالإضافة إلى أن الدولة تحرم عادة الاتصال بين رعاياها ورعايا الدول العدوة.

4- أما على صعيد الدول المحايدة، فإنهم يحظون بالاحترام شرط أن يراعوا القيود التي تفرضها الحرب و خصوصاً عدم الاتصال بالعدو او رعايا.

5- فيا يتعلق بأموال الرعايا فإنها تبقى كما هي وإذا اقتضت الضرورة وضع اليد عليها فإن ذلك يتم مقابل تعويض مناسب وأموال المحايدين تخضع لنفس الشروط والقيود، أما أموال العدو فيحق للدولة أن تصادرها باستثناء ما يتعلق بالبعثة الدبلوماسية وأموالها المنقولة وغير المنقولة التي تخضع لأحكام اتفاقية فيينا لعام 1961.

*هذه الأحكام المتعلقة بآثار الحرب على البعثة الدبلوماسية وأعضائها هي:-

1- في أحكام المواد رقم 39 – 44، 45، التي أوجبت على الدول احترام نظام الحصانات والامتيازات الذي يتمتع به المبعوث الدبلوماسي والبعثة على السواء، إلى جانب احترام الدول ورعاية المصالح الدولتين المتحاربتين وصالح رعاياها.

2- فعلى صعيد واجب احترام هذه الحصانات واستمرارها في حالة الحرب نصت المادة 39 على بداية ونهاية مدة التمتع به أن فالنسبة لانتهائها نصت الفقرة الثانية منها على أن تنتهي عادة امتيازات وحصانات كل شخص انتهت مهمته بمغادر البلاد او بعد انقضاء فترة معقولة من الزمن تمنح له لهذا الغرض تبقى قائمة حتى في حالة وجود نزاع مسلح وتستمر الحصانة قائمة مع ذلك.

3- تضمنت المادة رقم 44 بعض الأحكام المتعلقة بمنح جميع التسهيلات اللازمة وحتى في حالة نزاع المسلح لتمكين الأجانب المتمتعين بالامتيازات والحصانات وأفراد أسرهم من مغادرة الأقلية في أقرب وقت ممكن حتى على الدولة المعتمد لديها أن تضع تحت تصرفهم وسائل النقل اللازمة لنقلهم، ونقل أموالهم.

4- وفيما يتعلق باحترام وحماية قرارات البعثة وأموالها، ومحفوظاتها وحراستها ورعاية المصالح، فقد تضمنت المادة رقم 45 الأحكام التي يجب أن تراعى في حالة قطع العلاقات الدبلوماسية او في حالة الاستدعاء الدائم او المؤقت لإحدى البعثات او في حالة وجود نزاع مسلح.

*الحصانات والامتيازات الدبلوماسية: -

1- سيادة الدولة وصلاحيتها: -

أ‌- مفهوم السيادة: بأنها السلطة العليا التي لا تحدها أية سلطة من أية جهة كانت حيث تنشأ عنها جميع صلاحيات او اختصاصات الدولة، سواء أكانت صلاحيات الداخلية أم الخارجية.

*ما مفهوم السيادة في الشريعة الإسلامية؟؟

لقد استخدم العرب المسلمون مصطلح السيادة بتعابير عديدة وردت في القرآن الكريم فهناك مصطلح ملك، ومصطلح سلطان ومصطلح سؤدد ومصطلح خلافة كلها، تعابير ترتبط بمفهوم السيادة المجسدة للإرادة الإلهية كما جاء في سورة (الجاثية) "ثم جعلنا على شريعة من الأمر فأتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون".

*وقال ابن خلدون عن مفهوم السيادة: -

و إنما الملك على الحقيقة لمن يستعبد الرعية، ويجبي الأموال ويبعث البعوث ويحمي الثغور ولا تكون فوق يده يد قاهرة وهذا معنى الملك وحقيقته في المشهور، فحقيقة السلطان انه المالك للرعية القائم في أمورهم عليهم، فالسلطان من له رعية والرعية من لها سلطان.

ويقول ابن خلدون: ا الآدميين بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض، فلا بد أن يكون متغلباً عليهم بتلك العصبية التي تكون بها الحماية والمدافعة والمطالبة وكل أمر يجتمع عليه، و إلا لم تتم قدرته على ذلك، وهذا التغلب هو الملك وهو أمر زائد على الرئاسة لأن الرئاسة إنما هي سؤدد وصاحبها متبوع و ليس له عليهم قهر في أحكامه وأما الملك فهو التغلب والحكم بالقهر.

*ومفهوم الطابع الشخصي للسيادة: المتعلق بأحكام الشريعة على المسلم أينما كان:-

1- على أساس أن الإنسان هو جوهر الشريعة وليست الأرض.

2- يتبنى ويؤكد الطابع القانوني والإقليمي المتعلق بالأرض.

3- ثم الطابع الشخصي والطابع الإقليمي، الأرض هذا التطور أدى إلى ظهور الدولة الإسلامية في صورة الدولة الحديثة التي سبقت في مظهرها القانوني الدول الأوروبية من حيث اكتمال عنصر الإقليم وعنصر الشعب، وعنصر السيادة الذاتية لها.

*يقول جان بودان(1530 – 1596) عن السيادة بأنها سلطة الأمر والنهي دون أن تكون مأمورة ومكرهة من أي كان على الأرض.

*ويقول كاريه دوما لبرغ: أن السيادة: ( بأنها السلطة التي لا تقر بسلطة أعلى منها او مساوية لها، تقوم في الدولة).

*يقول ايسمان:
أن السيادة بأنها السلطة التي لا تقر بسلطة أعلى من سلطتها ولا بسلطة محايزة لسلطتها وهي ذات وجهين داخلي وخارجي، السيادة الداخلية من جهة تشمل على حقها بالحكم على جميع المواطنين تتألف منهم الأمة، وحتى على جميع الذين يقيمون في إقليمها والسيادة الخارجية التي تتلخص بحقها بتمثيل الأمة وإلزامها في علاقاتها مع سائر الأمم.

*مفهوم صلاحية الدولة: -

تمتع الدولة بهذه الصلاحيات المستمدة من مفهوم السيادة والاستقلال والمساواة أكسبها شخصية قانونية مستقلة ترفض بمبدأ الخضوع لسيادة أخرى، وذلك تطبيقاً لمبدأ سيادة الأنداد، أي الدولة المتساوية وهكذا فالدولة لا يمكن أن تتنازل عن سيادتها مثلما يتنازل الأفراد عن سيادتهم حسب مفهوم العقد الاجتماعي وذلك نظراً لعدم وجود سلطة دولية قمعية أعلى من الدول، تنازل كل دولة لها عن سيادتها كما يتنازل الأفراد عن سيادتهم لصالح سيادة أخرى، لا يوجد في المجتمع الدولي، سلطة دولية أعلى من سلطة الدولة تفرض التنازل عن السيادة كما يحصل في المجتمع الوطني فالدولة تبقى سيدة ومساوية لغيرها من الدول بشكل مطلق ومهما كانت أهمية وقوة هذه الدولة.

*القانون الدولي ينظر إلى صلاحيات او اختصاصات الدولة من زاويتين: -

1- المتعلقة بالصلاحيات التي تمارسها الدولة داخل إقليمها (وتسمى حسب دان) في مرجعه المشترك بالصلاحية الإقليمية الكبرى او بالسيادة الإقليمية أي تنشأ هذه الصلاحية من سيادة الدولة واستقلالها) ويقر القانون الدولي لهذه الصلاحية الإقليمية الكبرى باختصاص كامل و ممارسة حصرية حيث تستخدم الدولة كامل سلطاتها لضمان قيامها بوظائفها التي تتعلق بكل ما يجب أن يحمي الدولة وتطورها.

2- الزاوية الثاني: فهي زاوية الصلاحيات التي تمارسها الدولة خارج إقليمها، وهي بنظر القانون الدولي أقل امتداداً وقوة من تلك الصلاحيات التي تتعلق بالسيادة الإقليمية وذلك إما لأن المكان الذي تمارس فيه هذه الصلاحيات يتعلق أساساً بسيادة إقليمية أخرى، وتشمل هذه الصلاحيات التي تمارسها الدول خارج إقليمها على ثلاث فئات من الصلاحيات: -

1- فئة الصلاحية الإقليمية الصغرى التي تمارسها الدول في دول ذات سيادة ناقصة.

2- فئة الصلاحية الشخصية.

3- فئة الصلاحية المتعلقة بالمرافق العامة هاتان تتعلقان مباشرة بموضوع حصانة الدولة.

*بالنسبة للصلاحية الشخصية فإنها تنشأ في حدود القانون الدولي وتمارسها الدولة الأجنبية إزاء مواطنيها المقيمين خارج إقليمها وعلى أقلية الدولة الوطنية (حسب دان من خلال أربع حالات): -

1- الحالة الاولى: وهي حالة أرجحية الصلاحية الشخصية على الصلاحية الإقليمية وتظهر كنتيجة للحصانات والامتيازات الدبلوماسية والقنصلية.

2- الحالة الثانية: وهي حالة تقييد الصلاحية الإقليمية بالصلاحية الشخصية على الرغم من خضوع الأجانب للسيادة الإقليمية فإن القانون الدولي يمنح الدولة الأجنبية حق التدخل لدى الدولة الوطنية، من أجل الدفاع عن حالة الضرورة عن رعاياها ومصالحهم وهذا ما يعرف بمبدأ الحماية الدبلوماسية.

3- الحالة الثالثة: وهي حالة تقييد الصلاحية الشخصية بالصلاحية الإقليمية ففي حالة تطبيق نظام التعبئة او نظام الخدمة العسكرية لا تستطيع الدولة الأجنبية التدخل لدى الدولة الوطنية لتعديل بعض الأمور

4- الحالة الرابعة: وفي حالة تزامم الصلاحية الشخصية للصلاحية الإقليمية حيث يقوم قناصل الدول الأجنبية بإجراءات الأحوال الشخصية في الدول الوطنية، فالأجنبي المقيم في الدولة الوطنية يختار في حالة الزواج مثلاً بين قناصل دولته وبين سلطات الدولة الوطنية.

أما صلاحية المرافق العامة:

باعتبار أن الدولة هي مجموعة مرافق توجه من قبل السلطة العامة وعلى هذا الأساس يتمتع المرافق العام بصلاحية دولية تمارسها الدولة الأجنبية عندما تثار قانونية او مشروعية أعمال مرافقه العامة في الدولة الوطنية، فأرجحية الصلاحية الخاصة بالمرفق العام على الصلاحية الإقليمية للدولة الوطنية تجعل المرافق العامة متمتعة بحصانة دولية مثل السفن العامة و الطيران والبعثات الدبلوماسية والقنصلية حث يستفيد من هذه الحصانة أشخاص هذه المرافق بالإضافة إلى القوات العسكرية الأجنبية المقيمة في إقليم الدول الوطنية.[line]
تاريـخ الدبلوماســـية (6)

*حصانة الدولة بين الإشكالية والمعايير:-

تتجلى حصانة الدولة بشكل عام بنوعين أساسيين هما:-

1- الحصانة القضائية الجزائية والمدنية والإدارية: -

- يقول شارل روسو عن حصانة الدولة القضائية يشير إلى تقييد صلاحية المحاكم المحلية الداخلية الذي يحمله القانون الدولي، والذي يضع نوعاً ما الدول الأجنبية خارج هذه الصلاحية والعلاقة بين الحصانة القضائية وعدم الصلاحية والسلطة القضائية والدفع بعدم قبول الدعوى.

يقول فايز الحاج شاهين، عن الحصانة القضائية مرتبطة بإمكانية مثول الأجانب أمام المحاكم الوطنية وتعني أنه يحق للدولة الأجنبية المستفيدة من الحصانة ألا تمثل أمام المحاكم الوطنية وأن ترفض ولايتها وسلطتها.

2- حصانة التنفيذ: -
فإنها تعني عدم إمكانية اتخاذ أية إجراءات أو تدابير تنفيذية من قبل الدولة الوطنية لتنفيذ أي حكم يكون قد صدر من محاكمتها إزاء الدولة الأجنبية التي تنازلت مسبقاً عن حصانتها القضائية بإرادتها و تعتبر حصانة التنفيذ مستقلة وقائمة بذاتها ومنفصلة عن الحصانة القضائية.

يقول روسو: " إن حصانة التنفيذ تكمن في استبعاد طرق التنفيذ (من حجز وتوقيف وحراسة ومراقبة) إزاء الدولة الأجنبية.

*يقول د.فايز شاهين: أنه يستنتج أربعة معايير مختلفة لجأت إليها المحاكم وتدور حول معيار التفريق بين الأعمال التي تستفيد والتي لا تستفيد من الحصانة القضائية:-

1- فئة القرارات التي اعتمدت على معيار شكلي، بمعنى أن الدولة الأجنبية لا تستفيد من الحصانة القضائية إلا إذا كان الأسلوب والشكل المتبعان مختلفين عن الأسلوب والشكل المعتمدين في حقل التعامل الخاص.

2- فئة القرارات التي اعتمدت على معيار قصدي مستمد من الغاية التي لأجلها عاقدت الدولة الأجنبية أو من وجهة تخصيص العمل موضوع النزاع.

3- فئة القرارات التي لا تكتفي بواحد من المعيارين أعلاه بل تشترط توفرهما معاً.

*و هذا المعيار يسميه د.شاهين المعيار الجمعي والأسباب التي تبرره حسب رأيه:-

أ‌- أنه يصيب في الاتجاه العام القاضي بتطبيق ميدان الحصانة القضائية.
ب‌- أنه يحمي المواطن الذي يتعامل مع الدولة الأجنبية على اعتبار أن تخصيص العمل لتلببية حاجة المرفق العام ووجود البند الشاذ أثناء العملية التعاقدية.
ت‌- انه لا ينزع بصورة مطلقة الحماية عن الدولة الأجنبية على اعتبار أن هذه الأخيرة تبقى متمتعة في مطلق حالة بحصانة التنفيذ.

*معيار المساواة في المعاملة بين الدولة الأجنبية والوطنية: -

يقول د. رياض على وجوب معاملة الدولة الأجنبية نفس المعاملة التي يتعامل بها القاضي الوطني دولته ذاتها، وبعبارة أخرى يتعين على القاضي ألا يخص الدولة الأجنبية بمعاملة تختلف عن تلك التي عامل بها دولته وذلك في حين أن إعفاء الدولة الأجنبية من الخضوع للقضاء الوطني يرجع إلى اعتبارات تتصل بكيان المجتمع الدولي بأسره.

*معيار التناسق القانوني:-

يقوم هذا المعيار على التناسق بين النظم القانونية للدولة الأجنبية والدولة الوطنية في تحديد وظائف الدولة ويقترح د. رياض عن تحديد الحصانة الدولة القضائية يجب أن تتم وفقاً للأساس الذي تقوم عليه مختلف حلول القانون الدولي الخاص في الفكر الحديث فالحلول التي يضعها هذا القانون تقوم الآن على تحقيق التناسق بين النظم القانونية المختلفة أو على فكرة التعايش المشترك بين الدول.

*المعيار الوظيفي:-

واقترح المعيار الوظيفي الذي يقوم على مفهوم السيادة والاستقلال لتقرير حصانة الدولة حيث تعتبر بموجبه حصانة الدولة حصانة مطلقة سواء تعلق الأمر بالمسائل الجنائية أم بالمسائل الإدارية والمدنية باعتبار أن مفهوم السيادة والاستقلال يمنع خضوع الدولة لسلطة دولة أخرى مساوية لها، وإذا كان لا بد من خضوع الدولة الأجنبية لسلطة أو سلطان آخر فيجب أن يكون هذا الخضوع مرتبطاً مباشرة بسيادة القانون الدولي وبمبدأ التعايش السلمي والودي المشترك بين الدول، وبمعنى آخر تتمتع الدولة الأجنبية بسيادة مطلقة وبالتالي بحصانة مطلقة ما دامت خاضعة للقانون الدولي، وإذا ارتكبت أعمالاً غير مشروعة فالمسؤولية الدولية تترتب على الدولة المخالفة ويترتب بالتالي التعويض المناسب.

*و قد برزت حصانة الدولة القضائية باعتبارها حصانة مطلقة من خلال الحصانة القضائية التي يتمتع المبعوثون الدبلوماسيون بموجب المادة رقم 31 من اتفاقية فيينا لعام 1961 وذلك على الشكل التالي: -

1- أكدت هذه المادة على أن المبعوث الدبلوماسي يتمتع بحصانة قضائية جزائية مطلقة.

2- أكدت على حصانة قضائية مدنية وإدارية مطلقة على جميع الأعمال التي يقوم بها نيابة عن دولته وتدخل في أغراض البعثة أما الأعمال الخاصة بالمبعوث والتي لا تدخل في أغراض البعثة ولا يقوم بها نيابة عن دولته فلا تشملها الحصانة وبالتالي يخضع المبعوث للقضاء الوطني.
و من هذا المنطلق تصبح الحصانة القضائية المطلقة التي تتمتع بها البعثة الدبلوماسية وأعضاؤها بناء على المعيار أو المفهوم الوظيفي مدخلاً وركناً أساسياً لفهم حصانة الدولة القضائية المطلقة، باعتبار أن الاتفاقيات الدبلوماسي أكدت على أن البعثة بوصفها ممثلة للدولة تستمد حصانتها منها.

*حصانة الدولة وضمان حقوق الغير: -

*هناك طريقتين مفتوحتين أمام الفرد المتضرر:-

1- يمكن أن يلجأ إلى المحاكم الداخلية المعتمدة وهذا مكلف جداً ومشكوك فيه لأنه لن يتلق هذا الفرد معاملة عادلة من المحاكم التي تقاضي دولتها.

2- يمكن أن يتوجه الفرد إلى حكومته المباشرة مساعيها بحجة مبدأ الحماية الدبلوماسية ولكن الدولة ليست ملزمة قانونياً بممارسة حمايتها الدبلوماسية التي تخضع لاعتبارات سياسية وغيرها (و هذا ما أكدته لجنة القانون الدولي أن الدولة يجب أن تعتبر نفسها كسيد وحيد لتقرير ما إذا ستمنح حمايتها ولاية درجة ستمنحها، ومتى ستضع لها حداً أنها تملك في هذا المجال سلطة استنسابية حيث تخضع ممارستها في كل حالة للاعتبارات الأجنبية لا سيما ذات الطبيعة السياسية.

*هناك عدة نزاعات يمكن أن تنشأ بين أطراف القانون الدولي ويمكن ترتيبها على الشكل التالي:-

1- النزاعات التي تنشأ بين الدول حول مسائل دولية أو مسائل تكون الدولة طرفاً فيها في هذه الحالة من هو القضاء الصالح الذي ينظر بالنزاع إذا رفض القضاء الوطني هناك عدة وسائل سياسية منها: الضغط، الوساطة، قطع العلاقات الدبلوماسية والحرب ومنها الوسائل القانونية وهي إمكانية اللجوء إلى محكمة العدل الدولية المختصة بمقاضاة الدول فقط.

2- النزاعات التي تنشأ بين دولة أجنبية ومواطني دولة وطنية أو شركة أو مؤسسة في هذه الدولة فمن هو القضاء الصالح للنظر في هذه النزاعات، هل هو القضاء الوطني أم القضاء الأجنبي أم القضاء دولي آخر.

3- النزاعات التي تنشأ بين دولة ومنظمة دولية أو إقليمية ويشترك فيها طرف ثالث، دولة أو فرد أو شركة أو منظمة دولية أو إقليمية أخرى.

*أصل و تطور كلمة حصانات وامتيازات:-

- أصل كلمة حصانات وامتيازات: تشتق كلمة حصانة في اللغة الأجنبية وخاصة الفرنسية من اللغة اللاتينية من كلمة وجذرها (و تعني الإعفاء من أعباء معينة).

*ويقول روبير عن الحصانة في عدة معان وهي: -

1- إعفاء من عبء أو امتياز يمنح قانوناً لفئة معينة من الأشخاص.

2- الحصانة هي امتياز يمنح من الملك إلى مالك كبير أو إلى مؤسسة كنسية تقوم بمنح تصرف الوكلاء الملكيين في حقل هذا المالك الكبير.
ويلاحظ أن كلمة حصانة في اللغة الأجنبية تعود في أصل اشتقاقها لكلمة إعفاء ذات طابع مالي وضريبي.
وكلمة حصانة في القانون الروماني: هو الإعفاء من الأعباء البلدية ومن دفع الضرائب ومن القيام بالسخرة ومن إسكان الجنود.

*أما كلمة امتياز فهي تشتق من اللاتينية إلى عدة معان: (كما يقول روبير):-

كلمة امتياز: تعني امتيازاً أو ميزة أو التفضيل (أي أفضلية خاصة تمنح لفرد أو لفئة من الأفراد مع إمكانية التمتع بها خارج إطار القانون العام.

وكلمة امتياز من الناحية التاريخية: (تعني الحقوق والأفضليات الفخرية أو النفعية التي يملكها بعض الأشخاص بحكم نسبهم بالولادة ) أي النبلاء أو بحكم وظائفهم أو انخراطهم في بعض الهيئات من (اكليروس، وقضاة وأعضاء مختلف الحرفيات ) أو بعض المناطق (أقاليم الدولة).

- الكلمة المرادفة: تشتق من اللاتينية أي ميزة فخرية أو وضعية أو سلطة حصرية يملكها فرد أو جماعة وترتبط بممارسة وظيفة معينة و ذلك بالانتماء إلى طبقة اجتماعية أو حالة قانونية.
وما يتعلق بكلمة ضريبة وضرائب ( فهي مشتقة من اللاتينية وتعني حسب روبير:" الاقتطاع الذي تجريه الدولة على موارد الأفراد للمساعدة في تغطية الأعباء العامة".

