تابع بوابة العرب على تويتر 





     
عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات الشـــرعيـــة > منتدى العلوم الإسلامية المتخصصة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 30-03-2005, 08:17 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي علوم الحديث








علوم الحديث
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 30-03-2005, 08:18 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

مقدمة

‏ إن علم الحديث من أشرف العلوم النافعة وأجلها، نخل العلماء به سنن رسول الله ‏‎‎‏ وصانوها من الدس ‏والكذب، وميزوا منها الصحيح من السقيم، والغث من السمين، وحفظوها مدونة في الصحاح والسنن والمسانيد في ‏منأى عن تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. ‏
قال ابن الصلاح « هذا وإن علم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة، وأنفع الفنون النافعة يحبه ذكور الرجال ‏وفحولتهم ويعني به محققو العلماء وكملتهم، ولا يكرهه من الناس إلا رذالتهم وسفلتهم، وهو من أكثر العلوم تولجا ‏في فنونها، لا سيما الفقه الذي هو إنسان عيونها ولذلك كثر غلط الغالطين منه من مصنفي الفقهاء وظهر الخلل في ‏كلام المخلين به من العلماء» (‏ ‏).‏
وهو من العلوم الحادثة في الملة، إذ لم تدع إليه حاجة في عصر النبي ‏‎‎، فكان بمنزلة علم النحو في صيانة ‏العربية من اللحن والغلط، قال عبد الرزاق حمزة : «فلو سمي منطق المنقول أو ميزان تصحيح الأخبار لكان اسما على ‏مسمى» (‏ ‏).‏

‏1- تعريفه: ‏
قسم العلماء علم الحديث إلى علمين لا يُغني أحدهما عن الآخر، هما علم الحديث رواية، وعلم الحديث دراية، ‏قال ابن الأكفاني 794هـ: «علم الحديث الخاص بالرواية علم يشتمل على أقوال النبي ‏‎‎‏ وأفعاله وروايتها وضبطها ‏وتحرير ألفاظها، وعلم الحديث الخاص بالدراية علم يعرف منه حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها وحال ‏الرواة وشروطهم وأصناف المرويات وما يتعلق بذلك» (‏ ‏) .‏
قال السيوطي: «فحقيقة الرواية نقل السنة ونحوها وإسناد ذلك إلى من عزي إليه بالتحديث أو الإخبار، ‏وشروطها التحمل لما يرويه بنوع من أنواع التحمل من سماع أو عرض أو إجازة، وأنواعها الاتصال والانقطاع ‏ونحوهما، وأحكامها القبول والرد، وحال الرواة: العدالة والجرح وشروطهم في التحمل والأداء، وأصناف المرويات: ‏المصنفات والمسانيد والمعاجم والأجزاء، وما يتعلق بها ومعرفة اصطلاح أهلها» (‏ ‏) ‏
وعلم الحديث دراية هو علم أصول الحديث، ويقال علم مصطلح الحديث، وقد عرفه العلماء بأنه :«علم ‏بقوانين يعرف بها حال الراوي والمروي من حيث القبول والرد، موضوعه السند والمتن» قال ابن جماعة: «علم ‏الحديث علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن، وموضوعه السند والمتن وغايته معرفة الصحيح من غيره»وعرفه ‏ابن حجر العسقلاني: «أوفى التعاريف أن يقال: معرفة القواعد المعرفة بحال الراوي والمروي» (‏ ‏). وقال السيوطي :‏
علم الحديث ذو قوانين تُحد يُدرى بها أحوال متن وسند
فذانك الموضوع والمقصـود أن يُعرف المقبـول والمردود‏
وقد حصل للإمام الكرماني رحمه الله وهم في تعريف موضوع هذا العلم، حيث قال في شرح البخاري ‏‏«واعلم أن الحديث موضوعه ذات رسول ‏‎‎‏ من حيث إنه رسول الله، وحده هو علم يعرف به أقوال رسول الله ‏‎‎‏ ‏وأفعاله وأحواله، وغايته هو الفوز بسعادة الدارين‎ .‎وقد اعترض عليه الإمام السيوطي بقوله «وهذا الحد مع شموله ‏لعلم الاستنباط غير محرر، ولم يزل شيخنا الكافيجي يتعجب من قوله إن موضوع علم الحديث ذات الرسول، ‏ويقول «هذا موضوع الطب لا موضوع الحديث» (‏ ‏) .‏

