تابع بوابة العرب على تويتر 

يمنع منعاً باتاً نشر الكراكات أو روابط لها أو نشرالسيريال نمبر ومفاتيح فك البرامج الغير مجانية وروابط الافلام




سكربتات وتصاميم لأصحاب المواقع والمؤسسات والشركات وخصم خاص لاعضاء شبكة بوابة العرب

     
عادل محمد عايش الأسطل   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > منتديات الشؤون السياسية > منتدى العلوم السياسية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 03-12-2006, 02:29 AM
ابن حوران ابن حوران متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: May 2005
المشاركات: 2,203
افتراضي صناعة القرار السياسي الأمريكي .. كيف ؟




صناعة القرار السياسي الأمريكي .. كيف ؟

قد تختلف الولايات المتحدة الأمريكية ، عن كثير من دول العالم ، كونها دولة حديثة في تكوينها نسبيا ، وهذا سيجعل ذاكرة من يعيش بها تجاه مفهوم الدولة يرتبط بتاريخ تواجده في تلك البلاد ، كما يكون لحجم التضحيات او المغامرة التي قدمها فرد أو مجموعة ، هو وراء شكل نظرته لتقييم السياسات الحكومية ، وهذا يختلف بشكل مؤكد عن شعوب الدول التي لها آلاف السنين في نفس المكان و تعددت روافد ذاكرة الفرد بها وما سيترتب على تلك الذاكرة من تقييم لسياسات حكومته .

ان الوضع في أمريكا ، يشبه وضع مساهمين في شركة واضحة حدود شراكتهم الزمنية ، وانتهوا من خلافاتهم حول نمطية التعايش ، بعد الحرب الأهلية التي تلت الاستقلال . أو قد يكون وضع سكان أمريكا أشبه بوضع اللصوص او الغزاة الذين تمكنوا من بسط نفوذهم على مساحة أرض ، ووجدوا الطريق لإسكات بعضهم البعض ، من خلال اقتسام تلك المساحة ، حسب تاريخ وصول الغزاة وقوتهم .. فوضعوا مسودات لتنظيم حالة التعايش فيما بينهم وجرى تعديلها أكثر من مرة لتضمن حالة السلم فيما بينهم .

ان تمازج الأذواق والثقافات والرؤى التي تعتمد على ذاكرة المنشأ في الأصل ، فان ابتكار خليط من نتاج المعارف صنع حالة ، كان على القادم الجديد فيما بعد ان يقبل بها أو يسكت عنها ، لكي يضمن لنفسه تحقيق أهدافه التي هاجر من أجلها ناشدا الراحة والمال . من هنا كان للقوى الأصلية التي كانت من أصول أوروبية والتي انصهرت مع بعضها ، كما في حالة جنوب إفريقيا و استراليا وحتى الكيان الصهيوني .. كان لها الكلمة العليا في تحديد معالم سياسات البلاد ، وان أصبحت تداهن الجماعات التي قدمت فيما بعد ، لضمان تصويتها لصالحها .

ان هذا التأسيس للصورة ، قد يصلح أن يكون مؤثرا ، حتى حرب فيتنام ، أما بعد حرب فيتنام والهزيمة التي نجمت عنها ، وفضيحة ووترغيت ، قد أحدث تغييرا ملموسا في قنوات صناعة القرار السياسي الأمريكي .. ونحن إذ نحاول محاولة متواضعة لتتبع تلك القنوات ، نكون قد أسهمنا في الإشارة الى موضوع يكاد لا يطلع شمس نهار على أمتنا الا ونحن على صلة بآثار تلك الدولة .

لقد ظن البعض أن الرئيس الأمريكي هو صاحب القرار الأول والأخير في كل شيء ، وقد ظن الآخرون ان الكونجرس هو ما يصنع كل خطوط السياسة الأمريكية ، وقد ظن البعض ان جماعات الضغط هي ما توحي بشكل تلك السياسات ، وقد يقول قائل أن الصحافة ومعاهد الدراسات المتخصصة هي ما توحي برسم سياسة الحكومة ..

هذا ما سنتتبعه في تلك السلسلة المتواضعة من المقالات .
ـــــــــــــــــــــــ
اسم الكتاب الأصلي : صنع السياسة الأمريكية .. والعرب
المؤلف : د محمد عبد العزيز الربيع
دار النشر : دار الكرمل/ صامد ـ عمان / الأردن
رقم الإيداع/83/2/1990
ملحوظة : كنت قد تدخلت في تصرف في بعض الوقائع التي حدثت بعد نشر الكتاب .


ضوء على الدستور الأمريكي :
استطاع الدستور الأمريكي أن ينظم نمو وحركة مجتمع موزائيكي ممزق ، طحنته الحرب الأهلية و الأحقاد ، ويجعل من أمريكا خلال مائتي عام دولة قوية اقتصاديا وعسكريا و سياسيا . ومن يدري فالعمار في أرض صليخ أكثر توفيقا من إعادة ترميم عمار قائم .

لقد رتب الدستور الأمريكي الأدوار ، وأعطى خصوصية الولاية حقها وضمن حرية الأديان وإطلاق الإبداع ونظم دور كل من سلطات الرئيس والكونجرس والقضاء .. وقد تكون الحرب الأهلية هي التي ألهمت واضعي الصيغ ، ليكونوا حذرين في إيجاد منابت الخلاف المجدد بين سكان تلك البلاد .. وهذه الأريحية وهذا النجاح استهوى صفوة علماء ومبدعين العالم ليهاجروا الى تلك البلاد ليزيدوا من عوامل قوتها .

الرئيس :
أعطى الدستور الرئيس الذي ينتخب كل أربعة سنوات ، ويجوز له الترشيح و إشغال المنصب لدورتين متتاليتين .. الحق في تمثيل البلاد خارجيا وقيادة القوات المسلحة وعقد الاتفاقيات الخارجية وتعيين السفراء وأعضاء محكمة العدل العليا وشن الحروب ، شريطة موافقة الكونجرس بذلك .. أي رغم الصلاحيات الواسعة الا انه ربطها بموافقة الكونجرس .

الكونجرس :
يتكون الكونجرس من مجلسين : النواب و عددهم 435 وتعطى كل ولاية عددا يتناسب مع عدد سكانها فمنها الكثير مثل كالفورنيا ومنها القليل مثل ايوا . أما مجلس الشيوخ فتتساوى الولايات بالأعضاء حيث يكون لكل ولاية عضوان من أصل مائة عضو .

ويجري انتخاب نصف مجلس النواب كل سنتين ، أي أن مدة الدورة الواحدة للعضو الواحد هي أربع سنوات ، ويحق للعضو الترشيح لعدد غير محدود من المرات فهناك من الأعضاء من استمر تسع دورات .. وغالبا ما يعاد انتخاب اكثر الأعضاء ففي عام 1988 أعيد 98% من الأعضاء السابقين .

أما الشيوخ فينتخب منهم الثلث كل سنتين ، أي أن الدورة الواحدة هي ست سنوات وليس أربع كما في مجلس النواب .

ويشرف الكونجرس على وضع الميزانيات ومراقبة الصرف ، من خلال لجانه ، وتنظيم التجنيد ، واستجواب المسئولين ، واقرار الإتفاقيات والسياسة الخارجية .

خلافات حول صلاحيات الرئيس و الكونجرس :
معلوم ان الكونجرس ينتخب بعد أن تقدم الكارتيلات والترستات الإمبريالية مرشحيها وفق أجندة مصالحها المادية ، وحتى ان اتفق ان يكون هؤلاء المرشحون ، ينتمون للحزب هذا أو ذاك ، فان غلبة تقديم مصلحة الكارتيل او الشركة التي تقف وراء هذا المرشح ، والذي قد يفوز بالانتخابات ، على رؤية الرئيس كونه يمثل مجمل الكيان الإمبريالي كمجموع .

وقد بين باحثون أمريكيون كلفهم ريغان عام 1982 بوضع دراسة عن مستقبل أمريكا ، ان عضو الكونجرس يتقاضى ما مجموعه سبعة رواتب ، منها الراتب من الحكومة الفيدرالية و الستة الباقية ، تدفعها جماعات ضغط (لوبي) للعضو سرا لتمرير أو ايقاف بعض مشاريع القوانين التي تفيد او تضر ما تمثله جماعة الضغط نفسها ، وسنأتي على ذكر ذلك بتفصيل أكثر فيما بعد .

لقد تكررت الصدامات بين الرئيس والكونجرس مثلا في الفترة الواقعة بين عامي 1984 و1988 ، ويلاحظ باستمرار ان معظم الخلافات تتم في الدورة الثانية التي قد يحظى بها رئيس أمريكي .
فوقف صفقات بيع سلاح للأردن والكويت والسعودية ، في تلك الفترة ، رغم تيقن الجميع بقوة الروابط بين تلك الدول و الحكومة الأمريكية ، فقد عطلت تلك الصفقات ، نتيجة فعل استثنائي من اللوبي الصهيوني . وهذا ينسحب على إغلاق مكتب منظمة التحرير في نيويورك ، وكذلك طلب الكونجرس بوضع شروط إضافية على المساعدات السنوية لمصر و الأردن .

وعندما أحس الرئيس بحرج موقفه ، لجأ الى حيل قانونية كإبراز اتفاقية اعتماد نيويورك كمقر للأمم المتحدة ومعارضتها لإغلاق مكتب منظمة التحرير ، وهذا ما أوحي للمحكمة الخاصة التي عرضت عليها تلك القضية (الطلب) .

كما لجأ الى حيلة وضع مسودة قرار نقض (فيتو) يسمح للرئيس بتمرير بعض القرارات دون مضايقة الكونجرس ، لكن ريغان فشل في إقناع حتى الجمهوريين بالتنازل عن جزء من صلاحياتهم .
لذا التف الرئيس بحصر بعض النشاطات الاستخبارية و ما تقوم به صرفيات ، لوكالة المخابرات المركزية ، التي تفلت في كثير من الأحيان من رقابة الكونجرس الصارمة .

وزارة الخارجية :
يعتبر وزير الخارجية الشخص الأكثر أهمية بعد رئيس الولايات المتحدة ، وهو الذي يمثل الدولة لدى الكونجرس وهو الذي يدير سياسات الدولة الخارجية ، وهو الذي يدافع عن برامج الدولة في كل المجالات ، وهو الذي يقترح و ينظم برامج المساعدات الخارجية ..

ويساعد وزير الخارجية (25) ألف مساعد ، نصفهم خارج البلاد موزعين على أكثر من (140) سفارة ، و النصف الآخر يقيم في مباني الوزارة داخل الولايات المتحدة .. وتزود وزارة الخارجية الدولة الأمريكية بأكثر من نصف المعلومات اللازمة لإدارة علاقاتها ..

يصدر عن وزارة الخارجية يوميا مالا يقل عن (1000) برقية موقعة من وزير الخارجية ، وتتلقى مثل هذا العدد .. ويشارك ممثلو الوزارة ب ( 12) مؤتمر دولي يوميا ، كما يستقبل ممثلو الوزارة يوميا في مبنى الوزارة و الأمم المتحدة مالا يقل عن (8) وزراء أو سفراء لدول أجنبية ..

وتبلغ ميزانية الوزارة السنوية حوالي (4) مليارات دولار .. تصرف على رواتب العاملين وبعض الشؤون الأخرى .. ويتبع للوزارة وكالة التنمية الدولية والتي تنظم برامج المساعدات للدول الأجنبية . ووكالة الاستعلامات الأمريكية التي تبشر بقيم و ثقافة الولايات المتحدة . ووكالة الرقابة على الأسلحة ونزع السلاح ، وهي الجهاز المسئول عن اتفاقيات الحد من الأسلحة وغيرها ..

رغم أهمية دور وزير الخارجية ، إلا أن هذا الدور كان يتذبذب بين الدور القوي و المحوري كما كان ل( جون فوستر دالاس ) في عهد الرئيس أيزنهاور ، و كذلك ( هنري كيسنجر ) في عهد الرئيس نيكسون .. أو دور هامشي لا يكاد يذكر كما كان في أيام ( شولتز ) في عهد ريغان حيث عين أكثر من أربعين شخصا من أصدقائه في مناصب مهمة ، ولم يكن لهم أدنى معرفة بالشؤون الخارجية ودون علم وزير الخارجية .. أو حتى ( كولن باول) في عهد بوش الحالي ..

و أحيانا ، كان الرئيس يتجاهل وزارة الخارجية بشكل كامل ، ويعتمد على مستشارين من خارجها ضمن عقود تربط معه مباشرة ، كما حدث في عهد الرئيس ( ترومان ) عندما وقفت أجهزة الخارجية والدفاع ضده في دعمه لإقامة وطن لليهود ! ولكن في عهد نيكسون عادت الإدارة الى الاعتماد على موظفي وزارة الخارجية . ثم رجعت العادة على الاعتماد على المستشارين الخارجيين في عهد ريغان .

وزارة الدفاع
تعتبر وزارة الدفاع الأمريكية هي الجهة المنوط بها المهام التالية :
1 ـ بناء و إعداد القوات المسلحة ، و الإشراف على القواعد العسكرية التي كان عددها عام 1990 حوالي 350 قاعدة .. وقد جرى تخفيض عليها و تقليص واضح في عام 2005 ، بعد غزو العراق ..
2 ـ جمع وتحليل المعلومات الخاصة بجيوش الدول المعادية ، وحتى الصديقة من خلال جهاز استخباراتي مركزي هو ( وكالة استخبارات الدفاع ) .. مهمته التعرف على احتمالية وقوع اضطرابات وتغييرات سياسية فيما يخص نظم الحكم بالعالم ، واقتراح الحلول لتوظيفها في خدمة أهداف أمريكا ..

وقد قامت تلك الوكالة في عام 1983 بتكليف جهات سرية بوضع مجموعة من الدراسات حول المنطقة العربية هي :
أ ـ التعرف على امكانيات مجلس التعاون الخليجي وتحديد احتمالات تطوره الى كتلة سياسية واقتصادية و عسكرية فاعلة ..
ب ـ التعرف على احتمالات قيام وحدة سياسية بين العراق و سوريا .. و أثر ذلك على المصالح الأمريكية في المنطقة ..
ج ـ التعرف على إمكانيات الضفة الغربية ، و خريطة التوجهات السياسية ، و إمكانية دعم تلك التوجهات لإقامة كيان وديع مستقبلا ..
د ـ دراسة القوى العاملة في البلاد العربية .. وتحديد حجمها و تشبث العاملين بمهنهم وتطويرها و أثر ذلك سياسيا و اقتصاديا في المستقبل ..
ويلاحظ هذا التنوع بأبحاث و دراسات وزارة الدفاع .. وعدم التركيز على الجانب العسكري فقط ..
3ـ وهناك جانب آخر لعمل وزارة الدفاع .. وهو أن هناك 40 معاهدة عسكرية ترتبط بها مع دول أجنبية .. وهناك برامج مساعدات عسكرية و تدريب كوادر أجنبية حيث كان في عام 1986 أكثر من مئة دولة تدرب عناصرها القيادية في أمريكا .. حيث بلغ في ذاك العام حوالي 8000 عنصر أجنبي قيادي .. حيث يزود هؤلاء المتدربين ، بمعرفة نمط الحياة الأمريكية و ثقافتها و كيفية تطبيقها في بلاد المتدربين ! وقد رفض الصهاينة شمولهم بهذه البرامج !

في عام 1987 بلغت ميزانية وزارة الدفاع ، 300 مليار دولار ، أي حوالي ثلث الميزانية الأمريكية .. ويلاحظ أن دور الوزارة ، أحيانا يصل الى درجة التدخل العسكري كما حصل في بنما و غرينادا و ليبيا و أفغانستان و العراق ..

الكونغرس والسلطة التشريعية :
قامت فلسفة وضع الدستور الأمريكي ، عام 1787 ، على أساس فرز السلطات الثلاث عن بعض ، وبالذات فصل السلطة التشريعية عن السلطتين (التنفيذية والقضائية ) .. فأعطى الدستور للكونجرس صلاحيات سن القوانين ، وفرض الضرائب .. في حين أعطى للرئيس صلاحيات إدارة شؤون الحكم ورسم وتنفيذ سياسة أمريكا الخارجية ..

إن هذا الشكل من العلاقة بين الرئيس و الكونجرس ، جعل من الصعوبة للرئيس أن ينفرد بالسياسة الخارجية ، حيث أنها ستحتاج الى تمويل وباب للصرف ، وهي الصلاحية التي بيد الكونجرس ، مما جعل الجهتين متشاركتين مشاركة لا بد من ظهور دور كل طرف بالقرار ..
لقد عززت خشية الأمريكيين من تفرد الرئيس ، أو السلطة التنفيذية ، والتي هي عمليا بيده ، من خلال منحه صلاحيات لتشكيل الوزارة ، والتي لا رئيس وزراء فيها . لقد تمثلت خشية الأمريكيين ، بتحريم أن يكون هناك وزير من بين أعضاء الكونجرس ، وهي بذلك تنفرد عن المجتمعات الغربية ( الأوروبية ) في ذلك ..

أما الرئيس الذي ينتخب منفردا ، وهي شبيهة بالحالة الفرنسية ، قد يكون حزبه صاحب الأغلبية في الكونجرس ، وقد لا يكون .. وهذه ضمانة خفية ، لعدم تفرد الرئيس في قراراته ..
إن هذا الشكل المعقد يحتم على أعضاء الكونجرس التعاون مع السلطة التنفيذية ، أي الرئيس و الحكومة ، طالما أن الفلسفة العامة في الرؤية الإمبريالية ، تكاد تكون متطابقة في الحزبين اللذان يتناوبان على السلطة منذ أمد بعيد ..

لقد أرسى الرئيس ( توماس جفرسون ) قاعدة مفادها : أن إدارة العلاقات مع الدول الأجنبية ، هي من ضمن نطاق عمل و صلاحيات السلطة التنفيذية .. لكنه أبقى عملية صنع السياسة الخارجية ضمن مسؤولية الكونجرس ..
لكن نتيجة لضعف قدرة الكونجرس على متابعة التطورات الدولية ، بنفس كفاءة الدولة التي تستقي معلوماتها من السفارات والأجهزة الاستخباراتية ، جعل الكونجرس يتنازل ( كعرف ) عن صلاحياته تلك للسلطة التنفيذية .. في حين تمسك الكونجرس بالرقابة على أداء السياسة الخارجية !
إن الاحتراز الأخير ، أجبر البيروقراطية الحكومية ، بتقديم تقارير للكونجرس عن مختلف نشاطات الحكومة ، وحتى أجهزة المخابرات ، وهذا أدى الى تسريب بعض المعلومات الهامة عن نشاطات المخابرات ، وعدم القدرة على تتبع مصدر تسريب تلك المعلومات ..
إن هذا الوضع قاد لتصعيد المواجهة بين الرئيس والكونجرس ، وبالذات في عهد الرئيس ريغان ، الذي اتهم الكونجرس بإعاقة عمل الدولة ، وتسريب أخبارها السرية ، في حين سن الكونجرس عام 1987 وحده 600 تشريع يلزم الحكومة وأجهزتها بكتابة التقارير وتزويد الكونجرس بها ..

يقول الكاتب الألماني ( جوزيف جوفي) ـ بهذا الصدد ـ أنه في العالم الديمقراطي ، وبعد أن أصبح التلفزيون وسيلة لإبراز السياسيين ، ضعفت العقيدة ، ولم يتورع أحد عن تسريب معلومات الدولة ، طالما فيها مكاسب انتخابية !

يتبع
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 03-12-2006, 02:31 AM
ابن حوران ابن حوران متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: May 2005
المشاركات: 2,203
افتراضي

آلية سن القوانين الأمريكية
لقد أدت فكرة التخصص وتوزيع الصلاحيات الذي أحدثته عملية إعادة تنظيم لجان الكونجرس ، الى تعقيد عملية اتخاذ القرارات ، خصوصا تلك المتعلقة في السياسة الخارجية ..
فالفكرة الأولى لمشروع أي قانون ، تتكون نتيجة تسارع الأحداث و مساهمة الإعلام و اللوبيات وغيرها كما سنرى فيما بعد ، فتطرح الكلمة في مداخلة أحد المتكلمين ( وضمن تنسيق مسبق من لجان حزب المتكلم ) .. ويتم تداول الفكرة بشكل أولي داخل مجلس النواب ..
تحيل رئاسة المجلس الفكرة ، للجنة اختصاص فرعية ، فتناقشها وتحيلها الى لجنة الاختصاص الرئيسية في مجلس النواب ، فتحيله للجنة للصياغة داخل اللجنة الرئيسية ، وبعد صياغة القانون يعاد الى لجنة الاختصاص الرئيسية ، فتصوت عليه وتقره لديها .