- وكلمة حرمة (وهي مشتقة من اللاتينية (و تعني أن شيئاً غير قابل للانتهاك أو انه يستحيل انتهاكه أو خرقه ويرادف هذه الكلمة أي لا يمس ( أي مقدس بمعنى آخر) " حق مقدس لا ينتهك ".

*أما على صعيد اللغة العربية: فإن كلمة حصانات أو امتيازات أو ضرائب أو رسوم.
و هي تملك اشتقاقات لغوية عديدة: فالحصانة هي حالة الحصين، و الحصين هو المنيع أي من حصن، والحصن هو كل مكان محمي ومنيع، كلمة حصانة هي المنعة والمنعة هي القوة.

- امتياز: فهي تشتق من كلمة ميزة، أو أماز الشيء تعني فرزه عن غيره أي فضله على سواه، و امتاز امتيازاً أي انفصل عن غيره وانعزل.
كلمة حرمة: فهي تشتق من حرم، وحرم الشيء أي منعه إياه، وحرم عليه الأمر أي امتنع، وحرم الشيء أي جعله حراماً أي ممنوعاً واحرم أي كانت له ذمة أو حرمة لا تنتهك.
أما كلمة ضرائب، مفردها ضريبة و يرادفها الجزية، وفعل ضرب أي غرم أي ألزم بالأداء، و تغرم أي تحمل وتكلف الغرامة، وضرب ضرباً الجزية عليهم أي أوجبها، وضرب عليهم الذلة أي أذلهم.

*مفهوم نظام الأمان الإسلامي:-

*البند الأول: الأمان كأساس للحصانات والامتيازات الدبلوماسية العربية الإسلامية، منذ التاريخ كانت الحاجة إلى الاتصال والاحتكاك والتفاوض كانت قد فرضت إقرار ومنح حصانة للرسل، والمبعوثين مع مرور الزمن تطورت الممارسة الدبلوماسية تحولت إلى هالة قدسية بشخص المبعوث حيث لا يجوز العرض له و انتهاك حرمته، وعلى هذا الأساس اعتبرت الحصانة مقدسة لا يجوز المس بها، فالسفير يعتبر كالملاك الذي يخدم كرسول بين السماء و الأرض و كان تاريخياً قتل السفير يؤدي غالباً إلى إنهاك الحرب و إلى إقامة التماثيل لمن قتل دبلوماسيين كما أن يحدث في الإمبراطورية الرومانية.

يتبع >[line]
  #19  
قديم 14-01-2007, 07:01 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

* بالنسبة للبلاد العربية – الإسلامية: -

1- مارست الدول العربية الإسلامية مبدأ الحصانات من البداية على قاعدة عرفية استمدتها من التراث العربي القديم وأكدتها الشريعة الإسلامية وأقرتها قاعدة أخرى شكلت المفهوم العام للعلاقات الدولية والدبلوماسية الإسلامية.

2- حيث ساعدت على نمو و تطور علاقة الدولة الإسلامية مع الدول والشعوب والأقوام عاملة على إرساء قواعد في التعامل الدولي والتبادل الدبلوماسي انطلاقاً من مفهوم السلام والوئام والتعاهد والمودة وذلك من خلال تطبيقها لمبادئ العدل، والإنصاف والمساواة ومبدأ المعاملة بالمثل ومبدأ الحماية بكل أشكالها وأنواعها سواء أكان على صعيد مبدأ اللجوء أو مبدأ المعاملة بالمثل و مبدأ الحماية بكل أشكالها وأنواعها، سواء أكان على صعيد مبدأ اللجوء أو مبدأ الحصانة الدولية و الدبلوماسية.

3- لقد عرف العرب قبل الإسلام حصانة بيت الحرام و عرفوا عقد المؤتمرات والأحلاف لا سيما حلف الفضول كان لنصرة وحماية المظلوم إذا ظلم كما دفع العرب الظلم والجور ونبذوا الخضوع والمذلة حيث نمت وتوسعت علاقات الدولة الإسلامية مع غيرها في جميع المجاملات الاقتصادية والتجارية والثقافية والعلمية.

4- احترمت البلاد العربية مبدأ الحصانة الدولية والدبلوماسية واستنبطت من أحكام الشرع والفقه والاجتهاد نظرية أو مفهوماً أصيلاً للحصانات والامتيازات.

*ما هو مفهوم الأمان وما هو نظامه و ما هي المبادئ والقواعد التي قام عليها ؟؟
تشتق كلمة أمان من أمن ومعناها اطمأن وعاهد وسلم وحصن من حصين أي المنيع والمحمي.

*نظام الأمان:-

فهناك الأمان المؤيد الدائم الذي يستفيد من أهل الذمة، وأهل العهد، وأهل لحصن أي الأمان الدبلوماسي و هناك الأمان المؤقتة الذي يستفيد منه أهل الحرب والمستأمنون والأمان العرفي، أو العادي الذي ينقسم إلى أمان عام، أو أمان رسمي وأمان خاص أي أمن غير رسمي، و هناك الأمان الاتفاقي أو الأمان الموادع، وهناك الأمان الداخلي الذي يشمل جميع هذه الأشكال والأمان الخارجي الذي يمنحه المسلم خارج دار الإسلام في علاقاته مع غير المسلمين جاء أرض المسلمين طلباً للحماية في حقن بذلك دمه ويحميه من اعتداء الغير عليه.
يقول محمصاني: عن مفهوم الأمان، هو نوع من عقد يسمح فيه لغير المسلم أن يدخل دار الإسلام ويبقى فيها آمناً على نفسه وماله ليسمع كلام الله، مما يعني انه عقد مشروط يتضمن إمكانية فسخه أو إلغائه، الآية تقول في سورة التوبة:"وإن أحد من المشركين استجارك فأجره " فهذا التعريف ينطبق على بعض الأشخاص غير المسلمين الذين يلجأون لدار الإسلام طلباً للحماية، بما يتعلق فقط بمفهوم اللجوء الديني و السياسي.

*البند الثاني: أمان غير المسلمين أنواع الأمان التي يستفيد منها غير المسلمين: -

1- أمان أهل الذمة: أهل الكتاب هم أهل الذمة الذين يحصلون على أمان مؤيد و إقامة دائمة مقابل دفع الجزية حتى يكسبون حماية الشريعة الإسلامية ( أي خضوعهم للشريعة الإسلامية بهدف حماية أنفسهم وأسرهم وأموالهم مقابل دفع الجزية سنوياً وهذا الأمن هو التزام أبدي غير قابل للنقص أو النقض من جانب الدولة الإسلامية.
يقول محمصاني ينهي بأحد الأمور الثلاثة، الدخول في الإسلام، أو التحالف بدار الحرب أو التمرد على المسلمين.

2- أمان أهل العنوة أو المستأمنون:-

هم أهل الحرب أو أهل العنوة أو أهل الشرك أو المخالفون، هم المحاربون الذين لا يستطيعون دخول دار الإسلام بغير أمان عرفي أو اتفاقي بموجب الأمان العرفي أو العادي تكتسب فئة المستأمنين من أهل الحرب أو أهل الشرك أماناً عاماً أو خاصاً فالأمان العام هو الذي يمنحه الإمام أو من يفوضه عنه لمصلحة مدنية أو قلعة والأمان الخاص هو الذي يمنح الفرد أو لعدد محدود من الأفراد (و يجد الخاص و العام أساسه القانون إذا ينتهي الأمان بانتهاء مدته أو نقضه من أحد الطرفين أو بارتكاب أعمال مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية.
أما بموجب الأمان الاتفاقي أمام مفهوم الموادعة و الموادعين من أهل الحرب الذين يمنحون الأمان الذي يترتب على المعاهدة والمسالمة والمصالحة على ترك القتال لقاء دفع مال أو بدونه ويشمل هذا الأمان الشخص وأمواله وأسره و إلى جانب الموادعة هناك المهادنة التي هي نوع من الهدنة ترمي إلى وقف القتال مؤقتاً.
و تعني كلمة موادعة أو توادع تعني حسب لسان العرب "شبه مصالحة و تصالح والوديع تعني العهد و كلمة توادع القوم أي أعطى بعضهم عهداً وكله من المصالحة و كلمة موادعة تعني الهدنة، والتالي تنتهي الموادعة أو المهادنة بنبذها من قبل المسلمين في حال الخيانة أو نقضها أو نكثها من الجانب الآخر.

3- أهل العهد: -

و هم أهل الميثاق وأهل العهد الذين يعتبرون أهل دار الصلح في حال نشأت هذه الدار عن دار الحرب وبالتالي توقف القتال، في هذه الحالة يصبحون مثل أهل الموادعة إذا اعتزلوا القتال مؤقتاً حيث يدفعون الجزية مقابل الصلح، إذ يجوز دفع المال، أما إذا كانوا أهل الحياد حيث لم يشتركوا في قتال أو يساعدوا في عدوان بل حافظوا على حيادهم إزاء الطرفين فالشريعة الإسلامية تمنحهم الحماية والأمان إذا دخلوا دار الإسلام شرط التقيد بأحكامها، وهذا الأمان هو أمان دائم طالما هم محافظون على حيادهم ونعتقد بأنهم غير خاضعين لدفع مال أو جزية.

4- أمان أهل المتعة أو الأمان الدبلوماسي: -

هم أهل المنعة أو أهل الحصن، وهم جماعة الرسل والمبعوثين الدبلوماسيين الذين يتمتعون بنظام أمام مؤيد ومستديم سواء أكانوا مبعوثين من دار الإسلام أم من دار الحرب أم من دار العهد أو الصلح أو الحياد، وعن هذا النظام ينشأ مبدأ الحصانة الدبلوماسية التي أقرتها الشريعة في دائرة الحصانات الممنوحة للأشخاص العاديين من الأقاليم الأخرى المعادية أو المسالمة ووضعت الممثلين الدبلوماسيين في منزلة أرفع من الأشخاص الآخرين ومنحتهم من أتباعهم منعة و حرمة شخصية و حصانة في المسائل الجنائية ومن الإعفاءات المالية ومن ضرائب ومكوس ورسوم.
و من مفهوم الأمان انبثقت الحصانات و الامتيازات الدولية والدبلوماسية و كان النبي محمد ( أول من طبق الأمان) وأقر مبدأ المنعة الشخصية للسفراء أو المبعوثين لقد كان الفقهاء العرب أول من طرح بعض القواعد والأسس النظرية التي تفسر منح حصانات و امتيازات دبلوماسية والتي ارتبطت بمفهوم الولاية والخلافة والدولة.

*مقومات نظرية الصفة التمثيلية و يمكن أن تنشأ عن هذه النظرية عدة نظريات: -

1- إن نظرية الحصانة ارتكزت على كرامة الدولة أو الأمير الذي يمثل السفير، فكل هجوم يجري ضد السفير يعتبر كاعتداء على الكرامة الشخصية للسيد الذي يرسله.
تاريخياً ارتبط مبدأ اللجوء بالحصانة ودخل في نظام التابو، حيث كانت مقابر الشيوخ والقبائل والأجداد وما جاورها من الهياكل و المعابد و الممتلكات بعض القبائل ومنازل شيوخ القوم مكاناً آمناً لمن يلجأ إليها، لقد كان مبدأ السيادة الدولة واستقلالها ومبدأ المساواة والاحترام الكامل لهذه الدولة تتجسد في الحاكم بوصفه المجسد لهذه الدولة، وبالتالي لا تتحقق هذه المبادئ على صعيد العلاقات الدولية إلا بإرادته ويعتبر فوشي أكبر المدافعين عن الصفة التمثيلية، عن سبب وجود الحصانات هو الصفة التمثيلية للمبعوثين أي ضرورة الاستقلال اللازم لممارسة مهامهم وتجنب كل تعد على الكرامة المتبادلة للأمم ويجب بطريقة عامة القبول ببدء سريانها منذ يوم تكليفه وحتى وقت توقفه عن وظائفه ماعدا حالة التنازل، لقد ربط فوشي الصفة التمثيلية بضرورة الاستقلال والمصلحة المتبادلة للأمم ويقول على الوزير العام (السفير) ان يدعم بقوة وإخلاص مطالب ومصالح الدولة التي فوضته وان يكون لسانه حراً.

*نظرية امتداد الأقاليم: -

يقول كاييه حول هذه النظرية: من سلطة الحاكم الإقليمية بنوع من الوهم، حيث يعتبر الموظف الدبلوماسي بأنه لم يغادر أبداً إقليم دولته، ويمارس وظائفه الدبلوماسية لدى الدولة المبعوث لديها وكأنه في بلده الخاص، أي انه موجود جسدياً على أرض الدولة المعتمد لديها وقانونياً غائباً عنها، وبالتالي تؤدي هذه النظرية إلى اعتبار أن السفارة يفترض بها أن تعتبر كجزء من الأقاليم الوطنية، وإقليم الدولة الموفدة، يعتبر السفير إذن كأنه لم يغادر دولته و أن إقامته في الدولة التي يباشر فيها مهمته هي في حكم الامتداد لإقامته في موطنه وبعبارة أخرى (يعتبر مقر البعثة الدبلوماسية الذي يقوم فيه بأعمال وظيفته كامتداد لإقليم الدولة التي يمثلها السفير، ومن هنا أتت تسمية نظرية امتداد الإقليم.

*ما يؤكده تاريخ العلاقات الدبلوماسية:-

حيث كانت الممارسة الدبلوماسية تفضي بإرسال المبعوثين الدبلوماسيين وإعفائهم من الضرائب والرسوم إلى جانب تمتعهم بالحصانة الشخصية لقد كان الدول المضيفة تتكفل بنفقات البعثات الدبلوماسية الأجنبية تدليلاً على تكريمها وحسن فادتها لها كما كانت بعض المجتمعات تسمح للبعثات الدبلوماسية بممارسة التجارة من أجل تغطية نفقات البعثة في حال لم تتكفل الدولة المضيفة أو المعتمدة بهذه النفقات.

- مقومات ضرورات الوظيفة تمنح الحصانات و الامتيازات من أجل تسهيل عمل أو وظائف البعث ممثلة لشخص القانون الدولي كانت دولة أم منظمة دولية، وبهدف تحقيق مبدأ المساواة في السيادة ورفض مبدأ الخضوع والإذعان الذي يجب أن لا يسود في العلاقات الدبلوماسية و أخيراً يسمح هذا التعايش لثلاثة معاييره المعيار الوظيفي ومعيار السيادة ومعيار المعاملة وبالتالي تصبح هذه المعايير المترابطة مع بعضها البعض أساساً صالحاً لتفسير جميع أشكال الحصانات و الامتيازات والتي تمنح لأشخاص يمارسون العمل الدبلوماسي وهم من خارج السلك الدائم مثل رؤساء الدول و وزرائها.

*حصانة البعثة: -

في ضوء أحكام ومبادئ اتفاقية فيينا لعام1961: -

1- حصانة المقرات: -

أن جميع هذه الأماكن والمقرات سواء أكنت مملوكة أم مستأجرة تشملها الحصانة التي تهدف إلى ضمان الأداء الفعال لوظائف البعثة وتأمين استقلال عمل الموظفين الدبلوماسيين واحترام سيادة الدولة المعتمدة بالرجوع لأحكام اتفاقية فيينا:-
تتمتع شخصية كبيرة وبحماية خاصة تفرض اتخاذ التدابير اللازمة من قبل الدولة المعتمد لديها وكما تمنع هذه الحرمة التعرض لهذه المقرات لأسباب حسب اتفاقية فيينا ورقم مادة 22:-

1- تكون حرمة مقرات البعثة مصونة، ولا يجوز لمأموري الدولة المعتمد لديها دخولها إلا برضى رئيس البعثة.

2- يترتب على الدولة المعتمد لديها التزام خاص باتخاذ جميع التدابير المناسبة لحماية دار البعثة من أي اقتحام أو ضرر ومنع أي إخلال بأمن البعثة أو مساس بكرامتها.

3- تعفى دار البعثة وأثاثها وأموالها الأخرى الموجودة فيها و وسائل النقل التابعة لها من إجراءات التفتيش أو الاستيلاء أو الحجز أو التنفيذ.

*في حالة قطع العلاقات الدبلوماسية بين دولتين أو الاستدعاء المؤقت أو الدائم لإحدى البعثات الأحكام التالية: -

1- يجب على الدولة المعتمد لديها حتى في وجود نزاع مسلح احترام و حماية دار البعثة وكذلك أموالها ومحفوظاتها.
2- يجوز للدولة المعتمد أن تعهد بحماية مصالحها ومصالح مواطنيها إلى دولة ثالثة تقبل لها الدولة المعتمد لديها.
3- يجوز للدولة المعتمدة أن تعهد بحراسة دار البعثة وكذلك أموالها ومحفوظاتها إلى دولة ثالث تقبل بها الدولة المعتمد لديها.
2- حصانة المحفوظات والوثائق: -

تشمل حصانة البعثة الدبلوماسية حرمة محفوظاتها وأوراقها الرسمية إذ لا يجوز تفتيشها أو مصادرتها أو التعرض لها مهما كانت الأسباب والذرائع وأنى وجدت كما يجب على رئيس البعثة اتخاذ جميع تدابير الحيطة والحذر للحؤول دون معرفة أسرار هذه المحفوظات والوثائق وكشف محتوياتها بحيث تكون بعيدة عن متناول الغير خاصة الدولة المعتمد لديها، وبالتالي تفترض حصانة هذه المحفوظات احترام سريتها وعدم سرقتها والمساس بها أن وجدت بمعزل عن حصانة مقرات البعثة.
و اقترح القانون الدولي لمؤتمر فيينا لعام 1961 بأن تكون المحفوظات والوثائق حصانة مستقلة وقائمة بذاتها و مصونة دائماً و أياً كان مكانها.

*حصانة الاتصالات والمراسلات والحقيبة الدبلوماسية: -

تفرض أحكام اتفاقية فيينا احترام حرية هذه الاتصالات والمراسلات التي تجريها البعثة الدبلوماسية مع غيرها، و الحفاظ على سريتها و العمل على تقديم جميع التسهيلات التي من شأنها مساعدة البعثة القيام بوظائفها على أكمل وجه وذلك بالسماح للبعثة الدبلوماسية أن تستخدم جميع الوسائل المناسبة لتأمين اتصالاتها ومراسلاتها ولكن يجب أن تكون هذه الوسائل مشروعة و غير مخالفة لتشريعات الدولة المعتمد لديها.

*تؤكد أحكام المادة 27 من اتفاقية فيينا لعام 1961 تنص على:-

1- تجيز الدولة المعتمد لديها البعثة حرية الاتصال لجميع الأغراض الرسمية و تصون هذه الحرية وان تستخدم جميع الوسائل المناسبة بما في ذلك الرسل الدبلوماسيين والرسائل المرسلة بالرموز و الشفرة و لا يجوز للبعثة تركيب أو استخدام جهاز إرسال لاسلكي إلا برضى الدولة المعتمد لديها.

2- أن تكون حرمة المراسلات الرسمية للبعثة مصونة، و يقصد بها بالمراسلات الرسمية جميع المراسلات المتعلقة بالبعثة ووظائفها. [line]
تاريـخ الدبلوماســـية (7)

* حصانة الحقيبة الدبلوماسية:-

- تحظر المادة رقم 27 ( لا يجوز أن تحتوي الحقيبة الدبلوماسية إلا الوثائق و المواد المعدة للاستعمال الرسمي الفقرة الثالثة تقول إنه لا يجوز فتح الحقيبة الدبلوماسية وحجزها.
- بل يمكن أن تلجأ السلطات إلى مراقبة الحقيبة والتأكد من أنها لا تحتوي مواد محظورة بإخضاعها لجهاز أشعة الالكتروني دون فتحها أو تفتيشها ودون المساس بحرمتها و حصانتها و هذه المادة رقم 27 تحظر إخضاع الحقيبة لتصوير الكتروني خارجي.
- وإذا تبين أن الحقيبة الدبلوماسية تحتوي على مواد ممنوعة ومحظورة وأن الحقيبة الدبلوماسية أسيء استعمالها فبإمكان السلطات المحلية أن تطلب سحب الحقبة الدبلوماسية وإعادتها إلى الجهة التي أتت منها، و بإمكانها أيضاً أن تقدم احتجاجاً للدولة المعتمدة أو أن تطلب استدعاء المبعوث الدبلوماسي واعتباره شخصاً غير مرغوب فيه وهذه الإجراءات تحبب الدولة المعتمد لديها التعرض للحقيبة الدبلوماسية أو للرسل الدبلوماسيين من حجز أو اعتقال أو ما شابه.
وأخيراً فإن حصانة الاتصالات والمراسلات الدبلوماسية والحقائب والرسل الدبلوماسيين تعتبر حصانة مطلقة وهي تمتد إلى داخل إقليم الدولة المعتمد لديها و إلى الدولة الثالثة التي تمر بها هذه المراسلات والاتصالات حتى و إن كانت القوة القاهرة التي أوجدت في إقليمها الأشخاص والمراسلات الرسمية والحقائب الدبلوماسية.

*حق اللجوء الدبلوماسي - (الملجأ الدبلوماسي ):
يقول د.آمر الله أن كلمة ملجأ أطلقت على الأماكن التي كان يحتمي بها المدنيون والمجرمون ضد ملاحقة السلطة أو انتقام الخصوم.
كلمة ملجأ في اللغة اللاتينية ترجع إلى الأصل الإغريقي أي ما لا يجوز انتهاكه أو الاعتداء عليه لما له من حرمة، و المكان أو الإقليم الذي يجد فيه الشخص الحماية من خطر يلاحقه أو الحماية ذاتها التي يلقاها الشخص في ذلك المكان.
و على صعيد القانون الدولي:- يقول د.آمر الله الملجأ كمفهوم هو حماية قانونية ذات طابع مؤقت تمنحها دولة تسمى (دولة الملجأ) سواء في داخل إقليمها المادي أو في أماكن معينة تقع خارجه، الأجنبي تتوافر فيه صفة لاجئ في نظر القانون الدولي و ذلك في مواجهة أعمال دولة أخرى (تسمى الدولة الأصلية، أو دولة الاضطهاد).

