تابع بوابة العرب على تويتر 





     
عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات الشـــرعيـــة > منتدى العلوم الإسلامية المتخصصة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-04-2005, 12:35 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين غير متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي وساوس الشيطان و صريح الإيمان




السؤال :

كنتُ فيما مضى أقترفُ ذنوباً كمشاهدة الأفلام و غير ذلك ، ثمّ تبت إلى الله تعالى و الحمد لله ، و لكنّي تعرّضت بعد ذلك إلى وساوس شيطانيّة شركية و غير خُلُقية و أصبحت تسيطر علي تفكيري ، و تزداد عند الصلاة و قراة القران ، حيث يقع في نفسي أنّي فاسدُ النيّة ، و أن صلاتي ليست لله ، و أنني غير مسلم .
و أنا الآن أعيش في عزلة و أبكي باستمرار خوفاً من الله عز و جل و خشيةَ غضبه و عقابه ، حتى أنّي لم أعُد أنام الليل من شدّة التفكير ، فبماذا تنصحوني جزاكم الله خيراً ؟



الجواب :

لا تضجر أخي السائل ممّا تجد في نفسك فأنت بخير ، و لا تدَع الشيطان يقطع عليك الطريق بوساوسه فيصرفك عن عبادة الله و طاعته .
إذ إنّك لو لم تكُن من أهل الإسلام لما صلّيتَ أصلاً و لما قرأت القرآن .
و لما ندِمتَ على تفريطك في جنب الله و لا تبتَ من بعض المعاصي ، و منها مشاهدة الأفلام المحرّمة .
و لو لم تكن مؤمناً بالله تعالى و اليوم الآخر فلماذا تخاف من النار ، و لماذا تبكي من خشيته تعالى ؟ و هل الكافر يرجو رحمة الله أو يخاف عقابه ؟
إنّ من تلبيس إبليس على العبد أن يوسوس له فيشكّكه في نيّته ، ليصرفه عن طاعة الله تعالى ، و يوقعه في حبائل المعاصي و الآثام .
فإذا عَرض لك وسواس فأعرض عنه و استعذ بالله منه ، و امضِ في عِبادتك .
قال تعالى : ( وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) [ الأعراف : 200 ، و فصّلت : 36 ] .
قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية : ( مَعْنَى " يَنْزَغَنَّكَ " : يُصِيبَنَّكَ وَ يَعْرِض لَك عِنْد الْغَضَب وَ سْوَسَة بِمَا لا يَحِلّ . " فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ " أَيْ : اُطْلُبْ النَّجَاة مِنْ ذَلِكَ بِاَللَّهِ . فَأَمَرَ تَعَالَى أَنْ يُدْفَع الْوَسْوَسَة بِالالْتِجَاءِ إِلَيْهِ وَ الاسْتِعَاذَة بِهِ ) .
و إن عَرض لك الشيطان بوساوسه أثناء الصلاة فاستعذ بالله منه و انفث ( اتفل بدون ريق ) عن شمالك ثلاثاً و أتمَّ صلاتك ، فقد روى مسلم في صحيحه و أحمد في مسنده أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلاَتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ .‏ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «‏ ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزِبٌ فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلاَثاً »‏ .‏ قَالَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّى .‏
و إن كانت الوساوس من باب التشكيك و إثارة التساؤلات المُريبة في نفسك ، فلا تأبه بها ، و لا تشغل نفسك بالبحث و التفكير فيها ، فقد ابتُلي بها قَبلَك أكمل الناس إيماناً بعد الأنبياء ، و ثبت ذلك فيما رواه مسلم و أبو داود و أحمد عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلُوهُ إِنَّا نَجِدُ فِى أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ .‏ قَالَ : «‏ وَ قَدْ وَجَدْتُمُوهُ ؟ »‏ .‏ قَالُوا : نَعَمْ .‏ قَالَ «‏ ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ »‏ ‏وَ فِي روَايَةٍ أُخْرَى : ( سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ عَنْ الْوَسْوَسَةِ ؟ فَقَالَ : ( تِلْكَ مَحْضُ الْإِيمَانِ ) .‏
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث : قوله صلى الله عليه وسلم : ( ذلك صريح الإيمان , و محض الإيمان ) معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان , فإن استعظام هذا و شدة الخوف منه و من النطق به فضلاً عن اعتقاده ؛ إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالاً محققاً ، و انتفت عنه الريبة والشكوك ... و قيل : معناه أن الشيطان إنما يوسوس لمن أيِسَ من إغوائه فيُنَكِّدُ عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه , و أما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء و لا يقتصر في حقه على الوسوسة ، بل يتلاعب به كيف أراد . فعلى هذا معنى الحديث : سببُ الوسوسة محضُ الإيمان , أو : الوسوسة علامةُ محض الإيمان . و هذا القول اختيار القاضي عياض .اهـ .
و روى مسلمٌ أيضاً ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏رضي الله عنه ‏قَالَ : ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :‏(‏ لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ ، حَتَّى يُقَالَ : خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ‏) ، و في رواية : ( يَأْتِي الشَّيْطَان أَحَدكُمْ فَيَقُول : مَنْ خَلَقَ كَذَا وَ كَذَا ؟ حَتَّى يَقُول لَهُ : مَنْ خَلَقَ رَبّك ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ وَلْيَنْتَهِ ) .
و لا يفوتنّك أخي المسلم أن الإكثار من ذكر الله ، و قراءة القرآن ‏، و المواظبة – خاصّةً – على أذكار اليوم و الليلة ، حتى يَصرف الله عنك ما يسوؤك ، و يطمئن قلبك ( ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب ) ، و بالله التوفيق .



كتبه
د . أحمد عبد الكريم نجيب
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-04-2005, 12:39 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين غير متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

أنواع الوسوسة والوسائل للتخلص منها بإذن الله

ابتلي بعض المسلمين اليوم بهذا الداء العظيم وهو الوسوسة ، ويعزى انتشار ذلك بسبب البعد عن منهج الكتاب والسنة ، ونتيجة لذلك حصل التخبط والضياع ، وغالبا ما يكون ذلك بسبب تسلط الجن والشياطين وتعرضهم للإنس لابعادهم عن خالقهم سبحانه وتعالى ، وتكون الوسوسة على عدة أوجه :



)- وسوسة خارجية : إن المعاناة التي يعاني منها المريض والتي تتعلق بهذا الجانب تؤثر تأثيرا كبيرا على سلوكه وتعامله مع نفسه ومع الآخرين ، فتراه غير منضبط في سلوكه وتصرفاته ، ويشعر دائما بالنقص في شخصيته وقدراته ، ولا بد لمن يعاني من هذا الداء وعلى هذا النحو أن يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى وأن يهتدي بهدي رسوله صلى الله عليه وسلم لمعالجة ذلك الأمر الخطير ، وعادة ما يكون تأثير الوسوسة الخارجية على النحو التالي :

الوسوسة في العقيدة والدين :

* عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : ( جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال : وقد وجدتموه قالوا : نعم 0 قال : ذاك صريح الإيمان ) ( حديث صحيح – أخرجه الإمام مسلم في صحيحه – كتاب الإيمان - برقم 209 ) 0

* روي في الصحيحين ( البخاري ومسلم ) عن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يأتي الشيطان أحدكم فيقول : من خلق كذا من خلق كذا ؟ حتى يقول : من خلق ربك ؟ فإذا بلغه ذلك فليستعذ بالله ولينته ) 0

* عن عائشة – رضي الله عنها – قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أحدكم يأتيه الشيطان فيقول : من خلقك ؟ فيقول : الله ، فيقول : فمن خلق الله ؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل : آمنت بالله ورسوله ، فإن ذلك يذهب عنه ) ( أخرجـه الإمـام أحمد في مسنده ، وقال الألباني حديث صحيح ، أنظر صحيح الجامع 1542 ) 0

* عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يزال الناس يتساءلون ، حتى يقال : هذا خلق الله الخلق ، فمن خلق الله ؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل : آمنت بالله ورسوله ) ( حديث صحيح – أخرجه الإمام مسلم في صحيحه – كتاب الإيمان – برقم 134 ) 0

قال النووي : ( أما معاني الأحاديث وفقهها فقوله صلى الله عليه وسلم : ذلك صريح الإيمان ، ومحض الإيمان معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان ، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلا عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالا محققا وانتفت عنه الريبة والشكوك 0 وقيل معناه أن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه فينكد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه ، وأما الكافر فإنه من حيث شاء ولا يقتصر في حقه على الوسوسة بل يتلاعب به كيف أراد 0 فعلى هذا معنى الحديث : سبب الوسوسة محض الإيمان ، أو الوسوسة علامة محض الإيمان 0 وهذا القول اختيار القاضي عياض 0
وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( فمن وجد ذلك فليقل : آمنت بالله وفي الرواية الأخرى ( فليستعذ بالله ولينته ) فمعناه الإعراض عن هذا الخاطر الباطل والالتجاء إلى الله تعالى في إذهابه 0 قال الإمام المازري - رحمه الله - : ظاهر الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها ، والرد لها من غير استدلال ولا نظر في إبطالها 0 قال : والذي يقال في هذا المعنى أن الخواطر على قسمين : فأما التي ليست بمستقرة ولا أوجبتها شبهة طرأت فهي التي تدفع بالإعراض عنها ، وعلى هذا يحمل الحديث ، وعلى مثلها ينطلق اسم الوسوسة ، فكأنه لما كان أمرا طارئا بغير أصل دفع بغير نظر في دليل لا أصل له ينظر فيه 0 وأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة فأن لا تدفع إلا بالاستدلال والنظر في إبطالها والله أعلم 0
وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( فليستعذ بالله ، ولينته ) فمعناه : إذا عرض له هذا الوسواس فليلجأ إلى الله تعالى في دفع شره عنه ، وليعرض عن الفكر في ذلك ، وليعلم أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان ، وهو إنما يسعى بالفساد والإغواء فليعرض عن الإصغاء إلى وسوسته وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها والله أعلم ) ( صحيح مسلم بشرح النووي – 13 ، 14 ، 15 / 316 ، 317 ) 0

ولطرد وسوسة الشيطان في الأمور الإعتقادية ، فلا بد من اتباع الوسائل التالية اقتداء بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم :

1- أن يقدم اليقين على الشك : وهذا لا يكون إلا لمن صحت عقيدته وأخلص لله توجهه ، وتمسك بحبل الله المتين والعروة الوثقى ، وابتعد عن المعاصي وحافظ على كل ما يقرب إلى الله عز وجل 0
2)- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ، ولينته عن التفكير في تلك الأمور 0
3)- أن يقول " آمنت بالله ورسله " 0

الوسوسة في الصلاة :-

* عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته فيلبس عليه حتى لا يدري كم صلى ، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يسلم ، ثم يسلم ) ( متفق عليه ) 0

* عن عثمان ابن أبي العاصي - رضي الله عنه - قال : ( قلت يا رسول الله : إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذلك شيطان يقال له خنزب ، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا ) ففعلت ذلك فأذهبه الله عني ) ( حديث صحيح – أخرجه الإمام مسلم في صحيحه – كتاب السلام - برقم 2203 ) 0

قال النووي : ( أما خنزب فبخاء معجمة مكسورة ثم نون ساكنة ثم زاي مكسورة ومفتوحة ، ويقال أيضا : بفتح الخاء والزاي حكاه القاضي ، ويقال أيضا : بضم الخاء وفتح الزاي ، حكاه ابن الأثير في النهاية ، وهو غريب 0 وفي هذا الحديث استحباب التعوذ من الشيطان عن وسوسته مع التفل عن اليسار ثلاثا ، ومعنى يلبسها أي يخلطها ويشككني فيها وهو بفتح أوله وكسر ثالثه ، ومعنى حال بيني وبينها أي نكدني فيه ، ومعنى لذتها ، والفراغ للخشوع فيها ) ( صحيح مسلم بشرح النووي – 13 ، 14 ، 15 / 358 ، 359 ) 0

ولطرد وسوسة الشيطان في الصلاة فلا بد من اتباع الوسائل التالية اقتداء بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم :-
1)- أن يقدم اليقين على الشك 0
2)- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم 0
3)- التفل عن اليسار ثلاثا 0
4)- فإن عاد للوسوسة ، فعد لفعل ذلك 0
5)- إن لبس عليه يسجد سجود السهو 0
وكثير من الناس ممن يعاني من داء الوسوسة قد ابتلي بهذا الداء نتيجة البعد عن منهج الكتاب والسنة ، واقتراف المعاصي وحب الشهوات والغرق في الدنيا وملذاتها 0

قال الأستاذ شحاته زايد في كتابه " المس الشيطاني للإمام ابن الجوزي والإمام ابن القيم " :

ومن كلام ابن القيم قوله : ( بعد أن ساق كلامه – رحمه الله – حول كيد الشيطان في أمر الوسوسة حتى ألقى أصحابها في الآصار والأغلال وأخرجهم عن اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قال :
وأخذ يشككهم في الطهارة من الحدث الأصغر أو الأكبر ، فكلما تطهر الإنسان بعد الحدث وسوس له أنه لم يتطهر بما فيه الكفاية ، أو أن شيئا قد خرج منه بعد التطهر ( ريح مثلا ) ، فإذا توضأ شككه في الماء المتوضأ به فمن أين له بأنه طاهر ، فإذا لم يستجب له جعله يكثر من استعمال الماء ويطيل الوضوء ويعيده حتى تفوته الجماعة ، ولو اتبع هؤلاء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تمكن الشيطان وما داخلهم الشك في أفعالهم ) (المس الشيطاني – ص 36 ، 37 ) 0

2)- وسوسة داخلية عن طريق مس شيطاني :

* عن عثمان بن العاص - رضي الله عنه- قال : ( لما استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف ، جعل يعرض لي شيء في صلاتي ، حتى ما أدري ما أصلي 0 فلما رأيت ذلك ، رحلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ابن أبي العاص ؟ ) قلت : نعم ! يا رسول الله ! قال : ( ما جاء بك ؟ ) قلت : يا رسول الله ! عرض لي شيء في صلواتي ،حتى ما أدري ما أصلي 0 قال : ( ذاك الشيطان 0 أدنه ) فدنوت منه 0 فجلست على صدور قدمي0قال : فضرب صدري بيده ، وتفل في فمي ، وقال : (اخرج عدو الله ! ) ففعل ذلك ثلاث مرات0 ثم قال : ( الحق بعملك ) ( أخرجه ابن ماجة في سننه - كتاب الطب ( 46 ) - برقم ( 3548 ) ، وقال الألباني حديث صحيح ، أنظر صحيح ابن ماجة 2858 ) 0
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 01-04-2005, 12:39 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين غير متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

وكلا النوعين السابقين من أنواع الوسوسة يحتاج للآتي :

1)- العقيدة الصحيحة التي ترد وسوسة الشيطان ، وتحفظ الإنسان وتقيه من كيده وتربصه 0
2)- الاعتصام بالله سبحانه وتعالى ، واللجوء إليه والتضرع له بالدعاء والذكر 0
3)- المحافظة على تلاوة القرآن وحفظ السنة النبوية المطهرة 0
4)- الرقية الشرعية الثابتة في الكتاب والسنة 0

وأنقل كلاما جميلا لابن القيم - رحمه الله - يقول فيه : ( ومن كيده الذي بلغ به من الجهال ما بلغ : الوسواس الذي كادهم به في أمر الطهارة والصلاة عند عقد النية ، حتى ألقاهم في الآصار والأغلال ، وأخرجهم عن اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخيل إلى أحدهم أن ما جاءت به السنة لا يكفي حتى يضم إليه غيره ، فجمع لهم بين هذا الظن الفاسد ، والتعب الحاضر ، وبطلان الأجر وتنقيصه ) ( اغاثة اللهفان من مصائد الشيطان - 1 / 197 ) 0