ثم تحيله الى لجنة الإجراءات و القواعد الدستورية (كمشروع قانون) .. فتقوم تلك اللجنة بتكييف القانون مع الصلاحيات الدستورية ، وتحيله الى مجلس النواب للتصويت عليه ..
في هذه الأثناء يكون المشروع قد مر بنفس الخطوات في لجان مماثلة لدى مجلس الشيوخ .. فيتم صياغته وفق رؤى مجلس الشيوخ .. ويصوت عليه داخل مجلس الشيوخ ( كمشروع قانون ) .

يتم إحالة المشروعين (من مجلس النواب ومجلس الشيوخ ) الى لجنة مشتركة للتوفيق بين الصياغتين .. ثم يعاد النص الى المجلسين للتصويت عليه .. وبعد أن يتم الاتفاق على الصيغة التوفيقية من المجلسين بعد التصويت عليه .. يرفع كمشروع (قانون عام ) الى الرئيس ..
فإن قبل به يصبح قانونا عاما .. وإن استخدم حق النقض (الفيتو) عليه ، فإنه سيعاد الى المجلسين ، وعندها يجب أن يحصل على ثلثي أصوات كل مجلس منهما حتى يبطل مفعول نقض الرئيس .

الكونجرس و قوى الضغط :
في هذه المقالة ، سنتعرض لآثار قوى الضغط على الكونجرس ، إذ لا يزال حديثنا عن الكونجرس ، وسوف نعود فيما بعد لجماعات الضغط بشيء من التفصيل ، لكن لعلاقة جماعة الضغط في أداء الكونجرس ، حاولنا إيفاء الموضوع بعض حقه ..

في كتاب (عام الإفلاس) .. الذي وضعه أستاذان عام 1989 ، كشفوا مسألة بأن عضو الكونجرس يتقاضى ستة رواتب من (جماعات الضغط ) إضافة للراتب الذي يتقاضاه من الحكومة الفيدرالية .. ومعروف أن جماعات الضغط هي مجموعات منظمة ، لا تطمح ( كما هي الأحزاب) للوصول الى الحكم .. بل تسعى لتوجيه صناعة القرار بما يخدم أهدافها ..

في موضوع الكونجرس ، عندما تم إعادة هيكلة الكونجرس في بداية السبعينات ، و انتزعت من رؤساء اللجان صلاحياتها الكبيرة ، لصالح الأعضاء وفق الآلية التي أشرنا لها سابقا .. كان لا بد لجماعات الضغط أن تتكيف مع الحالة الجديدة لتبقي تأثيرها على صناعة القرار داخل الكونجرس ..
فاتجهت جماعات الضغط الى رؤساء اللجان ، والى أعضاء اللجان و أعضاء الكونجرس بشكل عام ، وفق نهج محبوك و دقيق .. فتلجأ للإغراءات و صرف الرواتب ، والتهديد في أحيان معاندة العضو المقصود .. وتتبنى كذلك الأعضاء الذين ينفذون توجهاتها ، وتتحمل كلف حملات انتخابهم ، والتي تصل في بعض الأحيان الى عشرات الملايين من الدولارات ..

وقد كان ل (اللوبي الصهيوني ) الذي اكتمل تكوينه وتنظيمه في أواخر السبعينات من القرن الماضي الدور الأكبر في التدخل بالسياسة الخارجية ، لدرجة تفوق فيها على كل من (لوبي القمح ) و (لوبي السلاح ) في المجال الخارجي .. وقد ساعده في ذلك زجه أو كسبه للعديد من موظفي الخارجية و الدفاع عالي المستوى .. و حيازته لنسخ من القرارات و التوجهات التي تصدرها هاتان الوزارتان ..

وعلى سبيل المثال ذكر الكاتب اليهودي الأمريكي ( لين برينر) أنه ، بينما تبلغ نسبة يهود أمريكا 2.5% من مجموع السكان ، تبلغ نسبة المحامين اليهود حوالي 23% من مجموع المحامين الأمريكان .. وحوالي 20% من الأطباء ، وحوالي 25% من العاملين في قطاع الإعلام والصحافة ..
وقد استطاع اللوبي الصهيوني ، زراعة موظفين مقربين من كل مراكز صناعة القرار الأمريكي ، خصوصا أولئك المعنيين برسم السياسات المالية ، والشأن المتعلق بالشرق الأوسط ..

في أعقاب حرب تشرين 1973 ، أصدر الكونجرس بفعل اللوبي الصهيوني ، قرارا يمنح به الكيان الصهيوني معونة سنوية تقدر ب 2.2 مليار دولار ، كمعونة إضافية ، ثم زاد عليها 200 مليون دولار عام 1982 رغم معارضة ريغان ووزير خارجيته ..ثم رفع الزيادة الى 510 مليون دولار ك ( منحة) عام 1984 ، رغم معارضة الرئيس ، ثم تحولت الى منح لا تسترد ..

في عام 1983 قرر الكونجرس صرف 550 مليون دولار من أصل 1700 مليون دولار لتطوير طائرة (لافي) الصهيونية .. ورفض طرح مشروع دراسة الجدوى الاقتصادية في الكونجرس لمدة أربع سنوات ، رغم تزايد شكوك الأمريكان و الصهاينة أيضا .. حيث ألغي المشروع عام 1988 ، بالرغم من أنه صرف عليه 2000 مليون دولار .. دون أن يتم السؤال عنها !

وهناك مثال آخر ، هو ما حدث لصفقة الأسلحة مع الأردن عام 1985 ، والتي عطلها اللوبي الصهيوني بحجة آثارها السيئة على الكيان الصهيوني .
لكن هناك أثر لجماعات الضغط الأخرى ، التي تتحكم أحيانا في عمليات الانتخابات ، كما حدث عندما قامت جماعة ضغط سوداء ، بسن قانون يمنع التعامل مع جنوب إفريقيا .. رغم عدم رغبة الحكومة الأمريكية .. فقد تم سن القانون ..

وهناك حالة شبيهة حدثت عندما قاطع الرئيس ريغان ووزير خارجيته (جورج شولتز ) مقابلة رئيس نيكاراجوا ، في حين قابله رئيس الكونجرس (جيم رايت) والتي سببت قلقا وإزعاجا و سابقة فريدة في تاريخ الولايات المتحدة .

باختصار تزايدت سلطات الكونجرس ، وتراجع دور الرئيس ، نتيجة ل :
1 ـ حصول أعضاء الكونجرس على الكثير من المعلومات الاستخباراتية ، نتيجة تعاون مراكز الدراسات و جماعات الضغط ..
2 ـ الحرص على البقاء في الكونجرس ، من قبل الأعضاء الذين رغبوا في الثبات على سياسة مراكز القوى ليحظوا بدعمهم المادي و المعنوي .
3 ـ كثرة اللجان و زيادة دورها ، جعل من مسألة رسم السياسات وكأنه شأن لا يقتصر على الرئيس ووزير خارجيته ، بل يطلع عليه الجميع ..
4 ـ عدم قدرة غالبية الرؤساء على عدم الوقوع بالأخطاء ( نيكسون ـ ووتر غيت) .. ( كلينتون ـ مونيكا ) .. كل هذا أعطى المزاج العام دفعة لتأييد الكونجرس ، ضد الرئيس ..
5 ـ فشل حزب الرئيس في كثير من الأحيان ، على الحفاظ على الأغلبية داخل الكونجرس ، جعل الكونجرس كند قوي بل أقوى في بعض الأحيان من الرئيس .

مجلس الأمن القومي National Security Council :
بعد أن تزايدت المشاكل مع الاتحاد السوفييتي ، أصدر الكونجرس قانونا يتشكل فيه مجلس الأمن القومي ووكالة الاستخبارات الأمريكية ، وإعادة تشكيل تنظيمات وزارة الدفاع .. وكان الغرض من ذلك التشريع هو التمكن من رسم سياسة خارجية متعددة الأهداف ، وقادرة على حماية المصالح الأمريكية ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر هو إنشاء أو تأسيس حالة تنظيمية تنسق بين مصادر المعلومات السرية وتناولها للرئيس في سرعة و إتقان ..

يترأس المجلس القومي مساعد الرئيس لشؤون الأمن القومي .. أما تكوينه فيتكون من الرئيس ونائبه و وزيري الخارجية والدفاع ، بالإضافة لمساعد الرئيس لشؤون الأمن القومي .. وهؤلاء يعتبروا أعضاء دائمين و أساسيين ، ويعتبر مدير الاستخبارات المركزية و رئيس هيئة الأركان كمستشارين دائمين للمجلس .. وفي العادة يدعو الرئيس كل من وزير المالية ووزير العدل ومدير مكتبه الخاص لحضور الاجتماعات ..
ويعتبر مجلس الأمن القومي ، أخطر جهة ترسم وتنفذ سياسة الولايات المتحدة ، ويظهر دوره بجلاء بالأزمات الدولية الحادة .. ولكن مرجعيته كراسم للسياسة الخارجية ومنفذ لها كانت تصطدم ببيروقراطية دوائر الخارجية ..

بالقدر الذي يكون فيه الرئيس يرغب بالإشراف على السياسة الخارجية ، وبالقدر الذي تكون فيه علاقات الرئيس بمساعده جيدة ، تقفز نوبات تسلط مجلس الأمن القومي . فقد كان ( نيكسون) يعتمد على هنري كيسنجر بأداء مهمة التفاوض مع الصين و فيتنام ( وكان مسئولا لمجلس الأمن القومي ) ، كذلك قام كارتر بتكليف ( زبيغنيو برجنسكي ) في عام 1977 بإعادة تخطيط سياسة أمريكا الخارجية ..
بالمقابل فإن رؤساء مثل ايزانهور وجونسون و فورد بالابتعاد عن مجلس الأمن القومي والاعتماد على وزراء خارجيتهم ( جون فوستر دالاس ، ودين راسك ، وهنري كيسنجر (كوزير خارجية ) ) على التوالي ..

كما تراجع دور وزيري الخارجية ، ( وليام روجرز ، و سايروس فانس ) خلال حكم نيكسون و كارتر .. لصالح ( كيسنجر و برجنسكي ) مساعدي الرئيس لشؤون الأمن القومي ..
ويلاحظ أن هنري كيسنجر ( صهيوني الهوى ) قد تحكم بالسياسة الخارجية الأمريكية لمدة ثمان سنوات ، وهو في الأولى وزير خارجية والثانية مسئول للأمن القومي .. وقام بزرع العشرات من المتدربين على يديه في الدائرتين الخطيرتين ، والذين كثفوا تواجد الخط الصهيوني و فرخوا أجيالا من كبار الموظفين في هاتين الدائرتين ..

في عهد ريجان تراجع الاعتماد على مجلس الأمن القومي ، ووزارة الخارجية ، واعتمد ريجان على سياسته البسيطة الساذجة في إدارة شؤون أمريكا الخارجية ، وقد كان قليل اللقاء بموظفي الخارجية و مجلس الأمن القومي ، حيث كثرت شكاويهم من ندرة تلك اللقاءات .. وقد كان وضوح ريجان بمتابعة ضرب الأنظمة المعادية لأمريكا والعمل على إنهاك الاتحاد السوفييتي .. وصرف مبالغ طائلة في ذلك ، وشجع زراعة الأفيون في إفغانستان لتمويل الحرب ضد السوفييت .. ودعم تأجيج العداوة بين إيران والعراق ، ووزع الأدوار لخلط الأوراق لإطالة أمد الحرب ..كما كان وراء العدوان على ليبيا و لبنان وبعض دول أمريكا اللاتينية ..

ولولا رغبة ودور جورباتشوف في خلخلة قوة الاتحاد السوفييتي لانقضت فترتي حكم ريغان دون أي أثر يذكر .. ومع ذلك فقد اكتسب صيتا بصلابته وحنكته ، في حين أنه لا يعتبر من السياسيين متوسطي القدرة بل من قليلي الخبرات .. وقد فرخ عهده نمطا من هذا النوع في الحزب الجمهوري ، وما نراه اليوم ، ما هو إلا أكبر دليل ، على تفشي ظاهرة السياسيين الهواة ..

أجهزة الاستخبارات :
كانت الولايات المتحدة أكثر ميلا للعزلة ، و ذلك لبعدها عن معظم دول العالم الأكثر نشاطا سياسيا . وبقيت كذلك حتى ضرب اليابانيون ( بيرل هاربر ) ، مما دفعها للدخول بالحرب العالمية الثانية و إجراء بعض التغييرات الاستخبارية .
لقد أنشئت وكالة الاستخبارات المركزية (C.I.A) في عام 1947 ، فقد كلفت في عام تأسيسها بمهمة تنسيق المعلومات الواردة من مختلف المصادر ، وتقديمها لمجلس الأمن القومي .

في عام 1948 وبعد ازدياد المخاوف من الاتحاد السوفييتي و النشاط الشيوعي العالمي ، أضيف لمهامها ، مهمة شن حرب نفسية ضد الاتحاد السوفييتي .

في عهد الرئيس (أيزنهاور ) ، وخصوصا أثناء الحرب الكورية ، وعندما تم تكليف إدارة الوكالة الى ( آلن دالاس ) شقيق وزير الخارجية في وقتها ( جان فوستر دالاس ) . أصبحت الوكالة مكملة لوزارة الخارجية ، بعد أن كانت تتلقى تعليماتها من ( مجلس الأمن القومي ) .. أصبح يناط بها مهام قلب الأنظمة السياسية في العالم ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ، قامت بقلب نظام حكم (مصدق) في إيران عام 1953 ، و أسقطت نظام الحكم في ( كوستاريكا) ، وفي عام 1954 أسقطت الحكومة المنتخبة الشرعية في (غواتيمالا) . في عام 1958 نجحت في تغيير نظام الحكم في (التيبيت) . لكنها فشلت في إندونيسيا و كوبا .

في عام 1952 أنشئت (وكالة الأمن القومي National Security Agency) وكان ذلك بقرار سري ، لم يكشف عن تلك الوكالة إلا في أوائل الثمانينات ، وتقوم تلك الوكالة باستخدام الأقمار الصناعية و الاعتراض على كل الرسائل الإلكترونية ، وبإمكانها التعرف على تحرك معظم زعماء العالم ، وقصة الجاسوس الصهيوني (جوناثان بولارد ) هي ما كشفت عمل تلك الوكالة ، إذ كان يعمل بالوكالة وسرق ألف وثيقة وسلمها للكيان الصهيوني .

في عام 1961 أنشئت ( وكالة استخبارات الدفاع Defense Intelligence Agency ) ، كجهاز تابع لوزارة الدفاع ، ومهمتها التعرف على الوضع الشعبي والاقتصادي داخل الدول لتهيئة الجيش الأمريكي للتعامل مع تلك القوى .
كما يوجد في الولايات المتحدة أربعة أجهزة عسكرية أخرى تختص بجمع المعلومات السرية و التجسس على الدول الأجنبية . هذا بالإضافة الى (مكتب التحقيقات الفدرالي F.B.I) يهتم بمراقبة مواطني الولايات المتحدة وعلاقاتهم الخارجية ، كما يراقب نشاط الأجانب داخل الولايات المتحدة .

بعد انتخاب نيكسون ، ربط كل تلك الأجهزة به ، من خلال إعادة تنظيم هياكلها ، وقد استفاد من فترة وجوده كنائب للرئيس أيزنهاور .. وقد وضحت بصمات هنري كيسنجر في إعادة تلك الهيكلة ..
ويلخص ( روبرت جيتس ) مدير الاستخبارات في عهد بوش (الأب) .. بأن مهمة الأجهزة في الوقت الراهن يتمثل ب :
1ـ جمع وتحليل المعلومات السرية ، وكتابة التقارير و توزيعها (يوميا) على الجهات المعنية ، خاصة الرئيس ونائبه ووزير خارجيته ووزير حربه ومجلس الأمن القومي .. والتعديل عليها كل عدة ساعات في حالة الأزمات .
2 ـ القيام بالعمليات السرية ذات الصلة بتنفيذ سياسة أمريكا الخارجية واستراتيجيتها تجاه الآخرين .
3 ـ التفاعل المستمر مع صانعي القرار في واشنطن ، والتنسيق أحيانا مع أجهزة استخبارات الدول الأجنبية ( صربيا ، إفغانستان ، العراق ) .

إشراف الكونجرس على أجهزة الاستخبارات :
لقد أشرنا أن تاريخ الاستخبارات في الولايات المتحدة هو تاريخ حديث العهد ، مقارنة بمثيلاتها في الدول الكبرى ، مما جعل تلك الأجهزة تتكاثر بسرعة ، وتتداخل المهام فيما بينها ، و تبقى في النهاية مربوطة بشكل ما بشخص رئيس الجمهورية ، مما خلق مشاكل أو مظاهر أبعدت السمة الديمقراطية عن سمات السياسة الخارجية ، وحتى الداخلية للولايات المتحدة .

ففي عام 1970 قامت وكالة (C.I.A) بترتيب وتمويل عملية الإطاحة بنظام حكم الأمير (نوردام سيهانوك ) في كمبودية ، واستبداله بنظام حكم عسكري ، برئاسة ( لون بول ) ، والعمل على إضعاف الطبقة المثقفة وتخريب البلاد ونهب ثرواتها ، بعمل لا أخلاقي واضح ، أدى الى حروب أهلية مدمرة للبلاد .

وفي عام 1973 ، قامت الوكالة بالإطاحة بنظام حكم الرئيس (سلفادور اليندي) المنتخب ديمقراطيا ، وتسليم الحكم لديكتاتور عسكري مستبد فاسد ، هو (بينو شية) .. الذي عطل الحياة و سفك الدماء في تشيلي .

وفي عام 1974 تبين للمراقبين ، تواطؤ أجهزة الوكالة في العملية الداخلية في الولايات المتحدة التي سميت ( فضيحة ووتر غيت ) في التجسس على الحزب الديمقراطي ، وتعطيل سير التحقيق فيها ..
لذا تشكلت في عام 1976 لجنة بالكونجرس مهمتها مراقبة عمل الوكالة ، والتي اتضح بأنها منذ عهد أيزنهاور كانت في تلك القوة من الفجاجة ، ثم تراجعت شيئا فشيئا في عهود الرؤساء الذين تلوه ، حتى تعاود بالظهور من جديد في عهد الرئيس ريجان ..

ففي عام 1985 قامت الوكالة بمحاولة اغتيال الشيخ ( محمد فضل الله ) في بيروت ، ظنا منها بأنه هو من كان على رأس ( حزب الله ) التنظيم الذي أتهم باختطاف العديد من الرهائن الأمريكان والأوروبيين ، وقد أدت المحاولة الى مقتل 80 شخصا و جرح 200 ، رغم نجاة الشيخ فضل الله .

في عامي 1985 و1986 ، تعاونت الوكالة مع الكيان الصهيوني وبعض تجار السلاح بإمداد إيران بالسلاح وإمداد قوات (الكونترا ) بالمال .. تلك الفضيحة التي سميت ب ( إيران ـ كونترا ) .

كما أن الوكالة قامت بدعم عناصر يمينية في أمريكا الجنوبية لفترات طويلة ، من بينها ما حدث في بنما وجرينادا ، وتشجيع تجارة المخدرات لخلخلة أوضاع القارة لتبقى طيعة في يد الإدارة الأمريكية . تلك الحالة التي بدأت أقطار أمريكا اللاتينية تستفيق منها مؤخرا ..