*يجب التمييز بين الملجأ الإقليمي والملجأ الدبلوماسي: -
الملجأ الإقليمي: هو الذي تمنحه الدولة داخل إقليمها الملموس، وتوجد صورة أخرى من الملجأ تمنحه الدولة في مكان يقع خارج نطاق اختصاصها الإقليمي و نعني بذلك الملجأ الذي تمنحه الدول داخل سفاراتها وأحياناً قنصلياتها وعلى ظهر سفنها الحربية وطائراتها العسكرية الموجودة في الخارج.
و الملجأ الدبلوماسي: - الذي تمارسه بعثاتها في الخارج بأشكال مختلفة خاصة بعد أن اعتمدت نظرية امتداد الإقليم أساساً للحصانات والامتيازات الدبلوماسية.
و امتدت هذه الحصانة إلى الحي الذي تقع فيه السفارة حيث نشأ منذ القرن السادس عشر ما يعرف بحصانة الأحياء، التي يحظر الدخول إليها كما يحظر الدخول إلى مقرات البعثات إلا بعد أخذ موافقة البعثة الدبلوماسية.

*إن حصانة مقرات و محتويات وأموال ومحفوظات ووثائق البعثات الدبلوماسية هي بشكل عام مطلقة ولا يمكن للسلطات المحلية دخول المقرات دون رضا رئيس البعثة الدبلوماسية وإلا ارتكبت الدولة المعتمد لديها عملاً غير مشروع ومخالفاً لأحكام القانون الدبلوماسي ويرتب مسؤوليتها الدولية.

* ويمكن إيجاز هذه الحصانة المطلقة للمقرات الدبلوماسية على الشكل التالي:-
1- ـ لا يجوز لسلطات الدولة المعتمد لديها دخول مقرات البعثة الدبلوماسية إلا برضا رئيس البعثة حتى في الحالات الاستثنائية أي حالة الضرورة القصوى.
2- ـ تقوم الدولة المعتمد لديها بحماية خاصة للمقرات ضد أي اقتحام أو إلحاق الضرر ومنع أي إخلال بأمن البعثة والاعتداء عليها أو المساس بكرامتها.
3- ـ لا يجوز إجراء تفتيش أو الاستيلاء أو حجز أو التنفيذ أو مصادرة أي شيء من مقرات البعثة وأثاثها وأموالها ووسائل النقل التابعة لها.
4- ـ لا يجوز تبليغ هذه المقرات أية أوراق رسمية كإنذار رسمي أو إعلان أو رسالة إلا بواسطة وزارة الخارجية.
5- ـ في حالة استملاك أجزاء من مقرات البعثة لصالح الدولة المعتمد لديها يهدف تنفيذ مشروع عام يجب التعاون ودفع تعويض مناسب مقابل هذا الاستملاك من أجل المنفعة العامة.
6- ـ لا يجوز الاستمرار في منح الملجأ الدبلوماسي في مقرات البعثة، حيث يتوجب على البعثة تسليم اللاجئ المتهم بجريمة عادية للسلطات المحلية مباشرة، والعمل على إنهاء منح الملجأ للاجئ السياسي، على اعتبار منح الملجأ الدبلوماسي ليس من اختصاص البعثات الدبلوماسية بل من حق الدولة المعتمد لديها المطالبة بتسليمها هؤلاء اللاجئين السياسيين وفي حال رفض تسليمهم لا يحق للدولة المعتمد لديها الدخول عنوة، وبالقوة القبض عليهم بل اللجوء إلى استخدام وسائل أخرى تنهى بها منح الملجأ الدبلوماسي وتقبض على اللاجئ السياسي.
7- ـ تبقى حصانات البعثة الدبلوماسية سارية حتى في حالة وجود نزاع مسلح أو حالة قطع العلاقات الدبلوماسية بما فيها المحفوظات والوثائق.

يتبع >[line]
  #20  
قديم 14-01-2007, 07:05 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

*الحصانة القضائية للبعثة: -

1- ـ تعتبر هذه الحصانة نوعاً من عدم خضوع البعثة لسلطان الدولة الوطنية (المعتمد لديها) ولا يمكن مقاضاتها بأية صورة من الصور ما دامت الدولة المعتمدة لم تتناول عن هذه الحصانة الدبلوماسية.
2- ـ تشمل حصانة البعثة القضائية جميع الأعمال التي تتعلق بوظائفها التي يقرها القانون الدولي والتعامل الدبلوماسي وهي بنية مفتوحة ترتبط بتطور العلاقات الدولية و الدبلوماسية.
3- ـ كما نصت المادة رقم 3 من الاتفاقية على وظائف التمثيل والحماية والتفاوض واستطلاع الأحوال بالوسائل المشروعة وتعزيز العلاقات بين الدول ومباشرة الوظائف القنصلية كما تستطيع البعثة أن تقوم بوظائف رعاية المصالح لدولة ثالثة حسب المادة رقم 45 كما يحق لها تمثيل عدة دول، وتمثل الدولة المعتمدة لدى منظمة دولية حسب المادة رقم (5، 6 ).
يعتبر كاييه أن الحصانة القضائية هي معاملة خاصة ممنوحة لبعض الأشخاص كالدبلوماسيين مثلاً، بهدف السماح لهم بأداء وظائفهم بكل حرية، وبفضل هذه المعاملة الخاصة يتملص هؤلاء الأشخاص من عقوبات القانون، وأن فكرة هذه الحصانة القضائية يجب أن تتميز عن فكرة صلاحية المحاكم المحلية وتدوم الحصانة القضائية بقدر ما يدوم السبب الذي من أجله منحت هذه الحصانة فهي مؤقتة وعلى عكس عدم قبول الدعوى وعدم صلاحية المحاكم التي هي دائمة.
في حال أقدمت البعثة على أعمال غير مشروعة أو أعمال غير مخالفة لوظائفها و واجباتها أو خالفت تعهداتها والتزاماتها العقدية من الغير أو من أفراد ومؤسسات من المؤكد أن أية دولة لا يحق مقاضاة دولة أخرى مساوية لها في السيادة والمساواة.

*امتيازات البعثة المالية: -

1- ـ إعفاء مقرات البعثات الدبلوماسية كما نصت المادة رقم 23 من اتفاقيته فيينا عام 1961 على الشكل التالي: -
أ- تعفى الدولة المعتمدة ويعفى رئيس البعثة بالنسبة إلى مرافق البعثة المملوكة والمستأجرة من جميع الرسوم والضرائب القومية والإقليمية والبلدية ما لم تكن مقابل خدمات معينة.
ب- لا يسري الإعفاء المنصوص عليه في هذه المادة على تلك الرسوم والضرائب الواجبة بموجب قوانين الدولة المعتمد لديها على المتعاقدين مع الدولة المعتمدة أو مع رئيس البعثة.

*إن هذه المادة تؤكد على عدة أمور هي: -

1- ـ تعفى مقرات البعثة من جميع الرسوم و الضرائب متى كانت هذه المقرات مملوكة من قبل الدولة المعتمدة أو من قبل رئيس بعثتها شرطان تكون لحساب أو لصالح دولته لاستخدامها في أغراض البعثة والتي خصت على استثناء المبعوث الدبلوماسي من الإعفاء من الرسوم والضرائب المفروضة على الأموال العقارية الخاصة الكائنة في إقليم الدولة المعتمد لديها، ما لم تكن في حيازته بالنيابة عن الدولة المعتمدة لاستخدامها في أغراض في البعثة.
2- ـ نصت المادة رقم 23 على أن المقرات (أي المرافق أو الأماكن ) المملوكة أو المستأجرة وهو أنه من الممكن أن لا تكون مقرات البعثة مملوكة بل مستأجرة من قبل دولتها و هذا يعود لعدة أسباب منها اقتصادية وغيرها حيث من المحتمل أن يكون هناك قوانين محلية تلزم المستأجرة بدفع الرسوم والضرائب دون المالك ففي هذه الحالة تعفى الدولة المعتمدة والمستأجرة لهذه المقرات من هذه الضرائب وبالتالي فلا يمكن لمالك أن يتهرب من دفعها وإجبار البعثة على تحملها.
3- ـ أن البعثة التي تملك عقاراً وتؤجره إلى الغير، لا تعفى من الضريبة العقارية في هذه الحالة بل يتوجب عليها دفع جميع الرسوم والضرائب المفروضة.
4- ـ أكدت الاتفاقية على إعفاء مقرات البعثات المملوكة والمستأجرة من جميع الرسوم والضرائب العامة القومية والإقليمية والبلدية وبالتالي لا يحق للدول المركبة الاتحادية أو الكونفدرالية أو المتحدة فرض ضريبة عقارية بحجة إن بعض دولها المتحدة تلزم مثل هذه الضرائب وذلك تقريراً لمبدأ استحالة تحصيل الضريبة جبراً في حال رفضت البعثة الدبلوماسية دفعها أو أدائها لتمتعها بحصانة شخصية وحصانة تنفيذية.
5- ـ أن هذا الإعفاء من الرسوم والضرائب الذي نصت المادة رقم 23 لا يشمل البعثة ومقراتها حتى كان ذلك مقابل خدمات خاصة معينة تنتفع بها البعثة كتوريد الكهرباء وتمديدات المياه، ورفع النفايات فهذه الخدمات التي تتطلبها البعثة تلتزم بها ولا تعفى من الرسوم والضرائب المفروضة عليها.
6- ـ إن الأشخاص الذين يتعاقدون بصفة خاصة مع البعثة أو رئيسها بهدف تحقيق أرباح من تعاملهم مع البعثة وتهربهم من الضرائب لا يشملهم الإعفاء المالي بل يتوجب عليهم دفع الضريبة والرسوم المتوجبة وذلك لانتفاء الصفة الدبلوماسية عنهم، خاصة ضريبة البيع المفروضة أو ضريبة الإيجار على العقار الذي تستأجره البعثة وكانت هذه الضريبة تستوفى من المالك فلا يحق في هذه الحالة الأخيرة أن يتهرب المالك من دفع الضريبة بحجة أن عقاره مؤجر لبعثة دبلوماسية، و هذا ما نصت عليه المادة رقم 23.

*إعفاء مواد أو أمتعة البعثة: على صعيد الضرائب المباشرة وغير المباشرة التي تتمتع بها البعثات الدبلوماسية فقد نصت المادة رقم 28 على أنه تعفى الرسوم والعائدات التي تتقاضها البعثة أثناء قيامها بأعمالها الرسمية جميع الرسوم والضرائب.

*ويشمل هذا الإعفاء من الضرائب المباشرة، العائدات أو المداخيل التي تجبيها البعثة من منح سمات الدخول للرعايا الأجانب وما يشابه ذلك من رسوم تجديد أو تمديد جوازات السفر لرعايا الدولة المعتمدة أو من رسوم تجبيها البعثة من جراء عمليات تصديق شهادات الرسمية وإفادات الولادات و الوفيات بالإضافة إلى إعفاء البعثة من دفع الرسوم و الطوابع البريدية وغيرها

*بالنسبة للضرائب غير المباشرة: فهي تدخل في ثمن البضائع التي تشتريها البعثة والمتضمنة ضريبة القيمة المضافة أو ضرائب الكماليات، فهذه البضائع التي تشتريها البعثة تعفى من الضريبة شرط أن يكون شراؤها بالجملة وليس بالمفرق وتستخدمها في أغراضها وتعفى البعثة من هذه الضريبة غير المباشرة التي تدخل في باب التسهيلات الممنوحة للبعثة على أساس المعاملة بالمثل.
و يشمل الإعفاء: الرسوم السنوية المفروضة على السيارات وعلى المحروقات ورسوم الطوابع بالإضافة إلى الإعفاء من القيود المفروضة على معدلات القطع الأجنبي ومراقبته ففي هذه الحالة لا تخضع البعثة إلى هذه القيود تسهيلاً لعملها، إلى جانب إعفائها من الرسوم المفروضة على أجهزة الراديو والتلفزيون والاتصالات اللاسلكية.

*أما بالنسبة للإعفاءات الجمركية:

1- ـ فقد أكدت اتفاقية فيينا على إعفاء البعثات الدبلوماسية من دفع رسوم الجمارك بالنسبة للبضائع التي تستوردها أو تصدرها البعثات والتي تستخدم في أغراض البعثة الرسمية.
أ- المواد المعدة لاستعمال البعثة الرسمية.
ب- المواد المعدة للاستعمال الخاص للمبعوث الدبلوماسي أو لأفراد أسرته من أهل بيته بما في ذلك المواد المعدة لاستقراره حسب رأي فايتل.
2- ـ تعفى الأمتعة الشخصية للمبعوث الدبلوماسي من التفتيش أو مواد يحظر القانون استيرادها أو تصديرها أو مواد تخضع لأنظمة الحجر الصحي في الدولة المعتمد لديها و لا يجوز إجراء التفتيش إلا بحضور المبعوث الدبلوماسي أو ممثلة المفوض.
3- ـ بالنسبة لتكاليف التخزين والنقل والخدمات لا يشملها الإعفاء من الرسوم و الضرائب ويتوجب على البعثة الدبلوماسية دفع الضريبة المتوجبة.

*حصانات أعضاء البعثة:-

*الفقرة الأولى: الحصانات الشخصية للمبعوث الدبلوماسي:-

1- ـ الحرمة الشخصية: تنص اتفاقية فيينا لعام 1961 في مادتها رقم 29.
على أن تكون حرمة شخص المبعوث الدبلوماسي مصونة ولا يجوز إخضاعه لأية صورة من صور القبض أو الاعتقال ويجب على الدولة المعتمد لديها معاملته بالاحترام اللائق واتخاذ جميع التدابير المناسبة لمنع أي اعتداء على شخصه أو حريته أو كرامته.

*لا يجوز إخضاعه لأية صور من صور القبض أو الاعتقال للأسباب التالية: -
1- ـ إن الحالات الاستثنائية التي يستند إليها د. هاييف وكاييه بناء على ممارسته الدول في حال أقدم المبعوث على ارتكاب أعمال غير مشروعة ومخالفة لواجباته.
2- ـ في حالة الدفاع الشرعي عن النفس أو حالة الخطر الداهم الذي يستدعي وضع المبعوث الدبلوماسي تحت المراقبة أو الحراسة أو أية صورة من صور الاعتقال فإننا نعتبر أن الدولة المعتمد لديها المبعوث ليس باستطاعتها أن تضع المبعوث بعد إعلانه شخصاً غير مرغوب فيه تحت المراقبة والحراسة و الإمساك به وهكذا يبدو أن حماية المبعوث الدبلوماسي هي حماية مطلقة فلا يجوز التعرض له أو الاعتداء عليه مهما كانت الظروف والأسباب وتبقى هذه الحماية سارية المفعول حتى في حالة وجود نزاع مسلح أو حالة قطع العلاقات الدبلوماسية.

*البند الثاني: - حرمة السكن والمستندات والأموال.

نصت اتفاقية فيينا على إن الحصانة الشخصية تمتد إلى سكن المبعوث والى أمتعته الخاصة وأغراضه من مستندات و وثائق ومراسلات وأمواله المنقول الأخرى كالسكن المؤقت السياحي والسيارة، وحسابه المصرفي و راتبه كل هذه الأمور تتمتع بحرمة وحصانة شخصية، فلا يجوز التعرض لها من حجر وتفتيش واستيلاء إنما تجب صيانتها وحمايتها دون أي انتهاك من جانب السلطات العامة أو من جانب أي شخص آخر.

*الحصانة القضائية للمبعوث الدبلوماسي:-

1- ـ يتمتع ممثلو الدولة الموفدة في البعثة الخاصة وموظفوها الدبلوماسيون بالحصانة من القضاء الجنائي للدولة المستقبلة.
2- ـ يتمتعون كذلك بالحصانة من قضاء الدولة المستقبلة المدني و الإداري إلا في الحالات الآتية: -
أ- الدعاوى العينية المتعلقة بالأموال العقارية الخاصة الكائنة في إقليم الدولة المستقبلة.
ب- الدعاوى التي تتعلق بشؤون الإرث والتركات و يدخل الشخص المعني فيها بوصفه متنفذاً أو مديراً أو وريثاً أو موصى له.
ت- الدعاوى المتعلق بأي نشاط مهني أو تجاري يمارسه الشخص المعني في الدولة المستقبلة خارج وظائفه الرسمية.
ث- الدعاوى المتعلقة بالتعويض عن الأضرار الناشئة عن حادث سببه مركبه مستعملة خارج وظائف الشخص المعني الرسمية.
3- ـ لا يلزم ممثلو الدولة الموفدة في البعثة الخاصة وموظفوها الدبلوماسيين بأداء الشهادة.
4- ـ لا يجوز اتخاذ أية إجراءات تنفيذية إزاء أحد ممثلي الدولة الموفدة في البعثة الخاصة أو أحد موظفيها الدبلوماسيين إلا في الحالات المنصوص عليها في البنود( أ و ب و ج ) و بشرط اتخاذ تلك الإجراءات دون المساس بحرمة شخصه أو مسكنه.
5- ـ تمتع ممثلي الدولة الموفدة في البعثة الخاصة وموظفيها الدبلوماسيين بالحصانة القضائية لا يعفيهم من قضاء الدولة الموفدة.

*الإعفاء من أداء الشهادة: -

1- ـ تعتبر مسألة إعفاء المبعوث الدبلوماسي من أداء الشهادة أمام المحاكم المحلية من المسائل المتصلة مباشرة بالحصانة الشخصية وبالحصانة القضائية التي يتمتع بها.
2- ـ اعتمدت اتفاقية فيينا مبدأ إعفاء المبعوث الدبلوماسي من أداء الشهادة، رقم المادة 31 على أن يلزم المبعوث الدبلوماسي بأن يؤدي الشهادة.

*طرق مقاضاة اتفاقية فيينا1961 سوى وسيلتين: -
1- ـ الوسيلة الأولى: تقضي باللجوء إلى محاكم الدولة المعتمدة لمقاضاة المبعوث الدبلوماسي.
2- ـ الوسيلة الثانية: بإمكانية التنازل عن الحصانة القضائية وبهذه تكون اتفاقية فيينا قد استبعدت وسيلة تعيين محكمة تحكيم ومبدأ رفع الحصانة دون استبعاد اللجوء إلى الطريق الدبلوماسي لإخطار البعثة الدبلوماسية بالشكوى عن طريق وزارة خارجية الدولة المعتمد لديها، وذلك قبل الطلب بالتنازل عن الحصانة أو اللجوء إلى محاكم الدولة المعتمدة لمقاضاة الدبلوماسي المعني بالشكوى أو الدعوى.

*يلخص فيليب كاييه هذه المسائل بأربع هي: -

1- ـ الطريق الدبلوماسي والطلب برفع الحصانة القضائية حيث يتقدم الشخص المتضرر بالشكوى إلى وزارة الخارجية التي تطلب من رئيس البعثة أو حكومته التزام الدبلوماسي الوفاء بتعهداته وفي حال عدم تلبية الطلب أو تنفيذه تطلب وزارة الخارجية من الدول المتعمدة رفع الحصانة عن دبلوماسييها وهي حرة في دفعها أو عدم دفعها.
2- ـ التنازل عن الحصانة الذي يختلف عن رفع الحصانة على اعتبار أن التنازل عنها يتم بمجرد موافقة الدبلوماسي على المثول أمام المحاكم ولكن بشرط رضى الدولة المعتمدة، أما رفع الحصانة فيتم من قبل الدولة المعتمدة لصالح أو لغير صالح الدبلوماسي وسواء وافق أم لم يوافق على ذلك على أساس أن الحصانات مقررة لصالح دولته وليس لصالحه.
3- ـ اللجوء إلى المحاكم الدولة المعتمدة لمقاضاة المبعوث الدبلوماسي.
4- ـ اللجوء إلى محكمة تحكيم تجنب الدبلوماسي المثول للقضاء المحلي.

*قضاء الدولة المعتمدة:-
اعتمدت اتفاقية فيينا عام 1961 المادة رقم 31 التي تنص على: -
1- ـ أن تمتع المبعوث الدبلوماسي بالحصانة القضائية في الدولة المعتمدة لديها لا يعفيه من قضاء الدولة المعتمدة، لا تخلو من مشاكل وصعوبات تعيق اللجوء إليها.

ويقول فيليب كاييه: هناك عدة صعوبات أساسية تحول دون اللجوء إلى محاكم الدول المعتمدة و أول هذه الصعوبات تتعلق: -
أ- بتعيين القانون الصالح لتمديد محل إقامة المبعوث الدبلوماسي حيث من الممكن أن يلحظ تشريع الدولة المعتمدة كقانون صالح المنزل الأخير الذي يقيم فيه الدبلوماسي أو منزل مقر حكومته أي عاصمة الدولة المعتمدة، تنص المادة رقم 9 من معهد القانون الدولي لعام 1929 على أن رئيس البعثة وأعضائها المعترف بهم رسمياً بهذه الصفة وأفراد أسرهم من أهل بيتهم لا يفقدون منزلهم السابق.

ب- ومن الصعوبات الأخرى التي تتعلق بحالة الجرم أو فسخ التعهد الذي أبرم في الخارج حيث وإن كان هناك قانون صالح فلا يستطيع الأخير أن يفصل في الدعوى لأنه غالباً لا يعاقب التشريع المحلي على بعضها باعتبار أنه يعتمد أساساً المعيار الإقليمي وبالتالي تصبح المحكمة غير ذات صلاحية.

ت- أو مؤتمر فيينا لعام 1961 من المادة رقم 31 من الاتفاقية بنصها الحالي دون تعيين المحكمة الصالحة، أصرت الدول على عدم الأخذ باقتراح تعديل تشريعاتها بما يتلاءم مع مبدأ تعيين المحكمة الصالحة للبث بجميع المخالفات المرتكبة من قبل الدبلوماسيين في الدولة المعتمدين لديها.

