تابع بوابة العرب على تويتر 





     
عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > منتديات الشؤون السياسية > منتدى العلوم السياسية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-11-2006, 12:27 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي الشورى




الشورى

تنوية :

اود الاشارة الى انه من خلال بحثي فان افضل ما وجدت بخصوص الشورى " كتاب فضيلة الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق ( الشورى في ظل نظام الحكم الإسلامي ). لشموليتة وتناولة للشورى من جميع جوانبها , ارجو الله عز وجل ان اكون مصيبا في اجتهادي بهذا الاختيار وان يتجاوز عني و يغفر لي القصور و الزلل.وعلى بركة الله
مراقب سياسي4


الشورى في ظل نظام الحكم الإسلامي

المعنى لكلمة الشورى هو‏:‏ استطلاع الرأي من ذوي الخبرة فيه للتوصل إلى أقرب الأمور للحق‏.‏

حسب التعريف السابق ندرك الحقائق التالية‏

1- لا بد لتحقيق الشورى من تصفح الآراء والأفكار في الأمر المشار فيه من كل صاحب رأي وفكرة‏.‏

2- الأمور المقطوع بأنها حق ليست مجالاً للشورى، ولا هي داخلة فيها‏.‏ فالحقائق الثابتة في أمور الدين والدنيا ليست مجال نقاش وآراء لأنه مجمع على أنها حق ولا مجال للاختلاف فيها‏.‏

حسب ما مضى ندرك -نحن المسلمون- أن حقائق الإسلام الثابتة ليست من مجالات الشورى عندنا‏:‏ فكون الإسلام حق الصلاة واجبة والجهاد فرض والخمر حرام والزنا حرام أمور قد سلمنا بها بشهادتنا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وعرض هذه الأمور وأمثالها على الشورى كفر بالإسلام وخروج من دائرته‏.‏

ليس بقبيح لو اجتمع من غير المسلمين ليتشاوروا أدين الإسلام حق أم لا‏؟‏

بل يجب عليهم أن يتشاوروا ويذكر بعضهم بعضاً بذلك كما وعظهم الله عز وجل بهذا عندما قال تعالى‏:‏

‏{‏قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد‏}‏‏.‏

لا نستنكر اجتماع غير المسلمين للتشاور في شأن دين الإسلام ولكننا نرى أن المسلم يكفر إذا ما دعا الناس للتشاور في شأن القصاص هل هو عدل أم لا، وفي قطع يد السارق هل هو حق أم لا، وفي شأن الخمر هل نحرمها أم لا‏؟‏

لأنه بذلك يهدم إسلامه السابق إذ من مقتضى الإيمان الإقرار بحكمة الله وعلمه والإيمان بتشريعه كله سبحانه وتعالى‏.‏‏.‏

3- الأمور التي تدخل في إطار الشورى غالباً ما يكون الحق والمصلحة فيها مظنون من الجميع ولا يستطيع أحد أن يجزم به، وقد يعلم الحق في بعض أمور الشورى إذا كان عند أحد المستشارين نص واضح جلي من الكتاب أو نص صحيح صريح من السنة وسأضرب لكل نوع مما سبق أمثلة يتضح بها المقام إن شاء الله‏:‏

مثال الأمر الأول وهو الذي يظن الحق فيه ولا يقطع به‏:‏ أمور الحرب والسلام والمعاهدات، فكم من دول دخلت حروباً وهي تظن أن النصر معها والمصلحة في خوضها ثم باءت بالخيبة‏.‏

وكم من دول أخرى أبرمت معاهدات وعقدت صلحاً وهي تظن الخير لها في ذلك وكان العكس هو الصحيح‏.‏

هذا الأمر يعم كل الأمم ولا يخص دولة دون دولة، فقد أبرم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية وهو مسلم لأمر الله تبارك وتعالى غير عالم بنتائجه إلا أنه قال‏:‏ ‏[‏إنه ربي، ولن أخالف أمره، ولن يضيعني‏]‏‏.‏ فقد كان منفذاً لأمر الله تبارك وتعالى مؤمناً بأن العاقبة ستكون له بمشيئة الله سبحانه وتعالى وقد أنكر صحابته غالبيتهم أمر هذا الصلح إنكاراً شديداً، ولكن كانت عاقبته أن كان أعظم فتح في الإسلام‏.‏

وقد أشار بعض المسلمين على الرسول صلى الله عليه وسلم بالبقاء في المدينة في غزوة أحد، وألح عليهم آخرون بالخروج، والكل يقدر جانب المصلحة في ذلك لم يكن أحد منهم يقطع أين يكون الخير، قد كان احتمال النصر مع الخروج وارداً بل محققاً لولا مخالفة الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏.‏

أن أمور الحرب والسلم والسياسة والمعاهدات أمور لا يقطع عند المشاورة فيها بالحق والخير والصواب، وإنما بترجيح جانب المصلحة، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي قواده الذين يرسلهم في الغزو قائلاً‏:‏

[‏وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم علي حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا‏]‏‏.‏

فيستفاد من قول الرسول صلى الله عليه وسلم ‏[‏فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا‏]‏ أن حكم الله في هذه الأمور مظنون وليس بمقطوع به‏.‏ ألم تر أن الله عاتب رسوله والمؤمنين لقبولهم فداء الأسرى في بدر، وأخبرهم أن الحكمة والمصلحة كانت تقتضي قتل الأسرى في هذه الغزوة وذلك حتى تخضد شوكة الكفار فلا تقوم لهم قائمة بعد‏.‏

وليس أمام أمير مسلم يحاصر أهل حصن وينزلوا على حكمه احتمال واحد لإبرام الصلح على أساسه بل أمامه عشرات الاحتمالات والشروط وكلها يستند إلى نصوص من الكتاب والسنة، فهل يقتل مقاتلتهم ويسبي نساءهم وذراريهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني النضير وبني قينقاع‏.‏ أم يمن عليهم جميعاً، أو يفادي برجالهم أسارى المسلمين ببلاد الكفار كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مناً بعد وإما فداءاً حتى تضع الحرب أوزارها‏}‏
وهل يترك لهم معابدهم ويسمح لهم باستحداث شيء جديد، أم يترك لهم الموجود منها فقط أم يصالحهم على هدم البعض وتحويله إلى مساجد‏؟‏ وهل يصالحهم على ترك أرضهم لهم أم يأخذها منهم‏؟‏‏.‏‏.‏ كل هذه احتمالات واردة وكل منها قد فعله المسلمون في حروبهم وكلها في شأن أمر جزئي وهو‏:‏

استنزال قوم من الكفار من حصن من حصونهم، أي قبول بلدة‏.‏

ما مصلحة المسلمين، والنزول على حكمهم بعد حصارهم‏؟‏

من يستطيع اليوم أن يقطع بالحق والخير والمصلحة للمسلمين في شأن يهود فلسطين عندما ينصر الله المسلمين وهذا آت لا محالة بإذن الله‏!‏ هل يجلون من فلسطين إلى الديار التي أتوا منها، أم تقتل مقاتلتهم وتسبى نساؤهم وذراريهم كما فعل بيهود بني قريظة، أم يمن عليهم ويعيشون كمعاهدين وأهل ذمة‏؟‏ وإذا كان ذلك فما هي نوع الحريات التي تعطى لهم والتي تمنع منهم‏؟‏ أم يجلى من هاجر بعد عام 1948 ويترك من هاجر منهم قبل ذلك‏؟‏ وهل تعود الأرض إلى أربابها الذين تركوها وهاجروا من أهل فلسطين، أم تكون غنيمة للمحاربين‏؟‏ وهل توزع أم تكون أرضاً خراجية‏؟‏ وأملاك اليهود التي أحدثوها هل تصبح ملكاً للدولة أم للمحاربين‏؟‏ إحتمالات كثيرة وآراء مختلفة متباينة، ويستطيع كل صاحب رأي من الآراء السابقة أن يدعم أقواله بآية من كتاب الله أو حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن من زعم أن الحق والصواب والمصلحة في رأيه هو فقد أخطأ خطأ بيناً وتحكم في دين الله عز وجل ولا يستطيع أحد أن يجزم بالصواب والمصلحة في مثل هذه الأمور إلا بعد وقوعها ومعرفة نتائجها وعلى قياس هذه النتائج يكون تقدير الرأي والحكم عليه بالمصلحة أو المفسدة‏.‏

ذلك أن بعض الناس ممن يزعم العلم الديني يفتي في مثل هذه الأمور ويجزم بأن الحق معه ويرم بالجهل والفسق بل والكفر أحياناً من خالفه الرأي‏.‏

لكن هناك أموراً أخرى من أمور الشورى قد يعرضها إمام المسلمين للمشاورة ويكون الحق فيها معلوماً بالنص عند بعض الناس، وهذا مثاله الحادثة المشهورة في مشاورة عمر بن الخطاب للمسلمين في دخوله ومن معه أرض الشام بعد أن وقع بها الطاعون، فإن أبا عبيدة بن الجراح قال لعمر‏:‏ ما أرى أن ترجع بل أنت قادم لأمر لا بد من نفاذه ثم أنفر من قضاء الله‏!‏‏؟‏ ولكن آخرين وجدوا المصلحة في غير ذلك وقالوا‏:‏ يا أمير المؤمنين، ارجع بمن معك، ولا تقدمهم على هذا الوباء فتعرض نفسك ومن معك للخطر‏.

فشاور عمر المهاجرين الأول ثم الأنصار فلم يختلف عليه اثنان أن يجب عليه الرجوع فقال لأبي عبيدة‏:‏ يا أبا عبيدة، نفر من قضاء الله إلى قضاء الله‏!‏ ثم جاء عبدالرحمن بن عوف -وكان غائباً- فلما علم بذلك قال‏:‏ عندي في ذلك علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله‏:‏ ‏[‏إذا وقع الطاعون بأرض فلا تدخلوها ولا تخرجوا منها‏]‏ فانحسم الأمر وعرف الحق المقطوع به وليس المظنون لأن مستنده نص ظاهر جلي، ولو علمه عمر أولاً ما استشار الناس في هذا الأمر، ولو علمه أبو عبيدة قبل هذا ما قال لعمر‏:‏ كيف تفر من قضاء الله‏؟‏‏

المقصود بهذه الأمثلة بيان أن بعض أمور الشورى قد يتوصل إلى الحق فيها إذا كان هناك دليل ظاهر جلي وليس هناك دليل مخالف له أو معارض، والبعض الآخر لا يمكن القطع فيه بالحق والخير والمصلحة قبل حدوثه‏.‏

الحق في أمور الشورى‏

وعلى مقدار تقوى الله عز وجل والعلم بشريعته والتمسك بها يكون الوصول إلى الحق في أمور الخلاف ومعرفة الصواب في أمور الشورى والاجتهاد‏.‏ مما يدل على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر بني قريظة قرابة شهر في حصونهم وصياصيهم ثم قبلوا النزول من حصونهم ولكن على حكم سعد بن معاذ الذي كان حليفاً لهم في الجاهلية ظناً منهم أنه سيكون رحيماً بهم، وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم عرضهم هذا، ثم دعي سعد من المدينة حيث كان يمرض فيها من سهم أصابه في الخندق‏.‏ فقال سعد بعد أن جلس للحكم‏:‏ حكمي نافذ على الجميع‏؟‏ فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أن نعم، وكذا فعل رؤساء اليهود، فقال سعد‏:‏ فإني أحكم بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى نساؤهم وذراريهم‏.‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏[‏لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات‏]‏ وهذا هو الشاهد من سوقي لهذه القصة، فإن سعداً رضي الله عنه باجتهاد الصادق وخوفه وتقواه وعلمه حكم هذا الحكم في الذين خانوا العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى قول الرسول السابق ‏[‏لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات‏]‏ أي هذا حكم الله فيهم، ومعنى ذلك أنه لو أنزلت آيات فيهم لكان مضمونها هو الذي حكم به سعد بن معاذ رضي الله عنه‏.‏

فإذا كانت الشورى هي اشتراك مجموعة من الناس في الاجتهاد للتوصل إلى ما يرضي الله في الأمور التي تعرض للمسلمين ويطلبون حلها فإن أقرب الناس إلى الحق في ذلك هم الذين يتجردون لله عز وجل ويقولون الحق ولا يخافون في الله لومة لائم‏.‏ فنسأل الله أن يجعلنا منهم بمنه وإحسانه‏.‏

الفروق الأساسية بين الإمامة العامة والجماعات الخاصة

في الفصل السابق عرفنا أن الشورى‏:‏ استطلاع الرأي من ذوي الخبرة للوصول إلى أقرب الأمور للحق، فإنها لا تكون إلا حيث يجهل الحق فإن علم فلا شورى، وأن الأمور التي لا تعرف نتائجها كشئون الحرب، وسياسة الدولة، هي أهم ميدان للشورى وسيأتي تفصيل هذا الأمر والأقوال فيه في مجالات الشورى إن شاء الله تعالى‏.‏ وعرفنا أيضاً أن أسعد الناس حظاً بالوصول إلى الحق في أمور الاجتهاد والشورى هو الذي يخلص دينه لله سبحانه وتعالى، ويقول الحق لا يخاف فيه لومة لائم‏.‏

ورأيت قبل استكمال بحث الشورى أن أضع أمام القارئ الفروق الأساسية بين الإمام العامة وهي الولاية أو الخلافة، وبين الإمارات الخاصة وأعني بها الجماعات التي يؤلفها المسلمون لتنظيمهم شأن من شئون دينهم أو دنياهم وذلك أن الناس في وقتنا أصبحوا يخلطون بين الإمامة العامة التي هي خلافة الإسلام الكبرى التي يقيمها المسلمون لتطبيق شريعة الله عز وجل، وتنظيمهم شئون حياتهم ومعاشهم، وبين الجماعات التي يؤلفونها للدعوة إلى دين الله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويعطون أحياناً لأمير جماعة الدعوة ما لا يجوز أن يعطي إلا لإمام المسلمين العام ويقع الناس بسبب ذلك في حيرة وإرباك‏.‏ وتبلغ هذه الحيرة أقصاها في وسائل الطاعة، والخروج من الجماعة، والشورى‏.‏

ولذلك أحببت قبل أن أستطرد في بحث الشورى أن أفرق بين هاتين الجماعتين، حتى لا ينزل كلامي في الشورى في غير منازله‏.‏ وسيكون بحث موضوع الشورى متعلقاً بكونه أحد قواعد الشريعة وعزائم الأحكام في الحكم الإسلامي وكونه نظاماً واجب الاتباع في سياسة جماعات الدعوة إلى الله تبارك وتعالى‏.‏

تعريف -أولاً- الإمامة العامة‏

فالإمامة العامة أو الخلافة هي التي يناط بها إقامة شرع الله عز وجل، وتحكيم كتابه، والقيام على شئون المسلمين، وإصلاح أمرهم، وجهاد عدوهم‏.‏

ولا خلاف بين المسلمين على وجوبها ولزومها، وإثمهم جميعاً إذا قعدوا عن إقامتها وإن كان هناك خلاف فيمن هو أحق بها؛ والشروط التي يجب توافرها فيمن يتولاها ولا خلاف بينهم أيضاً - كما أوجبت ذلك نصوص الكتاب والسنة وسيأتي بيان لهذا‏:‏ إن الطاعة واجبة لولي الأمر المسلم ما لم يأمر بمعصية، وإن الخروج عن الجماعة والشذوذ موجب للعقوبة الأخروية والميتة الجاهلية‏.‏ وقد اتفق أهل السنة على ما دلت عليه النصوص الواضحة من وجوب النصح للإمام المسلم وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر ولو أدى ذلك إلى قتل الآمر، وإن ذلك أيضاً أفضل الجهاد، وكذلك اتفقوا على أنه لا يجوز الخروج على ولي الأمر المسلم، ودفعه بالقوة ما لم يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان، وأما المعتزلة فإنهم رأوا الخروج عليهم بالقوة إذا فعلوا منكراً، وجعلوا هذا داخلاً في قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏
[‏من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان‏]‏‏.‏

فجعلوا الإنكار باليد عاماً في تغيير منكر الإمام وغيره، ورأى أهل السنة أن هذا العام مخصوص بالأحاديث الآمرة بتغيير مناكر الإمامة -غير الكفر- باللسان والقلب فقط‏.‏

ثانياً‏:‏ الجماعات الخاصة‏

أما الجماعات الخاصة التي تستلزم الإمارة فإنها متعددة وذلك بحسب مصالح الدين والدنيا التي تناط بها، وأشهر هذه الجماعات ثلاث هي‏:‏ جماعة الدعوة، وجماعة السفر، وجماعة الغربة‏.‏

فأما جماعة الدعوة إلى الله تبارك وتعالى فقد استلزم وجودها إهمال أولياء أمور المسلمين الحكم بشريعة الله، وتحكيم كتابه ومجاهدة أعداء دينه، مما أطمع في المسلمين أعداءهم، وأذهب شوكتهم وساعد على نشوء أجيال من أبناء المسلمين تجهل الإسلام وتعادي رسالته، ولذا كان تأليف الجماعات للدعوة لله تبارك وتعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته، وتحكيم شريعته، وتربية ناشئة المسلمين على الإسلام فرضاً لازماً، ومن قال بغير ذلك فقد جهل دين الله تبارك وتعالى‏.‏ وذلك أن الفرد لا يستطيع وحده أن يسهم كثيراً في سد هذه الثغرات‏.‏ والقيام بهذه التكاليف، ولذلك كان التعاون لازماً مفروضاً كما قال تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏وتعاونوا على البر والتقوى‏}‏
ومن ألزم التقوى والبر‏:‏ الجهاد في سبيل الله، والعمل لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى وتربية ناشئة المسلمين في عصورنا هذه، فتعين أن يقوم بها المسلمون أنفسهم، ولن يستطيع الأفراد أن يقوموا بها، فلذا لزم تأليف الجماعات والهيئات لسد هذه الثغرات‏.‏

أما إمارة السفر فالأصل فيها قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏[‏إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم‏]‏ رواه أحمد،
والحكمة في إمارة السفر هو تنظيم شأن الجماعة المسافرة، وإبعادها عن التنافر والخلافة وتعاونها، على الخير والمنافع العامة وكذلك الشأن لجماعة العزلة والغربة، فاتحادات الطلاب والمغتربين المسلمين في ديار الغرب ضرورة لازمة للمحافظة على إسلامهم وإيمانهم وتعاونهم على البر والتقوى ولا يتأتى هذا إلا بتنظيم الجماعة وتعيين الأمراء‏.‏

الفروق الأساسية‏

وبهذا التعريف العام لجماعة المسلمين وإمامهم، وجماعات الدعوة والسفر والغربة وإماراتها والوظائف والغايات المنوطة بكل منها نستطيع إجمال الفروق فيما يلي‏:‏