وقد تكلمت في كتابي ( الفواكة الدواني للطب النبوي والقرآني ) تحت عنوان ( طريقة علاج الوسوسة ) بإسهاب وإيضاح وتفصيل ، وينصح العودة لذلك وبالله التوفيق 0

قال الأستاذ زهير حموي : ( والوسواس على أنواع كثيرة منها :
1- الوسواس القهري أو اللاإرادي : وهو ما يتعلق بالسلوك اليومي ، والتردد في فعل أشياء تتكرر في حياة الإنسان ، كالتأكد أكثر من مرة من إغلاق باب البيت ، وهذا مجال بحثه في ( علم النفس ) 0
2- وسواس العقيدة وتلبيس الحق : وهذا الوسواس قد يتعرض له الإنسان في مرحلة من مراحل حياته ، أو نتيجة ظرف معين يمر به ، وهو من الشيطان 0
3- وسواس الطهارة : ومن أساليب الشيطان في الوسوسة التشكيك في الطهارة ، ومن مظاهر هذا الوسواس غسل الأعضاء في الوضوء أكثر مما نصت عليه السنة ، وإعادة الوضوء 0
4- وسواس الصلاة : ومن أساليب الشيطان في الوسوسة التشويش على الإنسان في الصلاة ، ومن مظاهر هذا الوسواس إعادة بعض الحروف وتكرارها في الصلاة ، وإعادة النية - مكانها القلب - وكثرة الشرود في الصلاة ، والسهو فيها ) ( الإنسان بين السحر والعين والجان – باختصار - 213 ، 216 ) 0

سئل فضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين عن رجل في العقد الرابع من العمر متزوج وله أولاد ، وكان يتمتع بصحة وعافية ، وقبل سنوات شعر بمرض وراجع كثير من المستشفيات المتخصصة ، وأجريت له فحوصات طبية أثبتت خلو الرجل من أية أمراض عضوية ، ومن ثم توجه الرجل للرقية الشرعية واستخدم الماء المقروء عليه والعزائم ولكن دون جدوى حسب قوله ، وأخيراً توجه للطب النفسي في المستشفيات المتخصصة ، وأشاروا عليه بأنه مصاب بالوسوسة ، فشعر الرجل بألم لما قاله الأطباء ، وأصبح يفكر كثيراً ، وأصبح كثير الجدل مع نفسه ، وقد تطورت الأعراض عنده واعتلّت صحته ، وفكر الرجل في تكذيب قول الأطباء ، وأصبح يعيش بين الوهم والحقيقة ، ويطلب الإرشاد والتوجيه من فضيلة الشيخ ؟

فأجاب – حفظه الله - : ( هذه الوساوس من الشيطان تعترض الكثير من الناس حتى يشك في نفسه وفي دينه وفي إيمانه ، فالشيطان يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس ، ولا شك أن العلاج الوحيد هو دفع تلك الوسوسة وإبعادها عن النفس حتى تريح نفسك وتستحضر أنك مؤمن بالله ، ومن المؤمنين ولست من الأشقياء ، ولم تعمل ما يوقع في هذا الشك والتوقف وأن الله تعالى لا يعاقب على حديث النفس ، ولا على الخيالات والتوهمات ، وقد وقع مثل هذا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة ، وأمر من حظرت له هذه الوساوس أن يستعيذ بالله وينتهي عن ذكر هذه الأمور ويشغل نفسه بالعلوم النافعة المفيدة ، وقراءة القرآن بالتدبر ، وبكثرة ذكر الله وشكره ودعائه والاستغفار والتوبة والاستعاذة من الشيطان الرجيم ، وعليك بدفع هذه الوساوس كلما خطرت ببالك ، واعلم أنها من الشيطان يريد أن يشق عليك حتى تمل من هذه الحياة أو تشك في دينك وتكفر بربك ، فلا تطع الشيطان حتى ترجع إليك راحتك وطمأنينتك وحياتك الطيبة والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ) ( مخطوطة بخط الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين – بحوزة الشيخ علي بن حسين أبو لوز – ص 272 - 273 – تاريخ الفتوى 23 / 4 / 1415 هـ ) 0

الشيخ أبو البراء
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 01-04-2005, 12:39 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين غير متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

رقية من بلي بالوسوسة :-


)- روي في الصحيحين ( البخاري ومسلم ) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يأتي الشيطان أحدكم فيقول : من خلق كذا ، من خلق كذا ، حتى يقول : من خلق ربك ؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته ) وفي رواية في الصحيح : ( لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا : خلق الله الخلق ، فمن خلق الله ؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل : آمنت بالله ورسله ) ...
( متفق عليه - أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب بدء الخلق ( 11 ) - برقم ( 3276 ) ، والإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان ( 214 ) برقم ( 134 ) - والنسائي في " السنن الكبرى " - 6 / 170 - كتاب عمل اليوم والليلة ( 172 ) - برقم ( 10499 ) ، أنظر صحيح الجامع 7993 - السلسلة الصحيحة 117 ) 0


قال النووي : ( وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " فمن وجد ذلك فليقل : آمنت بالله وفي الرواية الأخرى " فليستعذ بالله ولينته " فمعناه الإعراض عن هذا الخاطر الباطل والالتجاء إلى الله تعالى في إذهابه 0 قال الإمام المازري – رحمه الله - : ظاهر الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها ، والرد لها من غير استدلال ولا نظر في إبطالها 0 قال : والذي يقال في هذا المعنى أن الخواطر على قسمين : فأما التي ليست بمستقرة ولا اجتلبتها شبهة طرأت فهي التي تدفع بالإعراض عنها ، وعلى هذا يحمل الحديث ، وعلى مثلها ينطلق اسم الوسوسة ، فكأنه لما كان أمرا طارئا بغير أصل دفع بغير نظر في دليل إذ لا أصل له ينظر فيه 0 وأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة فإنها لا تدفع إلا بالاستدلال والنظر في إبطالها 0 والله أعلم 0
وأما قوله : صلى الله عليه وسلم " فليستعذ بالله ولينته " فمعناه : إذا عرض له هذا الوسواس فليلجأ إلى الله تعالى في دفع شره عنه ، وليعرض عن الفكر في ذلك ، وليعلم أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان ، وهو إنما يسعى بالفساد والإغواء فليعرض عن الإصغاء إلى وسوسته وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها والله أعلم ) 0 ( صحيح مسلم بشرح النووي - 1،2،3 / 316 – 317 ) 0

2)- عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : ( جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به ، قال : وقد وجدتموه قالوا : نعم 0 قال : ذاك صريح الإيمان 0 وفي رواية " تلك محض الإيمان " ) 0 ( أخرجه الإمام مسلم في صحيحه – كتاب الإيمان ( 209 ) – برقم ( 132 ) ، رواية محض الإيمان – برقم ( 133 ) ، وأبو داوود في سننه – كتاب الأدب ( 118 )– برقم ( 5111 ) ، والنسائي في " السنـن الكبرى " - 6 / 170 - كتاب عمل اليوم والليلة ( 172 ) - برقم ( 10500 ) - أنظر صحيح أبي داوود 4263 ) 0


يقول النووي - رحمه الله - :" ذلك صريح الإيمان ومحض الإيمان " معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان ، فإن استعظام هذا وشده الخوف منه ومن النطق به فضلا عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالا محققا انتفت عنه الريبة والشكوك ) 0( صحيح مسلم بشرح النووي 1،2،3 / 316 ) 0