*التنازل عن الحصانة القضائية: -

1- ـ أن المبعوث الدبلوماسي عندما يكون مدعى عليه لا يملك الحق في التنازل عن حصانته القضائية، ولا يملك أيضاً إمكانية المثول أمام المحاكم المحلية دون الحصول على موافقة دولته المسبقة.
2- ـ نصت اتفاقية فيينا على مبدأ التنازل الصريح عن الحصانة القضائية في المادة رقم 32 في فقرتها الأولى - الثانية على الشكل التالي: -
أ- للدولة الموفدة أن تتنازل عن الحصانة القضائية التي يتمتع بها ممثلو في البعثة الخاصة وموظفوها الدبلوماسيون وغيرهم من الأشخاص بموجب المواد من 36 إلى 40.
ب- أن يكون التنازل صريحاً في جميع الأحوال.
ت- لا يحق لأي شخص من الأشخاص المشار إليهم في الفقرة من هذه المادة عن أقام أي دعوى الاحتجاج بالحصانة القضائية بالنسبة إلى أي طلب عارض يتصل مباشرة بالطلب الأصلي.
ث- التنازل عن الحصانة القضائية بالنسبة لأية دعوى مدنية أو إدارية لا يعتبر تنازلاً عن الحصانة القضائية بالنسبة إلى تنفيذ الحكم، بل عن هذه الحالة الأخيرة تقتضي تنازلاً مستقلاً.
3- ـ وفيما يتعلق بحالة المبعوث الدبلوماسي عندما يكون مدعياً فقد أغفلت اتفاقية فيينا التعرض لمثل هذه الحالة بالنسبة لموضوع التنازل ع الحصانة القضائي وموافقة الدولة أو عدمها وعلى هذا الأساس تصبح الدولة المعتمدة هي المعنية مباشرة بموضوع التنازل عن الحصانة القضائية عندما يكون أحد مبعوثيها مدعياً يقول فيليب كاييه أن يطلب المبعوث الدبلوماسي من حكومته الموافقة المسبقة حتى لا يعرض نفسه لتدابير مسلكية من قبل دولته، التمتع بالحصانة القضائية يعني فقط التمتع بحق عدم الملاحقة من العدالة.
الفقرة الثالثة من المادة رقم 32 نصت على أنه لا يحق للمبعوث الدبلوماسي أو للشخص المتمتع بالحصانة القضائية بموجب المادة رقم 37 إن أقام أية دعوى الاحتجاج بالحصانة القضائية بالنسبة إلى أي طلب عارض يتصل مباشرة بالطلب الأصلي.

*الحصانة التنفيذية:-

1- ـ تعني حصانة الدولة التنفيذية استبعاد اتخاذ وتنفيذ أية تدابير زجرية من حجز أو توقيف أو تفتيش أو وضع تحت الحراسة أو المراقبة إزاء الدولة الأجنبية من شأنها المساس بسيادتها واستقلالها أو المساس بكرامتها وهيبتها وبالتالي فإن هذه الحصانة التنفيذية تشمل جميع المرافق الدولة وأشخاصها من موظفين دبلوماسيين وقنصليين ورؤساء دول وحكومات وعلى هذا الأساس يتمتع المبعوث الدبلوماسي بحصانة تنفيذ قائمة بذاتها ومستقلة عن الحصانة القضائية التي يتمتع بها.
2 - ـ وتعني إعفاء المبعوث الدبلوماسي من الخضوع لسلطات القضاء المحلي وكما أن التنازل عنها لا يتم إلا بموافقة دولته لمقاضاته أمام المحاكم المحلية.
4- ـ فإن حصانة التنفيذ تدخل لتمنع أي حكم يكون قد صدر ضده قبل القضاء المحلي من شأنه المساس بكرامته وحرمته وان حصانة التنفيذ أقوى من الحصانة القضائية.
*الحصانة الشخصية والقضائية لأعضاء البعثة الآخرين: -
1- ـ الحصانة الشخصية تشمل هذه الحصانة الشخصية الموظفين الإداريين و الفنيين والمستخدمين والخدم الخاميين وسعاة البريد الدبلوماسي من الرسل الدبلوماسيين وربابنة الطائرات التجارية هذا بالإضافة إلى أفراد أسرهم وأفراد أسر المبعوثين الدبلوماسيين من أهل بيتهم ويتمتع هؤلاء بحصانة شخصية مقيدة بشرطين:-
1- ـ شرط الجنسية وشرط الإقامة الدائمة.
2- ـ شرط المتعلق بأفراد أسرهم ومعيشتهم تحت سقف واحد، تنص المادة رقم 29 يتمتع أفراد أسرة المبعوث الدبلوماسي من أهل بيته وإن لم يكونوا من مواطني الدولة المعتمد لديها بالامتيازات و الحصانات.

*الإعفاءات المالية للمبعوث الدبلوماسي: -

1- ـ الإعفاءات الضريبية: -
وقد نصت اتفاقية فيينا في مادتها رقم 34 على الشكل الآتي:
1- ـ يعفى المبعوث الدبلوماسي من جميع الرسوم والضرائب الشخصية أو العينية والقومية أو الإقليمية أو البلدية باستثناء ما يلي: -
أ- الضرائب غير المباشرة التي تدخل أمثالها عادة في ثمن الأموال أو الخدمات.
ب- الرسوم والضرائب المفروضة على الأموال العقارية الخاصة الكائنة في إقليم الدولة المعتمد لديها ما لم تكن في حيازته بالنيابة عن الدولة المعتمدة لاستخدامها في أغراض البعثة.
ت- الضرائب التي تفرضها الدولة المعتمدة لديها على التركات مع عدم إلا الإخلال بأحكام الفقرة 45.
ث- الرسوم والضرائب المفروضة على الدخل الخاص الناشئ في الدولة المعتمد لديها والضرائب المفروضة على رؤوس الأموال المستثمرة في المشروعات التجارية القائمة في تلك الدولة.
ج- الرسوم والضرائب المفروضة مقابل خدمات معينة.
ح- رسوم التسجيل والتوثيق والرهن العقاري والدمغة و الرسوم القضائية بالنسبة إلى الأموال العقارية مع عدم الإخلال بأحكام المادة رقم 23.

*الإعفاءات الجمركية: -

1- ـ تجيز الدولة المستقبلة في حدود القوانين و الأنظمة التي قد تسنها دخول المواد الآتية، وتعفيها من جميع الرسوم الجمركية والضرائب والتكاليف المتصلة بها غير تكاليف التخزين و النقل والخدمات المماثلة: -
أ- المواد المعدة لاستعمال البعثة الخاصة الرسمي.
ب- المواد المعدة للاستعمال الشخصي لممثلي الدولة الموفدة في البعثة الخاصة ولموظفيها الدبلوماسيين
2- ـ تعفى الأمتعة الشخصية لممثلي الدولة الموفدة في البعثة الخاصة ولموظفيها الدبلوماسيين من التفتيش إلا بحضور الشخص المعني أو ممثله المفوض.

*مدة التمتع بالحصانات والامتيازات: -

1- ـ يتمتع كل عضو من أعضاء البعثة الخاص بالامتيازات والحصانات التي تحق له منذ دخول إقليم الدولة المستقبلة للقيام بوظائفه في البعثة الخاصة أو منذ إعلان تعينه لوزارة الخارجية أو لأية هيئة أخرى من هيئات الدولة المستقبلة للقيام بوظائفه في البعثة الخاصة أو منذ إعلان تعينه لوزارة الخارجية أو لأية هيئة أخرى من هيئات الدولة المستقبلة قد يتفق عليها، إن كان موجوداً في إقليمها.
2- ـ متى انتهت وظائف احد أعضاء البعثة الخاصة تنتهي امتيازاته وحصاناته في الأموال العادية بمغادرته إقليم الدولة المستقبلة أو بعد انقضاء فترة معقولة تمنح له لهذا الغرض، حتى في حالة وجود نزاع مسلح، بيد أن الحصانة تبقى قائمة بالنسبة إلى الأعمال التي يقوم بها هذا العضو أثناء أدائه لوظائفه.
3- ـ إذا توفي أحد أعضاء البعثة الخاصة يستمر أفراد أسرته في التمتع بالامتيازات والحصانات التي تحق لهم حتى انقضاء فترة معقولة من الزمن تسم لهم بمغادرة إقليم الدولة المستقبلة.

*الواجبات الدبلوماسية: -

ما هي هذه الواجبات ؟؟

أكدت اتفاقية فيينا عام 1961 في المادة رقم 41 ما يلي: -
1- ـ يجب على جميع المتمتعين بالحصانات والامتيازات من عدم المساس بها، احترام قوانين الدولة المعتمدة لديها وأنظمتها ويجب عليهم عدم التدخل في شؤونها الداخلية.
2- ـ يجب في التعامل مع الدولة لديها بشأن الأعمال الرسمية التي تسندها الدولة المعتمدة للبعثة أن يجري مع وزارة خارجية الدولة المعتمد لديها أو عن طريقها أو أية وزارة أخرى قد يتفق عليها.
3- ـ يجب ألا تستخدم مقرات البعثة بأية طريقة تتنافى مع وظائف البعثة كما هي مبينة في هذه الاتفاقية أو في غيرها من قواعد القانون الدولي العام أو في أي اتفاقية خاصة نافذة بين الدولة المعتمدة والدولة المعتمد لديها.
أما المادة رقم 42 فتنص على أنه لا يجوز للمبعوث الدبلوماسي أن يمارس في الدولة المعتمد لديها أي نشاط مهني أو تجاري لمصلحته الشخصية.

* تتضمن هاتان المادتان الواجبات التالية: -
1- ـ احترام قوانين و أنظمة الدولة المعتمد لديها.
2- ـ عدم التدخل في شؤونها الداخلية.
3- ـ حصر التعامل والاتصال بوزارة خارجيتها.
4- ـ عدم إساءة استخدام مقرات البعثة وأماكنها.
5- ـ منع المبعوث الدبلوماسي من ممارسة أي نشاط مهني أو تجاري بهدف الربح الشخصي.

*التطورات التي مرت بها:-

*الدبلوماسية في أوروبا إلى ثلاث مراحل هي:-
- المرحلة الأولى: تبدأ من عام 476 م وتنتهي 1475 تشمل فترة العصور المظلمة.
- المرحلة الثانية: تبدأ من عام 1475 وتنتهي عام 1914 يسمى نظام الدول الأوروبية.
- المرحلة الثالثة: تبدأ مع إعلان الرئيس الأمريكي وودرو ولسن لمبادئه الأربعة عشر والتي أطلق عليها الدبلوماسية الديمقراطية.

*الدبلوماسية الوقائية:

هي المعالجة السلمية التي تم من خلال عملية التفاوض بين الدول لتسوية أي نزاع قائم بينها وكذا المساعي و الإجراءات التي تقوم بها أية دولة أو أية منظمة إقليمية أو دولية بهدف منع نشوب النزاعات بين الوحدات الدولية ومنع تصاعد المنازعات القائمة والحيلولة دون تحويلها إلى صراعات المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية ويمكن تقسيم الدبلوماسية الوقائية إلى نمطين رئيسين:-
1- ـ ذات طابع اختياري تكون غير ملزمة أطراف النزاع.
2- ـ ذات النتائج الملزمة أو الإجبارية التي تلتزم الأطراف باحترامها و التقيد بها.

*الدبلوماسية الشعبية:

هي الدبلوماسية التي تسعى من خلالها إلى الجماهير في مخاطبة الجماهير خلال وسائل الإعلام المختلفة من فوق منابر متعددة تنجح إلا بدبلوماسيين شعبيين يأتون من عموم الشعب ويفهمون لغته ويحسون بأحاسيسه ويعملون من أجل خدمته.
1- ـ أن السفير ينبغي أن يكون عالماً خبيراً في الإلهيات و متبحراً في أرسطو وأفلاطون وقادراً بسرعة على أن يجد حلاً للمسائل العويصة بصورة ديكتاتورية صحيحة وأن يكون خبيراً في الرياضيات وفن العمارة والموسيقى و الطبيعيات والقانون المدني، ويجب عليه أن يتكلم اللاتينية وأن يجيد اليونانية والفرنسية والاسبانية والألمانية وعالماً وجغرافياً وخبيراً في العلوم العسكرية ومتذوقاً للشعر تذوقاً ثقافياً وأن يكون من عائلة ممتازة غنية ومنحه الله الجمال والحسن.

المصدر : مركز الشرق العربي[line]انظر : الدبلوماسية
[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 14-01-2007 الساعة 07:32 PM
  #21  
قديم 18-01-2007, 08:32 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

لمن حق امتلاك السلاح النووي؟


في ورقة بحثية جديدة صادرة عن معهد كارنيغي للسلام الدولي بواشنطن ناقش جورج بيركوفيش George Perkovich نائب رئيس برنامج دراسات الأمن العالمي والتنمية الاقتصادية التابع للمعهد إستراتيجية "القنبلة الديمقراطية" في ظل الأوضاع والصراعات العالمية الراهنة. يقصد الباحث بمصطلح القنبلة الديمقراطية Democratic Bombالنظرية القائلة بأن معيار امتلاك دولة ما أسلحة نووية يعتمد على درجة ومستوى ديمقراطية هذه الدولة. واعتبرت هذه الدراسة أن تجربة كوريا الشمالية النووية وبرنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني لا يعدان فقط دليلا على فشل سياسة منع انتشار الأسلحة النووية، وإنما أيضا برهانا على فشل الإستراتيجية (الأمريكية) التي جعلت انتشار هذه الأسلحة أقرب إلى الواقع. فالتخلص من الأنظمة وبالتالي الأسلحة هي أساس إستراتيجية الأمن القومي لإدارة بوش، التي أعلن عنها في خطابه الشهير عن "محور الشر" عام 2002 أن الولايات المتحدة سوف تسعى لحماية أمنها عبر التخلص من أنظمة مارقة تمتلك أسلحة دمار شامل، مثل إيران والعراق وكوريا الشمالية.

الأشرار هم المشكلة وليست القنابل

قسمت "نظرية السلام الديمقراطي" العالم إلى أصدقاء ديمقراطيين وأعداء غير ديمقراطيين. وبهذه النظرية التي يؤيدها العديد من صناع القرار والسياسيين والاستراتيجيين الأمريكيين لن يكون من المنطقي مواصلة المعاهدات التي تحد من القوة العسكرية لجميع الدول بما فيها الولايات المتحدة وإسرائيل والهند.

وعلى عكس الفرضية الأساسية لمبدأ عدم انتشار الأسلحة والذي يقول بان الأسلحة النووية هي المشكلة، تعتبر الاستراتيجية الجديدة أن الأشرار الذين يمتلكون سلاحا نوويا هم المشكلة.

والدليل على ذلك أنه من وجهة نظر بعض صناع القرار، فإن شبكة عبد القدير خان تجسد عبثية السيطرة على التكنولوجيا النووية. حيث يبيع فريق خان ويشتري المواد اللازمة لمصانع تخصيب اليورانيوم وصناعة القنابل، بعيدا عن أعين قوانين الاستيراد وضباط الجمارك والمخابرات. كذلك يعد معظم ممولي التكنولوجيا الأساسية للشبكة والوسطاء من الأوروبيين الذين تعرف حكوماتهم أنشتطهم جيدا.
والمشكلة الأساسية هي الضعف القانوني السياسي، حيث لا يوجد مثلا مطلب دولي ملزم بإعلام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بنقل المعدات اللازمة لإنتاج المواد القابلة للانشطار والأسلحة النووية.

ومن وجهة نظر الداعين إلى تغيير الأنظمة يمكن استمالة بعض الدول لاتخاذ إجراءات للتحكم في الاستيراد، إلا أن معظم الدول سوف ترغب في الحصول على امتيازات من الولايات المتحدة ثمن تعاونها، الأمر الذي يستغرق وقتا طويلا كما أن نتائجه قد تكون غير مجزية، وبالتالي تصبح عملية "منع الأشرار" أسهل.

القنابل الديمقراطية جيدة

تسعى الإستراتيجية الجديدة لتقليل العقوبات المفروضة على الديمقراطيات الصديقة. فمنذ منتصف الستينيات لم تسع الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل للتخلي عن سلاحها النووي، كما أن حقيقة كونها دولة ديمقراطية صديقة جعلها مستفيدة من المعايير الأمريكية المزدوجة، حتى وصل الأمر إلى أن أصبح مبدأ استراتيجيا.

وكانت الهند أول المستثنين في هذه الإستراتيجية الجديدة، حيث أعلن الرئيس بوش ورئيس الوزراء الهندي مونموهان سنغ في يوليو 2005 عن خطة تعاون نووي بين البلدين، الأمر الذي أغفل جميع المعاهدات الدولية، التي تمنع عقد اتفاقات مع أي دولة لا تخضع منشآتها النووية للرقابة. وقد تكون استراليا هي الدولة الديمقراطية الصديقة الثانية التي تطبق عليها الولايات المتحدة سياسة المعايير المزدوجة. إذ أكدت الحكومة الاسترالية على اهتمامها بتطوير منشآت لتخصيب اليورانيوم لتصديره أو لاستخدامه في المستقبل في مفاعلاتها المحلية.

هذا النوع من التوسع في إنتاج المواد القابلة للانشطار في دول غير نووية هو بالتحديد ما سعى إلي منعه الرئيس بوش وشخصيات دولية أخرى مثل محمد البردعي، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية مع دولة مثل إيران. بينما رحب بعض مؤيدي استراتيجية "القنابل الديمقراطية جيدة" في أعقاب التجربة النووية التي أجرتها كوريا الشمالية في أكتوبر الماضي بإمكانية إنتاج اليابان لأسلحة نووية.

الدول المخذولة في استراتيجية "القنبلة الديمقراطية"

تقول الدراسة إنه لا يمكن الاعتماد على تغيير النظام سلميا لإيجاد اتجاهات سياسية بالسرعة الكافية لوقف برامج التسلح النووي. فالأيسر بالنسبة للدول الوصول إلى القدرات التي تؤهلها لإنتاج أسلحة نووية من إصلاح أنظمتها وتطبيق الديمقراطية الحقيقية. فالديمقراطيون في إيران، على سبيل المثال، لا يرون إمكانية تحقيق إصلاح سياسي رئيسي على مدى السنوات العشر القادمة، لكن الأقرب للاحتمال هو أن تتقدم إيران في عملية تخصيب اليورانيوم خلال تلك الفترة، إن لم يتدخل المسئولون لتغير الاتجاه. كذلك فإن تحول الدول إلى الديمقراطية لن يمنع التسلح النووي. فعندما انهار الاتحاد السوفيتي وافق زعيم الحزب الشيوعي الأوكراني السابق على نقل جميع الأسلحة النووية إلى روسيا، لكن مع تحول أوكرانيا إلى دولة ديمقراطية عارض البرلمان الاتفاق.

ومن ناحية أخرى، فأن لتغيير النظام بالقوة أخطاره الشديدة. فالعراق هي الحالة الوحيدة التي تغير فيها النظام كإجراء لمنع انتشار السلاح النووي، لكن لم يستطع الجنود الأمريكيين تأمين مخازن السلاح والمواد النووية التي انتهى بها المطاف لتصبح في أيدي المتمردين المستقبليين. فحظر انتشار الأسلحة عبر التحول إلى الديمقراطية أو تغيير النظام قد يزيد من الطلب عليها.

وفي الواقع لا يوجد تحد فعلي لانتشار الأسلحة يمكن أن تواجهه الولايات المتحدة وحدها، ومع ذلك فإن استراتيجية انتقاء المقربين تهدم التعاون الدولي، حيث لا يوجد اتفاق عام على من هو الجيد ومن هو السيئ. ومثل تلك الاختلافات قد تؤدي إلى تفكك التحالفات اللازمة لدعم القوانين الدولية، وقد تؤدي أيضا إلى صراعات.

فالمشكلة الأساسية هي أن العديد من الدول تبدو رمادية، فالولايات المتحدة ترى باكستان الآن على أنها دولة "جيدة" نصف ديمقراطية وتمتلك سلاحا نوويا، لذلك تبيع لها أسلحة متقدمة ولا تضغط عليها لوقف نشاطها النووي. وفي نفس الوقت لا تراها جيدة بالدرجة الكافية حتى تتعاون معها نوويا كما فعلت مع الهند. في حين تنظر إليها الصين على أنها جيدة بدرجة كافية.

أما المشكلة الثانية فهي أن الدول الجيدة قد تتحول إلى سيئة، والعكس صحيح. فالعراق كان الشريك المفضل للولايات المتحدة ضد إيران في الثمانينيات، كما أن المجاهدين الأفغان كان ينظر إليهم باعتبارهم مقاتلين من أجل التحرير ثم أصبحوا إرهابيين، لذا يجب أن يكون هناك معايير واضحة ومستديمة لسلوك الدول لمواجهة خطر السلاح النووي أينما كان وفي جميع الدول سواء كانت ديمقراطية أم غير ذلك.
وأفضل طريقة لتحقيق وحدة الدول تأتي عبر مجلس الأمن. فقرارات المجلس المنصوص عليها في البند السابع ملزمة لجميع الدول. بيد أن سياسة الكيل بمكيالين والتطبيق الانتقائي للقوانين سوف يضعف نظام حظر الانتشار النووي حتى ينهار. فعلى سبيل المثال، أثار تحرك الولايات المتحدة لتغيير هذه المعايير والقوانين لمساعدة الهند العديد من ردود الأفعال، إذ اعترضت بعض الدول بهدوء، حين ظنت دول أخرى مثل مصر واليابان أنه بحكم صداقتها للولايات المتحدة فلن تضغط عليها إذا أخفت حقيقة وضعها النووي، بينما أيدت روسيا وفرنسا التغيير لرغبتهما في عقد صفقات مشابهة مع الهند.