وفي منطقتنا العربية ، عززت الوكالة من صلاتها ببعض العناصر التي تأذت من حكوماتها الوطنية ، حيث فقدت أمجادها الإقطاعية و الأرستقراطية ، مع بعض الفئات التي لم يرق لها شكل الحكومات المحلية في المنطقة العربية ، فأسست أجهزة إعلامية تفننت في تعبئة الشارع العربي في النظر لتلك الحكومات الوطنية على أنها حكومات كريهة ، من أجل قلب أنظمة الحكم فيها ، كما حدث في العراق بالتعاون مع (الجلبي ) الذي غادر العراق منذ 1958 مع عناصر فارسية ، وأخرى ساءها شكل الحكم بالعراق .

يقول المؤرخ الأمريكي ( آرثر شليسنجر) : إن القيام بالعمليات السرية ، هو تصرف تلجأ اليه القوى التي تحس بالضعف وتشعر بالعجز عن مواجهة الواقع .

يتبع
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 09-12-2006, 02:32 AM
ابن حوران ابن حوران متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: May 2005
المشاركات: 2,203
افتراضي

وسائل الإعلام
يزعم منظرو الحريات العامة وحقوق الإنسان في العالم الليبرالي ، بأن من مهام الصحافة و أجهزة الإعلام ، هي مراقبة وتقييم أعمال الحكومة . و تكثر نصوص التشريعات من مقدمات تركز على تلك المسألة .
ويعتبر الكثير من السياسيين أن الصحافة والإعلام ، تشكل السلطة الرابعة في المجتمعات (الديمقراطية ) ، بعد السلطات التشريعية و التنفيذية و القضائية .

و بما أن معظم الأخبار الهامة في الولايات المتحدة الأمريكية ، تصدر عن الدولة ، فإن مؤسسات وأجهزة ونشاطات الدولة أصبحت أهم مصادر المعلومات التي تمد وسائل الإعلام بالأخبار . وفي غياب الرقابة الخارجية والاعتماد بشكل رئيسي على الدولة ، أصبحت وسائل الإعلام عرضة لارتكاب الأخطاء والتستر عليها ، وقيام بعض الجهات الحكومية وغير الحكومية باستخدامها كوسيلة ليس فقط للكشف عن الأسرار وتعرية الحقيقة ، بل و أحيانا لإخفاء الحقيقة وتزويرها.
لقد اتفقت النخب الحاكمة في الولايات المتحدة ، على استغفال الجمهور الأمريكي و تضليله في توريد المعلومات الخارجية ، وجعلت من نفسها المورد الرئيسي للمعرفة له والاطلاع على أعمال الحكومة وفق ما تراه تلك النخب .

كما اكتشفت تلك النخب الأهمية القصوى للإعلام ، وبالقدر الذي تكون علاقة أجهزة الإعلام مع أفراد تلك النخب جيدة ، بالقدر الذي سيكتب له النجاح في الوصول الى أعلى المراتب ..

فعلى سبيل المثال استطاع ( جاك كمب ) لاعب كرة القدم من تحويل شخصيته الرياضية الى شخصية سياسية أوصلته الى الكونجرس وشجعته لخوض انتخابات الرئاسة عام 1988 .. كما استطاع (رونالد ريغان ) من استغلال شهرته كممثل و تحويلها لشهرة سياسية أوصلته لمنصب الرئيس لدورتين متتاليتين .

وهذا مما جعل السياسيين الأمريكان يطلقون على تلك الديمقراطية ب (الديمقراطية الإعلامية ) .. وغدا الأشخاص الراغبون في الوصول الى مقاعد البرلمان (الكونجرس) .. أكثر ارتباطا بأجهزة الإعلام من ارتباطهم بأحزابهم . وصار لهذا النشاط شركات عملاقة متخصصة في السيطرة على الرأي العام ، من خلال ابتكار طرق كمقياس الرأي العام وتوجيهه بطرق مؤثرة ، تجعله يقبل على انتخاب مرشح دون غيره .. ويؤيد موقفا سياسيا دون غيره .. وتعاود تلك المؤسسات العملاقة للتأثير على باقي الجمهور من خلال تحليل يتسم بالإيحاء للجمهور بإتباع رأي والاصطفاف معه دون غيره .

كما لم تنس وسائل الإعلام التي ارتبطت مع النخب الحاكمة ( ماليا وعقائديا) بالتأثير على شعوب الأرض وتوجيهها ضمن سيطرة شبه مطلقة على أجهزة الإعلام القارية والقطرية .. وتصدير أنماط من القناعات و أساليب الحياة التي تبشر بما تريده تلك النخب .. مع تشددها المطلق في إخفاء الحقائق عما يحدث فعلا ..

فالتكتم على خسائر الحروب التي تخوضها أمريكا .. وتجاهلها لما يصنعه حلفاؤها في العالم من انتهاك فاضح لحقوق الإنسان ( الكيان الصهيوني مثلا) وتجاهلها لردات الفعل عند شعوب الأرض ، والتعتيم عليها ، لتقديم نفسها كمخلص ، لا كمجرم دولي عملاق ، وتصفيتها لكل الأصوات الإعلامية التي تحاول فضح أكاذيبها ..

كل ذلك جعل من الإعلام ذراعا إمبرياليا صهيونيا (بالتحالف والتمويل) .. بذل من أجله الكثير من الأموال .. فالدعم المالي الهائل لقنوات تلفزيونية بعينها ، وجعلها تستفيد من مصدر تمويل وهو (الدعايات والإعلانات التلفزيونية ) التي تحيلها عليها شركات متخصصة ومرتبطة بقادة رأس المال .. وبالمقابل حرمان القنوات التلفزيونية والإعلامية التي تناوئ هذا الخط ، من هذا المصدر الضخم ، يجعل إمكانيات التلفزيونات ووسائل الإعلام الوطنية غير قادرة على المنافسة لضعف إمكانياتها وتواضع كوادرها و برامجها ..

وسائل الإعلام و المؤسسة الحاكمة
أثناء التورط الأمريكي في الحرب الفيتنامية في الستينات وكذلك بعد قيام الحكومة الأمريكية بغزو جزيرة في عام 1983 ، قامت وسائل الإعلام بتوجيه نقد لاذع للحكومة و اتهامها بالكذب تجاه أحداث الحرب الأولى و تضليل الصحافة أثناء الإعداد لعملية الغزو الثانية ..

لذا قام أنصار الحكومة والمسئولون فيها بإلقاء ظلال من الشك حول حيادية وسائل الإعلام واتهامها بتبني مواقف ليبرالية من شأنها الإضرار بمصالح أمريكا القومية .. في حين ذهب اليمين المتطرف أبعد من ذلك عندما طالب بإعادة تنظيم الصحافة وتحديد حريتها و ربطها بالحكومة .. وقد زاد الضغط من حينها على وسائل الإعلام إلا أن ذلك لم يمنع من أن تبقى تتمتع بقدر كبير من الحرية مستغلة حالة التوازن الحزبي و تبعيتها لمراكز نفوذ أخرى ..

على سبيل المثال ، قامت جريدة (واشنطن بوست ) في أواخر عام 1985 وخلافا لرغبات الحكومة بنشر تفاصيل قرار الرئيس ريغان بتكليف وكالة الاستخبارات المركزية بالإطاحة بنظام حكم الرئيس (معمر القذافي ) ، بعد أشهر قليلة قامت الجريدة نفسها بالامتناع عن نشر خطة الاعتداء على الأراضي الليبية رغم معرفتها المسبقة بتلك الخطة . في أوائل عام 1988 رفضت ثلاث محطات تلفزيون رئيسية في الولايات المتحدة إذاعة خطاب الرئيس ريغان الذي وجهه للشعب الأمريكي بخصوص دعم ( قوات الكونترا ) وذلك بحجة عدم أهميته ، وان كان السبب الحقيقي هو تناقض سياسة دعم الكونترا مع موقف النخبة المسيطرة على الإعلام .

وعلى العموم ينبع الخلاف بين الحكومة والصحافة ، والذي قاد الى توتر العلاقة بين الطرفين في الكثير من الحالات الى ما يلي :
1 ـ تباين وجهات النظر حتى داخل أجهزة الحكومة نفسها حول تعريف ما هو (سري) وتحديد القضايا التي ينطبق عليها مفهوم (الأمن القومي) وهي القضايا التي يفترض إبعاد الصحافة عن الخوض فيها .
2 ـ قيام تنافس دائم و أحيانا صراع حاد بين السلطة التنفيذية والتشريعية من ناحية ، وبين الحزب الذي يسيطر على الحكم والحزب الذي يجلس خارجه من ناحية ثانية ، واتجاه كل فريق الى العمل على استغلال وسائل الإعلام لإضعاف مصداقية الفريق الآخر .
3 ـ قيام وسائل الإعلام أحيانا بصناعة الخبر وليس نقله فقط ، واتجاه القائمين على تلك الوسائل الى العمل على ترسيخ نفوذهم وتعزيز مصداقيتهم على حساب الآخرين من المسؤولين الحكوميين ، وذلك من خلال الظهور بمظهر الفريق المحايد الذي يهتم بالحدث بغض النظر عن دوافعه العقائدية و أبعاده السياسية .
4 ـ تعتبر وسائل الإعلام الإثارة في نقل الأخبار أسلوب تجاري ، هدفه الربح فأي جهة تدفع لها تصنع لها الأخبار !
5 ـ يصنع التنافس بين أجهزة الإعلام في السرعة بنقل الخبر و تهويله ، بغض النظر عن مضاعفاته ، أسلوبا وديدنا غطى اللعبة الإعلامية الأمريكية بها .

تشير الاستطلاعات أن التلفزيون هو أكثر جهة إعلامية مؤثرة في أمريكا ، حيث تصل نسبة من يصدقون ما ينقل لهم الخبر 75% . كما تشير الاستطلاعات عدم اهتمام المشاهد الأمريكي بالأخبار الخارجية .. لذا فإن الحكومة تسعى باستمرار لاحتلال هذا الصعيد من الأخبار و تدفع له محليا ودوليا من الأموال لتقدم نفسها بأجمل صورة و تخدم قضايا الصهيونية بنشاطها كهدف ثانوي .

احتكار الخبر وملكية الوسائل الإعلامية :
رغم ما يشاع عن استقلالية أجهزة الإعلام الأمريكية ، وذلك من خلال إحراج الأجهزة الحكومية بعض الأحيان ، إلا أن الجمهور الأمريكي و المراقبين يعتبرون إدعاء الأمريكان باستقلال إعلامهم ، عبارة عن فرية كبرى ، وما مظاهر الإحراج التي تبدو في قضايا مثل ووتر جيت و مونيكا و غيرها ، إلا صراعا بين رأسي الحكم ( الديمقراطيين و الجمهوريين ) .. أما عندما يتعلق الأمر بما يتفق عليه الحزبان من ثوابت ، فإن تلك الأجهزة الإعلامية تتحول الى جوقات تطبل و تمهد لسياسات الحكومة ، وما رأيناه في مسألة حاضنات الأطفال الخدج في أزمة الكويت وما قيل عن تلوث البيئة في الخليج إلا دليل قوي على ذلك ، كما أن تلك الأجهزة ومن يقف وراءها ، قامت بتوزيع أموال قيمتها ما بين مليون و15 مليون دولار(لكل محطة حسب أهميتها) على محطات التلفزيون العربية مقابل أن تكرر بث لقطة إسقاط تمثال الرئيس صدام حسين في ساحة الفردوس ..

إن هناك في الولايات المتحدة 1700 جريدة يومية وحوالي 8000 جريدة أسبوعية ، وحوالي 11000 مجلة الى جانب ما يقارب 9850 محطة راديو وحوالي 1600 محطة تلفزيونية .. وقد قدر عدد النسخ المباعة من المجلات في عام 1985 هو 225 مليون نسخة بينما بيع حوالي 50مليون نسخة من الصحف الأسبوعية *1

وبينما تقوم بعض الأجهزة الإعلامية من صحف ومجلات و محطات تلفزيونية بالاهتمام بقضايا السياسية الخارجية وإبراز الأحداث والتطورات الدولية ، تقوم المحطات الإذاعية والتلفزيونية المحلية والمجلات الصغيرة والصحف الأسبوعية بالتركيز على الأخبار المحلية غير السياسية .. وحسب تعريف اثنين من علماء السياسة الأمريكية هما (مايكل غروسمان و مارثا كومار ) حددت الصحافة القومية بشكل أساسي في ثلاث جرائد يومية هي ( نيويورك تايمز و واشنطن بوست و وول ستريت جورنال ) والمجلات الأسبوعية بثلاث ( تايم ، نيوزويك ، يو أس نيوز آند وورلد ريبورت ) .. والشركات التلفزيونية القومية بثلاث ( سي بي أس ، أن بي سي ، إيه بي سي ) ..

وفي السنوات الأخيرة التحقت صحف ( لوس أنجلوس تايمز و شيكاغو تربيون وبوسطن غلوب وبلتمور صن ) وهذه أضيفت للتي تهتم بالسياسة العالمية ، إضافة الى وكالتي أنباء ( أسوشييتد برس ويونايتد برس انترناشيونال ) .
ولما كان الهدف الربحي هو الدافع الأساسي من النشاط الإعلامي ، فقد ازدهرت صناعة الإعلان حيث بلغت الأموال التي دفعت كأجور للإعلان حوالي 100مليار دولار ، دفعت شركة الصابون (بركتر آند جامبل ) 1.4 مليار ، وشركة السيارات ( جنرال موتورز) 1.2 مليار دولار ..وبث الدقيقة الواحدة من الحدث الرياضي المهم (سوبر بول) مليون دولار/دقيقة ..

ثم أن احتكار الإعلام يأخذ شكلا تجميعيا ( كارتل و ترست ) فهناك عشر شركات توزع صحف ومجلات وأخبار 22 مليون نسخة يوميا ، أي ما يعادل ثلث النشاط الإعلامي الأمريكي .. كما أن هناك 6 شركات تسيطر على نشر 55% من الكتب داخل الولايات المتحدة ..

إن من يراقب هذا الوضع ، يستطيع تصور هذا الترابط بين الإعلام وصانعي السياسة و أصحاب الأموال ، فالشركات الكبرى تدعم مرشحين للكونجرس لرسم السياسة التي تخدم مصالح تلك الشركات و الإعلام تملكه تلك الشركات ويبشر بالمناهج الإعلامية التي تقود لنفس المصلحة .. هذا هو النظام الإعلامي في العقلية الليبرالية الإمبريالية .. !

يتبع
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 21-06-2007, 10:32 PM
MuathM MuathM غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Nov 2006
المشاركات: 40
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابن حوران
وسائل الإعلام

يزعم منظرو الحريات العامة وحقوق الإنسان في العالم الليبرالي ، بأن من مهام الصحافة و أجهزة الإعلام ، هي مراقبة وتقييم أعمال الحكومة . و تكثر نصوص التشريعات من مقدمات تركز على تلك المسألة .

ويعتبر الكثير من السياسيين أن الصحافة والإعلام ، تشكل السلطة الرابعة في المجتمعات (الديمقراطية ) ، بعد السلطات التشريعية و التنفيذية و القضائية .

و بما أن معظم الأخبار الهامة في الولايات المتحدة الأمريكية ، تصدر عن الدولة ، فإن مؤسسات وأجهزة ونشاطات الدولة أصبحت أهم مصادر المعلومات التي تمد وسائل الإعلام بالأخبار . وفي غياب الرقابة الخارجية والاعتماد بشكل رئيسي على الدولة ، أصبحت وسائل الإعلام عرضة لارتكاب الأخطاء والتستر عليها ، وقيام بعض الجهات الحكومية وغير الحكومية باستخدامها كوسيلة ليس فقط للكشف عن الأسرار وتعرية الحقيقة ، بل و أحيانا لإخفاء الحقيقة وتزويرها.

لقد اتفقت النخب الحاكمة في الولايات المتحدة ، على استغفال الجمهور الأمريكي و تضليله في توريد المعلومات الخارجية ، وجعلت من نفسها المورد الرئيسي للمعرفة له والاطلاع على أعمال الحكومة وفق ما تراه تلك النخب .

كما اكتشفت تلك النخب الأهمية القصوى للإعلام ، وبالقدر الذي تكون علاقة أجهزة الإعلام مع أفراد تلك النخب جيدة ، بالقدر الذي سيكتب له النجاح في الوصول الى أعلى المراتب ..

فعلى سبيل المثال استطاع ( جاك كمب ) لاعب كرة القدم من تحويل شخصيته الرياضية الى شخصية سياسية أوصلته الى الكونجرس وشجعته لخوض انتخابات الرئاسة عام 1988 .. كما استطاع (رونالد ريغان ) من استغلال شهرته كممثل و تحويلها لشهرة سياسية أوصلته لمنصب الرئيس لدورتين متتاليتين .

وهذا مما جعل السياسيين الأمريكان يطلقون على تلك الديمقراطية ب (الديمقراطية الإعلامية ) .. وغدا الأشخاص الراغبون في الوصول الى مقاعد البرلمان (الكونجرس) .. أكثر ارتباطا بأجهزة الإعلام من ارتباطهم بأحزابهم . وصار لهذا النشاط شركات عملاقة متخصصة في السيطرة على الرأي العام ، من خلال ابتكار طرق كمقياس الرأي العام وتوجيهه بطرق مؤثرة ، تجعله يقبل على انتخاب مرشح دون غيره .. ويؤيد موقفا سياسيا دون غيره .. وتعاود تلك المؤسسات العملاقة للتأثير على باقي الجمهور من خلال تحليل يتسم بالإيحاء للجمهور بإتباع رأي والاصطفاف معه دون غيره .

كما لم تنس وسائل الإعلام التي ارتبطت مع النخب الحاكمة ( ماليا وعقائديا) بالتأثير على شعوب الأرض وتوجيهها ضمن سيطرة شبه مطلقة على أجهزة الإعلام القارية والقطرية .. وتصدير أنماط من القناعات و أساليب الحياة التي تبشر بما تريده تلك النخب .. مع تشددها المطلق في إخفاء الحقائق عما يحدث فعلا ..

فالتكتم على خسائر الحروب التي تخوضها أمريكا .. وتجاهلها لما يصنعه حلفاؤها في العالم من انتهاك فاضح لحقوق الإنسان ( الكيان الصهيوني مثلا) وتجاهلها لردات الفعل عند شعوب الأرض ، والتعتيم عليها ، لتقديم نفسها كمخلص ، لا كمجرم دولي عملاق ، وتصفيتها لكل الأصوات الإعلامية التي تحاول فضح أكاذيبها ..

كل ذلك جعل من الإعلام ذراعا إمبرياليا صهيونيا (بالتحالف والتمويل) .. بذل من أجله الكثير من الأموال .. فالدعم المالي الهائل لقنوات تلفزيونية بعينها ، وجعلها تستفيد من مصدر تمويل وهو (الدعايات والإعلانات التلفزيونية ) التي تحيلها عليها شركات متخصصة ومرتبطة بقادة رأس المال .. وبالمقابل حرمان القنوات التلفزيونية والإعلامية التي تناوئ هذا الخط ، من هذا المصدر الضخم ، يجعل إمكانيات التلفزيونات ووسائل الإعلام الوطنية غير قادرة على المنافسة لضعف إمكانياتها وتواضع كوادرها و برامجها ..
عزيزي ابن حوران: تعليقك مسيء بكل وضوح لتمثيل النظامين السياسي والإعلامي في أمريكا. إن هنالك كم هائل لمصادر الأخبار في أمريكا، بما في ذلك قنوات الكابل التليفزيونية وشبكة الإنترنت مما يعقد أي جهود رامية إلى حجب الأخبار عن الناس من قبل الساسة. وبالإضافة إلى ذلك، لدينا نظام سياسي تنافسي يعمل ضد أي نوع من الصفقات السرية التي تزعم أنت بأنها تحدث. وفي حين أنه من الطبيعي أن حاول السياسيون كسب تغطيات إعلامية إيجابية، إلا أنهم لا يملكون العوامل الضرورية وفقا للنظام الأمريكي لكسب الوفاء بالقوة من الإعلام. والسواد الأعظم من الأمريكيين يفضلون النظام الذي يوجد حدا فاصلا واضحا فيما بين الإعلام والساسة وهم يتوقعون من الإعلام بأن يراقب رجال السلطة.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 12-08-2007, 05:10 AM
ابن حوران ابن حوران متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: May 2005
المشاركات: 2,203
افتراضي

وسائل الإعلام والسياسة الخارجية :
تكاد الطبيعة الخاصة بسكان أمريكا المهاجرين أصلا من مناطق مختلفة ، تؤثر على اهتمامهم بالعالم الخارجي ، فما أن يصل المهاجر الى تلك الأرض ، حتى يقطع صلاته بما يشبه الطلاق مع غير أمريكا !