‏2- موضوعه وغايته:
موضوع علم الحديث هو معرفة السند والمتن، فالسند من جهة اتصاله وانقطاعه، ‏وعلوه أو نزوله، أما المتن فمن جهة صحته أو ضعفه، وهذا خاص بما سماه العلماء علم الدراية، أما علم الرواية ‏فموضوعه البحث في تقصي أحاديث الرسول ‏‎‎‏ وضبطها من جهة السماع والرواية، ولذلك فرق العلماء بين هذين ‏المصرعين في علم الحديث، وقالوا بأن النسبة بين علم الحديث دراية وعلم الحديث رواية كالنسبة بين علم أصول ‏الفقه والفقه، أو بين النحو والعربية. ‏
‏ والدراية أعم من معرفة القواعد والقوانين المعرفة بأحوال الراوي والمروي، فمعظم المحدثين يطلقونها على ‏ذلك وعلى فقه الحديث، ولذلك لام بعض المحدثين طلاب الحديث لاقتصارهم على الحفظ والكتابة دون النظر في ‏حال الراوي والمروي واستنباط الأحكام (‏ ‏)‏
وغاية هذا العلم كما ذكر غير واحد من العلماء أن يعرف المقبول من المردود من الروايات، حتى يتميز ‏الصحيح من الضعيف والغث من السمين بمعرفة أحوال الرواة ومراتبهم عدالة وتجريحا وتمحيص الأسانيد والمتون، ‏وذلك من أرفع المقاصد وأسمى المطالب، وهو حفظ السنة النبوية وصيانتها من الخلل.‏
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 30-03-2005, 08:18 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

المعالم الأولى لقواعد علوم الحديث

كان علم الإسناد والبحث في أحوال الرجال من أهم الخصائص التي اختص الله بها هذه الأمة، إذ لم تعن ‏الأمم السابقة بنقل أخبارها بضبط المتون والأسانيد ومعرفة أحوال الرواة والتأكد من ضبطهم وعدالتهم، وإنما ‏كانت الحوادث التاريخية على علاتها والأديان والمذاهب يعول فيها على التلقي من أفواه النقلة وكتاباتهم دون سبر ‏المتون أو نظر في الأسانيد، لكن الله خص هذه الأمة بعلم الإسناد لحفظ السنة ووكل إليها أمر ذلك، فوضع العلماء ‏قواعد المصطلح ومنهج نقد الرجال، بعدما كثر الوضع والكذب، كما قال بعض السلف :«كثرت هذه الأحاديث ‏واستجرحت»(‏ ‏) ، أي أحوجت أهل العلم إلى جرح رواتها، بسبب كثرة أهل الأهواء وانتشار فرق الضلال التي ‏اندس بعض أهلها في سلك المحدثين، فظهر الوضع في الحديث، وقد كثر ذلك في العراق التي كانت مسرحا ‏للاختلافات ومرتعا لأهل الملل والنحل وأرباب المقالات حتى سماها المحدثون «دار الضرب» .‏
فنهض أئمة الإسلام وعلماء الحديث لسد الباب حتى لا يلجه من ليس من أهله، لصيانة السنة من الدس ‏والتحريف، فكان أن اتسع علم الجرح والتعديل وتوسع العلماء في نقد الرجال، حتى اختص بذلك جماعة من أئمة ‏الحديث كسفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي 198 هـ، وشعبة بن الحجاج ت 160هـ ، وأمر عمر بن عبد ‏العزيز بالتدوين الرسمي للحديث خشية ضياع العلم، كما توقف العلماء في قبول رواية المجاهيل ممن لم يعرفوا برواية ‏الحديث، كما أخرج مسلم في مقدمة صحيحه عن أبي الزناد قال : «أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ ‏عنهم الحديث، يقال ليسوا من أهله» (‏ ‏) وظهرت العناية بسبر الروايات ونقد المتون والأسانيد والكشف عن ‏عللها، فظهرت اصطلاحات خاصة عند المحدثين، وزادت العناية بالرحلة في طلب الحديث.‏
فكانت هذه المعالم التي ظهرت في هذا العصر، بداية لعلم أصول الحديث، إلا أنها لم تدون في مصنفات ‏مستقلة، بل ظلت متداولة بالتلقين والمشافهة محفوظة في صدور الرجال، ولم يعرف عن أحد من العلماء أنه أفردها ‏بمصنف اللهم إلا ما وجد عند الإمام الشافعي من مباحث تتعلق بهذا العلم في كتاب "الرسالة" حيث تحدث عن ‏شروط الاحتجاج بالحديث، وشروط الراوي، والرواية بالمعنى، والمدلس وهل يقبل حديثه كما أثر عنه كلام في ‏الحديث الحسن والمرسل في كتاب الام (‏ ‏).‏
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 30-03-2005, 08:18 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

