تابع بوابة العرب على تويتر 





     
عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات الشـــرعيـــة > منتدى العلوم الإسلامية المتخصصة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-04-2004, 12:13 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي




[COLOR=orangered]
تفسير ( الحمد لله رب العالمين)[/
COLOR]



الطبرى

‏ {الْحَمْدُ للّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ }‏
‏ قال أبو جعفر: معنى: الـحَمْدُ لِلّهِ: الشكر خالصا لله جل ثناؤه دون سائر ما يُعْبَد من دونه, ‏ودون كل ما برأ من خـلقه, بـما أنعم علـى عبـاده من النعم التـي لا يحصيها العدد ولا ‏يحيط بعددها غيره أحد, فـي تصحيح الاَلات لطاعته, وتـمكين جوارح أجسام الـمكلفـين ‏لأداء فرائضه, مع ما بسط لهم فـي دنـياهم من الرزق وغذاهم به من نعيـم العيش من غير ‏استـحقاق منهم لذلك علـيه, ومع ما نبههم علـيه ودعاهم إلـيه من الأسبـاب الـمؤدية ‏إلـى دوام الـخـلود فـي دار الـمقام فـي النعيـم الـمقـيـم. فلربنا الـحمد علـى ذلك ‏كله أولاً وآخرا.‏
‏ وبـما ذكرنا من تأويـل قول ربنا جل ذكره وتقدست أسماؤه: الـحَمْدُ لِلّهِ جاء الـخبر عن ‏ابن عبـاس وغيره:‏
‏ 13ـ حدثنا مـحمد بن العلاء, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, قال: ‏حدثنا أبو روق عن الضحاك, عن ابن عبـاس, قال: قال جبريـل لـمـحمد: «قل يا ‏مـحمد: الـحمد لله».‏
‏ قال ابن عبـاس: الـحمد لله: هو الشكر, والاستـخذاء لله, والإقرار بنعمته وهدايته ‏وابتدائه, وغير ذلك.‏
‏ 14ـ وحدثنـي سعيد بن عمرو السكونـي, قال: حدثنا بقـية بن الولـيد, قال: حدثنـي ‏عيسى بن إبراهيـم, عن موسى بن أبـي حبـيب, عن الـحكم بن عمير وكانت له صحبة ‏قال: قال النبـي صلى الله عليه وسلم: «إذَا قُلْتَ الـحَمْدُ لِلّهِ رَبّ العَالـمِينَ, فَقَدْ شَكَرْتَ اللّهَ ‏فَزَادَكَ».‏
‏ قال: وقد قـيـل إن قول القائل: الـحَمْدُ لِلّهِ ثناء علـى الله بأسمائه وصفـاته الـحسنى, ‏وقوله: «الشكر لله» ثناء علـيه بنعمه وأياديه.‏
‏ وقد رُوي عن كعب الأحبـار أنه قال: الـحمد لله ثناء علـى الله. ولـم يبـين فـي ‏الرواية عنه من أيّ معنـيـي الثناء اللذين ذكرنا ذلك.‏
‏ 15ـ حدثنا يونس بن عبد الأعلـى الصدفـي, قال: أنبأنا ابن وهب, قال: حدثنـي عمر بن ‏مـحمد, عن سهيـل بن أبـي صالـح, عن أبـيه, قال: أخبرنـي السلولـي, عن كعب قال: ‏من قال: «الـحمد لله» فذلك ثناء علـى الله.‏
‏ 16ـ وحدثنـي علـيّ بن الـحسن الـخراز, قال: حدثنا مسلـم بن عبد الرحمن ‏الـجرمي, قال: حدثنا مـحمد بن مصعب القرقسانـي, عن مبـارك بن فضالة, عن ‏الـحسن, عن الأسود بن سريع, أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَـيْسَ شَيْءٌ أَحَبّ ‏إلَـيْهِ الـحَمْدُ مِنَ اللّهِ تَعالـى, ولِذَلِكَ أَثْنَى علـى نَفْسِهِ فَقالَ: الـحَمْدُ لِلّهِ».‏
‏ قال أبو جعفر: ولا تَـمَانُع بـين أهل الـمعرفة بلغات العرب من الـحكم لقول القائل: ‏الـحَمْدُ لِلّهِ شكرا بـالصحة. فقد تبـين إذ كان ذلك عند جميعهم صحيحا, أن الـحمد لله قد ‏يُنْطَق به فـي موضع الشكر, وأن الشكر قد يوضع موضع الـحمد, لأن ذلك لو لـم يكن ‏كذلك لـما جاز أن يقال الـحمد لله شكرا, فـيخرج من قول القائل «الـحمد لله» مُصدّر ‏‏«أشكُر», لأن الشكر لو لـم يكن بـمعنى الـحمد, كان خطأ أن يصدر من الـحمد غير ‏معناه وغير لفظه.‏
‏ فإن قال لنا قائل: وما وجه إدخال الألف واللام فـي الـحمد؟ وهلاّ قـيـل: حمدا لله ربّ ‏العالـمين قـيـل: إن لدخول الألف واللام فـي الـحمد معنى لا يؤديه قول القائل «حمدا», ‏بإسقاط الألف واللام وذلك أن دخولهما فـي الـحمد منبىءٌ علـى أن معناه: جميع ‏الـمـحامد والشكر الكامل لله. ولو أُسقطتا منه لـما دلّ إلا علـى أن حَمْدَ قائلِ ذلك لله, دون ‏الـمـحامد كلها. إذْ كان معنى قول القائل: «حمدا لله» أو «حمدٌ الله»: أحمد الله حمدا, ‏ولـيس التأويـل فـي قول القائل: الـحَمْدُ لِلّهِ رَبّ العَالَـمِينَ تالـيا سورة أم القرآن أحمد ‏الله, بل التأويـل فـي ذلك ما وصفنا قبل من أن جميع الـمـحامد لله بألوهيته وإنعامه ‏علـى خـلقه, بـما أنعم به علـيهم من النعم التـي لا كفء لها فـي الدين والدنـيا ‏والعاجل والاَجل.‏
‏ ولذلك من الـمعنى, تتابعت قراءة القراءة وعلـماء الأمة علـى رفع الـحمد من: الـحَمْدُ ‏لِلّهِ رَبّ العَالَـمينَ دون نصبها, الذي يؤدي إلـى الدلالة علـى أن معنى تالـيه كذلك: أحمد ‏الله حمدا. ولو قرأ قارىء ذلك بـالنصب, لكان عندي مـحيلاً معناه ومستـحقّا العقوبة ‏علـى قراءته إياه كذلك إذا تعمد قراءته كذلك وهو عالـم بخطئه وفساد تأويـله.‏
‏ فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله: الـحمد لله؟ أَحَمَد اللّهُ نفسَه جل ثناؤه فأثنى علـيها, ثم ‏عَلّـمناه لنقول ذلك كما قال ووصف به نفسه؟ فإن كان ذلك كذلك, فما وجه قوله تعالـى ‏ذكره إذا: إيّاكَ نَعْبُدُ وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ وهو عز ذكره معبود لا عابد؟ أم ذلك من قـيـل جبريـل ‏أو مـحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقد بطل أن يكون ذلك لله كلاما.‏
‏ قـيـل: بل ذلك كله كلام الله جل ثناؤه ولكنه جل ذكره حمد نفسه وأثنى علـيها بـما هو ‏له أهل, ثم عَلّـم ذلك عبـاده وفرض علـيهم تلاوته, اختبـارا منه لهم وابتلاء, فقال لهم: ‏قولوا «الـحمد لله ربّ العالـمين» وقولوا: «إياك نعبد وإياك نستعين» فقوله: إياك نعبد, ‏مـما عَلّـمَهم جل ذكره أن يقولوه ويدينوا له بـمعناه. وذلك موصول بقوله الـحمد لله ربّ ‏العالـمين, وكأنه قال: قولوا هذا وهذا.‏
‏ فإن قال: وأين قوله: «قولوا» فـيكون تأويـل ذلك ما ادّعيت؟ قـيـل: قد دللنا فـيـما ‏مضى أن العرب من شأنها إذا عرفت مكان الكلـمة ولـم تشك أن سامعها يعرف بـما ‏أظهرت من منطقها ما حذفت, حَذْفُ ما كفـى منه الظاهر من منطقها, ولا سيـما إن كانت ‏تلك الكلـمة التـي حذفت قولاً أو تأويـل قول, كما قال الشاعر:‏
‏ واعْلَـمُ أنّنـي سأكُونُ رَمْساإذَا سارَ النّوَاعجُ لا يَسيرُ ‏
‏ فَقالَ السّائلُونَ لِـمَنْ حَفَرْتُـمْفَقالَ الـمُخْبرُونَ لَهُمْ وَزيرُ ‏
‏ قال أبو جعفر: يريد بذلك: فقال الـمخبرون لهم: الـميت وزير, فأسقط «الـميت», إذ كان ‏قد أتـى من الكلام بـما يدل علـى ذلك. وكذلك قول الاَخر:‏
‏ ورَأيْتِ زَوْجَكِ فـي الوَغَىمُتَقَلّدا سَيْفـا وَرُمْـحَا‏
‏ وقد علـم أن الرمـح لا يتقلد, وإنـما أراد: وحاملاً رمـحا. ولكن لـما كان معلوما معناه ‏اكتفـى بـما قد ظهر من كلامه عن إظهار ما حذف منه. وقد يقولون للـمسافر إذا ودّعوه: ‏مُصَاحَبـا مُعافـى, يحذفون سِرْ واخْرُجْ إذْ كان معلوما معناه وإن أسقط ذكره. فكذلك ما ‏حُذِف من قول الله تعالـى ذكره: الـحمدُ لِلّهِ ربّ العَالـمينَ لـمّا عُلِـم بقوله جل وعزّ: إياك ‏نَعْبُد ما أراد بقوله: الـحمد لله ربّ العالـمين من معنى أمره عبـاده, أغنت دلالة ما ظهر ‏علـيه من القول عن إبداء ما حُذف.‏
‏ وقد روينا الـخبر الذي قدمنا ذكره مبتدأ فـي تفسير قول الله: الـحَمْدُ لِلّهِ رَبّ العالَـمِينَ ‏عن ابن عبـاس, وأنه كان يقول: إن جبريـل قال لـمـحمد: قل يا مـحمد: الـحمد لله ربّ ‏العالـمين. وبَـيّنا أن جبريـل إنـما عَلّـمَ مـحَمّدا صلى الله عليه وسلم ما أُمِر بتعلـيـمه ‏إياه. وهذا الـخبر ينبىء عن صحة ما قلنا فـي تأويـل ذلك.‏
‏ القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{رَبّ}.‏
‏ قال أبو جعفر: قد مضى البـيان عن تأويـل اسم الله الذي هو «الله» فـي «بسم الله», فلا ‏حاجة بنا إلـى تكراره فـي هذا الـموضع. وأما تأويـل قوله «رَبّ», فإن الربّ فـي كلام ‏العرب متصرف علـى معان: فـالسيد الـمطاع فـيها يدعى ربّـا, ومن ذلك قول لبـيد بن ‏ربـيعة:‏
‏ وأهْلَكْنَ يَوْما رَبّ كِنْدَةَ وابنَهوَرَبّ مَعَدّ بـينَ خَبْتٍ وعَرْعَرِ ‏
‏ يعنـي بربّ كندة: سيدَ كندة. ومنه قول نابغة بنـي ذبـيان:‏
‏ تَـخُبّ إلـى النّعْمانِ حَتّـى تَنالَهُفِدًى لَكَ منْ رَبَ طَريفـي وتالِدِي ‏
‏ والرجل الـمصلـح للشيء يدعى رَبّـا. ومنه قول الفرزدق بن غالب:‏
‏ كانُوا كسَالِئَةٍ حَمْقاءَ إذْ حَقَنَتْسِلأَها فـي أدِيـمٍ غَيْرِ مَرْبُوبِ ‏
‏ يعنـي بذلك فـي أديـم غير مصلـح. ومن ذلك قـيـل: إن فلانا يَرُبّ صنـيعته عند ‏فلان, إذا كان يحامل إصلاحها وإدامتها. ومن ذلك قول علقمة بن عبدة:‏
‏ فكنْتَ امْرَأً أفْضَتْ إلَـيْكَ رِبـابَتـيوقَبْلَكَ رَبّتْنـي فَضِعْتُ رُبُوبُ ‏
‏ يعنـي بقوله أفضت إلـيك: أي أوصلت إلـيك ربـابتـي, فصرت أنت الذي ترب أمري ‏فتصلـحه لـما خرجتُ من ربـابة غيرك من الـملوك الذين كانوا قبلك علـيّ, فضيعوا ‏أمري وتركوا تفقده. وهم الرّبوب واحدهم رَبّ والـمالك للشيء يدعى رَبّه. وقد يتصرّف ‏أيضا معنى الرب فـي وجوه غير ذلك, غير أنها تعود إلـى بعض هذه الوجوه الثلاثة.‏
‏ فربنا جل ثناؤه, السيد الذي لا شِبْه له, ولا مثل فـي سؤدده, والـمصلـح أمر خـلقه بـما ‏أسبغ علـيهم من نعمه, والـمالك الذي له الـخـلق والأمر.‏
‏ وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل قوله جل ثناؤه رَبّ العالَـمِينَ جاءت الرواية عن ابن ‏عبـاس.‏
‏ 17ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, قال: حدثنا ‏أبو روق عن الضحاك, عن ابن عبـاس, قال: قال جبريـل لـمـحمد: «يا مـحمد قل ‏الـحَمْدُ لِلّهِ رَبّ العالَـمِينَ». قال ابن عبـاس: يقول قل الـحمد لله الذي له الـخـلق كله, ‏السموات كلهن ومن فـيهن, والأرَضون كلهن ومن فـيهن وما بـينهن, مـما يُعلـم ومـما ‏لا يُعلـم. يقول: اعلـم يا مـحمد أن ربك هذا لا يشبهه شيء.‏
‏ القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {العَالَـمِينَ}.‏
‏ قاله أبو جعفر: والعالـمون جمع عالـم, والعالَـم جمع لا واحد له من لفظه, كالأنامِ ‏والرهط والـجيش ونـحو ذلك من الأسماء التـي هي موضوعات علـى جماع لا واحد له ‏من لفظه. والعالَـم اسم لأصناف الأمـم, وكل صنف منها عالَـم, وأهل كل قرن من كل ‏صنف منها عالَـم ذلك القرن وذلك الزمان, فـالإنس عالـم وكل أهل زمان منهم عالَـم ذلك ‏الزمان. والـجن عالَـم, وكذلك سائر أجناس الـخـلق, كل جنس منها عالـم زمانه. ولذلك ‏جُمِع فقـيـل «عالَـمون», وواحده جمع لكون عالَـم كل زمان من ذلك عالَـم ذلك الزمان. ‏ومن ذلك قول العجاج:‏
‏ فَخِنْدِفُ هامَةُ هَذَا العالَـمِ ‏
‏ فجعلهم عالـم زمانه. وهذا القول الذي قلناه قولُ ابن عبـاس وسعيد بن جبـير, وهو معنى ‏قول عامة الـمفسرين.‏
‏ 18ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, قال: حدثنا ‏أبو روق عن الضحاك, عن ابن عبـاس: {الـحمد لله ربّ العالـمين} الـحمد لله الذي له ‏الـخـلق كله, السموات والأرض ومن فـيهن وما بـينهن, مـما يُعلـم ولا يُعلـم.‏
‏ 19ـ وحدثنـي مـحمد بن سنان القزاز, قال: حدثنا أبو عاصم, عن شبـيب, عن عكرمة, ‏عن ابن عبـاس: ربّ العالـمين: الـجنّ والإنس.‏
‏ وحدثنـي علـيّ بن الـحسن, قال: حدثنا مسلـم بن عبد الرحمن, قال: حدثنا مصعب, ‏عن قـيس بن الربـيع, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, فـي ‏قول الله جل وعزّ: ربّ العالـمين: قال: ربّ الـجن والإنس.‏
‏ 20ـ وحدثنا أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: ‏حدثنا قـيس, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبـير, قوله: {رب العالـمين} قال: ‏الـجن والإنس.‏
‏ 21ـ وحدثنـي أحمد بن عبد الرحيـم البرقـي, قال: حدثنـي ابن أبـي مريـم, عن ابن ‏لهيعة, عن عطاء بن دينار, عن سعيد بن جبـير, قوله: رَبّ العالَـمِينَ قال: ابن آدم, والـجن ‏والإنس كل أمة منهم عالَـم علـى حِدَته.‏
‏ 22ـ وحدثنـي مـحمد بن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفـيان, عن مـجاهد: الـحَمْدُ ‏لِلّهِ رَبّ العالَـمِينَ قال: الإنس والـجنّ.‏
‏ وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, عن سفـيان, عن ‏رجل, عن مـجاهد: بـمثله.‏
‏ 23ـ وحدثنا بشر بن معاذ العقدي, قال: حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة: رَبّ ‏العالَـمِينَ قال: كل صنف: عالَـم.‏
‏ 24ـ وحدثنـي أحمد بن حازم الغفـاري, قال: حدثنا عبـيد الله بن موسى, عن أبـي ‏جعفر, عن ربـيع بن أنس, عن أبـي العالـية, فـي قوله: {رَبّ العالَـمِينَ} قال: الإنس ‏عالَـم, والـجن عالَـم, وما سوى ذلك ثمانـية عشر ألف عالـم, أو أربعة عشر ألف عالـم ‏وهو يشك من الـملائكة علـى الأرض, وللأرض أربع زوايا, فـي كل زاوية ثلاثة آلاف ‏عالـم وخمسمائة عالـم, خـلقهم لعبـادته.‏
‏ 25ـ وحدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين بن داود, قال: حدثنا حجاح, عن ابن ‏جريج, فـي قوله: رَبّ العالَـمِينَ قال: الـجن والإنس.‏
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-04-2004, 12:16 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