إن هذا الوضع بقي مسيطرا على عقلية الأمريكيين ، لغاية منتصف القرن الماضي ، و إن تدخلت أمريكا بالكثير من بقاع العالم باعتداءاتها ، إلا أن صفة القطيعة مع العالم الخارجي ظلت ملتصقة بالإعلام .. فالوقت المخصص للأخبار الخارجية ، لا يزيد عن دقائق قليلة باليوم .. وتعرف أجهزة الإعلام عدم اهتمام المواطن الأمريكي بالأخبار الخارجية ، في حين تعلم جيدا مدى اهتمامه بالأخبار المحلية ..

إن هذا الوضع لا يقتصر على المواطن الأمريكي العادي ، بل يتعداه حتى لكبار الشخصيات ، فقد ذكر مؤلف كتاب ( حفنة أغبياء بيض يتحكمون بالعالم ) ، عن الرئيس الحالي بوش ، بأنه في معرض الإجابة على أسئلة ، أثناء ترشيحه في الدورة الأولى لرئاسته ، فعندما سألوه عن (طالبان ) ، أجاب ببلاهة أليست فرقة موسيقية في غرب أمريكا ( سان فرانسيسكو ) .. وفي معرض حديثه عن يوغسلافيا و مشاكلها ، قال أن الرئيس ( تيتو) صديقه و سينسق معه حول كثير من الأمور ..

مراكز الأبحاث والمؤسسات المالية :
من الملامح التي تختلف الحياة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية عن غيرها في بلدان العالم، تلك التي تعني بتشكيل جماعات ومؤسسات خاصة تتابع القضايا السياسية للبلاد وتقيم برامج الحكومة المتنوعة وتقترح برامج سياسية مستخدمة أساليب مشروعة في ذلك ومن هذه المؤسسات: مجموعات الضغط السياسي، التجمعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، الجامعات ومعاهد التعليم، مراكز البحوث، المؤسسات الخيرية المعنية أساسا بتقديم المعونات المالية للباحثين ومراكز الدراسات ..

سأحاول عمل مقاربة بسيطة للقارئ حتى يكون صورة عن المؤسسات هذه ودورها وكيفية تسللها لمنطقتنا وتحت عناوين مختلفة .. تضع بعض الدول الكبرى جزءا من ميزانيتها للمساعدات الإنسانية، فمثلا تضع ألمانيا 0.33% من ميزانيتها .. وتستفيد من هذا الرقم آلاف المؤسسات المدنية في دول العالم الثالث، وتشترط ألمانيا تقديم تلك المساعدات كبرامج لتطوير الوعي الصحي، أو الوعي القانوني وحقوق الإنسان .. فتعطي مثلا ما قيمته 750دولار لمحاضرة قانونية .. في حين تستضيف مؤسسة اجتماعية ما (جمعية خيرية، نقابة، اتحاد المرأة) أحد المحامين الذي يحس بغبطة أنه أستضاف لدور ما! دون ذكر ما سيستحقه من مخصصات، كذلك يدعى طبيب لإعطاء محاضرة عن الكوليرا، وتقدم تلك الفعاليات لتستلم تلك المنظمات نقودا بدلا منها، في حين أن فعالياتها تمت مجانا .. ولن تستطيع أي لجنة رقابة مالية أن تعرف كيفية تسريب تلك الأموال للبلاد.. وستبقى القيادات المحلية (المدنية) والتي تتربع على وعاء للرأي العام متكالبة للبقاء في مكانها ومهادنة للدول المانحة ونمطية رؤاها، وقد تعلم الدول المانحة لتلك المنظمات ذلك التسيب، لكنها تستفيد في إيجاد منظمات مدنية غير حقيقية، شغلت مكانا يفترض أن يكون حقيقي .. وهنا يتم تعطيل الدور الجماهيري من خلال إفساده .. بمخصصات تبدو للناس أنها بريئة وتنم عن كرم في حين هي غير ذلك ..

يتقبل المجتمع الأمريكي دور تلك المؤسسات ويشجعها ويمدها بالمال ويستجيب لطلباتها في كثير من الأحيان .. وقد كان لتعاظم شأن الإعلام وبالذات التلفزيون بعد الحرب العالمية الثانية، بروز دور تلك المؤسسات التي توزع خطابها على محطات التلفزيون أو أن تملك هي بعض تلك المحطات .. لقد أدى تعاظم دور تلك المؤسسات الى تراجع الولاء الحزبي والركون الى ما تبثه تلك المؤسسات.

مراكز البحوث :
تقوم مراكز البحوث والدراسات في العادة بالمشاركة في صنع السياسة العامة للدولة من خلال إرساء الأسس الفكرية والفلسفية والاقتصادية والاجتماعية للبرامج والسياسات الرئيسية .. وتعني تلك البرامج بتقييم الخطط القديمة من سياسات تعليمية واقتصادية وصحية وغيرها، وتبقى تلك المراكز تحذر مما تتخوف منه، وحتى يحدث هذا الشيء في تحريك السياسة الخارجية، ونذكر الأكاذيب التي بثت عام 1990 عن تلوث البيئة التي زعمت تلك المراكز أن العراق هو من سببه .. في حين كانت الصور من مناطق لا علاقة لها بالخليج. كما نرى اليوم كم دراسة تخرج عن دارفور لتحريض المجتمع الدولي على التدخل في السودان .. في حين تنخرس تلك المراكز عن ذكر ما يحدث في العراق بسبب الاحتلال الأمريكي نفسه .. أو تتعفف تلك المراكز عن الخوض مما يتعرض إليه الشعب الفلسطيني من اضطهاد على أيدي الصهاينة..

في عام 1988 وصل عدد تلك المراكز في الولايات المتحدة الى ألف مركز، نصفها تقريبا ارتبط بجامعات والنصف الآخر يعمل كمؤسسات مستقلة. ويوجد منها في واشنطن حوالي 20% .. وهناك ثلاثة مستويات لتلك المراكز: الأول: ذو تمويل حوالي 2 مليون دولار( البسيط) .. وعدد المشتغلين فيه لا يزيد عن عشرة أشخاص. والمستوى الثاني (المتوسط) بميزانية تتراوح بين 10ـ15 مليون دولار سنويا .. وعدد العاملين يصل الى مئة .. وهناك المستوى الثالث: حيث يبلغ التمويل قرابة 100 مليون دولار مثل مؤسسة (راند كوربوريتشن) وبها من العاملين حوالي 500 مستخدم.

قد يستغرب البعض، ولماذا هذا العمل وما وراءه من أرباح .. هناك بعض المراكز التي يعتبر كلامها ثقة فعندما تكلف بدراسة ما، وتنشر نتائجها فإنها تتقاضى أموالا على دراستها أو نصائحها أو الأثر التي تحدثه الدراسة في خلخلة بعض نظم الدول في العالم .. كما أن تلك المراكز تسهم في تزويد الحكومة المركزية بموظفين ممتازين أو الإدارات الفدرالية (في الولايات) .. فعلى سبيل المثال جاء (جيمس شليسنجر) والذي شغل مناصب وزير الطاقة ووزير الدفاع ومدير الاستخبارات المركزية من (مؤسسة راند كوربوريتشن) .. أما كيسنجر فقد جاء من جامعة (هارفارد) وعاد بعد انتهاء إدارة الرئيس فورد الى (مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية) .. أما (جين كيركباتريك) ممثلة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة بعهد ريغان فقد جاءت من مركز (أمريكان انتربرايز انستيتيوت) .. وقد وجد أن حوالي نصف أعضاء الحكومات الأمريكية يتم التزود بهم من خلال تلك المراكز ..

عادة تتطابق رؤى الصحف القومية الكبرى في كثير من الأمور الخارجية ، امتعاض من سياسة الحرب في فيتنام وعدم تأييدها ، تأييد غزو (غرينادا ) تأييد تشكيل التحالف في حرب الكويت ، تأييد ضرب أفغانستان ، فبركة الكثير من الصور التي تخدم تلك الأهداف ..

وكانت تلك الصحف تتقاطع مع السياسة المعلنة في بعض المسائل ، أو هكذا يتهيأ لمن يراقب ذلك ، فتأييد جمع التبرعات لضحايا المجاعة في القرن الأفريقي وتصوير مآسي الفلسطينيين و ضحاياهم أثناء الانتفاضة والسياسة الصهيونية المتعسفة إزاء الفلسطينيين ..

فبالإضافة لترسيخ صورة الديمقراطية في أمريكا ، فأن المصالح العليا الأمريكية والتي يشكل الإعلام أحد أبواقها وأذرعها في آن واحد ، هي التي تملي مثل تلك التكتيكات اللازمة .. فلتحريك موضوع الاتصالات والحلول الاستسلامية والتي بدت ملائمة بعد خفوت تأثير الكتلة الاشتراكية واقتراب نجم الاتحاد السوفييتي من الأفول ، كان لا بد من تصوير مأساة الانتفاضة ( كلمة حق يراد بها باطل ) .. لكي تمهد فيما بعد لمؤتمر مدريد وما آلت إليه من نتائج ..

المفارقة بالموضوع الإعلامي ، تبرز عندما تلتزم الصحف القومية الكبرى وحتى الصغرى المحلية بالإضافة لمحطات التلفزيون والإذاعة بحيادية عقائدية تجاه القضايا الداخلية التي تناقشها باستفاضة . في حين نجدها في القضايا الخارجية ، تنحاز الى الصيغة التي تؤيد مصالح أمريكا العليا ، والتي تقودها الشركات الكبرى و تحالفاتها ( الترستات والكارتيلات ) .. والتي تلتقي مصالحها مع مصالح الصهيونية بشكل كبير ، حتى يخيل للمواطن العربي بأن الصهيونية هي من تقود أمريكا ..

خلاصة القول أن الإعلام يساعد في تنفيذ برامج الدولة خارجيا وداخليا ، وأحيانا يمهد لصناعة قرارات ، من خلال نشره لسلسلة من الاستطلاعات التي توحي باقتراب الناس من المسألة الفلانية و تبنيها ، حتى يتم تهيئة المواطن لتقبل ما سيحدث مستقبلا ، ومن ناحية أخرى يتيح المجال لأجهزة المخابرات أن ترصد ما يقال حول الاستطلاعات نفسها .. إنها جوقة تعمل بالتناغم مع بعض .

قوى الضغط الخاصة :
لقد تزايدت وتيرة العلاقات الأمريكية بالخارج، في نهاية الحرب العالمية الأولى، وأخذ أصحاب المصالح تنظيم أنفسهم للتأثير على صانع القرار الأمريكي، كما أن ارتباط أصحاب تلك المصالح بدولهم التي هاجروا منها بالأساس قد دفعهم الى التنسيق بين ما تراه دولهم في بعض الأحيان لصالحها فيتعاطفوا مع صالح دولهم، وهذا ينطبق على الكثير من المهاجرين في بدايات القرن العشرين.

وتنقسم قوى الضغط الخاصة بوجه عام الى فئتين متباينتين تختلفان من حيث الوظيفة ولكن تلتقيان من حيث الهدف، وتعملان في غالبية الأحيان بشكل متناسق ومتكامل. إذ بينما تقوم المنظمات والجمعيات التابعة للفئة الأولى بالعمل الدءوب على إقناع صانع القرار بصوابية آرائها وحمله على تبني وجهة نظرها، تقوم المنظمات التابعة للفئة الثانية بالعمل على شراء ولاء رجال الكونجرس وغيرهم من المسئولين الحكوميين. وتسمى المنظمات التابعة للفئة الأولى (مجموعات الضغط الخاصة ) (اللوبي Lobby ) ، بينما تسمى المنظمات التابعة للفئة الثانية ( لجان العمل السياسي) ( Political Action Committees PACS) .

ويتطلب عمل الأولى تنظيما محكما، وتوظيف مختصين على درجة عالية من الكفاءة لجمع البيانات وكتابة التقرير والاتصال بالمسئولين وتنسيق تلك العلاقات. في حين تقوم الفئة الثانية بمهام جمع الأموال والتفاوض مع المرشحين قبل الانتخابات والعمل على إيصالهم للبرلمان .

مجموعة الضغط الخاصة ) The Lobbies )
إن اهتمام الأمريكيين ببترول الشرق الأوسط في أوائل القرن العشرين، هو ما كان وراء البدايات الحقيقية لتشكيل اللوبيات التي اهتمت بالقضايا السياسية والتجارية الخارجية. وقد كان لقيام الحكومة البريطانية بمحاولة منع وحرمان شركات النفط الأمريكية من المشاركة في امتيازات الشرق الأوسط الأثر الأكبر في طلب تلك الشركات للمعونة من الحكومة الأمريكية وتسخير سياستها الخارجية لخدمة مصالح الشركات .. وجمعت قواها واهتمت بوصول مرشحيها لمقاعد الكونجرس و تسنم أعلى المناصب في الحكومة الأمريكية فيما بعد.

لقد نجحت شركات النفط الأمريكية في إقناع الحكومة الأمريكية بالأهمية الإستراتيجية للنفط حتى غدا النفط يحتل أهم محاور تحديد شكل السياسة الخارجية الأمريكية، وأصبحت تحركات الأساطيل الأمريكية تتناغم مع مطامع الشركات التي أصبحت غير بعيدة عن مراكز الحكم العليا ..
لقد قامت وزارة الخارجية عام 1944 برسم إطار عام لسياستها النفطية تجاه الخارج، بإحلال نفط الشرق الأوسط محل نفط الولايات المتحدة في أسواق أوروبا وإفريقيا و آسيا، والتفاهم مع البريطانيين من أجل إحكام السيطرة على صناعة النفط بالعالم، واستطاعت بالفعل أن تخرج الدول الاشتراكية من هذا الميدان ..

وفي أوائل الخمسينات استطاعت الشركات النفطية الأمريكية، بعد أن تم تقاسم عوائد النفط مناصفة بين الشركات النفطية و الدول العاملة بها، من اعتبار أرباحها معفية من الضرائب، إذ اعتبرت أن الحصص التي أخذتها الدول صاحبة الأرض ( حقول النفط) هي بمثابة مساعدات من الحكومة الأمريكية لتلك الدول من أجل تنفيذ مصالح الحكومة الأمريكية !

أخذت الشركات تنافس الحكومة الأمريكية في السيادة الخارجية وبما يتعلق بأسواق النفط معتمدة على قوة ومكانة (لوبي النفط) .. فخفضت أسعار النفط مرتين عام 1960 دون الرجوع للدول التي تتواجد على أراضيها و تستخرج نفطها، مما حدا بالدول(السعودية، العراق، الكويت، إيران ، فنزويلا) بإنشاء منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) وذلك في أيلول/سبتمبر 1960.
وأخذ الصراع الآن بين لوبي النفط و الدول المصدرة يأخذ شكلا واضحا أحيانا، ومستترا أحيانا أخرى، وقد نجح لوبي النفط من إقناع الحكومة الأمريكية أن مصلحتهما مشتركة كما نجح من التملص من دفع الضرائب كما نجح في توجيه السياسة الخارجية وإشعال الحروب (أفغانستان ، العراق) ..

والى جانب لوبي النفط هناك مجموعات كبيرة من جماعات الضغط، سواء تلك التي تتعلق بالصناعات كالسيارات و الطائرات والأسلحة والقمح .. إضافة الى تلك التي ترتبط بالنشاط الخارجي .. وسنمر على أهمها ..

اللوبي الصهيوني American-Israel Public Affairs Committee (AIPAC)
قبل أن ندخل بالحديث عن هذا اللوبي الذي يعتبر الأهم بين جماعات الضغط التي تتدخل في مناقشة قضايانا نحن العرب وتؤثر على كيفية صناعة القرار الأمريكي، أستميح القارئ العذر، في التأشير على مثالين تأكدت منهما في الحياة العامة .. ففي مهنتنا يلجأ بعض المسوقين لإرسال مجموعات من طرفهم بشكل أفراد للمتاجر الكبرى لتبحث عن صنف دجاج مجمد مثلا (الوردة الحمراء) .. فيجيب موظف المبيعات أن لدينا عدة أصناف ويذكرها عدا الصنف الذي تم سؤاله عنه، وعندما تتكرر تلك الحالة عشرة مرات في اليوم من الأفراد الذين بعثتهم الشركة، فإن إدارة المخازن ستتصل بصاحب العلامة التجارية وتطلب منه.

المثال الثاني كنت قد اشتركت فيه بنفسي في لجان مقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني، عندما وضعنا هدفا لمضايقة من يبيعون المشروب الغازي (كوكاكولا) فبعد أن يقوم المشتري (من أعضاء المجموعة) باختيار مشترياته ووضعها على الطاولة لدفع قيمتها، يمثل دورا بأنه اكتشف أن المتجر يبيع الكوكاكولا فيلغي عملية الشراء .. وقد تفقدنا أثر تلك التمارين المتكررة لبعض المتاجر، فكانت النتيجة أن تمتنع بعض المتاجر عن التعامل مع هذا الصنف.. لنتذكر هذين المثلين في الحديث عن اللوبي الصهيوني..

لقد أدركت الحركة الصهيونية أهمية الولايات المتحدة منذ بداية العشرينات من القرن الماضي، واستطاعت خلال عشرين عاما أن تتسلل الى أهم المواقع المؤثرة في صناعة القرار الأمريكي.. واتضحت قوتها لأول مرة عام 1948 عندما أعلنت دولة الكيان الصهيوني.. فكان موقف الرئيس الأمريكي (ترومان) في البداية عدم الاعتراف بهذا الكيان وإعاقة عملية الاعتراف الدولي به .. إلا أن عمل (الإيباك ـ اللوبي الصهيوني) أدى دوره ليخرج (ترومان) الى مستشاريه والذين كانوا على أعتاب انتخابات (رغم معارضة البعض من هؤلاء المستشارين وعلى رأسهم وزير الخارجية والدفاع ورئيس هيئة الأركان الذين لم يريدوا الاعتراف بالكيان الصهيوني) .. خاطبهم (ترومان) بالقول: (( آسف أيها السادة. إن علي التجاوب مع رغبات مئات الآلاف من المتحمسين لنجاح الصهيونية، إنه لا يوجد بين رعيتي مئات الآلاف من العرب))، لم يشأ ترومان القول عن العرب الذين قد يكونوا موجودين في ذلك الوقت بأعداد قد تتجاوز أعداد اليهود، بأنهم فاقدو الحماس لعروبتهم ..
لقد أسس (ترومان) بتراجعه عن موقفه من الكيان الصهيوني لموقف كان ولا يزال له الأثر الأكبر على العلاقة الأمريكية ـ العربية وجسد من خلاله :

1ـ السماح لكبار المسئولين بوضع طموحاتهم السياسية (الانتخابية) أمام مصالح أمريكا القومية.
2ـ السماح للأقليات الأمريكية بتشكيل مجموعات ضغط خاصة هدفها تطويع سياسة أمريكا الخارجية لخدمة أهداف ومصالح أطراف ودول أجنبية.

وكون الصهاينة يحترفون هذا العمل منذ آلاف السنين، فقد واظبوا على تطوير جماعات الضغط الخاصة بهم والتي وصل عددها عام 1985 أكثر من 200 مجموعة تتزعمها (ايباك) التي ارتفع عدد كوادرها من 6000 عام 1980 الى 50000 عام 1985، ويعمل بها بشكل دائم 50 موظفا مهمتهم :

1ـ إعداد الدراسات التي تعكس وجهة نظر الكيان الصهيوني، وتضع ملفات أعضاء الكونجرس و تجمع عنهم المعلومات وتتصل بهم وتثقفهم عن قضاياها، وتدفع لهم الرواتب وتؤمن لهم (شطحات) ترفيهية وإغرائية وتهددهم بالسقوط.
2ـ العمل على إعاقة التعاون العسكري المؤثر مع الدول العربية..
3ـ عقد الندوات التثقيفية الجامعية لنخب الطلاب والأساتذة المدعوين لأمريكا، وشرح قضية الصهيونية كضحية لأوباش محيطين بها! فقد عقدت بين عامي 1980و 1983 حوالي 350 ندوة شارك بها 5000 كادر مستضاف من أمريكا.