3)- عن عثمان بن أبي العاص - رضي الله عنه - قال : ( قلت يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي ، فقال رسول لله صلى الله عليه وسلم : ذلك شيطان يقال له خنزب ، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه وأتفل عن يسارك ثلاثا ) ففعلت ذلك فأذهبه الله عني ) 0 ( أخرجه الإمام أحمد في مسنده – 4 / 216 ، والإمام مسلم في صحيحه – كتاب السلام – ( 68 ) - باب التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة - برقم ( 2203 ) ، وابن أبي شيبة في " مصنفه " - 7 / 419 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين – 7 / 268 ، وابن السني في " عمل اليوم والليلة " – برقم ( 570 ) ، والأذكار النووية – برقم ( 118 ) 0

قال النووي : ( أما " خنزب " فبخاء معجمة مكسورة ثم نون ساكنة ثم زاي مكسورة ومفتوحة ، ويقال أيضا بفتح الخاء والزاي ، حكاه القاضي ، ويقال أيضا بضم الخاء وفتح الزاي ، حكاه ابن الأثير في النهاية ، وهو غريب 0 وفي هذا الحديث استحباب التعوذ من الشيطان عن وسوسته مع التفل عن اليسار ثلاثا ، ومعنى يلبسها أي يخلطها ويشككني فيه ، وهو بفتح أوله وكسر ثالثه ، ومعنى حال بيني وبينها أي نكدني فيها ، ومنعني لذتها ، والفراغ للخشوع فيها ) 0 ( صحيح مسلم بشرح النووي - 13،14،15 / 358 - 359 ) 0
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 01-04-2005, 12:40 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين غير متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

سئل فضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين - حفظه الله-

عن كيفية النفث عند التعرض لوساوس الشيطان في الصلاة في الحديث الآنف الذكر ،


فأجاب :-

( أولا : على الإنسان أن يستعيذ من الشيطان عند ابتداء الصلاة والقراءة0
ثانيا : عليه أن يحرص على إحضار قلبه لما يقوله في صلاته ، فإذا قرأ تأمل ما يقرأ ، وإذا دعا تأمل ما يدعو به ، وإذا ذكر الله تأمل معاني الأذكار التي يدعو بها ، حتى ينشغل بتأمل ذلك عن وساوس الشيطان 0
ثالثا : إذا ابتلي ووقعت منه هذه الوسوسة ، فإن عليه أن يجدد الاستعاذة ولو بقلبه ، وينفث عن يساره ثلاثا 0
والنفث هو : النفخ مع قليل من الريق ، أي : نفخ مختلط بشيء أو قليل من الريق ، هذا هو النفث ، وهو الذي يستعمل في القراءة على المريض ، بأن ينفث عليه ، لعل ذلك يكون مانعا من الشيطان ) 0( الفتاوى الذهبية - ص 43 - أنظر الكنز الثمين - 1 / 213 - 214 ) 0

4)- وأمر ابن عباس - رضي الله عنه - رجلا وجد في نفسه شيئا من الوسوسة والشك أن يقرأ( هُوَ الأوَّلُ وَالأخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) ( سورة الحديد – الآية 3 ) 0
0 ( قال الشيخ سليم الهلالي : أخرجه أبو داوود بإسناد حسن - صحيح الوابل الصيب من الكلم الطيب - 207 )
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-04-2005, 12:42 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين غير متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