البغوى

‏" الحمد لله " لفظه خبر كأنه يخبر أن المستحق للحمد هو الله عز وجل وفيه تعليم الخلق ‏تقديره قولوا الحمد لله والحمد يكون بمعنى الشكر على النعمة، ويكون بمعنى الثناء عليه بما ‏فيه من الخصال الحميدة. يقال حمدت فلاناً على ما أسدى إلي من النعمة وحمدته على علمه ‏وشجاعته، والشكر لا يكون إلا على النعمة، فالحمد أعم من الشكر إذ لا يقال شكرت فلاناً ‏على علمه فكل حامد شاكر وليس كل شاكر حامداً. وقيل: الحمد باللسان قولاً: والشكر ‏بالأركان فعلاً قال الله تعالى " وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً " (11 - الإسراء) وقال " ‏اعملوا آل داود شكراً " (123 - سبأ). قوله " لله " اللام فيه للاستحقاق كما يقال الدار لزيد. ‏قوله " رب العالمين " فالرب يكون بمعنى المالك كما يقال لمالك الدار: رب الدار: ويقال: رب ‏الشيء إذا ملكه، ويكون بمعنى التربية والإصلاح، يقال: رب فلان الضيعة يربها إذا أتممها ‏وأصلحها فهو رب مثل طب، وبر. فالله تعالى مالك العالمين ومربيهم، ولا يقال للمخلوق هو ‏الرب معرفاً إنما يقال رب كذا مضافاً، لأن الألف واللام للتعميم وهو لا يملك الكل. و"العالمين ‏‏" جمع عالم، لا واحد له في لفظه واختلفوا في العالمين قال ابن عباس: هم الجن والإنس ‏لأنهم المكلفون بالخطاب قال الله تعالى: " ليكون للعالمين نذيراً " (1 - الفرقان) وقال قتادة ‏و مجاهد و الحسن : هم جميع المخلوقات. قال الله تعالى: " قال فرعون وما رب العالمين * ‏قال رب السماوات والأرض وما بينهما " (23 - 24 الشعراء) واشتقاقه من العلم والعلامة ‏سموا به لظهور أثر الصنعة فيهم قال أبو عبيد: هم أربعة أمم: الملائكة، والأإنس، والجن، ‏والشياطين، مشتق من العلم، ولا يقال للبهائم عالم لأنها لا تعقل، واختلفوا في مبلغهم قال ‏سعيد بن المسيب لله ألف عالم ستمائة في البحر وأربعمائة في البر وقال مقاتل بن حيان : ‏لله ثمانون ألف عالم أربعون ألفاً في البحر وأربعون ألفاً في البر. وقال وهب : لله ثمانية ‏عشر ألف عالم الدنيا عالم منها، وما العمران في الخراب إلا كفسطاط في صحراء. وقال ‏كعب الأحبار: لا يحصي عدد العالمين أحد إلا الله قال الله تعالى: " وما يعلم جنود ربك إلا هو ‏‏" (31 - المدثر). ‏
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 01-04-2004, 12:17 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

الكشاف للزمخشرى

‏"‏‎ ‎الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم‎ ‎‏"‏ الحمد والمدح‏‎ ‎أخوان وهو الثناء والنداء على الجميل من نعمة ‏وغيرها‏.‏‎ ‎
تقول‏:‏ حمدت الرجل وأما الشكر فعلى النعمة خاصة وهو بالقلب واللسان‏‎ ‎والجوارح قال‏:‏ أَفَادَثكُمُ ‏النعمَاءِ منًي ثلاثةَ يَدِي ولسَانِي والضمِيرَ‎ ‎المُحَجبَا والحمد باللسان وحده فهو إحدى شعب الشكر ومنه ‏قوله عليه أ الصلاة و‎ ‎السلام‏:‏ ‏"‏ الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لم يحمده ‏"‏ وإنما جعله رأس ‏الشكر‎ ‎لأن ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها أشيع لها وأدل على مكانها من الاعتقاد‎ ‎وآداب ‏الجوارح لخفاء عمل القلب وما في عمل الجوارح من الاحتمال بخلاف عمل اللسان‎ ‎وهو النطق الذي ‏يفصح عن كل خفي ويجلي كل مشتبه‏.‏‎ ‎
والحمد نقيضه الذم والشكر نقيضه الكفران وارتفاع الحمد بالابتداء‎ ‎وخبره الظرف الذي هو الله ‏وأصله النصبالذي هو قراءة بعضهم بإضمار فعله على أنه من‎ ‎المصادر التي تنصبها العرب بأفعال ‏مضمرة في معنى الإخبار كقولهم‏:‏ شكراً وكفرأ‏‎ ‎وعجباً وما أشبه ذلك ومنها‏:‏ سبحانك ومعاذ الله ‏ينزلونها منزلة أفعالها ويسدون بها‎ ‎مسدها لذلك لا يستعملونها معها ويجعلون استعمالها كالشريعة ‏المنسوخة والعدل بها عن‎ ‎النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبات المعنى واستقراره‏.‏‎ ‎
ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏"‏‎ ‎قالوا سلاما قال‎ ‎سلام‎ ‎‏"‏ هود‏:‏ رفع السلام الثاني للدلالة على أن إبراهيم عليه السلام‏‎ ‎حياهم بتحية أحسن من تحيتهم لأن الرفع دال على معنى ثبات السلام لهم دون تجدده‎ ‎وحدوثه‏.‏‎ ‎
والمعنى‏:‏ نحمد الله حمداً ولذلك قيل‏:‏ ‏"‏‎ ‎إِياكَ نَعبُدُ وَإِياكَ‎ ‎نستعينَ‎ ‎‏"‏ لأنه بيان لحمدهم له كأنه قيل‏:‏ كيف ‏تحمدون فقيل‏:‏ إياك‏‎ ‎نعبد‏.‏‎ ‎
فإن قلت‏:‏ ما معنى التعريف فيه‏.‏‎ ‎
قلت‏:‏ هو نحو التعريف في أرسلها العراك وهو تعريف الجنس ومعناه‏‎ ‎الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد ‏من أن الحمد ما هو والعراك ما هو من بين أجناس‎ ‎الأفعال‏.‏‎ ‎
والاستغراق الذي يتوهمه كثير من الناس وهم منهم‏.‏‎ ‎
وقرأ الحسن البصري‏:‏ ‏"‏ الحمد لله ‏"‏ بكسر الدال لإتباعها‏‎ ‎اللام‏.‏‎ ‎
وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة‏:‏ ‏"‏ الحمد لله ‏"‏ بضم اللام لإتباعها‏‎ ‎الدال والتي جسرهما على ذلك والإتباع ‏إنما يكون في كلمة واحدة كقولهم منحدر الجبل‎ ‎ومغيرة تنزل الكلمتين منزلة كلمة لكثرة استعمالهما ‏مقترنتين وأشف القراءتين قراءة‎ ‎إبراهيم حيث جعل الحركة البنائية تابعة للإعرابية التي هي أقوى ‏بخلاف قراءة‎ ‎الحسن‏.‏‎ ‎
الرب‏:‏ المالك‏.‏‎ ‎
ومنه قول صفوان لأبي سفيان‏:‏ لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن‏‎ ‎يربني رجل من هوازن‏.‏‎ ‎
تقول‏:‏ ربه يربه فهو رب كما تقول‏:‏ نم عليه ينم فهو نم‏.‏‎ ‎
ويجوز أن يكون وصفاً بالمصدر للمبالغة كما وصف بالعدل ولم يطلقوا‎ ‎الرب إلا في الله وحده وهو ‏في غيره على التقيد بالإضافة كقولهم‏:‏ رب الدار ورب‏‎ ‎الناقة وقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ ارجع إلى ربك إنه ربي ‏أحسن مثواي ‏"‏ وقرأ زيد بن علي‏‎ ‎رضي اللّه عنهما‏:‏ ‏"‏ رَبِّ العالمِينَ ‏"‏ بالنصب على العالم‏:‏ اسم ‏لذوي العلم‎ ‎من الملائكة والثقلين وقيل‏:‏ كل ما علم به الخالق من الأجسام والأعراض‏.‏‎ ‎
فإن قلت‏:‏ لم جمع قلت‏:‏ ليشمل كل جنس مما سمي به‏.‏‎ ‎
فإن قلت‏:‏ هو اسم غير صفة وإنما تجمع بالواو والنون صفات العقلاء‏‎ ‎أو ما في حكمها من الأعلام‏.‏‎ ‎
قلت‏:‏ ساغ ذلك لمعنى الوصفية فيه وهي الدلالة على معنى العلم‏.‏‎ ‎
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 01-04-2004, 12:19 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

البيضاوى

‏. ^ الحمد لله ^ الحمد هو الثناء على الجميل الاختياري من نعمة أو غيرها والمدح هو الثناء على الجميل مطلقا ‏تقول حمدت زيدا على علمه وكرمه ولا تقول حمدته على حسنه بل مدحته وقيل هما أخوان والشكر مقابلة النعمة ‏قولا وعملا واعتقادا قال
أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا
فهو أعم منهما‎ ‎من وجه وأخص من آخر ولما كان الحمد من شعب الشكر أشيع للنعمة وأدل على مكانها لخفاء ‏الاعتقاد وما في آداب الجوارح من الاحتمال جعل رأس الشكر والعمدة فيه فقال عليه الصلاة والسلام الحمد رأس ‏الشكر وما شكر الله من لم يحمده‎ .‎
والذم نقيض الحمد والكفران نقيض الشكر ورفعه بالابتداء وخبره لله وأصله النصب
وقد قرىء به وإنما عدل عنه إلى الرفع ليدل على عموم الحمد وثباته له دون تجدده وحدوثه وهو من المصادر التي ‏تنصب بأفعال مضمرة لا تكاد تستعمل معها والتعريف فيه
للجنس ومعناه الإشارة إلى ما يعرف كل أحد أن الحمد ما هو أو للاستغراق إذ الحمد
في الحقيقة كله له إذ ما من خير إلا وهو موليه بوسط أو بغير وسط كما قال تعالى وما
‎^ ‎بكم من نعمة فمن الله ^ وفيه إشعار بأنه تعالى حي قادر مريد عالم إذ الحمد لا يستحقه
إلا من كان هذا شأنه وقرىء الحمد لله بإتباع الدال اللام وبالعكس تنزيلا لهما من حيث إنهما يستعملان معا منزلة ‏كلمة واحدة . ^ رب العالمين ^ الرب في الأصل مصدر بمعنى التربية وهي تبليغ الشيء إلى
كماله شيئا فشيئا ثم وصف به للمبالغة كالصوم والعدل وقيل هو نعت من ربه يربه فهو رب كقولك نم ينم فهو نم ‏ثم سمى به المالك لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه ولا يطلق على غيره تعالى إلا مقيدا كقوله ^ ارجع إلى ربك ^ والعالم ‏اسم لما يعلم به كالخاتم
والقالب غلب فيما يعلم به الصانع تعالى وهو كل ما سواه من الجواهر والأعراض فإنها لإمكانها وافتقارها إلى مؤثر ‏واجب لذاته تدل على وجوده وإنما جمعه ليشمل ما تحته من الأجناس المختلفة وغلب العقلاء منهم فجمعه بالياء ‏والنون كسائر أوصافهم وقيل اسم وضع لذوي العلم من الملائكة والثقلين وتناوله لغيرهم على سبيل الاستتباع وقيل ‏عني به الناس ههنا فإن كل واحد منهم عالم من حيث إنه يشتمل على نظائر ما في العالم الكبير من الجواهر ‏والأعراض‎ ‎يعلم بها الصانع كما يعلم بما أبدعه في العالم الكبير ولذلك سوى بين النظر فيهما وقال تعالى ^ وفي ‏أنفسكم أفلا تبصرون ^ وقرىء ^ رب العالمين ^ بالنصب على المدح أو النداء أو بالفعل الذي دل عليه الحمد وفيه ‏دليل على أن
الممكنات كما هي مفتقرة إلى المحدث حال حدوثها فهي مفتقرة إلى المبقي حال بقائها ‏
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 01-04-2004, 12:20 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