ماذا ينبغي على الولايات المتحدة فعله؟

أخيرا طرح الباحث سؤلا عما يجب أن تفعله الولايات المتحدة لدعم العرف العالمي المطالب بحظر انتشار الأسلحة النووية،؟

والذي بدونه لا يمكن احتواء عملية انتشار السلاح النووي، ترى الدراسة أن على الولايات المتحدة أن:

• تعيد النظر في التصديق على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية CTBT . فقد دعمت أمريكا حظر إجراء تجارب نووية منذ عام 1992. وفي بيئة لا تجرى فيها أي تجارب ستصبح معامل الأسلحة النووية الأمريكية بقواعد بياناتها التي لا تضاهى، وميزانياتها، ومعداتها المتفوقة على الجميع في دعم أسلحة آمنة ومحل ثقة. كما أن تصديق الولايات المتحدة على المعاهدة ومعها الصين، التي لم تصادق عليها أيضا، ودول أخرى ضروري لتطبيق تلك المعاهدة.

• تستعين بالقيادات رفيعة المستوى اللازمة لضم جميع الدول التي تمتلك سلاحا نوويا إلى المبادرة العالمية لمواجهة الإرهاب النووي التي أعلنتها الولايات المتحدة وروسيا قبل قمة الثماني 2006. إذ يعد تبادل الخبرات والتكنولوجيا والمصادر اللازمة لتأمين تخزين المواد هدفا في غاية الأهمية.

• تبدأ في بناء تحالف في إطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمطالبة جميع الدول بالإبلاغ عن صادرات وواردات التكنولوجيا أو المواد النووية الحساسة على أساس ملزم. فقرار مجلس الأمن رقم 1540 يلزم جميع الدول بشكل قانوني "بإنشاء وتطوير ومراجعة ودعم السيطرة على النقل المحلي والدولي بشكل مناسب وفعال" وكذلك "السيطرة على الحدود" لحظر الانتشار النووي. لكن وضع حواجز تحظر التجارة النووية التي تتم في الخفاء ووضع قواعد لتجريمها والإبلاغ عنها يجب أن تكون ملزمة لجميع الدول بشكل قانوني. فحظر التجارة ليس هو الهدف، إنما الهدف هو حظر ممارستها في الخفاء.

• تبدأ في حملة لجعل انتشار السلاح النووي جريمة عالمية. فعلى عكس بعض الجرائم مثل تجارة العبيد التي تعد جرائم دولية يتم القبض على مرتكبيها ومعاقبتهم في أي مكان في العالم، يتم ضبط تجارة السلاح النووي والمواد ذات الصلة على المستوى المحلي فقط، مما يسمح للقائمين عليها بالعثور على مكان آمن لممارسة أنشطتهم والفرار من العقاب. ومرة أخرى فإن أسرع طريقة لتجريم تلك العملية يجب أن تكون عبر مجلس الأمن. فمصاعب حظر الانتشار النووي من خلال فرض عقوبات أو الاستعانة بالقوة العسكرية كثيرة جدا، مما يجعل تبني استخدام القانون ضد الأفراد ضرورة للحد من الانتشار النووي.

وبناء على نظرية "القنبلة الديمقراطية" لن يكون هناك اعتراض على امتلاك الدول الصديقة أسلحة نووية سواء على المستوى الأخلاقي أو السياسي أو الاستراتيجي. كما أنها ستعطي انطباعا بأن معاهدات مراقبة الأسلحة ليست سوى حبر على ورق، لذا ما المانع من أن تبني الديمقراطيات الصديقة حصونا لها؟

الخلاصة

لن تكون هناك مشكلة إذا كان الحديث عن الأسلحة النووية في سياق عالم يؤمن بالديمقراطية ولكن مع الأسف، لم تحقق الديمقراطية المستقرة سوى 25 دولة فقط من بين حوالي 100 دولة حاولت التخلص من الحكم الفاشي على مدى عدة عقود سابقة.

أما في الدول المرشحة لامتلاك أسلحة نووية، إلى جانب إيران وكوريا الشمالية، مثل مصر والمملكة العربية السعودية، اللتان تسيران بخطى بطيئة وصعبة نحو الديمقراطية، يبدو أن استراتيجية تغيير النظام أو التحول إلى الديمقراطية غير ناجحة. ولكن في دول مثل تركيا واليابان وكوريا الجنوبية التي تحولت بالفعل إلى الديمقراطية فإن الاستراتيجية لا محل لها هناك.

فالولايات المتحدة لا تتمتع بحق رفض التعاون المباشر مع الزعماء الذين يتخذون قرارات السياسة النووية التي ترغب في تغييرها، سواء اعتقدت أنهم رجال جيدون أم سيئون. كما أنها أيضا لا تتمتع بالنفوذ الكافي لحظر انتشار السلاح النووي مستقبلا إلا في ظل القوانين الدولية. وسوف تطبق القوانين عندما تكون عادلة، وعندما ينظر إلى منتهكيها على أنهم مجرمون. وأخيرا فإن استراتيجية تجاهل القوانين الدولية لتغيير الأنظمة التي لا تحبها أمريكا، وتغيير القوانين لمكافأة من تقف إلى جوارهم، لن يكتب لها النجاح. [line]
كيف يمكن هزيمة الإسلاميين من خلال صناديق الانتخابات؟
أفكار أمريكية

تقرير واشنطن - محمد فايز فرحات

رغم مرور ما يقرب من أربعة أعوام على إعلان مبادرة الشرق الأوسط، والجهود الأمريكية لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، أفرزت نتائج الانتخابات التي أجريت في منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة صعود الإسلاميين والأحزاب الإسلامية عبر صناديق الانتخابات: الإخوان المسلمين في مصر والأردن، حماس في الأراضي الفلسطينية، الشيعة في العراق ولبنان، بالإضافة إلى حزب العدالة والتنمية في تركيا. وعلى العكس فقد شهد التيار الليبرالي درجة كبيرة من التراجع.
وقد أثارت تلك المفارقة الكثير من التساؤلات النظرية والتحديات العملية لدى الإدارة الأمريكية والمؤسسات الأكاديمية الأمريكية. وقد طرح في هذا الإطار عدد من الأفكار والسياسات البديلة في محاولة التوفيق بين هدفين رئيسيين يبدوان متناقضين إلى حد كبير، وهما نشر الديمقراطية، والحيلولة دون صعود الإسلاميين عبر الوسائل الديمقراطية ذاتها.

ويعرض "تقرير واشنطن" هنا نموذجا لإحدى الدراسات (قام بتحريرها ديفيد شكينر David Schenker من معهد واشنطن لسياسيات الشرق الأدنى، وهو أحد المعاهد المعروفة بقربها من دوائر اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة) التي حاولت تقديم إجابة محددة لإشكالية التوفيق بين هدفي نشر الديمقراطية وهزيمة الإسلاميين عبر صناديق الانتخابات، من خلال ثلاثة رؤى مختلفة. وقد طرحت تلك الرؤى تفسيرها لصعود الإسلاميين وفشل التيار الليبرالي في استغلال الانتخابات وعمليات الانفتاح السياسي النسبية التي تشهدها الكثير من دول المنطقة، كما طرحت بعض الأفكار والاستراتيجيات لدعم التيار الليبرالي وهزيمة الإسلاميين عبر صناديق الانتخابات، اتسمت بدرجة كبيرة من الاختلاف، وصل بعضها إلى حد الدعوة إلى تأجيل نشر الديمقراطية والانتخابات في العالم العربي.

1- سونر جاجابتاي Soner Gagaptay: عزل الإسلاميين

يبدأ جاجابتاي بالتأكيد على أن أحد عوامل صعود الإسلاميين في الانتخابات هو ضعف الليبراليين. ويعزو جاجاباتي هذا الضعف إلى عدد من العوامل أهمها ضعف الأحزاب الليبرالية العلمانية في العالم العربي بسبب القمع الذي تعرضت له تلك الأحزاب على يد النظم التسلطية خلال العقود الماضية، كجزء من القمع الذي تعرضت له المعارضة السياسية بشكل عام. ورغم تعرض الإسلاميين للقمع ذاته لا أنهم استطاعوا التحايل على هذا القمع من خلال العمل داخل مؤسسة بديلة هي المسجد، حيث استطاع الإسلاميون الاعتماد على المسجد كفضاء بديل للنشاط السياسي وبناء قاعدتهم الاجتماعية وقدراتهم التنظيمية، وهو ما لم يتحقق في حالة التيار الليبرالي. وهكذا، عندما بدأ الانفتاح السياسي النسبي استطاع الإسلاميون ترجمة قوتهم التنظيمية تلك، بينما انكشف ضعف الليبراليين.

أما في حالة الدول التي لم تشهد قمعا سياسيا واضحا ضد الليبراليين، كما هو الحال في حالة الأراضي الفلسطينية وتركيا، فقد كانت هناك عوامل أخرى ساهمت في صعود التيار الإسلامي. ويطرح جاجابتاي هنا انتشار الفساد في تركيا خلال عقد التسعينيات. ورغم انتشار الفساد في معظم دول الشرق الأوسط، إلا أن المستوى المتقدم من الحرية الذي تمتعت به الصحافة التركية جعل الفساد هناك قضية عامة وأكثر إلحاحا لدى الرأي العام، وهو ما أدى إلى ضعف مصداقية التيار الليبرالي الحاكم، والبحث عن قوة سياسية بديلة. ويطرح جاجابتاي في حالة الأراضي الفلسطينية توافر مصادر التمويل الضخمة- والتي جاءت معظمها من دول الخليج- وهي مسألة لا تقتصر على التيار الإسلامي في فلسطين فقط، حيث تشترك فيها معظم التيارات الإسلامية في العالم العربي ولكنها كانت أكثر وضوحا في الحالة الفلسطينية. وقد استطاع التيار الإسلامي استخدام تلك الأموال ليس فقط لبناء قدراته التنظيمية وقاعدته الاجتماعية، ولكن أيضا القيام بالوظائف التقليدية للدولة في مجالات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية...الخ. ويعقد جاجابتاي هنا مشابهة بين تجربة الدعم الذي قدمته "الاشتراكية الدولية" للأحزاب الشيوعية والاشتراكية في الكثير من الدول الأوروبية خلال فترة الحرب الباردة، والدعم الذي يحصل عليه التيار الإسلامي من بعض دول الخليج، حيث يطرح هنا مفهوم "الإسلامية الدولية". وعلى العكس لم يتوفر للتيار الليبرالي مثل هذا الدعم المالي الخارجي الضخم. ويستدرك جاجاباتي بالتأكيد على أن نجاح الإسلاميين في الانتخابات لا يعود فقط لعامل المال، حيث يضيف هنا أيضا الخطاب الثوري المثالي أو "اليوتوبي" الذي يمتلكه الإسلاميون، بالمقارنة بالخطاب الواقعي الليبرالي.

كيف يمكن إذن هزيمة الإسلاميين في صناديق الانتخابات؟

يعود جاجابتاي هنا إلى خبرة الولايات المتحدة مع الأحزاب والتيارات الشيوعية في نهاية الحرب العالمية الثانية، ويناقش جاجابتاي هنا حالة صعود التيار الشيوعي في إيطاليا والذي حصل في انتخابات سنة 1947 على 219 مقعدا مقابل 207 مقاعد للديمقراطيين المسيحيين. وقد استقرت سيطرة الشيوعيين على البرلمان حتى عام 1958. ويشير جاجابتاي إلى أن الولايات المتحدة اتبعت عددا من السياسات المهمة في هذا المجال، أولها اعتبار الحرب مع التيار الشيوعي الإيطالي حربا سياسة متعددة الأبعاد يجب إدارتها على مدى زمني مناسب، تعتمد على عدد من المبادرات السياسية وليس مجموعة من الإجراءات القصيرة المدى، وهو ما انعكس في إعادة هيكلة مؤسسات صنع القرار الأمريكية وإنشاء وحدة "تخطيط السياسة الخارجية" Policy Planning Staff داخل وزارة الخارجية، ثم إنشاء مجلس الأمن القومي، واللذين استحدثا في ذلك الوقت للتعامل مع الصعود الشيوعي في إيطاليا وهزيمة الشيوعيين من خلال صناديق الانتخابات. كما تم تعبئة المنظمات غير الحكومية لهذا الهدف، والتي نجحت بدورها في تعبئة الجالية الإيطالية في الولايات المتحدة ضد سيطرة الشيوعيين من خلال وسائل عدة، منها إرسال عشرات الملايين من الرسائل والخطابات التي أرسلها الإيطاليين المقيمين في الولايات المتحدة إلى ذويهم في إيطاليا والتي أكدت على معنى رئيسي مفاده تعارض سيطرة الشيوعيين على السلطة مع مستقبلهم ومستقبل وطنهم. ويطرح جاجابتاي إمكانية إعادة السيناريو من خلال الجاليات العربية المقيمة الآن في الولايات المتحدة. كما نجحت الولايات المتحدة في عزل الشيوعيين من خلال تقديم المساعدات المالية المشروطة، مثل اشتراط عدم توظيف الشيوعيين في المشروعات التي يتم تنفيذها بواسطة تلك المساعدات، أو عدم وجود علاقة بين الأطراف المحلية المنفذة لتلك المشروعات ومؤسسات الشيوعيين خاصة اتحادات العمال.

واستنادا إلى الخبرة الإيطالية يطرح جاجابتاي استراتيجية لهزيمة الإسلاميين من خلال صناديق الانتخابات تقوم على العناصر التالية:

(1) تحديد الحلفاء بوضوح، وهم المسلمين غير الإسلاميين "Muslims who are not Islamists" ، باعتبار أن الصراع الأساسي ليس بين الغرب والإسلام، بقدر ما هو صراع بين الغرب والإسلاميين

(2) تعميق التمييز والانقسام بين "الإسلاميين" والمسلمين غير الإسلاميين من خلال وسيلتين أساسيتين اقترحهما جاجابتاي، الأولى هي تمويل مشروعات وخدمات موازية لتلك التي يقوم الإسلاميون بتنفيذها خاصة في مجالات التعليم والصحة والمجتمع المدني والمساعدات الاجتماعية. ويؤكد جاجابتاي على أن فعالية تلك الاستراتيجية تعتمد على توافر عدد من الشروط، أهمها دراسة الأنشطة الإسلامية في تلك المجالات وطريقة عملها، وتوفير الموارد المالية الكافية بشكل يفوق إنفاق الإسلاميين على تلك الخدمات وتوفيرها بمستوى أفضل، وأخيرا يجب أن تكون تلك الاستراتيجية بعيدة المدى استنادا إلى خبرة هزيمة الشيوعيين في إيطاليا التي استغرقت ثلاث عشرة عاما.

(3) رفع تكلفة العمل مع الإسلاميين أو الانضمام إلى الأحزاب الإسلامية من خلال منع الإسلاميين من الاستفادة، بشكل مباشر أو غير مباشر، من المنح والمساعدات الأمريكية، ومنع الإسلاميين من الاستفادة من مزايا الهجرة أو التعليم في الولايات المتحدة.

2- جريجوري جوس F. Gregory Gause: تأجيل نشر الديمقراطية في العالم العربي

يطرح جريجوري جوس بديل تأجيل نشر الديمقراطية في العالم العربي. ويدافع جريجوري هنا عن مقولته بحجتين رئيسيتين:

الحجة الأولى

أنه لا توجد علاقة واضحة- على عكس ما يشاع - بين طبيعة النظام السياسي والإرهاب، بل على العكس فإن معظم الدراسات والتقارير الإحصائية حول التوزيع الجغرافي للأنشطة الإرهابية تشير إلى ارتباط النظم الديمقراطية بعدد أكبر من الأنشطة الإرهابية بالمقارنة بالنظم غير الديمقراطية. ويستند جريجوري هنا إلى الدراسات الأولية التي ظهرت خلال عقد الثمانينيات حول تلك القضية، والتي انتهت إلى أن "الإرهاب هو مشكلة خاصة بالديمقراطيات"، ويفسر جريجوري هذا الاستنتاج بأن تلك الدراسات استندت إلى خبرة "الألوية الحمراء"، وحركة "الباسك" الانفصالية، و"الجيش الأحمر" الياباني، وهي حركات نشأت داخل دول ديمقراطية. كما يؤكد الاستنتاج ذاته تقارير وزارة الخارجية الأمريكية حول الإرهاب خلال الفترة (1999-2004)، إذ جاءت الهند في مقدمة دول العالم من حيث عدد الأنشطة الإرهابية، وذلك في الوقت الذي تعد فيه الهند واحدة من أقدم وأكبر الديمقراطيات في العالم. ورغم أن بعض تلك العمليات قام بتنفيذها عناصر من المتسللين من خارج الحدود إلا أن نسبة مهمة من تلك العمليات هي عمليات هندية خالصة. وعلى العكس، فإن عدد العمليات الإرهابية التي شهدتها الصين – غير الديمقراطية- لم تتجاوز 10% من إجمالي عدد العمليات التي شهدتها الهند.

الحجة الثانية

أن نشر الديمقراطية في العالم العربي لن يؤدي إلى القضاء على الإرهاب، لأن التنظيمات الإسلامية المتشددة لا تربط بين غياب الديمقراطية وممارسة "الجهاد"، ولكنها تربطه بغياب ما تطلق عليه "الحكم الإسلامي" أو تطبيق الشريعة الإسلامية. بل إنها لا تقبل بفكرة الديمقراطية باعتبارها فكرة غربية. ومن ثم، فإن نشر الديمقراطية في العالم العربي وإقامة نظم سياسية ديمقراطية وفقا للصيغة الأمريكية (التي تلتزم بفكرة التسامح، والتعددية، وقبول الآخر، والاعتراف بإسرائيل) لن يثني تنظيم القاعدة، أو غيره من التنظيمات المرتبطة به، عن الجهاد، سواء الجهاد ضد الولايات المتحدة أو ضد النظم السياسية. وبمعنى آخر - وفق تحليل جوس - فإن النتائج النهائية لنشر الديمقراطية في العالم العربي لا تتوافق والمصالح الأمنية الأمريكية. ويدعم جوس حجته هنا بأن الخطأ الذي وقعت فيه السياسة الأمريكية هو تركيزها على تشجيع الانتخابات، واختزال الديمقراطية في الانتخابات، وذلك في الوقت الذي تفتقد فيه الدول والمجتمعات العربية شروط المجتمع الليبرالي الحقيقي بشكل يضمن إقامة ديمقراطيات حقيقية. ويدعو جوس إلى تأجيل مسألة نشر الديمقراطية في الدول العربية إلى حين تحقق تلك الشروط.

يتبع >

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 18-01-2007 الساعة 10:52 AM
  #22  
قديم 18-01-2007, 10:54 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

3- منى مكرم عبيد: دمج التيار الإسلامي المعتدل في الحياة السياسية ولبرلة هذا التيار

ترى منى مكرم عبيد أن أحد العوامل الرئيسية المسئولة عن تصاعد التيار الإسلامي، استنادا إلى خبرة الانتخابات التشريعية المصرية الأخيرة في 2005، هو غياب البديل الليبرالي الحقيقي، إذ لم يكن أمام الناخب سوى بديلين فقط هما الحزب الحاكم أو الإخوان المسلمين، وهو ما أدى إلى عزوف حوالي 80% عن المشاركة في تلك الانتخابات. واستنادا إلى الخبرة المصرية ذاتها، تستبعد عبيد فكرة العمل على استبعاد الإسلاميين من الحياة السياسية، بالنظر إلى صعوبة استئصال التيار الإسلامي المعتدل، ممثلا في الإخوان المسلمين، من الحياة السياسية، الذي استطاع اختراق الكثير من المؤسسات والمنظمات والأنشطة الاجتماعية، بالإضافة إلى سيطرة الثقافة الدينية على الشعب المصري، وضعف الأحزاب الليبرالية المعارضة وعدم قدرتها على تطوير خطاب قوي، وهو ما كشفت عنه نتائج الانتخابات الأخيرة، حيث وجدت الأحزاب الليبرالية نفسها مضطرة لمخاطبة ود الإخوان المسلمين ومحاولة تأمين حصولها على بعض المقاعد من خلال عقد بعض الصفقات والتحالفات مع الإخوان المسلمين في الكثير من الدوائر. أضف لذلك الإدراك السلبي للمواطنين لمبادئ الديمقراطية و"الحكم الجيد"، و"التعددية"، بسبب عوامل عدة، منها الاستخدام السلبي لتلك المبادئ من جانب الحكومة بشكل عمق الشكوك حول مصداقية التزام الحزب الحاكم والأحزاب السياسية التقليدية بتلك المبادئ، في الوقت الذي استطاع فيه الإخوان المسلمين تطوير خطابهم في اتجاه التوافق مع تلك المبادئ.

وفي هذا الإطار، تطرح عبيد بديل العمل على دمج الإسلاميين المعتدلين في الحياة السياسية الرسمية وعدم التعويل على انتظار بديل الأحزاب السياسية الليبرالية، وذلك رغم اعتراف عبيد في الوقت ذاته بأن دمج الإسلاميين لن يكون بدون تكلفة سياسية، ولكن السؤال المهم هو كيف يتم دمج هذا التيار بأقل تكلفة سياسية واجتماعية ممكنة؟

تطرح عبيد هنا عددا من الأفكار حول دور الولايات المتحدة والشركاء الخارجيين في هذا المجال، تتمثل فيما يلي:

(1) التركيز على الإصلاح الثقافي والسياسي والتعليمي جنبا إلى جنب مع الإصلاح الاقتصادي.
(2) دمج هذا التيار في أي عملية تحديث سياسي واجتماعي في الدول العربية.
(3) دمج مفهوم العدالة الاجتماعية في خطاب هذا التيار.