عصر التدوين لعلوم الحديث

في مطلع القرن الثالث الهجري، وبعد أن دونت السنة تدوينا كاملا وأفردت في الصحاح والمسانيد وكتب ‏السنن والمصنفات والجوامع ظهر التصنيف في علوم الحديث، وأفرد العلماء بعضها بالتصنيف بعد أن أصبح كل نوع ‏من أنواع الحديث ومصطلحه علما قائما بذاته، كمعرفة الحديث الصحيح، وعلم المرسل، وعلم الأسماء والكنى، ‏وعلم الجرح والتعديل، وعلم الرجال والطبقات، وعلم العلل.‏
‏ فألف يحيى بن معين 234 هـ في تاريخ الرجال والأسماء والكنى والعلل، وقد جمعها ضياء الدين عمر بن بدر ‏الموصلي في "استنباط المعين في العلل والتاريخ لابن معين" كما صنف محمد بن سعد 230هـ في الطبقات، وأبو الحسن ‏علي بن محمد المدائني 225هـ في "الضعفاء من رجال الحديث" وألف علي بن المديني 234هـ "الثقات والمتثبتون" وله ‏الضعفاء كذلك، وصنف أحمد بن حنبل 241هـ "العلل والرجال" والجرح والتعديل للحسن بن علي الكرابسي 248 ‏هـ وكتاب "رواة الاعتبار" لمسلم بن الحجاج 261هـ. وكان أكثر من نبغ في التأليف والكتابة في هذا العصر، علي ‏بن المديني شيخ الإمام البخاري 234هـ حيث ألف في فنون كثيرة حتى قيل إن مؤلفاته بلغت المائتين(‏ ‏).‏
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 30-03-2005, 08:18 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

أوائل المؤلفات في علوم الحديث

كان من أوائل من صنف في هذا العلم الإمام الترمذي 279 هـ في «كتاب العلل الصغير» الذي ألحقه بكتاب ‏السنن، كما صنف الإمام أبو داود السجستاني 273هـ «رسالة إلى أهل مكة» تكلم فيها عن بعض قواعد علوم ‏الحديث ونبه فيها على شروطه في تخريج أحاديث السنن. ثم تلاهما القاضي عبد الرحمن الرامهرمزي في كتابه ‏‏«المحدث الفاصل بين الراوي والواعي» وقد كان له قصب السبق في الجمع والاستيعاب، إلا أنه لم يهذب ولم يرتب ‏وأبقى بعده أشياء للمتعقب. ‏
ومن أجمع من صنف في هذا العلم وأبرز معالمه، الحاكم النيسابوري 405 هـ الذي كان أول من شق الطريق ‏لمن بعده كما قال ابن خلدون «ومن فحول علمائه وأئمتهم أبو عبد الله الحاكم، وتآليفه فيه مشهورة، وهو الذي ‏أظهره وهذب محاسنه»(‏ ‏) . وقد صنف «معرفة علوم الحديث»، و«المدخل إلى معرفة الصحيح».‏
ثم تلاه الخطيب البغدادي 463 هـ الذي صار عمدة لمن جاء بعده وقد كان فارس هذا الميدان ألف كتابين ‏مشهورين هما "الكفاية في علم الرواية" وكتاب "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" جمع فيهما شتات ما عرف في ‏هذا العلم، وكان له بهما اليد الطولى والقدح المعلى، وما من فن من فنون الحديث إلا وصنف فيه الخطيب كتابا ‏مفردا، بحيث صار من جاء بعده عالة عليه في هذا الباب إذ لم يترك زيادة لمتعقب.كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة ‏‏«كل من أصنف، علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه» (‏ ‏).‏
ثم تلاهم القاضي عياض بن موسى اليحصي ت 544هـ، فصنف كتابا لطيفا أسماه "الإلماع إلى معرفة أصول ‏الرواية وتقييد السماع" وهو كتاب مفيد جدا، ثم جاء من بعده أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانجي ت 580هـ، ‏فجمع جزءا أسماه "ما لا يسع المحدث جهله"، وهو رسالة مختصرة شرحها أبو جعفر عمر بن عبد المجيد المقدسي، في ‏كتابه "إيضاح ما لا يسمع المحدث جهله".‏
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 30-03-2005, 08:19 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