القرطبى


قوله سبحانه وتعالى: "الحمد لله" روى أبو محمد عبدالغني بن سعيد الحافظ من حديث أبي هريرة ‏وأبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال العبد الحمد لله قال صدق عبدي ‏الحمد لي). وروى مسلم عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ‏ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها). وقال الحسن: ما ‏من نعمة إلا والحمد لله أفضل منها. وروى ابن ماجة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم: (ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ). ‏وفي (نوادر الأصول) عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أن الدنيا ‏كلها بحذافيرها بيد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله لكانت الحمد لله أفضل من ذلك). قال أبو ‏عبدالله: معناه عندنا أنه قد أعطي الدنيا ثم أعطي على أثرها هذه الكلمة حتى نطق بها، فكانت هذه ‏الكلمة أفضل من الدنيا كلها لأن الدنيا فانية والكلمة باقية، هي من الباقيات الصالحات قال الله ‏تعالى: "والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا" [مريم: 76]. وقيل في بعض ‏الروايات: لكان ما أعطى أكثر مما أخذ. فصير الكلمة إعطاء من العبد، والدنيا أخذا من الله فهذا ‏في التدبير. كذاك يجري في الكلام أن هذه الكلمة من العبد والدنيا من الله وكلاهما من الله في ‏الأصل الدنيا منه والكلمة منه أعطاه الدنيا فأغناه وأعطاه الكلمة فشرفه بها في الآخرة. وروى ابن ‏ماجة عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم: (أن عبدا من عباد الله قال يا رب ‏لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فعَضَلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها ‏فصعدا إلى السماء وقالا يا ربنا إن عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها، قال الله عز وجل ‏وهو أعلم بما قال عبده، ماذا قال عبدي؟ قالا يا رب إنه قد قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال ‏وجهك وعظيم سلطانك، فقال الله لهما اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها).‏
‏ قال أهل اللغة: أعضل الأمر: اشتد واستغلق، والمعضّلات [بتشديد الضاد): الشدائد. وعضّلت ‏المرأة والشاة: إذا نشِب ولدها فلم يسهل مخرجه، بتشديد الضاد أيضا فعلى هذا يكون: أعضلت ‏الملكين أو عضلت الملكين بغير باء. والله أعلم. وروي عن مسلم عن أبي مالك الأشعري قال قال ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم: [الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله ‏والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض) وذكر الحديث.‏
اختلف العلماء أيما أفضل قول العبد: الحمد لله رب العالمين، أو قول لا إله إلا الله؟ فقالت طائفة: ‏قوله الحمد لله رب العالمين أفضل لأن في ضمنه التوحيد الذي هو لا إله إلا الله، ففي قوله توحيد ‏وحمد، وفي قوله لا إله إلا الله توحيد فقط. وقالت طائفة: لا إله إلا الله أفضل لأنها تدفع الكفر ‏والإشراك وعليها يقاتل الخلق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى ‏يقولوا لا إله إلا الله). واختار هذا القول ابن عطية قال: والحاكم بذلك قول النبي صلى الله عليه ‏وسلم: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له).‏
أجمع المسلمون على أن الله محمود على سائر نعمه وأن مما أنعم الله به الإيمان فدل على أن ‏الإيمان فعله وخلقه والدليل على ذلك قوله: "رب العالمين". والعالمون جملة المخلوقات ومن ‏جملتها الإيمان لا كما قال القدرية: إنه خلق لهم على ما يأتي بيانه. الحمد في كلام العرب معناه ‏الثناء الكامل، والألف واللام لاستغراق الجنس من المحامد فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه إذ ‏له الأسماء الحسنى والصفات العلا وقد جمع لفظ الحمد جمع القلة في قول الشاعر:‏
‏ وأبلج محمود الثناء خصصته بأفضل أقوالي وأفضل أحمدي‏
فالحمد نقيض الذم، تقول: حمدت الرجل أحمده حمدا فهو حميد ومحمود والتحميد أبلغ من الحمد. ‏والحد أعم من الشكر والحمد: الذي كثرت خصال المحمودة. قال الشاعر:‏
‏ إلى الماجد القرم الجواد المحمد‏
وبذلك سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الشاعر:‏
‏ فشقّ له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد‏
والمحمدة: خلاف المذمة. وأحمد الرجلُ: صار أمره إلى الحمد. وأحمدته: وجدته محمودا، تقول: ‏أتيت موضع كذا فأحمدته، أي صادفته محمودا موافقا، وذلك إذا رضيت سكناه أو مرعاه. ورجل ‏حُمَدَة - مثل هُمَزة - يكثر حمد الأشياء ويقول فيها أكثر مما فيها. وحَمَدة النار - بالتحريك - : ‏صوت التهابها.‏
ذهب أبو جعفر الطبري وأبو العباس المبرد إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد سواء وليس ‏بمرضي. وحكاه أبو عبدالرحمن السلمي في كتاب "الحقائق" له عن جعفر الصادق وابن عطاء. ‏قال ابن عطاء: معناه الشكر لله إذ كان منه الامتنان على تعليمنا إياه حتى حمدناه. واستدل الطبري ‏على أنهما بمعنى بصحة قولك: الحمد لله شكرا. قال ابن عطية: وهو في الحقيقة دليل على خلاف ‏ما ذهب إليه لأن قولك شكرا إنما خصصت به الحمد لأنه على نعمة من النعم. وقال بعض ‏العلماء: إن الشكر أعم من الحمد لأنه باللسان وبالجوارح والقلب والحمد إنما يكون باللسان ‏خاصة. وقيل: الحمد أعم لأن فيه معنى الشكر ومعنى المدح، وهو أعم من الشكر لأن الحمد ‏يوضع موضع الشكر ولا يوضع الشكر موضع الحمد. وروي عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله ‏كلمة كل شاكر، وإن آدم عليه السلام قال حين عطس: الحمد لله. وقال الله لنوح عليه السلام: "فقل ‏الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين" [المؤمنون: 28] وقال إبراهيم عليه السلام: "الحمد لله ‏الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق" [إبراهيم: 3]. وقال في قصة داود وسليمان: "وقالا ‏الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين" [النمل: 15]. وقال لنبيه صلى الله عليه ‏وسلم: "وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا" [الإسراء: 111]. وقال أهل الجنة: "الحمد لله الذي ‏أذهب عنا الحزن" [فاطر: 34]. "وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين" [يونس: 10]. فهي ‏كلمة كل شاكر.‏
‏ قلت: الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان، والشكر ثناء على ‏المشكور بما أولى من الإحسان. وعلى هذا الحد قال علماؤنا: الحمد أعم من الشكر، لأن الحمد ‏يقع على الثناء وعلى التحميد وعلى الشكر، والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن أولاك ‏معروفا فصار الحمد أعم في الآية لأنه يزيد على الشكر. ويذكر الحمد بمعنى الرضا يقال: بلوته ‏فحمدته، أي رضيته. ومنه قوله تعالى: "مقاما محمودا" [الإسراء: 79]. وقال عليه السلام: (أحمد ‏إليكم غسل الإحليل) أي أرضاه لكم. ويذكر عن جعفر الصادق في قوله "الحمد لله": من حمده ‏بصفاته كما وصف نفسه فقد حمد، لأن الحمد حاء وميم ودال، فالحاء من الوحدانية، والميم من ‏الملك، والدال من الديمومية، فمن عرفه بالوحدانية والديمومية والملك فقد عرفه، وهذا هو حقيقة ‏الحمد لله. وقال شقيق بن إبراهيم في تفسير "الحمد لله" قال: هو على ثلاثة أوجه: أولها إذا ‏أعطاك الله شيئا تعرف من أعطاك. والثاني أن ترضى بما أعطاك. والثالث ما دامت قوته في ‏جسدك ألا تعصيه، فهذه شرائط الحمد.‏
أثنى الله سبحانه بالحمد على نفسه وافتتح كتابه بحمده، ولم يأذن في ذلك لغيره بل نهاهم عن ذلك ‏في كتابه وعلى لسان نبيه عليه السلام فقال: "فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى" [النجم: 32]. ‏وقال عليه السلام: (احثوا في وجوه المداحين التراب) رواه المقداد. وسيأتي القول فيه في ‏‏"النساء" إن شاء الله تعالى.‏
‏ فمعنى "الحمد لله رب العالمين" أي سبق الحمد مني لنفسي أن يحمد نفسه أحد من العالمين، ‏وحمدي نفسي لنفسي في الأزل لم يكن بعلة، وحمدي الخلق مشوب بالعلل. قال علماؤنا: فيستقبح ‏من المخلوق الذي لم يعط الكمال أن يحمد نفسه ليستجلب لها المنافع ويدفع عنها المضار. وقيل: ‏لما علم سبحانه عجز عباده عن حمده حمد نفسه بنفسه لنفسه في الأزل فاستفراغ طوق عباده هو ‏محمل العجز عن حمده. ألا ترى سيد المرسلين كيف أظهر العجز بقوله: (لا أحصي ثناء عليك). ‏وأنشدوا:‏
‏ إذا نحن أثنينا عليك بصالح فأنت كما نُثني وفوق الذي نثني‏
وقيل: حَمِد نفسه في الأزل لما علم من كثره نعمه على عباده وعجزهم على القيام بواجب حمده ‏فحمد نفسه عنهم، لتكون النعمة أهنأ لديهم، حيث أسقط به ثقل المنة.‏
وأجمع القراء السبعة وجمهور الناس على رفع الدال من "الحمد لله". وروي عن سفيان بن عيينة ‏ورؤبة بن العجّاج: "الحمد لله" بنصب الدال وهذا على إضمار فعل. ويقال: "الحمد لله" بالرفع ‏مبتدأ وخبر وسبيل الخبر أن يفيد فما الفائدة في هذا؟ فالجواب أن سيبويه قال: إذا قال الرجل ‏الحمد لله بالرفع ففيه من المعنى مثل ما في قولك: حمدت الله حمدا، إلا أن الذي يرفع الحمد يخبر ‏أن الحمد منه ومن جميع الخلق لله، والذي ينصب الحمد يخبر أن الحمد منه وحده لله. وقال غير ‏سيبويه. إنما يتكلم بهذا تعرضا لعفو الله ومغفرته وتعظيما له وتمجيدا، فهو خلاف معنى الخبر ‏وفيه معنى السؤال. وفي الحديث: (من شغل بذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي ‏السائلين). وقيل: إن مدحه عز وجل لنفسه وثناءه عليها ليعلم ذلك عباده فالمعنى على هذا: قولوا ‏الحمد لله. قال الطبري: "الحمد لله" ثناء أثنى به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه ‏فكأنه قال: قولوا الحمد لله، وعلى هذا يجيء قولوا إياك. وهذا من حذف العرب ما يدل ظاهر ‏الكلام عليه كما قال الشاعر:‏
‏ وأعلم أنني سأكون رمسا إذا سار النواعج لا يسير‏
‏ فقال السائلون لمن حفرتم فقال القائلون لهم وزير
المعنى: المحفور له وزير، فحذف لدلاك ظاهر الكلام عليه وهذا كثير. وروي عن ابن أبي عبَلة: ‏‏"الحمد لله" بضم الدال واللام على إتباع الثاني الأول وليتجانس اللفظ وطلب التجانس في اللفظ ‏كثير في كلامهم نحو: أجودك وهو منحدر من الجبل بضم الدال والجيم. قال:‏
‏ ... اضرب الساقينُ أُمّك هابل
بضم النون لأجل ضم الهمزة. وفي قراءة لأهل مكة "مُرُدفين" بضم الراء إتباعا للميم، وعلى ‏ذلك "مُقُتلين" بضم القاف. وقالوا: لإمِّك، فكسروا الهمزة اتباعا للاّم، وأنشد للنعمان بن بشير:‏
‏ ويلِ امِّها في هواء الجو طالبة ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب
الأصل: ويلٌ لأمها، فحذفت اللام الأولى واستثقل ضم الهمزة بعد الكسرة فنقلها للأم ثم أتبع اللام ‏الميم. وروي عن الحسن بن أبي الحسن وزيد بن علي: "الحمدِ لله" بكسر الدال على اتباع الأول ‏الثاني.‏
قوله تعالى: "رب العالمين" أي مالكهم، وكل من ملك شيئا فهو ربه، فالرب: المالك. وفي ‏الصحاح: والرب اسم من أسماء الله تعالى ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية ‏للملك قال الحارث بن حِلِّزة:‏
‏ وهو الرب والشهيد على يوم الحيارين والبلاء بلاء‏
والرب: السيد: ومن قوله تعالى: "اذكرني عند ربك" [يوسف: 42]. وفي الحديث: (أن تلد الأمة ‏ربتها) أي سيدتها وقد بيناه في كتاب (التذكرة). والرب: المصلح والمدبر والجابر والقائم. قال ‏الهروي وغيره: يقال لمن قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد ربه يربه فهو رب له وراب، ومنه سمي ‏الربانيون لقيامهم بالكتب. وفي الحديث: (هل لك من نعمة تربُّها عليه) أي تقوم بها وتصلحها. ‏والرب: المعبود ومنه قول الشاعر:‏
‏ أربٌّ يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب‏
ويقال على التكثير: رباه ورببه وربته، حكاه النحاس. وفي الصحاح: ورب فلان ولده يربه ربا ‏ورببه وترببه بمعنىً، أي رباه. والمربوب: المربى.‏
قال بعض العلماء: إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم لكثرة دعوة الداعين به، وتأمل ذلك في ‏القرآن كما في آخر "آل عمران" وسورة "إبراهيم" وغيرهما، ولما يشعر به هذا الوصف من ‏الصلاة بين الرب والمربوب مع ما يتضمنه من العطف والرحمة والافتقار في كل حال.‏
‏ واختلف في اشتقاقه فقيل: إنه مشتق من التربية، فالله سبحانه وتعالى مدبر لخلقه ومربيهم ومنه ‏قوله تعالى: "وربائبكم اللاتي في حجوركم" [النساء: 23]. فسمى بنت الزوجة ربيبة لتربية ‏الزوج لها.‏
‏ فعلى أنه مدبر لخلقه ومربيهم يكون صفة فعل، وعلى أن الرب بمعنى المالك والسيد يكون ‏صفة ذات.‏
متى أدخلت الألف واللام على "رب" اختص الله تعالى به، لأنها للعهد وإن حذفنا منه صار ‏مشتركا بين الله وبين عباده، فيقال: الله رب العباد وزيد رب الدار فالله سبحانه رب الأرباب يملك ‏المالك والمملوك، وهو خالق ذلك ورازقه وكل رب سواه غير خالق ولا رازق، وكل مملوك ‏فمُمَلَّك بعد أن لم يكن، ومنتزع ذلك من يده وإنما يملك شيئا دون شيء وصفة الله تعالى مخالفة ‏لهذه المعاني فهذا الفرق بين صفة الخالق والمخلوقين.‏
قوله تعالى: "العالمين" اختلف أهل التأويل في "العالمين" اختلافا كثيراً، فقال قتادة: العالمون ‏جمع عالم وهو كل موجود سوى الله تعالى ولا واحد له من لفظه مثل رهط وقوم. وقيل: أهل كل ‏زمان عالم قاله الحسين بن الفضل، لقوله تعالى: "أتأتون الذكران من العالمين" [الشعراء: 165] ‏أي من الناس. وقال العجاج:‏
‏ فخِنْدِفٌ هامة هذا العأْلَمِ‏
وقال جرير بن الخَطَفي:‏
‏ تَنَصَّفُه البرية وهو سامٍ ويُضحي العالَمون له عيالا‏
‏ وقال ابن عباس: العالمون الجن والإنس، دليله قوله تعالى: "ليكون للعالمين نذيرا" [الفرقان: ‏‏1] ولم يكن نذيرا للبهائم. وقال الفراء وأبو عبيدة: العالم عبارة عمن يعقل، وهم أربعة أمم: الإنس ‏والجن والملائكة والشياطين. ولا يقال للبهائم: عالم، لأن هذا الجمع إنما هو جمع من يعقل ‏خاصة.‏
قال الأعشى:‏
‏ ما إن سمعت بمثلهم في العالمينا‏
‏ وقال زيد بن أسلم: هم المرتزقون، ونحوه قول أبي عمرو بن العلاء: هم الروحانيون. وهو ‏معنى قول ابن عباس أيضا: كل ذي روح دب على وجه الأرض. وقال وهب بن منبه: إن لله عز ‏وجل ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا عالم منها. وقال أبو سعيد الخدري: إن لله أربعين ألف عالم، ‏الدنيا من شرقها إلى غربها عالم واحد. وقال مقاتل: العالمون ثمانون ألف عالم، أربعون ألف عالم ‏في البر وأربعون ألف عالم في البحر. وروى الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: الجن عالم ‏والإنس عالم وسوى ذلك للأرض أربع زوايا في كل زاوية ألف وخمسمائة عالم خلقهم لعبادته. ‏
‏ قلت: والقول الأول أصح هذه الأقوال، لأنه شامل لكل مخلوق وموجود دليله قوله تعالى: "قال ‏فرعون وما رب العالمين. قال رب السماوات والأرض وما بينهما" [الشعراء: 23] ثم هو مأخوذ ‏من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده. كذا قال الزجاج قال: العالم كل ما خلقه الله في الدنيا ‏والآخرة. وقال الخليل: العلم والعلامة والمعلم: ما دل على الشيء، فالعالم دال على أن له خالقا ‏ومدبرا وهذا واضح. وقد ذكر أن رجلا قال بين يدي الجنيد: الحمد لله فقال له: أتمها كما قال الله ‏قل رب العالمين فقال الرجل: ومن العالمين حتى تذكر مع الحق؟ قال: قل يا أخي؟ فإن المحدث ‏إذا قرن مع القديم لا يبقى له أثر.‏
يجوز الرفع والنصب في "رب" فالنصب على المدح والرفع على القطع، أي هو رب العالمين.‏
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-04-2004, 12:23 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