1- المستند الشرعي‏

المستند الشرعي للإمامة العامة هو إجماع المسلمين على وجوب القيام بها، قال الماوردي في الأحكام السلطانية‏:‏ ‏"‏الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع‏"‏، وكذلك الأوامر الشرعية التي لا تحصى كثيرة التي تلزمنا وجوب تطبيق شريعة الله وأحكامه ومعلوم -عقلاً- أنه يستحيل تطبيق شريعة الله كاملة، وأحكامه تامة إلا بحكم إسلامي شرعي، ولم يخالف في هذا قديماً إلا الأصم من المعتزلة، وتلامذة الغرب في العصر الحاضر كما قال علي عبدالرازق في كتابه‏:‏ ‏"‏الإسلام وأصول الحكم‏"‏ بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم بتأسيس دولة بالمعنى المفهوم في عصرنا وما كان إلا رسولاً فقط، وما كانت أعماله التي تبدو -كما زعم- من سياسة الملك والرئاسة إلا وسيلة لتثبيت الدين وتأييد الدعوة، وقد أخذ هذا الفكر الخبيث ينتشر في أوساط المسلمين حتى أصبحت هذه القضية المسلمة المجمع عليها تحتاج إلى إثبات وبيان، وإذا لم يكن أمر الإمامة واقعاً فلا أقل من اعتقاد وجوبه على المسلم لأن نفي الاعتقاد بوجوب الواجب والمعلوم من الدين ضرورة كفر بإجماع المسلمين‏.‏

أما جماعات الدعوة فمستندها الشرعي هو الأوامر الصريحة الواضحة من كتاب الله تبارك وتعالى بوجوب تغيير المنكر ونشر المعروف وقد جعل سبحانه وتعالى هذا صفة لازمة من صفات الأمة
حيث قال‏:‏ ‏{‏كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله‏}‏ ومعلوم أن هذا التغيير الآن لا يكفي فيه الأفراد بعد أن تخلت الحكومات عن فعله بل قد تلبست بضده من نشر الفاحشة وترويجها وإشاعة المنكر عن قتل المعروف فتعاون الأفراد هنا لازم واجب‏.‏
فقول الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏وتعاونوا على البر والتقوى‏}‏ يصبح واجباً لازماً إذا كان الأمر الذي يجب أن نتعاون عليه واجباً لازماً، وهذا شأن فروض الكفايات التي لا تؤدى بفرد واحد، والدعوة إلى الله تبارك وتعالى من ألزم هذه الفروض بل هي ألزمها‏.‏ والجماعة من لوازم الدعوة، فمصالح الأمة التي أهملها من يتولون أمور المسلمين الآن لا تحصى كثرة فالجهاد في سبيل الله، ولا أعني به القتال فقط بل الجهاد بمعناه العام الشامل معطل كله وها هو الإسلام يرمى من كل صوب بسهم، فسهام إلى عقائده، وسهام إلى شرائعه، وسهام إلى آدابه وأخلاقه، ولا راد ولا مدافع إلا القليل القليل‏.‏ ولذلك تتراكم الشبهات وتكثر وتنشأ ناشئة المسلمين فتتشرب هذه الشبهات وتشربها قلوبهم فينشئون على بغض الإسلام وأهله ورسالته، فمن لهذا الجهاد غير الجماعات‏؟‏‏!‏ وهذا الفسق يعلو كل يوم والفضيلة تختفي ولا يكفي في علاج هذا الطوفان فعل الأفراد بل لا بد من التعاون والتعاضد‏.‏ ولذلك يجب أن يعلم الناس أن الإسلام الآن ليس نشاطاً محظوراً، بل هو نشاط واجب ولازم والقوة والسلطان الذي يقف في وجه هذا النشاط -ما دام أنه ملتزم بأدب الإسلام- قوة أو سلطان كافر، وقد أوضحت هذا بحول الله وقوته في رسالتي ‏:‏ ‏"‏الحد الفاصل بين الإيمان والكفر‏"‏‏

ب- الطاعة والالتزام‏

أما الفرق الثاني بين الإمامة العامة والجماعات الخاصة ففي الطاعة فهي في الإمامة العامة مطلقة لا يقيدها إلا المعصية فقط، وهذه الطاعة ثابتة للإمام العام في عنق المسلمين حتى مع جوره وظلمه يدل على ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏
[‏السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة‏]‏ متفق عليه‏.‏

كذلك حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال‏:‏
‏[‏بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثره علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول للحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم‏]‏،
وفي رواية‏:‏ ‏[‏وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان‏]‏‏.‏ متفق عليه‏.‏
فقوله رضي الله عنه‏:‏ ‏[‏وعلى أثره علينا‏]‏ معناه أننا نطيع الإمام ولو آثر غيرنا علينا،
وكذلك قوله‏:‏ ‏[‏وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً‏]‏ أي لا يجوز الخروج على الإمام بالفسق الذي لا يبلغ حد الكفر وطاعته مع هذا الفسق أيضاً واجبة‏.‏
لا يعني هذا بالطبع عدم نصحه بل هو واجب كما قلت في صدر هذا البحث، بل جعل الرسول القيام للإمام الظالم الفاسق ونصحه أفضل الجهاد كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر‏]‏ وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم من يقتله هذا الإمام الجائر عند نصحه من سادات الشهداء
كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله‏]‏‏.‏

هذه الطاعة المبينة آنفاً غير الطاعة الثابتة لأمير جماعة الدعوة أو أمير جماعة الغربة أو السفر فالطاعة في كل الجماعات السابقة طاعة عرفية مشروطة، وأعني بقولي عرفية أنها بحسب ما تتعارف عليه الجماعة وبحسب ما تشترطه، وبالطبع لا يلزم الطاعة مع الفسق والجور، فقد أوجب الرسول الطاعة للإمام العام مع فسقه وجوره للفساد الحاصل من عصيانه والخروج عليه، ولا يتأتى فساد من عصيان أمير جماعة السفر والغربة والدعوة كفساد الحاصل هناك‏.‏ فالطاعة والالتزام في هذه الجماعات مشروط ببقائها في النظام الموضوع وشروطها المنصوص والمتعارف عليها‏.‏

ج- الوحدة والتعدد‏

وهناك اتفاق على أن ولاية أمور المسلمين يجب أن تكون بيد واحدة هي الخلافة أو الإمامة الكبرى، ولكن بعض المقررين للأمور الواقعة في عصور خلت من تاريخ الإسلام قالوا بجواز تعدد الإمامات العامة‏.‏ ولا يخفى ما في قولهم من البعد والشطط‏.‏

هذه الأقوال انطبعت أيضاً على العاملين في حقول جماعات الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، فرأى البعض أن تعدد الجماعات غير جائز، واشتط البعض فزعم أن من انضم إلى جماعة ما هم المسلمون وحدهم وما عدا ذلك فليسوا بمسلمين، وكان من أسباب هذه الأقوال الظن الخاطئ بأن جماعة الدعوة إلى الله تبارك وتعالى هي الجماعة المسلمة فقط وأن أمير جماعة الدعوة يقوم مقام الإمام العام والخليفة، ولذلك أعطى مفارق جماعة الدعوة حكم مفارق بيعة الإمام العام، وليس هذا بسديد، بل مفارق جماعة الدعوة مخل بعهد وبيعة خاصة ولا تنطبق عليه أحاديث مفارق الإمامة العامة
ومنها قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏[‏من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة الجاهلية‏]‏ متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏

أما حكم التعدد للجماعات الإسلامية فالحق أنه راجع لطبيعة الجماعات وأعمالها وظروف المجتمعات التي تعيش فيها‏.‏

فالمصلحة الشرعية تحتم أحياناً التعدد في المجتمع الواحد وتحتم أحياناً التوحد والاجتماع وتجيزه أحياناً أخرى، ويحدد الحكم في هذا النظر الشرعي الصحيح المبني على دراسة وافية للنصوص الشرعية، وطبيعة المجتمعات، والدعوات القائمة والمهمات المنوطة بها وهذا كلام فيه إجمال كثير ولتفصيله مجال آخر إن شاء الله تعالى‏.‏ والمهم في هذا الصدد بيان أن القول بحرمة تعدد جماعات الدعوة في المجتمع الواحد أو البلد الذي تحده حدود سياسية واحدة قول متعجل‏.‏ وكذلك القول بالجواز مطلقاً تنقصه الرؤية الواضحة لأحوال الدعوات ومشاكلها‏.‏

ذكرالشيخ داود أحمد فيصل الداعية المسلم في نيويورك وصاحب جماعة الدعوة إلى الإسلام قال‏:‏ ‏"‏في نيويورك وحدها أكثر من أربعين جماعة تدعو إلى الإسلام، ولكن كل جماعة تدعو إلى إسلام غير إسلام الجماعة الأخرى‏"‏‏.‏ فمن يقول بجواز التعدد إذا كان على هذا النحو من الفساد والبلبلة والصد عن سبيل الله‏.‏

لكن إذا تعددت مصالح الأمة التي أهملها كثير من الحكام كبناء المساجد وتربية النشء على أساس الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودفع شبه الضالين، وتنقية عقائد المسلمين فقامت لكل مصلحة من هذه المصالح وواجب من هذه الواجبات جماعة تفرغ جهدها فيها فهل يقال هنا بحرمة التعدد‏؟‏ كلا إن التعدد هنا واجب حيث أنه يجب سد هذه الثغرات جميعاً، والقيام بهذه الواجبات جميعاً‏.‏

يتبع >

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 03-11-2006 الساعة 03:59 AM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 02-11-2006, 12:41 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

<تابع >

ولكن ما يحز في القلب أن يرى المسلم -في أيامنا هذه- أن همّ جماعات الدعوة إلى الله تبارك وتعالى -إلا من رحم الله منهم- قد انصرف إلى هدم بعضهم البعض، وأنهم ينفقون من أوقاتهم وأعمالهم في هذا الهدم أكثر مما ينفقون في البناء‏!‏

د- الشورى‏

أعتذر للقارئ من الإطالة في شرح الفروق السابقة وتعريف جماعة المسلمين وإمامهم والمهمات المنوطة به، وتعريف جماعات الدعوة وأمرائها والمهمات المنوطة بها وذلك حتى نستطيع أن نكون على وعي بالإطار الذي سننزل الشورى فيه‏.‏ فنظام الشورى المنصوص عليه في القرآن والمعمول به في السنة وسيرة الخلفاء الراشدين هو النظام الواجب الإتباع في الإمامة، وأما جماعات الدعوة فهناك بعض الفروق كما سترى عند التمثيل والتطبيق إن شاء الله تعالى‏.‏

مبدأ الشورى ومرونة التطبيق

للشورى في الإسلام قاعدة من قواعد الحكم، ونظام صالح للجماعات وسيرة كريمة للأفراد، وإليك بيان لهذا الإجمال‏:‏

دل الكتاب، والسنة، وأقوال الخلفاء وسيرتهم، وأقوال السلف، وأقوال علماء العصر على أن الشريعة الإسلامية جاءت مقررة لمبدأ الشورى وإليك الأدلة على ذلك‏:‏

أولاً‏:‏ الكتاب‏

قال تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏159‏)‏‏.‏

نزلت هذه الآية بعد غزوة أحد التي استشار الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين في الخروج إلى عدوهم أو البقاء في المدينة، فأشير عليه من جمهورهم وغالبيتهم بالخروج، وذلك من الذين لم يشهدوا بدراً وكان فيهم تحرق إلى لقاء العدو‏.‏ ولقد كان ما كان من مخالفة الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقاء فوق الجبل وهزيمة المسلمين واستشهاد سبعين منهم، فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم عقب هذه الغزوة بالعفو عمن صدر منهم خطأ كالرماة والذين فروا، والذين تعجلوا الخروج ولم يأخذوا بالرأي الأحكم وهو البقاء في المدينة، وأمر أيضاً أن يستغفر لهم، وأن يستمر على مشاورته إياهم في مثل هذه الأمور، التي هي سياسة الحرب، ومكايد العدو‏.‏‏.‏ ونزول الأمر بالشورى في مثل هذه الظروف يؤكد حتميتها ولزومها‏.‏ واعلم أن ابن عباس رضي الله عنهما قرأ‏:‏ ‏{‏وشاورهم في الأمر‏}‏
ليبين أن الشورى ليست في كل الأمور، وسيأتي لهذا الأمر تفصيل إن شاء الله تعالى في مجالات الشورى‏.‏

واعلم أيضاً أن عامة السلف والفقهاء قالوا بأن أمر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالشورى كان للوجوب وليس للندب أو الاستحباب، وخالف في ذلك الإمام الشافعي رحمه الله وقاس الأمر هنا على قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏البكر تستأذن‏]‏ أي عند الزواج،
قال الشافعي‏:‏ لو أجبرها أبوها على الزواج جاز‏!‏‏!‏ وقد رد هذا القول الفخر الرازي في تفسيره ‏(‏5/83‏)‏ بقوله‏:‏ القياس في مواجهة النص باطل‏.‏

وأن المقيس عليه عند الشافعي في هذه المسألة باطل أيضاً لأن الصحيح أنه لا يجوز للأب أن يجبر ابنته على الزواج لأن هذا مخالف لنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الآنف‏.‏

ولكن بعض السلف -مع قولهم بالوجوب في حق الرسول صلى الله عليه وسلم- نفوا أن يكون هذا الوجوب عن حاجة عند الرسول للمشاورة، بل قالوا‏:‏ لقد أغناه الله عن المشورة بما أوحى له وهداه ووفقه ولكن أمره بذلك ليقتدي به من بعده الأئمة والخلفاء، وليكون هذا سياسة دائمة في الأمة إذا رأى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من هو كان مأموراً بذلك ومطبقاً له‏.‏

ولكن الفخر الرازي نفى هذا القول بقوله‏:‏ ‏"‏والتحقيق في القول أنه تعالى أمر أولي الأبصار بالاعتبار فقال‏:‏ ‏{‏فاعتبروا يا أولي الأبصار‏}‏ وكان عليه السلام سيد أولي الأبصار، ومدح المستنبطين فقال سبحانه‏:‏ ‏{‏لعلمه الذين يستنبطونه منهم‏}
‏ وكان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس عقلاً وذكاءً وهذا يدل على أنه كان مأموراً بالاجتهاد إذا لم ينزل عليه الوحي، والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة‏"‏ ‏
‏‏ وخلاصة ذلك أن الشورى لازمة للاجتهاد ولا تقدح في شخص المستشير بل هي دلالة على رجاحة العقل، وأضيف هنا إلى كلام الفخر الرازي رحمه الله أن الشورى تكون أحياناً في أمور دنيوية صرفة، كالخبرة بشؤون القتال، ومنازل الحرب ومكايد العدو، وأصلح الناس للإمارة، ولا يقول أحد بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعلم الناس بشؤون الدنيا ولذلك فهو مستغن عن المشورة فيها وهو القائل صلوات الله وسلامه عليه‏:‏ ‏[‏أنتم أعلم بشؤون دنياكم‏]
‏ليس نقصاً في حق الرسول صلوات الله عليه وسلامه، ولا طعناً في منزلته أن يكون أمر الله في الآية السالفة الوجوب، وذلك لتتجمع له الخبرة التامة، والعلم الشامل لتصريف شؤون الأمة الإسلامية الناشئة وليكون هذا سنة للخلفاء بعده ليلتزموا هذا المنهج الكريم‏.‏

2- قال تعالى في مدح المؤمنين الذين ادخر لهم الخير‏:‏ ‏{‏والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون‏}‏ ‏(‏الشورى‏:‏38‏)‏‏.‏

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية‏:‏ ‏{‏وأمرهم شورى بينهم‏}‏
أي لا يبرمون أمراً حتى يتشاوروا فيه ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها‏.‏

وفق ما جاء بالجملة الإسمية التي تفيد الإستمرار والثبوت وأنه جاء بعد الاستجابة لأمر الله وهي الإسلام ثم الصلاة وهي عماد الإسلام وجاء خلف الشورى الزكاة وإنفاق المال فوضع الشورى بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من أكبر الأدلة على لزومها‏.‏

ثانياً‏:‏ الحديث الشريف‏

جاء في السنة ما يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما ترك المشاورة قط بل قال أبو هريرة رضي الله عنه‏:‏ ‏"‏ما رأيت أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله لأصحابه‏"‏‏.‏

أيضاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحرص دائماً على مشاورة الشيخين أبي بكر وعمر، بل جاء في حديث الإمام أحمد رحمه الله أن الرسول قال لهما‏:‏ ‏[‏لو اجتمعتما على رأي ما خالفتكما‏]
‏وهذا الالتزام من الرسول صلى الله عليه وسلم يدل على تأكيد هذا الأمر ووجوبه‏.‏ ومما جاء في شأن الوقائع التي شاور فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه‏:‏ مشاورتهم يوم بدر في الخروج إلى العير، ومشاورتهم في منزل الحرب وهي ثلاث مشاورات كلها في غزوة بدر، وكذلك شاورهم في أحد القعود في المدينة أو الخروج للعدو وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، وقال في حديث الإفك‏:‏ ‏[‏أشيروا علي معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي ورموهم، وأيم الله ما علمت على أهلي من سوء‏!‏ وأبنوهم بمن‏؟‏ والله ما علمت عليهم إلا خيراً‏]‏‏.‏

ثالثاً‏:‏ سنة الخلفاء وسيرتهم‏

أما خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم الراشدون فإنهم ما تركوا المشورة خاصة في المسائل الهامة كتولية الإمام وشن الحروب وتصريف أمورها وتولية الأمراء على أقاليم الإسلام، فتولية أبي بكر وعمر وعثمان كلها كانت بمشورة وإن اختلفت صورها وظروفها‏.‏ وحروب الردة وفارس والروم كلها كانت بمشورة المسلمين علانية في المسجد‏.‏ وسأعرض لبعض هذه المشورات في الكلام على مجالات الشورى إن شاء الله تعالى‏.‏ ولذلك جاء عن عمر بن الخطاب قوله‏:‏ ‏"‏من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو والذي بايعه تغرة أن يقتلا‏"‏ ‏(‏البخاري - الاعتصام ص75‏)‏‏.‏

مرونة التطبيق‏

فيما سبق من آيات وسنة، وأقوال للخلفاء والأئمة دلالة واضحة على أن الشورى قاعدة من قواعد الشريعة، ومبدأ من مبادئ الحكم في الإسلام‏.‏

أن هذه القاعدة كانت من المرونة، والقابلية للتكييف بحيث لا تلزم المسلمين بصورة من الصور، ولا بكيفية من الكيفيات تكون واجبة التطبيق وجوب المبدأ نفسه‏.‏ فليس في الآية ولا السنة بيان بعدد المستشارين ولا بكيفية استشارتهم، ولا في صفتهم، وليس فيها إلا أن الإمام يجب عليه أن يستشير الناس فيما يعرض لهم من شؤونهم، وأنهم إذا وصلوا إلى قرار أخير بعد الشورى فإنه لا يجوز العدول عنه، ويجب بعد ذلك التوكل على الله عز وجل وعدم التردد والخوف ‏{‏فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين‏}‏‏.‏

ومعناه أن التحكم يجعل كيفية ما من الكيفيات أمراً شرعياً مقرراً تحكم باطل‏.‏ إلا أن كانت مستندة إلى نص من النصوص، أو ما تقتضيه ‏(‏المصلحة المرسلة‏)‏ والصالح العام للمسلمين‏.‏ وفي هذه الحالة الثانية الأمر خاضع للنظر والترجيح‏.‏

ولفهم ذلك ينبغي التفريق في فهم شريعة الإسلام بين أمرين‏:‏ العبادات والمعاملات‏.‏

فالعبادات وهي القرب التي شرعها الله تبارك وتعالى ولنتقرب بها إليه كالصلاة والزكاة والصيام والحج الأصل فيها للتحريم‏.‏‏.‏ ولا يجوز إثبات شيء منها إلا بنص وذلك أن الله لا يعبد إلا بما شرع هو سبحانه وتعالى وهذا أيضاً شأن كيفياتها، وحركاتها وسكناتها، ولذلك تكفل الشارع ببيانها أتم البيان فبين كلماتها وكيفياتها وأوقاتها، ومقاديرها وحركاتها وسكناتها، وكل عمل من هذه الأعمال في هذه العبادات ليس عليه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مردود على فاعله، ولا يقبله الله عز وجل كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد‏]‏ متفق عليه‏.‏