وكون (ايباك) تعرف مدى الدرجة العلمية والمالية لأفراد (اليهود) في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد استغلتهم أسوأ استغلال وقد ظهر كتاب بين اليهود يستهجنوا خضوع أمريكا لرغبات الصهيونية، والسماح لهم باستغلال يهود أمريكا بشكل مهين، ومنهم (نعوم شومسكي) الكاتب المعروف، والكاتبة اليهودية (روبرتا شتراوس فوبرلشت) التي كتبت (( لا يمكن تصور أن يحدث استغلال أقلية صهيونية لأكثرية يهودية .. وأين في بلد يدعي أنه راعي أفضل ديمقراطية بالعالم .. إنه كبت للحرية ورجم لمن يخالفها الرأي بالحجارة حتى الموت)).

لقد تطور عمل (إيباك) في عهد كيسنجر، كما أسلفنا، إذ تم زج أعدادا غير قليلة ليصلوا في النهاية الى أعلى المراتب مثل نائب رئيس الجمهورية ومساعد وزير الخارجية والدفاع وغيرها من مئات الوظائف التي أوصلت منطقتنا العربية لما هي عليه الآن .. كما أن علاقات الدول والشعوب التي تريد التقرب من أمريكا لطلب مساعدتها، أدركت فيما بعد أن زيارة مسئولي (إيباك) ورضاهم خطوة أساسية لإكمال مشوار التقرب، وقد رأينا الدول الإفريقية والأمريكية الجنوبية كيف كانت تقيم علاقات مع الكيان الصهيوني كثمن (لفيزا) الالتقاء بالمسئولين الأمريكان وطلب دعمهم !

لجان العمل السياسي Political Action Committees (PACS)
يعتبر جمع المال وتوظيفه لشراء ولاء السياسيين، الوظيفة الرئيسية للجان العمل السياسي. وتتم عملية شراء ولاء السياسيين عادة من خلال المساهمة في تمويل حملاتهم الانتخابية وتوجيه الأتباع لدعمهم ماديا والتصويت لصالحهم. وعلى الرغم من تباين أساليب العمل بين تلك اللجان وجماعات الضغط، إلا أن غاياتهما متشابهة.

وقد اكتشفت جماعات الضغط بأن قوة المنطق والإقناع وحدها لا تكفي، فكان لا بد من إنشاء تلك الأذرع لمعاونتها عن طريق شراء الذمم وتغيير مواقف السياسيين ومنهم البرلمانيين من خلال توصيلهم للكونجرس و مراقبتهم وتوجيههم باستمرار بما يخدم أهداف جماعات الضغط نفسها.

في عام 1974 كان في الولايات المتحدة حوالي 600 لجنة عمل سياسي، تمثل كل القطاعات الصناعية والتجارية والقوى السياسية وتنتشر في كل مدن الولايات المتحدة. وعندما رأى السياسيون والذين هم ليس بعيدين عن قطاعات الإنتاج (الإمبريالية)، أن عمل تلك اللجان قد أعطى ثماره، فقد ارتفع عدد تلك اللجان عام 1986 الى نحو 4500 لجنة .. أسهمت تلك اللجان في 65 مليون دولار في انتخابات عام 1986 أي ما يعادل 44% من كلفة الحملة.

وتعتمد لجان العمل السياسي أسلوبا، حيث تدعم عودة مرشحين قدامى وتبتعد عن دعم مرشحين جدد، حيث تكون قد اطلعت على نمطية أداء النواب والشيوخ القدامى وآراءهم .. حيث قدمت عام 1988 ما قيمته 115مليون لدعم المرشحين القدامى، في حين كان نصيب المرشحين الجدد، ما قيمته 17 مليون فقط.

وفي بعض الأحيان تتجاوز قيمة الدعم المالي لبعض المرشحين ما ينفقوه فعلا. وقد بلغ متوسط كلفة المرشح لمجلس الشيوخ عام 1986 ما مقداره 3 ملايين لكل مرشح، فإذا عرفنا أن مدة مجلس الشيوخ هي ست سنوات، فإن المرشح عليه جمع ما قيمته 10آلاف دولار كل أسبوع. وإذا كان العضو من المهمين ويُخشى عليه الرسوب، فإن عليه جمع أضعاف ذلك المبلغ. فقد بلغت كلفة حملة

وعلى سبيل المثال أسفرت المنافسة على مقعد في مجلس الشيوخ بين (بوب جراهام) حاكم ولاية فلوريدا السابق و (بولا هوكنز) عضوة مجلس النواب في عام 1986 عن إنفاق 13مليون دولار. وفي ولاية (نورث كارولينا) بلغت تكاليف حملة انتخابات أحد المقاعد في مجلس الشيوخ في عام 1984 بين السناتور (جيسي هلمز) ومنافسه (جيمس هنت) حاكم الولاية السابق، حوالي 32مليون دولار.

وعلينا تصور المبالغ التي صرفت عام 2006 بعد مرور عشرين عاما، فهي بالتأكيد قد زادت عشر مرات على الأقل.. وعلينا على ضوء كل ذلك أن نتأمل تلك الديمقراطية الشفافة التي يبشرون بها في منطقتنا، ومدى حرية أداء عضو الكونجرس ونزاهة مواقفه!

يتبع
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 12-08-2007, 05:18 AM
ابن حوران ابن حوران متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: May 2005
المشاركات: 2,203
افتراضي

بنوك التفكير الرئيسية :*1
تعتبر بعض المراكز من أهم بنوك التفكير في أمريكا، إذ تزود الدولة بدراسات ومعلومات تهتم بالسياسة الخارجية وقضايا أخرى يحتاجها صانع القرار السياسي في أمريكا، ومن تلك البنوك: (بروكينجر أنستتيوشن) و (أمريكان انتربرايز انتستيتيوت) و (سنتر فور ستراتيجيك آند انترناشيونال ستاديز) و (مؤسسة راند كوربوريشن) ..

وتأسس معهد (بروكينجر أنستتيوشن Brookings Institution) عام 1927 متخصصا في إجراء الدراسات الأكاديمية، وينشر المعهد دراساته في نشرات دورية، وبعد عام 1932 أصبح هذا المعهد يدعم الدولة بدراسات اقتصادية.. ويتبع هذا المركز عمليا للحزب الديمقراطي، وقد زود المعهد إدارة الرئيس (كارتر) بالعديد من الموظفين الهامين بين عامي 1977و 1980، ومنهم (تشارلز شولتز) رئيس هيئة مستشاري الرئيس الاقتصاديين .. وبلغت ميزانية المعهد السنوية حوالي 15 مليون دولار .. ويعمل به أكثر من 100مختص نصفهم يعمل بالشؤون السياسية والاقتصادية وهم موظفون سابقون بالحكومة( وهو تقليد لا يزال حتى اليوم .. يخرج الموظف الكبير من الحكومة فيعمل بتلك المراكز ثم يعود ) .. ويشرف المركز على برامج أكثر من 100 محطة إذاعية ..

أما معهد (أمريكان انتربرايز انتستيتيوت American Enterprise Institute) فقد تأسس في عام 1943، كمؤسسة أبحاث خاصة استهدفت الدفاع عن النظام الرأسمالي وعن مسلكية الشركات الكبيرة ومصالحها.. وقد اتسعت نشاطاته حتى شملت قضايا الميزانية والشؤون الدولية ودور الدين والفلسفة في السياسة العامة للدولة.. وكان بالمعهد عام 1985 176 موظف بميزانية 13مليون دولار ... والمعهد تابع للحزب الجمهوري وقد زود المعهد إدارة ريغان ب 32 من كبار الموظفين .. والجدير بالذكر أن الرئيس (جيرالد فورد) كان من كوادر المعهد.. ويصدر المعهد أربعة مجلات دورية، و130 كتاب ودراسة سنوية .. ويكتب المعهد 3 مقالات كل أسبوعين تنشر في 101 جريدة يومية ..

أما (سنتر فور ستراتيجيك آند انترناشيونال ستاديزCenter for Strategic and International Studies) أي مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية) فقد أسس في عام 1962 كمؤسسة خاصة تابعة لجامعة جورجتاون .. بهدف تشجيع صانعي القرار السياسي والجمهور في التفكير بشكل إستراتيجي فيما يتعلق بالقضايا الدولية .. وبلغ عدد العاملين في المركز عام 1988، 140 شخصا، بميزانية 8.5 مليون دولار ويصدر مجلة فصلية و8 كتيبات سياسية سنوية..

ومؤسسة (راند كوربوريشن Rand Corporation) تعتبر أكبر مؤسسات البحث الخاصة في أمريكا، التي ينحصر اهتمامها في قضايا الأمن والدفاع .. وتعتبر العقل المدبر لوزارة الدفاع الأمريكية، وتقوم هذه المؤسسة بتنسيق طلبات وزارة الدفاع وتحويلها لمصانع ومختبرات أبحاث تستفيد كلها من خلال علاقاتها ذات الطابع الرأسمالي، لتنسق مبيعات الأسلحة للحكومة وقبض أثمانها بما يؤمن الربحية للمصانع .. وتعد الدراسات للحروب لاستعمال الأسلحة وهكذا.
وتبلغ ميزانيتها 75 مليون دولار ويعمل بها 500 شخص .. وتزود تلك المؤسسة وزارة الدفاع بالكوادر .. ومنهم (رامسفيلد) وزير الدفاع المستقيل حديثا ..

ويتم تمويل تلك المؤسسات من خلال نظام يتحايل على قوانين الضريبة، حيث تكون ميزانياتها من التبرعات الخيرية التي تعفى من الضرائب أو تستقطع منها.

المراجع
ـــ
صنع السياسية الأمريكية.. والعرب/ د محمد عبد العزيز ربيع/ دار الكرمل ص 118ـ 122



المؤسسات المالية الخاصة :
بعد أن مررنا على (بنوك التفكير) وكيفية اعتمادها على المؤسسات الخيرية Non Profit Foundations في الحصول على الأموال اللازمة لإمدادها في عملها .. وكيف أن النخب الرأسمالية في الولايات المتحدة وبالذات تلك التي في الحكم قد عملت حماية قانونية لتلك المؤسسات، إذ تم إعفائها من اقتطاع الضرائب من تلك الأموال الموظفة في تلك المؤسسات، وذلك لتشجيعها على استثمار أموالها في دعم تلك المؤسسات التي تعزز في النهاية ديمومة الفكر والمثل الرأسمالية، وتجعل تأثيرها، ليس على صعيد المجتمع الأمريكي فحسب، بل على الصعيد العالمي. وهذا سيقودنا لإلقاء الضوء على شكل جديد من تلك المؤسسات التي ترتبط بما سبق و تؤدي دورا متناغما معها، إنها المؤسسات المالية الخاصة..

لقد أدرك أثرياء الولايات المتحدة الأمريكية منذ زمن بعيد، أن امتلاك الثروة وحده لا يكفي، بل إن حماية تلك الثروة واستثمارها وتنميتها، وما يتعلق بهاتين الرغبتين من رغبة أهم وهي الوصول للحكم لترجمة تلك الرغبات بإجراءات حكومية، تستخدم كل إمكانيات الولايات المتحدة وعلاقاتها الدولية في تحقيق تلك الأهداف.. وهذا يجعل من إنشاء مؤسسات مالية خاصة، غلافها الخارجي يعني بالأعمال الخيرية و تشجيع العلوم والحفاظ على القيم والأخلاق الرأسمالية الليبرالية، وحقيقتها توسعية إمبريالية ملتصقة بروح الدولة ومتماهية معها، وتستمد القوة من الدولة وتمد الدولة بالنصائح والرجال والدراسات..

يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية ما يزيد عن 35 ألف مؤسسة مالية خيرية خاصة، تقوم أساسا بدعم بنوك التفكير والجامعات والبحوث الطبية، والفنون والعلوم التطبيقية وغيرها..

وبعض تلك المؤسسات تعني بالوضع السياسي العالمي، وهي مؤسسات كبرى، كمؤسسة فورد Ford Foundation ومؤسسة كارنجي Carngie Foundation ومؤسسة روكفلر Rockfellor Foundation وهذه المؤسسات تقوم بتبني دراسات استراتيجية في السياسة والقانون الدولي وتدريب القيادات، وتؤثر في الرأي العام الأمريكي والعالمي وتؤثر في شكل سياسات الدولية الأمريكية..

فمؤسسة (كارنجي) التي تأسست عام 1910 استطاعت خلال ثلاثين عاما من 1910الى 1940 أن تصبح أكثر مؤسسة تأثيرا في السياسة الأمريكية لأربعين سنة قادمة من 1940 الى 1980، فقد استطاع مجموعة من رجالها وأمنائها العامين أن يصلوا الى أعلى المراكز الوظيفية في الدولة الأمريكية. فقد وصل (دوايت أيزنهاور) عام 1952 ليصبح رئيسا للولايات المتحدة، كما وصل (جان فوستر دالاس) ليكون وزيرا للخارجية، ووصل (روبرت ماكنمارا) ليصبح وزيرا للدفاع في عهد الرئيس (كندي) .. كما أصبح هو رئيس البنك الدولي. وتتبنى مؤسسة (كارنجي) ـ نفس الوقت ـ دعم وتأسيس مؤسسات أقل أهمية ..

وفي الولايات المتحدة الأمريكية 37 مؤسسة كبرى، كانت تملك من الأموال عام 1986 (55) مليار دولار، تستثمرها في مشاريع تنموية، وتتبرع بثلثي أرباحها السنوية الى مشاريعها التي أسست من أجلها، وتتراوح أرباحها من مشاريعها التنموية ما يقرب من (15) مليار دولار، تتبرع بحوالي (10) مليار منها، وهذه الخطة تنمي قوة تلك المؤسسات وتزيد من موجوداتها المالية، حيث تقدر الآن (2007) بحوالي (170) مليار دولار ..

ومن ألمع أسماء تلك المؤسسات فهي إضافة الى (كارنجي) و (روكفلر) و(فورد) يوجد أيضا (كرسجي) و (ليلي) و (جونسون) و (مآك آرثر) و(روديسون) .. وقام على تأسيس تلك المؤسسات رجال أثرياء جمعوا ثروتهم من السيارات و سكك الحديد والبنوك و النفط والفحم الحجري وتجارة السلاح ومواد التجميل والتأمين وصناعة الصلب والأدوية وغيرها .. ودفعهم الى ذلك طموحهم السياسي قبل الاستشعار بالمصلحة الإمبريالية ..

وازداد عدد تلك المؤسسات ونشاطها بعد وصول (رونالد ريغان) الى الحكم، كما تأسس في عهد ريغان مؤسسات مالية كبرى تتبنى الخط اليميني المتطرف، وهم ما يطلق عليهم (المحافظون الجدد) .. ومن تلك المؤسسات المالية اليمينية المتطرفة: ( سكافي Scaffe) ومؤسسة (جون أم أولين John M Olin ) ومؤسسة (سميث ريكاردسون Smith Richardson) .. وقد استطاعت هذه المؤسسات أن توصل في العقد الأخير، الكثير من الموظفين الكبار للإدارة الأمريكية ..
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 22-11-2007, 02:28 PM
ابن حوران ابن حوران متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: May 2005
المشاركات: 2,203
افتراضي

بنوك التفكير الرسمية

تعتمد السياسة الأمريكية في جمع معلوماتها وتحديد سياساتها تجاه الكثير من القضايا على بنوك تفكير خاصة ممولة من بيوت مال خاصة، ففي عام 1965 مثلا، أنفقت على البحوث التطبيقية الاجتماعية (وحدها) 235 مليون دولار، في حين زاد الإنفاق في هذا المجال فقط عام 1975 حتى تخطى2 مليار دولار، ولزيادة الإنفاق في مثل هذه النشاطات فكرت الإدارة الأمريكية باستحداث بنوك تفكير رسمية تابعة للحكومة ..

ومن أهم المراكز البحثية التي تلعب دورا بارزا اليوم، في توجيه السياسة العامة للدولة، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الداخلية والخارجية، المراكز التالية:

مكتب المحاسبة العام General Accounting Office :

يعتبر هذا المكتب بمثابة جهاز تحقيقات تابع للكونجرس، مهمته القيام بالدراسات وتقييم البرامج المختلفة واقتراح السياسات بناء على طلب الكونجرس، ويقوم هذا المركز بدراسات تتعلق بالتجارة الخارجية والطاقة والتمويل، ومعونات التنمية، والمعونات الأمنية للدول الخارجية وجدواها فيما تعود به على المصالح الأمريكية، ففي عام 1983 قام المركز بدراسة المعونات المقدمة للكيان الصهيوني، فتحت الباب أمام نقاشات استراتيجية أخرى. ويعتبر هذا المركز أكبر وأهم المراكز الحكومية ويعمل به 5000 شخص .. تمويله وصل عام 1985 الى نصف مليار دولار.

مركز الكونجرس للخدمات البحثية Congressional Research Service :

هو المركز الذي يزود الكونجرس بالمعلومات الدولية اللازمة لاتخاذ القرارات، كما يقوم المركز بتحضير الإجابات عن الأسئلة التي يطلبها أعضاء الكونجرس، حول مختلف القضايا الدولية .. ويناط بالمركز مهمة تدقيق المعلومات الواردة من جماعات الضغط (اللوبي) .. ويعمل في المركز 850 شخص يغطون حوالي 500 تخصص .

مكتب الكونجرس للميزانية Budget Office Congressional :

تم إقامة هذا المركز ليتابع شؤون الميزانية، ويتوقع عجزها، ويحدد قيمة العجز، ويقدم بعض الحلول كتوصيات للخروج من أزمات عجز الميزانية، كما يعني بالتعديلات الضريبية وما يترتب عليها. يبلغ عدد العاملين في المركز 200 شخص ..

مكتب تقييم التكنولوجيا The Office Of Technology Assessment :

أقيم هذا المركز في أوائل السبعينات من القرن الماضي لمساعدة الكونجرس على فهم تعقيدات التكنولوجيا الحديثة وإصدار التشريعات بشأنها. وهي تلك المتعلقة بتأثير تلك التغييرات التكنولوجية على عادات الناس، وما تتركه من آثار بيئية وما يترتب عليها اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا.. كما يهتم المركز بضبط نقل التكنولوجيا خارج الولايات المتحدة وبالذات للدول الفقيرة والتي لا تسير مع خط الولايات المتحدة .. ويهتم كذلك برصد ومراقبة أبحاث الفضاء .. ويبلغ عدد العاملين فيه حوالي 140 شخصا..

الى جانب تلك المراكز، قامت الحكومة الأمريكية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي بإنشاء معاهد أبحاث متخصصة في كل الوزارات مثل معهد الخدمة الدولية التابع لوزارة الخارجية ..

كما أن جهات ومعاهد وأشخاص يكلفون بدراسة قضايا بعينها، سواء كانوا من منظمات حكومية أو أهلية. فعلى سبيل المثال تم تكليف الدكتور (ناداف سفران) رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة (هارفارد) وهو يهودي من أصل مصري، لدراسة شؤون الأمن والدفاع في المملكة السعودية، يتحرى فيه عن خلفية الفئات المكونة للجيش السعودي، ودراسة الآثار المحتملة للتطورات داخل الجيش على استقرار السعودية في السنوات القادمة. وقد نال عليه 107 آلاف دولار، وخرج بكتاب بعنوان (السعودية : البحث الدائم عن الأمن) .. كما تلقى منحة لعقد مؤتمر حول (السياسة والإسلام) بمقدار 46 ألف دولار ..