ابن كثير


الْحَمْدُ للّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ‎ ‎
‎ ‎القراء السبعة على ضم الدال في قوله الحمد لله هو مبتدأ وخبر. وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج ‏أنهما قالا (الحمد لله) بالنصب وهو على إضمار فعل وقرأ ابن أبي عبلة الحمد لله بضم الدال واللام اتباعاً للثاني ‏الأول وله شواهد لكنه شاذ, وعن الحسن وزيد بن علي {الحمد لله} بكسر الدال اتباعاً للأول الثاني.‏
‎ ‎قال أبو جعفر بن جرير معنى {الحمدالله} الشكر لله خالصاً دون سائر ما يعبد من دونه, ودون كل ما برأ من ‏خلقه بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد ولا يحيط بعددها غيره أحد, في تصحيح الاَلات لطاعته ‏وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق, وغذاهم من نعيم العيش من ‏غير استحقاق منهم ذلك عليه, ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام ‏في النعيم المقيم, فلربنا الحمد على ذلك كله أولاً وآخراً. وقال ابن جرير رحمه الله: الحمد لله ثناء أثنى به على ‏نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال: قولوا الحمد لله. قال وقد قيل أن قول القائل الحمد لله ثناء عليه ‏بأسمائه الحسنى وصفاته العلى, وقوله الشكر لله ثناء عليه بنعمه وأياديه ثم شرع في رد ذلك بما حاصله أن جميع ‏أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلاً من الحمد والشكر مكان الاَخر وقد نقل السلمي هذا المذهب أنهما سواء ‏عن جعفر الصادق وابن عطاء من الصوفية, وقال ابن عباس الحمد لله كلمة كل شاكر, وقد استدل القرطبي لابن ‏جرير بصحة قول القائل الحمد لله شكراً, وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر, لأنه اشتهر عند كثير من العلماء ‏من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية, والشكر لا يكون إلا على ‏المتعدية ويكون بالجنان واللسان والأركان كما قال الشاعر:‏
‎ ‎أفادتكم النعماء مني ثلاثة:يدي ولساني والضمير المحجبا
‎ ‎ولكنهم اختلفوا أيهما أعمّ الحمد أو الشكر على قولين والتحقيق أن بينهما عموماً وخصوصاً فالحمد أعم من ‏الشكر من حيث ما يقعان عليه لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية, تقول حمدته لفروسيته وحمدته لكرمه ‏وهو أخص, لأنه لا يكون إلا بالقول, والشكر أعم من حيث ما‎ ‎يقعان عليه لأنه يكون بالقول والفعل والنية كما تقدم ‏وهو أخص لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية لا يقال شكرته لفروسيته وتقول شكرته على كرمه وإحسانه ‏إليّ. هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين والله أعلم‎.‎
‎ ‎وقال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري: الحمد نقيض الذم, تقول حمدت الرجل أحمده حمداً ومحمدة فهو ‏حميد ومحمود والتحميد أبلغ من الحمد, والحمد أعم من الشكر, وقال في الشكر هو الثناء على المحسن بما أولاه ‏من المعروف يقال شكرته وشكرت له وباللام أفصح. وأما المدح فهو أعم من الحمد لأنه يكون للحي وللميت ‏وللجماد أيضاً كما يمدح الطعام والمكان ونحو ذلك ويكون قبل الإحسان وبعده, وعلى الصفات المتعدية واللازمة ‏أيضاً فهو أعم.‏

ذكر أقوال السلف في الحمد
‎ ‎قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو معمر القطيعي حدثنا حفص عن حجاج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس ‏رضي الله عنهما قال: قال عمر رضي الله عنه: قد علمنا سبحان الله ولا إله إلا الله, فما الحمد لله, فقال علي: كلمة ‏رضيها الله لنفسه, ورواه غير أبي معمر عن حفص فقال: قال عمر لعلي ـ وأصحابه عنده ـ: لا إله إلا الله وسبحان ‏الله والله أكبر قد عرفناها فما الحمد لله ؟ قال علي: كلمة أحبها الله تعالى لنفسه ورضيها لنفسه وأحب أن تقال, ‏وقال علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران: قال ابن عباس: الحمد لله كلمة الشكر وإذا قال العبد الحمد لله ‏قال: شكرني, عبدي رواه ابن أبي حاتم, وروى أيضاً هو وابن جرير من حديث بشر بن عمارة عن أبي روق عن ‏الضحاك عن ابن عباس أنه قال الحمد لله هو الشكر لله هو الاستخذاء له والإقرار له بنعمته وهدايته وابتدائه وغير ‏ذلك, وقال كعب الأحبار: الحمد لله ثناء الله, وقال الضحاك: الحمد لله رداء الرحمن, وقد ورد الحديث بنحو ذلك.‏
‎ ‎قال ابن جرير: حدثنا سعيد بن عمرو السكوني حدثنا بقية بن الوليد حدثني عيسى بن إبراهيم عن موسى بن أبي ‏حبيب عن الحكم بن عمير وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قلت الحمد لله رب ‏العالمين فقد شكرت الله فزادك, وقد روى الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا روح حدثنا عوف عن الحسن عن الأسود ‏بن سريع قال: قلت يا رسول الله ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي تبارك وتعالى فقال: «أما إن ربك يحب الحمد» ‏ورواه النسائي عن علي بن حجر عن ابن علية عن يونس بن عبيد عن الحسن الأسود بن سريع به. وروى أبو ‏عيسى الحافظ الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث موسى بن إبراهيم بن كثير عن طلحة بن خراش عن جابر ‏بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أفضل الذكر لا إله إلا الله, وأفضل الدعاء الحمد لله» وقال ‏الترمذي حسن غريب, وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: «ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد الله إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ» وقال القرطبي في تفسيره ‏وفي نوادر الأصول عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن الدنيا بحذافيرها في يد رجل من أمتي ‏ثم قال الحمد لله كان الحمد لله أفضل من ذلك» قال القرطبي وغيره أي لكان إلهامه الحمد لله أكثر نعمة عليه من ‏نعم الدنيا لأن ثواب الحمد لله لا يفنى ونعيم الدنيا لا يبقى قال الله تعالى: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا ‏والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً} وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم حدثهم أن عبداً من عباد الله قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فعضلت ‏بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى الله فقالا يا ربنا إن عبداً قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها, قال الله, ‏وهو أعلم بما قال عبده, ماذا قال عبدي ؟ قالا يا رب إنه قال: لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم ‏سلطانك. فقال الله لهما «اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها» وحكى القرطبي عن طائفة أنهم قالوا قول ‏العبد الحمد لله رب العالمين أفضل من قوله لا إله إلا الله لاشتمال الحمد لله رب العالمين على التوحيد مع الحمد, ‏وقال آخرون لا إله إلا الله أفضل لأنها تفصل بين الإيمان والكفر وعليها يقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله, كما ‏ثبت في الحديث المتفق عليه وفي الحديث الاَخر: «أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا ‏شريك له» وقد تقدم عن جابر مرفوعاً «أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله» وحسنه الترمذي ‏والألف واللام في الحمد لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى كما جاء في الحديث «اللهم لك الحمد ‏كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله» الحديث.‏
‎ ‎والرب هو المالك المتصرف ويطلق في اللغة على السيد وعلى المتصرف للإصلاح وكل ذلك صحيح في حق ‏الله ولا يستعمل الرب لغير الله بل بالإضافة تقول: رب الدار, رب كذا, وأما الرب فلا يقال إلا الله عز وجل, وقد ‏قيل إنه الاسم الأعظم. والعالمين جمع عالم وهو كل موجود سوى‎ ‎الله عز وجل والعالم جمع لا واحد له من لفظه, ‏والعوالم أصناف المخلوقات في السموات وفي البر والبحر وكل قرن منها وجيل يسمى عالماً أيضاً. قال بشر بن ‏عمار عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس {الحمد لله رب العالمين} الحمد لله الذي له الخلق كله السموات ‏والأرض وما فيهنّ وما بينهن مما نعلم ومما لا نعلم. وفي رواية سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس: رب ‏الجن والإنس, وكذلك قال سعيد بن جبير ومجاهد وابن جريج وروي عن علي نحوه قال ابن أبي حاتم بإسناده لا ‏يعتمد عليه, واستدل القرطبي لهذا القول بقوله تعالى: {ليكون للعالمين نذيراً} وهم الجن والإنس. قال الفراء وأبو ‏عبيد: العالم عبارة عما يعقل وهم الإنس والجن والملائكة والشياطين ولا يقال للبهائم عالم. وعن زيد بن أسلم ‏وأبي محيصن العالم كل ما له روح ترفرف. وقال قتادة: رب العالمين كل صنف عالم, وقال الحافظ ابن عساكر ‏في ترجمة مروان بن محمد وهو أحد خلفاء بني أمية وهو يعرف بالجعد ويلقب بالحمار أنه قال خلق الله سبعة ‏عشر ألف عالم أهل السموات وأهل الأرض عالم واحد وسائرهم لا يعلمهم إلا الله عز وجل.‏
‎ ‎وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: {رب العالمين} قال الإنس عالم وما ‏سوى ذلك ثمانية عشر ألف أو أربعة عشر ألف عالم ـ هو يشك ـ الملائكة على الأرض وللأرض أربع زوايا, في ‏كل زاوية ثلاثة ألاف عالم وخمسمائة عالم خلقهم الله لعبادته. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وهذا كلام غريب ‏يحتاج مثله إلى دليل صحيح. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا هشام بن خالد حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا ‏الفرات, يعني ابن الوليد, عن معتب بن سمي عن سبيع يعني الحميري في قوله تعالى: {رب العالمين} قال: ‏العالمين ألف أمة فستمائة في البحر وأربعمائة في البر, وحكي مثله عن سعيد بن المسيب وقد روي نحو هذا ‏مرفوعاً كما قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى في مسنده: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبيد بن واقد ‏القيسي أبو عباد حدثني محمد بن عيسى بن كيسان حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قلّ الجراد ‏في سنة من سني عمر التي ولي فيها, فسأل عنه فلم يخبر بشيء, فاغتم لذلك, فأرسل راكباً يضرب إلى اليمن ‏وآخر إلى الشام وآخر إلى العراق يسأل هل رؤي من الجراد بشيء, أم لا قال فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن ‏بقبضة من جراد, فألقاها بين يديه فلما رآها كبر ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «خلق الله ‏ألف أمة: ستمائة في البحر وأربعمائة في البر, فأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد فإذا هلك تتابعت مثل النظام ‏إذا قطع سلكه» محمد بن عيسى هذا وهو الهلالي ضعيف وحكى البغوي عن سعيد بن المسيب أنه قال لله ألف ‏عالم ستمائة في البحر وأربعمائة في البر وقال وهب بن منبه لله ثمانية عشر ألف عالم الدنيا عالم منها, وقال ‏مقاتل: العوالم ثمانون ألفاً, وقال كعب الأحبار لا يعلم عدد العوالم إلا الله عز وجل نقله البغوي. وحكى القرطبي ‏عن أبي سعيد الخدري أنه قال إن لله أربعين ألف عالم الدنيا من شرقها إلى مغربها عالم واحد منها, وقال الزجاج ‏العالم كل ما خلق الله في الدنيا والاَخرة قال القرطبي: وهذا هو الصحيح إنه شامل لكل العالمين كقوله: {قال ‏فرعون وما رب العالمين ؟ * قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين} والعالم مشتق من العلامة ‏‏(قلت) لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته كما قال ابن المعتز:‏
‎ ‎فيا عجباً كيف يعصى الإلهأم كيف يجحده الجاحد
‎ ‎وفي كل شيء له آيةتدل على أنه واحد
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 01-04-2004, 12:24 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

الدر المنثور للسيوطى


‏- قوله تعالى: الحمد لله (رب العالمين)‏
‏%أخرج عبد الرزاق في المصنف والحكيم الترمذي في نوادر الأصول ‏والخطابي في الغريب والبيهقي في الأدب والديلمي في مسند الفردوس ‏والثعلبي عن عبد الله بن عمرو بن العاص"عن رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم أنه قرأ {الحمد} رأس الشكر، فما شكر الله عبد لا يحمده".‏
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن النواس بن سمعان قال: ‏سرقت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "لئن ردها الله لأشكرن ‏ربي، فوقعت في حي من أحياء العرب فيهم امرأة مسلمة، فوقع في خلدها ‏أن تهرب عليها، فرأت من القوم غفلة فقعدت عليها ثم حركتها فصبحت بها ‏المدينة، فلما رآها المسلمون فرحوا بها، ومشوا بمجئها حتى أتوا رسول الله ‏فلما رآها قال {الحمد لله} فانتظروا هل يحدث رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم صوما أو صلاة؟ فظنوا أنه نسي فقالوا: يا رسول الله قد كنت قلت لئن ‏ردها الله لأشكرن ربي. قال: ألم أقل {الحمد لله}؟ ".‏
وأخرج ابن جرير والحاكم في تاريخ نيسابور والديلمي بسند ضعيف عن ‏الحكم بن عمير وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏"إذا قلت {الحمد لله رب العالمين} فقد شكرت الله فزادك".‏
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال ‏‏{الحمد لله} كلمة الشكر إذا قال العبد {الحمد لله} قال الله شكرني عبدي.‏
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: {الحمد} هو الشكر ‏والاستحذاء لله، والإقرار بنعمه، وهدايته، وابتدائه. وغير ذلك.‏
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال عمر: قد علمنا سبحان الله، ‏ولاإله إلا الله، فما الحمد؟ قال علي: كلمة رضيها الله لنفسه، وأحب أن تقال.‏
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن كعب قال {الحمد لله} ثناء على الله.‏
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك قال {الحمد} رداء الرحمن.‏
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن الجبائي قال: ‏الصلاة شكر، والصيام شكر، وكل خير تفعله لله شكر، وأفضل الشكر ‏‏{الحمد}.‏
وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي في شعب ‏الإيمان عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏"أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء {الحمد لله} ".‏
وأخرج ابن ماجه والبيهقي بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم "ما أنعم الله على عبده نعمة فقال {الحمد لله} إلا كان الذي ‏أعطى أفضل مما أخذه".‏
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم "ما من عبد ينعم عليه بنعمة إلا كان {الحمد} أفضل منها".‏
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي في الشعب عن الحسن قال: قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم "ما أنعم الله على عبد نعمة يحمد الله عليها إلا كان كان ‏حمد الله أعظم منها، كائنة ما كانت".‏
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس قال: قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم " لو أن الدنيا كلها بحذافيرها في يد رجل من أمتي، ثم ‏قال {الحمد لله} لكان الحمد أفضل من ذلك".‏
وأخرج أحمد ومسلم والنسائي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم "الطهور شطر الإيمان {والحمد لله} تملأ الميزان، ‏وسبحان الله تملآن - أو تملأ - ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، ‏والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس ‏يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها".‏
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذي وحسنه وابن مردويه عن رجل ‏من بني سليم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "سبحان الله نصف ‏الميزان، والحمد لله تملأ الميزان، والله أكبر يملأ ما بين السماء والأرض، ‏والطهور نصف الميزان، والصوم نصف الصبر".‏
وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم "التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، ولا إله إلا الله ليس لها ‏دون الله حجاب حتى تخلص إليه".‏
وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد والنسائي والحاكم وصححه وأبو ‏نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان عن الأسود بن سريع التميمي قال ‏‏"قلت: يا رسول الله ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي تبارك وتعالى قال: ‏أما أن ربك يحب الحمد".‏
وأخرج ابن جرير عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏‏"ليس شيء أحب إليه الحمد من الله، ولذلك أثنى على نفسه فقال {الحمد لله} ‏‏".‏
وأخرج البيهقي عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "التأني ‏من الله، والعجلة من الشيطان، وما شيء أكثر معاذير من الله، وما شيء ‏أحب إلى الله من الحمد".‏
وأخرج ابن شاهين في السنة والديلمي من طريق أبان عن أنس قال: قال ‏رسول الله"التوحيد ثمن الجنة، و {الحمد لله} ثمن كل قطعة، ويتقاسمون ‏الجنة بأعمالهم".‏
وأخرج الخطيب في تالي التلخيص من طريق ثابت عن أنس ‏مرفوعا"التوحيد ثمن الجنة، والحمد وفاء شكر كل نعمة".‏
وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة ‏قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد ‏الله فهو أقطع".‏
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس قال: إذا عطس أحدكم ‏فقال {الحمد لله} قال الملك: رب العالمين فإذا قال رب العالمين قال الملك ‏يرحمك الله.‏
وأخرج البخاري في الأدب وابن السني وأبو نعيم كلاهما في الطب النبوي ‏عن علي ابن أبي طالب قال: من قال عند كل عطسة سمعها {الحمد لله رب ‏العالمين} على كل حال ما كان. لم يجد وجع الضرس والأذن أبدا.‏
وأخرج الحكيم الترمذي عن واثله بن الأسقع قال:قال رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم "من بادر العاطس بالحمد لم يضره شيء من داء البطن" ‏وأخرج الحكيم الترمذي عن موسى بن طلحة قال: أوحى الله إلى سليمان: ‏إن عطس عاطس من وراء سبعة أبحر فاذكرني.‏
وأخرج البيهقي عن علي قال "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ‏من أهله فقال: اللهم لك علي إن رددتهم سالمين أن أشكرك حق شكرك. فما ‏لبثوا أن جاؤا سالمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم {الحمد لله} على ‏سابغ نعم الله فقلت يا رسول الله ألم تقل إن ردهم الله أن أشكره حق شكره ‏فقال أو لم أفعل".‏
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر وابن مردويه والبيهقي من طريق ‏سعد بن اسحق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده قال "بعث رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم بعثا من الأنصار وقال: إن سلمهم الله وأغنهم فإن لله ‏علي في ذلك شكرا. فلم يلبثوا أن غنموا وسلموا فقال بعض أصحابه: ‏سمعناك تقول إن سلمهم الله وأغنهم فإن لله علي في ذلك شكرا قال: قد ‏فعلت! قلت: اللهم شكرا، ولك الفضل المن فضلا".‏
وأخرج أبو نعيم في الحلية والبيهقي عن جعفر بن محمد قال: فقد أبي بغلته ‏فقال: لئن ردها الله علي لأحمدنه بمحامد يرضاها، فما لبث أن أتى بها ‏بسرجها ولجامها، فركبها فلما استوى عليها رفع رأسه إلى السماء فقال ‏‏{الحمد لله} لم يزد عليها فقيل له: في ذلك... فقال: وهل تركت شيئا أو ‏أبقيت شيئا؟ جعلت الحمد كله لله عز وجل.‏
وأخرج البيهقي من طريق منصور بن إبراهيم قال: يقال إن {الحمد لله} ‏أكثر الكلام تضعيفا.‏
وأخرج أبو الشيخ والبيهقي عن محمد بن حرب قال: قال سفيان الثوري: ‏‏{الحمد لله} ذكر وشكر، وليس شيء يكون ذكرا وشكرا غيره.‏
وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عمرو بن العاص ‏قال: إن العبد إذا قال: سبحان الله فهي صلاة الخلائق، وإذا قال {الحمد لله} ‏فهي كلمة الشكر التي لم يشكر عبد قط حتى يقولها؛ وإذا قال لا إله إلا الله ‏فهي كلمة الإخلاص التي لم يقبل الله من عبد قط عملا حتى يقولها، وإذا ‏قال: الله أكبر ملأ ما بين السماء والأرض، وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا ‏بالله قال الله: أسلم واستسلم.‏
‏2 - قوله تعالى: (الحمد لله) رب العالمين
‏%أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ‏وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله {رب العالمين} قال: الجن ‏والإنس.‏
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {رب العالمين} قال: ‏الجن والإنس.‏
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير، مثله.‏
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {رب العالمين} ‏قال: إله الخلق كله. السموات كلهن ومن فيهن، والأرضون كلهن ومن فيهن ‏ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم.‏
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو يعلى في مسنده وابن عدي ‏في الكامل وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإيمان والخطيب في ‏التاريخ بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله قال: قل الجراد في سنة من سني ‏عمر التي ولي فيها، فسأل عنه فلم يخبر بشيء، فاغتم لذلك فأرسل راكبا ‏يضرب إلى كداء، وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق، يسأل هل رؤي من ‏الجراد شيء أولا؟ فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد، ‏فألقاها بين يديه. فلما رآها كبر ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم يقول"خلق الله ألف أمة، ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر، فأول ‏شيء يهلك من هذه الأمم الجراد، فإذا أهلكت تتابعت مثل النظام إذا قطع ‏سلكه".‏
وأخرج ابن جريج عن قتادة في قوله {رب العالمين} قال: كل صنف عالم.‏
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن تتبع الجهري قال: العالمون ألف أمة. ‏فستمائة في البحر، وأربعمائة في البر.‏
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {رب العالمين} ‏قال: الإنس عالم، والجن عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم من ‏الملائكة، وللأرض أربع زوايا في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم وخمسمائة ‏عالم خلقهم لعبادته.‏
وأخرج الثعلبي من طريق شهر بن حوشب عن أبي كعب قال: العالمون ‏الملائكة وهم ثمانون ثمانية عشر ألف ملك، منهم أربعمائة أو خمسمائة ملك ‏بالمشرق، ومثلها بالمغرب، ومثلها بالكتف الثالث من الدنيا، ومثلها بالكتف ‏الرابع من الدنيا، مع كل ملك من الأعوان ما لا يعلم عددهم إلا الله.‏
وأخرج أبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية عن وهب قال: إن لله عز وجل ثمانية ‏عشر ألف عالم. الدنيا منها عالم واحد.‏
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 01-04-2004, 12:26 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