دور النضج والاكتمال في تدوين علوم الحديث‏

في مطلع القرن السابع بلغ التصنيف في هذا العلم تهذيب العبارات، وتحرير المسائل والمصطلحات، وكان رواد ‏هذه الحركة العلمية في التصنيف من أكابر العلماء الذين أحاطوا برواية الحديث حفظا، واطلعوا بدراية أحوال ‏أسانيده ومتونه علما، وكان صاحب السبق في هذا التحول العظيم، الحافظ أبو عمرو عثمان بن الصلاح 643هـ ‏الذي صنف كتابه "علوم الحديث" الذي جمع فيه ما تفرق في مصنفات السابقين. ورتب وهذب وامتاز عن غيره ‏بدقة الاستنباط لمذاهب العلماء وقواعدهم، ثم إنه ضبط التعاريف وحررها وذكر تعاريف لم يسبق إليها، كما تعقب ‏أقوال كثير من العلماء بالنقد والتحقيق.‏
وقد جاء مصنفه مستوعبا متكاملا، ولذلك أطبقت شهرته الآفاق، فعكف الناس عليه، وعدلوا في هذا الفن ‏إليه، فمنهم من اختصره، ومنهم من نظمه شعرا، ومنهم من شرحه وعلق عليه، فكان لكل من الزين العراقي والبدر ‏الزركشي وابن حجر نكت عليه، منها "التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح" للعراقي " ‏الإفصاح على نكت ابن الصلاح" لابن حجر، واختصره جماعة منهم البدر بن جماعة الكناني 733هـ في كتاب ‏أسماه "المنهل الروي في الحديث النبوي" وأكثر المصنفين في هذا الدور كانوا علماء أجلة لم يقلدوا ابن الصلاح في ‏كل ما ذهب إليه بل اجتهدوا رأيهم وناقشوه وأحيانا وخالفوه فيما قرر، وكان من أبرز هؤلاء:‏
الإمام يحيى بن شرف النووي ت 676هـ الذي صنف كتابه "الإرشاد" لخص فيه كتاب ابن الصلاح ثم لخصه ‏في "التقريب والتيسر لأحاديث البشير النذير" واختصره كذلك الحافظ ابن كثير في كتابه "الباعث الحثيث في ‏اختصار علوم الحديث" ت 744هـ.‏
كما نظم الحافظ العراقي منظومة في ألف بيت سماها "التبصرة والتذكرة" ضمنها كتاب ابن الصلاح وتعقبه ‏بمسائل وزاد عليه، وقد شرحها العراقي نفسه بشرح مطول ومختصر، وشرحها أيضا السخاوي 902هـ في كتابه ‏‏"فتح المغيث في شرح ألفية الحديث" قال صاحب الرسالة المستطرفة «وهو أفضل شروحها لا ترى له نظيرا في ‏الإتقان والجمع مع التلخيص والتحقيق» (‏ ‏)، وشرحها كذلك السيوطي في "قطر الدرر" وقطب الدين الخيضري في ‏‏"صعود المراقي بشرح ألفية العراقي" وشيخ الإسلام زكريا بن محمد الأنصاري 928هـ في "فتح الباقي بشرح ألفية ‏العراقي". ثم جاء الإمام السيوطي 911هـ فحذا حذوه في نظم ألفية أخرى ضمنها ما ذكره العراقي وزاد عليه نكتا ‏غزيرة وفوائد كثيرة ولذا قال: ‏
فائقة ألفية العراقي في الجمع والإيجاز واتساق
وتناول تقريب النووي بالشرح في كتاب سماه "تدريب الراوي بشرح تقريب النواوي" وقد غلب عليه فيه ‏طابع الجمع واستيعاب أقوال المتقدمين، ولا يخلو من مناقشة مفيدة.‏
كما صنف الحافظ ابن الحجر العسقلاني كتابه "نخبة الفخر في مصطلح أهل الأثر" وشرحه في كتابه "نزهة ‏النظر" ثم انهالت عليه الشروح والحواشي، منها حاشية أبي الأمد إبراهيم بن حسن اللقاني المالكي "قضاء الوطر من ‏نزهة النظر" وحاشية أخرى للشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي ومن الشروح: "نتيجة النظر في شرح نخبة الفكر" لابنه ‏كمال الدين محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، ثم شرحها عبد الرؤوف المناوي في "اليواقيت والدرر في شرح نخبة ‏الفكر" (‏ ‏) .‏
وعلى كل فكل الذين صنفوا في علم الحديث في هذا العصر إلى حدود القرن العاشر كانوا عالة على كتاب ‏ابن الصلاح حتى قال ابن حجر في نزهة النظر «فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ‏ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر» (‏ ‏)وكان الإمام السيوطي في تدريب الراوي خاتمة ‏المصنفين في هذا العصر، ثم كان من بعد هؤلاء قرون من الركود والجمود اقتصر الناس فيها على شرح كتب ‏المتقدمين ونظم المختصرات في علم المصطلح.‏
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 30-03-2005, 08:19 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