وأخيرا، تؤكد عبيد على أن هناك فرصة مهمة لدمج التيار الإسلامي في الحياة السياسية بالنظر إلى التطورات المهمة التي طالت خطاب جماعة الإخوان المسلمين ومحاولة دمج مفاهيم الليبرالية والديمقراطية والإصلاح السياسي والدستوري ضمن هذا الخطاب. بالإضافة إلى التطورات الداخلية المهمة التي تشهدها الجماعة خاصة تطور جيل جديد داخل الجماعة يسعى إلى تمييز نفسه عن الجيل القديم. وتطرح عبيد هنا ضرورة تشجيع هذا الجيل داخل الجماعة، وتشجيع اكتمال عملية التحول الراهنة في خطاب الجماعة، خاصة فيما يتعلق بالموقف من حقوق المواطنة. [line]

المصدر :
تقرير واشنطن
[line]تعليق البوابة :

قال تعالى :

<( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ )> (30 ) الأنفال

وقال تعالى :

<( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )> (109) البقرة

وقال تعالى :

<( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ )> (120) البقرة


صدق اللة العظيم[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 18-01-2007 الساعة 12:05 PM
  #23  
قديم 18-01-2007, 07:52 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

الاحتلال الامريكي للعراق- الحرب الاهلية: هل يصبح الامر الواقع واقعاً!؟

د. عبد ( رب ) الحسين شعبان

مثل الكثير من القضايا الخاصة بالشأن العراقي، يثير مصطلح " الحرب الاهلية" جدلاً كبيراً وتقاطعات كثيرة، تبعاً لطبيعة الجهات التي تأخذ به أو ترفضه أو تعترف به أو تنكره. ولعل مبعث هذا الاختلاف في الرؤى والتصورات لا يعود الى اعتبارات أكاديمية حول طبيعة الحرب الاهلية وسماتها وخصائصها وأنواعها وخصوصيتها بالنسبة للواقع العراقي، وإنما ينطلق من مواقف آيديولوجية أو سياسية أومذهبية أو إثنية أو مصلحية ضيقة، وذلك بالارتباط مع مشروع الاحتلال الامريكي للعراق وما نجم عنه من تداعيات، ثم ما يؤسس عليه من تحديات خطيرة.

الجدل الذي نحن بصدده لا يتعلق بالاطراف او الجماعات العراقية ومواقفها من الاحتلال الامريكي- البريطاني للعراق حسب، بل يمتد الى الساحة الدولية، بما فيها لجهة الاحتلال ذاته، إضافة الى مواقف الامم المتحدة وما يترتب على ذلك من اعتبارات قانونية وعملية.

ان تحديد وجهة هذا الجدل مسألة مهمة لا تتعلق بالسجالات النظرية والاختلافات الاكاديمية حسب، بل تتعلق بما سيترتب على ذلك إعترافاً او إنكاراً لوجود أو عدم وجود حرب أهلية.

من التاريخ القريب!

أتذكر قبل نحو ثلاث عقود من الزمان كان الجدل يحتدم والاستقطاب يزداد حدة والمواقف تتباعد، حول مصطلح وجود أو عدم وجود "أزمة" في معسكر التقدم والاشتراكية وحركة التحرر الوطني كما كنّا نطلق عليه.

البعض من القوميين والماركسيين كان يرفض مجرد ذكر اصطلاح "أزمة"، وكأننا ننشر الغسيل الوسخ أمام " الاعداء"، ويعتبر الحديث هو أقرب الى التشاؤم والقنوط إن لم يكن الى "الاندحارية" أو ضعف الايمانية بالنصر المؤزّر القادم والنجاحات الكبيرة التي تتحقق يومياً بافتراض حُسن النية على أقل تقدير، والبعض الآخر يخفف الأمر كثيراً عند الحديث عن الأزمة، التي يعتبرها مجرد "صعوبات" ومتاعب قد تكون طارئة أو ظرفية مؤقتة يمكن معالجتها. اما البعض الآخر، فكان يرى ان الازمة بنيوية ومركبة وهيتستفحل وتتفاقم، وإن المجتمعات الاشتراكية تختنق وتزداد إحتقاناً وتوتراً خصوصاً بسبب نقص الحريات وفداحة سياسة الاستئثار والهيمنة، مثلما هي الحال أيضاً في بلدان حركة التحرر الوطني، أي بلدان الفرع، التي سارت على خُطى بلدان الاصل، فتزداد قتامة واستبداداً.

لم يمض أكثر من عقد واحد وربما عقد ونيف، حتى انفجرت الأزمة في أواسط الثمانينات وما بعدها، وكشفت عن واقع مرير وخداع في المعطيات والارقام و"نجاحات" محدودة إنتكست بسرعة فائقةٍ وتراجعت بسبب مظاهر التسلط والانفراد وغياب او ضعف الحريات والحقوق، الى درجة ان هذه المجتمعات، التي جرى الحديث عنها باعتبارها مزدهرة وواعدة، بل انها دخلت أطواراً متقدمة من "الرفاه والتقدم"، كانت تتآكل من الداخل بصمت أحياناً وليس بمعزل عن معاناة كبيرة وفادحة شملت أكثر من جيلين، حتى أذيع السر على كل لسان بانهيار جدار برلين عام 1989.

المصطلح

ان مصطلح "الحرب الأهلية" اليوم، يثير تداعيات وانعكاسات مختلفة وربما متضاربة مثل مصطلح " الغزو" خارج نطاق التعريف القانوني باستناده الى أغراض سياسية محددة ومصلحية، حيث يعتبره البعض "تحريرا"ً، ومصطلح الاحتلال كما هو معروف في القانون الدولي، لكنه للأغراض نفسها يتساوق مع ذرائع "إستعادة السيادة" وإنْ على الورق، مع ان قرار مجلس الامن 1483 الصادر في 22 ايار (مايو) 2003 إعتبر الأمر " إحتلالاً " وشرعن ذلك قانوناً، وحتى القرار 1456، الذي صدر في 8 حزيران (يونيو) 2004، عشية ما سميّ بنقل السيادة أبقى على مظاهر الاحتلال بما فيها إخضاع القوات المسلحة العراقية للتماهي مع القوات المتعددة الجنسيات وبقيادتها، ناهيكم عن ان اتفاقيات جنيف الاربعة لعام 1949 الصادرة في 12 آب (اغسطس) وقواعد القانون الدولي الانساني، هي التي تحكم العلاقة بين القوات الاجنبية الموجودة في العراق والاقليم المحتل، رغم إختلال المعادلة والتجاوز عليها في كل يوم وفي كل مفصل من مفاصل العلاقة.

دعونا إذاً نحدد ما الذي نقصده بالحرب الاهلية ؟ حسب علم السياسة والكثير من فقهاء القانون؟ يمكن اعتبار الحرب الاهلية: كل قتال داخلي منظم ومخطط له وذو أهداف سياسية محددة ويسعى للسيطرة على الحكم أو فصل جزء من الدولة او الهيمنة عليه، سواءً إتخذ شكلاً دينياً أو مذهبياً أو عرقياً او غير ذلك.

الحرب الاهلية بهذا المعنى هي صراع سياسي مسلح بين فريقين أو أكثر في أراضي دولة ما، تجري احياناً بين جيش نظامي وميليشيات مسلحة، أو بين فصائل مسلّحة سياسية أو دينية أو مذهبية أو إثنية تشترك وتشتبك فيما بينها أحياناً ومع القوات النظامية في أحيان أخرى.

ومن سمات الحرب الاهلية، انها تمتاز بالعنف والقسوة والتطرف وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا وإلحاقها الدمار بالبنية التحتية والمرافق الاقتصادية والحيوية. كما يمكن تقسيم الحروب الاهلية الى كبيرة ومتوسطة وصغيرة، والاخيرة حسب بعض علماء السياسة تبدأ بنحو 1000 (ألف قتيل) ثم تتطور لتصبح متوسطة أو كبيرة وحسب تقديرات امريكية، فإن عدد القتلى العراقيين بلغ 655000 (ستمائة وخمسة وخمسون الف عراقي)، وهي نسبة قلل من شأنها الرئيس الامريكي بوش معتبراً العدد يتراوح بين 30 ألف و 50 ألف.

ومن أسباب ودوافع الحرب الأهلية، الإحتقان السياسي بين قيادة السلطة السياسية والمعارضة الذي قد يأخذ شكلاً مسلحاً مثلما هي الحروب الأنصارية الطويلة الأمد أو ما سُمّي بالحروب الثورية أو حروب "الغوار" ومن أمثلتها ما دعى اليه تشي جيفارا في أواسط الستينات. وقد تكون أسبابه ودوافعه دينية أو مذهبية أو طائفية لفئات تشعر بالتهميش أو أقليات مهدورة الحقوق ضد الطبقة الحاكمة وقد تكون لها جذوراً عرقية واختلافات وتناحرات قومية فضلاً عن تداخلات خارجية أحياناً.

وإذا كانت " الحرب" من جانب الولايات المتحدة حسب اعلان الرئيس بوش في ايار (مايو) 2003 قد إنتهت، (خصوصاً العمليات العسكرية الكبرى)، التي تخضع لاتفاقيات جنيف، بما في ذلك الأسرى والمنكوبين والسكان المدنيين ومسؤولية حفظ النظام العام وحماية ارواح وممتلكات المواطنين، فإنه حتى في هذه الحالة، وحتى لمجرد الاعلان الشكلي وليس الواقع الفعلي لاستمرار العمليات الحربية، فإن حالة النزاع المسلح على المستوى الداخلي، ومن الوجهة القانونية ما تزال قائمة وهو ما ينطبق عليه بروتوكول جنيف الأول لعام 1977 الخاص " بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة" وكذلك بروتوكول جنيف الثاني الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية، بالنسبة لجهة الحكومة العراقية والجماعات المسلحة، وهو ما لم تلتزم به قوات الاحتلال وكذلك القوات التابعة للحكومة العراقية، كجهتين مسؤولتين قانوناً وإنْ كان الأمر يستوجب إلتزام الجميع بقواعد الحرب بما فيها الجماعات المسلحة، اذا إعتبرناها جزءاً من حركة التحرر الوطني (المقصود المقاومة) التي عالجاها بروتوكولي جنيف المشار إليهما.

نعود الى الاختلاف في المصطلح، فالولايات المتحدة وحلفاؤها لا يريدون الاقرار بوجود حرب أهلية، لكي لا يضطروا الى الاعتراف بالتعامل مع المقاتلين بموجببروتوكولي جنيف لعام 1977، وهذا أمر قد يغيب عن أوساط غير قليلة، بما فيها بعض أطراف المقاومة التي تتصدى للاحتلال، إذ أن الأمر يرتّب لها "حقوقاً"فضلاً عن " واجبات" في التعامل.

ومن جهة اخرى فإن الإقرار بوجود حرب أهلية يعني أنّ المشروع الأمريكي الذي وعد بنعيم الديمقراطية وربيع الحرّية ليس في العراق حسب، بل لعموم الشرق الأوسط" الكبير" أو "الجديد"، قد فشل وتحوّل الى كابوسٍ حقيقي، خصوصاً إذا ما عرفنا إن الأمر لا يتعلق بالعراق وحده، وإنما إنعكاسات ذلك على الولايات المتحدة نفسها، حيث قُتل أكثر من 3000(ثلاثة آلاف) جندي أمريكي، إضافةً الى ما يزيد عن 18000(ثمانية عشر الفاً) جريحاً، فضلاً عن المجندين من المرتزقة وطالبي الجنسية أو الكارت الأخضر (الإقامة) الذين يتمّ التعاقد معهم، ولا تُدرج أسماؤهم ضمن قوائم القتلى والجرحى. ولعل هذا الأمر كان له تأثيراً كبيراً بإرتفاع أصوات المطالبين بالإنسحاب الأمريكي من العراق، حيث تجلّى بفوز الديمقراطيين بالإنتخابات النصفية للكونغرس.

واستطراداً أقول ان اسرائيل في المؤتمر الدبلوماسي بين 1974-1977، بذلت ما في وسعها وبدعم امريكي بالدرجة الاساسية للحيلولة دون انجاز بروتوكولي جنيف، لانه يمنح المقاومين والمقاتلين "الفلسطينيين" حقوقاً ترفض الاعتراف بها نظرياً وتتنكر لها عملياً، ولذلك سعت لوضع العصي أمام عجلة المجتمع الدولي والفقه القانوني- الدولي لتقنينها، إذ أن مجرد تقنينها في بروتوكولي جنيف يعتبر تطويراً لإتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949، وانتصاراً لمنظمة التحرير الفلسطينية ولحركة التحرر الوطني في حينها.

الولايات المتحدة تطلق كلمة " التمرّد" ومعها الحكومة العراقية على أي عمل مقاوم يستهدف الاحتلال، وتتهم "التكفيريين" و"الصداميين" والخارجين على القانون (الذي داست عليه وعلى اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الانساني) حسب توصيفاتها، وذلك لأن الأمر له علاقة بالحقوق التي يضمنها القانون الدولي الانساني، للمقاتلين والمقاومين، حسب اتفاقيات جنيف وملحقيها، حيث أن حق المقاومة لإستعادة الاستقلال والسيادة وتقرير المصير، هو حق مكفول ويضمنه القانون الدولي الإنساني، وهو قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي Jus Cogens، أي قاعدة واجبة الإداء وملزمة.

الحق في المقاومة هو موقف مشروع من الاحتلال، ولا يجمعه جامع مع عمليات العنف الارهابية ضد السكان المدنيين الابرياء العزّل، وإنْ اختلطت الصورة أحياناً، لكن هذا الحق مكفول، في حين ان الارهاب مرفوض ومدان ولا بدّ من استئصال شأفته (وحتى قبل أحداث أيلول/سبتمبر 2001 الارهابية الاجرامية كان قد صدر منذ العام 1963 نحو 12 قراراً دولياً لإدانة الارهاب، كما صدرت ثلاثة قرارات دولية خطيرة من مجلس الامن الدولي بعدها وهي: القرار 1368 في 12 أيلول /سبتمبر 2001، و1373 في 28 أيلول/سبتمبر2001 وهو من أخطر القرارات التي صدرت من المنظمة الدوليةو1390 الصادر في 16 كانون الثاني/يناير 2002، وإن كان هناك جدل قانوني يتعلق بدور القوى المهيمنة وبخاصة الولايات المتحدة في تكييفها بالتجاوز على بعض قواعد القانون الدولي).

والامر الذي يثير الالتباس ان القوات المحتلة والحكومة العراقية تريدان أن تأخذا المقاومة بجريرة الارهاب، بحيث تحجبا حقها في التصدي للاحتلال بحجة تداخلها مع الارهاب الدولي.

وإذا كانت بعض الجماعات الإرهابية ضمن المشهد الراهن، فالمسؤولية لا تتعلق بقوى المقاومة، بل بالفعل ورد الفعل إزاء الاحتلال والميليشيات المسلحة القريبة من الحكومة. وعلى عاتق القوات المحتلة والحكومة تقع مسؤولية حفظ النظام والأمن العام وحماية الارواح والممتلكات العامة والخاصة، مثلما تؤكد ذلك قواعد القانون الدولي الإنساني، ففي ذلك وظيفة أولية لأية حكومة وإلاّ لماذا هي إذاً حكومة إن لم تستطع تأمين ذلك؟

ورغم اتخاذ الصراع طوراً جديداً عند محطة ما سميّ نقل السيادة 2004، بدخول بوابات الحرب الاهلية، وحتى إستعار أوارها، فإن الرئيس بوش ووزرائه ومساعديه، يرفضون حتى الآن ورغم ما يزيد على عامين ونصف الاعتراف بذلك، وتستعصي عليهم عبارة الحرب الاهلية، بل انها تستشكل كثيراً، وكأن عدم الاعتراف يخفي الحقيقة الصارخة والمرّة بإخفاء الشمس بغربال.

تحدث توني سنو أواخر العام 2006 بإسم البيت الابيض في مؤتمر صحافي قائلاً: لا توجد حرب أهلية في العراق.. هكذا اكتفى بالهروب الى الامام. ويذهب هذا المذهب غالبية القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية، التي تنكر وجود حرب أهلية، أو احتراب طائفي وإن اعترفت فإنها تلقي اللوم على الآخر من خارج العملية السياسية أو المعارضين لها، وتنسى انها حكومة ووظيفتها محددة ومسؤوليتها معلومة، كما أشرنا. وإن كان مثل هذا التوصيف لا يقتصر على الإحتلال والقوى المنخرطة والمؤيدة للعملية السياسية أحياناً، بل يمتّد إلى قوى معارضة خارجها، إنطلاقاً من تحليلات، تعلّق كل شيء على شمّاعة الاحتلال والقوى المتعاونة معه، وبزواله ستعود الامور الى نصابها وذلك برؤية مبسّطة للمشهد العراقي الراهن والمستقبلي.

الصورة النمطية

يرسم البعض صورة نمطية للحرب الاهلية في ذهنه، وهي ما يحاول الاعلام أن يضخّه رفضاً أو اعترافاً. فالحرب الاهلية حسب هذا التصور بين الشيعة والسنة، وبين العرب والاكراد، وبين الكرد والتركمان، الأمر الذي يتم استبعاده، لأنه لا يقوم وفقاً لهذه المعادلة.

وهناك من المؤيدين للعملية السياسية او المعارضين لها، من يعتقد انه لا وجود لحرب أهلية بالمعنى الكلاسيكي المشار اليه في أعلاه، ويستحمدون الله أحياناً لأن الأمر لن يكون كذلك، وإنما كل ما يجري مجرد مصاعب او توترات، البعض يرمي أسبابها على التكفيريين وأنصار النظام السابق، والبعض الآخر يلقيها على الاحتلال وأتباعه والقوى التي جاءت معه ويحمّل ايران جزءاً من المسؤولية، لكنه يرفض اعتبار ما يجري حرباً أهلية.

وينسى أصحابنا من الاتجاهين ان الحرب الاهلية وفقاً لتلك الصيغة لن تقوم، لكن أمراء الطوائف، والمتنّفذين والمدعومين دولياً من الاحتلال ومن القوى الاقليمية والمستفيدينمن الاحتراب الاهلي والطائفي، يحاولون توظيف ذلك سياسياً، لكن حجم القتلى يومياً، الذي ازداد على 120 شخصاً حسب الامم المتحدة، والجثث المقطوعة الرؤوس والمجهولة الهوية، جعلت البعض يعترف وان كان على نحو مخفف بإشكالات الحرب الاهلية، فالحركة الكردية وبعض شخصياتها بدات تقول: انها ملامح حرب أهلية، في حين أن جبهة التوافق رغم مشاركتها في العملية السياسية، قالت انها مقدمة لحرب أهلية، والائتلاف الموحد يقول: انها نزاع مع الجماعات الارهابية والتكفيرية، وأطراف اخرى متابعة للشأن العراقي تعتبرها نزاعات بين جماعات مسلحة داخل السلطة وجماعات مسلحة خارجها، انها حرب ميليشيات تابعة لحركات سياسية ومذهبية تستهدف الاستحواذ على السلطة او التحكم فيها او في بعض المناطق.

وباستثناء " الدكتور إياد علاوي" (رئيس الوزراء الاسبق-القائمة العراقية) الذي قال بعد تفجير ضريحي مرقدي الامام علي الهادي والحسن العسكري في سامراء: اذا لم نسميّ ما يحدث حرباً أهلية، فما هي الحرب الاهلية إذاً ؟ ولعله كان على حق وهو مصيب في هذا الوصف، لكن هناك من يقول ان بوادر الحرب الاهلية ودخول بواباتها الاولى بدأت في عهده حين تم مهاجمة الفلوجة والنجف، وما ترك ذلك من تأثيرات وردود فعل تعاظمت فيما بعد.

تشوش الامم المتحدة

التشوش وصل الى الامم المتحدة والمرجعية القانونية الدولية، رغم ان الامين العام السابق للامم المتحدة كوفي انان حاول استعادة زمام الموقف القانوني مرتين في الاولى: عندما لم يرّخص للولايات المتحدة بعد صدور القرار 1441 بشن الحرب على العراق " بحجة " امتلاكه اسلحة دمار شامل وعلاقته مع تنظيم القاعدة والارهاب الدولي، وذهبت الولايات المتحدة وقوات التحالف الدولي لغزو العراق وإحتلاله دون تفويض من الامم المتحدة. وفي الثانية عندما إعترف ولو بعد حين بوجود حرب أهلية في العراق، ولعل هذا يرتب مسؤولية على المجتمع الدولي، الذي ظل متقاعساً إزاء الوضع العراقي سواء خلال الحصار الدولي أو عند شن الحرب او بعد الاحتلال وحالياً باستفحال الحرب الاهلية.

وباستعادة مواقف كوفي انان يمكن ملاحظة حجم الالتباس ومدى الضغوط للتأثير على القرارات بإتجاه التسييس والتوظيف المصلحي... أقول ذلك بالرغم من أنّ كوفي أنان إقترب مؤخراً من توصيف اقرب الى الواقع حتى وإن كان ذلك عشية خروجه من منصب الامين العام.

في مقابلة له مع BBC قال: العراق يشهد حرباً أهلية،وكان قد وصف الوضع قبل عدة شهور بأنه يسير نحو حرب أهلية، وأضاف اليها في وقت لاحق تقريباً، ثم جاء وصفه المثير، حين علّق على سؤال هل توجد حرب أهلية، فقال: "إنها أسوأ من الحرب الاهلية".

لعله بذلك أصاب كبد الحقيقة لأنها حرب الجميع ضد الجميع، وهي حرب شاملة سياسية وطائفية وإثنية، وبين احتلال ومقاومة، وبين أطراف عراقية مؤيدة للاحتلال وأطراف معارضة له ولكامل العملية السياسية، إذاً إنها حرب متنوعة ومعقّدة، بل هي فوضى حروب مصغرة ومتداخلة باشتباك عجيب، لكنها على أية حالليست " الفوضى الخلاّقة" التي روّج لها صانعو القرار في الولايات المتحدة، ولم تستطع مظاهر مثل، الإنتخابات والدستور والبرلمان وحرية التعبير، تخفيف نار الحرب الأهلية أو الحيلولة دون الفلتان الأمني والتطهير المذهبي والإثني.