الرأي العام الأمريكي

كانت نشأة الولايات المتحدة الأمريكية وتنوع ساكنيها من حيث منشئهم وخصوبة وغنى الأراضي الأمريكية وبعدها عن العالم القديم، وراء عدم اهتمام سكانها بما وراء حدود بلادهم، فانشغلوا بتثبيت أقدامهم وتقوية مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية هناك، فكانت الأولوية لقضايا ما داخل حدود تلك البلاد، فكانت النخب الثقافية التي تمثل الاقتصاد والسياسة تخاطب الرأي العام الأمريكي للتأثير فيه كي يصطف وراءها في شؤون قضايا التحرر من البريطانيين أولا ثم توحيد البلاد ثانيا وثم وضع الدستور والقوانين التي تنظم الحياة الداخلية لهؤلاء السكان، وتبع تلك الأنشطة نشاطات فرعية متتابعة تهم طريقة الانتخابات وتداول السلطة، وصيانة الاستقلال وحقوق الإنسان والضرائب الخ ..

هذا الوضع استمر تقريبا بشكله المنعزل والمتقوقع على داخله، حتى الحرب العالمية الثانية تقريبا، وكانت فلسفة المبشرين بهذا النهج والموجهين للرأي العام كي يناصرهم به، تتمثل بأن بلادهم واسعة وغنية وليسوا محتاجين لنصرة أي دولة لا بشكل مالي ولا عسكري ولا ثقافي، بل على العكس كانت بلادهم ولا تزال تهوي إليها النفوس للهجرة بإمكانيات المهاجرين العلمية والفكرية والاقتصادية ..

وإن أتينا على موضوع (الرأي العام) كموضوع لا تتخصص به حالة أمريكا وحدها، وتأملنا في تعريفه، وهو الاتجاه العام للأغلبية في مسألة ما، فإن هذه الوظيفة التي اخترناها من تعريف الرأي العام، ستكون مضللة ـ بلا شك ـ إذ أنه لا يعقل أن يتكون اتجاه شعبي عام في لحظة محددة وحول قضية محددة، وبشكل متجانس، دون فعل فاعل .. فمن يُحرك الإعلام هم نخب ثقافية ترتبط بمصالح قد تتطابق مع مصلحة الدولة وقد تتقاطع معها، ويستخدمون وسائل إعلام تملكها شركات لها مصلحتها في شكل معين تريد أن يكون الرأي العام عليه.. لذا فإن الرأي العام إنما يعكس وجهات نظر نخب معينة لها مصالح معينة وسمحت لها الدولة بالنفاذ الى جمهور الرأي العام لغايات معينة ..

في أمريكا تكون الشخصيات الحكومية الكبرى مع القضايا الكبرى سواء كانت داخلية أم خارجية هي مواد الاستبيانات الصحافية التي تمهد لصناعة رأي عام حول قضية معينة.. ومن المؤكد أن تكون تلك الشخصيات لها صلاحيات واسعة حتى تلفت نظر الجمهور، فرئيس الجمهورية ووزير الدفاع ومدير المخابرات ووزير الخارجية ومن هم في مستواهم تكون شخصيات تحت مراقبة الرأي العام، وذلك كما أسلفنا للتعبير عن ذوي المصالح القريبة من الدولة أو المتقاطعة معها، كما أن مسألة الانتخابات ليست بعيدة عن تلك الأنشطة.

الإعلام الرأي العام الأمريكي

يكون في العاصمة الأمريكية (واشنطن) في أي عينة من الوقت يوميا حوالي أربعة آلاف مراسل إعلامي عالمي، ينقلون ما يسمعون أو يشاهدون لمختلف بلدان العالم .. والسبب في ذلك يعود الى التأثير العالمي الواسع للدولة الأمريكية في معظم أحداث العالم الساخنة. وقد أدرك الساسة الأمريكيون ومعهم صناع الرأي العام الأمريكي والعالمي تلك الخاصية، فجعلوا من صناعة الخبر والدراسة الميدانية والاستطلاع مدخلا هاما للتأثير في الرأي العام تمهيدا لتنفيذ برنامج سياسي خارجي أو داخلي .. فتربط أجهزة الإعلام ما يقال في الداخل والخارج حول قضية بعينها تريد الإدارة الأمريكية أن تنفذها أو تحركها، فتهيئ الرأي العام الأمريكي لتقبلها وتتصاعد في بث البرامج الإعلامية والدعائية المخصصة لذلك ..

على سبيل المثال يقول (دانيال بايبس) أن الصحافيين الأمريكيين يهتمون بموضوعين فقط فيما يتعلق بالشرق الأوسط هما أمريكا وإسرائيل .. فيكون توجيه الرأي العام لتضخيم أثر من يشكل خطرا على مصالحهما، حتى لو بصورة غير مباشرة، فتقوم شبكات البث التلفزيوني بتصوير هؤلاء غير المنخرطين في خدمة مصالح الطرفين، على أنهم أعداء لحقوق الإنسان وأعداء لشعوبهم وأعداء للسامية وأعداء للطفولة والبيئة و القطط وكل شيء يهتم به المواطن الأمريكي كإنسان من أجل زرع الكراهية في نفوس مواطنيهم تجاه هذا العدو، الذي يُحتمل أن تتطور درجة العداء معه لغزوه!

الرئيس والرأي العام

إن السلطات الواسعة التي منحها الدستور الأمريكي للرئيس في تقديم طاقم عمله و في إدارة الحروب والعلاقات الخارجية، تجعل منه شخصية محورية أساسية في الولايات المتحدة، بحيث لا يغيب طيفه عن المواطن الأمريكي ليوم واحد. ونتيجة لضعف الحالة الحزبية في العمل الميداني، وترك المؤسسات لوضع الدراسات واستبيانات الرأي، فإن صلة المواطن بالرئيس الأمريكي هي أكثر منها في حالة تواصل أخرى، لذا نرى أن الرؤساء قد نجحوا في فترة ستة عقود سابقة في جعل الجمهور الأمريكي يلتف حولهم في حروبهم الخارجية، وقد كان ذلك منذ الحرب العالمية الثانية وحتى بداية الفترة الثانية للرئيس (بوش) الحالي، ونشاهد اليوم صعوبات كبيرة تواجه رئيس الجمهورية في رفع نسبة تأييد الرأي العام الأمريكي له، حيث وصلت الى نسبة لم تصل إليها في عهود كل رؤساء أمريكا ..

الرأي العام وصنع السياسة الخارجية

قبل هزيمة أمريكا في فيتنام لم يحدث أن كان الرأي العام الأمريكي لا يعطي لرئيسه أقل من 50% وهي النسبة التي يحتاجها أي رئيس للتعامل مع القضايا الخارجية بحرية مطلقة مع أمور التمويل والقرارات الصعبة .. لكن بعد هزيمة فيتنام وفضيحة (ووتر غيت) .. أدرك الشعب الأمريكي أهمية مشاركته في صنع القرار من خلال ممثليه في الكونجرس .. وقبل أسبوع، أي في منتصف أغسطس/آب 2007 .. وصل التفاف الرأي العام الأمريكي حول (الكونجرس) نفسه أدنى درجاته إذ بلغت نسبة الراضين عن أداء الكونجرس 22% فقط.

إن كان الثبات هو الصفة السائدة على دور وتأثير الرأي العام الأمريكي في العقود الماضية، فإن التغير هو السمة التي ظهرت عليه في الآونة الأخيرة، ويعود ذلك الى بروز العديد من الناشطين على الصعيد الداخلي الأمريكي من كتاب ومفكرين وفنانين، ويعود الى انفضاح أمر أهداف الساسة الأمريكان في خدمة مصالحهم الشخصية، كما يعود الى تطور التداخل الإعلامي العالمي ووصوله الى المواطن الأمريكي، والذي كان تتفرد فيه قوى إعلامية يتطابق أداؤها مع أهداف الساسة.. إضافة للخسائر البشرية العالية في العراق وافتضاح كذب الإعلام الأمريكي من خلال تسريب الجنود العائدين من العراق وذوي القتلى والمصابين التي زكمت أخبارهم أنوف الأمريكيين ..
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 22-11-2007, 02:35 PM
ابن حوران ابن حوران متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: May 2005
المشاركات: 2,203
افتراضي

الجزء الثاني :

التطور التاريخي لأهداف وإدارة السياسة الأمريكية*1



المنطلقات والأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية
التطور التاريخي لسياسة وأهداف أمريكا الشرق أوسطية
أسس ومقومات الانحياز الأمريكي لإسرائيل
العرب و صنع السياسة الأمريكية


المنطلقات والأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية

لا تختلف الولايات المتحدة الأمريكية في عناصر سياستها الخارجية عن أي دولة مستقلة في العالم بالزمن الحاضر وما سبقه .. حيث تتدخل التجربة التاريخية والخلفية الثقافية والأوضاع الداخلية والتطلعات المستقبلية للأمريكيين بوجه عام .. وقد وضع (جورج واشنطن) أول رئيس لأمريكا المنطلقات الأساسية لسياسة بلاده الخارجية عندما قال: (إن علاقاتنا الخارجية تقوم على أساس الابتعاد عن إقامة تحالفات دائمة مع أي جزء من العالم، وأن الخطأ الأكبر في إدارة العلاقات الدولية يكمن في تصور إمكانية قيام دولة ما بتقديم العون لدولة أخرى بصفة مستمرة)*2 وقد تطور هذا المفهوم فيما بعد حيث حل محله المفهوم القائل بأن (العلاقات بين الدول لا تقوم على أساس صداقات وتحالفات دائمة وإنما على أساس مصالح متبادلة)

ويمكن تلخيص أسس السياسة الأمريكية حتى العقد الأول من القرن العشرين أي قبل الحرب العالمية الأولى بقليل بما يلي:

1ـ الرغبة في بناء نظام ديمقراطي داخلي يعمل على صيانة حريات الأغلبية (البيض) ويضمن حقهم في السعي لتحقيق الرفاه والتقدم.

2ـ قناعة، بأن الرفاه والتقدم يحتاج الى موارد إضافية يمكن الحصول عليها من خلال التوسع على حساب الغير.

3ـ الإيمان بضرورة الابتعاد عن التحالفات العسكرية، خاصة مع الدول الأوروبية، ورفض مبدأ تدخل تلك الدول في الشؤون الأمريكية.

4ـ الرغبة في إقامة علاقات دبلوماسية مع أكبر عدد ممكن من دول العالم وذلك بهدف تعزيز المكانة الدولية وزيادة النشاطات التجارية.

لقد نجح الساسة الأمريكان في جذب عشرات الملايين من المهاجرين الأكفاء ليدعموا نمو اقتصاد أمريكا بتزاوج جهودهم البشرية مع إمكاناتها الطبيعية.. لكن النقطة التي أشارت الى القيام بالتوسع على حساب الغير، كانت مثار جدل أخلاقي من دولة تدعي الديمقراطية والوقوف الى جانب حماية حقوق الإنسان، وكان لا بد من توضيحها أدبيا .. ولكن الساسة الأمريكان رأوا أنه لا بد من (اختلاق) خطر خارجي أو داخلي يهدد الوجود والكيان الأمريكي .. ووجدوا ضالتهم في البداية مع الهنود الحمر، وامتد اختلاق الأعداء مرورا بالخطر الشيوعي وانتهاء (الآن) بخطر الإسلام .. أسلحة دمار شامل .. الخوف من توقف جريان النفط .. الإرهاب ..

كان الجدل قائما بين مفكرين ورؤساء أمريكان في القرن التاسع عشر حول أهمية استخدام الاحتلال العسكري والقوة العسكرية من طرف وبين القائلين بالاكتفاء بالنفوذ الاقتصادي لجذب وقوف الدول لجانب أمريكا. وقد استحدث فكرة الاحتلال العسكري كل من الرئيس (جفرسون) و(جون آدمز) ..

مبدأ مونرو Monroe Doctrine

أعلن الرئيس (مونرو) عام 1823 مبدأه المشهور والذي قال فيه بأن أمريكا ستقف في وجه أية محاولة أوروبية للتدخل في شؤون الدول المستقلة في أمريكا الجنوبية .. وقد استخدم مبدأ (مونرو) عام 1875 عندما حاولت دول أوربية فتح قناة بنما، حيث عارضت الولايات المتحدة إلا إذا أصبحت القناة تحت سيطرتها الكاملة وكان لها ذلك . وفي عام 1904 أعلن الرئيس (روزفلت) أن أمريكا ستتدخل في دول أمريكا الجنوبية التي تثير الإدارة السيئة لحكوماتها قلق الولايات المتحدة، وهذا تطوير واضح لمبدأ (مونرو) من الدفاع الى الهجوم.

آليات التدخل

منذ عهد الرئيس (مونرو) الى عهد الرئيس الحالي (بوش الابن) .. وأمريكا تستخدم منطق حماية المصالح القومية كمبرر لتدخلاتها في العالم (عسكريا) .. ففي عام 1953 قامت ال (CIA) بالتدخل في إزاحة نظام (مصدق) في إيران، وفي عام 1954 غيرت نظام غواتيمالا الديمقراطي بنظام عميل. وفي عام 1958 أرسل الرئيس (إيزنهاور) قواته الى لبنان لدعم نظام فاسد. وفي عام 1958 نفسه قامت ال (CIA ) بمحاولة اغتيال الرئيس احمد سوكارنو في إندونيسيا .. وهي المحاولة التي تكررت بنجاح عام 1965. في عام 1961 دعمت أمريكا قوى مرتزقة لغزو كوبا وهي ما نجم عنها قضية الصواريخ في (خليج الخنازير) .. وفي العام نفسه تم اغتيال رئيس وزراء الكونغو (باتريس لوممبا) .. في عام 1964 ساهمت الولايات المتحدة بقلب نظام الحكم في البرازيل (الرئيس بولارد) .. في عام 1973 أطاحت برئيس تشيلي المنتخب (سلفادور الليندي) وأتت بنظام دكتاتوري عميل (بينو شيه) .. ولو أخذنا فيتنام وغرانادا و بنما والفلبين وإفغانستان والعراق لارتفع الرقم الى أكثر من 200 حالة تدخل منذ عام 1798 الى يومنا هذا ..


مناطق النفوذ وبرنامج المعونات الخارجية

تم تطوير مبدأ (مونرو) من سياسة الدفاع عن مصالح أمريكا الى سياسة هجوم، جعل بعض كبار مفكري السياسة الأمريكية في الأربعينات من القرن الماضي الى تقسيم العالم الى مناطق (نفوذ) فجعلوا الأمريكيتين وأوروبا الغربية مناطق نفوذ أمريكية.. وكانوا يعتبرون (وهم على حق) أن اقتصاد أمريكا هو أقوى اقتصاد في العالم وإن كان تعداد السكان فيها لا يجعلها بمصاف الدول الكبرى سكانيا .. وعزز ثقتهم بدولتهم واقتصادها، ما أسفرت عنه الحرب العالمية الثانية التي قتلت أكثر من ستة ملايين أوروبي غربي، ودمرت 25% من اقتصاد أوروبا واليابان، والذي كان الاقتصاد في تلك الدول موجها لخدمة الحرب ..

في حين استطاعت أمريكا البعيدة عن ساحات القتال أن تطور اقتصادها بزيادة القدرة الانتاجية وخلق 17 مليون فرصة عمل جديدة في تلك الفترة .. وهذا مما سرع من نمو وتعزبز موقف الأمريكان، إذ ما أطل النصف الثاني من القرن العشرين برأسه حتى أصبح الإنتاج الأمريكي يساوي 52% من الإنتاج العالمي.

ولدور أمريكا في إنهاء الحرب العالمية الثانية ولاعتراف الجميع بقدراتها تطورت توجهاتها لترسم طريقها وفق الرؤى التالية:

1ـ المساعدة على إعادة بناء اقتصاديات أوروبا الغربية واليابان على أسس رأسمالية معادية للشيوعية .. وقد وصل حجم الأموال الأمريكية المنفقة على هذا التوجه الى 40 مليار دولار بين عامي 1946 و 1952

2ـ العمل على زيادة مناطق النفوذ والقيام بدور البوليس الدولي لضمان عدم الإخلال بموازين القوى التي أفرزتها الحرب العالمية.

3ـ السيطرة على مصادر الثروة خارج أمريكا، خاصة موارد الشرق الأوسط النفطية. وموارد أمريكا اللاتينية المعدنية والزراعية ..

4ـ العمل على إخضاع اقتصاديات العالم الرأسمالي والنامي للاقتصاد الأمريكي.

5ـ بناء التحالفات العسكرية لضمان استمرارية الهيمنة الأمريكية ومحاصرة دول المجموعة الاشتراكية واحتواء نفوذ الاتحاد السوفييتي..

لجأت أمريكا لطرق تتنافى مع رغبة حلفائها، فعندما طلبت أوروبا 45000 عربة قطار حديدي، وهي الوسيلة المشهورة في أوروبا للنقل .. زودتها بعشرين ألف فقط مع 65 ألف شاحنة عملاقة .. كما كانت تغرق الأسواق في الدول التي رضيت بالارتباط بها بما قيمته 2 مليار من فائض المواد التموينية، لإرباك الإنتاج في تلك الدول وخفض قدرتها على إنتاج غذائها على المدى البعيد.

وقد لجأ المخططون الأمريكان الى الطرق التالية لتكريس خططهم:

1ـ تشجيع دول العالم الثالث على تأجيل برامج الإصلاح الزراعي.
2ـ إقناع حكومات تلك الدول بعدم الحاجة لإعطاء قطاع الزراعة ما يستحقه من أولوية. وبالتالي توجيه الاستثمارات الى قطاعات أخرى قد لا تكون مهمة.
3ـ التسبب في خفض أسعار المنتوجات الزراعية في الدول المستفيدة بوجه عام من برنامج المعونات، لحرمان المزارعين من عوامل التطور والصمود وتركهم لزراعتهم ..

بين عامي 1953 و 1961 وهي فترة حكم إيزنهاور قدمت أمريكا ما قيمته 41 مليار دولار كمساعدات ومعونات معظمها ذات طابع عسكري .. وبعد أن استلم (جون كندي) الحكم عام 1961 كانت أمريكا بأوج عظمتها، وكانت أوروبا قد فقدت معظم مستعمراتها بنيلها استقلالها .. فرفع شعار (تحسين نوعية الحياة) للدول الممنوحة .. وقد كان مجموع المساعدات التي قدمتها أمريكا منذ عام 1946 وحتى نهاية فترة ريجان عام 1988 ما يزيد عن 400 مليار دولار كان ثلثها بشكل معونات عسكرية .. أما تلك غير العسكرية فقد كان يتم منح نصفها على الأقل بشكل منح أمنية ودورات تدريبية لقوى الأمن والمخابرات في تلك الدول ..وقد نالت دول الشرق الأوسط من تلك المساعدات ما يقارب الثمانين مليار لغاية عام 1985 ذهب أكثر من 40% منها للكيان الصهيوني وحصلت عشرة دول عربية على 24 مليار .. في حين ذهب المتبقي لقبرص وباكستان وإيران ..

في حين حصلت 28 دولة من أمريكا اللاتينية على 21.4 مليار دولار أي أقل من ثلثي ما حصل عليه الكيان الصهيوني .. أما دول جنوب شرق آسيا (5 دول) هي إندونيسيا و فيتنام الجنوبية وكوريا الجنوبية والفلبين وتايوان فقد حصلت على 52.3 مليار معظمها مساعدات عسكرية وأوروبا الغربية على 47 مليار حصلت عليها من خلال مشروع مارشال ..

من يراقب الأرقام يستطيع معرفة مطابقتها مع سياسة مناطق النفوذ التي وضع أسسها مخططو الولايات المتحدة الأمريكية ..