وأما المعاملات فالأصل فيها الإباحة، ولا يجوز تحريم شيء منها إلا بنص عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فالمعاملات من بيع وتجارة وهبة، وولاية، وسياسة، وتنظيم لشؤون الدنيا الأصل في كل ذلك الإباحة، ولا يجوز تحريم شيء منها إلا بنص، ولا يجوز أيضاً أن يعطى شيء منها إلا بنص، ولا يجوز أيضاً أن يعطى شيء من هذه المعاملات وغيرها صفة شرعية محددة لم ينص الله عليها، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فليس في تنصيب الأئمة مثلاً صفة شرعية محددة وكيفية واحدة بل الأصل فيها أن تكون عن شورى كما سبق ونص عمر بن الخطاب على ذلك‏.‏

وببيان هذا الأصل تعلم خطأ من ذهب من الفقهاء إلى أن البيع لا يجوز إلا بصيغة تفيد الإيجاب والقبول ‏(‏بعت وقبلت‏)‏ ولذا ذهب من قال بهذا إلى تحريم ما يعرف ببيع المعاطاة، وهو أن تعطي البائع مبلغاً من المال وتأخذ منه السلعة دون كلام يفيد الإيجاب والقبول، وهذا بيع جائز نفعله جميعاً فأنت تشتري الآن صحيفتك اليومية، وكثيراً من السلع المعلومة دون أن تلفظ بكلمة واحدة من البائع فهل هذا بيع باطل شرعاً‏؟‏‏!‏ بل وأنت تضع عشرين فلساً في الآلة فتخرج لك ‏(‏قارورة البارد‏)‏ فتشربها وتنصرف والطرف الثاني في هذا العقد ليس إنساناً وإنما هو آلة، وكل هذه البيوع مباحة لأن الأصل في المعاملات هو الإباحة ولا يجوز تحريم شيء منها إلا بنص، فالذين نظروا إلى المعاملات نظرتهم إلى العبادة أخطأوا خطأ فاحشاً لأنهم حجروا على الناس استحداث الجديد منها، وضيقوا القديم بكيفيات وهيئات وشروط لم يأذن بها الله سبحانه وتعالى، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فالذين قالوا لا ينعقد النكاح إلا باللغة العربية قد حجروا واسعاً، والذين قالوا شركات المساهمة حرام لأنها لم تكن معروفة في عهود الفقهاء الأولى قد أخطأوا خطأ فاحشاً، وضيقوا على الناس حياتهم بل الأصل في هذه المعاملات هو الحل ولا يحرم منها إلا بنص‏.‏

يتبع >

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 03-11-2006 الساعة 03:49 AM
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 02-11-2006, 12:49 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

مجالات الشورى

مدخل‏:‏ مضى القول بأن الشورى في حقيقتها استطلاع الرأي من أهل الخبرة للوصول إلى أقرب الأمور للحق، وأن الحق في أمور الشورى لا يقطع به لأن المقطوع بأنه حق لا يدخل في مجالات الشورى، وسيأتي إن شاء الله تفصيل لهذه الجملة الأخيرة، وعرفنا أيضاً أن أسعد الناس حظاً في الوصول إلى الحق هم الذين يتجردون لله سبحانه وتعالى، ويتخلصون من هوى أنفسهم، ومضى كذلك القول بأن الشورى مبدأ واجب التطبيق وقاعدة من قواعد الحكم في الإسلام، وأنه مع ذلك مرن في التطبيق واتخاذ الشكل المناسب في كل عصر من عصور الإسلام‏.‏

للإجابة عن هذا السؤال‏:‏ ما العمل الذي سيزاوله أهل الشورى عندما يجتمعون‏؟‏ وفي أي القضايا سيبحثون ويناقشون‏؟‏

هناك فروقاً أساسية بين نظام الشورى في الإسلام وأي نظام آخر، وسيأتي لهذه الفروق فصل مستقل، إن شاء الله تعالى‏.‏

ونستطيع أن نرد هذه القضايا إلى ستة أبواب رئيسية هي‏:‏

أولاً‏:‏ سياسة الأمة في الحرب والسلم‏

الأمة الإسلامية تحمل عقيدة نشطة تلزم أتباعها بالحفاظ عليها أولاً ثم الدعوة إليها، وذلك أنها تحمل كلمة الله وتطبق نظامه وشريعته، ومن أجل ذلك فالأمة تعمل -أو هكذا فرض عليها- لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وبذلك ينقسم الناس مع هذه الأمة إلى مؤمن موال مؤيد وكافر معاند محارب أو مستأمن مسالم أو معاهد له شروطه ومدته، والأمة في حركتها النشطة بدعوتها، وقيامها بنشر رسالة الإسلام التي تؤمن أنها رسالة الله، وانقسام الناس معها على هذا النحو فإنها تخوض حروباً، وتبرم عهوداً، وتجنح للسلم أحياناً، وفي كل هذه الأحوال يحتاج الأمر منها إلى دراسة وافية لقوتها وقوة أعدائها، والشروط التي ينبغي أن توقع العهود بها، ومتى تجنح للسلم، ومتى تنشط في الحرب، وهذا كله لا يحتمله عقل واحد، ولا يحوطه رأي واحد، ولا يستطيع رجل واحد مهما بلغ علماً وتقوى أن يصدر فيه عن الحق دائماً، ولذلك كان أول مجالات الشورى في النظام الإسلام هو تنظيم وتخطيط سياسة الأمة في الحرب والسلم، ولأهمية هذا الباب من أبواب الشورى حصر كثير من علماء السلف الشورى فيه فقالوا قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وشاورهم في الأمر‏}‏ هو في الحروب ما جرى مجراها‏.‏ وذلك أنهم رأوا الرسول صلى الله عليه وسلم يكثر من استشارة أصحابه في هذا المجال كما استشارهم في بدر وأحد وفي فداء الأسرى، وفي مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة‏.‏‏.‏ الخ‏.‏

هناك فرقاً يجب مراعاته دائماً بين النص من الكتاب أو السنة، والعمل بهذا النص‏.‏ فالنص لا يتغير مدلوله وحكمه في أي عصر من عصور الإسلام ولا في أي مكان من الأرض، ولكن ظروف العمل بالنص تختلف حسب المكان والزمان والملابسات - وأرجو أن ننتبه جيداً إلى هذا حتى لا يفهم كلامي على غير وجهه ولا يؤول إلى ما لا أريد وأقصد‏.‏

ففي القتال مثلاً آيات كثيرة بعضها يأمر بقتال من يقاتلنا فقط كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا‏}‏‏.‏

وأخرى تأمر بقتال المشركين كافة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة‏}‏‏.‏

وهناك آيات تأمر بالسلم إذا جنح إليه العدو كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله‏}
‏ وأخرى تأمر بالقتال وعدم الدعوة إلى السلم‏:‏ ‏{‏فلا تهنوا وتدعو للسلم وأنتم الأعلون‏}‏
وليس هناك اختلاف بين هذه الآيات فلكل آية ظروفها وملابساتها وإذا كان هناك نسخ في بعضها قرره العلماء فإنما كان ذلك بحسب المدى الذي وصلت إليه أمة الإسلام، فالمسلمون قبل بدر سمح لهم بالقتال وكان حراماً عليهم، وسمع لهم بقتال من قاتلهم فقط، والانتصار ممن ظلمهم وأخرجهم من ديارهم، ثم لما تألبت العرب عليهم ورمتهم عن قوس واحدة في الخندق، وأصبح بعد النصر في هذه الغزوة للمسلمين طاقة بقتال الناس والكفار جميعاً أمرهم بذلك‏.‏ ولا يعني هذا عند من يفهم شيئاً من دين الله عز وجل أن المسلمين في حال ضعفهم مفروض عليهم أن يعلنوا الحرب على الناس جميعاً من أول وهلة، ولكن السياسة الشرعية تقتضيهم أن يعملوا بكل نص حسب ظروفه ومقتضياته وأحواله دون إلغاء لما سواه من النصوص‏.‏ ألا ترى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد عطل العمل بسهم المؤلفة قلوبهم وقال‏:‏ لقد كان هذا وفي المسلمين ضعف أما الآن فلا، ولكنه لم يلغ النص ولم يعارضه وإنما ترك العمل به فقط في الظروف الذي أداه اجتهاده إلى أنه لا لزوم للعمل به فيه‏.‏ وأنه عطل حد السرقة في عام الرمادة ولا يسمى هذا منه إبطالاً أو نسخاً‏.‏ وملابسات الأمة الإسلامية وظروفها في كل عصر من العصور تلزمها اجتهاداً تضع به كل نص من النصوص في مكانه وملابساته الصحيحة ولا يمكن أن يصدر بهذا رأي رجل واحد، واجتهاد حاكم واحد ولا بد أن يجتمع لذلك ويقرر ذلك مجموع علماء الأمة ومجتهدوها ولا مكان ولا مجال له إلا بالشورى‏.‏

وأزيد هذا الأمر وضوحاً وهو واضح -بحمد الله- فأقول‏:‏ لا يزعم زاعم منا أنه يقوم بكل أوامر الإسلام التي أمره الله بها وإنما يفعل -إن رزقه الله التقوى- في حدود الاستطاعة التي جعلها الله مناطاً للتكليف حيث قال‏:‏ ‏{‏فاتقوا الله ما استطعتم‏}
‏ وقال أيضاً‏:‏ ‏{‏لا يكلف الله نفساً إلا وسعها‏}‏
فالمؤمن التقي يفعل في حدود استطاعته، ومعنى ذلك أنه يجد ويجتهد ويبذل الوسع والجهد المستطاع ومع ذلك لا يزعم لنفسه أنه قائم بكل ما كلفه الله به من عمل واجب كحضور جماعة الصلاة دائماً والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله‏.‏‏.‏

وكذلك الشأن بالنسبة للأمة فإن الواجب على الأمة بمجموعها من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى دين الله هو بحسب إمكانياتها وجهدها ووسعها‏.‏ وإذا كان الفرد المسلم يستطيع أن يصل بمفرده إلى حدود وسعه وطاقته وما يجب عليه نحو أوامر الله عز وجل‏.‏ فإن الفرد الواحد لو كان مجتهداً لا يستطيع وحده أن يقرر مدى طاقة الأمة وما ينبغي عليها أن تقوم به نحو تنفيذ أوامر الله عز وجل لها بقتال الكفار والدعوة إلى دينه ولا يستطيع أيضاً أن يصل إلى الكيفيات والأحوال التي تشن فيها الحرب أو يركن فيها إلى السلم ولذلك كان لا بد من الشورى في هذا الميدان‏.‏ أعني ميدان سياسة الأمة في الحرب والسلم والمعاهدات والدعوة، وستكون الشورى لاختيار حكم الله المناسب للظروف والحالة والمكان والزمان، ولن يعني هذا مطلقاً تعطيل أحكام أخرى في هذا المقام‏.‏ وهذا سر قول الرسول صلى الله عليه وسلم لقواده في الغزو‏:‏ ‏[‏وإن أنت استنزلت أهل حصن فطلبوا منك أن تنزلهم على حكم الله وحكم رسوله فلا تفعل لأنك لا تدري أتصيب فيم حكم الله أم لا‏]‏.‏

وخلاصة هذا الأمر أن الميدان الأول من ميادين الشورى هو سياسة الأمة الإسلامية مع غيرها من الأمم قتالاً أو سلاماً أو عهداً أو صلحاً ولا يقرر هذا الحاكم المسلم بمفرده بل بمجموع آراء الأمة وفكرها، وهذه هي الشورى‏.‏ وتبادل الرأي في هذا الصدد هو لاختيار حكم الله المناسب للظروف والحكم بحسب قوة الأمة وحالة عدوها‏.‏‏.‏

ثانياً - أولويات التطبيقات للأحكام الشرعية‏

المشكلة الأولى التي ستقابل أي حكم إسلامي بمفهوم الكلمة الشرعي -لا بمعنى الكلمة العرفي الكاذب هي أولويات التطبيق للأحكام الشرعية- فالأمة الإسلامية بعد ضياع الخلافة منها، وقيام الدول في أرضها على أسس وطنية أرضية لا على أساس عقائدي إيماني، وإزاحة التشريع الإسلامي من منصة الحكم ومزاحمة القوانين الأخرى للتشريع الإسلامي نشأت فيها بذلك أوضاع بعيدة كل البعد عن تشريع الإسلام وروحه، فقانون العقوبات الإسلامي بوجه عام مبعد مقصي، وكذلك قوانين السياسة الخارجية، وطائفة كبيرة من الأحكام الإقتصادية والاجتماعية بعيدة عن تشريع الإسلام، ولذلك فستكون المشكلة الأولى -كما قلت آنفاً- من أين يبدأ الحاكم الإسلامي تطبيق الشريعة الإسلامية‏.‏ أمن السياسة الخارجية أم من إقرار قانون العقوبات فيقتل القاتل، ويقطع يد السارق ويرجم الزاني، أم بتعديل النظام الإقتصادي فيحرره من الربا والامتيازات المحرمة، أم بتطهير المجتمع من الرذائل والفسق فيمنع الخمر، ويغلق أماكن الفساد واللهو المحرم ويأمر النساء بالستر والتعفف‏.‏ وهل يبدأ بهذا كله دفعة واحدة وفي يوم واحد‏؟‏ أم يتدرج في الإصلاح والبناء‏؟‏ وإذا كان يتدرج فما هم الأهم من ذلك ليقدمه على المهم‏؟‏

وهنا يأتي دور الأولويات في تطبيق الشريعة، وهذه الأولويات سيختلف النظر فيها كثيراً‏.‏ إذ بينما يرى أناس أن النظام الاقتصادي يأتي في المقدمة سيرى آخرون أن تطهير المجتمع أولى من ذلك، وسيدافع آخرون عن رأيهم بأن السياسة الخارجية هي أهم المهمات، وسينادي آخرون بتطبيق قانون العقوبات أولاً وقبل كل شيء، ولا شك أن مجلساً للشورى يجتمع فيه أولو العلم والفضل من المسلمين سيقرر بعد نظر ونقاش الخطة التي يراها أمثل لتطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقاً كاملاً، وهذا هو المجال الثاني من مجالات الشورى إنه بحث الأولويات في تطبيق شريعة الإسلام وذلك حسب ملابسات الوقت وأحوال الناس واستعداداتهم والقوة المهيأة لحكومة إسلامية تريد تطبيق الإسلام وسط هذا الطوفان الهائل من أفكار الجاهلية ومعتقداتها ووسط طوفان آخر من الفسق والرذائل عم وجه الأرض كلها بالفساد والانحلال ولن تكون هذه مهمة يسيرة أبداً بل أنها مهمة شاقة للغاية لأنها تقتضي علماً واسعاً وحكمة عظيمة ولا يفهم هذا إلا من عرف منهج التشريع الرباني وتدرجه حسب استعداد النفوس وقبولها وعرف أيضاً منهج الإسلام في تربية الجماعة المسلمة والأمة المسلمة وأما من أوتوا نصيباً قليلاً من العلم فإنهم يظنون أن حاكماً مسلماً يستطيع أن يطبق الشريعة الإسلامية في الأمة بين عشية وضحاها وهذا سذاجة وجهل وإذا كان الأمر بهذه الأهمية والخطورة فلا يمكن أن يكون لرأي واحد وصول إلى الحق في هذا الأمر الخطير، ولذلك كانت الشورى في هذا الصدد من أهم الأمور‏.‏

وأعيد القول هنا أيضاً بأن الشورى من أوليات تطبيق الحكم الشرعي لا تعني مطلقاً أن الحكم الذي تأخر في التطبيق قد كفر به وجحد، وإنما تعني أن وسع الأمة وطاقتها لم تحتمله بعد، وهكذا تتدرج الأمة في مراقي العمل بالشريعة كما يتدرج الفرد فيتكلف من الأعمال ما يطيق شيئاً فشيئاً حتى يبلغ الكمال الذي قدره الله له، وهكذا تتدرج الأمة في تطبيق الأحكام حسب استطاعتها حتى تبلغ الكمال المقدر لها، ولا يستطيع تقدير هذه الاستطاعة إلا أهل الرأي والخبرة والمشورة من المسلمين‏.‏

ثالثاً‏:‏ اختيار الأمير الإمام أو الخليفة‏

الأسماء الثلاثة السابقة أطلقها المسلمون على من يتولى شؤونهم‏.‏ وسر اختيار هذه الأسماء ليس غامضاً، ولا بعيداً، فالأمير بمعنى الآمر وقد اختار هذه التسمية عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قيل له‏:‏ يا خليفة خليفة رسول الله فقال‏:‏ أنتم المؤمنون، وأنا أميركم‏.‏ فسمي أمير المؤمنين، وأما الخليفة فهو من يأتي بعد سابق له، وقد سمي بذلك أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لأنه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في القيام بشؤون المسلمين، وتوحيدهم، والدعوة إلى الإسلام وقتال المخالفين، وإقامة شرع الله في الأرض‏.‏

وأما الإمام فهو المقدم في الأمر ويطلق على من يتقدم للصلاة بالناس وقد أطلق على الأمير والخليفة والإمام لأنه المقدم في أمور المسلمين عامة، وفي الصلاة خاصة، والمقتدي برأيه‏.‏

والحاصل أن الحاكم في الإسلام يطلق عليه الخليفة لأنه يخلف من سبقه في القيام بشؤون المسلمين ويطلق عليه الأمير والإمام‏.‏

وهذا المنصب عظيم خطير لأن المسؤولية فيه مزدوجة فالإمام في الإسلام مسؤول عن أعماله أمام الله تبارك وتعالى، ومسؤول أمام الأمة أيضاً فهو ليس حاكماً مطلقاً لا يسأل عما يفعل بل يسأل ويراجع ويناقش لقوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول‏}‏ الآية،
فبعد أن أمر تبارك وتعالى بطاعة أولي الأمر أخبر أنه قد يحصل التنازع في أمر ما وعند ذلك يجب رد ما تنوزع فيه إلى حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، ومعنى هذا إقرار لمبدأ اختلاف وجهة نظر الناس مع وجهة نظر ولي الأمر، ولم يقل سبحانه وتعالى مثلاً‏:‏ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ولا تنازعوهم في شيء، بل اسمعوا لهم وأطيعوا مطلقاً، وذلك أن أولياء الأمور ليسوا بمعصومين لا بمنجاة من الخطأ بل هم معرضون لذلك، وقد يوفق إلى الصواب غيرهم، وهنا كانت القاعدة الربانية للوصول إلى الحق في أمور الاختلاف‏.‏ وهي رد ما تنوزع فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏

ولذلك أعلن الصديق أبو بكر من أول يوم تولى فيه خلافة المسلمين هذا المبدأ ‏"‏أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم‏"‏‏.‏

وأعلنه عمر بن الخطاب أيضاً رضي الله عنه حيث قال‏:‏ ‏"‏إذا أحسنت فأعينوني وإذا أسأت فقوموني‏"‏‏.‏‏.‏

وأما المسؤولية أمام الله تبارك وتعالى فقد نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله المشهور ‏[‏كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته‏.‏‏.‏‏]‏ الحديث‏.‏