عصر الركود والمختصرات في التدوين

بعد منتصف القرن العاشر العاشر، فترت الهمم وتوقفت حركة الاجتهاد في مسائل العلم والابتكار في ‏التصنيف، فتلا هؤلاء قوم اقتصروا على النظر في كتب المتقدمين ووضع الشروح والحواشي عليها، وكثرت ‏المختصرات في علوم الحديث شعرا ونثرا، واشتغل طلاب العلم بمناقشات لفظية لعبارات المؤلفين دون توسع في ‏قواعد هذا العلم، فظهر من المؤلفات في هذا الدور "المنظومة البيقونية" في أربع وثلاثين بيتا لعمر بن محمد بن فتوح ‏البيقوني (ت 1080هـ) تمتاز بعذوبة اللفظ وسهولة المأخذ، وقد وضع الناس عليها شروحا كثيرة منها شرح لمحمد ‏بن حمدان جاد المولى (ت 1229هـ). وشرح لمحمد بن عبد الباقي الزرقاني (ت 1122هـ) وكذلك كتاب "توضيح ‏الأفكار" للصنعاني محمد بن إسماعيل الأمير (ت 1182هـ) وهو غاية في الاجتهاد، وكتاب "مصطلحات أهل الأثر" ‏لعلي القاري الهروي الحنفي (ت 1014هـ) شرح به نزهة النظر، ويسمى "شرح الشرح" وهو جم الفائدة لغزارة ‏علم مؤلفه.‏
على أننا لم نعدم في هذا العصر أئمة أعلاما من ذوي الهمم العالية ممن أقاموا نهضة لعلم الحديث في بلاد الهند ‏وكان رائد ذلك الإمام العلامة شاه ولي الله الدهلوي (ت 1176هـ) ثم نزع منزعه أولاده وتلامذته ممن تخرجوا على ‏طريقته ومدرسته، بحيث رجحوا علم السنة على غيره من العلوم وأقاموا صرحا علميا لعلم الرواية والدراية (‏ ‏) ‏‏.ومهما يكن من أمر التصنيف في هذا الدور، فإن العلماء لم يتوقفوا أبدا في البحث عن الأسانيد والمتون وسبر ‏أحوال الرجال وتميز الصحيح من الضعيف إذ ذلك علم لم ينقطع.‏
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 30-03-2005, 08:20 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