علاج الوسوسة في العقيدة

الشيخ محمد عبد الكريم


الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده.
إنّ من خصائص عقيدة الإسلام أنها قائمة على الحجج النقلية الواضحة, والبراهين العقلية الساطعة, فليس في أصولها ولا في فروعها ما يأباه العقل الرشيد أو يرفضه, وفي سبيل ترسيخ هذه العقيدة في الأنفس, ولضمان ديمومتها وثباتها خاطب القرآن الكريم العقول واستنهضها للتدبر والتفكر؛ قال تعالى: (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ) (1)، وقال سبحانه: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ) (2)، وقال سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) (3). ومع قوة الإيمان في نفوس المؤمنين, وطمأنينة القلب إلى ما أخبر الله تعالى به من الحق المبين, إلا أنّ هذه العقيدة معرَّضة للفتنة والابتلاء لا محالة؛ قال تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ) (4). ومن هذه الفتن محنة الشيطان اللعين ـ عدونا المبين ـ الذي أخذ على نفسه ميثاقاً أمام رب العالمين أن يغوينا أجمعين, كما قال تعالى حكاية عنه: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ - إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (5)، وكما قعد لنا بالوسوسة والإضلال في كل طريق ومرصد؛ فإنه حريص على قذف سمومه في قلوب المسلمين كي يزعزع إيمانهم بالله العزيز الحميد, ويلقي بالريب فيما أخبرنا الله به من الغيب في كتابه المجيد؛ عن سبره بن أبي فاكه رضي لله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنّ الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه, فقعد بطريق الإسلام, فقال: تُسلمُ وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟ فعصاه وأسلم, ثم قعد له بطريق الهجرة, فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءَك؟ وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول, فعصاه فهاجر, ثم قعد له بطريق الجهاد, فقال: تجاهد؟ فهو جهدُ النفس والمال, فتقاتلُ فتقتَلُ, فتنكح المرأة ويُقسَّم المال؟ فعصاه فجاهد؛ فمن فعل ذلك كان حقاً على الله أن يدخله الجنة, ومن قُتل كان حقاً على الله أن يُدخله الجنة، وإن غرق كان حقاً على الله أن يدخله الجنة, وإن وقصته دابته كان حقاً على الله أن يدخله الجنة) (6), إنّ الشيطان الرجيم ليس له من سلطان على البشر إلا بالدعوة والإغراء, والاستمالة والإغواء عن طريق الوسوسة, فما أهون كيده,وأوهن فكره قال تعالى: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ) (7).
معنى الوسوسة:
الوسوسة: مصدر قولهم: وسوس يُوَسْوِس مأخوذ من مادة (و.س.س) التي تدل على صوت غير رفيع: يُقال لصوت الحُلْي: وسواسٌ, وهمس الصائد: وسواسٌ, وإغواء الشيطان ابن آدم وسواس (8).
واصطلاحاً الوسوسة والوَسواس: ما يلقيه الشيطان في القلب. وقال الراغب: الوسوسة: الخطرة الرديئة , وقال البغوي: الوسوسة القول الخفي لقصد الإضلال, والوسواسُ: ما يقع في النفس وعمل الشر وما لا خير فيه (9) , وهذا بخلاف الإلهام فهو لما يقع فيها من الخير.
قال ابن القيم رحمه الله: "الوسوسة: الإلقاء الخفي في النفس إما بصوت خفي لا يسمعه إلا من أُلقِيَ عليه, وإما بغير صوت كما يوسوس الشيطان للعبد"(11).
وقال البغوي في قوله تعالى: (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ): "بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع"(12) .
وقد جاءت الوسوسة في القرآن الكريم في بضع آيات.
فتارة تكون من فعل الشيطان الجني كما قال تعالى: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا ) (13), وقال تعالى: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى )(14) , وسمى الله تعالى شيطاني الجن والإنس "وسواساً" فقال تعالى: (مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ - الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ)(15) , وتارة تضاف الوسوسة إلى فعل النفس كما قال تعـالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُه)(16) .
أنواع الوسوسة:
يحضر الشيطان ابن آدم عند كل شأنه, حتى عند طعامه وشرابه فتنة وابتلاءً؛ بيدَ أنّه لا يعمد إلى الأشياء التافهة, فيشكك فيها, أو يطعن في حقيقتها فمثلاً: أنت تسمع بوجود مدن مهمة كبيرة مملوءة بالسكان والعمران في المشرق والمغرب, لم يخطر ببالك يوماً من الأيام الشك في وجودها أو عيبه بأنها خراب ودمار لا تصلح للسكن, وليس فيها ساكن ونحو ذلك. لأنّه لا غرض للشيطان في تشكيك الإنسان في مثل هذه الأمور, ولكن غرضه الأعظم الكبير في إفساد إيمان المؤمن, فهو يسعى بخيله ورجله ليطفيء نور العلم والهداية في قلبه, ويوقعه في ظلمة الشكِّ والحيرة, ومن هنا كانت وساوسه تتجه صوب أمرين دينيين:
أحدهما: وسوسة الشيطان في العِلْمِيَّات: وهي مسائل الاعتقاد والإيمان, وهو أشدُّ النوعين ذلك لأنّ التوحيد: هو أساس الإسلام, وصرحه الشامخ, ورأس مال المؤمن, ومن خلاله يمكن للشيطان أن ينفث سمومه ليفسد على المرء دينه, ولهذا يوجه إبليس جلَّ سهامه وجنوده لإفساد هذه العقيدة, والتشكيك في التوحيد الخالص فتنة للناس عن دين الحق, كما قال صلى الله عليه وسلم: ((إنّ عرش إبليس على البحر فيبعث سراياه فيفتنون الناس فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة)(17) .
الثاني: الوسوسة في العمليات: وهي العبادات والمعاملات, فهو يحضر المسلم عند طهارته وصلاته وذكره ودعائه, وحجه وطوافه وصيامه, ليلبّس على الناس عباداتهم ويفسد عليهم طاعاتهم, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنّ الشيطان إذا سمع النداء أحال له ضراط, حتى لا يسمع صوته فإذا سكت الشيطان رجع فوسوس فإذا سمع الإقامة ذهب لا يسمع صوته فإذا سكت رجع فوسوس)(18) .
وقد بسط العلماء طريقة الوقاية من هذا النوع في أبواب الفقه, وكتب الآداب والسلوك كما في (تلبيس إبليس) لابن الجوزي (وزغل العلم) للذهبي.
ومقصودنا من البحث إنما هو النوع الأول: وهو وسوسته في العقائد, فمن حيل الشيطان وألاعيبه ببعض الناس أن يزين لهم حبَّ الفضول والسؤال عما لا قِبَلَ لمخلوق أن يدركه عن الخالق عز وجل, فتقع وسوسة السؤال عن ماهية الله تعالى, ووجوده, والحكمة من خلق ما خلق, وما يقضي به تعالى من تقدير الأشياء وإيجادها خيراً وشراً, حلواً ومراً وقد يقع شيء من هذا لكثير من المؤمنين الصادقين, فيدفعونه بالاستعظام والإجلال كما أتى في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: ((إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به, قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذاك صريح الإيمان)(19) . وعن عبد الله رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة, قال: ((تلك محضُ الإيمان)(20) قال الخطابي: "معناه: أنّ صريح الإيمان هو الذي منعكم من قول ما يلقيه الشيطان في أنفسكم والتصديق به, وليس معناه أنّ الوسوسة نفسها صريح الإيمان, وذلك أنها إنما تتولد من فعل الشيطان وتسويله, فكيف يكون إيماناً صريحاً, لأنّ الإيمان: التيقن, وأنّ الإشارة إلى أنّ ما وجدوه من الخوف من الله تعالى أن يعاقبهم على ما وقع في نفوسهم: هو محض الإيمان, إذ الخوف من الله تعالى ينافي الشك فيه" (21).
قال ابن تيمية رحمه الله: "أي حصول هذا الوسواس مع هذه الكراهة العظيمة له, ودفعه عن القلب هو من صريح الإيمان, كالمجاهد الذي جاءه العدو فدافعه حتى غلبه, فهذا أعظم الجهاد و(الصريح) الخالص كاللبن الصريح, وإنما صار صريحاً لما كرهوا تلك الوساوس الشيطانية, ودفعوها فخَلص الإيمان فصار صريحاً, ولا بدّ لعامة الخلق من هذه الوساوس؛ فمن الناس من يجيبها فيصير كافراً أو منافقاً, ومنهم من قد غمر قلبه الشهوات والذنوب فلا يحس بها إلا إذا طلب الدين فإما أن يصير مؤمناً وإما أن يصير منافقاً؛ ولهذا يعرض للناس من الوساوس في الصلاة ما لا يعرض لهم إذا لم يصلّوا لأنّّ الشيطان يكثر التعرُّض للعبد إذا أراد الإنابة إلى ربه والتقرَّب إليه والاتصال به, فلهذا يعرض للمصلين ما لا يعرض لغيرهم، ويعرض لخاصة أهل العلم والدين أكثر مما يعرض للعامة؛ ولهذا يوجد عند طلاب العلم والعبادة من الوساوس والشبهات ما ليس عند غيرهم؛ لأنه لم يسلك(22) شرع الله ومنهاجه, بل هو مقبل على هواه في غفلة عن ذكر ربه، وهذا مطلوب الشيطان بخلاف المتجهين إلى ربهم بالعلم والعبادة.." (23)، وقال في موضع آخر: "فالشيطان لما قذف في قلوبهم وسوسة فدفعوه؛ تحرك الإيمان الذي في قلوبهم بالكراهة لذلك، والاستعظام له؛ فكان ذلك صريح الإيمان, ولا يقتضي ذلك أن يكون السبب الذي هو الوسوسة مأموراً به, والعبد أيضاً قد يدعوه داعٍ إلى الكفر أو المعصية فيعصيه ويمتنع؛ ويورثه ذلك إيماناً وتقوى, وليس السبب مأموراً به, وقد قال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ - فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ )(24) الآية, فهذا الإيمان الزائد والتوكل كان سبب تخويفهم بالعدو، وليس ذلك مشروعاً بل العبد يفعل ذنباً فيورثه ذلك توبة يحبه الله بها، ولا يكون الذنب مأموراً به وهذا باب واسع جداً.." (25).
هذا وقد أنبأ نبينا صلى الله عليه وسلم أصحابه أنّ هذه الوساوس سيتكلم بها الناس, عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يزالون يسألونك يا أبا هريرة حتى يقولوا: هذا الله فمن خلق الله؟ قال: فبينما أنا في المسجد إذ جاءني ناس من الأعراب فقالوا: يا أبا هريرة هذا الله, فمن خلق الله؟ قال: فأخذ حصى بكفه فرماهم, ثم قال: قوموا قوموا، صدق خليلي)(26) .
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 01-04-2005, 12:42 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين غير متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