فتح القدير للشوكانى



‏"الحمد لله" الحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري، وبقيد الاختيار فارق المدح، ‏فإنه يكون على الجميل وإن لم يكن الممدوح مختاراً كمدح الرجل على جماله وقوته ‏وشجاعته. وقال صاحب الكشاف: إنهما إخوان، والحمد أخص من الشكر مورداً وأعم منه ‏متعلقاً. فمورد الحمد اللسان فقط، ومتعلقه النعمة وغيرها. ومورد الشكر اللسان والجنان ‏والأركان، ومتعلقه النعمة. وقيل: إن مورد الحمد كمورد الشكر، لأن كل ثناء باللسان لا ‏يكون من صميم القلب مع موافقة الجوارح ليس بحمد بل سخرية واستهزاء. وأجيب بأن ‏اعتبار موافقة القلب والجوارح في الحمد لا يستلزم أن يكون مورداً له بل شرطاً- وفرق ‏بين الشرط والشطر وتعريفه لاستغراق أفراد الحمد وأنها مختصة بالرب سبحانه على معنى ‏أن حمد غيره لا اعتداد به، لأن المنعم هو الله عز وجل، أو على أن حمده هو الفرد الكامل ‏فيكون الحصر ادعائياً. ورجح صاحب الكشاف أن التعريف هنا هو تعريف الجنس لا ‏الاستغراق، والصواب ما ذكرناه. وقد جاء في الحديث: "الله لك الحمد كله" وهو مرتفع ‏بالابتداء وخبره الظرف وهو الله. وأصله النصب على المصدرية بإضمار فعله كسائر ‏المصادر التي تنصبها العرب، فعدل عنه إلى الرفع لقصد الدلالة على الدوام والثبات المستفاد ‏من الجمل الإسمية دون الحدوث والتجدد اللذين تفيدهما الجمل الفعلية، واللام الداخلة على ‏الاسم الشريف هي لام الاختصاص. قال ابن جرير: الحمد ثناء أثنى به على نفسه، وفي ‏ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال: قولوا الحمد لله، ثم رجح اتحاد الحمد والشكر ‏مستدلاً على ذلك بما حاصله: أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلاً من الحمد ‏والشكر مكان الآخر. قال ابن كثير: وفيه نظر لأنه اشتهر عند كثير من العلماء المتأخرين أن ‏الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية. والشكر لا يكون إلا على ‏المتعدية ويكون بالجنان واللسان والأركان انتهى. ولا يخفى أن المرجع في مثل هذا إلى ‏معنى الحمد في لغة العرب لا إلى ما قاله جماعة من العلماء المتأخرين، فإن ذلك لا يرد على ‏ابن جرير، ولا تقوم به الحجة، هذا إذا لم يثبت للحمد حقيقة شرعية، فإن ثبتت وجب ‏تقديمها. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال عمر: قد علمنا سبحان الله ولا ‏إله إلا الله، فما الحمد لله؟ فقال علي: كلمة رضيها لنفيه. وروى ابن أبي حاتم أيضاً عن ابن ‏عباس أنه قال: الحمد لله كلمة الشكر، وإذا قال العبد الحمد لله قال: شكرني عبدي. وروى ‏هو وابن جرير عن ابن عباس أيضاً أنه قال: الحمد لله هو الشكر لله والاستحذاء له والإقرار ‏له بنعمه وهدايته وابتدائه وغير ذلك. وروى ابن جرير عن الحكم بن عمير، وكانت له ‏صحبة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا قلت الحمد لله رب العالمين فقد شكرت الله ‏فزادك". وأخرج عبد الرزاق في المصنف والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والخطابي في ‏الغريب والبيهقي في الأدب والديلمي في مسند الفردوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص ‏عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الحمد راس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده". ‏وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: "الصلاة شكر، والصيام ‏وكل خير تفعله شكر وأفضل الشكر الحمد". وأخرج الطبراني في الأوسط بسيد ضعيف عن ‏النواس بن سمعان قال: "سرقت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لئن ردها الله ‏علي لأشكرن ربي فرجعت، فلما رآها قال: الحمد لله، فانتظروا هل يحدث رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم صوماً أو صلاة، فظنوا أنه نسي فقالوا: يا رسول الله قد كنت قلت: لئن ردها ‏الله علي لأشكرن ربي، قال: ألم أقل الحمد لله؟". وقد ورد في فضل الحمد أحاديث. منها: ما ‏أخرجه أحمد والنسائي والحاكم وصححه، والبخاري في الأدب المفرد عن الأسود بن سريع ‏قال: قلت يا رسول الله ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي تبارك وتعالى؟ فقال: "أما إن ربك ‏يحب الحمد". وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي عن جابر ‏قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد ‏لله". وأخرج ابن ماجه والبيهقي بسند حسن عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: "ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ". ‏وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والقرطبي في تفسيره عن أنس عن النبي صلى ‏الله عليه وسلم قال: "لو أن الدنيا كلها بحذافيرها في يد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله، ‏لكان الحمد أفضل من ذلك". قال القرطبي: معناه لكان إلهامه الحمد أكبر نعمة عليه من نعم ‏الدنيا، لأن ثواب الحمد لا يفنى، ونعيم الدنيا لا يبقى. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ‏جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد ينعم عليه بنعمة إلا كان الحمد ‏أفضل منها". وأخرج عبد الرزاق في المصنف نحوه عن الحسن مرفوعاً. وأخرج مسلم ‏والنسائي وأحمد من أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الطهور ‏شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان" الحديث. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذي ‏وحسنه وابن مردويه عن رجل من بني سليم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ‏‏"سبحان الله نصف الميزان، والحمد لله تملأ الميزان والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض ‏والطهور نصف الإيمان والصوم نصف الصبر". وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد الله بن ‏عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، ‏ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تخلص إليه". وأخرج البيهقي عن أنس قال: ‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التأني من الله، والعجلة من الشيطان، وما شيء أكثر ‏معاذير من الله، وما شيء أحب إلى الله من الحمد". وأخرج ابن شاهين في السنة والديلمي ‏عن أبان بن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التوحيد ثمن الجنة، والحمد ‏ثمن كل نعمة، ويتقاسمون الجنة بأعمالهم". وأخرج أهل السنن وابن حبان والبيهقي عن ‏أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله ‏فهو أقطع". وأخرج ابن ماجه في سننه عن ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏حدثهم أن عبداً من عباد الله قال: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، ‏فلم يدر الملكان كيف يكتبانها، فصعدا إلى السماء فقالا: يا ربنا إن عبداً قد قال مقالة لا ‏ندري كيف نكتبها، قال الله وهو أعلم بما قال عبده: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب إنه قال: لك ‏الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتى ‏يلقاني وأجزيه بها". وأخرج مسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ‏الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها". "رب ‏العالمين" قال في الصحاح: الرب اسم من أسماء الله تعالى، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، ‏وقد قالوه في الجاهلية للملك. وقال في الكشاف: الرب المالك. ومنه قول صفوان لأبي ‏سفيان: لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن، ثم ذكر نحو ‏كلام الصحاح. قال القرطبي في تفسيره: والرب السيد، ومنه قوله تعالى: "اذكرني عند ربك" ‏وفي الحديث: "أن تلد الأمة ربها"، والرب: المصلح والمدبر والجابر والقائم قال: والرب ‏المعبود. ومنه قول الشاعر: أرب يبول الثعلبان برأسه لقد هان من بالت عليه الثعالب ‏و"العالمين": جمع العالم، وهو كل موجود سوى الله تعالى، قاله قتادة. وقيل: أهل كل زمان ‏عالم، قاله الحسين بن الفضل. وقال ابن عباس: العالمون الجن والإنس. وقال الفراء وأبو ‏عبيد: العالم عبارة عمن يعقل وهم أربعة أمم: الإنس، والجن، والملائكة، والشياطين. ولا ‏يقال للبهائم عالم، لأن هذا الجمع إنما هو جمع ما يعقل. حكى هذه الأقوال القرطبي في ‏تفسيره وذكر أدلتها وقال: إن القول الأول أصح هذه الأقوال لأنه شامل لكل مخلوق ‏وموجود، دليله قوله تعالى: " قال فرعون وما رب العالمين * قال رب السماوات والأرض ‏وما بينهما " وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده، كذا قال الزجاج. وقال: ‏العالم كل ما خلقه الله في الدنيا والآخرة انتهى. وعلى هذا يكون جمعه على هذه الصيغة ‏المختصة بالعقلاء تغليباً للعقلاء على غيرهم. وقال في الكشاف: ساغ ذلك لمعنى الوصفية ‏فيه، وهي الدلالة على معنى العلم. وقد أخرج ما تقدم من قول ابن عباس عنه الفريابي ‏وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه. وأخرجه عبد بن ‏حميد وابن جرير عن مجاهد. وأخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير. وأخرج ابن جبير وابن ‏أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: "رب العالمين" قال: إله الخلق كله: السموات كلهن ‏ومن فيهن: والأرضون كلهن ومن فيهن ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم.‏
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 01-04-2004, 12:27 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

أضواء البيان للشنقيطى


، لم يذكر لحمده هنا ظرفًا مكانيًا ولا زمانيًا . وذكر في سورة الروم أن من ‏ظروفه المكانية: السماوات والأرض في قوله : {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى * ٱلسَّمَـٰوَاتِ ‏وَٱلاْرْضَ}، وذكر في سورة القصص أن من ظروفه الزمانية : الدنيا والآخرة في ‏قوله : {وَهُوَ ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلاْولَىٰ وَٱلاْخِرَةِ}، وقال في أول ‏سورة سبأ : {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلاْخِرَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} والألف واللام في {ٱلْحَمْدُ} ‏لاستغراق جميع المحامد . وهو ثناء أثنى به تعالىٰ على نفسه وفي ضمْنه أمَرَ ‏عباده أن يثنوا عليه به.‏
وقوله تعالىٰ : {رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} لم يبين هنا ما العالمون ، وبين ذلك في موضع ‏آخر بقوله : {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * قَالَ رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ وَمَا ‏بَيْنَهُمَا}‏
قال بعض العلماء : اشتقاق العالم من العلامة ، لأن وجود العالم علامة لا شك ‏فيها على وجود خالقه متصفًا بصفات الكمال والجلال ، قال تعالىٰ : {إِنَّ فِي خَلْقِ ‏ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لاَيَـٰتٍ لاِوْلِى ٱلاْلْبَـٰبِ}، والآية في ‏اللغة : العلامة .‏
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 01-04-2004, 12:29 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

التحرير والتنوير لإبن عاشور



ولما لقن المؤمنون هاته المناجاة البديعة التي لا يهتدي إلى الإحاطة بها في كلامه غير علام الغيوب ‏سبحانه قدم الحمد عليها ليضعه المناجون كذلك في مناجاتهم جريا على طريقة بلغاء العرب عند ‏مخاطبة العظماء أن يفتتحوا خطابهم إياهم وطلبتهم بالثناء والذكر الجميل. قال أمية ابن أبي الصلت ‏يمدح عبد الله بن جدعان‎: ‎أأذكر حاجتي أم قد كفاني‎ ‎حياؤك إن شيمتك الحياء‎ ‎إذا أثنى عليك المرء ‏يوما‎ ‎كفاه عن تعرضه الثناء‎ ‎