عصر النهضة والانبعاث في علوم الحديث

‏ عرف العصر الحديث صحوة علمية ونشاطا في حركة التصنيف في شتى المجالات، نتيجة الحاجة المتزايدة ‏للتجديد في الثقافة الإسلامية، وإعادة كتابة العوم الإنسانية من جديد لتلائم روح العصر، فظهرت مصنفات كثيرة ‏في علم الحديث لطائفة من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر ورواد النهضة الحديثة، نذكر منها:‏
‏"قواعد التحديث في فنون مصطلح الحديث" لجمال الدين القاسمي ت: 1332هـ رتب فيه أنواع الحديث على ‏ثلاثة أنواع: الصحيح والحسن، ثم الضعيف، ثم المشترك بينهما، فكان قدوة لأهل العصر وكذلك "مفتاح السنة أو ‏تاريخ فنون الحديث" لعبد العزيز الخولي، وهو أول دارسة لتاريخ الحديث وعلومه، وكتاب "السنة ومكانتها في ‏التشريع الإسلامي" للدكتور مصطفى السباعي وهو كتاب جليل رد به مزاعم المستشرقين وأذنابهم من منكري ‏حجية السنة، ثم "الحديث والمحدثون" لمحمد أبي زهو بحث فيه جهود العلماء عبر العصور في خدمة السنة النبوية ‏ورد كثيرا من المزاعم والشبهات. ثم كتاب "المنهج الحديث في علوم الحديث" للشيخ العلامة الدكتور محمد محمد ‏السماحي قصد فيه جعله موسوعة جامعة لعلم الحديث، وقسمه إلى أقسام منها، قسم تاريخ الحديث في ثلاثة ‏أجزاء، قسم مصطلح الحديث، قسم الرواية، قسم الرواة . ثم "توجيه النظر إلى أصول علم الأثر" للشيخ طاهر ‏الجزائري رحمه الله.‏
ثم توالت جهود العلماء في السنين الأخيرة وظهرت صحوة علمية حديثية على يد كبار محدثي عصرنا منهم ‏الشيخ أحمد شاكر رحمه الله، والشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله الذي أفنى عمره في خدمة السنة النبوية، وترك ‏بعده تراثا ضخما صار الناس عالة عليه في بابه، والشيخ ابراهم وعبد القادر الأرناؤوط اللذين حققا كثيرا من كتب ‏السنة، وشيخنا أبو إسحاق الحويني صاحب التصانيف النافعة في علوم الحديث وفنون التخريج.‏
كما ظهرت مصنفات جديدة أثرت الخزانة الإسلامية منها وكتاب "أصول الحديث علومه ومصطلحه" ‏للدكتور محمد حجاج الخطيب، وكتاب "منهج النقد في علوم الحديث" للدكتور نور الدين عتر أستاذ التفسير ‏والحديث بجامعة دمشق ثم "علوم الحديث ومصطلحه" لصبحي الصالح رحمه الله، وكتاب "تيسير مصطلح الحديث" ‏للدكتور محمود الطحان، وغيرها من الدراسات المعاصرة في علم أصول الحديث ككتاب "دراسات في الحديث ‏النبوي وتاريخ تدوينه" للدكتور مصطفى الأعظمي، ثم "لمحات في أصول الحديث" للعلامة صالح محمد أبو ديب، ‏و"الحديث النبوي ومصطلحه" لمحمد الصباغ.‏
وغيرها من عيون المصنفات التي تشهد بعظيم عناية علماء الأمة بحفظ حديث رسول الله ‏‎‎، والذب عن ‏حياض السنة في كل عصر ومصر وصيانتها من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، مما جعلها في ‏منأى عن كل السهام والشبه المغرضةالتي لم تنل من دين هذه الأمة شيئا عبر التاريخ :‏
كناطح صخرة يوما ليوهنها فلم يضرها وأعيا قرنه الوعل
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 30-03-2005, 08:20 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