ومهمة الحاكم في الإسلام مهمة شاقة عسيرة لأنها ذات طرفين‏:‏ الطرف الأول القيام بشؤون الدين تطبيقاً وتحكيماً والطرف الثاني القيام بشؤون الدنيا، ورعاية مصالح الأمة في هذه الدار‏.‏ وأما الحاكم في غير النظام الإسلامي فمهمته دنيوية خالصة لا يضيره عند قومه أن يكون جاهلاً بالدين غير عالم به‏.‏

وإذا كانت مهمة الأمير في الإسلام ذات شقين وميدانين، فإن من مقتضيات هذا أن يكون الأمير عالماً بالدين مجتهداً فيه، عالماً بالدنيا ذا رأي وسياسة وحكمة في معرفة شؤونها‏.‏ وليس هذا بالطبع أمراً سهلاً ميسوراً، فدراسة الدين دراسة واسعة عظيمة تحتاج إلى اجتهاد وانقطاع وتوفر زمناً ليس قصيراً ودراسة الدنيا تحتاج إلى معرفة بأنواع الناس، وعوائدهم، وأفكارهم، وعقائدهم وبسياسات الحرب والسلم، وعلم بالتاريخ ومجاري الأمور وكل هذه الآن علوم عظيمة مستقلة، لا بد من الإلمام بشيء كثير منها لمن يتصدى لمثل هذه الأمور، ومن الجهل والغباء الظن بأن الصحابة والخلفاء رضي الله عنهم قد ساسوا الدنيا وفتحوها ولم يكونوا على علم بهذه الأمور‏.‏ وليس المجال الآن مجال بيان المدى الذي وصله الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من علم ودراية بهذه الأمور الدنيوية ومكان هذا كتب التاريخ والرجال‏.‏

هذا المنصب الخطير العظيم، الإمامة العامة للمسلمين ليس هناك من طريق سليم شرعي للوصول إليه إلا طريق الشورى، فالشورى هي النظام الإسلامي الوحيد الذي يأتي عن طريقه الإمام أو الحاكم أو الأمير أو الخليفة كما يحلو لنا أن نسميه‏.‏

وقد يكون هذا مخالفاً لما دونه علماء السياسة من المسلمين الذين جعلوا من طرق الوصول إلى الحكم التغلب العام ‏(‏الغلبة‏)‏ وحيازة الشوكة ‏(‏والشوكة هي القوة الضابطة للنظام والأمن‏)‏ وأعطوا الشرعية ووجوب الطاعة لمن توصلوا إلى الحكم والخلافة على هذا النحو‏.‏

إلا أن كلامهم هذا ليس في حقيقته إقراراً لهذا المبدأ، ولكن رضوخاً له في ظروف استثنائية، وهو كما يقولون من باب ‏(‏ارتكاب أخف الضررين‏)‏ فالخروج على طاعة الإمام والخليفة الذي جاء إلى الحكم تسلطاً وقهراً وحاز الشوكة والغلبة أكثر ضرراً من الرضوخ له، وإقراره، وهذا ما جعل بعض كتاب الغرب يتهم الإسلام بمساندة الظلم، وإقرار التسلط‏.‏ واتهامهم هذا في حقيقته قصور نظر، وعدم إدراك‏.‏ وليس هذا مجال الرد على هذه الشبهة‏.‏

فالمهم هنا إثبات أن المبدأ الأساسي في الظروف الطبيعية الآمنة لاختيار الحاكم هو الشورى، وليس هناك طريق غير ذلك، وإن كان يتجاوز عن هذا المبدأ إذا وصل الحاكم المسلم المنفذ لشرع الله للحكم عن طريق الغلبة وفرض السلطان ويفتي بطاعته ويحرم الخروج عليه، وليس من هذا إقرار لطريقة وصوله إلى الحكم - فالتسلط وفرض السلطان بالقوة مرفوض شرعاً ولكن حقناً للدماء وارتكاباً لأخف الضررين‏.‏

وإذا كانت الشورى هي المبدأ الأساسي لوصول الحاكم إلى الحكم فالواجب أن لا يجعل الواقع التاريخي دليلاً شرعياً يتبع ويقاس عليه، وذلك أن الواقع التاريخي خاضع تماماً للظروف والملابسات التي تأخذ مجراها، وتفرض نفسها‏.‏

خلافة أبي بكر‏

فخلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كانت خيراً وبركة على الإسلام والمسلمين، ولم يكن لأبي بكر في الصحابة شبيه أو نظير أو مكافئ في الفضل والسبق والمكانة، والمنزلة، ومع ذلك فالصورة التي اختير بها هذا الصحابي الجليل كانت صورة استثنائية تحفظ لا يقاس عليها لأنها كانت ذات ظرف خاص وملابسات معينة حتمت هذه الصورة للاختيار‏.‏ وحتى أقدم الدليل على كلامي هذا سأثبت للقارئ الكريم تفسير عمر بن الخطاب رضي الله عنه لهذا الظرف وهذه الملابسات وهذا التفسير لعمر يتضمنه أصح كتاب بعد كتاب الله تبارك وتعالى وهو صحيح البخاري، وقد آثرت أن أنقل هذا الأثر بطوله لما فيه من الفوائد العظيمة التي تتعلق بموضوعنا هذا وبموضوعات أخرى لن تصرفنا عن موضوعنا الأساسي وسنستفيد منها فائدة بليغة إن شاء الله تعالى‏.‏

روى البخاري بإسناده إلى ابن عباس قال‏:‏- كنت أقرئ رجالاً من المهاجرين منهم عبدالرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذا رجع إلي عبدالرحمن فقال‏:‏ لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول‏:‏ لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر ثم قال‏:‏ إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم، قال عبدالرحمن‏:‏ فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكناً، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعوها على مواضعها فقال عمر‏:‏ أما والله -إن شاء الله- لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة‏.‏ فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالساً إلى ركن المنبر فجلست حوله، تمس ركبتي ركبتيه، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب فلما رأيته مقبلاً قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل‏:‏ ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف، فأنكر علي وقال‏:‏ ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله‏!‏ فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال‏:‏

أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي‏:‏- إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل، والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على كل من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف‏.‏

ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم -أو أن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم- الا ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏[‏لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم، وقولوا عبدالله ورسوله‏]
‏، ثم أنه بلغني أن قائلاً منكم يقول‏:‏ والله لو قد مات عمر بايعت فلاناً، فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن وقى الله شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا، وأنه قد كان من خيرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا وخالف عنا علي والزبير، ومن معهما، واجتمع إلي أبي بكر، فقلت لأبي بكر يا أبا بكر، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا‏:‏ لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم‏.‏ فقلت‏:‏ والله لنأتينهم‏.‏ فانطلقنا حتى أتينا في سقيف بني ساعدة، فإذا رجل مزمن بين ظهرانيهم، فقلت من هذا‏؟‏ فقالوا‏:‏ هذا سعد بن عبادة فقلت ما له‏؟‏ قالوا يوعظ‏.‏ فلما جلسنا قليلاً تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال‏:‏ أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام‏؟‏ وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يَحْضُنُونَا من الأمر فلما سكت أردت أن أتكلم -وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر- وكنت أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر‏:‏ على رسلك‏.‏ فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قاله في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت فقال‏:‏ ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم -فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا- فلم أكره ممن قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول إلى نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن، فقال قائل من الأنصار‏:‏ أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب‏.‏ منا أمير ومنكم أمير يا معشر المهاجرين، فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف، فقلت أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة، فقلت‏:‏ قتل الله سعد بن عبادة‏.‏

قال عمر‏:‏ وأنا والله ما وجدنا فيما حضرنا أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم، ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا، فأما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما أن تخالفهم فيكون فساداً، فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو والذي بايعه تغرة أن يقتلا‏.‏

وهذا الأثر العظيم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وتلك الخطبة التاريخية فيها كثير من الفوائد والأصول لسنا بصدد التعرض لها الآن ولكننا سنناقش فقط مكان الشاهد من هذه الخطبة على ما نحن بصدده ألا وهو اختيار الحاكم فعمر يعلن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى منبره، أن أمر بيعة الحاكم يجب أن تسبقها الشورى، وأن من تعجل البيعة قبل الشورى فإنه لا يتابع في بيعته، لا الذي بايع، ولا من بويع، ويقول هذا الكلام بالنص الصريح الواضح‏:‏

‏"‏من بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو الذي بايعه تغرة أن يقتلا‏"‏ وقد كرر هذه المقالة في خطبته مرتين‏:‏ مرة في بداية ذكره لمسألة البيعة ومرة في نهاية خطبته، وهذه الخطبة ليست خطبة مرتجلة بنت تفكير سريع، واستثارة، وإنما هي وليدة تفكير طويل، وإعداد استمر أكثر من أسبوع، فقد عزم عمر على بيان أمر بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بموسم الحج وكانت آخر حجة له، ولكن عبدالرحمن بن عوف نصحه بالعدول عن هذا لأن الموسم يجمع غوغاء الناس الذين سيفهم قسم منهم هذه الخطبة على غير وجهها ويطيرها في كل مكان‏.‏ ولذلك انتظر حتى أتى المدينة ثم خطب بها‏.‏

ثم يعلل عمر رضي الله عنه النهي عن متابعة البيعة لمن بايع إماماً بغير مشورة بقوله ‏"‏تغرة أن يقتلا‏"‏ والمعنى كما قال ابن حجر والقسطلاني أن من فعل ذلك فقد غرر بنفسه وبصاحبه، وعرضهما للقتل‏.‏ وذلك لمخالفة جماعة المسلمين وجمهورهم، وانفرادهما واستعجالهما بالأمر دون المشورة العامة في المسلمين‏.‏

يتبع >

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 02-11-2006 الساعة 01:33 PM
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 02-11-2006, 01:12 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

تابع >

ثم علل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقوع بيعة أبي بكر الصديق على هذا الأمر الذي ينهى عنه بأن ظروف تلك البيعة كانت ملجئة وقاهرة، فقد اجتمع الأنصار لمبايعة أمير منهم ولو تم ذلك ما كان للمهاجرين أن يخالفوهم وإلا حدث شر كبير، وما كانت لتجتمع العرب بأسرها على رجل من أهل المدينة الذين كانت لهم ثارات وحروب قديمة مع بعضهم البعض، فالأوسي لا يرضى عن الخزرجي وكذلك العكس فكيف بسائر العرب، وكانت لقريش منزلة خاصة عند سائر العرب حيث كانت تحترم وتقدم في الجاهلية وتقول العرب أهل بيت الله فلا نؤذيهم ولا نتعرض لهم‏.‏ ولذلك قال أبو بكر للأنصار في خطبة السقيفة‏:‏ ‏"‏ما ذكرتم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش‏"‏ ويعني بالأمر الخلافة‏.‏

ولخشية عمر من مبايعة الأنصار رجلاً منهم تعجل أبي بكر ولم تكن عن مشورة كاملة، ثم أخبر بأن أبا بكر ليس في المسلمين مثله سابقة وعلماً ودراية بالسياسة والدين ولين جانب وقوة في الحق، ولذلك اجتمعت عليه القلوب سريعاً ولم ينازعه في الأمر أحد إلا ما كان من غضب سعد بن عبادة الخزرجي لنفسه، وتأخر بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه ثم لحوقه المسلمين في ذلك، وإعلان هذا على الملأ‏.‏

ولذلك قال عمر‏:‏ ‏"‏أنا والله ما وجدنا فيما حضرنا أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم، ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا، فأما بايعناهم على ما لا نرضى، وأما أن نخالفهم فيكون فساداً‏"‏‏.‏

وقال أيضاً في شأن أبي بكر‏:‏ ‏"‏وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر‏"‏ ومعنى هذا أنه بلغ في السبق والمنزلة بحيث من أراد أن يلحقه تقطع عنقه من النظر والمبايعة ولا يستطيع ذلك‏.‏

ومعنى هذا أن بيعة أبي بكر الصديق حالة فريدة تحفظ ولا يقاس عليها غيرها‏.‏

وقد مهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لهذا الأصل الذي أعلنه أمام جمهور الصحابة، وأعني أصل المشاورة لاختيار الحاكم بأن هناك من القرآن ما هو منسوخ تلاوة لا حكماً ودلل على ذلك بآية الرجم وآية النهي عن الانتساب إلى غير الآباء التي يقول فيها الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏من انتسب إلى غير أبيه -وهو يعلمه- إلا كفر‏]‏ وكذلك هناك من السنة والقواعد الدينية ما قد لا نجد النص الصريح المفرد عليه وقد يكون هذا الأمر من الظهور والوضوح بحيث لا يحتاج إلى نص فكون الإمام في الإسلام يجب أن يكون عن شورى عامة هو من القواعد الجلية الواضحة، والمسلمات البديهية التي لا تحتاج إلى نصوص مفردة لاثباتها، ولولا الخوف من أن يطول مقام الشرح لهذا الأمر لأوردت عشرات من الآيات والأحاديث التي تدل على هذا بما يفهم منها وما يستنبط لا بالنص الظاهر، ولذلك وافق الصحابة جميعهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما قاله ولم يعترض عليه معترض واحد، وهو الذي كان يسمح للمرأة بأن تعترض عليه‏.‏‏.‏ أقول لم يعترض عليه معترض واحد من الصحابة وفيهم الفرسان والشجعان وهو يكرر هذه العبارة مرتين‏:‏ ‏"‏من بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو والذي بايعه تغرة أن يقتلا‏"‏‏.‏

ولم يقل له أحد‏:‏ اثبت ما لم يثبت الشرع، وزدت في الدين ما ليس منهم، وخالفت سنة رسول الله، وتزيدت على القرآن بل جميعهم رضي الله عنهم أقروه فيما قال، وفهموه عنه تعليله لوقوع بيعة أبي بكر الصديق على ما وقعت عليه‏.‏ وليس هناك إجماع أبلغ من هذا‏.‏

رابعاً‏:‏ توجيه النظام المالي‏

النظام المالي في الحكم الإسلامي نظام محدد واضح من حيث مصادر الثروة العامة وبيت المال وكذلك وجوه الصرف، وفي كل نصوص واضحة جلية في الكتاب والسنة، ومع ذلك فهناك كثير من الفرعيات لا يمكن البت فيها برأي الفرد الحاكم ولا بد من الرجوع فيها إلى آراء أهل الشورى وحكمهم النهائي، وكذلك هناك كثير من الملابسات والحالات الخاصة الاستثنائية توجب إيقاف العمل ببعض الفرعيات، أو استحداث فرعيات أخرى‏.‏ وعملية التشريع هذه بالإيقاف أو الاحداث لا يمكن ولا يجوز أن يكون الرجوع فيها كمصدر وحيد للتشريع إلى رأي الفرد الحاكم بل لا بد من الرجوع في ذلك إلى حكم الشورى‏.‏

وهذا بيان للإجمال السابق‏:‏

مصادر الثروة ‏(‏بيت المال في النظام الإسلامي‏)‏‏

أولا‏:‏ المصدر الأول من مصادر بيت المال هو الزكاة، والزكاة نظام محدد في السنة من حيث الأموال التي تجب فيها الزكاة، والمقادير التي يجب إخراجها، ويكاد أن لا يكون لأهل الشورى نظر في هذا الأمر إلا من حيث الإشراف والمراقبة .

ثانياً‏:‏ الركاز‏:‏ الركاز كلمة جاءت في الفقه تحمل معنى الثابت في الأرض من المعادن التي ركزها الله فيها كالذهب والنحاس والبترول والفضة والملح ‏(‏وليس هذا معدناً ولكنهم يدخلونه في الركاز، وكذلك ما ركزه الناس من كنوز كالآثار القديمة والأموال‏)‏‏.‏ والمعروف أن بيت المال يدخله الخمس من هذا الركاز وأما الأخماس الأربعة فهي لمن حصل باجتهاده وتنقيبه على هذه الكنوز‏.‏

وقد تكون هذه القسمة غريبة في وقت ظهرت فيه الثروات الضخمة كالبترول والذهب والنحاس بهذه الكميات الهائلة، وقد يقول قائل وكيف يملك هذا المال كله فرد منقب أو أفراد مشتركين‏.‏ وهو يجب أن يكون للأمة بكاملها‏.‏

وهذا القول خطأ من قائله في التصور والفهم فالشركات المنقبة عن البترول في بلاد العرب وأرض الإسلام والتي تحصل على نصيب الأسد من هذه الكنوز شركات أهلية أجنبية وليست الشركات حكومية، والعجب أن النسبة التي تدفعها هذه الشركات لحكوماتها هي نسبة قريبة مما قرره الرسول صلى الله عليه وسلم منذ أربعة عشر قرناً وهي تصل أحياناً إلى 25% أي الربع، والمال القومي في أمريكا مثلاً عماده الأول هو هذه الضريبة على هذه الشركات التي تغزونا وتمتص خيرات بلادنا‏.‏

ولو كان مبدأ الحرية الاقتصادية الذي نادى به الإسلام معمولاً به في أرض الإسلام لكانت ثرواتنا جميعها اليوم بأيدينا، وشركاتنا هي التي تستخرج بترولنا من أرضنا بل وتبحث في أماكن أخرى عن مشاركة وإنتاج ولكننا وقعنا في خطأ الغفلة أولاً فأعطينا ثروتنا بعقود جائرة باطلة تسمى عقود الامتياز لأعدائنا، ثم نطالب اليوم بتأميمها وهو خطأ جديد نصحح به خطأ قديماً، ولست أعني بالتأميم استرداد السيطرة على هذه الثروة بشركات أهلية إسلامية إذا أن سيادتنا على ثرواتنا هي جزء من مفهوم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين‏}‏
ولكني أعني به سيطرة الدولة على كل شيء وهذا أمر مرفوض في الإسلام لأنه تكريس للكسل والتضخم الوظيفي وإتلاف للمال العام وأما التأميم بمعنى نقل السيطرة والإشراف على مصادر الدخل من الأيدي الأجنبية إلى أيدي المسلمين فهو أمر واجب لازم‏.‏

وخلاصة هذا الأمر أن مبدأ الركاز مقنن معروف في الإسلام ولكن بالظروف الحادثة والمشاكل الجديدة يصبح نظر أهل الشورى لازماً لإيجاد الصيغة المناسبة لتطبيق هذه الأحكام، ويستحيل عقلاً أن يكون لعقل واحد ورأي واحد النظر الأول والأخير في مثل هذه الأمور الخطيرة‏.‏ وخاصة أن مثل هذه الأمور قد تحتاج إلى تشريع متدرج يناسب ظروف الانتقال والبنية الاقتصادية بنية معقدة جداً ليس من اليسير تبديلها وتغييرها سريعاً‏.‏ وتقدير الظروف والمناسبات وإمكانية التغيير والتبديل لا بد وأن يشترك فيه أهل الخبرة والرأي من المسلمين وهذا هو ميدان الشورى وعملها‏.‏

ثالثاً‏:‏ الغنائم‏:‏ المصدر الثالث من مصادر الدخل في الإسلام هو الغنائم ولقد كانت أعظم مصدر من مصادر الدخل يوم كان علم الجهاد في سبيل الله قائماً، والفتوح تتوالى إثر الفتوح، واليوم يفقد المسلمون هذا المصدر بقعودهم عن الجهاد في سبيل الله، بل يفقدون ما في أيديهم من ديار وأموال‏.‏ ومع ذلك يردد غوغاؤهم بأن الجهاد فريضة يجب أن تلغى ليس فقط من واقع المسلمين بل ومن عقولهم وحسهم‏!‏‏!‏ ونظام الغنائم في الإسلام نظام مقنن أيضاً فيه نصوص واضحة جلية وقد اختلف المسلمون في عهد عمر بن الخطاب على أرض العراق الزراعية هل تقسم للفاتحين من جنود المسلمين حسب نصيبهم المقدر شرعاً أو توضع عليها ضريبة سنوية ويبقى فيؤها للمسلمين على مدار الزمن للإنفاق في عدة الحرب وتجهيز الجيوش‏.‏ واستطاع عمر رضي الله عنه ببصره الثاقب، واجتهاده الموفق إقناع المسلمين بإبقائها دون قسمة وفرض ضريبة سنوية عليها وهذا ما عرف باسم الخراج‏.‏