يتبع >[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 18-01-2007 الساعة 08:03 PM
  #24  
قديم 18-01-2007, 07:54 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

نماذج من الحروب الاهلية

في التاريخ القريب او البعيد هناك نماذج من الحرب الاهلية، فحرب قرطاج ضد الامبراطورية الرومانية في القرن الثالث قبل الميلاد وحرب الهان في الصين كانت في القرن الثاني قبل الميلاد، ويمكن إعتبار حرب البسوس بينبكر وتغلب التي دامت أربعين عاماً وحرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان من الحروب الاهلية قبل الاسلام وحرب الاخوين في اسبانيا، في القرن الحادي عشر الميلادي وحرب ايرلندا واسكتلندا وانكلترا في القرن السابع عشر، كلها حروب أهلية.

وشهد القرن العشرين بعض انواع الحرب الاهلية، ففي اسبانيا دامت الحرب الاهلية ثلاث سنوات، انتصر فيها الجنرال فرانكو على الجمهوريين وكتب عنها آرنستو هامنغواي روايته الشهيرة " لمن تقرع الاجراس"!؟

والحرب الافغانية بعد الاحتلال السوفييتي وحتى الغزو الامريكي 1991-2002 والحرب الجزائرية خصوصاًضد الارهابيين، والتي دامت 10 سنوات والحرب الانغولية التي بدأت العام 1974 والكمبودية 1975 بعد نهاية حرب الفيتنام وانتصار الخمير الحمر والحرب الرواندية بين قبيلتي الهوتو والتوتسي 1990، وقد شهدت منطقة البحيرات العظمى (رواندا وبوروندي والكونغو الديمقراطية سلسلة مستمرة من الحرب الاهلية والصراع المسلح الاثني والقبلي) والحرب الصومالية 1990 او التي تجددت الآن، والحرب اللبنانية التي استمرت 15 عاماً من العام 1975 حتى 1991 و"الحرب السودانية" ضد الجنوب التي ما زالت مستمرة من اواسط الخمسينات حتى الآن، وحرب الحكومات العراقية المتعاقية ضد الشعب الكردي وبخاصة منذ اندلاع حركته المسلحة في العام 1961 وتمرده على السلطة المركزية وحتى 2003، كلّهاأنواع من الحروب الاهلية أو مقاربة لها.

الحروب الاهلية ليست كلها متشابهة، لإختلاف طبيعة المتحاربين وأهدافهم وستراتيجياتهم وإمكاناتهم والقوى الدولية والاقليمية المؤثرة على قرارهم، لذلك فان الحرب الاهلية إن لم نعترف بها وبالتالي نضع الحلول والمعالجات لوقفها واعادة لحمة الوحدة الوطنية العراقية، قبل فوات الاوان، فإن التشظي والتفتيت وربما التقسيم سيصبح أمراً واقعاً، ولن تنفع معه كل دعوات التحذير او التنديد ولن تنفع معه رغبات الانكار، أو حتى الصلوات لأن القوى المتحكمة واللاعبة الاساسية، ستمضي لتحقيق مشروعها التفتيتي التجزيئي الذي يريد تحويل المنطقة الى كانتونات وطوائفيات ومناطقيات مجهرية، بتبديد الهوية الوطنية الجامعة!!

وإذا كانت الدولة العراقية المعاصرة، التي تأسست في 23 آب (اغسطس) 1921 بعد الاحتلال البريطاني للعراق وحكمه مباشرة، تم بواسطة الانتداب، قد عانت من اشكالات سياسية خطيرة خصوصاً فيما يتعلق بحق المشاركة، إضافة الى التمييز في قانون الجنسية رقم 42 لعام 1924 والقوانين التي لحقته، وفيما يتعلق بحقوق الاكراد، ومن ضعف البنى والتراكيب المؤسسية، اضافة الى هشاشة " التجربة الديمقراطية"، فإن البلاد إندفعت الى انتهاج سياسات العزل والاقصاء، التي كرست الاستئثار والانفراد والتحكّم، والذي أدى الى ضعف الشعور بالانتماء والهوية والمواطنة.

وحينما جاء الاحتلال الامريكي-البريطاني في 9 نيسان (ابريل) 2003، فإنه كرّس الطائفية السياسية في المجتمع على نحو مريع خصوصاً بصيغة بول بريمر السحرية لمجلس الحكم الانتقالي، حين قسمّ المجتمع العراقي الى طوائف واثنيات لاغياً الهوية العراقية، ساعياً على نحو حثيث الى فصل العراق عن خاصته العربية، بل معتبراً العروبة ذميمة وفكرة منبوذة لاصقاً بها كل مساوئ النظام السابق، ولذلك إتخّذ القسمة الطائفية- اإثنية أساساً لمجلس الحكم الانتقالي بتحديد 13 مقعداً للشيعة وخمسة مقاعد للسنة وخمسة مقاعد للكرد ومقعد واحد للتركمان ومقعد واحد للكلدوآشوريين، وكأن هذه هي صورة العراق " الجديد" التي يُراد تكريسها، وهو ما تحدث عنه في كتابه My Year In Iraq (عامي في العراق) وبذلك عمّق من الفرز والاحتقان والانقسام الطائفي والاثني.

تحديــات

يمكن رصد 10 تحديات أساسية خطيرة يواجهها العراق حالياً تقود الى استمرار حالة الحرب الاهلية وهي كالآتي:

التحدي الاول

هو الاحتلال. وتمتنع الادارة الامريكية من تحديد جدول زمني للانسحاب، بل إن الرئيس بوش ذهب الى زيادة عدد القوات الامريكية في العراق بحدود 21500 جندي امريكي، واضعاً تقرير بيكر – هاملتون على الرف، ولعل هذا يعني فيما يعنيه، تصعيد العنف في العراق وزيادة حجم المواجهات وإرغام العراقيين على الانصياع لاستراتيجيته الجديدة- القديمة رغم فشلها على مدى السنوات الثلاث ونصف الماضية، بترجيح الخيار العسكري والاعتماد على ادوات أثبت الواقع أنها غير جديرة وغير مؤهلة.

التحدي الثاني

هو الطائفية. وقد تكون أكثر خطراً من الاحتلال، لأن الاحتلال سيزول لا محال، لكن الطائفية سيبقى تأثيرها عميقاً في المجتمع العراقي، وتجري حالياً عمليات تطهير مذهبي وديني وإثني بإسم أمراء الطوائف طالت أكثر من ربع مليون مواطن داخل العراق: بين الشيعة والسُنّة، وبين المسلمين والمسيحيين، والعرب والتركمان والاكراد وخصوصاً في منطقة كركوك، اضافة الى نحو مليوني عراقي اضطروا الى مغادرة العراق حسب الامم المتحدة، بينهم عدد كبير من العقول والادمغة والعلماء والاكاديميين، خصوصاً بعد تعرّض أعداد كبيرة منهم الى الإغتيال والخطف.

أتذكر هنا قولاً أثيراً لعالم الاجتماع العراقي الكبير علي الوردي عندما وصف الظاهرة بالقول : " الطائفيون بلا دين"، لأن المتدّين الصحيح والمؤمن الصادق والمسلم الحقيقي، لا يمكن ان يكون طائفياً، فما بالك عن علاقة القتل على الهوية وفرق الموت والميليشيات، بالاسلام او الايمان!!؟

التحدي الثالث

هو الارهاب، وانتشار ظاهرة الجثث المقطوعة الرؤوس والمجهولة الهوية، إضافة الى السيارات المفخخة، وأعمال العنف المنفلتة من عقالها والخطف اليومي والجريمة المنظمة، وهي احدى المشاهد المأساوية الراهنة في العراق.

التحدي الرابع

وجود الميليشيات التابعة للاحزاب الحاكمة أو القريبة من الحكم أو خارجه، إضافة الى ميليشيات حماية المنشآت النفطية والكهربائية والخاصة، والسلاح ليس حكراً على الدولة، بل ان الميليشيات ما تزال ترفض نزع سلاحها، وهو ما فشلت حكومة نوري المالكي من إنجازه، مثل فشلها في مشروع المصالحة الوطنية وخطط أمن بغداد الاولى والثانية، مثلما لاحت معالم الفشل في خطة أمن بغداد الثالثة، التي بدأت بقصف مناطق الرحمانية، واستخدام عنف مفرط في شارع حيفا ومناطق الدورة وديالى بما فيها بعض المناطق الحدودية واستشراء عمليات الاجلاء والتطهير المذهبي والقتل على الهوية.

التحدي الخامس

هو الفساد والرشوة، فبول بريمر وحده بدد 8 مليارات و800 مليون دولار، وتبعته حكومات بددت نحو 20 مليار دولار، ووزارة الدفاع متهمة بتبديد أكثر من مليار دولار خلال بضعة أشهر. والنفط ظل يُباع من دون عدادات وعمليات التهريب الداخلي والخارجي مستمرة، والهدر يقدر بين 400-800 مليون شهرياً، كما كشف عن ذلك المفتش العام في وزارة النفط، الذي قال أن خسارة العراق بلغت 24 مليار دولار منذ الاحتلال حتى الوقت الحاضر.

التحدي السادس

نقص الخدمات، فهناك أزمة في البنزين وفي الكهرباء وفي الماء الصافي في الكثير من المناطق إضافة الى عدم توفر فرص العمل، حيث بلغت نسبة البطالة أكثر من 50% حسب احصاءات الامم المتحدة.

التحدي السابع

هو التدخل الاقليمي، فكلّما ضعف العراق، كلما تعرض لتدخلات من الجيران، خصوصاً من ايران وتركيا، وهناك امتدادات كثيرة لأجهزة عديدة في العراق بما فيها لاسرائيل.

لايران نفوذ سياسي ومذهبي واستخباري ومالي، فضلاً عن تأثيرات على ميليشيا فيلق بدر وعلى أطراف في الحكومة العراقية، بحكم التقارب العقائدي والمذهبي ناهيكم عن المصالح الخاصة.

التحدي الثامن

ضعف وإضعاف المواطنة العراقية على حساب الهويات المصغرة التجزيئية، فقد كان حلّ الدولة العراقية خطأً وخطيئة ستراتيجية، دفعت الناس للإحتماء بهويات طائفية أو اثنية أو عشائرية أو مناطقية على حساب الهوية العراقية الوطنية الجامعة.

اذا كانت الفيدرالية نظاماً متطوراً، وقد أخذت به نحو 25 دولة ونحو 43% من سكان الكرة الارضية، الاّ أن ما نشهده اليوم من دعوات يختلف عن ذلك كثيراً عن حيثيات النظام الفيدرالي وقواعده العامة، خصوصاً باخضاع السلطات والقوانين الاتحادية لحساب السلطات والقوانين الاقليمية، فما بالك اذا كان الامر يرتبط بأطماع ومصالح ضيقة سياسية أو مذهبية لأمراء الطوائف، خصوصاً للفيدراليات الجنوبية، التي ستكون أقرب الى الكانتونات أو الدويلات.

أما الوضع في كردستان فهو مختلف لوجود حقوق تاريخية للشعب الكردي ومؤسسات، واقرار في الدساتير العراقية خصوصاً دستور عام 1958 (الذي إعترف بشراكة العرب والاكراد، ودستور عام 1970، الذي إعترف بوجود قوميتين رئيسيتين، هما العربية والكردية، وقانون الحكم الذاتي لعام 1974، وحكومة اقليمية بعد انتخابات حصلت في كردستان منذ العام 1992). الخلاف قد يكون حول صلاحيات الفيدرالية وحدودها وابعادها المستقبلية، وحول بعض المناطق المتنازع عليها مثل كركوك وغيرها وحول توزيع الثروات، ولعل هذه الخلافات ستفجّر الموقف بالكامل، خصوصاً اذا ما تمّسكت الاطراف المختلفة كل بمواقفه.

التحدي التاسع

يتعلق بـ علاقة الدين بالدولة، فقد ساهم وجود القوى الدينية في السلطة وخارجها او من معارضتها سعي حثيث الى تديين الدولة وبخاصة في الجوانب الاجتماعية، مما ساعد على تعزيز " التطرف" و" التعصب" و" اللاعقلانية" ومناوءة الحداثة وقضايا التقدم الاجتماعي.

وكانت الدولة العراقية منذ تأسيسها وحتى عام 2003 دولة مدنية، رغم تراجعها في السنوات الاخيرة، لكن مرحلة ما بعد الاحتلال شهدت سيادة قيم ومفاهيم متخلّفة على الدولة والمجتمع، ناهيكم عن الموقف من المرأة ومحاولة فرض الحجاب عليها والموقف من الاقليات الدينية والاثنية وغير ذلك.

التحدي العاشر

مشكلة كركوك، التي هي مشكلة عراقية بين التركمان والعرب من جهة وبين الاكراد من جهة ثانية، خصوصاً القيادات السياسية والدينية، كما انها تثير حساسيات تركية ايضا فضلاً عن حساسيات ايرانية في الوقت نفسه، للصراع التاريخي الفارسي- العثماني، ناهيكم عن مناطق النفوذ.

هذه التحديات هي التي دعت كونداليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة الى القول: ان بلادها اخطأت آلاف الأخطاء التكتيكية، ولا أدري إذا كانت آلاف الاخطاء التكتيكية لا تشكل خطأً ستراتيجياً كبيراً ؟!

ولعل الخطأ الكبير أو الخطيئة العظمى هو إقدام الولايات المتحدة على غزو العراق وإحتلاله وتوّغلها في المستنقع العراقي خصوصاً بعد حل المؤسسة العسكرية والأمنية. ومثل هذا الخطأ أو الخطيئة، هو الذي جعل الرئيس بوش يفكر في تغيير وتعديل استراتيجيته بشأن العراق من خلال سيناريوهات مختلفة، لكن ما يمكن قراءته حتى الآن هو الاستمرار في حالة " الفوضى البنّاءة" واستخدام نظرية " الضد النوعي" لضرب الشيعة بالشيعة والسنّة بالسنّة، وزيادة عدد القوات المسلحة، وهو الامر الذي يعني تجاوزاً على توصيات بيكر- هاملتون، وبخاصة ازاء الجدول الزمني للانسحاب او الاستعانة بدول الجوار وبخاصة إيران وسوريا.

وإذا كان البعض يعتقد بأن خطة الرئيس بوش الجديدة- القديمة تتضمن ثمة إيجابيات مثل إرغام الميليشيات على نزع سلاحها ومنح العراق مليار دولار لتحقيق فرص عمل وإعادة الاعمار، فإن الامر سيكون في غاية السوء، إذ أنه ليس بإمكان حكومة من هذا النوع بسط سيطرتها وهيبتها، فهي جزء من المشكلة وليست جزءاً من الحل، كما أن العراق بإمكانه توفير المال الكافي بإيقاف هدر المال العام والفساد الاداري والمالي وكذلك من واردات النفط.

المشكلة في العراق ليست أمنية أو عسكرية أو اقتصادية، بل هي سياسية بامتياز بما تحتويه من الجوانب المختلفة، إذ لا يمكن التسليم باستمرار الاحتلال وعدم تحديد سقف زمني للانسحاب، وهو ما كان على الرئيس بوش الاعتراف به وتدوير الامر الى الامم المتحدة لاقامة حكومة وحدة وطنية باشرافها لمدة عام مثلايتم خلالها الانسحاب واستعادة السيادة والاستقلال الوطنيين ووضع حد للحرب الاهلية، خصوصاً بحل الميليشيات واستعادة هيبة الدولة وقواتها العسكرية والامنية على اسس وطنية وليست مذهبية أو اثنية.

أي السيناريوهات سيتحقق، هل المضي في الاستراتيجية الامريكية "الجديدة" أم الاقرار بإخفاقها ؟ فعليه تتوقف مواجهة التحديات المذكورة، وعلى هذه المواجهة ستحدد صورة العراق المستقبلي والنتائج الكارثية للحرب الاهلية المستعِرة أو إستعادة العراق لعافيته ووحدته الوطنية!؟

***
ورقة قدمت للمركز العراقي للدراسات الأستراتيجية
عمان- الأردن - ( 11-12 ) كانون الثاني (2007 )

المصدر : التجديد العربي
[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 18-01-2007 الساعة 08:06 PM
  #25  
قديم 19-01-2007, 01:59 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

الانحراف الفكـري وأثره على الأمن الوطنـي في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربيـة

البحث الفائز في مسابقة جائزة مجلس التعاون لدول الخليج العربي للبحوث الأمنيـة لعام 1426هـ / 2005م

إعـداد

الدكتـور / محمـد دغيـم الدغيـم

أستاذ مساعد بقسم علم النفس
كلية التربية الأساسية / الكويت

مقدمــة :

من القوانين الرياضية التطبيقية الرائعة ذلك القانون الذي يؤكد: أن الخط المستقيم هو اقصر مسافة بين أي نقطتين. وتأتى روعة هذا القانون من تطبيقه على أرض الواقع حيث إنه لا يمدنا بوفرة وقت وجهد فحسب بل يمدنا أيضا بتحديد مسار ووضوح هدف.

إن الحياة كلها بمعانيها ونماذجها البشرية وغير البشرية تبقى وتستمر إذا وضعت لها الاستقامة منهجا، وتختل وتضطرب إذا كان العوج والإنحراف سبيلا لها ومسارا. فالانحراف في غالبه ضار وسيئ. فانحراف المبنى يعرضه للسقوط، وانحراف الطريق يؤدي للحوادث وانحراف السلوك يوصل للضياع والتهلكة، وذلك في كل جوانب الحياة.

والفكر كأحد جوانب الحياة الهامة إن استقام على الحق والصواب فإن حجم فوائده وكثرتها ستفيض على الفرد والمجتمع والبشرية جمعاء. وان تطرف وانحرف عن السواء، فإنه سيخطئ ويجانبه الصواب فيضل ويضلل ويضر ويهلك.

إن خطورة الانحراف الفكري تأتى من آثاره السلبية الباهظة على الفرد والمجتمع والدولة، والتي تتطلب رؤية وتروي ورصد وحصر لأهم المنابع التي تغذي هذا الانحراف وتنميه.

إن هذا البحث يتناول برؤية هادئة معالم هذا الانحراف الفكري وماهيته بدءاً بتعريفه ومرورا بمظاهره وأسبابه وتوقفا عند آثاره وأخطاره المتعددة على الأمن الوطني بجوانبه المختلفة ، ليصل في النهاية إلى علاج وتعديل الفكر المنحرف من خلال طرق وأساليب فعالة مدعومة بتخصص الباحث وخبرته العلاجية إضافة إلى المشاهدة والملامسة للواقع الخليجي والعالمي.

ويقدم البحث في نهايته دراسة ميدانية على المجتمع الكويتي تثري الإطار النظري وتعضده بهدف الوصول والحصول على مؤشرات أولية واقعية عن مشكلة الانحراف الفكري من عينة قريبة التماثل للمجتمع الخليجي.

الفصـل الأول

الانحـراف الفـكــري

المفهوم والمعالم

مـقـدمة:

لكل شيء معلم يعلمه ويميزه عن غيره، ولكل ظاهرة حدود ومظاهر تحدد جوانبها وأبعادها. والانحراف الفكري كغيره من الظواهر له مفهوم وأشكال وأنماط متعددة كما أن له أسباباً تسهم في ظهوره. وفي هذا الفصل سوف يتم استعراض مفهوم الانحراف الفكري وبيان مظاهره وأنماطه، إضافة إلى الكشف عن أهم الأسباب التي تكمن خلف ظهوره.

1- أهـمية دراسة الانحراف الفكري

يتساءل البعض لماذا نهتم بدراسة الأفكار عند الأفراد طالما أن الهدف النهائي هو السلوك والفعل؟ والجواب: هو أن تغيير الأفكار والآراء والاتجاهات يزداد معه احتمال تغيير السلوك. وذلك ما يعتمد عليه المروجون في بحوث التسويق، وفي الدعاية السياسية للمرشحين للانتخابات وغير ذلك من أوجه النشاط.

وتعتبر الأفكار والاتجاهات منبأ جيداً عن السلوك، فالشخص الذي لديه اتجاهات إيجابية نحو الآخرين والرغبة في مساعدتهم والميل إلى العمل التطوعي فإننا نعتقد أن هذا الشخص سوف يسلك سلوكا إيجابياً إذا توافرت لديه الظروف المناسبة لهذه المواقف. وبالمقابل فالشخص الذي يحمل أفكاراً سلبية عن الآخرين، أو اتجاهات عدائية نحوهم، فإنه قد يسلك سلوكاً مؤذيا نحوهم.

وإضافة إلى أن الأفكار تتنبأ بالسلوك، فإنها تدفع السلوك وتوجهه نحو غايات مشروعة أو ممنوعة. ففي مجال الصناعة والاختراع على سبيل المثال، فإن كل اختراع مادي يكون مسبوقاً بفكرة وهاجة في عقل المخترع برزت وتبلورت حتى ظهرت إلى الوجود في شكل إنتاج ملموس. ومن جانب آخر فإن كل جريمة على الأرض مسبوقة – تفكيرا وزمنا – بفكرة شريرة في العقل. فالفكر الإجرامي والإرهابي هو نطفة الجريمة، أما الفعل الملموس للجريمة أو الإرهاب فهو الوليد لهذا الفكر. فالسيارة أو البناية المفخخة بالمواد المدمرة القاتلة هي انعكاس ونتاج أدمغة مفخخة بالشر والعدوان، ولذلك فإنه مهما اتسعت دائرة البحث عن عوامل وأسباب ودوافع العنف والإرهاب والعدوان فإن العامل الحاسم والسبب المؤثر، والدافع المسيطر في هذا الأمر هو الانحراف الفكري عن جادة الحق والصواب والأمر بالمعروف .