‏ فكان افتتاح الكلام بالتحميد، سنة الكتاب المجيد، لكل بليغ مجيد، فلم يزل المسلمون من يومئذ ‏يلقبون كل كلام نفيس لم يشتمل في طالعه على الحمد بالأبتر أخذا من حديث أبي هريرة عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أو بالحمد فهو أقطع . وقد لقبت خطبة ‏زياد ابن أبي سفيان التي خطبها بالبصرة بالبتراء لأنه لم يفتتحها بالحمد. وكانت سورة الفاتحة لذلك ‏منزلة من القرآن منزلة الديباجة للكتاب أو المقدمة للخطبة. ولذلك شأن مهم في صناعة الإنشاء فإن ‏تقديم المقدمة بين يدي المقصود أعون للأفهام وأدعى لوعيها‎. ‎
‎ ‎والحمد هو الثناء على الجميل أي الوصف الجميل الاختياري فعلا كان كالكرم وإغاثة الملهوف أم ‏غيره كالشجاعة. وقد جعلوا الثناء جنسا للحمد فهو أعم منه ولا يكون ضده. فالثناء الذكر بخير ‏مطلقا وشذ من قال يستعمل الثناء في الذكر مطلقا ولو بشر، ونسبا إلى ابن القطاع وغره في ذلك ما ‏ورد في الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه ‏شرا وجبت له النار وإنما هو مجاز دعت إليه المشاكلة اللفظية والتعريض بأن من كان متكلما في ‏مسلم فليتكلم بثناء أو ليدع، فسمى ذكرهم بالشر ثناء تنبيها على ذلك. وأما الذي يستعمل في الخير ‏والشر فهو النثاء بتقديم النون وهو في الشر أكثر كما قيل. وأما المدح فقد اختلف فيه فذهب ‏الجمهور إلى أن المدح أعم من الحمد فإنه يكون على الوصف الاختياري وغيره. وقال صاحب ‏الكشاف الحمد والمدح أخوان فقيل أراد أخوان في الاشتقاق الكبير نحو جبذ وجذب، وإن ذلك ‏اصطلاح له في الكشاف في معنى أخوة اللفظين لئلا يلزم من ظاهر كلامه أن المدح يطلق على الثناء ‏على الجميل الاختياري، لكن هذا فهم غير مستقيم والذي عليه المحققون من شراح الكشاف أنه أراد ‏من الأخوة هنا الترادف لأنه ظاهر كلامه؛ ولأنه صريح قوله في الفائق الحمد هو المدح والوصف ‏بالجميل ولأنه ذكر الذم نقيضا للحمد إذ قال في الكشاف والحمد نقيضه الذم مع شيوع كون الذم ‏نقيضا للمدح، وعرف علماء اللغة أن يريدوا من النقيض المقابل لا ما يساوي النقيض حتى يجاب بأنه ‏أراد من النقيض ما لا يجامع المعنى والذم لا يجامع الحمد وإن لم يكن معناه رفع معنى الحمد بل رفع ‏معنى المدح إلا أن نفي الأعم وهو المدح يستلزم نفي الأخص وهو الحمد لأن هذا لا يقصده علماء ‏اللغة، يعني وإن اغتفر مثله في استعمال العرب كقول زهير‏‎: ‎ومن يجعل المعروف في غير أهله‎ ‎يكن ‏حمـده ذمـا عـلـيه وينـدم لأن كلام العلماء مبني على الضبط والتدقيق. ‏
‏ ثم اختلف في مراد صاحب الكشاف من ترادفهما هل هما مترادفان في تقييدهما بالثناء على الجميل ‏الاختياري، أو مترادفان في عدم التقييد بالاختياري، وعلى الأول حمله السيد الشريف وهو ظاهر ‏كلام سعدالدين، واستدل السيد بأنه صرح بذلك في قوله تعالى )ولكن الله حبب إليكم الإيمان( إذ ‏قال فإن قلت فإن العرب تمدح بالجمال وحسن الوجوه وهو مدح مقبول عند الناس، قلت الذي ‏سوغ ذلك أنهم رأوا حسن الرواء ووسامة المنظر في الغالب يسفر عن مخبر مرض وأخلاق محمودة، ‏على أن من محققة الثقات وعلماء المعاني من دفع صحة ذلك وخطأ المادح به وقصر المدح على النعت ‏بأمهات الخير وهي كالفصاحة والشجاعة والعدل والعفة وما يتشعب عنها ا ه. وعلى المحمل الثاني ‏وهو أن يكون قصد من الترادف إلغاء قيد الاختياري في كليهما حمله المحقق عبد الحكيم السلكوتي في ‏حواشي التفسير فرضا أو نقلا لا ترجيحا بناء على أنه ظاهر كلامه في الكشاف والفائق إذ ألغى قيد ‏الاختياري في تفسير المدح بالثناء على الجميل وجعلهما مع ذلك مترادفين‎. ‎
‎ ‎


‏ وبهذا يندفع الإشكال عن حمدنا الله تعالى على صفاته الذاتية كالعلم والقدرة دون صفات الأفعال ‏وإن كان اندفاعه على اختيار الجمهور أيضا ظاهرا؛ فإن ما ورد عليهم من أن مذهبهم يستلزم أن لا ‏يحمد الله تعالى على صفاته لأنها ذاتية فلا توصف بالاختيار إذ الاختيار يستلزم إمكان الاتصاف، وقد ‏أجابوا عنه إما بأن تلك الصفات العلية نزلت منزلة الاختيارية لاستقلال موصوفها، وإما بأن ترتب ‏الآثار الاختيارية عليها يجعلها كالاختيارية، وإما بأن المراد بالاختيارية أن يكون المحمود فاعلا ‏بالاختيار وإن لم يكن المحمود عليه اختياريا. وعندي أن الجواب أن نقول إن شرط الاختياري في ‏حقيقة الحمد عند مثبته لإخراج الصفات غير الاختيارية لأن غير الاختياري فينا ليس من صفات ‏الكمال إذ لا تترتب عليها الآثار الموجبة للحمد، فكان شرط الاختيار في حمدنا زيادة في تحقق كمال ‏المحمود، أما عدم الاختيار المختص بالصفات الذاتية الإلهية فإنه ليس عبارة عن نقص في صفاته ولكنه ‏كمال نشأ من وجوب الصفة للذات لقدم الصفة فعدم الاختيار في صفات الله تعالى زيادة في الكمال ‏لأن أمثال تلك الصفات فينا لا تكون واجبة للذات ملازمة لها فكان عدم الاختيار في صفات الله ‏تعالى دليلا على زيادة الكمال وفينا دليلا على النقص، وما كان نقصا فينا باعتبار ما قد يكون كمالا ‏لله تعالى باعتبار آخر مثل عدم الولد، فلا حاجة إلى الأجوبة المبنية على التنزيل إما باعتبار الصفة أو ‏باعتبار الموصوف، على أن توجيه الثناء إلى الله تعالى بمادة حمد هو أقصى ما تسمى به اللغة ‏الموضوعة لأداء المعاني المتعارفة لدى أهل تلك اللغة، فلما طرأت عليهم المدارك المتعلقة بالحقائق العالية ‏عبر لهم عنها بأقصى ما يقربها من كلامهم. ‏
‏ الحمد مرفوع بالابتداء في جميع القراءات المروية وقوله )لله( خبره فلام )لله( متعلق بالكون ‏والاستقرار العام كسائر المجرورات المخبر بها وهو هنا من المصادر التي أتت بدلا عن أفعالها في معنى ‏الإخبار، فاصله النصب على المفعولية المطلقة على أنه بدل من فعله وتقدير الكلام نحمد حمدا لله، ‏فلذلك التزموا حذف أفعالها معها. قال سيبويه هذا باب ما ينصب من المصادر على إضمار الفعل غير ‏المستعمل إظهاره وذلك قولك سقيا ورعيا وخيبة وبؤسا، والحذر بدلا عن احذر فلا يحتاج إلى متعلق ‏وأما قولهم سقيا لك نحو: سقيا ورعيا لذاك العاتب الزاري فإنما هو ليبينوا المعنى بالدعاء. ثم قال بعد ‏أبواب: هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره من المصادر في غير الدعاء، من ذلك ‏قولك: حمدا وشكرا، لا كفرا وعجبا، فإنما ينتصب هذا على إضمار الفعل كأنك قلت أحمد الله حمدا ‏وإنما اختزل الفعل هاهنا لأنهم جعلوا هذا بدلا من اللفظ بالفعل كما فعلوا ذلك في باب الدعاء وقد ‏جاء بعض هذا رفعا يبتدأ به ثم يبني عليه أي يخبر عنه . ثم قال بعد باب آخر: هذا باب يختار فيه أن ‏تكون المصادر مبتدأة مبنيا عليها ما بعدها، وذلك قولك: الحمد لله، والعجب لك، والويل له، وإنما ‏استحبوا الرفع فيه لأنه صار معرفة وهو خبر أي غير إنشاء فقوى في الابتداء أي أنه لما كان خبرا ‏لا دعاء وكان معرفة بأل تهيأت فيه أسباب الابتداء لأن كونه في معنى الإخبار يهيئ جانب المعنى ‏للخبرية وكونه معرفة يصحح أن يكون مبتدأ بمنزلة عبدالله، والرجل، والذي تعلم من المعارف لأن ‏الابتداء إنما هو خبر وأحسنه إذا اجتمع معرفة ونكرة أن تبدأ بالأعراف وهو أصل الكلام. وليس كل ‏حرف أي تركيب يصنع به ذاك، كما أنه ليس كل حرف أي كلمة من هذه المصادر يدخل فيه ‏الألف واللام، فلو قلت السقي لك والرعي لك لم يجز يعني يقتصر فيه على السماع . ‏
‏ واعلم أن الحمد لله وإن ابتدأته ففيه معنى المنصوب وهو بدل من اللفظ بقولك: أحمد الله. ‏
‏ وسمعنا ناسا من العرب كثيرا يقولون: التراب لك والعجب لك، فتفسير نصب هذا كتفسيره حيث ‏كان نكرة، كأنك قلت: حمدا وعجبا، ثم جئت ب لك لتبين من تعني ولم تجعله مبنيا عليه فتبتدئه‏‎ ‎‎. ‎
‎ ‎


‏ انتهى كلام سيبويه باختصار. وإنما جلبناه هنا لأنه أفصح كلام عن أطوار هذا المصدر في كلام ‏العرب واستعمالهم، وهو الذي أشار له صاحب الكشاف بقوله وأصله النصب بإضمار فعله على أنه ‏من المصادر التي ينصبها العرب بأفعال مضمرة في معنى الإخبار كقولهم شكرا، وكفرا، وعجبا، ‏ينزلزنها منزلة أفعالها ويسدون بها مسدها، ولذلك لا يستعملونها معها والعدول بها عن النصب إلى ‏الرفع على الابتداء للدلالة على ثبات المعنى الخ. ‏
‏ ومن شأن بلغاء العرب أنهم لا يعدلون عن الأصل إلا وهم يرمون إلى غرض عدلوا لأجله، والعدول ‏عن النصب هنا إلى الرفع ليتأتى لهم: الدلالة على الدوام والثبات بمصير الجملة اسمية؛ والدلالة على ‏العموم المستفاد في المقام من أل الجنسية، والدلالة على الاهتمام المستفاد من التقديم. وليس واحد من ‏هذه الثلاثة بممكن الاستفادة لو بقي المصدر منصوبا إذ النصب يدل على الفعل المقدر والمقدر ‏كالملفوظ فلا تكون الجملة اسمية إذ الاسم فيها نائب عن الفعل فهو ينادي على تقدير الفعل فلا ‏يحصل الدوام. ولأنه لا يصح معه اعتبار التقديم فلا يحصل الاهتمام، ولأنه وإن صح اجتماع الألف ‏واللام مع النصب كما قريء بذلك وهي لغة تميم كما قال سيبويه فالتعريف حينئذ لا يكون دالا ‏على عموم المحامد لأنه إن قدر الفعل أحمد بهمزة المتكلم فلا يعم إلا تحميدات المتكلم دون تحميدات ‏جميع الناس، وإن قدر الفعل نحمد وأريد بالنون جميع المؤمنين بقرينة )اهدنا الصراط المستقيم( وبقرينة ‏‏)إياك نعبد( فإنما يعم محامد المؤمنين أو محامد الموحدين كلهم، كيف وقد حمد أهل الكتاب الله تعالى ‏وحمده العرب في الجاهلية. قال أمية بن أبي الصلت‎: ‎الحمد لله حمدا لا انقطاع له‏‎ ‎فليس إحسانه عنا ‏بمقطوع أما إذا صار الحمد غير جار على فعل فإنه يصير الإخبار عن جنس الحمد بأنه ثابت لله فيعم ‏كل حمد كما سيأتي. فهذا معنى ما نقل عن سيبويه أنه قال: إن الذي يرفع الحمد يخبر أن الحمد منه ‏ومن جميع الخلق والذي ينصب يخبر أن الحمد منه وحده لله تعالى. واعلم أن قراءة النصب وإن كانت ‏شاذة إلا أنها مجدية هنا لأنها دلت على اعتبار عربي في تطور هذا التركيب المشهور، وأن بعض العرب ‏نطقوا به في حال التعريف ولم ينسوا أصل المفعولية المطلقة. فقد بان أن قوله الحمد لله أبلغ من الحمد ‏لله بالنصب، وأن الحمد لله بالنصب والتعريف أبلغ من حمدا لله بالتنكير. وإنما كان الحمد لله بالرفع ‏أبلغ لأنه دال على الدوام والثبات. ‏
‏ قال في الكشاف إن العدول عن النصب إلى الرفع للدلالة على ثبات المعنى واستقراره ومنه قوله ‏تعالى )قالوا سلاما قال سلام( رفع السلام الثاني للدلالة على أن إبراهيم عليه السلام حياهم بتحية ‏أحسن من تحيتهم اه. ‏
‏ فإن قلت وقع الاهتمام بالحمد مع أن ذكر اسم الله تعالى أهم فكان الشأن تقديم اسم الله تعالى ‏وإبقاء الحمد غير مهتم به حتى لا يلجأ إلى تغييره عن النصب إلى الرفع لأجل هذا الاهتمام، قلت: ‏قدم الحمد لأن المقام هنا مقام الحمد إذ هو ابتداء أولى النعم بالحمد وهي نعمة تنزيل القرآن الذي فيه ‏نجاح الدارين، فتلك المنة من أكبر ما يحمد الله عليه من جلائل صفات الكمال لا سيما وقد اشتمل ‏القرآن على كمال المعنى واللفظ والغاية فكان خطوره عند ابتداء سماع إنزاله وابتداء تلاوته مذكرا بما ‏لمنزله تعالى من الصفات الجميلة، وذلك يذكر بوجوب حمده وأن لا يغفل عنه فكان المقام مقام الحمد ‏لا محالة، فلذلك قدم وأزيل عنه ما يؤذن بتأخره لمنافاته الاهتمام. ثم إن ذلك الاهتمام تأتى به اعتبار ‏الاهتمام بتقديمه أيضا على ذكر الله تعالى اعتدادا بأهمية الحمد العارضة في المقام وإن كان ذكر الله ‏أهم في نفسه لأن الأهمية العارضة تقدم على الأهمية الأصلية لأنها أمر يقتضيه المقام والحال والآخر ‏يقتضيه الواقع، والبلاغة هي المطابقة لمقتضى الحال والمقام، ولأن ما كان الاهتمام به لعارض هو ‏المحتاج للتنبيه على عارضه إذ قد يخفى، بخلاف الأمر المعروف المقرر فلا فائدة في التنبيه عليه بل ولا ‏يفيته التنبيه على غيره. ‏
‏ فإن قلت كيف يصح كون تقديم الحمد وهو مبتدأ مؤذنا بالاهتمام مع أنه الأصل، وشأن التقديم ‏المفيد للاهتمام هو تقديم ما حقه التأخير‎. ‎
‎ ‎