ولا شك أن ستوجد مثل هذه الغنائم في حالة محاولة المسلمين استرداد أرضهم وأموالهم وشرفهم في فلسطين، ولا بد أن ينشأ لذلك اجتهاد لوضع هذه الأموال مواضعها، وتصريفها حسب مصارفها الشرعية، وهذا كائن لا محالة بإذن الله لأنه مقتضى وعد الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يخبر به عن الله تبارك وتعالى ‏{‏والله لا يخلف الميعاد‏}‏
ولا يمكن بالطبع الفصل في كل هذه القضايا برأي الحاكم الفرد بل هذا الأمر متروك لأهل الشورى من المسلمين‏.‏

رابعاً‏:‏ الصدقات‏.‏‏.‏

الزكاة فريضة إجبارية تخرج على كل حال وأما الصدقات فنعني بها هنا التطوع الاختياري ببذل المال في سبيل الله وهذا متروك لتقوى المسلمين واختيارهم في الأحوال العادية، فالأوقاف، والصدقات الجارية وجعل حصة معلومة من المال بعد الموت إلى بيت مال المسلمين كل ذلك ساعد قديماً على نشر العلم، ورفع علم الجهاد في سبيل الله وبالتالي في نهضة المسلمين وتقدمهم، ولكن هذه الصدقة تصبح إجبارية إلزامية في أحوال الأزمات والحروب، فللدولة في الإسلام أن تفرض فريضة إجبارية إلزامية في أموال المسلمين وذلك في أوقات المجاعات والحروب، وهذه الفريضة بالطبع لا تخضع لاجتهاد الحاكم وحده، بل لا بد أن يشارك في تقديرها علماء الأمة وأهل الرأي فيها، ومن المفروغ منه أنه لا يجوز فرض مثل ذلك إلا في حالة عدم وفاء المصادر السابقة وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏[‏لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه‏]‏‏.‏

خامساً‏:‏ الضرائب

المصدر الخامس والأخير من مصادر الثروة أو بيت المال في الإسلام هو الضرائب، والمعروف المشهور أن الضرائب أو ما تسمى في الفقه بالمكوس محرمة شرعاً لأنها أخذ للمال بغير رضى وطواعية‏.‏

ولكن بعض علماء السنة كان له نظر في ذلك بحسب المصالح فلم ير هذا الفريق من العلماء بأساً أن يفرض الحاكم ضريبة ما لسد ثغرة من الثغور في قيام الأمة ونهوضها كالحرب والتعليم والطرق‏.‏ وفسر المكوس المنهي عنها شرعاً بالمكوس التي تؤخذ من الناس على وجه الظلم ولا يعود على دافعها من نفع منها، أما ما يأخذه الحاكم المسلم وينفقه في مثل الوجوه السابقة من ميزانية الحرب والتعليم والصحة وغير ذلك فإنه يعود بالنفع على مجموع الذين دفعوا هذه الضرائب والمكوس‏.‏

والفرق بين الضرائب والصدقات المفروضة أن الضرائب تفرض في الحالات العادية، وأما الصدقات المفروضة فإنها تفرض في حالات الاستثناء فقط‏.‏

ولا شك أن تقدير هذه الضرائب يعود إلى رأي أهل الشورى من المسلمين‏.‏

وجوه الصرف في النظام المالي الإسلامي‏

المصادر السابقة للدخل بعضها قد حدد له سلفاً الوجوه التي ينفق فيها وذلك بنصوص شرعية واضحة‏.‏ فالزكاة قد حددت مصارفها من قبل الله تبارك وتعالى، وكذلك الغنائم فصلت قسمتها، وهناك مصادر أخرى يحدد مصارفها الضرورة والحاجة‏.‏ فالصدقات في الضرورات كالأزمات والحروب والضرائب في حاجات الأمة المختلفة‏.‏ وإذا كان هذان المصدران محتاجين إلى موافقة الأمة المتمثلة في أهل الشورى لإقرارهما‏.‏ فإن الصرف أيضاً يحتاج إلى تقدير الأمة وإشرافها‏.‏

والمصارف السابقة المحددة بنصوص قابلة هي الأخرى للاجتهاد والرأي من وجهين‏:‏

الوجه الأول‏:‏ تقدير حاجة كل قسم من الأقسام التي تصرف فيها الزكاة وإعطاؤه حسب الدخل الحاصل من هذه الفريضة‏.‏ فالفقراء والمساكين والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، والرقاب والغارمون وأبناء السبيل والإنفاق في سبيل الله العام‏.‏ كل قسم من هذه الأقسام يحتاج أن تقدر له حاجته حسب دراسة منظمة وتقدير صحيح‏.‏

وأما الوجه الثاني‏:‏ فهو أن بعض هذه الأقسام المنصوص عليه شرعاً قد نضطر إلى الاستغناء عنه فترة ما لأنه لا يوجد مثلاً، أو لا فائدة في وقت ما من القسم له‏.‏ ولذلك منع عمر بن الخطاب رضي الله عنه العطاء لمن أعطاهم الرسول تأليفاً لقلوبهم كالأقرع بن حابس وعيينة بن حصين الفزاري محتجاً أن ذلك وقد كان في المسلمين ضعف، وأن الآن فقد أغنى الله المسلمين عنهم‏.‏ وأعز الإسلام‏.‏ فإما ثبتوا على الإسلام، وإلا فالسيف حكم‏.‏

والعجيب أن الإمام أبو حنيفة أفتى بأن سهم المؤلفة قلوبهم قد انقطع بإعزاز الله للإسلام، واستدل بفعل عمر هذا، ولم يجعل هذه المسألة من مسائل الوقت والظروف، وفي هذا نسخ الآية من القرآن باجتهاد صحابي، وهو أمر مرفوض، والحق الذي لا مراء فيه إن شاء الله وهو ما قرره الإمام الشوكاني وغيره حيث قال‏:‏ ‏"‏والظاهر جواز التأليف عند الحاجة إليه، فإن كان في زمن الإمام قوم لا يطيعونه إلا للدنيا، ولا يقدر على إدخالهم تحت الطاعة إلا بالقسر والغلب فله أن يتألفهم ولا يكون لفشو الإسلام تأثير لأنه لم ينفع في خصوص هذه الواقعة‏"‏‏.‏

وهذا ما ارتضاه أيضاً الشيخ رشيد رضا رحمه الله حيث أورد القول السابق وعقب عليه بقوله‏:‏ ‏"‏وهذا هو الحق في جملته، وإنما يجيء الاجتهاد في تفصيله من حيث الاستحقاق، ومقدار الذي يعطي الصدقات، ومن الغنائم إن وجدت، وغيرها من أموال المصالح والواجب فيه الأخذ برأي أهل الشورى كما كان يفعل الخلفاء في الأمور الاجتماعية، وفي اشتراط العجز عن إدخال الإمام إياهم تحت طاعته بالغلب نظر فإن هذا لا يطرد بل الأصل فيه ترجيح أخف الضررين، وخير المصلحتين‏"‏‏.‏

وخلاصة الأمر أن النظام المالي في الإسلام خاضع كلية للشورى في الإسلام‏:‏ أما من حيث الإشراف والمراقبة أو من حيث تقدير الضرورة والحاجة والمصلحة في تشريع مصادر إضافية لجمع المال كالصدقات والضرائب أو من حيث تقدير حاجة كل قسم وهذا ميدان عظيم من ميادين الشورى في الإسلام‏.‏

بقي أن أسجل في نهاية هذا الفصل أن أمم الغرب -وهذا من أسباب رقيها الدنيوي وتغلبها علينا- وقد طبقت جوانب هامة من هذا النظام من حيث الأخذ بحكم الإسلام في الركاز وجعل هذا ميداناً للعمل الحر والشركات الأهلية التي تفرض الدولة عليها ضريبة للدخل تقارب كما قلت ما نص عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وبذلك استطاعت هذه الشركات الأهلية أن تنمي مصادر دخلها، وأن تعزز ميزانية دولها، والاستعمار الاقتصادي الذي نعاني منه الآن إنما هو استعمار لشركات أهلية أجنبية وليس لحكومات أجنبية‏.‏ ولذلك فإني أوصي في هذا المقام أن ترفع الدول الإسلامية يدها عن كل أنواع الركاز، وتطرح هذا للشركات الأهلية الإسلامية وستستطيع أي شركة ناجحة أن تقوم مقام الشركات الأجنبية فالخبرة البشرية تشترى وكذلك المعدات والآلات، والمال نملكه والحمد لله، وستستطيع هذه الشركات الأهلية الإسلامية -إن وجدت- أن تستخرج أعظم ثروة وهي البترول من أرضنا، بل وستجد لها مجالاً في بلاد أخرى للتنقيب عن البترول والمعادن‏.‏

يتبع >

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 02-11-2006 الساعة 01:40 PM
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 02-11-2006, 01:25 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

< تابع >

خامساً‏:‏ رقابة الحاكم وتسديده‏

الميدان الخامس لعمل أهل الشورى هو رقابة الحكم وتسديد الحاكم فالحاكم في الإسلام ليس حاكماً مطلقاً ولكنه حاكم مقيد بدستور الشرع ونصوص الكتاب والسنة، وقد أعطى الله سبحانه وتعالى لكل مسلم حق الإنكار للمنكر سواء صدر هذا من عامة الناس أو خاصتهم فالقائد والإمام في الإسلام معرض للنقد والإنكار عليه متى خالف نصاً من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وإذا كانت الدساتير في عهود الظلم والجاهلية قد جعلت ذات الحاكم فوق النقد، وجعلت من تعرض لنقده كأنما تعرض لنقد الدولة وقدسية النظام، وبهذا جعل الأمراء والحكام والملوك آلهة تعبد من دون الله سبحانه وتعالى، فالذي يحكم ولا معقب لحكمه هو الله والذي لا يسأل عما يفعل هو الله سبحانه وتعالى وذلك أنه العليم بكل شيء وأما غيره فمعرض للخطأ والزلل والغفلة بل وللهوى والميل مع المصلحة، وقد عجبت أشد العجب عندما ناقشت بعض المتحمسين للإسلام والذين يؤلفون جماعات للدعوة إذ وجدت آراءهم ومعتقداتهم في أنفسهم أنهم فوق النقد، وأن نقدهم إنما هو نقد للنظام ذاته أي للإسلام نفسه‏.‏‏.‏ إن فهمكم هذا لا يختلف عن فهم سدنة الحكم الجاهلي في أشد عهود الطغيان تسلطاً وقهراً‏.‏ فإذا كان ذواتكم هي ذوات النظام والنظام عندكم هو الإسلام نفسه لأنكم تدعون السير على هداه إذن أصبح النقد لكم كفراً بالله تعالى لأنه اعتراض على تشريعه‏.‏‏.‏

وماذا تعترفون أنتم بهذا الفهم عن حكم طغياني أن يقول للناس كما قال فرعون ‏{‏ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد‏}‏
لقد امتاز الإسلام عن جميع مذاهب الأرض أنه جعل كلمة الحق والصدع بها حقاً لكل مسلم بل واجباً على كل مسلم بل كان مما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم به العهد على بعض أصحابه ‏[‏أن يقولوا الحق لا يخافون في الله لومة لائم‏]‏ قالوا‏:‏ الحق لنا يجب أن يقال سراً خوف الفتنة ولغيرنا لا بأس أن يقال جهراً‏.‏ قلنا كلامكم هذا هو الفتنة‏.‏‏.‏ لقد دعا عمر الناس إلى قول الحق له وذلك عندما قيل له‏:‏ اتق الله‏.‏‏.‏ قال‏:‏ لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها وقال أبو بكر في خطبة العرش ‏"‏أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم‏"‏ فنبذ الطاعة حال معصية الإمام حق للأمة‏.‏ وقال عمر‏:‏ ‏"‏إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني‏"‏ ولم يقل فانصحوني سراً‏.‏‏.‏ حتى لا تقتلوا النظام ولا تهدموا الإسلام‏.‏ فأنتم بالله خير أم عمر‏؟‏ أم أبي بكر‏؟‏ ولقد كان الخير في الأمة عندما كانت النصيحة جهراً، فلما آلت إلى السرية والاستخفاء، فسد الناس أمراء وعامة وليس هذا مجال تفصيل هذا الأمر‏.‏ والمهم هو أن نعلم أن حق الإنكار على الحاكم حق لكل مسلم بل هو واجب على كل مسلم يعلم أن ثم منكراً أظهره أمير فعليه بيانه، وبذلك تستقيم أمور شرعية ويستقيم الحاكم لأنه سيخاف الفضيحة والنقد وأما إذا آلت الأمور إلى السرية والمداراة فسدت النفوس وحلت الموعظة واستشرى الشر ووجد الاستبداد‏.‏

وإذا كان التقويم والتسديد للحاكم حقاً بل واجباً على كل مسلم كان وجوبه على أهل الشورى ألزم وأحرى فهو المفوضون من الأمة المؤتمنون من الحاكم، ولذلك فإن حق التسديد والتقويم واجب يفرضه الالتزام بالدين ويفرضه أيضاً التفويض من الأمة، والإستئمان من الحاكم فهو واجب مثلث أو قيل هو واجب من ثلاث جهات من الله الذي أخذ العهد على أهل العلم بالبيان وعدم الكتمان ومن الأمير الذي ائتمن أهل الشورى على تقويمه وتسديده، ومن عموم الناس الذين فوضوا في شؤونهم أهل الشورى‏.‏

وإذا كانت الدول التي تدعي الديمقراطية قد أعطت النائب في البرلمان أو مجالس الأمة حقاً خاصاً سمي بالحصانة أي براءة الذمة والحماية لقول كلمة الحق‏.‏ فإن الإسلام قد أعطاها لكل مسلم، فكل مسلم في ظل نظام إسلامي صحيح يحمل هذه الحصانة وهي براءة ذمته من الدخيلة والتهمة حتى يثبت عكس ذلك، وحمايته ليقول كلمة الحق‏.‏ فكلمة الحق فرض على كل مسلم، ولا تتم هذه الكلمة إلا بحماية وأمانة وأمن، وقد تقرر في أصول الفقه إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، إذاً يجب على الحاكم المسلم أن يؤمن الحصانة والحماية وبراءة الذمة لكل مسلم ليقول كلمة الحق وذلك أن قول كلمة الحق واجب أوجبه الله عليه ولا يتم هذا الواجب إلا بهذه الحماية فيجب أو توجد الحماية والحصانة‏.‏

وإذا كانت هذه النعمة قد سلبها المسلمون مثلما سلبوا كثيراً من النعم بتهاونهم وتفريطهم فإنها قد أسهمت إسهاماً كبيراً في إطالة ليلهم وإبعاد نهارهم‏.‏ فمن تشرق عليهم شمس الحرية‏؟‏ فيقول أحدهم كلمة الحق يبذلها الصغير للكبير، والمحكوم للحاكم‏.‏‏.‏‏؟‏ وما أرى هذا الليل زائغاً سريعاً وذلك أن كثيراً من المقلدين الجامدين قد زيفوا مفهوم الطاعة في الإسلام فجعلوها طاعة عمياء خرساء فقد رددوا ‏[‏اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد‏]‏ دون فهم ودون وعي، وحجبوا نصوص الطاعة عن نصوص التقويم والتسديد والنصح فخلقوا الاستبداد والطغيان بل أن كثيراً من المتحمسين للإسلام الذين زعموا الدعوة إلى الله وكونوا الخلايا والتنظيمات أمروا الأتباع بالسمع والطاعة، بلا مناقشة وفهم واسلطوا عليهم سيفاً أسموه مصلحة الدعوة وسرية الحركة، وقادوهم في هذه العماية إلى التهور تارة والإنجحار تارات ثم إلى التمزق والضياع، ولو كانت هناك أعمال تحت الشمس وفي وضح النهار أقول لو كانت هناك نصح وتناصح وتربية على الصدع بكلمة الحق وعلى النقد البناء لجنبوا الدعوة المزالق والتبدد والضياع‏.‏ ولذلك فإن الليل ليل المسلمين سيطول حتى تنشأ أجيال تتعلم الصراحة والوضوح وكلمة الحق لا تخاف في الله لومة لائم‏.‏ ولم أر في حياتي كلمة حق واحدة علنية أعقبت فتنة أو عطلت مصلحة‏؟‏ ولكنني وجدت أن إخفاء النصيحة والضيق بها يولد قالة السوء في السر ثم يولد الجيوب التي تعمل في الخفاء ثم ينتج الضياع والتمزق‏.‏ فمن يقدر من قادة المسلمين قيمة الكلمة الطيبة والنصيحة الخالصة العلنية فيقبلوها من قائلها لا يهابون ولا يخافون‏.‏

وإذا كان الإسلام قد أعطى كل فرد في الجماعة الإسلامية حق النصح والتقويم والتسديد لقائده وأميره، فإن هذا الحق بل الواجب في ذمة أهل الشورى وهم أهل الحل والعقد أشد وجوباً ولزوماً لأن هذا جزء من مهمتهم الأساسية التي رشحوا من أجلها‏.‏

وغير خاف أن إعطاء الحصانة للنائب عن الأمة في النظام الديمقراطي مفخرة لهذا النظام يجب أن نعترف بها، ويجب أيضاً أن نعترف أن التطبيقات السيئة لنظام الإسلام في الحكم قد حجبت طويلاً كلمة الحق عن الظهور وهذه التطبيقات السيئة ليست حدثاً شاذاً للأسف وإنما مرت عبر عصور طويلة ما زالت إلى يومنا هذا حتى أن كثيراً من المنتسبين للإسلام لا يفهم من قيام دولة للإسلام إلا القتل والصلب ومنع الرأي المخالف‏.‏ وهذا خطأ في الفهم‏.‏

ونحن إذ نعترف بأن الإسلام قد أعطى الحماية والحصانة لكل فرد في الأمة أن يقول كلمة الحق التي يراها ويظنها حقاً، فإنما نعترف بشيء واقع في الإسلام قدمنا عليه الأدلة والبراهين ولا يوهن هذا الحق سوء التطبيق في عصور التسلط والقهر‏.‏

وعلى هذا فأي مجلس شورى في ظل نظام إسلامي صحيح ستكون إحدى مهامه الرئيسية تقويم الحاكم ونصحه وإرشاده، كما كان لها من قبل توليته وعزله وإلغاؤه‏.‏ ولذلك فالحاكم نائب عن الأمة في تنفيذ حكم الله سبحانه وتعالى التي اختارته وهي التي تملك عزله‏.‏ وهي التي وكل إليها تقويمه إذا حاد، وتسدده إذا أخطأ‏.‏