طرق علاج الوسوسة في العقائد:
إنّ السلامة من فتنة الشيطان بالوسوسة في الإيمان والاعتقادات تكون بطريقتين:
الطريقة الأولى: وقائية: وهي الاحتراز من الوسوسة قبل حصولها, وذلك بالتحصن بالعلم والعكوف على مسائل التوحيد والإيمان, دراسة ومذاكرة, لأنّ الشيطان لا يجد السبيل سالكاً لتشكيك أهل العلم بالإيمان, فكلما أراد عدو الله أن يصرعهم صرعوه, وإذا شغب عليهم بوساوسه, ردوها عليه بما عندهم من الهدى والعلم ورجموه، ((وَلَعالِـمٌ واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد)), ومَن عرف الله تعالى من خلال صفاته ومخلوقاته, عظّم ربه حق التعظيم, وقَدَّره كل التقدير, ولا يزال أبداً يحسن الظن بمولاه حتى يلقاه.
الطريقة الثانية: إذا وقعت الوسوسة في النفس, دفعها المسلم المدرك, وأبطلها بستة أمور:
الأمر الأول: الكف عن الاسترسال في الوسوسة, والانتهاء عنها بقطع حبالها ومتعلقاتها, مستعيناً لذلك بالاستعاذة بالله من شر الشيطان الرجيم, وذلك لما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته)(27) ، والمعنى: إذا عرض له هذا الوسواس, فليلجأ إلى الله تعالى في دفع شره, وليعرض عن الفكر في ذلك, وليعلم أنّ هذا الخاطر من وسوسة الشيطان, وهو أن يسعى بالفساد والإغواء, فليعرض عن الإصغاء إلى وسوسته وليبادر إلى قطعها, بالاشتغال عنها. وهذا كما قال تعالى: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ) (28)وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّ للشيطان لـمَّة بابن آدم, وللمَلَك لـمَّة, فأما لـمَّة الشيطان, فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق, وأما لـمَّة الملك, فإيعاد بالخير, وتصديق بالحق, فمن وجد ذلك, فليعلم أنه من الله, فليحمد الله, ومن وجد الأخرى, فليتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم)), ثم قرأ: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء) (30)(29).
فلا بد إذن من ضبط النفس عن الاستمرار في هذه الوساوس, لأنّ الأضرار والعواقب المترتبة على التسليم لهذه الوساوس وخيمة. ومن أخطرها ثلاثة أمور:
أ ـ وقوع الشك في الإيمان بالله, والشك في ذلك كفر وإلحاد. قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ )(31) .
ب ـ فقدان المرء الثقة بنفسه لدرجة الشك في نفسه هل هو مسلم أم كافر؟
ج ـ الاعتراض على الله تعالى في أفعاله وقضائه وهو سبحانه وتعالى: (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ) (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ).
الأمر الثاني: لا يسأل أسئلة صريحة عن هذه الوساوس التي تدور بخاطره, أي لا يصرح بشيء من ذلك, فإنه في عافية, مادامت الوساوس محصورة في قلبه لم تنتقل بعد إلى لسانه, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّ الله تجاوز لأمتي عما وسوست ـ أو حدثت ـ به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم)(32) .
وهذا ما كان يتأدب به الصحابة إذا وقع لهم شيء من ذلك كما في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال: إني أحدث نفسي بالشيء, لأنْ أكون حُمَمَة أحب إليَّ من أن أتكلم به, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الحمد لله الذي ردَّ كيده إلى الوسوسة)(33) .
الأمر الثالث: أن يقول إذا وجد الوسوسة بثبات جنان ونطق لسان: "آمنت بالله", وذلك لحديث: ((لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا, خلق الله الخلق. فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله)(34) ، ومن المعلوم أنّ الإيمان به تعالى هو ركن الإيمان الأول بالغيب, ومنه ينطلق الإيمان ببقية الأركان, فالتأكيد عليه بالنطق كذلك تذكير بالله تعالى وطرد للشيطان, ولقد تظافرت الدواعي النقلية والعقلية معاً على وجود الله واستحقاقه العبادة وحده دون سواه, وهذا الإيمان بالغيب هو الذي يميز المؤمن بالله تعالى في الدنيا عن غيره من البشر الملحدين المشركين, فلا داعي للتفكير في ذات الله تعالى, أو السؤال عن كنه صفاته, لأنّ إدراك ذلك محال على العبد الضعيف المحدود, (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )(35) ، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ )(36) .
الأمر الرابع: قال ابن القيم رحمه الله: "وأرشد ـ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ـ من بُلي بشيء من وسوسة التسلسل في الفاعلية, إذا قيل له: هذا الله خلق الخلق, فمن خلق الله؟ أن يقرأ: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )(37) . كذلك قال ابن عباس لأبي زُميل سماك بن الوليد الحنفي وقد سأله: "ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قال: قلت: والله لا أتكلم به, قال: قال لي: أشيءٌ من شك؟ قلت: بلى. فقال لي: ما نجا من ذلك أحد, حتى أنزل الله عز وجل: (فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ) قال: قال لي: فإذا وجدت في نفسك شيئاً فقل: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (38), فأرشدهم بهذه الآية إلى بطلان التسلسل الباطل ببديهة العقل, وأن سلسلة المخلوقات في ابتدائها تنتهي إلى أول ليس قبله شيء كما تنتهي في آخرها إلى آخر ليس بعده شيء, كما أنّ ظهوره هو العلو الذي ليس فوقه شيء, وبطونه هو الإحاطة التي لا يكون دونه فيها شيء, ولو كان قبله شيء يكون مؤثراً فيه, لكان ذلك هو الربُّ الخلاق, ولا بدّ أن ينتهي الأمر إلى خالق غير مخلوق, وغني عن غيره, وكل شيء فقير إليه, قائم بنفسه, وكل شيء قائم به, موجود بذاته, وكل شيء موجود به, قديم لا أوَّل له, وكل ما سواه موجود بعد عدمه, باقٍ بذاته, وبقاء كل شيء به, فهو الأول الذي ليس قبله شيء, والآخر الذي ليس بعده شيء, والظاهر الذي ليس فوقه شيء, والباطن الذي ليس دونه شيء" (39).
الأمر الخامس: الالتجاء إلى الله تعالى بالدعاء, وطلب تثبيت القلب على الإيمان. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يدعو فيقول: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)(40) وكان يقول أيضاً: ((إنّ الإيمان يبلى في جوف أحدكم كما يبلى الثوب فاسألوا الله أن يجدد إيمانكم))، ثم الابتهال بجدٍّ في العبادة والعمل امتثالاً لأمر الله, وابتغاء مرضاته, فمن فعل ذلك نجاه الله ووقاه من وساوس الشيطان.
الأمر السادس: إذا استمرت الوساوس, فما عليه إلا أن يردَّ ما يُشكل عليه ويؤرقه, ويكدر صفو اعتقاده بربه ويزعزعه, إلى أهل العلم, لقول الله تعالى: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ). وقوله سبحانه: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْن ِأَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ).
وختاماً:
لا ينبغي للعبد المسلم المؤمن بربه أن يحزن, أو يصاب بالقلق, بل لا يلقي بالاً لما يوسوس به الشيطان له من الأباطيل والأوهام التي تزعزع طمأنينة فؤاده؛ لأنّ هذا كله من تلبيس الشيطان على المؤمنين ليُحزنهم وليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله كما قال تعالى: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ )(41) .
وأحْسِن الظنّ بالله تعالى إحساناً بالغاً فهو عند حسن عبده به, فإن ظنّ العبد به خيراً كان خيراً له, وإن ظنَّ به غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه. (وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (42).
والله الهادي إلى سواء السبيل.

(1)سورة يونس: الآية 101.
(2)سورة سبأ: الآية 46.
(3)سورة المؤمنون: الآية 91.
(4)سورة العنكبوت: الآية 2,1.
(5)سورة ص: الآية 83,82.
(6)رواه النسائي: 6/21 ـ 22، وصححه ابن حبان وإسناده حسن.
(7)سورة النساء: الآية 76.
(8)مقاييس اللغة: 6/76.
(9)المفردات للراغب: 522.
(10)الكليات: 941.
(11)نضرة النعيم في أخلاق الرسول الكريم: 11/5702. نقلاً عن مخطوطة هدية المحب (ورقة 124).
(12)تفسير البغوي: 3/548.
(13)سورة الأعراف: الآية 20.
(14)سورة طه: الآية 120.
(15)سورة الناس.
(16)سورة ق: الآية 16.
(17)رواه مسلم 2813 عن جابر رضي الله عنه.
(18)البخاري مع الفتح 3(1231)، ومسلم 389 واللفظ له.
(19)رواه مسلم 132.
(20)رواه مسلم 133.
(21)معالم السنن بحاشية مختصر سنن أبي داود للمنذري: 8/12.
(22)يعني الشيخ رحمه الله غير طلاب العلم والعبادة.
(23)الفتاوى: 7/260.
(24)سورة آل عمران: الآية 173، 174.
(25)الفتاوى: 10/553.
(26)رواه مسلم: 2/515.
(27)مسلم 134.
(28)سورة الأعراف: الآيتان 201,200.
(29)سورة البقرة: آية 286.
(30)رواه الترمذي 2988 وقال: حسن غريب, وابن حبان في صحيحه رقم40.
(31)سورة الحجرات: الآية 15.
(32)البخاري الفتح: 11/6664.
(33)رواه أبو داود.
(34)رواه مسلم: 134.
(35)سورة الأنعام: الآية 103.
(36)سورة الشورى: الآية 11.
(37)سورة الحديد: الآية 3.
(38)الأثر رواه أبو داود عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه: 5/335. قال الأرناؤوط: وسنده حسن.
(39)زاد المعاد: 2/461.
(40)رواه الترمذي: 2066، وأحمد في المسند: 11664.
(41)سورة المجادلة: الآية 10.
(42)سورة النحل: الآية 60.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 01-04-2005, 12:43 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين غير متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

مؤمن يتساءل: هل الله موجود؟!!!!