هامش
ــــ
*1 الموضوع في الأصل محاولة قراءة لكتاب صنع السياسة الأمريكية والعرب/ تأليف: محمد عبد العزيز ربيع/منشورات دار الكرمل ـ صامد/عمان/الأردن1990/ مع بعض التصرف في الاختزال بما يتناسب مع صبر المتصفح في الشبكة، ومقاربة الأحداث التي وقعت بعد نشر الكتاب.
*2ـ Trewhitt, The American Way, P.1
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 25-12-2007, 04:14 AM
ابن حوران ابن حوران متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: May 2005
المشاركات: 2,203
افتراضي

مناطق النفوذ وبرنامج المعونات الخارجية

تم تطوير مبدأ (مونرو) من سياسة الدفاع عن مصالح أمريكا الى سياسة هجوم، جعل بعض كبار مفكري السياسة الأمريكية في الأربعينات من القرن الماضي الى تقسيم العالم الى مناطق (نفوذ) فجعلوا الأمريكيتين وأوروبا الغربية مناطق نفوذ أمريكية.. وكانوا يعتبرون (وهم على حق) أن اقتصاد أمريكا هو أقوى اقتصاد في العالم وإن كان تعداد السكان فيها لا يجعلها بمصاف الدول الكبرى سكانيا .. وعزز ثقتهم بدولتهم واقتصادها، ما أسفرت عنه الحرب العالمية الثانية التي قتلت أكثر من ستة ملايين أوروبي غربي، ودمرت 25% من اقتصاد أوروبا واليابان، والذي كان الاقتصاد في تلك الدول موجها لخدمة الحرب ..

في حين استطاعت أمريكا البعيدة عن ساحات القتال أن تطور اقتصادها بزيادة القدرة الانتاجية وخلق 17 مليون فرصة عمل جديدة في تلك الفترة .. وهذا مما سرع من نمو وتعزبز موقف الأمريكان، إذ ما أطل النصف الثاني من القرن العشرين برأسه حتى أصبح الإنتاج الأمريكي يساوي 52% من الإنتاج العالمي.

ولدور أمريكا في إنهاء الحرب العالمية الثانية ولاعتراف الجميع بقدراتها تطورت توجهاتها لترسم طريقها وفق الرؤى التالية:

1ـ المساعدة على إعادة بناء اقتصاديات أوروبا الغربية واليابان على أسس رأسمالية معادية للشيوعية .. وقد وصل حجم الأموال الأمريكية المنفقة على هذا التوجه الى 40 مليار دولار بين عامي 1946 و 1952

2ـ العمل على زيادة مناطق النفوذ والقيام بدور البوليس الدولي لضمان عدم الإخلال بموازين القوى التي أفرزتها الحرب العالمية.

3ـ السيطرة على مصادر الثروة خارج أمريكا، خاصة موارد الشرق الأوسط النفطية. وموارد أمريكا اللاتينية المعدنية والزراعية ..

4ـ العمل على إخضاع اقتصاديات العالم الرأسمالي والنامي للاقتصاد الأمريكي.

5ـ بناء التحالفات العسكرية لضمان استمرارية الهيمنة الأمريكية ومحاصرة دول المجموعة الاشتراكية واحتواء نفوذ الاتحاد السوفييتي..

لجأت أمريكا لطرق تتنافى مع رغبة حلفائها، فعندما طلبت أوروبا 45000 عربة قطار حديدي، وهي الوسيلة المشهورة في أوروبا للنقل .. زودتها بعشرين ألف فقط مع 65 ألف شاحنة عملاقة .. كما كانت تغرق الأسواق في الدول التي رضيت بالارتباط بها بما قيمته 2 مليار من فائض المواد التموينية، لإرباك الإنتاج في تلك الدول وخفض قدرتها على إنتاج غذائها على المدى البعيد.

وقد لجأ المخططون الأمريكان الى الطرق التالية لتكريس خططهم:

1ـ تشجيع دول العالم الثالث على تأجيل برامج الإصلاح الزراعي.
2ـ إقناع حكومات تلك الدول بعدم الحاجة لإعطاء قطاع الزراعة ما يستحقه من أولوية. وبالتالي توجيه الاستثمارات الى قطاعات أخرى قد لا تكون مهمة.
3ـ التسبب في خفض أسعار المنتوجات الزراعية في الدول المستفيدة بوجه عام من برنامج المعونات، لحرمان المزارعين من عوامل التطور والصمود وتركهم لزراعتهم ..

بين عامي 1953 و 1961 وهي فترة حكم إيزنهاور قدمت أمريكا ما قيمته 41 مليار دولار كمساعدات ومعونات معظمها ذات طابع عسكري .. وبعد أن استلم (جون كندي) الحكم عام 1961 كانت أمريكا بأوج عظمتها، وكانت أوروبا قد فقدت معظم مستعمراتها بنيلها استقلالها .. فرفع شعار (تحسين نوعية الحياة) للدول الممنوحة .. وقد كان مجموع المساعدات التي قدمتها أمريكا منذ عام 1946 وحتى نهاية فترة ريجان عام 1988 ما يزيد عن 400 مليار دولار كان ثلثها بشكل معونات عسكرية .. أما تلك غير العسكرية فقد كان يتم منح نصفها على الأقل بشكل منح أمنية ودورات تدريبية لقوى الأمن والمخابرات في تلك الدول ..وقد نالت دول الشرق الأوسط من تلك المساعدات ما يقارب الثمانين مليار لغاية عام 1985 ذهب أكثر من 40% منها للكيان الصهيوني وحصلت عشرة دول عربية على 24 مليار .. في حين ذهب المتبقي لقبرص وباكستان وإيران ..

في حين حصلت 28 دولة من أمريكا اللاتينية على 21.4 مليار دولار أي أقل من ثلثي ما حصل عليه الكيان الصهيوني .. أما دول جنوب شرق آسيا (5 دول) هي إندونيسيا و فيتنام الجنوبية وكوريا الجنوبية والفلبين وتايوان فقد حصلت على 52.3 مليار معظمها مساعدات عسكرية وأوروبا الغربية على 47 مليار حصلت عليها من خلال مشروع مارشال ..

من يراقب الأرقام يستطيع معرفة مطابقتها مع سياسة مناطق النفوذ التي وضع أسسها مخططو الولايات المتحدة الأمريكية ..


سياسة الاحتواء

برز الاتحاد السوفييتي الذي أسهم إسهاما كبيرا في هزيمة دول المحور في الحرب العالمية الثانية كقوة كبيرة تشكل خطرا على الفكر الرأسمالي والليبرالي بشكل عام .. وقد ظهر مصطلح (سياسة الاحتواء ) عام 1947 بعدما كتب (جورج كينان George Kennan) أحد موظفي وزارة الخارجية الأمريكية حينذاك تحت عنوان : (أصول السلوك السوفييتي) حذر فيه من خطر الشيوعية ومن سياسة الاتحاد السوفييتي..

باختصار، إن سياسة الاحتواء تعني بمحاصرة كل جيوب نفوذ الاتحاد السوفييتي في خارجه، حتى يتم انكماشه وتحقيق الانتصار عليه وهزيمته نهائيا، وقد بدأ ذلك داخل الولايات المتحدة بقيادة السناتور (مكارثي) حيث جعل من حملته للتصعيد في معاداة الاتحاد السوفييتي هدفا محوريا، حيث تم إخماد الأصوات المطالبة بالحوار السلمي .. واتهمها بأنها شيوعية، وقد نجحت حملته في تطهير وزارة الدفاع والخارجية من جيوب (مزعومة) بأنها شيوعية ومتسللة الى داخل هاتين الوزارتين ..

لقد كانت النقاط الإستراتيجية في سياسة الاحتواء ما يلي :

1ـ تطهير الولايات المتحدة من عناصر الحزب الشيوعي أو المتعاطفين معه، أو الممتنعين عن محاربته، وإثارة الرعب في نفوس الأمريكان والأوروبيين من خطر الشيوعية ..

2ـ إقامة التحالفات العسكرية في العالم وتوجيهها ضد الخطر السوفييتي .. حلف الناتو حلف بغداد وغيرها من الأحلاف في جنوب شرق آسيا وأمريكا.

3ـ التدخل في التوازنات الدولية .. وحتى في الدولة نفسها ليصبح الحال أقرب الى التوافق مع السياسة الأمريكية .. التدخل ضد مصدق في إيران لصالح الشاه، التدخل في تشيلي ضد الرئيس المنتخب (سلفادور الليندي) التدخل في كوريا وفيتنام وجرانادا فلسطين لبنان العراق الخ من مسلسل التدخلات ..

في الستينات حاول الرؤساء الديمقراطيون (كندي وجونسون) بالتدخل المباشر بصورة أكبر .. لكن مع استلام (ريتشارد نيكسون ) تراجع التدخل ليصبح (الوفاق الدولي) محل الحرب الباردة.. وقد قاد كيسنجر تلك المهمة الجديدة فتم الاعتراف بالصين لتصبح صاحبة المقعد الخامس الدائم في مجلس الأمن بدلا من تايوان .. وتم الاتفاق على تقليص سباق التسلح مع الاتحاد السوفييتي وتم إلغاء خدمة العلم (التجنيد الإجباري) وتم التمهيد للانسحاب من فيتنام، لتتجلى تلك الفترة من التراجع باستلام (كارتر) للحكم وتوجهه لإيجاد حل لقضية فلسطين الخ.

وقد عاودت سياسة الاحتواء الى الظهور في فترة حكم الرئيس ريغان لدورتين، وقد ظهر الصراع حول مناطق النفوذ من جديد. وإن كانت إيران الشاه مع الكيان الصهيوني قد قاما بدور قوي في دعم السياسة الأمريكية والقيام بدور كبير في مضايقة الدول التي حاولت أن تكون حليفة للاتحاد السوفييت، فإنه مع بداية عهد الرئيس ريغان، غابت إيران الشاه، ولكن ظهر صراع من نوع آخر عجل في كسب الحرب الباردة، ألا وهو مشاغلة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان.

سقوط الإجماع وسياسة كارتر

شهد عقد السبعينات من القرن الماضي تراجع قوة أمريكا الاقتصادية وفقدان هيبتها الدولية واتجاهها نحو العزلة السياسية وكان من أسباب ذلك الرئيسية:

1ـ اضطرار أمريكا في عام 1971 الى خفض قيمة الدولار وفك ارتباطه بالذهب.

2ـ ارتفاع معدلات التضخم ودخول الاقتصاد الأمريكي حالة من الركود، خاصة خلال الفترة 1974/1975 وذلك بعد وقوع أزمة الطاقة الأولى وارتفاع أسعار النفط بنسبة 400% تقريبا خلال بضعة أسابيع في أواخر عام 1973 [ يستطيع القارئ الكريم المقارنة مع الأوضاع الراهنة].

3ـ فشل أمريكا في فيتنام بعد تكبدها خسائر بشرية وسياسية ونفسية كبيرة للغاية ( المقارنة بالوضع بالعراق الآن).

4ـ قيام الكونجرس بسبب فيتنام بتحديد صلاحيات الرئيس في مجال السياسة الخارجية، خاصة ما كان يتعلق منها بتحركات القوات المسلحة الأمريكية في الخارج (تعالت الأصوات الآن داخل الأوساط السياسية لتقييد سلطة الرئيس).

5ـ اضطرار الرئيس نيكسون الى الاستقالة من الحكم بسبب فضيحة ووترغيت.


هذه الأوضاع جعلت (كارتر) الذي حكم بين عامي 1977 و1981، بعد أن رأى تراجع إجماع النخبة الحاكمة، ومطالبتها بمراجعة وتعديل السياسة الأمريكية، توجه كارتر الى تبني الخطوط التالية والتي رافقت تخفيض ميزانية الدفاع:

1ـ الدخول مع الاتحاد السوفييتي في مفاوضات للحد من التسابق على التسلح.
2ـ التركيز على حل مشاكل العالم الثالث، وتقديم المزيد من المساعدات لها.
3ـ ترسيخ التعاون والتشاور مع حلفاء أمريكا وعدم التفرد بالتصرف.
4ـ إزالة بعض العقبات التي كانت تحول دون تحسين العلاقات مع الصين .. وتخفيف حدة عداء العالم الثالث للولايات المتحدة ..
5ـ محاولة حل مشكلة الشرق الأوسط (القضية العربية المركزية/فلسطين) وإنجاز الحل مع مصر ..

إلا أن السنة قبل الأخيرة من حكم كارتر والتي شهدت تغيير نظام الحكم في إيران جعلت أمريكا تتراجع بسرعة هائلة في برامج الوفاق الدولي، فقد تم إيقاف تصدير القمح للاتحاد السوفييتي ووضعت الخطط للدفاع عن نفط الخليج، وبرزت الخطة التي وضعت أيام نيكسون (لاحتلال العراق) وتم الاستفادة من العداء التاريخي بين العراق وإيران لتدخل حركة أمريكا بما سمي ب (الاحتواء المزدوج) لإطالة أمد الحرب بين العراق وإيران لإضعاف الخصمين الذين يهددا مصالح الولايات المتحدة، ويقلقا أصدقائها ..

السلام من خلال القوة

أوجد تلك الرؤية المعروفة (السلام من خلال القوة) الرئيس ريغان بعد تسلمه الحكم عام 1981, وهو يعني أنه لا يمكن أن يتحقق السلام إلا من خلال القوة .. لقد أضافت تلك الرؤية عاملا جديدا للتسريع في إعادة التسابق على التسلح.. وهذا ما جعل ريغان يرفع مخصصات وزارة الدفاع حتى بلغت بفترتي رئاسته بين عامي 1981و1989 الى 2600 مليار دولار، مع تقديم 60 مليار دولار كمساعدات لحلفائه .. وهذا جعله أيضا يعيب على سلفه (كارتر) باتباع مبدأ المفاوضات مع السوفييت، في حين حافظ على رؤية كارتر بإعطاء الدفاع عن منطقة الخليج معطى أولي ..

كانت الدوافع وراء تشدد ريغان في هذه الرؤية، ما سبق تلك الفترة من تغيرات تمثلت بتبعية نظام نيكاراغوا لكوبا، ودخول الاتحاد السوفييتي لإفغانستان والتغيير الذي حصل في إيران.. وهو الحدث الذي جعل ريغان إطلاق لقب (إمبراطورية الشر) على الاتحاد السوفييتي، وتكثيف الحملات لزرع الكراهية في نفوس أبناء العالم من السوفييت واستغلال تلك الحملة لدفع الأوروبيين لفتح بلدانهم لتكديس السلاح الأمريكي والمساهمة في أثمانه ..

إن هذه السياسة حملت الميزانية الأمريكية الكثير. وكثر الحديث عن إمكانية إفلاس أمريكا إذ كتب اثنان ممن كلفوا بوضع دراسة عن مستقبل أمريكا، عام 1982 من قبل (ريغان) بأن إفلاس أمريكا سيحصل عام 1992. وقد كتب أحد قادة الحزب الجمهوري (السيناتور ريتشارد لوغار) رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس(سابقا) : (إن الفجوة بين أهداف أمريكا الخارجية وإمكانياتها الذاتية اتسعت بشكل كبير مما أدى الى خلق ما يمكن أن يطلق عليه (الأزمة الأمنية) .. وعلى الرغم من اتفاق الحزبين الجمهوري والديمقراطي على توصيف الأزمة فإنهما اختلفا على طرق علاجها ..

وباختصار فإن سياسة أمريكا الخارجية كانت تقوم على أربعة محاور:

1ـ العلاقة مع الاتحاد السوفييتي، وتقوم على التنافس على دول العالم الثالث، ومنع السوفييت من استغلال علاقاتهم بتلك الدول ..

2ـ العلاقة مع الحلفاء الغربيين وتقوم على إحداث حالة تعاون لا تفتر، ومنعها من الفتور، وتسخير اقتصاد أوروبا للمضي قدما في دعم أمريكا.

3ـ العلاقة مع دول العالم الثالث، وقد تطورت نحو الأسوأ، فبعد أن بدأ تشهد انتعاشا في عهد كارتر لتخليص العالم الثالث من فقره (وقد بدأت بعهد كندي) تراجعت في عهد ريغان لتقوم على تغذية الحروب (في أقاليم العالم) وإنهاك اقتصادها نتيجة ذلك ..

4ـ العلاقة مع المنظمات الدولية، وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة، وكانت ولا زالت لاستغلال تلك المنظمة وتسخيرها لخدمة الأهداف الأمريكية ..

وجهة نظر كيسنجر

يعتبر كبسنجر مع دالاس ووارن كريستوفر أهم ثلاثة وزراء خارجية في تاريخ الولايات المتحدة ولهم فلسفات خاصة بهم تترك أثرها في مجرى السياسة الأمريكية ..

يقول هنري كيسنجر أن على كل دولة أن تجاوب على ثلاثة أسئلة رئيسية على الأقل قبل صياغة سياستها الخارجية:

أ ـ ماذا تعني بمفهوم الأمن القومي؟ أو بعبارة أخرى، ما هي التغيرات الدولية التي لا بد من مقاومتها؟

ب ـ ما هو الهدف القومي؟ بمعنى آخر، ما هي الأهداف التي تسعى لتحقيقها؟

ج ـ ما هي الموارد المتاحة لتحقيق الهدفين؟

لو اعتمدنا تلك التساؤلات لفهم ما جرى ويجري في الولايات المتحدة، لرأينا أن الولايات المتحدة التي كانت بعد الحرب العالمية الثانية تنتج ما يعادل 52% من الإنتاج العالمي، ونظرنا إليها الآن في نهاية 2007 لوجدنا أن الظروف قد تغيرت كثيرا، فلم يعد الأمريكان ولا السوفييت (الروس) هم من يسهم مساهمات كبرى في الانتاج العالمي .. بل صعد قوى مختلفة في العالم تسهم في نسب كبيرة في الإنتاج، ففي حين كانت اليابان قبل 20 عاما أي في عام 1987 تحتل المرتبة الثانية في الإنتاج العالمي، فإنه في عام 2010 ستحتل الصين تلك المرتبة التي كان يحتلها الاتحاد السوفييتي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، والذي سيتراجع (روسيا) الى المرتبة الرابعة بعد اليابان ..

يبدو أن ما كان يسمى بسياسة توازن القوى في المرحلة السابقة، قد اختل بشكل ينتظر بعض الوقت لتسقط فيه كل المعايير السابقة ..
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 25-12-2007, 04:17 AM
ابن حوران ابن حوران متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: May 2005
المشاركات: 2,203
افتراضي

التطور التاريخي لسياسة وأهداف أمريكا الشرق أوسطية

برز الاهتمام الأمريكي في الشرق الأوسط ببداية القرن العشرين، وقد تزامن ذلك مع بروز النفط وأهميته من ناحية، ومع ما سمي بسياسة (الباب المفتوح) التي ظهرت مع تقسيم البلدان العربية بين بريطانيا وفرنسا، لتصل بها الى الاستقلال التام، فاتحة الباب أمام الشركات العالمية للاستثمار في المنطقة العربية، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة تطالب باستمرار بتطبيق سياسة الباب المفتوح لتسمح الدولتان المستعمرتان للشركات الأمريكية بالمشاركة في استثمار أموالها بالمنطقة العربية ..

لكن لم يأخذ النشاط الأمريكي شكله القوي إلا في بداية الأربعينات من القرن العشرين، واكتفوا بالدخول بهدوء بحثا عن موطئ قدم في الأقطار العربية .. وما أن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى استطاعت أمريكا أن تقنع بريطانيا بلزوم المشاركة الفعلية بل والقائدة للشركات الأمريكية ..

من جانب آخر وبعد صدور وعد بلفور المشؤوم عام 1917 استطاعت جماعات صهيونية عام 1922 إقناع الكونجرس الأمريكي بالوقوف الى جانب فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين .. فتأسست فكرة لدى الأمريكان بربط دعم المطامح اليهودية بالمطامع الأمريكية في المنطقة.

الحركة الصهيونية والسياسة الأمريكية

شهدت فترة سيطرة القوة النازية على ألمانيا وأثناء الحرب العالمية الثانية، إيجاد أجواء من التعاطف مع اليهود، وحالة من التفكير لاستغلال الحالة اليهودية، ومن الغريب أن الولايات المتحدة التي كانت تشجع الإنجليز الذين كانوا يشرفون على صناعة وطن قومي لليهود في فلسطين كونهم هم المحتلون الرسميون لفلسطين، على فتح باب الهجرة أمام اليهود في أوروبا الشرقية والمضطهدين من النازيين الى فلسطين، في حين شددت بقوة على منع دخول أي يهودي في تلك الفترة لأمريكا!