وليس الحاكم في الإسلام نائباً عن الله -حاشا وكلا- ولو كان ذلك صحيحاً لكان منصوصاً عليه من الله بأن فلان قد اخترته لكم فاسمعوا وأطيعوا وذلك كما تقول الشيعة بأن الإمام لا بد وأن يكون منصوصاً عليه من الله، ولذلك اعتقدوا في الأئمة النصحة وأنهم لا يقولون خطأ أبداً، وأما عند أهل السنة قاطبة فالإمام نائب الأمة وهو يصيب ويخطيء الأمة هي التي تملك توليته وهي تملك عزله، ويجب عليها وجوباً شرعياً نصحه وتسديده وتقويمه‏.‏ وفي هذا الإطار عليهم له حق الطاعة ما دام لم يأمر بمعصية ولم ينه عن طاعة‏.‏

وبهذا نعلم أن من الواجبات الأساسية لمجلس شورى في ظل نظام إسلامي نصح الحاكم وتسديده وهو واجب القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏.‏

سادساً‏:‏ بحث أحكام المعاملات الحادثة‏

في كل يوم تستجد للناس معاملات وأقضيات لم تكن في أسلافهم، وقد أتم الله سبحانه وتعالى دينه في حياة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا شرع إلا ما شرع، وبعض هذه المعاملات الحديثة قد يشتبه بما حرم الله أمثاله، فيخاف المسلم الوقوع في الحرام، ولذلك شرع لنا الاجتهاد لإلحاق كل معاملة بأصولها من الحل والحرمة‏.‏ فالأطعمة والأشربة التي تتصف بما حلل الله من الطيبات وتلحق بالحلال والأطعمة والأشربة التي يتصف بالوصف التي جعله الله علة في التحريم كالخبث والإسكار فإنها تلحق بأصولها من الحرام‏.‏ والمعاملات التي غلب عليها التراضي والعدل ألحقت بالحلال، والمعاملات التي غلب عليها الغش والحيلة والحظ والغرر ألحقت بأصولها من التحريم‏.‏ وهكذا وهناك معاملات تنشأ يشتبه الحرام فيها والحلال فيغلب بعض الناس فيها الحلال لما فيها من الحل والخير ويغلب بعض الناس الحرام لما فيها من الحرام والشر وهكذا والوصول إلى الحكم الصحيح وخاصة في معاملات سيبنى عليها قضايا وحقوقاً واجب في ظل حكم إسلامي والحكم في الإسلام أصلاً هو حكم الله ولذلك كان المجتهد يجتهد إلى ما يظن أنه حكم الله وقد مضى هذا مشروحاً في أول بحث الشورى‏.‏

ولم يعرف تاريخ الإسلام ولا يجوز أن يعرف الوصول إلى الحكم الشرعي بطريق التصويت لأنه حكم الله سبحانه وتعالى لا يعرف بالكثرة أو القلة وإنما يعرف بالنص فإن لم يكن فبالاجتهاد كما مضى، وليست الأصوات والكثرة دليلاً على الحق في ذاته، ولذلك فلا يجوز قطعاً في التعرف على حكم شرعي أن نراعي فيه كثرة القائلين أو قلتهم، وإنما الإجماع فقط جعل حجة شرعية لأن الأمة كلها يستحيل أن تجمع على الباطل فإن الله قد عصمها من ذلك ولو هذه العصمة لما كان هذا محللاً ولكن الله لم يعصم الكثرة من الوقوع فيه، بل قد يكون الباطل مع الكثرة والحق مع القلة ولهذا أمثلة كثيرة‏.‏

والحاكم المسلم سيحتاج في الوصول إلى أحكام شرعية في معاملات كثيرة كثر فيها الرأي والخلاف‏.‏ والطريقة لمعرفة الحق والصواب في هذا الأمر إنما هو الاجتهاد ولا بد أن يكون مجتهداً لأن الاجتهاد شرط من شروط صحة الإمامة العامة، فالإمام العام لا يكون مقلداً قط اللهم في حالات الضرورة والقهر، ذلك يكون كالميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح لغير الله يؤكل ذلك كله اضطراراً‏.‏ وكذلك يذعن لحكم المقلد اضطراراً لا اخياراً وقد أخطأ خطأ فاحشاً من قاس حالات الضرورة على حالات الاختيار والشورى والمهم أن الحاكم المسلم بصدد الوصول إلى حكم شرعي لحادثة أو معاملة جديدة سيجتهد، ومن أركان هذا الاجتهاد أن يسأل أهل العلم، وأهل الشورى هم أهل العلم أو أهل العلم يجب أن يكونوا أهل شورى، وكذلك كان القراء وهم الحفاظ الفقهاء هم أصحاب الشورى في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏.‏ وبسؤال أهل العلم يصل الحاكم أو الأمير إلى ما يظن أنه حكم الله في هذه الحادثة أو المعاملة الجديدة‏.‏

وهكذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا نزل به الأمر لا يعرف حكمه بالنص من الكتاب والسنة جمع له المهاجرون فسألهم ثم الأنصار فسألهم فيما كان عند أحدهم من نص حكم به، فإن اجتمعوا على شيء قضى به‏.‏ فإن اختلفوا اجتهد رأيه رضي الله عنه‏.‏ وهذا هو المسلك الصحيح في الوصول إلى الحكم الشرعي‏.‏ الحكم بالنص فإن لم يكن فالحكم بإجماع أهل الفضل والعلم في الأمة فإن لم يحصل اجتهد الإمام رأيه ونسب القول إليه فيقال حكم عمر في هذه المسألة بكذا وقضى فيها بكذا‏.‏

وذلك حتى يكون لمن بعده الاختيار في نقض هذا الحكم إذا خالف الحق أو حدثت منه مفسدة أو وجد الخير بخلافه‏.‏

وسيأتي تفصيل طريق الوصول إلى الحكم الأخير في الشورى في الفصل الخامس بذلك إن شاء الله تعالى والمهم هنا أن نعلم أن من مهمات الشورى‏.‏ إبداء الرأي فيما يجد من معاملات وأقضيات وحوادث لاستنارة الإمام وتوجيهه إلى الرشد‏.‏

خلاصة‏‏

مر بك الآن ستة ميادين يعمل فيها رجال الشورى هي باختصار تولية الإمام الكفء وعزله بشروط في ذلك موضحة في كتب السياسات ونصح الإمام وتسديده وتقويمه عند الميل والانحراف‏.‏ وكذلك تنظيم نظام المال ووضع كل شيء منه في نصابه حتى أن راتب الإمام لا يعنيه إلا أهل الشورى، فلم يعين راتب أبي بكر وعمر إلا أهل الشورى من المسلمين فانظر كيف يستبد الملوك والرؤساء والأمراء اليوم بالمال العام ويفرضون لأنفسهم وذويهم منه ما يشاؤون ويحرمون منه من شاؤوا وكل ذلك باسم الإسلام وتحت ظله‏.‏

وكذلك فمن مهمة رجال الشورى بحث الأوليات في تطبيق حكم الإسلام وذلك للظروف الطارئة على بلاد المسلمين وتغيير أنظمتهم بأنظمة كافرة بل وجميع أوضاعهم الاجتماعية والتعليمية والخلقية ولا بد به الشورى لبحث أهم الأعمال والقرارات بالبدء في التنفيذ‏.‏

وكذلك فأهل الشورى هم مخططون سياسة الأمة حالة سلمها وحربها فتنظيم السياسة الخارجية للأمة من مهمات الشورى‏.‏

وأخيراً فالإمام يسترشد بأهل الشورى آرائهم في الوصول إلى الحكم الشرعي للمعاملات الحادثة والقضايا الجديدة

أهل الشورى وطرق معرفتهم

من التعرف على مجالات الشورى في الصفحات السابقة نحكم بأن الذين يتولون مثل هذه الأمور التي يتوقف عليها مصلحة الأمة في دينها ودنياها لا بد وأن يكونوا على مستوى هذه المسؤولية لقول الله تبارك وتعالى ‏{‏إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها‏}‏ والشورى أمانة عظيمة فيجب أن تسند إلى أهلها الذين يقومون بها على وجه حسن ونعلم أيضاً أنه لا بد وأن يكونوا حائزين على ثقة الناس وحبهم واحترامهم حتى تكون آراؤهم وقراراتهم مقبولة عند الناس‏.‏ ومعنى هذا أنه لا بد من توفر شرطين فيمن يجعلون أهل الشورى، وهو العلم والقبول عند الناس‏.‏

وإذا تتبعنا وقائع الشورى في المجتمع المسلم الأول في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلافة الراشدة، وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور في الأمور العامة التي تخص الناس جميعاً كما فعل في بدر شاور الناس كلهم وخاصة الأنصار الذين أخذوا عليهم العهد في العقبة على النصرة، وذلك ليتأكد لديه إن كانوا سينصرونه خارج المدينة أم لا‏.‏ ولذلك تكلم عنهم سعد بن معاذ وكان سيد الأوس رضي الله تعالى عنه فقال خطبته المشهورة‏.‏

وكذلك في أحد استشار الناس جميعاً في الخروج أو البقاء لأن الأمر يهمهم جميعاً وأشار عليه البعض بالخروج والبعض بالبقاء وكان عامة الرأي على الخروج فخرج وإن كان ذلك مخالفاً لرأيه صلوات الله وسلامه عليه‏.‏

واستشار السعدين فقط في مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة ليرجعا بقوميهما وذلك في غزوة الأحزاب، وسر اختصاصه السعدين سعد بن معاذ وسعد بن عبادة بذلك أن الأمر يخص الأنصار لأنهم أصحاب الثمار في المدينة، والسعدان هما رؤساء الأوس الخزرج فهم النواب عن قومهم‏.‏ ورفضا رضي الله عنهما الصلح ومزقا كتابه فأقرهما الرسول صلى الله عليه وسلم، رجع عن رأيه‏.‏

واستشار الناس جميعاً في شأن من سبوا زوجته عائشة رضي الله عنها وكان ذلك في المسجد وقال‏:‏ من رجل يعزرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي‏.‏ واستشار علياً وأسامة بن زيد فقط في شأن فراق عائشة بعد أن قال أهل الإفك فيها ما قالوا وذلك أنهم الصق الناس ببيته واعلم بمن يخرج ويدخل‏.‏ وأما حوادث استشارة الخلفاء بعده فمعروفة مشهورة بكليتها كذلك على نحو هديه صلوات الله وسلامه عليه‏.‏ فأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه استشار الناس في حرب فارس والروم وكذلك فعل عمر بن الخطاب واستشاروا أيضاً في اختيار الأمراء وقسمة الأرض وتولية الخلافة، واستشار عبدالرحمن بن عوف الناس جميعاً حتى النساء والعامة في أيهم يختارون للخلافة عثمان بن عفان أم علي بن أبي طالب وحوادث الشورى في عهدهم كثيرة مشهورة‏.‏ ومن هذه الحوادث يتجلى لنا الحقائق التالية‏:‏

1- أن أهل الشورى هم عموم الناس إذا كان الأمر سيتعلق بعمومهم كاختيار الخليفة والحاكم وإعلان الحرب فهذه الأمور العامة لا بد فيها من رأي عام وموافقة عامة لأن الاختيار هنا هو لعموم الناس فالحاكم نائب عن الناس في تولي أمورهم وتسيير قضاياهم، ولذلك لا نولي إلا من يجوز ثقة عامتهم ولذلك قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه للأنصار لما رأوا أنهم أولى الناس بالخلافة لأن المدينة عاصمة الخلافة هي دارهم قال لهم‏:‏ ‏"‏إن الناس لا تذعن إلا لهذا الحي من قريش‏"‏ أي أن عموم الناس لا يرضون أميراً إلا إذا كان قريشياً لأنهم أشرف العرب نسباً وأوسطهم داراً، وليس لهم عند أحد من العرب ثارات قديمة وأما الأنصار فلم يكونوا كذلك بل أن الأنصار لا يرضى بعضهم إمامة بعض فالأوسي لا يرضى بإمامة الخزرجي لما كان بينهم من ثارات قديمة‏.‏ ويعني هذا أن الإمام العام لا بد وأن يستشار فيه عموم الناس ولا بد أن يرضى عنه جمهورهم وأغلبيتهم‏.‏

يتبع >

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 03-11-2006 الساعة 03:26 AM
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 03-11-2006, 03:11 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

> تابع >

2- وأما الأمور الخاصة فيستشار فيها أهل هذه الخصوصية وأهل العلم والدراية بها‏.‏ ففي تنفيذ الأعمال العسكرية يستشار أهل الرأي في ذلك وفي الأعمال الصناعية أهل الخبرة فيها وهكذا‏.‏

3- وفي سياسة الأمة وإدارة شئونها بوجه عام فمجلس شورى يختلف من أهل العلم والرأي من المسلمين بشروطه السابقة بعلم ورضى الناس عنهم ولذلك كان القراء أصحاب مشورة عمر رضي الله عنه كهولاً كانوا أو شباناً ‏(‏البخاري‏)‏ وكان أهل بدر لأنهم السابقون إلى نصرة الإسلام، هم أهل الحل والعقد وأهل الشورى كما نص علي بن أبي طالب عندما جاءه من يبايعه بعد مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ ‏"‏ليس هذا لكم إنما هو لأهل بدر وأهل الشورى فمن رضي به أهل الشورى وأهل بدر فهو الخليفة فتجتمع وتنظر في هذا الأمر‏"‏‏.‏

هل يشرع الانتخاب لمعرفة أهل الشورى‏

بعض الناس الذين لم يستطيعوا التفريق بين الأمور التعبدية والقرب العبادية كالصلاة والصيام والحج يظن أن الأمر في السياسات الشرعية وأنظمة الحكم وشئون المعاملات المختلفة لا بد وأن يكون فيه نص شرعي أو سابقة في عهد الخلفاء ليصبح مشروعاً ويستدل في مثل هذه الأمور خطأ بقول الرسول صلى الله عليه وسلم ‏[‏من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد‏]‏ فيجعل حكم العبادات والقرب هم حكم المعاملات‏.‏ وهذا خطأ قد بيناه في صدر هذا البحث وقد قلنا آنفاً أن أوامر الشورى في الإسلام قد جاءت عامة مرنة لم تلزم المسلمين بعدد معين لرجال الشورى، لا بطريقة بعينها لكيفية اختيارهم، ولا بنظام خاص للاقتراع بينهم، بل أمرت هذه النصوص الحاكم بالشورى، والتزمت المسلمين أن لا يصدروا في جميع أمورهم إلا عن الشورى كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأمرهم شورى بينهم‏}‏ أما كيفيتها وتنظيمها فقد وكل هذا إلى عرف الجماعة ومستواها، وظروفها في العصور المتعاقبة‏.‏

ولذلك فإن من قال أن الانتخاب ليس نظاماً إسلامياً لأنه لم يأت به دليل شرعي فهو جاهل بالفروق بين المعاملات والعبادات‏.‏

وإذا نظرنا إلى فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وجدناه أنه يستشير الشيخين أبي بكر وعمر كثيراً بل ويقول لهما‏:‏ ‏[‏لو أجمعتا في رأي ما خالفتكما في رأي ما خالفتكما‏]‏ ويستشير السعدين أحياناً كما فعل في غزوة الأحزاب ومصالحة غطفان، ويستشير الأنصار في بدر‏.‏

ويستشير الناس عامة في أحد، ويستشير علياً وأسامة في فراق عائشة في حادثة الإفك وهكذا‏.‏

ولقد اعتبر أهل بدر بعد ذلك رجالاً للحل والعقد ولم يقطع أمر في زمن الخلفاء إلا بمشورتهم وكان هذا انتخاباً طبيعياً لهم، فالرجال الذين لم يجبنوا في لقاء كبدر لا بد وأنه يكونوا أهل ثقة المسلمين جميعاً ومحل احترامهم وتقديرهم بعد أن كانوا محلاً لرضى الله حيث قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏وما يدر بك أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم‏]‏‏.‏

ثم كان قراء القرآن وحفاظه والعالمون به بعد ذلك هم أهل الشورى، فالبخاري يقول في صحيحه‏:‏ ‏"‏وكان القراء أهل مشورة عمر كهولاً كانوا أو شباباً‏"‏، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏[‏إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع آخرين‏]‏ فهؤلاء العلماء بكتاب الله دفعهم إلى منزلة الشورى علمهم وسبقهم‏.‏

وحقيقة أنه لم يحصل في العصور المتتالية للإسلام انتخاب لمجلس شورى، وذلك أن المستشارين بالفعل لو كان انتخاب ما نجح غيرهم فعلمهم وسابقتهم في الإسلام، وجهادهم في سبيله أهلهم بطبيعة الأمور لتلك المنزلة وهذه المكانة‏.‏

ولا ينافي هذا إشراك الأمة في اختيارهم فالحاكم الآن لا يستطيع بمفرده الوصول إلى خيار الناس وفضلائهم وأهل الخبرة فيهم‏.‏

ولا ينافي الإسلام أيضاً أن يكون للحاكم حق في اختيار عدد محدود من الأفراد ليكون من رجال الشورى وأهل الحل والعقد فيهم‏.‏ وسلب هذا الحق منه إذا وجد أن المصلحة في ذلك ليست أيضاً باطلة شرعاً‏.‏ بل كل ذلك من المصالح المرسلة التي لم يأت الشرع بإلغائها ولا الالتزام بها‏.‏

فتفويض الأمة الكامل لانتخاب مجلس للشورى جائز شرعاً وجعل عدد محدود باختيار الإمام جائز شرعاً‏.‏ ويقدر هذه المصالح رأي الأمة وجمهوراً‏.‏ وللظروف والملابسات دخل عظيم في اختيار الأسلوب المناسب لتطبيق هذه الأحكام‏.‏

كيف نصل إلى الرأي الأخير في الشورى‏؟‏

السؤال الأخير في موضوع الشورى، هو‏:‏ كيف الوصول إلى الرأي الأخير في الشورى‏.‏ هل الإمام مخير في أن يقبل مذعناً لرأي أغلبيتهم أم له أن يرفض ذلك ويعدل إلى رأي القلة‏؟‏ وما يجب أن يلتزم بإجماعهم أم له أن يرفض رأياً أجمعوا عليه ويمضي ويحمل الأمة على رأيه هو وإن خالف هذا الإجماع‏.‏

في هذه المسألة نجد للباحثين المعاصرين والمحدثين من المسلمين آراء‏.‏

رأي يقول بأن الإمام مخير في قبول رأي الأكثرية من أهل الشورى أو رفض ذلك، والحكم الأخير له مطلقاً سواء وافق آراء الناس أم خالفها ويجب على الأمة -مع ذلك- السمع والطاعة له ما دام أن هذا اجتهاده ورأيه، بل لا يجوز له -في نظر هؤلاء- أن يذعن لآرائهم، وأن يرضخ لجمهورهم‏.‏‏.‏

ويرون أن الشورى بالنسبة للإمام ما هي إلا للاستنارة‏.‏ والتوضيح فقط‏.‏ فهي كما يقال إعلام للأمير لا إلزام‏.‏

ورأي آخر يقول بل الإمام في الإسلام ملزم برأي الأغلبية، ويجب عليه تنفيذ ما اتفقوا وأجمعوا عليه، ولا يجوز له أن يخالف جمهورهم ولذلك يقولون الشورى ملزمة للأمير لا معلمة له فقط‏.‏

ورأي ثالث يقول بل الأمر في ذلك حسب رأي الأمة إن رأت أن تجعل الأمر للأمير مطلقاً فعلت وإن رأت أن تقيده بآراء أكثرية المستشارين فعلت لأن الإمام نائب عن الأمة والأمر دائر على المصلحة فإن وجدت الأمة أن مصلحتها في تفويض الحاكم لكفاءته وظروف الناس كان لها ذلك، وإن رأت أنه يجب تقيد صلاحياته بإجماع أهل الشورى أو برأي أكثريتهم فلها ذلك أيضاً‏.‏