السلام عليكم..
جزاكم الله خيرًا عن هذه الخدمات الجليلة التي لها بالغ الأثر في استكمال مشوار الدعوة ورسالة النبي الكريم.
المشكلة:
أنا والحمد لله ملتزمٌ إلى حدٍّ ما، والحمد لله أقوم بالدعوة ومستواي الثقافي والاجتماعي والاقتصادي ممتازٌ تقريبا والحمد لله، لكن مشكلتي أنني تسيطر عليّ أحيانًا مشكلة الشعور بالغربة تجاه أفكار عقيدية عندي وتربيت عليها، وأخطرها عندما أصابت هذه المشكلة عقيدتي.. فأحيانا أقول ما الدلالة على وجود خالق وعلى وحدانيته وعلى صدق النبي الكريم؟ وعندما أفكر أرجع للصواب، ولكن أرجع مرة أخرى للتفكير، وعند كلّ عملٍ أفكر في هذا الأمر وأكاد أجن.. هذا الأمر جعل حياتي جحيما، هذا بالإضافة لمشاكل الحياة والابتلاءات العديدة بالإنسان، فأصبحت في حالةٍ لا توصف من الضيق والتشتت، مع العلم أنني أثناء هذه المشكلة أقوم بالطبع بالصلاة وحفظ القرآن والدعوة، ولكن بالطبع هذه المشكلة تؤثّر على كل هذه الأمور وخصوصا على الدعوة أفيدوني.
جزاكم الله كل خير أيضًا، مع العلم عند تعمق مشكلتي أقوم بتذكر المعجزات الحسية للنبي ومعجزات القرآن، ولكن نفسي لا ترضى بهذا المستوى من الإيمان لأنّي أريد الإيمان بالفكرة، لأني أقول أن الصحابة الأوائل آمنوا بالفكرة، ولم ينتظروا معجزة القرآن أو المعجزات الحسية للنبي صلى الله عليه وسلم.
والسلام عليكم.


د. محمد محمود منصور


الرد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد؛
شكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا على حبكم لإسلامكم وحرصكم عليه وعملكم له.

أخي الكريم؛
أبشر بأنك من المؤمنين.. بل من أصحاب الإيمان القوي.
وهذه البشرى ليست منا، بل هي من الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد حدث للصحابة ما حدث لك من وساوس –وهي تحدث أيضًا لكلّ بشرٍ ولكل مسلم– فبشرهم صلى الله عليه وسلم.. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به؟ قال: (وقد وجدتموه ؟!) قالوا: نعم قال: (ذلك صريح الإيمان) أخرجه مسلم.
فالشيطان يوسوس لضعيف الإيمان وضعيف الإرادة بوسوسة خفيفة.. كنظرةٍ حرام، أو كذبة، أو نحو ذلك، فيستجيب له بسهولة.. أما قوي الإيمان وقوي الإرادة الذي يقتحم الحياة ليستكشفها لينتفع بها ليسعد وليسعد غيره، وليرتقي أعلى درجات الجنة في الآخرة في مقابل جهده هذا في الدنيا فإنه لا تنفع معه وسوسةٌ خفيفةٌ إذ أنه بالتأكيد لن يستجيب لها، وإنما يحتاج إلى وساوس عظيمة لهزيمته، تصل إلى حد التشكيك في وجود الله!

ثم إن هذه الوساوس يعفى عنها ما دام لم يترجمها الإنسان إلى قولٍ أو عمل..
أولا: لأن الله تعالى خلق العقل هكذا، دائم التفكير فيما هو خيرٌ ينفع وفيما هو شرٌ يضر، حتى يتعلم فرز وانتقاء الخير من الشر، فيواجه الحياة بهذا فيصلحها وينصلح حاله فيها ويسعدها ولا يفسدها وإلا تعس في دنياه وآخرته.
وثانيا: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلّم أو تعمل) أخرجه الجماعة.
إذن فللشيطان ولوساوسه فوائد.. إذ إنها تجعل الإنسان دائم الحذر، دائم قوة الإرادة، دائم الاقتحام للحياة، دائم الانتفاع والسعادة بها.

كذلك لاختبارات الله لخلقه في الحياة بين الحين والحين فوائد، فهو لا يبتليهم لإتعاسهم، بل إنهم بها يراجعون أنفسهم ويصوبونها ويزدادون قربًا منه وطلبًا لعونه، ويزدادون خبرات تعينهم في المواقف القادمة على أن يكونوا أفضل، ولهم على ذلك التصويب وذلك الصبر مزيد من النفع في الدنيا ومزيد من الثواب والدرجات في الجنة في الآخرة.

أخي الكريم؛
إن وجود الله لا يحتاج إلى كثير جهد لإثباته! إن أيّ عادلٍ عاقلٍ يفكّر قليلاً يقول أن أثر الأقدام في الصحراء يدل على أنَّ هناك شخصًا قد سار فيها حتى ولو لم يشاهد هذا الشخص، فأثر الله تعالى في كونه واضح، ومن خلال تدبر مخلوقاته ودقة نظامه، كالكهرباء مثلاً لا ترى وإنما تحس آثارها والتي تدل على وجودها يقينًا.

ثم يعين على هذا اليقين الفطرة التي وضعها الله في كل إنسانٍ رحمةً منه له ليعينه على التعرّف عليه والاستعانة به (فطرة الله التي فطر الناس عليها) والتي تحتاج إلى تحريكها وتنشيطها بالعقل بين الحين والحين من خلال التفكر فيما حوله.

فما عليك -أخي الكريم- عندما تأتيك هذه الوساوس إلا أن تعلم أن هذا أمر طبيعي لكل مؤمن ولكل ذي عقل، فإنها ستمر حتمًا، وستعود كثيرًا حتمًا، ولا ضرر منها.. بل النفع بإذن الله كما سبق وبيَّنا، ولكن عليك ألا تهتم بها وتعطيها أكبر من حجمها، وأن تزداد قربًا من الله واستعانةً به واستعاذةً من الشيطان، وأن تنشغل بما هو مفيدٌ نافعٌ مما ينسيك إيَّاها.. كالعلم والعمل والرياضة والعلاقات الاجتماعية الجيدة والدعوة إلى الله وبعض الشعائر والطاعات ونحو ذلك مما ينفعك في دنياك وآخرتك، فإن انشغال القلب بالخير لا يجعل فيه مكانًا للانشغال بالشر تدريجيًا، كما لمَّح لذلك سبحانه في قوله: (ما جعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه)، ذلك مع الحرص الدائم على التواجد في وسطٍ صالحٍ يعينك على كل ما سبق، كما يقول تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض).