ولما كانت الحركة الصهيونية قد مهدت منذ بداية العشرينات على ترتيب علاقاتها مع الإدارة الأمريكية، فقد أثمرت جهودها في جعل أمريكا حليفا أساسيا لها عندما كانت بصدد إعلان دولتها.. فهذا الرئيس الأمريكي (ترومان) يعترف بقوة الضغط الصهيوني (إن الضغوط التي تعرض لها البيت الأبيض خلال تلك الفترة لم يكن قد سبق لها مثيل) كما أشار الى (أن بعض القيادات الصهيونية اقترحت عليه القيام بالضغط على بعض الدول من أجل حملها على التصويت الى جانب قرار التقسيم في الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة) .. وهكذا استطاع الصهاينة بمعاونة أمريكا من انتزاع 78% من أرض فلسطين عام 1948

بعد تولي إيزنهاور مقاليد الحكم عام 1953 حاول اتباع سياسة متوازنة في الشرق الأوسط، وجعل وزير خارجيته (جون فوستر دالاس) يقوم بجهود كبيرة في تلك المسألة والذي كلف أحد قيادات (الكويكز) وكان اسمه (جاكسون) صاحب المبادرة التي تحمل اسمه عام 1955 والذي قام بثلاث زيارات لكل من القاهرة والقدس لتحقيق تسوية سريعة .. إلا أن جهود إيزنهاور ودالاس وجاكسون كلها باءت بالفشل للأسباب التالية:

1ـ سيطرة موجة معادية للشيوعية على الأمريكية واتجاه أتباع وقيادات تلك الموجة الى اعتبار كل الدول غير الموالية لأمريكا، هي مع الشيوعية، وكان هذا الحال مع مصر وشقيقاتها العربيات اللواتي لم يعجبهن ما حدث لفلسطين.

2ـ قيام حركة التحرر العربية بتبني فكرة معاداة الصهيونية والفكر الإمبريالي الغربي والذي أعتبر مساندا للصهيونية .. وتبني الفكر الاشتراكي ..

3ـ إصرار الكيان الصهيوني على فرض شروط مهينة على العرب، حتى يقبل بتسوية ..

وقد نسفت الحركة الصهيونية كل تلك الجهود، بتكرار اعتداءتها على غزة وهدم بيوتها (ثلاث مرات) كما قامت بعدة مذابح داخل الأرض المحتلة .. ثم توجت ذلك بالعدوان الثلاثي الذي اشتركت به معها كل من بريطانيا وفرنسا.. ورغم أن موقف الرئيس إيزنهاور الذي أجبر تلك الدول على سحب قواتها من مصر، فإن عام 1956 كان عاما تمهيديا لجعل أمريكا السند الأقوى للكيان الصهيوني ..

الكيان الصهيوني كأداة أمريكية

في عام 1962 وصل الرئيس (جون كندي) الى سدة الحكم ب 82% من أصوات يهود أمريكا .. لقد شهدت فترة حكمه رغم قصرها، حالة انتعاش لليهود في احتلال مواقع هامة في إدارة الدولة الأمريكية .. وبعد وصول (ليندون جونسون) للحكم على إثر اغتيال (كندي) .. كانت فكرة استخدام (إسرائيل) كأداة بيد الأمريكان قد اختمرت لدى النخبة الحاكمة الأمريكية ..

وقد كان جونسون من المشجعين لتلك الفكرة، أو بالأحرى ممن نذروا أنفسهم لخدمة تلك الفكرة، مستغلا ظهور موجة عداء لأمريكا بعد هزيمة 1967، ونشاط بعض الدول العربية في حركة عدم الانحياز، وكانت هزيمة العرب في حزيران يونية عام 1967 مشجعا إضافيا على المراهنة على الكيان الصهيوني باعتباره أداة مهمة للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط.

زاد الدعم الحكومي 500%، كما زاد الدعم الشعبي، فقد كتب (إدوارد تفنان) في كتابه (اللوبي) أن (كرم يهود أمريكا تجاوز الخيال إذ قامت الجالية اليهودية بجمع 100 مليون دولار خلال شهر حزيران 1967 .. وفي حفل غداء بنيويورك تم جمع 15 مليون دولار خلال 15 دقيقة !..


التحالف الأمريكي ـ الصهيوني

برز الكيان الصهيوني بعد حرب 1967 كدولة قوية راسخة تستحق الإعجاب والتحالف معها .. وبعد تلك الحرب بأيام ظهرت 38 منظمة صهيونية ارتبطت جميعها به وأهمها : (لجنة العلاقات الأمريكية ـ الإسرايلية) و (اللوبي الصهيوني) و (مجلس رؤساء الجمعيات اليهودية الرئيسية) و (جمعية بناي بريث) .. تقول الدكتورة (شيريل روبينبيرغ) وهي أستاذة جامعية يهودية إن سرعة حصول القوى المساعدة لاسرائيل على الدعم الأمريكي الكبير يرجع الى:

1ـ قوة ايمان الطبقة الحاكمة بأهمية اسرائيل الاستراتيجية.
2ـ تزايد إعجاب الأمريكيين باسرائيل بعد انتصارها عام 1967
3ـ النشاط الكبير للحركة الصهيونية داخل أمريكا

في عام 1969 انتقل الحكم من الديمقراطيين الى الجمهوريين حيث استلم نيكسون في فترة كثيرة الاضطراب .. فكان نشاطه الرئيسي منصبا على جنوب شرق آسيا .. حرب فيتنام .. غزو كمبوديا .. ثم أخذ يغير من سياساته تمهيدا لانهاء حرب فيتنام والتقارب مع الاتحاد السوفييتي والصين (وقد مررنا على ذلك)

لكن لم تحظ المنطقة العربية باهتمام كبير، خصوصا للأجواء التي كانت القوى المعادية للعرب تصويرهم بالهمجية من خلال موجات خطف الطائرات الخ.. واقتصرت نشاطات نكسون في المنطقة على مبادرة (وليام روجرز) وزير الخارجية ومساعده (جوزيف سيسكو) .. والتي لم يشجعها (كيسنجر) مستشار الأمن القومي آنذاك، بل اقترح على نكسون إهمالها ..

لكن ما حدث في أعقاب حرب أكتوبر عام 1973، أعاد الأمريكان الى اهتمامهم الشديد بالمنطقة وفق أسس التزموا بها في نشاطهم:

1ـ إعادة تأكيد التزام أمريكا بوجود وأمن اسرائيل.
2ـ الإعلان عن الرغبة في بدء عملية سلام جديدة بهدف التوصل الى حل شامل
3ـ البدء في بلورة سياسة محددة تجاه منطقة الخليج بهدف تفريغ البترول من قوته السياسية وإخضاع تلك المنطقة للسيطرة الأمريكية (كان هذا بعد أن استخدم العرب النفط كسلاح).
4ـ اعتماد اسرائيل وإيران أداتين من أدوات السياسة الأمريكية الخارجية.

في عام 1977 حاول الرئيس كارتر (1977ـ1981) تعديل مجرى السياسة الأمريكية وجعلها متوازنة، لكنه فشل في إقناع اسرائيل المدعومة من الكونجرس الأمريكي باجبارها على الانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 1967 ونجح في إتمام عملية التسوية مع مصر .. وإخراجها من حالة الصراع العربي الصهيوني وهذا أكبر إنجاز للصهيونية وأكبر أذى حل بالأمة العربية ..

سياسة أمريكا تجاه الخليج العربي :

بدأ إهتمام الأمريكان بالخليج العربي مع بداية ظهور النفط فيه، وقد سارعت الولايات المتحدة الأمريكية لإقامة علاقات متينة مع كل من إيران والسعودية، وإن عدم اهتمامها بالعراق كان ينبع من خضوع العراق تحت السيطرة الإنجليزية.

وفي عام 1953 قامت الولايات المتحدة بالإطاحة بحكومة مصدق في إيران، وأعادت الشاه اليها، ويمكن تحديد أهداف السياسة الأمريكية في الخليج ب:

1ـ تأمين حرية وصول الغرب الى آبار البترول والحيلولة دون وصول السوفييت إليها (في وقته) ..
2ـ احتواء نفوذ السوفييت في منطقة الخليج والشرق الأوسط.
3ـ تحقيق استقرار دول الخليج المنتجة للنفط من خلال الحفاظ على الأمر الواقع وبأقل التكاليف الممكنة.
4ـ مساعدة الشركات والبضائع الأمريكية على التغلغل في أسواق الخليج.

ولأجل تحقيق تلك الأهداف، قامت الحكومة الأمريكية برسم سياسة خارجية مرنة، في مقدورها العمل على عدة اتجاهات، اقتصادية ثقافية اجتماعية عسكرية، مع معظم دول الخليج، فاستطاعت انتزاع موافقة كثير من تلك البلدان على إقامة قواعد عسكرية فيها، مبتدئة بعمان والبحرين .. ولم تنس أمريكا إيران والكيان الصهيوني كأسيجة لحماية تلك المنطقة وجعلها آمنة لتسهيل السيطرة عليها ..

لقد صرح إيزنهاور عام 1957 بالتزامه بحماية تلك المنطقة، كما أعلن كارتر في أعقاب غزو الاتحاد السوفييتي لإفغانستان بالتزامه بالدفاع عن منطقة الخليج إذا ما تعرضت لخطر ..

ولعب ريغان لعبة مزدوجة في الحرب العراقية الإيرانية، إذ أوحى للعراقيين بأنه على استعداد لتزويدهم بالمعلومات الاستخبارية عن إيران. وأوعز للكيان الصهيوني بتزويد إيران بأسلحة أمريكية عن طريق الكيان الصهيوني وتلك العملية التي سميت (إيران ـ كونترا) .. وقد جن جنون الأمريكان عندما عرض السوفييت على الكويتيين تأجيرهم ثلاث سفن لنقل النفط مع تأمين الحماية لها، بعد أن تعرضت ناقلات النفط الكويتية لهجمات إيرانية .. مما اعتبره الأمريكان تهديدا للهدف الأول من سياساتهم في الخليج ..

إلا أن السياسة الأمريكية قد شابها فتور في النصف الثاني من الثمانينات، في عهد ريغان في منطقة الخليج بالأشكال التالية:

1ـ حدوث انخفاض حجم التبادل التجاري بين دول الخليج وأمريكا..
2ـ قيام أمريكا بناء على رغبة الكيان الصهيوني بعدم الالتزام ببنود المقاطعة مع الكيان الصهيوني .. مما حدا بالخليجيين بالعزوف عن التعامل مع الشركات المخالفة.
3ـ قيام اللوبي الصهيوني بتحريض الكونجرس على عدم تنفيذ بيع أسلحة لبعض الدول الخليجية ..

عناصر سياسة أمريكا الشرق أوسطية

1ـ الحيلولة دون حصول السوفييت على موضع قدم لهم في الشرق الأوسط.
2ـ ضمان انفراد الغرب بنفط المنطقة وسهولة انسيابه وتدفقه لأسواقهم.
3ـ الحفاظ على استقرار الدول التي تقيم علاقات جيدة مع أمريكا .. وإرباك الدول الممانعة لإقامة مثل تلك العلاقات ..
4ـ ضمان وجود إسرائيل وأمنها وتقدمها..
5ـ تسهيل وتأمين دخول الشركات والبضائع الأمريكية للمنطقة العربية.

أما قضية فلسطين فإن الإدارة الأمريكية تنظر لها وفق ما يلي:

1ـ الاعتراف بحق دول وشعوب المنطقة بحياة سلام وأمن.
2ـ إيجاد حل دائم وشامل يقوم على:
أ ـ توفير الاحتياجات الأمنية للكيان الصهيوني.
ب ـ توفير الاحتياجات الأمنية للدول الأخرى..
ج ـ أخذ تطلعات الشعب الفلسطيني بالاعتبار!
3ـ التمسك بقراري الأمم المتحدة 242و 338 باعتبارهما أساس لمبادلة الأرض بالسلام..
4ـ ربط الضفة الغربية وقطاع غزة بالأردن.
5ـ الإيمان بأهمية المفاوضات المباشرة..
6ـ إن صيغة المؤتمر الدولي لا بد وأن تحدث تقدما وتحول دون الشلل..
7ـ الابتعاد عن دمج الوفود العربية بالمفاوضات والتفاوض معها منفردة..
8ـ لا بد أن يتوفر بالمفاوضين الرغبة بالسلام وكراهية العنف والإرهاب!
9ـ يجب أن ينتج عن كل مفاوضات معاهدات منفصلة عن غيرها مع أقطار عربية أخرى ..

مع ذلك فإن أمريكا (النخب الحاكمة) تقدم مصالحها على مصالح غيرها، حتى لو كان الآخرين (الكيان الصهيوني) وهذا يعني أن القوة الإسرائيلية في منطقتنا هي قوة هشة على أحسن الفروض، قابلة للانحناء والانكسار، وقد رأيناها في جنوب لبنان كما كنا رأيناها في حرب 1968 في الكرامة و1973 في حرب أكتوبر/ تشرين .. فإذا تم خلع أنبوب التغذية الأمريكي عنها وهي أشبه ما يكون بغرفة العناية الحثيثة، فإن إمكانية زوالها أمر ممكن جدا ..

العرب وصنع السياسة الأمريكية


رأينا في الحلقات السابقة كم هي معقدة مسارات القرار الأمريكي، والكيفية التي تحول دون تفرد شخص أو هيئة في اتخاذ القرار، فالرئيس الذي لا بد له من أن يكون حامي حمى المصالح الأمريكية، والذي بنفس الوقت يحاول استرضاء الوسط الذي خرج منه سواء كان وسطا ماليا أو نخبويا، يحاول النفاذ من بين ممثلين لولايات يكونون في أغلب الأحيان تحت ضغط حب البقاء في الكونجرس أو تحت ضغط جماعات تدفع لهم بسخاء أو يقترن رضاها بموضوع التمديد لذلك العضو وبين وسط مؤسساتي إعلامي و دعائي من خلال مجموعات هائلة من مراكز التمويل للدراسات التي تضخ في الفضاء الذهني ليحرك الرأي العام وما لتحريكه صلة ببقاء النخب في مواقعها ..

في هذه الأجواء سنتلمس أثر أداء الوسط العربي داخل بيئة صناعة القرار..

تاريخ بداية التحرك العربي في موضوع اتخاذ القرار الأمريكي

بعد هزيمة العرب في حرب 1967 تحركت بعض الشخصيات العربية المقيمة في الولايات المتحدة الأمريكية وأنشأت شكلا تجميعيا أطلقت عليه (جمعية الخريجين العرب الأمريكيين AAUG) وكان نشاطها أشبه بمؤسسة خيرية تعليمية ثقافية ..

وفي أوائل السبعينات من القرن الماضي تم إنشاء الجمعية الوطنية للعرب الأمريكيين NAAA كلوبي عربي هدفه الاتصال بالإدارة الأمريكية وحثها على منع تشويه صورة العرب، والابتعاد عن الانحياز الكامل للجانب الصهيوني.

وفي عام 1985 تم إنشاء المعهد الأمريكي AAI كمؤسسة استهدفت تثقيف العرب المقيمين في أمريكا سياسيا و تشجيعهم على القيام بدور المؤثرين بالعملية الانتخابية .. الى جانب ذلك أقيمت عدة جمعيات أخرى منها (جمعية صندوق الأراضي المقدسة الموحدة) و (صندوق فلسطين العربي) و (مجلس العلاقات العربية ـ الأمريكية) ..

ورغم مرور عدة عقود على إنشاء مثل تلك الجماعات العربية في أمريكا، فإن أداءها لا زال ضعيفا ولا يذكر، وقد تكون أسباب رداءته التالية :

1ـ قيام تلك الجماعات بتبني قضايا بعيدة عن اهتمام الجمهور الأمريكي، كقضية بيع الأسلحة للسعودية والأردن، وهي قضايا يصعب جذب الجمهور الأمريكي نحوها..

2ـ اتجاه الجالية العربية الأمريكية عن الابتعاد عن القضايا السياسية، وجهلها بفنون العمل الجماعي ولعبة الصوت في الانتخابات ..

3ـ عدم تعود العرب للتبرع لقضايا سياسية، وفشلهم في تمويل هيئاتهم تلك.

4ـ عجز الدول العربية عن بلورة موقفها تجاه قضاياها الخارجية وانقسامها في بلدانها، انعكس على الرعايا العرب في أمريكا .. فانقسموا ..

هل يمكن للعرب أن يكونوا مؤثرين يوما في السياسة الأمريكية؟

صحيح، أنه لم يكن للعرب في أي يوم من الأيام دورا بارزا في صنع السياسة الأمريكية الخارجية. إلا أن ذلك لا يعني ألا يكون لهم في يوم من الأيام مثل ذلك الدور، وذلك لأن المناخ الذي تصنع فيه السياسة الأمريكية ـ كما رأينا ـ له الكثير من المداخل والمخارج .. والتدرب على التأثير على تلك المفاصل أو المداخل، وإن بدا صعبا وطويلا، فإنه يحتاج الكثير من الصبر والتدريب ومعرفة قواعد لعبة السياسة الدولية ..

إن المؤسسات الإعلامية وذات الطبيعة الدراسية وحتى تلك السياسية أو القريبة من الدائرة السياسية، لها مدراء ومساعدين مدراء وكلها ترتبط بالتالي بالجانب الاقتصادي ومصالح المؤسسات الكبرى الرأسمالية، فعقد الصفقات وإقامة الحوار و دعوة هؤلاء الأشخاص المؤثرين وجعل من يحاورهم مستعدا لمعرفة ما يريد من خلال الربط العربي الرسمي والثقافي والاقتصادي بالأشخاص والمؤسسات العربية الموجودة في الساحة الأمريكية سيعطي نتيجة بكل تأكيد.

وبإمكاننا تلخيص ذلك التوجه بما يلي :

1ـ إن وجود إجماع حول سياسة أمريكا الخارجية ـ من قبل الأمريكيين ـ يجعل من الخطأ مهاجمة تلك السياسة بشكل سافر، بغض النظر عن مساوئها ومعاداتها في غالبية الأحيان لتطلعات الشعوب العربية. لأن ذلك سيستعدي الطبقة الحاكمة والدوائر المحيطة بها من قوى اجتماعية واقتصادية وإعلامية.

2ـ توجيه النقد لتلك السياسة بشكل انتقائي والتركيز على العناصر التي تضر بمصالح أمريكا بالمدى الطويل، والتركيز أيضا على انتهاك حقوق الإنسان في فلسطين والعراق (من قبل الصهاينة والجنود الأمريكان أو ممن يساعدونه) وأثر مساندة ذلك أمريكيا على مصالح الشعب الأمريكي.

3ـ ولما كان من الصعب تحريك صانع القرار السياسي دون الإحساس بتعرض مصالح أمريكا لخطر حقيقي فإن محاولات الإقناع والتخويف لا بد أن تقترن بإجراءات عملية تلحق الضرر بمصالح بعض الشركات للتأثير على صانعي القرار، وهذا ينسحب على التنسيق مع قوى شعبية بالسماح لها عربيا (رسميا) بالتعبير عن غضبها في المظاهرات والاحتجاجات المنظمة..

4ـ التنسيق الرسمي والشعبي في البلدان العربية مع الجاليات العربية والمؤثرين فيها بالولايات المتحدة .. ودعم منظمات تلك الجاليات ماليا وإعلاميا.

5ـ تنسيق جهد الجامعة العربية والسفارات العربية في أمريكا في تكريم من يساند القضايا العربية .. وتقوية صلاته بالنخب العربية ..

انتهى
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
فن أتخاذ القرار النورس s منتدى التطوير الذاتي 1 17-10-2006 04:04 PM


الساعة الآن 09:01 PM.


New Page 4

 
 المركز التعليمي منتديات الحوار تسجيل النطاقاتخدمات تصميم مواقع الإنترنت  إستضافة مواقع الإنترنت  الدعم الفني لإستضافة المواقع
  الإعــلان في بوابة العرب   الدردشة الصوتية والكتابية  مركـزنا الإعـلامي  مـن نـحــن  مقــرنـا  قسم إتفـاقيات الإستــخــدام
Copyright © 2000-2014 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com