ونحن نناقش بحول الله هذه الآراء جميعاً فنعرض حجة كل فريق منهم وأدلتهم ونناقش هذه الأدلة ونرجح بالدليل الرأي الصواب بحول الله وقوته‏.‏

أولاً‏:‏ أدلة القائلين بأن الشورى معلمة فقط‏

استدل هؤلاء بالأدلة الآتية‏:‏

أ- قول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم ‏{‏وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله‏}‏ فأضاف الشورى للمسلمين، وجعل العزم -وقد فسروه بالرأي الأخير- للرسول وحده‏.‏ قالوا فهذا دليل على أن الاختيار إنما هو للأمير فقط‏.‏

ب- وأما الدليل الثاني فهو قولهم أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه استشار الناس في المرتدين وخالفته الأغلبية وقالت‏:‏ كيف نقاتل أقواماً شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله‏.‏‏.‏ فقال‏:‏ والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال‏.‏‏.‏ والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه‏.‏

وزعموا - فأذعن المسلمون لرأيه ونزلوا عند حكمه وحاربوا المرتدين وتركوا أقوالهم‏.‏

ج- وأما دليلهم الثالث فهو زعمهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع أشياء كثيرة برأيه ولم يقبل فيها آراء أصحابه‏:‏ كصلح الحديبية وقتال بني قريظة‏.‏

د- والدليل الرابع قولهم أن الحكم بالأغلبية نظام غربي ديمقراطي وليس نظاماً إسلامياً، فالقائلون بوجوب الأخذ برأي الأغلبية متأثرون -في زعمهم- بالنزعة الغربية التي تسود الآن المجتمعات الإسلامية‏.‏

هـ- وأما دليلهم الخامس فهو قولهم لو كان الحكم برأي الأغلبية شيئاً مقرراً في الشريعة الإسلامية لكان أحد بحوث الفقهاء ولحدد نصاب الشورى في الفقه ووضعت قوانينه ونظمه كما هي بقية بحوث الفقه‏.‏

و- إن الكثرة قد جاء ذمها في القرآن في آيات كثيرة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أكثر الناس لو حرصت بمؤمنين‏}‏ هذه الأدلة هي التي تذرع بها القائلون بأن الإمام في الإسلام غير ملزم شرعاً -بل ولا يجوز أن يلزم- برأي الأغلبية‏.‏

ولنناقش معاً هذه الأدلة لنرى هل هي أدلة صحيحة تقوم بها الحجة أم لا‏.‏‏.‏

أ- الاستدلال بالآية على المراد غير صحيح لأن الآية تلزم بوجوب الشورى ولا تنص على كيفية الوصول للرأي الأخير فالله يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وشاورهم في الأمر‏}‏ وهذا أمر من الله ظاهره الوجوب وإذا كان واجباً في حق الرسول فغيره أولى بهذا، ثم يقول له‏:‏ ‏{‏فإذا عزمت فتوكل على الله‏}‏ ولم يبن الله مستند هذا العزم والرأي الأخير الذي يكون عليه العزم هل هو رأي من استشارهم أم رأيه هو بل قال له‏:‏ ‏{‏فإذا عزمت‏}‏ أي على رأي ما ولم ينص ما هذا الرأي هل هو رأي الرسول نفسه بعد الشورى أو رأي من استشارهم‏.‏ ومن قال هنا أن العزم يكون على رأي الرسول الذي اختاره، ولو كان هو الرأي المخالف لرأي من استشارهم فقد تحكم على القرآن وقال فيه بغير علم وحمل الآية ما لم تحمل‏.‏

وقد فسر الرسول صلى الله عليه وسلم الآية عملياً عندما استشار أصحابه في أحد فأشار جمهورهم بوجوب الخروج للقاء العدو خارج المدينة مخالفين بذلك رأي الرسول صلى الله عليه وسلم ولما أخذ برأيهم خشوا أن يكونوا قد ألزموا الرسول بشيء يكرهه فأرادوا بعد أن لبس الرسول صلى الله عليه وسلم لأمة الحرب ودرعه أن يتنازلوا عن آرائهم فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏لا يحل لنبي أن يخلع لأمة الحرب بعد إذ لبسها حتى يفصل الله بينه وبين عدوه‏]‏ وهذا معنى‏:‏ ‏{‏فإذا عزمت فتوكل على الله‏}‏ أي إذا استقر الرأي على أمر فلا يجوز العدول عنه‏.‏

وبهذا يتبين أن هذا الدليل لا حجة فيه للقائلين بأن نص في أن الإمام مخير في الأخذ برأي الشورى أو رأي نفسه‏.‏

ب- وأما الدليل الثاني وهو الزعم بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ألزم المسلمين برأيه في حرب المرتدين فهو باطل كل البطلان لأن أبا بكر الصديق لم يلزم المسلمين بشيء على غير إرادتهم ولكنه رأي قتال مانعي الزكاة وإن صلوا وخالفه في هذا جمهور المسلمين كما سلف فناقشهم وأقنعهم أن الزكاة أخت الصلاة ومن منع الزكاة كمن منع الصلاة ولذلك يقول عمر رضي الله عنه وقد كان زعيم هذه المعارضة ‏"‏فوالله ما رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال حتى علمت أنه الحق‏"‏ فعمر اقتنع برأي أبي بكر قبل أن يعزم المسلمون على قتال المرتدين ثم جاء الحديث الصحيح الذي قال عبدالله بن عمر موافقاً لرأي أبي بكر وهو قوله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏[‏أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة فإن فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله‏]‏ ‏(‏البخاري ومسلم‏)‏ فالمسلم لا يأمن سيوف المسلمين بنص الحديث حتى يؤدي الصلاة والزكاة بعد أن يكون شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله‏.‏

ولما وضحت هذه الحجج للمسلمين أخذوا برأي أبي بكر الصديق عن اقتناع وإيمان ولم يكن إذعاناً لرأيه وهم مقتنعون بوجوب الطاعة للإمام فقط وإن خالفهم رأيهم‏.‏

ولو كان هذا واقعاً - لكان الصحابة آثمين أعني لو أن الصحابة رضوان الله عليهم أطاعوا أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهم يرون أن المرتدين لا يجوز قتالهم لأنهم مسلمون لكانوا آثمين أشد الإثم بل وعاصين لله لأنهم أطاعوا أميرهم في معصية عظيمة وهي قتل أناس مسلمين لا يجوز قتالهم‏.‏ فهل يريد أصحاب هذا الرأي أن يصفوا الصحابة بذلك‏؟‏

بالطبع لا‏.‏‏.‏ ولكن أوقعهم في هذا الخطأ الشنيع عدم سير الأمور سيراً حقيقياً وتعجلهم في إصدار الحكم والأخذ بظواهر ظنوها أدلة وما هي بأدلة‏.‏

ج- وأما الدليل الثالث وهو الزعم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل أشياء كثيرة بغير شورى كصلح الحديبية الذي كان على خلاف رأي الصحابة وقتال بني قريظة - فهو جهل فاضح أيضاً وقد بينت هذا في مقال طويل وذلك في معرض الرد على الأستاذ محمد سلامة الذي ادعى هذه الدعوى وخلاصة ذلك أن صلح الحديبية كان بأمر من الله تعالى بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر ‏[‏إنه ربي ولن يضيعني‏]‏، وأما غزوة قريظة فقد جاء في صحيح البخاري أن جبريل جاء قبل الظهر ليقول للرسول صلى الله عليه وسلم ‏[‏إن ربك يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة‏]‏‏.‏

ونحن نقطع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قطع في أمر ما من أمور المسلمين العامة إلا بوحي أو شورى بل قال أبو هريرة رضي الله عنه ‏"‏ما رأيت أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه‏"‏‏.‏

ولم يثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ برأي الأقلية في أي من الأمور التي شاور فيها أصحابه أبداً وسيأتي تفصيل ذلك لهذا الأمر عند بيان قول القائلين بوجوب الأخذ برأي الأكثرية‏.‏

د- وأما القول بأن الأخذ برأي الأكثرية نظام غربي وديمقراطي وليس من الإسلام هو خطأ من وجوه كثيرة‏.‏

أولاً‏:‏ أنه ليس كل شيء في النظم الغربية باطلاً ومخالفاً للإسلام بل بعض هذه النظم والقوانين لا تخالف الإسلام فكون الحاكم يجب أن يرضى عنه جمهور الأمة، لا ينافي الإسلام وهو أحد القوانين في النظم الديمقراطية وكذلك عزل الحاكم إذا أساء، ولا نستطيع أن نلغي مثل هذه القوانين من نظام الإسلام لأنها أصبحت جزءاً من النظام الديمقراطي‏.‏

ثانياً‏:‏ حصر عمر رضي الله عنه الحكم في ستة عندما فوضته الأمة في اختيار نائب له فأبى أولاً ثم رضخ بعد إلحاح لهذا ثم أخبر أنه إذا اجتمع أربعة على واحد وخالف اثنان فلا يعتد برأيهما فينصب خليفة للناس وإذا انقسم الستة إلى ثلاثة وثلاثة فعبدالله بن عمر مرجح لأحد الرأيين ولو كان الأخذ بقول الأغلبية منافياً للإسلام لما وافق الصحابة عمراً على رأيه هذا ولقالوا له‏:‏ لقد ابتدعت بدعة عظيمة في الإسلام فكيف يكون الاختيار بترجيح واحد أو بموافقة الأغلبية بل الأمر لك وحدك‏.‏

وإقرار الصحابة له وعدم وجوب مخالف في ذلك إلى يومنا هذا دل على أنه إجماع على أن نظام العدد والتصويت معمول به في شريعة الإسلام وفي سنة الراشدين‏.‏ وليس نظاماً غربياً كما يدعي المدعون، فليس رأي الأكثرية عورة يجب نزعها من الإسلام نزعاً ونسبتها للغرب‏.‏

هـ- وأما الحجة الخامسة وهي أن نظام العدد والتصويت لو كان من شرائع الإسلام لذكرته كتب الفقه، وحددت نصابه ونظامه فهو أيضاً قول مقذوف على عواهنه‏.‏ فكتب السير ذكرت حادثة عمر هذه وجعلت بيعة الإمام بموافقة أهل الشورى وجمهور المسلمين بل قال أبو بكر الصديق للأنصار يوم السقيفة ‏"‏إن العرب لا تجتمع إلا على هذا الحي من قريش‏"‏ أي أن جمهور العرب يجمعون ويجتمعون على قريش ولا يمكن أن يرضى جمهورهم عن أنصاري‏.‏

وسيأتي في بيان مسوغات الأخذ برأي الأغلبية أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما كان ليخالف جمهور مستشاريه قط بل أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليقول لأبي بكر وعمر ‏[‏ولو اجتمعتما على رأي ما خالفتكما‏]‏‏.‏

وإذا كانت كتب الفقه التي اهتمت بالفروع قد كتبت في عهود تعطل فيها العمل بالشورى في ظل أحكام أخذت الوراثة في الحكم، والاستئثار بالأمر دون المسلمين، فهل يكون هذا الواقع حجة في دين الله‏؟‏ إلا أنها حجة واهية‏.‏

و- وأما الحجة السادسة لأصحاب القول الأول وهي أن الكثرة قد جاءت مذمومة في القرآن في آيات كثيرة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين‏}‏ الآية في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله‏}‏ قالوا وزعموا‏:‏ ويؤخذ منها أن الكثرة على ضلال، وما دام الأمر كذلك فلا يؤخذ برأيهم ولا يحكم بحكمهم‏.‏

ولم أر قولاً في الباطل كهذا القول‏.‏ إذ هو إنزال للآيات في غير منازلها وتطبيق لها في غير واقعها‏.‏ فالكثرة المذمومة هنا هي كثرة الكفر والضلال لا مجموع الأمة وجمهور خيارها‏.‏

فالأمة بمجموعها معصومة عن الخطأ كما هو مقرر في أصول الفقه، وجمهور الأمة أقرب إلى الصواب من القلة في الأمور التي لا نص فيها فانظر كيف يستدل بالآيات في غير مواضعها، وتنزل على غير أحكامها ومنازلها‏.‏

وبهذا النقاش الموضوعي تتداعى تلك الحجج الوهمية التي تذرع بها من قال بأن الإمام في الإسلام غير ملزم برأي الأغلبية ومن قال أن اتباع رأي الأغلبية مناف للشريعة الإسلامية‏.‏

ولنأت الآن إلى نقاش أصحاب الرأي الثاني وهم القائلون بأن الشريعة الإسلامية توجب على الإمام الشورى، وتوجب عليه أيضاً الرضوخ لرأي جمهورهم والحكم مطلقاً بالرأي الذي يجمعون عليه وتتلخص حجتهم في الأدلة الآتية‏:‏

أ- حدوث وقائع كثيرة تدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن رأيه لرأي جمهور أصحابه، بل عدم ورود حادثة واحدة تدل على أن الرسول تمسك برأيه في أمر شورى أعني أمراً ليس موحى به‏.‏ وكذلك كانت سنة خلفائه الراشدين إنهم ما تمسكوا بآرائهم في وجه الشورى قط بل قضوا دائماً بالنص أو بما اتفق عليه جمهور الأمة‏.‏

ب- قالوا، لا فائدة من الشورى لو أن الأمير له الخيار بعد الشورى أن يختار ما يشاء ولو خالف إجماع أهل الشورى‏.‏

ج- قالوا‏:‏ إنه لو كان هذا مقرراً في الشريعة وهو أن الأمير غير ملزم إلا برأيه لكان هذا مدعاة إلى التسلط والقهر، وإلغاء لرأي الأمة، وإتلافاً لإجماعها وهي معصومة من الخطأ كما تقرر في الأصول، والأمير غير معصوم من الخطأ‏.‏ فكيف يحكم غير المعصوم على المعصوم‏.‏

يتبع >
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 03-11-2006, 03:19 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 2,083
افتراضي

< تابع >

د- قالوا‏:‏ لو فرضنا جدلاً أنه ليس في الشريعة الإسلامية ما يقرر بأن الأخذ بحكم الأكثرية واجب وقد اتفقنا على أنه ليس في الشريعة أيضاً ما يحرم ذلك‏.‏ فإن الأولى والأحرى أن نشرع ذلك الآن لأن المصلحة المرسلة تقتضي ذلك‏.‏

هـ- قالوا أيضاً يكفي الأمة ما لاقت من عصور الاستبداد وإبرام الأمور في غيبتها، وإهدار آراء علمائها وذوي الرأي فيها‏.‏

هذه هي أصول الأدلة التي استدل بها من يقول بأن الإمام في الإسلام ملزم برأي أغلبية مستشاريه‏.‏ ولمناقشة هذه الأدلة أيضاً نقاشاً موضوعياً‏.‏

أ- أما أن الرسول صلى الله عليه وسلم في أمور الشورى وهي غير الأمور التي جاء بها الوحي قد نزل عند رأي أصحابه ولم يخالف رأي جمهورهم قط‏.‏ فنعم‏.‏ فقد فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي أصحابه الذي استشارهم في بدر فقد وافق أبو بكر على لقاء نفير قريش وكذلك عمر، وقد ألهبت خطبة المقداد المشاعر، وقد سره جداً أن يكون رأي الأنصار كذلك وذلك في خطبة سعد بن معاذ الخالدة التي قال فيها ‏"‏والله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد‏"‏ ونحن نقطع الآن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أشير عليه بالرجوع لرجع إلا أن يكون في الأمر وحي من الله، ولو كان في بدر وحي لما استشار الرسول أصحابه ولقال لهم‏:‏ إن الله يأمركم بلقاء قريش الآن‏.‏

وكذلك في أحد رأينا أنه رضخ لرأي جمهور صحابته الذين تشوقوا للقاء العدو وإن كان هذا على خلاف رأيه، وهو يعلم مقدار الآلام التي ستتحملها الأمة فقد رأى في رؤياه أن بقراً تذبح وأن ثلماً في ذباب سيفه وقد أوله صلى الله عليه وسلم بقتل عدد من أصحابه وقتل رجل من أهل بيته‏.‏ ومع ذلك أذعن رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج‏.‏

وفي الخندق رجع عن رأيه لرأي السعدين‏:‏ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وذلك بعد أن كتب كتاباً مع رؤساء غطفان، وأقرهم على قطف ثمار المدينة ولكن أحد السعدين أخذ الكتاب ومزقه بل وبصق عليه وقال ‏(‏والله لا نعطيهم إلا السيف‏)‏ وهنا نجد أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أذعن لرأي مستشاريه وهم أصحاب الشأن في ثمار المدينة لأنهم رؤساء الأوس والخزرج‏.‏

وفي حصار الطائف أبدى رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبته في الرجوع عن حصار الطائف بعد مكث استمر كما قالت بعض الروايات أربعين ليلة وحصل للمسلمين في هذا الحصار بلاء شديد فقد قتل منهم رجال بالنبل، ولما استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم نوفل بن معاوية الديلمي فقال ما ترى‏؟‏ فقال له معاوية ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك‏.‏‏.‏ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمراً أن يؤذن بالرحيل فضج الناس وقالوا‏:‏ نرحل ولم يفتح علينا الطائف‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعدوا على القتال ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رأيه، ولكن بعد أن أصيبوا بجراحات أخرى من القتال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنا قافلون غداً إن شاء الله تعالى فسروا بذلك وأذعنوا وجعلوا يرحلون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ‏(‏انظر زاد المعاد ص197 ج2‏)‏ وفي هذا دليل ظاهر على نزوله صلى الله عليه وسلم عند رأي أصحابه وعدم إجبارهم عليه لأنه رأي وليس بوحي‏.‏

ومن تلك الوقائع كلها يظهر جلياً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يعدل عن رأي جمهور أصحابه قط بل قال صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر‏:‏ ‏[‏لو اجتمعتما على رأي ما خالفتكما‏]‏‏.‏

وكذلك كانت سيرة الراشدين رضي الله تعالى عنهم فإنهم ما حملوا الأمة على رأي كرهته قط، ولا خالفوا جمهورهم أبداً‏.‏ بل أن عمر كان يجمع المهاجرون للشورى فإن أجمعوا على رأي قضى به، وذلك كانت سيرتهم محمودة في أصحابهم، وإن كان أخذ على عثمان شيء فإنما هو لعدم الرجوع الدائم للأمة في بعض الشؤون وبذلك انتقضت عليه كثير من الأمور وظهر الإنكار عليه من كثير من الصحابة كعلي وعائشة رضي الله عنهما‏.‏

ب- وأما الأمر الثاني وهو أنه لا فائدة من الشورى لو أن الأمير له الرأي النهائي وإن خالف أكثرية الناس، فليس هذا الكلام صحيحاً بإطلاق، ولكنه صحيح من وجه‏.‏ ففائدة الشورى عندئذ هي تنوير الإمام ليس إلا، وهي بلا شك فائدة جزئية وهي تفيد مع أفذاذ من الناس يملكون البصيرة والخبرة والتقوى وقلما اجتمعت هذه الخصال في رجل، اللهم إلا رجلاً كأبي بكر وعمر وهيهات أن يوجد في الأمة مثال يقرب من ذلك فضلاً أن يكون مثله، فقد قال صلوات الله وسلامه عليه‏:‏ ‏[‏وزنت بالأمة فرجحت، ووزن أبو بكر بالأمة لست فيها فرجح، ووزن عمر بالأمة لست فيها وأبو بكر فرجح‏]‏ ‏(‏البخاري‏)‏ فهم رجلان كل منهما كان بباقي الأمة‏.‏