وفقك الله وأعانك وحفظك، ولك ثوابك العظيم.. ثواب الصابرين المجاهدين.
ولا تنسنا من صالح دعائك.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 01-04-2005, 12:44 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين غير متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

من كتاب الفوائد لإبن القيم

الخطرات والوساوس

واعلم أن الخطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر فيأخذها الفكر فيؤديها إلى التذكر‏.‏ فيأخذها الذكر فيؤديها إلى الإرادة فتأخذها الإرادة فتؤديها إلى الجوارح والعمل، فتستحكم فتصير عادة ، فردها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها‏.‏
ومعلوم أنه لم يعط الإنسان أمانة الخواطر ولا القوة على قطعها فإنها تهجم عليه هجوم النفس، إلا أن قوة الإيمان والعقل تعينه على قبول أحسنها ورضاه به ومساكنته له، وعلى دفع أقبحها وكراهته له ونفرته منه كما قال الصحابة ‏:‏ ‏"‏يا رسول الله، إن أحدنا يجد في نفسه ما إن يحترق حتى يصير حممة(1)" أحب إليه من أن يتكلم به، فقال‏:‏ أوقد وجدتموه ‏؟‏ قالوا ‏:‏ نعم ، قال‏:‏ ذلك صريح الإيمان‏"‏‏( "(‏أخرجه مسلم في باب الإيمان ، وأبو داود في كتاب الأدب‏.‏‏)‏ (2)‏ وفيه قولان ، أحدهما‏:‏ أن رده وكراهته صريح الإيمان‏.‏ والثاني‏:‏ أن وجوده وإلقاء الشيطان له في النفس صريح الإيمان، فإنه إنما ألقاه في النفس طلبا لمعارضة الإيمان وإزالته به‏.‏
وقد خلق الله سبحانه النفس شبيهة بالرحى الدائرة التي لا تسكن ولا بد لها من شيء تطحنه ، فإن وضع فيها حب طحنته، وإن وضع فيها تراب أو حصى طحنته، فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي يوضع في الرحى، ولا تبقى تلك الرحى معطلة قط، بل لا بد لها من شيء يوضع فيها، فمن الناس من تطحن رحاه حبا يخرج دقيقا ينفع به نفسه وغيره ، وأكثرهم يطحن رملا وحصى وتبنا ونحو ذلك فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحينه‏.‏


فصل‏:‏ القلب لا يخلو من الأفكار

فإذا دفعت الخاطر الوارد عليك اندفع عنك ما بعده، وإن قبلته صار فكرا جوالا فاستخدم الإرادة فتساعدك هي والفكر على استخدام الجوارح فإن تعذر استخدامها رجعا إلى القلب (3)‏ بالتمني والشهوة وتوجهه إلى جهة المراد، ومن المعلوم أن إصلاح الخواطر أسهل من إصلاح الأفكار ، وإصلاح الأفكار أسهل من إصلاح الإرادات ، وإصلاح الإرادات أسهل من تدارك فساد العمل، وتداركه أسهل من قطع العوائد‏.‏فأنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون ما لا يعنيك، فالفكر فيما لا يعني باب كل شر، ومن فكر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه، فالفكر والخواطر والإرادة والهمة أحق شيء بإصلاحه من نفسك، فإن هذه خاصتك وحقيقتك التي لا تبتعد بها أو تقرب من إلهك ومعبودك الذي لا سعادة لك إلا في قربه ورضاه عنك، وكل الشقاء في بعدك عنه وسخطه عليك، ومن كان في خواطره ومجالات فكره دنيئا خسيسا لم يكن في سائر أمره إلا كذلك‏.‏
وإياك أن تمكن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك فإنه يفسدها عليك فسادا يصعب تدراكه، ويلقي إليك أنواع الوساوس والأفكار المضرة، ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك ، وأنت الذي أعنته على نفسك بتمكينه من قلبك وخواطرك فملكها عليك‏.‏ فمثالك معه مثال صاحب رحى يطحن فيها جيد الحبوب، فأتاه شخص معه حمل تراب وبعر وفحم وغثاء ليطحنه في طاحونته، فإن طرده ولم يمكنه من إلقاء ما معه في الطاحون استمر على طحن ما ينفعه وإن مكنه من إلقاء ذلك في الطاحون أفسد ما فيها من الحب وخرج الطحين كله فاسدا‏.‏
والذي يلقيه الشيطان في النفس لا يخرج عن الفكر فيما كان ودخل في الوجود لو كان على خلاف ذلك، وفيما لم يكن لو كان كيف كان يكون، أو فيما يملك الفكر فيه من أنواع الفواحش والحرام أو في خيالات وهمية لا حقيقة لها أو في باطل أو فيما لا سبيل إلى إدراكه من أنواع ما طوى عنه علمه فيلقيه في تلك الخواطر التي لا يبلغ منها غاية ولا يقف منها على نهاية فيجعل ذلك مجال فكره ومسرح وهمه‏.‏

وجماع إصلاح ذلك‏:‏ أن تشغل فكرك في باب العلوم والتصورات بمعرفة ما يلزمك من التوحيد وحقوقه، وفي الموت وما بعده إلى دخول الجنة والنار‏.‏ وفي آفات الأعمال وطرق التحرز منها‏.‏ وفي باب الإرادات والعزوم أن تشغل نفسك بإرادة ما ينفعك إرادته وطرح إرادة ما يضرك إرادته ‏.‏ وعند العارفين أن تمني الخيانة وإشغال الفكر والقلب بها أضر على القلب من نفس الخيانة، ولا سيما إذا فرغ قلبه منها بعد مباشرتها ، فإن تمنيها يشغل القلب ويملؤه منها ويجعلها همه ومراده‏.‏
وأنت تجد في الشاهد أن الملك من البشر إذا كان في بعض حاشيته وخدمه من هو متمن لخيانته مشغول القلب والفكر بها ممتلئ منها، وهو مع ذلك في خدمته وقضاء أشغاله، فإذا اطلع على سره وقصده مقته غاية المقت وأبغضه وقابله بما يستحقه ، وكان أبغض إليه من رجل بعيد عنه جنى بعض الجنايات وقلبه وسره مع الملك غير منطو على تمني الخيانة ومحبتها والحرص عليها، فالأول يتركها عجزا واشتغالا بما هو فيه وقلبه ممتلئ بها، والثاني يفعلها وقلبه كاره لها ليس فيه إضمار الخيانة ولا الإصرار عليها، فهذا أحسن حالا وأسلم عاقبة من الأول‏.‏
وبالجملة ، فالقلب لا يخلو قط من الفكر إما في واجب آخرته ومصالحها، وإما في مصالح دنياه ومعاشه ، وإما في الوساوس والأماني الباطلة والمقدرات المفروضة ، وقد تقدم أن النفس مثلها كمثل رحى تدور بما يلقى فيها ، فإن ألقيت فيها حبا دارت به وإن ألقيت فيها زجاجا وحصى وبعرا دارت به، والله سبحانه هو قيم‏(4)‏ تلك الرحى ومالكها ومصرفها وقد أقام لها ملكا يلقي فيها ما ينفعها فتدور به، وشيطانا يلقي فيها ما يضرها فتدور به، فالملك يلم بها مرة والشيطان يلم بها مرة ،فالحب الذي يلقيه الملك إيعاد بالخير وتصديق بالوعد ،والحب الذي يلقيه الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالوعد والطحين على قدر الحب، وصاحب الحب المضر لا يتمكن من إلقائه إلا إذا وجد الرحى فارغة من الحب وقيمها قد أهملها وأعرض عنها، فحينئذ يبادر إلى إلقاء ما معه فيها‏.‏

وبالجملة، فقيم الرحى إذا تخلى عنها وعن إصلاحها وإلقاء الحب النافع فيها وجد العدو السبيل إلى إفسادها وإدارتها بما معه‏.‏ وأصل صلاح هذه الرحى بالاشتغال بما يعنيك، وفسادها كله في الاشتغال بما لا يعنيك، وما أحسن ما قال بعض العقلاء‏:‏ لما وجدت أنواع الذخائر منصوبة غرضا للمتألف ، ورأيت الزوال حاكما عليها مدركا لها، انصرفت عن جميعها إلى ما لا ينازع فيه ذو الحجا ‏(5) أنه أنفع الذخائر وأفضل المكاسب وأربح المتاجر، والله المستعان‏.‏
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:50 AM.


New Page 4
 
 المركز التعليمي منتديات الحوار تسجيل النطاقاتخدمات تصميم مواقع الإنترنت  إستضافة مواقع الإنترنت  الدعم الفني لإستضافة المواقع
  متجر مؤسسة شبكة بوابة العرب   الدردشة الصوتية والكتابية  مركـزنا الإعـلامي  مـن نـحــن  مقــرنـا  قسم إتفـاقيات الإستــخــدام
Copyright © 2000-2014 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com