‏ قلت لو سلم ذلك فإن معنى تقديمه هو قصد المتكلم للإتيان به مقدما مع إمكان الإتيان به مؤخرا؛ ‏لأن للبلغاء صيغتين متعارفتين في حمد الله تعالى إحداهما الحمد لله كما في الفاتحة والأخرى لله الحمد ‏كما في سورة الجاثية. ‏
‏ وأما قصد العموم فسيتضح عند بيان معنى التعريف فيه. ‏
‏ والتعريف فيه بالألف واللام تعريف الجنس لأن المصدر هنا في الأصل عوض عن الفعل فلا جرم أن ‏يكون الدال على الفعل والساد مسده دالا على الجنس فإذا دخل عليه اللام فهو لتعريف مدلوله لأن ‏اللام تدل على التعريف للمسمى فإذا كان المسمى جنسا فاللام تدل على تعريفه. ومعنى تعريف ‏الجنس أن هذا الجنس هو معروف عند السامع فإذا قلت: الحمد لله أو العجب لك، فكأنك تريد أن ‏هذا الجنس معروف لديك ولدى مخاطبك لا يلتبس بغيره كما أنك إذا قلت الرجل وأردت معينا في ‏تعريف العهد النحوي فإنك تريد أن هذا الواحد من الناس معروف بينك وبين مخاطبك فهو في المعنى ‏كالنكرة من حيث إن تعريف الجنس ليس معه كبير معنى إذ تعين الجنس من بين بقية الأجناس حاصل ‏بذكر لفظة الدال عليه لغة وهو كاف في عدم الدلالة على غيره؛ إذ ليس غيره من الأجناس بمشارك له ‏في اللفظ ولا متوهم دخوله معه في ذهن المخاطب بخلاف تعريف العهد الخارجي فإنه يدل على واحد ‏معين بينك وبين مخاطبك من بين بقية أفراد الجنس التي يشملها اللفظ، فلا يفيد هذا التعريف أعني ‏تعريف الجنس إلا توكيد اللفظ وتقريره وإيضاحه للسامع؛ لأنك لما جعلته معهودا فقد دللت على أنه ‏واضح ظاهر، وهذا يقتضي الاعتناء بالجنس وتقريبه من المعروف المشهور، وهذا معنى قول صاحب ‏الكشاف وهو نحو التعريف في أرسلها العراك، ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أن الحمد ما ‏هو والعراك ما هو من بين أجناس الأفعال وهو مأخوذ من كلام سيبويه. ‏
‏ وليست لام التعريف هنا للاستغراق لما علمت أنها لام الجنس ولذلك قال صاحب الكشاف ‏والاستغراق الذي توهمه كثير من الناس وهم منهم غير أن معنى الاستغراق حاصل هنا بالمثال لأن ‏الحكم باختصاص جنس الحمد به تعالى لوجود لام تعريف الجنس في قوله )الحمد( ولام الاختصاص ‏في قوله )الله( يستلزم انحصار أفراد الحمد في التعلق باسم الله تعالى لأنه إذا اختص الجنس اختصت ‏الأفراد؛ إذ لو تحقق فرد من أفراد الحمد لغير الله تعالى لتحقق الجنس في ضمنه فلا يتم معنى اختصاص ‏الجنس المستفاد من لام الاختصاص الداخلة على اسم الجلالة، ثم هذا الاختصاص اختصاص ادعائي ‏فهو بمنزلة القصر الادعائي للمبالغة. ‏
‏ واللام في قوله تعالى )لله( يجوز أن يكون للاختصاص على أنه اختصاص ادعائي كما مر، ويجوز أن ‏يكون لام التقوية قوت تعلق العامل بالمفعول لضعف العامل بالفرعية وزاده التعريف باللام ضعفا لأنه ‏أبعد شبهه بالأفعال، ولا يفوت معنى الاختصاص لأنه قد استفيد من تعريف الجزأين. ‏
‏ هذا وقد اختلف في أن جملة الحمد هل هي خبر أو إنشاء فإن لذلك مزيد تعلق بالتفسير لرجوعه إلى ‏المعنى بقول القائل: الحمد لله‎. ‎
‎ ‎


‏ وجماع القول في ذلك أن الإنشاء قد يحصل بنقل المركب من الخبرية إلى الإنشاء وذلك كصيغ ‏العقود مثل بعت واشتريت، وكذلك أفعال المدح والذم والرجاء كعسى ونعم وبئس وهذا الأخير ‏قسمان منه ما استعمل في الإنشاء مع بقاء استعماله في الخبر ومنه ما خص بالإنشاء فالأول كصيغ ‏العقود فإنها تستعمل أخبارا تقول بعت الدار لزيد التي أخبرتك بأنه ساومني إياها فهذا خبر، وتقول ‏بعت الدار لزيد أو بعتك الدار بكذا فهذا إنشاء بقرينة أنه جاء للإشهاد أو بقرينة إسناد الخبر ‏للمخاطب مع أن المخبر عنه حال من أحواله، والثاني كنعم وعسى. فإذا تقرر هذا فقد اختلف ‏العلماء في أن جملة الحمد لله هل هي إخبار عن ثبوت الحمد لله أو هي إنشاء ثناء عليه إلى مذهبين، ‏فذهب فريق إلى أنها خبر، وهؤلاء فريقان منهم من زعم أنها خبر باق على الخبرية ولا إشعار فيه ‏بالإنشائية، وأورد عليه أن المتكلم بها لا يكون حامدا لله تعالى مع أن القصد أنه يثنى ويحمد الله تعالى، ‏وأجيب بأن الخبر بثبوت الحمد له تعالى اعتراف بأنه موصوف بالجميل إذ الحمد هو عين الوصف ‏بالجميل، ويكفي أن يحصل هذا الوصف من الناس وينقله المتكلم. ويمكن أن يجاب أيضا بأن المخبر ‏داخل في عموم خبره عند الجمهور من أهل أصول الفقه. وأجيب أيضا بأن كون المتكلم حامدا قد ‏يحصل بالالتزام من الخبر يريدون أنه لازم عرفي لان شأن الأمر الذي تضافر عليه الناس قديما أن ‏يقتدي بهم فيه غيرهم من كل من علمه، فإخبار المتكلم بأنه علم ذلك يدل عرفا على أنه مقتد بهم في ‏ذلك هذا وجه اللزوم، وقد خفي على كثير، أي فيكون مثل حصول لازم الفائدة من الخبر المقررة في ‏علم المعاني، مثل قولك: سهرت الليلة وأنت تريد أنك علمت بسهره، فلا يلزم أن يكون ذلك إنشاء ‏لأن التقدير على هذا القول أن المتكلم يخبر عن كونه حامدا كما يخبر عن كون جميع الناس حامدين ‏فهي خبر لا إنشاء والمستفاد منها بطريق اللزوم معنى إخباري أيضا. ويرد على هذا التقدير أيضا أن ‏حمد المتكلم يصير غير مقصود لذاته بل حاصلا بالتبع مع أن المقام مقام حمد المتكلم لا حمد غيره من ‏الناس، وأجيب بأن المعنى المطابقي قد يؤتى به لأجل المعنى الالتزامي لأنه وسيلة له، ونظيره قولهم ‏طويل النجاد والمراد طول القامة فإن طول النجاد أتى به ليدل على معنى طول القامة. ‏
‏ وذهب فريق ثان إلى أن جملة الحمد لله هي خبر لا محالة إلا أنه أريد منه الإنشاء مع اعتبار الخبرية ‏كما يراد من الخبر إنشاء التحسر والتحزن في نحو)إني وضعتها أنثى( وقول جعفر بن علبة الحارثي ‏هواي مع الركب اليمانين مصعد فيكون المقصد الأصلي هو الإنشاء ولكن العدول إلى الإخبار لما ‏يتأتى بواسطة الإخبار من الدلالة على الاستغراق والاختصاص والدوام والثبات ووجه التلازم بين ‏الإخبار عن حمد الناس وبين إنشاء الحمد واضح مما علمته في وجه التلازم على التقرير الأول، بل هو ‏هنا أظهر لأن المخبر عن حمد الناس لله تعالى لا جرم أنه منشئ ثناء عليه بذلك، وكون المعنى الالتزامي ‏في الكناية هو المقصود دون المعنى المطابقي أظهر منه في اعتبار الخبرية المحضة لما عهد في الكناية من أنها ‏لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة الأصل معه، فدل على أن المعنى الأصلي إما غير مراد أو مراد ‏تبعا لأن مع تدخل على المتبوع. ‏
‏ المذهب الثاني أن جملة الحمد لله إنشاء محض لا إشعار له بالخبرية، على أنها من الصيغ التي نقلتها ‏العرب من الإخبار إلى إنشاء الثناء كما نقلت صيغ العقود وأفعال المدح والذم أي نقلا مع عدم إماتة ‏المعنى الخبري في الاستعمال؛ فإنك قد تقول الحمد لله جوابا لمن قال: لمن الحمد? أو من أحمد?. ولكن ‏تعهد المعنى الأصلي ضعيف فيحتاج إلى القرينة. والحق الذي لا محيد عنه أن الحمد لله خبر مستعمل في ‏الإنشاء فالقصد هو الإنشائية لا محالة، وعدل إلى الخبرية لتحمل جملة الحمد من الخصوصيات ما ‏يناسب جلالة المحمود بها من الدلالة على الدوام والثبات والاستغراق والاختصاص والاهتمام، وشيء ‏من ذلك لا يمكن حصوله بصيغة إنشاء نحو حمدا لله أو أحمد الله حمدا، ومما يدل على اعتبار العرب ‏إياها إنشاء لا خبرا قول ذي الرمة‎: ‎ولما جرت في الجزل جريا كأنه‎ ‎سنا الفجر أحدثنا لخالقها شكرا‎ ‎


‏ فعبر عن ذكر لفظ الحمد أو الشكر بالإحداث، والإحداث يرادف الإنشاء لغة فقوله أحدثنا خبر ‏حكى به ما عبر عنه بالإحداث وهو حمده الواقع حين التهابها في الحطب. ‏
‏ والله هو اسم الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد. وأصل هذا الاسم الإله بالتعريف وهو ‏تعريف إله الذي هو اسم جنس للمعبود مشتق من أله بفتح اللام بمعنى عبد، أو من أله بكسر اللام ‏بمعنى تحير أو سكن أو فزع أو ولع مما يرجع إلى معنى هو ملزوم للخضوع والتعظيم فهو فعال بكسر ‏الفاء بمعنى مفعول مثل كتاب، أطلقه العرب على كل معبود من أصنامهم لأنهم يرونها حقيقة بالعبادة ‏ولذلك جمعوه على آلهة بوزن أفعله مع تخفيف الهمزة الثانية مدة. وأحسب أن اسمه تعالى تقرر في لغة ‏العرب قبل دخول الإشراك فيهم فكان أصل وضعه دالا على انفراده بالألوهية إذ لا إله غيره فلذلك ‏صار علما عليه، وليس ذلك من قبيل العلم بالغلبة بل من قبيل العلم بالانحصار مثل الشمس والقمر ‏فلا بدع في اجتماع كونه اسم جنس وكونه علما، ولذلك أرادوا به المعبود بحق ردا على أهل الشرك ‏قبل دخول الشرك في العرب وإننا لم نقف على أن العرب أطلقوا الإله معرفا باللام مفردا على أحد ‏أصنامهم وإنما يضيفون فيقولون: إله بني فلان والأكثر أن يقولوا: رب بني فلان، أو يجمعون كما ‏قالوا لعبد المطلب: أرض الآلهة، وفي حديث فتح مكة وجد رسول الله البيت فيه الآلهة . ‏
‏ فلما اختص الإله بالإله الواحد واجب الوجود اشتقوا له من اسم الجنس علما زيادة في الدلالة على ‏أنه الحقيق بهذا الاسم ليصير الاسم خاصا به غير جائر الإطلاق على غيره على سنن الأعلام ‏الشخصية، وأراهم أبدعوا وأعجبوا إذ جعلوا علم ذاته تعالى مشتقا من اسم الجنس المؤذن بمفهوم ‏الألوهية تنبيها على أن ذاته تعالى لا تستحضر عند واضع العلم وهو الناطق الأول بهذا الاسم من أهل ‏اللسان إلا بوصف الألوهية وتنبيها على أنه تعالى أولى من يؤله ويعبد لأنه خالق الجميع فحذفوا الهمزة ‏من الإله لكثرة استعمال هذا اللفظ عند الدلالة عليه تعالى كما حذفوا همزة الأناس فقالوا: الناس؛ ‏ولذلك أظهروها في بعض الكلام. ‏
‏ قال البعيث بن حريث‎: ‎معاذ الإله أن تكون كظبية‎ ‎ولا دمية ولا عقيلة ربرب كما أظهروا همزة ‏الأناس في قول عبيد بن الأبرص الأسدي‎: ‎إن المنايا لـيطـلـع‎ ‎ن على الأناس الآمنين ونزل هذا ‏اللفظ في طوره الثالث منزلة الأعلام الشخصية فتصرفوا فيه هذا التصرف لينتقلوا به إلى طور جديد ‏فيجعلوه مثل علم جديد، وهذه الطريقة مسلوكة في بعض الأعلام. ‏
‏ قال أبو الفتح بن جني في شرح قول تأبط شرا في النشيد الثالث عشر من الحماسة‎: ‎إني لمهد من ‏ثنـائي فـقـاصـد‎ ‎به لابن عم الصدق شمس بن مالك شمس بضم الشين وأصله شمس بفتحها ‏كما قالوا حجر وسلمى فيكون مما غير عن نظائره أجل العلمية اه. وفي الكشاف في تفسير سورة أبي ‏لهب بعد أن ذكر أن من القراء من قرأ أبي لهب بسكون الهاء ما نصه وهي من تغيير الأعلام كقولهم ‏شمس بن مالك بالضم اه. وقال قبله ولفليته بن قاسم أمير مكة ابنان أحدهما عبد الله بالجر، والآخر ‏عبد الله بالنصب، وكان بمكة رجل يقال له عبد الله لا يعرف إلا هكذا.ا ه يعني بكسر دال عبد في ‏جميع أحوال إعرابه، فهو بهذا الإيماء نوع مخصوص من العلم، وهو أنه أقوى من العلم بالغلبة لأن له ‏لفظا جديدا بعد اللفظ المغلب. وهذه الطريقة في العلمية التي عرضت لاسم الجلالة لا نظير لها في ‏الأعلام فكان اسمه تعالى غير مشابه لأسماء الحوادث كما أن مسمى ذلك الاسم غير مماثل لمسميات ‏أسماء الحوادث. وقد دلوا على تناسيهم ما في الألف واللام من التعريف وأنهم جعلوهما جزءا من ‏الكلمة بتجويزهم نداء اسم الجلالة مع إبقاء الألف واللام إذ يقولون يا الله مع أنهم يمنعون نداء ‏مدخول الألف واللام‎. ‎
‎ ‎