ج- وأما الأمر الثالث فهو أن تمكين الإمام من الأخذ برأيه مطلقاً وافق الشورى أو خالف فإنه ذريعة للاستبداد، والنفوس يستحيل أن تبرأ من الهوى مطلقاً ومن المنافع الشخصية أبداً، وإذا كان قد سلف في الأمة خلفاء لم تكن لهم منفعة شخصية فإنى لنا أن نجد هذا دائماً‏.‏ وهذا وجه حسن‏.‏

وقالوا أيضاً إجماع الأمة معصوم من الخطأ ورأي الإمام ليس معصوماً فلو كان للإمام أن يخالف مجموع الأمة لجعلنا غير المعصوم حكماً على المعصوم ثم لا شك أنه إذا تعادلت الآراء فرأي الإمام رأي، والصواب أحرى أن يوجد عند الجماعة منه عند الفرد، وكذلك نسبة الصواب مع المجموعة الكبيرة أكبر من نسبته مع المجموعة الصغيرة‏.‏

د- وأما الدليل الرابع وهو أن القول بالأخذ برأي الأغلبية ولزومه للإمام لو لم يكن مقرراً في الشريعة لوجب الأخذ به عملاً بالمصلحة المرسلة فهذا أيضاً دليل جيد إذ قد جاءت الشريعة بمصالح العباد فالمصلحة التي اعتبرتها الشريعة هي مصلحة إلى يوم القيامة، والمصلحة التي أهدرتها هي مفسدة إلى يوم القيامة، وأما المصلحة التي لم يأتي نص بإهدارها ولا باعتبارها فإذا رأيناها مصلحة وجب الأخذ بها أخذاً بالمنافع والمصالح‏.‏

والزام الحاكم برأي الأغلبية فيه منافع عظيمة للأمة إذ أنه يحول بين الحاكم وبين الاستبداد، ويجعل للرأي مكانة ومنزلة، ولجمهور الشورى مكانهم ومنزلتهم، ويعصم كثيراً من الآراء الفردية المرتجلة التي قد تدمر الأمة بأسرها‏.‏ ولعل هذا الدليل هو أقوى الأدلة على وجوب القول بهذا الأمر فقد لاقى المسلمون من الاستبداد بالرأي الفردي ويلات كثيرة ولن تشرق شمسهم إلا في ظل حكم شورى يضع للرأي الجماعي منزلته ومكانته‏.‏

هـ- هذه هي مجموع الحجج التي استند إليها القائلون بوجوب أخذ الحاكم برأي الأغلبية وهي كما ترى أمور واضحة صريحة شمسها ساطعة لا يحجبها سحاب أو ضباب‏.‏

وأما القول الثالث وهو أن الأمر في هذه المسألة يرجع إلى رأي الأمة فإن رأت الأمة أن تفوض الإمام في اختيار الرأي المناسب من آراء الشورى فعلت وإن شاءت أن تلزمه برأي جمهورها فعلت إذ ليس الشريعة ما يوجب هذا وذلك، وما ينفي هذا أو ذاك‏.‏ فهو رأي أيضاً ساقط للأدلة التي سقناها إليك أنفاً مبينين أن الآخذ برأي الأغلبية هو السنة التي سار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والراشدون من خلفائه وهو الذي تقتضيه المصلحة المرسلة، والظروف المعاشية التي تحياها الأمة إذ يستحيل على الأمة أن ترد جميع أمورها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية وغيرها لرأي فرد واحد من الناس مهما كان هذا الأحد في الوقت الحاضر، ولا بد من إشراك الأمة إشراكاً حقيقياً ليس بالرأي فقط بل بالاجتهاد الملزم للإمام ما دام أنه رأي الجمهور والأغلبية‏.‏

ويمكن أن يقال بأن الرأي الثالث يعمل به أحياناً في ظروف خاصة حيث تعطي الأمة الإمام الحاكم صلاحيات معينة في اتخاذ قرارات مناسبة في ظرف من الظروف الطارئة كظروف الحروب والقلاقل الاجتماعية وأما في غير ذلك فقد عرفت بالأدلة القاطعة أنه يجب على الإمام الإلتزام برأي أغلبية مستشاريه‏.‏

وأظن الآن أنه في البيان السابق قد وضح الحكم، واتضحت السبل وعلم يقيناً بالأدلة الصريحة من مقتضيات الحكم الشورى في الإسلام الأخذ برأي الأغلبية المستشارة‏.‏ والمستشار مؤتمن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن تستأمنهم الأمة وتوليهم مهمة النظر في أمورها وتصريف سياستها يجب على الحاكم المسلم أن ينفذ ما أجمعوا عليه ويجب أيضاً أن يكون رأي أغلبيتهم هو الرأي الراجح الذي يجب الأخذ به، وليس هذا النظام نظاماً من صنع الغرب، ومن اختراع الديمقراطية كما ادعى المدعون، ولكنه نظام إسلامي خالص، انتقل من حضارتنا إلى حضارة الغرب كما انتقلت حسنات كثيرة، واليوم ينكره فريق منا أشد الإنكار لأنهم عاشوا في ظروف التسلط والقهر، وألفوا نظماً فاسدة انتسبت للإسلام زوراً، ونسبت تسلطها هذا للإسلام والإسلام الحق بريء من ذلك‏.‏

أخطر من الشورى

تابعت باهتمام المناقشة حول الشورى في مجلة البلاغ، وكان ذلك بطلب من الأستاذ محمد سلامة جبر الذي أراد معرفة رأيي في الموضوع‏.‏

قرأت مقالي الأستاذ محمد سلامة جبر الأولين ثم رد الأستاذ إبراهيم الصديقي، ثم قرأت المقال الثالث الذي رد فيه على الأستاذ إبراهيم وما انتهيت منه حتى رأيتني أحمل عبئاً كبيراً، وألماً مضافاً إلى الآلام التي أحملها - ويشاركني في حملها كل مسلم يحس بآلام المسلمين ومشاكلهم‏.‏

فقد كان عنوان المقال خارجاً عن مضمون البحث وموضوعيته ‏(‏الفقه الفقه يا معشر المتفقهين‏!‏‏)‏ وتحت هذا العنوان عنوانان آخران مثيران ‏(‏لو كان أبا حنيفة حياً وسمع هذا الكلام لمات بالسكتة القلبية‏!‏‏)‏ ‏(‏من أعطى أبا بكر وعمر وعثمان شهادة الدكتوراه‏.‏‏.‏‏)‏ وهذه العناوين الثلاثة لا علاقة لها بموضوع الخلاف وهي الشورى، وإنما هي وعظ وإرشاد للمتفقهين وتشنيع على الأستاذ الذي خالف الأستاذ محمد سلامة رأيه حول الشورى‏.‏

وقلت في نفسي إذا كان هذا هو العنوان فكيف بالموضوع ذاته‏؟‏‏.‏

لقد قدم الأستاذ محمد سلامة رده مستدلاً بآيات وأحاديث وأقوال لبعض العلماء، ولا شك أن الاستدلال بهذه الآيات في موطن الرد يلزم منه أن المقصود بها هو المردود عليه فتعالوا ننظر طرفاً مما استدل به‏:‏

‏"‏العلم نكتة واحدة كثرها الجهل‏"‏ هذا قول نقله عن الغزالي ولا يعني هذا إلا أن الأستاذ إبراهيم الصديقي رجل جاهل‏.‏‏.‏

يدل على هذا المقصود الشرح الآتي بعد الاستشهاد السابق‏:‏

لقد كانت الكلمة الواحدة تكفي في عصر الصحابة‏.‏‏.‏ ثم لما عم الجهل، وفشا وطم، احتجنا إلى مجلدات لبيان مسألة واحدة، فهل ألف الأستاذ محمد مجلدات لبيان مسألة واحدة مما يجهله الناس أم أنه محتاج كغيره إلى هذه المجلدات لبيان المسألة الواحدة‏؟‏‏.‏

- استدل أيضاً بحديث عائشة رضي الله عنها ‏[‏إن الله لا ينزع العلم من الناس انتزاعاً، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا‏]‏ فهل يعني الأستاذ أن غريمه الذي خالفه الرأي في لزوم الأخذ بالشورى للإمام رأساً جاهلاً‏!‏ أم ساق الحديث لمعنى آخر لا نفهمه نحن‏؟‏

- ‏[‏أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار‏]‏ وهذا يوحي بأن غيره تجرأ وأنه لم يتجرأ‏.‏

ثم ساق الأستاذ محمد سلامة، كلاماً طويلاً في وجوب التسليم لحكم الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه ليس مسلماً من لم يفعل ذلك، وهذا معناه أن الرجل الآخر الذي خالفه الرأي كأنما قال لا أرضى بحكم الله ورسوله وإنما أرضى بحكم البشر ثم ختم هذه المقدمة بقوله بالنص‏:‏

‏"‏فلعلني أطلت في التمهيد إلا أنه كلام لا مفر عنه فلقد تطاول الكثيرون على الأحكام، وتجرأوا على الفتيا بلا برهان، وزعموا أن ذلك هو الإسلام، وإن كان قد وقع ذلك ممن نعلم أمرهم، ونكشف جهلهم وعوارهم فما ذلك بالأمر العجيب، ولا هو علينا بمستبعد غريب‏"‏ أ‏.‏هـ‏.‏

ولم يكتف الأستاذ بهذا كله قبل أن يقاضي الرجل فيما قال وما رد به النصوص حتى رماه بما هو أعظم من ذلك حيث قال‏:‏

‏"‏أما أن يجرؤ هذا على الفتوى برأيه، دون سند من علم يستنير به أو أهلية يتقدم بها، فهذا ما أخافه كل خوف على أنفسنا، فإنما هلك من كان قبلنا بالرأي والهوى، وضل من ضل بفتنتهم، وتقديمهم المعقول على المنقول‏"‏، ثم استدل بعد ذلك بآية نزلت في شأن اليهود حيث قال‏:‏ ‏{‏وحسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا‏}‏‏.‏‏.‏

فتذكرت السياق القرآني الذي جاءت فيه هذه الآية فإذا هو كما يلي‏:‏

‏{‏لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل، وأرسلنا إليهم رسلاً كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون، وحسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏!‏‏.‏

فقلت سبحان الله آية في اليهود يقذف بها مسلم في وجه أخيه المسلم حيث خالفه الرأي في مسألة الحق فيها -إن شاء الله- كما سترى أيها القارئ مع الذي سيقت إليه كل هذه التهم ورمي بكل هذه النصوص‏!‏

وهنا أيقنت أننا أمام قضية أخطر من بحث قضية الشورى أنها قضية الفرقة والخلاف، قضية الرمي بالجهل والفسق والكفر من المسلم للمسلم‏.‏ قضية الطريق الوعر في الوصول إلى الحق‏.‏ وليس ما عرضته الآن أمامك أيها القارئ إلا حلقة من حلقات طويلة للفرقة والخلاف الذي نعيش فيه، ولا أعني بالفرقة اختلاف الرأي ولكني أعني به رمي المسلم للمسلم بما قرأت، وما تقرأ كل يوم على صفحات الكتب والمجلات‏.‏

فهل كتب علينا أن نتجرع كل يوم آثار هذه الفرقة‏!‏ وإلى متى‏؟‏ وممن‏؟‏ من الذين يهتمون بالثقافة الإسلامية والنصح للمسلمين‏!‏ هذا منطق مرفوض، وأسلوب عقيم يجب أن نعمل جميعاً على رفضه وإقصائه‏.‏

وإذا كان الأستاذ محمد سلامة جبر قد طلب رأيي في الموضوع، وهو صديق عزيز فلن تمنعني صداقته من أن أقول له‏.‏ لقد أخطأت يا صاحبي الطريق وغاليت في الأمر ورميت أخاك الذي يخالفك الرأي بما لا يجوز مسلم لمسلم قطعاً‏.‏ وهب أن الحق معك أفهكذا تكون الدعوة إليه وأنت ممن يشهد على نفسه باتباع مسلك السلف والتمسك بالمأثور‏؟‏

وما دمنا في صدد رمي الأخ أخاه بما ليس فيه فقد جاءت عبارة في مقال الأستاذ إبراهيم الصديقي يقول فيها‏:‏ ثم أين هذا من إيراده لقول ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية ‏(‏ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان‏)‏ فهل يمكن أن يكون هذا القول قاعدة لبناء دولة وفتوى دستورية شرعية اقتنع بها الكاتب أم أنه قول ربما قيل لظروف سياسية أكثر منها شرعية‏.‏

ولنا هنا أيضاً عتاب مع الأخ إبراهيم الصديقي الذي رمى الإمام ابن تيمية -وإن كان رميه بتغليب جانب الشك- بأنه قال قوله السالف لظروف سياسية وليس لبيان حكم شرعي نقول‏:‏ هل اطلعت على رأيه في الكتاب المذكور وعلى السياق الذي ساقه فيه حتى تصدر هذا الحكم‏.‏

وهل سمعت أن ابن تيمية الذي أمضى سنوات طويلة من عمره سجيناً ومات في سجنه كان يدبج فتاواه لإرضاء الحكام والسلاطين وهو الذي وقف حياته على الجهاد في سبيل الله فرد على أهل الأهواء من معطلة الصفات ونفاتها ومن المتصوفة المغالين ودعاة الباطنية، والرافضة، والمقلدين الجامدين وكتبه وسيرته شاهدة بذلك‏.‏ ونحيلك على كتابه المذكور لتعلم أنه قال هذا القول في إمامة الضرورة والاضطرار لا في حكم الشورى والاختيار‏.‏ هذا ولقد كان لسوء استدلال الأستاذ محمد سلامة بهذا النص نصيب في تجويزه إمامة غير المجتهد وهذا لم يقله أحد من سلف الأمة إلا في حكم الضرورة والإجبار كما سلف عن ابن تيمية رحمه الله‏.‏

لقد تعرض الأستاذ محمد سلامة جبر في كلامه في الشورى لقضايا بالغة الخطورة واستدل بأدلة عليها لا يخلو دليل مما استدل به على نقاش ولست بخائض غمار هذا الأمر إلا أن يكون لدى قراء المجلة ما يدعوهم إلى هذا الأمر وعند ذلك اتجشم مشقته، وأحمل تبعته‏.‏

ومن الأمور الخطيرة التي وصل إليها جواز إمامة المقلد هكذا على إطلاقها ونسبة هذا القول إلى الإمام ابن تيمية رحمه الله والسلف‏.‏ وقد ذكرت أن كلام ابن تيمية في هذا الصدد إنما هو في إمامة الجبر والإكراه لا الشورى والاختيار‏.‏ والأمر الخطير الآخر هو أن استشارة الإمام المجتهد لأهل الشورى مستحبة لا واجبة وقد ورد الوجوب الثابت في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وشاورهم في الأمر‏}‏ بأدلة في غاية العجب‏.‏

* الأمر الأول‏:‏ أنه مستغن بالوحي عن الشورى‏.‏‏.‏ ومعلوم أن مجال الشورى هو ما لا نص فيه من الله، فالرسول صلى الله عليه وسلم مأمور أن يستشير أصحابه رضوان الله عليهم فيما لا وحي فيه من الله‏.‏ لأنه كان مفروض عليه أن يجتهد في مسائل كثيرة وهذه المسائل هي مجال الشورى، وغير الرسول صلى الله عليه وسلم من الأئمة يجب عليهم الاستشارة فيما لا نص فيه من الله عز وجل أو في مجالات تطبيق النصوص‏.‏

وأما القول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمره الله بهذا تطييباً لخاطر أصحابه فإنما هي دعوى تحتاج إلى دليل وبرهان على ذلك من قول الله أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم‏؟‏

وأما قول الأخ محمد سلامة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تركها في الأمهات من المسائل فليس بصحيح إطلاقاً فالتوجه إلى بني قريظة كان بأمر الله حيث أتاه جبريل فقال له‏:‏ ‏(‏إن الله يأمرك أن تذهب إلى بني قريظة‏!‏‏)‏ ومعلوم أن هذا أمر لا يحتاج إلى استشارة ولذلك جمع الناس في المسجد في صلاة الظهر وقال لهم‏:‏ ‏[‏من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة‏!‏‏]‏‏.‏

وأما عزمه علي مصالحة قبائل غطفان الذي استدل به الأستاذ محمد سلامة فلست أدري هل يحتاج العزم على فعل ما إلى استشارة ومعلوم أن العزم هو أمر يراه الإنسان لم يخرج بعد إلى الوجود‏!‏‏.‏

* وأما صلح الحديبية - الذي استدل به أيضاً على أن الرسول انفذه دون استشارة فهو استدلال غريب لأن هناك نصوصاً صريحة واضحة تدل على أن الرسول انفذ هذا الصلح بأمر الله تبارك وتعالى ومعلوم أن ما فيه نص من الله فليس من مواطن الشورى‏.‏ ألا ترى أن ناقة الرسول بركت قبل مكة‏.‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏[‏لقد حبسها حابس الفيل عن مكة‏]‏ ومعلوم أن ناقة الرسول كانت مأمورة‏.‏ ألا ترى أن مكان مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الحالي بالمدينة المنورة لم يعينه إلا بروك ناقته صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأصرح من قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما اعترض على الصلح‏:‏

‏[‏إنه ربي ولن يضيعني‏]‏ أي نص أوضح من هذا يبين أن صلح الحديبية كان بأمر ووحي‏.‏ لو كان غير ذلك لقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر‏:‏ ‏(‏يا عمر إنه رأي رأيته راجحاً وعليك التزام أمري إن كنت مؤمناً‏)‏‏.‏

ولكننا علمنا أنه صلى الله عليه وسلم لما قال ‏[‏إنه ربي ولن يضيعني‏]‏ إنه فعل ذلك بأمر الله تبارك وتعالى‏.‏

ولو قلنا مع الأخ محمد سلامة أن الشورى لم تلزم الرسول صلى الله عليه وسلم فما هو موقفنا من وصف الله للمؤمنين بالجملة الإسمية التي تدل على الثبات والاستقرار ‏{‏وأمرهم شورى بينهم‏}‏‏؟‏‏؟‏‏!‏‏.‏

ألا يرى الأخ الكريم أن في قوله بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك الشورى في أمهات المسائل تكذيب للأثر الصحيح حديث أبي هريرة ‏[‏ما رأيت أحداً أكثر استشارة لأصحابه من رسول الله لأصحابه‏]‏ وهذا يعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أكثر استشارة لأصحابه من أبي بكر لأصحابه، ومن عمر لأصحابه، ومن عثمان لأصحابه، ومن علي لأصحابه‏.‏

ثم ألا يرى معي الأخ الكريم أن إطلاق هذا القول إنما هو خدمة جليلة للاستبداد بالرأي، وقتل الحريات، وإماتة النصيحة في وقت نحن أشد ما نكون إلى تقييد سلطة الحاكم، فضلاً عن أنه مصادمة للنصوص‏.‏
[line]
المصدر :
المكتبة الاسلامية

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 03-11-2006 الساعة 03:24 AM
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:07 PM.


New Page 4
 
 المركز التعليمي منتديات الحوار تسجيل النطاقاتخدمات تصميم مواقع الإنترنت  إستضافة مواقع الإنترنت  الدعم الفني لإستضافة المواقع
  متجر مؤسسة شبكة بوابة العرب   الدردشة الصوتية والكتابية  مركـزنا الإعـلامي  مـن نـحــن  مقــرنـا  قسم إتفـاقيات الإستــخــدام
Copyright © 2000-2014 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com