ويتمثل الانحراف الفكري في الأفكار الشريرة والشيطانية الموجهة لتدمير المجتمع وتمزيقه وهي أفكار متطرفة ومشوهة وعدائية ولها تأثير عنيف ومدمر على أمن المجتمع وسلامته.

إن هذه الأفكار الشريرة كانت ولا تزال هي الدافع للأعمال العدوانية، فهي التي تقف وراء سلوك جماعة "الحقيقة المطلقة" في اليابان. ووراء جماعات الانتحار الجماعي في أمريكا ، وهي التي تقف وراء التفجير والتدمير وقطع الرُووس وترويع النفوس في البلدان التي تواجه عمليات إرهابية مثل السعودية والكويت ومصر وقطر والعراق وغيرها.

وتشير الوقائع والأحداث أن الصراع بين الدول بدأ يأخذ طابعاً فكريا حيث اتجه كل طرف إلى غزو الأفكار وتحريفها عن طريق وسائل عديدة: ثقافية كانت أو إعلامية، بهدف طعن مبادئ وأخلاقيات الطرف الآخر وإضعاف قدراته، وتشتيت جهوده، وإثارة الفتن والشبهات والتشكيك فـــي مبادئه وقيمــه الثابتة التــي يؤمن بها، وإحلال مفاهيم وقيم وأفكار بديلة هزيلة ذات منطلقات وأهداف منحرفة تؤدي بشكل أو بآخر إلى الانهيار الفكري والاجتماعي لأفراد المجتمع واستهداف الأمن الوطني للدولة من أجل أهداف وغايات معينة .

ولقد أصبح الفكر المنحرف أشد أنواع الانحرافات وأكثرها خطورة والمعول الأخطر للنيل من استقرار المجتمع وأمنه بسبب آثاره السلبية على جوانب الأمن الوطني المختلفة كالأمن الاجتماعي والأمن الفكري والأمن السياسي والأمن الاقتصادي.

ومن هنا فمن الأهمية بمكان دراسة الانحراف الفكري بمظاهره وأشكاله ودوافعه وآثاره. وتكمن تلك الأهمية في ضرورة دراسة الانحراف الفكري وآثاره دراسة علمية هادفة هادئة بعيدة عن المثيرات الإعلامية والانفعالية وعن الغايات السياسية. وكذلك معرفة ديناميات هذا الانحراف الفكري وربطه بكل المتغيرات الشخصية والاجتماعية والسياسية والدينية التي تكمن خلفه.

ولعل من الأهمية التطبيقية لموضوع الانحراف الفكري والذي يسعى إليه هذا البحث هو تفعيل دور المؤسسات الاجتماعية بأنواعها، وتعاونها في بذل أقصى الجهود لمعالجة مشكلة الانحراف الفكري في دول مجلس التعاون الخليجي، ضمن إستراتيجية وقائية وعلاجية شاملة.

2- مفهوم الانحـراف الفـكــري

هناك شبه اتفاق بين المهتمين في العلوم الحديثة بأنه لا يمكن دراسة وفهم أي علم قبل تحديد مصطلحاته ، وتعريفها تعريفاً واضحاً ودقيقاً. فالتعريف المحدد لمصطلحات ومفاهيم الظاهرة أو المشكلة لا يُسهل فهمها فقط، بل يُعين على بناء أدوات لقياسها والتنبؤ بها والسيطرة عليها.

ويعد موضوع الانحراف الفكري من المواضيع التي ينقصها صياغة تعريفية واضحة ومحددة. ويسعى الباحثون إلى الوصول إلى تعريف محدد لمفهوم الانحراف الفكري، إلا أن هناك خلافاً في الاتفاق على تعريف قاطع ومحدد للمفهوم.

ولعل أول الصعوبات هي أن معنى مفهوم الانحراف يتفاوت بين العلوم الحديثة تفاوتا كبيرا. فالانحراف عموما في اللغة يعني: الميل عن الوسط و الاعتدال، وبهذا فإن كل ميل عما هو مألوف يعد انحرافا. ويعني الانحراف أيضا التباين عن خط أو معيار مقنن يرجع إليه .

فالانحراف في القانون مثلا: هو الخروج عن القانون وعدم الالتزام بأحكامه وقواعده وتشريعاته المتعارف عليها. والانحراف في علم الاجتماع: هو سلوك الفرد المخالف عن الجماعة التي يعيش فيها أو سلوك الجماعة المتعارض مع سلوكيات الجماعة الأم أي المجتمع. أما علم النفس: فالانحراف يكمن في السلوك الذي لا يتفق مع المعايير والقيم السائدة في المجتمع كالكذب أو السرقة أو العدوان حتى في الطب: فإن الحول وهو أحد العيوب البصرية يعني أن تكون أحد العينين في اتجاه مستقيم، بينما تنحرف العين الأخرى للداخل أو للخارج أو لأعلى أو لأسفل.

أما في مجال الأفكار فإن الوصول إلى تعريف قاطع ومحدد لمفهوم الانحراف الفكري تكتنفه بعض الصعوبات. ولعل صعوبة تحديد مفهوم الانحراف الفكري يكمن في عوامل متعددة. منها تداخل مفهوم الانحراف مع مفاهيم أو ظواهر أخرى قد تستخدم كمرادف له وتوحي بالمعنى نفسه مثال ذلك: التطرف والتشدد والجمود والتصلب والإرهاب. ومن العوامل كذلك أن الانحراف الفكري يحدث في جوانب متنوعة من الحياة مثال الانحراف الفكري السياسي، والانحراف الفكري الديني، والانحراف الفكري الإعلامي... الخ. ويبقى اختلاف الأفراد بشكل عام والباحثين بشكل خاص في نسبة الانحراف الفكري إلى مسببات واضحة وواحدة وراء عدم الاتفاق على تعريف محدد لمفهوم الانحراف الفكري. فأحيانا ينسب إلى عوامل نفسية، وأحيانا أخرى إلى عوامل اجتماعية، أو قد يعزى إلى الاثنين معا.ً

ولاشك أن مفهوم الانحراف الفكري يحتاج في الوقت الراهن على الأقل إلى محاولة لصياغة تعريف مبسط ومحدد وهو ما يسعى إليه هذا البحث في إطار اجتهاد يحتاج إلى مراجعة وإضافة. وعليه يمكن القول إن الانحراف الفكري هو انحراف الأفكار أو المفاهيم أو المدركات عن ما هو متفق عليه من معايير وقيم ومعتقدات سائدة في المجتمع. أو بصيغة أخرى هو الفكر الذي لا يلتزم بالقواعد الدينية والتقاليد والأعراف والنظم الاجتماعية السائدة والملزمة لأفراد المجتمع .

3- مـظاهر الانحـراف الفـكــري

للانحراف الفكري أشكال متعددة منها ما يمكن ملاحظته والتحقق منه، ومنها ما هو خفي غامض لا يمكن إدراكه واكتشافه. إلا أن الوقائع والأحداث والمعاملات تستطيع أن تكشف عن هذه المظاهر الخفية للانحراف الفكري. ولعل من أهم تلك المظاهر ما يلي:

أ- القدرة على التضليل والخداع

لا يكاد يمر يوم دون أن تنشر الصحف اليومية حوادث نصب واحتيال يقع فيها كثير من السذج والبسطاء وحتى المثقفون والمتعلمون. ويقوم النصابون والمحتالون أبطال هذه الحوادث باستعمال طرق وأساليب احتيالية تدليسية توهم الناس بالكشف عن المستقبل، والقدرة على قضاء الحاجات وعلاج الأمراض المستعصية وإحداث الأمل بحصول أرباح من مشاريع وهمية أو القدرة على الإضرار بالآخرين والسيطرة عليهم.

وتشير بعض الدراسات إلى أن انحراف أهل النصب والاحتيال يكمن في انحراف تفكيرهم قبل سلوكهم وإيمانهم بطرق ووسائل غير مشروعة للكسب والثراء السريع . ويتجلى الانحراف الفكري للمحتالين في الإضرار بالغير والاستيلاء على قلوبهم وعقولهم عن طريق الخداع والإقناع والتأثير وإيهامهم بوسائل إعلان خادعة وأساليب دعائية براقة.

إن القدرة على الإقناع تكون مقبولة إذا استخدمت وسائل واضحة ومشروعة تحترم عقل الفرد وإنسانيته. ولكن إقناع الآخرين عن طريق الكذب والتضليل والاحتيال من أجل الوصول إلى منفعة شخصية أو اقتصادية أو سياسية يعتبر مظهرا جليا من مظاهر انحراف الفكر والسلوك. ومثال ذلك ظهور بعض الأفراد المدعين للنبوة سواء كانوا مؤمنين بهذا الادعاء، أو بهدف النصب والشعوذة، و إيهام الكثير من الأتباع والمريدين بقدرتهم على النفع والضر.

وظاهرة ادعاء النبوة بدأت منذ ظهور الإسلام وكان من أبرز مدعيها مسيلمة الكذاب وسجاح التميمية والأسود العنسي. وهي ظاهرة تشير إلى انحراف فكري عند بعض الناس حيث أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبر بأنه خاتم النبيين ولا نبي بعده وان من يدعي ذلك دجال كذاب ، ومع هذا النفي والنهي النبوي فانه لايزال بعض أصحاب الفكر المنحرف والسلوك المرضي يدعون من وقت إلى آخر بالنبوة و ينجحون بسبب قدرتهم على الإقناع والتأثير في استقطاب أتباع لهم من السذج من صفوة المجتمع بينهم بعض أساتذة جامعة و بعض أطباء وبعض معلمين يؤمنون بهم ويتبعونهم. إلا أنهم سرعان مايكتشف أمرهم وتقوم الشرطة باعتقالهم ومحاكمتهم.

إن من خصائص الفكر المنحرف استعمال اللغة الانفعالية في التأثير والتغيير في الآخرين. وحرصه على خلق الاقتناع في النفوس أكثر من حرصه على تشجيع التفكير الواضح. وآلا فما الذي يجعل أفرادا وجماعات تقتنع بالموت انتحارا بعد خطبة مؤثرة من زعيمها الروحي؟ . ومن الذي اقنع الشاب اليافع أن يلغم جسده بالقنابل الفتاكة لتقطع جسده أوصالا باسم الجهاد والاستشهاد؟.

لقد تبين من التحليل الاجتماعي المتعمق لممارسة العنف والتطرف في المملكة العربية السعودية حسب ما نشرته وزارة الداخلية من معلومات عن بعض من قبض عليهم من المطلوبين أمنيا في حوادث التفجيرات، وحسب اعترافاتهم في الأشرطة التي عثر عليها رجال الأمن ، أن هناك خصائص مشتركة تجمع هؤلاء الشباب الذين يحملون الفكر المتطرف والمتسم بروح التدمير والتخريب كان من أهما القابلية للإيحاء.

فقد تبين من الاعترافات أنهم استقوا الكثير من المعلومات من بعض الرموز الدينية خارج الوطن دون مناقشة أو تمحيص، وإنما أخذوا هذه الأفكار كمسلمات غير قابلة للنقاش .

ب- تشويه الحقائق

يتسم الفكر المنحرف بقدرته على قلب المفاهيم وتشويه الحقائق وطمسها، وتقديم أدلة وبراهين غير كافية أو مناقضة للواقع، و استعمال الكلمات بمعان مُبهمة غير محددة أو بمعان متقلبة ومختلفة .

وتشويه الحقائق لدى الفكر المنحرف تكمن في الرفض القاطع للحقائق والأدلة عن طريق التحريف والتشويه والتسفيه والقدرة على خلق الأكاذيب، إضافة إلى تكذيب الآخرين وعدم الثقة فيهم، والميل إلى التحريض والتآمر عليهم عن طريق إخفاء الحقائق والتشكيك فيها.

ومن أمثلة تشويه الحقائق ما يزعمه ما يسمى "بتنظيم القاعدة في الجزيرة العربية" من أن قتاله موجه نحو الصليبية والصهيونية بسبب حربهما ضد الإسلام والمسلمين في كل مكان. فيورد التنظيم ضمن هذا التبرير أسماء فلسطين والعراق وغوانتانامو والشيشان وأفغانستان والفلبين وكشمير. ومن جانب آخر إعلان التنظيم باستمرار "ارتداد الحكومة السعودية وعمالتها" لسماحها بوجود قوات أمريكية على أراضيها مما يوجب قتالها باعتبارها قواعد لضرب المسلمين. ورغم أن الحكومة السعودية أعلنت سحب القوات الأمريكية من قواعدها العسكرية في السعودية وعرضت صورا للانسحاب، إلا أن هذا التيار يرفض ذلك ويعتبر القوات مازالت في السعودية ليصبح بالتالي المطالبة بإخراج القوات الأمريكية شعار تحريض لاستمرار العنف، وهو ما تشير إليه مجلة "صوت الجهاد" الناطقة باسم التنظيم من دعواتها المتكررة إلى تحريض الشباب لمواجهة السلطة والبدء بعمل جهادي، وسرد العدد من القصص والعمليات ومواجهة السلطة والهرب منها بسلام.

ومن مظاهر تشويه الحقائق في الفكر المنحرف تسمية الأشياء بغير أسمائها، فالعزلة والانسحاب تسمى هجرة و تفكير، والقتل والإفساد يزعمونه جهاداً، والانتحار في رأيهم شهادة . ولعل المتتبع على سبيل المثال لأدبيات "تنظيم القاعدة" يلاحظ هذا الجانب في تشويه المسميات وتحريف المقاصد. فيسمون المملكة العربية السعودية بأرض الحرمين، والشعب السعودي بشعب الجزيرة العربية، والحكام "بالعملاء" ، والمفجرين "بالمجاهدين"، وحوادث الاعتداء بالغزوات مثل غزوة نيويورك وغزوة جـدة وغيرها.

ومن الأمثلة الحية الأخرى على كيفية تشويه الحقائق لدى الفكر المنحرف، مكوث الرئيس العراقي السابق صدام حسين أحدى عشر سنة (1991 – 2002) وهو ينكر حقيقة هزيمته أمام قوات التحالف التي أخرجته من الكويت بعد أن احتلها عام 1990م ، وفرض هذا الواقع على شعبه وإطلاقه على تلك المعركة اسم أم المعارك، كما حدد لها يوما وطنيا يحتفل الشعب العراقي فيه بذلك النصر الزائف.

ج- تبرير الغايات

يتحقق التصور الشرعي من التكليف بامتثال أوامر الشارع واجتناب نواهيه، سواء نوى عند الامتثال الوصول إلى تلك المقاصد أو لم ينو، ولهذا كان عمله صحيحا في الحالتين، ولكن ليس له أن يتوجه بالتكليف إلى غير ما شرعت له بحال، فمثلا من أدى الصلاة المفروضة ليحصل له ما شرعت لجله، من تهذيب النفس وإبعادها عن الفواحش في الدنيا، ونيل الثواب في الآخرة فعمله صحيح موصل إلى الغرض المقصود شرعا. أما من صلى ليخدع الناس، ويحملهم على الاعتراف بصلاحه وتقواه مثلا فصلاته مردودة عليه، وغير موصلة إلى المقصود الشرعي منها. ذلك لأن التكاليف إنما وضعت لدرء المفاسد وجلب المصالح، فإذا قصد المكلف غير ذلك كان بقصده مناقضا لغرض الشارع .

إن الفكر الإسلامي الصحيح لا يعاني خلطا بين الغايات والوسائل، بل أن أهدافه واضحة محددة تتحقق من خلال وسائل معلنة ومشروعة، فهو فكر سوي لا يعرف الغدر أو الغش أو المخادعة. فهو فكر يأنف من صفات الغدر والكذب مهما جرت عليه هذه الصفات من منافع ومهما حققت له من مكاسب، ذلك أن هدى الإسلام يعد أصحاب هذه الصفات من المنافقين الذين وصفهم القرآن " بالطبع على قلوبهم " الذين يميلون إلى الدفاع عن أنفسهم بتبرير أفعالهم.

ولكن عندما ينحرف الفكر ويعوج فأنه يركب أي وسيلة للوصول إلى غايته، فيتبنى مبدأ الغاية تبرر الوسيلة وهو مبدأ ارتبط باسم ميكافيلي(*) لعدم تورعه عن تقديم النصح للحاكم باستخدام أية وسيلة متاحة في الصراع على السلطة.

ومن أمثلة انحراف الفكر في تبرير الغايات والمقاصد تنادي بعض المنظمات الفلسطينية بعد حرب 1967م، بشعار " تحرير القدس يبدأ من تحرير عمان " أو أي عاصمة أخرى. ولقد تكرر هذا الشعار عندما احتل العراق دولة الكويت عام 1990م وبرر النظام العراقي ذلك الاحتلال أنه من أجل هدف أسمى و أعلى وهو تحرير الأراضي العربية المحتلة.

ومن الأمثلة الأخرى المعاصرة التي تعكس تبرير الغايات في الفكر المنحرف ما تقوم به الجماعات المتطرفة من تفجير وتدمير وقتل الإنسان في أي مكان وزمان حتى في الأشهر الحرم فهم يؤكدون بأن ".....كثير من العمليات التي يقوم بها المجاهدون تصادف الشهر الحرام، والذي لا يُشكُّ فيه أنَّ عمليات المجاهدين اليوم مشروعةٌ لا خلاف فيها ، فهي من جهاد الدفع الذي هو قتال اضطرار لا يتعلق بشهر حرام ولا غيره." .

د - التبسيط المُخل:

ينظر التفكير السوي إلى الأحداث والقضايا نظرة منطقية، جادة، متزنة دون تعقيد مضل أو تبسيط مخل لكي يقف على الأسباب والنتائج. اما التفكير المنحرف فانه يعالج الأمور والأشياء بنظرة غير متوازنة، فينظر إلى توافه الأمور نظرة جدية و صرامة ويرى عظائم الأحداث بسطحية وتسفيه.

وفي واقعة تدل على هذا النمط الفكري السطحي المبسط للأمور تبسيطا مخلا رغم أهمية الأمر وخطورته، مارواه الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن ابن أبي نعيم قال: جاء رجل إلى أبي عمر وأنا جالس، فسأله عن دم البعوض ؟ فقال له: من أنت ؟ قال من أهل العراق. قال: ها ! انظروا إلى هذا، يسأل عن دم البعوض، وقد قتلوا أبن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . (يعني الحسين رضي الله عنه ) وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "هما ريحانتاي في الدنيا" .

ويزخر التاريخ أيضا بأمثلة للانحراف الفكري المتسم بالبساطة المخلة في قياس الأمور وإدراكها. من أبرز تلك الأمثلة ما عرف عن فكر وسلوك الخوارج واتصافهم بالغلظة والجفوة والعنف على المسلمين، فاستحلوا دماءهم وأموالهم وأعراضهم في حين انهم يرحمون أعداء الإسلام من أهل الأوثان. وقد أخبر عنهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بوصفهم بأنهم: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) .

ولقد سجل التاريخ صحائف سوداء في هذا السبيل من ذلك عندما لقي الخوارج في طريقهم عبد الله بن خباب ، فقالوا: هل سمعت من أبيك حديثا تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدثناه؟ قال: نعم، سمعت أبي يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول . قالوا: أنت سمعت هذا من أبيك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم. فقدموه على شفير النهر، فضربوا عنقه، فسال دمه كأنه شراك نعل، وبقروا بطن أم ولده وكانت حبلى، ونزلوا تحت نخل كثير الحمل بالرطب بنهر فسقطت رطبة فأخذها أحدهم، فقذف بها في فيه، فقال أحدهم: أخذتها بغير حقها، وبغير ثمنها، فلفظها من فيه. واخترط أحدهم سيفه، وأخذ يهزه، فمر به خنزير لأهل الذمة، فضربه به، يجربه فيه. فقالوا: هذا فساد في الأرض، فلقي صاحب الخنزير فأرضاه في ثمنه .

ولقد ظهر هذا الفكر المنحرف في تبسيطه المخل للقضايا على يد بعض جماعات التطرف المعاصرة، حيث نادى بعضها جهلا بالجهاد الإسلامي والدعوة إلى قتل غير المسلمين أينما كانوا وعلى أي صفة وجدوا، وإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وأن قتلهم هو وسيلة لإخراجهم دون اعتبار لحرمة الأنفس المعصومة أو المعاهدين والمستأمنين في بلاد المسلمين(*) .

وبلغ الانحراف الفكري المتطرف ذروته في التبسيط لدى أفراد من هذه الجماعات من المطلوبين أمنيا في أحداث التفجيرات الأخيرة في كل من الرياض والكويت عندما عثرت قوات الأمن على مذكرات وبحوث شرعية لأفراد التنظيمات الإرهابية ذات عناوين متطرفة مثل: "الباحث عن حكم قتل أفراد وضباط المباحث" و "تحريض المجاهدين الأبطال على إحياء سنة الاغتيال " و "تطمين النفوس في جواز قطع الرؤوس"، وكلها كما يبدو انعكاس لاتجاهات وتنظيرات فكرية تسير نحو الإباحة والجواز والتحليل لما هو عظيم الحرمة مثل: القتل والاغتيال وقطع الروؤس.

يتبع >
موضوع مغلق

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
إحصاءات وإستطلاعات سياسية castle المنبر السياسي 36 04-08-2009 08:08 PM
مقالات وآراء وحوارات سياسية castle المنبر السياسي 128 24-05-2009 01:14 PM
بيئة تعليمية صحية خالد سيف الدين عاشور منتدى التربية والتعليم 5 16-02-2009 04:49 PM


الساعة الآن 01:40 AM.


New Page 4
 
 المركز التعليمي منتديات الحوار تسجيل النطاقاتخدمات تصميم مواقع الإنترنت  إستضافة مواقع الإنترنت  الدعم الفني لإستضافة المواقع
  متجر مؤسسة شبكة بوابة العرب   الدردشة الصوتية والكتابية  مركـزنا الإعـلامي  مـن نـحــن  مقــرنـا  قسم إتفـاقيات الإستــخــدام
Copyright © 2000-2014 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com