‏ وقد احتج صاحب الكشاف على كون أصله الإله ببيت البعيث المقدم، ولم يقرر ناظروه وجه ‏احتجاجه به، وهو احتجاج وجيه لأن معاذ من المصادر التي لم ترد في استعمالهم مضافة لغير اسم ‏الجلالة، مثل سبحان فأجريت مجرى الأمثال في لزومها لهاته الإضافة، إذ تقول معاذ الله فلما قال ‏الشاعر معاذ الإله وهو من فصحاء أهل اللسان علمنا أنهم يعتبرون الإله أصلا للفظ الله، ولذلك لم ‏يكن هذا التصرف تغييرا إلا أنه تصرف في حروف اللفظ الواحد كاختلاف وجوه الأداء مع كون ‏اللفظ واحدا، ألا ترى أنهم احتجوا على أن لاه مخفف الله بقول ذي الأصبع العدواني‎: ‎لاه ابن عمك ‏لا أفضلت في حسب‎ ‎عني ولا أنت دياني فتخـزونـي وبقولهم لاه أبوك لأن هذا مما لزم حالة ‏واحدة، إذ يقولون لله أبوك ولله ابن عمك ولله أنت. ‏
‏ وقد ذكرت وجوه أخر في أصل اسم الجلالة: منها أن أصله لاه مصدر لاه يليه ليها إذا احتجب سمي ‏به الله تعالى، ثم أدخلت عليه الألف واللام للمح الأصل كالفضل والمجد اسمين، وهذا الوجه ذكر ‏الجوهري عن سيبويه أنه جوزه.ومنها أن أصله ولاه بالواو فعال بمعنى مفعول من وله إذا تحير، ثم ‏قلبت الواو همزة لاستثقال الكسرة عليها، كما قلبت في إعاء وإشاح، أي وعاء ووشاح، ثم عرف ‏بالألف واللام وحذفت الهمزة. ومنها أن أصله لاها بالسريانية علم له تعالى فعرب بحذف الألف ‏وإدخال اللام عليه. ومنها أنه علم وضع لاسم الجلالة بالقصد الأولي من غير أخذ من أله وتصييره ‏الإله فتكون مقاربته في الصورة لقولنا الإله مقاربة اتفاقية غير مقصودة، وقد قال بهذا جمع منهم ‏الزجاج ونسب إلى الخليل وسيبويه، ووجهه بعض العلماء بأن العرب لم تهمل شيئا حتى وضعت له ‏لفظا فكيف يتأتى منهم إهمال اسم له تعالى لتجري عليه صفاته. ‏
‏ وقد التزم في لفظ الجلالة تفخيم لامه إذا لم ينكسر ما قبل لفظه وحاول بعض الكاتبين توجيه ذلك ‏بما لا يسلم من المنع، ولذلك أبى صاحب الكشاف التعريج عليه فقال وعلى ذلك أي التفخيم ‏العرب كلهم، وإطباقهم عليه دليل أنهم ورثوه كابرا عن كابر . ‏
‏ وإنما لم يقدم المسند المجرور وهو متضمن لاسم الجلالة على المسند إليه فيقال: لله الحمد؛ لأن المسند ‏إليه حمد على تنزيل القرآن والتشرف بالإسلام وهما منة من الله تعالى فحمده عليهما عند ابتداء تلاوة ‏الكتاب الذي به صلاح الناس في الدارين فكان المقام للاهتمام به اعتبارا لأهمية الحمد العارضة، وإن ‏كان ذكر الله أهم أصالة فإن الأهمية العارضة تقدم على الأهمية الأصلية لاقتضاء المقام والحال. ‏والبلاغة هي المطالبة لمقتضى الحال. على أن الحمد لما تعلق باسم الله تعالى كان في الاهتمام به اهتمام ‏بشئون الله تعالى. ‏
‏ ومن أعجب الآراء ما ذكره صاحب المنهل الأصفى في شرح الشفاء التلمساني عن جمع من العلماء ‏القول بأن اسم الجلالة يمسك عن الكلام في معناه تعظيما وإجلالا ولتوقف الكلام فيه على إذن ‏الشارع. ‏
‏ )رب العلمين[2]( وصف لاسم الجلالة فإنه بعد أن أسند الحمد لاسم ذاته تعالى تنبيها على ‏الاستحقاق الذاتي، عقب بالوصف وهو الرب ليكون الحمد متعلقا به أيضا لأن وصف المتعلق متعلق ‏أيضا، فلذلك لم يقل الحمد لرب العالمين كما قال )يوم يقوم الناس لرب العالمين( ليؤذن باستحقاقه ‏الوصفي أيضا للحمد كما استحقه بذاته. وقد أجرى عليه أربعة أوصاف هي: رب العالمين، الرحمان، ‏الرحيم، ملك يوم الدين، للإيذان بالاستحقاق الوصفي فإن ذكر هذه الأسماء المشعرة بالصفات يؤذن ‏بقصد ملاحظة معانيها الأصلية. وهذا من المستفادات من الكلام بطريق الاستتباع لأنه لما كان في ‏ذكر الوصف غنية عن ذكر الموصوف لا سيما إذا كان الوصف منزلا منزلة الاسم كأوصافه تعالى ‏وكان في ذكر لفظ الموصوف أيضا غنية في التنبيه على استحقاق الحمد المقصود من الجملة علمنا أن ‏المتكلم ما جمع بينهما إلا وهو يشير إلى أن كلا مدلولي الموصوف والصفة جدير بتعلق الحمد له. مع ‏ما في ذكر أوصافه المختصة به من التذكير بما يميزه عن الآلهة المزعومة عند الأمم من الأصنام والأوثان ‏والعناصر كما سيأتي عند قوله تعالى )ملك يوم الدين‎(. ‎
‎ ‎


‏ والرب إما مصدر وإما صفة مشبهة على وزن فعل من ربه يربه بمعنى رباه وهو رب بمعنى مرب ‏وسائس. والتربية تبليغ الشيء إلى كماله تدريجا، ويجوز أن يكون من ربه بمعنى ملكه، فإن كان ‏مصدرا على الوجهين فالوصف به للمبالغة، وهو ظاهر، وإن كان صفة مشبهة على الوجهين فهي ‏واردة على القليل في أوزان الصفة المشبهة فإنها لا تكون على فعل من فعل يفعل إلا قليلا، من ذلك ‏قولهم نم الحديث ينمه فهو نم للحديث. ‏
‏ والأظهر أنه مشتق من ربه بمعنى رباه وساسه، لا من ربه بمعنى ملكه لأن الأول الأنسب بالمقام هنا إذ ‏المراد أنه مدبر الخلائق وسائس أمورها ومبلغها غاية كمالها، ولأنه لو حمل على معنى المالك لكان ‏قوله تعالى بعد ذلك ملك يوم الدين كالتأكيد والتأكيد خلاف الأصل ولا داعي إليه هنا، إلا أن ‏يجاب بأن العالمين لا يشمل إلا عوالم الدنيا، فيحتاج إلى بيان أنه ملك الآخرة كما أنه ملك الدنيا، ‏وإن كان الأكثر في كلام العرب ورود الرب بمعنى الملك والسيد وذلك الذي دعا صاحب الكشاف ‏إلى الاقتصار على معنى السيد والملك وجوز فيه وجهي المصدرية والصفة، إلا أن قرينة المقام قد ‏تصرف عن حمل اللفظ على أكثر موارده إلى حمله على ما دونه فإن كلا الاستعمالين شهير حقيقي أو ‏مجازي والتبادر العارض من المقام المخصوص لا يقضي بتبادر استعماله في ذلك المعنى في جميع المواقع ‏كما لا يخفى. والعرب لم تكن تخص لفظ الرب به تعالى لا مطلقا ولا مقيدا لما علمت من وزنه ‏واشتقاقه. قال الحرث بن حلزة‎: ‎وهو الرب والشهيد على يو‎ ‎م الحيارين والبلاء بـلاء يعني عمرو بن ‏هند. وقال النابغة في النعمان بن الحارث‎: ‎تخب إلى النعمان حتى تـنـالـه‎ ‎فدى لك من رب ‏طريفي وتالدي وقال في النعمان بن المنذر حين مرض‎: ‎ورب عليه الله أحسن صنعه‎ ‎وكان له على ‏البرية ناصرا وقال صاحب الكشاف ومن تابعه: إنه لم يطلق على غيره تعالى إلا مقيدا أو لم يأتوا على ‏ذلك بسند وقد رأيت أن الاستعمال بخلافه، أما إطلاقه على كل من آلهتهم فلا مرية فيه كما قال ‏غاوي بن ظالم أو عباس بن مرداس‎: ‎أرب يبول الثعلبـان بـرأسـه‎ ‎لقد هان من بالت عليه الثعالب ‏وسموا العزى الربة. وجمعه على أرباب أدل دليل على إطلاقه على متعدد فكيف تصح دعوى تخصيص ‏إطلاقه عندهم بالله تعالى. وأما إطلاقه مضافا أو متعلقا بخاص فظاهر وروده بكثرة نحو رب الدار ‏ورب الفرس ورب بني فلان. ‏
‏ وقد ورد الإطلاق في الإسلام أيضا حين حكى عن يوسف عليه السلام قوله )إنه ربي أحسن مثواي( ‏إذا كان الضمير راجعا إلى العزيز وكذا قوله )أأرباب متفرقون خير( فهذا إطلاق للرب مضافا وغير ‏مضاف على غير الله تعالى في الإسلام لأن اللفظ عربي أطلق في الإسلام، وليس يوسف أطلق هذا ‏اللفظ بل أطلق مرادفه فلو لم يصح التعبير بهذا اللفظ عن المعنى الذي عبر به يوسف لكان في غيره من ‏ألفاظ العربية معدل، إنما ورد في الحديث النهي عن أن يقول أحد لسيده ربي وليقل: سيدي، وهو ‏نهي كراهة للتأديب ولذلك خص النهي بما إذا كان المضاف إليه ممن يعبد عرفا كأسماء الناس لدفع ‏تهمة الإشراك وقطع دابره وجوزوا أن يقول رب الدابة ورب الدار، وأما بالإطلاق فالكراهة أشد فلا ‏يقل أحد للملك ونحوه هذا رب. ‏
‏ والعالمين جمع عالم قالوا ولم يجمع فاعل هذا الجمع إلا في لفظين عالم وياسم، اسم للزهر المعروف ‏بالياسمين، قيل جمعوه على ياسمون وياسمين قال الأعشى‏‎: ‎وقابلنا الجـل والـياسـم‎ ‎ون والمسمعات ‏وقصابها والعالم الجنس من أجناس الموجودات وقد بنته العرب على وزن فاعل بفتح العين مشتقا من ‏العلم أو من العلامة لأن كل جنس له تميز عن غيره فهو له علامة، أو هو سبب العلم به فلا يختلط ‏بغيره. وهذا البناء مختص بالدلالة على الآلة غالبا كخاتم وقالب وطابع فجعلوا العوالم لكونها كالآلة ‏للعلم بالصانع، أو العلم بالحقائق. ولقد أبدع العرب في هذه اللطيفة إذ بنوا اسم جنس الحوادث على ‏وزن فاعل لهذه النكتة، ولقد أبدعوا إذ جمعوه جمع العقلاء مع أن منه ما ليس بعاقل تغليبا للعاقل‎. ‎
‎ ‎


‏ وقد قال التفتزاني في شرح الكشاف العالم اسم لذوي العلم ولكل جنس يعلم به الخالق، يقال عالم ‏الملك، عالم الإنسان، عالم النبات يريد أنه لا يطلق بالإفراد إلا مضافا لنوع يخصصه يقال عالم الإنس ‏عالم الحيوان، عالم النبات وليس اسما لمجموع ما سواه تعالى بحيث لايكون له إجراء فيمتنع جمعه وهذا ‏هو تحقيق اللغة فإنه لا يوجد في كلام العرب إطلاق عالم على مجموع ما سوى الله تعالى، وإنما أطلقه ‏على هذا علماء الكلام في قولهم العالم حادث فهو من المصطلحات. ‏
‏ والتعريف فيه للاستغراق بقرينة المقام الخطابي فإنه إذا لم يكن عهد خارجي ولم يكن معنى للحمل ‏على الحقيقة ولا على المعهود الذهني تمحض التعريف للاستغراق لجميع الأفراد دفعا للتحكم فاستغراقه ‏استغراق الأجناس الصادق هو عليها لا محالة وهو معنى قول صاحب الكشاف ليشمل كل جنس مما ‏سمي به إلا أن استغراق الأجناس يستلزم استغراق أفرادها استلزاما واضحا إذ الأجناس لا تقصد ‏لذاتها لا سيما في مقام الحكم بالمربوبية عليها فإنه لا معنى لمربوبية الحقائق. ‏
‏ وإنما جمع العالم ولم يؤت به مفردا لأن الجمع قرينة على الاستغراق، لأنه لو أفرد لتوهم أن المراد من ‏التعريف العهد أو الجنس فكان الجمع تنصيصا على الاستغراق، وهذه سنة الجموع مع ال ‏الاستغراقية على التحقيق، ولما صارت الجمعية قرينة على الاستغراق بطل منها معنى الجماعات فكان ‏استغراق الجموع مساويا لاستغراق المفردات أو أشمل منه. ‏
‏ وبطل ما شاع عند متابعي السكاكي من قولهم استغراق المفرد أشمل كما سنبينه عند قوله تعالى ‏‏)وعلم آدم الأسماء كلها(. ‏
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 01-04-2004, 12:32 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

السعدى


‏{ الْحَمْدُ لِلَّهِ } [هو] الثناء على الله بصفات الكمال, وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل, فله ‏الحمد الكامل, بجميع الوجوه. { رَبِّ الْعَالَمِينَ } الرب, هو المربي جميع العالمين -وهم من ‏سوى الله- بخلقه إياهم, وإعداده لهم الآلات, وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة, التي لو فقدوها, لم ‏يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة, فمنه تعالى.‏
وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة.‏
فالعامة: هي خلقه للمخلوقين, ورزقهم, وهدايتهم لما فيه مصالحهم, التي فيها بقاؤهم في الدنيا.‏
والخاصة: تربيته لأوليائه, فيربيهم بالإيمان, ويوفقهم له, ويكمله لهم, ويدفع عنهم الصوارف, ‏والعوائق الحائلة بينهم وبينه, وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير, والعصمة عن كل شر. ولعل ‏هذا [المعنى] هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب. فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ‏ربوبيته الخاصة.‏
فدل قوله { رَبِّ الْعَالَمِينَ } على انفراده بالخلق والتدبير, والنعم, وكمال غناه, وتمام فقر ‏العالمين إليه, بكل وجه واعتبار. ‏
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 01-04-2004, 12:33 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

ابن عثيمين


قوله تعالى: { الحمد لله رب العالمين }: { الحمد } وصف المحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم؛ ‏الكمال الذاتي، والوصفي، والفعلي؛ فهو كامل في ذاته، وصفاته، وأفعاله؛ ولا بد من قيد وهو ‏‏"المحبة، والتعظيم" ؛ قال أهل العلم: "لأن مجرد وصفه بالكمال بدون محبة، ولا تعظيم: لا يسمى ‏حمداً؛ وإنما يسمى مدحاً"؛ ولهذا يقع من إنسان لا يحب الممدوح؛ لكنه يريد أن ينال منه شيئاً؛ تجد ‏بعض الشعراء يقف أمام الأمراء، ثم يأتي لهم بأوصاف عظيمة لا محبة فيهم؛ ولكن محبة في ‏المال الذي يعطونه، أو خوفاً منهم؛ ولكن حمدنا لربنا عزّ وجلّ حمدَ محبةٍ، وتعظيمٍ؛ فلذلك صار ‏لا بد من القيد في الحمدَ أنه وصف المحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم؛ و "أل" في { الحمد } ‏للاستغراق: أي استغراق جميع المحامد..‏
وقوله تعالى: { لله }: اللام للاختصاص، والاستحقاق؛ و "الله" اسمَ ربنا عزّ وجلّ؛ لا يسمى به ‏غيره؛ ومعناه: المألوه . أي المعبود حباً، وتعظيماً‎..‎
وقوله تعالى: { رب العالمين }؛ "الرب" : هو من اجتمع فيه ثلاثة أوصاف: الخلق، والملك، ‏والتدبير؛ فهو الخالق المالك لكل شيء المدبر لجميع الأمور؛ و{ العالمين }: قال العلماء: كل ما ‏سوى الله فهو من العالَم؛ وُصفوا بذلك؛ لأنهم عَلَم على خالقهم سبحانه وتعالى؛ ففي كل شيء من ‏المخلوقات آية تدل على الخالق: على قدرته، وحكمته، ورحمته، وعزته، وغير ذلك من معاني ‏ربوبيته..‏
الفوائد‎:‎
‎.1‎‏ من فوائد الآية: إثبات الحمد الكامل لله عزّ وجلّ، وذلك من "أل" في قوله تعالى: { الحمد }؛ ‏لأنها دالة على الاستغراق‎..‎
‎.2‎‏ ومنها: أن الله تعالى مستحق مختص بالحمد الكامل من جميع الوجوه؛ ولهذا كان النبي صلى ‏الله عليه وسلم إذا أصابه ما يسره قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات" ؛ وإذا أصابه خلاف ‏ذلك قال: "الحمد لله على كل حال" ..‏
‎.3‎‏ ومنها: تقديم وصف الله بالألوهية على وصفه بالربوبية؛ وهذا إما لأن "الله" هو الاسم العَلَم ‏الخاص به، والذي تتبعه جميع الأسماء؛ وإما لأن الذين جاءتهم الرسل ينكرون الألوهية فقط‎..‎
‎.4‎‏ ومنها: عموم ربوبية الله تعالى لجميع العالم؛ لقوله تعالى:(العالمين‎..‎‏ )‏



أخوكم: أحمد سعد الدين - القاهرة‏
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:14 PM.


New Page 4
 
 المركز التعليمي منتديات الحوار تسجيل النطاقاتخدمات تصميم مواقع الإنترنت  إستضافة مواقع الإنترنت  الدعم الفني لإستضافة المواقع
  متجر مؤسسة شبكة بوابة العرب   الدردشة الصوتية والكتابية  مركـزنا الإعـلامي  مـن نـحــن  مقــرنـا  قسم إتفـاقيات الإستــخــدام
Copyright © 2000-2014 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com