معنى الحديث والسنة لغة واصطلاحا

‏1- السنة لغة: عرفها العلماء بأنها الطريقة حسنة كانت أم سيئة، قال ابن منظور في لسان العرب: «السنة ‏السيرة حسنة كانت أم قبيحة» وعليه قول خالد بن عتبة الهذلي الشاعر :‏
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها فأول راض سنة من يسيرها
ومنها قوله ‏‎‎‏: «من سن حسنة فله أجرها وأجرها من عمل بها» أي عملها وسار عليها ليقتدي الناس بها ‏وكل من ابتدأ أمرا عمل به قوم بعده قيل هو الذي سنه، كما قال الشاعر:‏
كأني سننت الحب أول عاشق من الناس إذا أحببت من بينهم وحدي
فالأصل فيها السيرة أو الطريقة، وإذا أطلقت في لسان الشرع العام كان لها اصطلاح آخر مثل قول العلماء ‏فلان على السنة، وفلان إمام في السنة.‏
‏2- السنة اصطلاحا: يراد بها ما أمر به النبي ‏‎‎‏ أو نهى عنه قولا وفعلا، وقد اختلفت معانيها في اصطلاح ‏العلماء حسب اختلاف أغراضهم، فعلماء الأصول عنوا بالبحث في الأدلة الشرعية، كما اهتم علماء الحديث بنقل ‏المرويات والآثار من قول أو فعل، في حين اهتم الفقهاء بالنظر في استنباط الأحكام من واجب ومندوب وحرام ‏ومكروه، ومن ثم اختلفت تعاريفهم لمعنى السنة.‏
ففي اصطلاح المحدثين: هي : «ما أثر عن النبي ‏‎‎‏ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خِلقية أو خُلقية أو ‏سيرة، سواء كان ذلك قبل البعثة كتحنثه بغار حراء، أو بعدها» وهي بهذا المعنى مرادفة للحديث، قال شيخ الإسلام ‏ابن تيمية : «ويلحق بهذا حسن سيرته ‏‎‎‏ لأن الحال يستفاد منه ما كان عليه قبل النبوة من كرائم الأخلاق ومحاسن ‏الفعال، كقول السيدة خديجة رضي الله عنها له «كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، ‏وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق» (‏ ‏).‏
وفي اصطلاح الأصوليين: هي «ما صدر عن النبي ‏‎‎‏ من غير القرآن، من قول أو فعل أو تقرير مما ‏يصلح أن يكون دليلا لحكم شرعي».‏
وفي اصطلاح الفقهاء: هي «كل ما ثبت عن النبي ‏‎‎‏ ولم يكن من باب الفرض ولا الواجب» لأنهم إنما ‏بحثوا عن مراتب أقوال رسول الله ‏‎‎، وهي عندهم المندوب أو المستحب أو السنة المؤكدة على خلاف في ‏الاصطلاح.‏
وعلى ذلك فأوسع التعاريف هو إطلاق المحدثين الذين يقصدون بها ما أثر عن رسول الله ‏‎‎‏ من قول أو فعل ‏أو تقرير أو سيرة سواء كان ذلك قبل البعثة أم بعدها وسواء أثبت ذلك حكما شرعيا أم لا، فمن القول كل ما ‏تلفظ به رسول الله ‏‎‎‏ لأنه لم يكن ينطق عن الهوى، كقوله ‏‎‎‏ : «إنما الأعمال بالنيات» والفعل هو ما نقله إلينا ‏الصحابة من أفعاله ‏‎‎‏ وقد آذن لهم ‏‎‎‏ في ذلك حيث قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وقال في حجة الوداع ‏‏«خذوا عني مناسككم».‏
أما التقرير فهو كل ما أقره ‏‎‎‏ مما فعله الصحابة بحضرته، كإقراره لاجتهادهم في صلاة العصر يوم غزوة بني ‏قريظة، حيث قال ‏‎‎‏: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة» فحمل بعضهم النهي على ظاهره فصلاها بعد ‏المغرب، وفهم بعضهم أن المراد سرعة النهوض فصلاها في وقتها، فأقر النبي ‏‎‎‏ الجميع على فعله، وكإقراره أكل ‏الضب على مائدته لبعض الصحابة.‏
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 30-03-2005, 08:20 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

السنة وعمل الصحابة

‏ ذهب بعض العلماء إلى أن لفظ السنة يطلق أحيانا على ما عمل به الصحابة، سواء أكان ذلك في القرآن أم ‏في المأثور عن رسول الله ‏‎‎‏ أم لا، لكونه اتباعا لسنة ثبتت عندهم، أو اجتهادا مجمعا عليه منهم كما نص على ذلك ‏الإمام الشاطبي في الموافقات.‏
‏ ومن الأمور التي ثبتت في السنة بهذا المعنى حد شارب الخمر، حيث كان تعزير شارب الخمر على عهده ‏‎‎‏ ‏غير معين، فكان ‏‎‎‏ يجلد بالجريد والنعال تارة أربعين وتارة ثمانين، «فلما كان عهد عمر استشار الناس فقال عبد ‏الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، وقال علي: نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب ثمانين، فإنه إذا شرب ‏وسكر، ,إذا سكر هذى وإذا هذى افترى فجلد عمر في الخمر ثمانين» (‏ ‏).‏
وكذلك ما قضى به الخلفاء الراشدون من تضمين الصناع حيث قال علي: «لا يصلح الناس إلا ذلك» لأن ‏الناس بحاجة إلى الاستصناع وعدم تضمين الصناع يورث الإهمال في العمل وعدم المسؤولية، ومن ذلك جمع ‏المصحف، وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة، ووضع الدواوين، وما أشبه ذلك مما اقتضته ‏المصلحة. (‏ ‏)‏
واستدل العلماء لذلك بحديث العرباض بن سارية عن النبي ‏‎‎‏ قال: «فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى ‏اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجد، وإياكم ‏ومحدثاتها» (‏ ‏).
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 30-03-2005, 08:21 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

السنة والبدعة

‏ بإزاء معنى السنة تحدث العلماء عن ضدها وهي البدعة وعرفها علماء اللغة بأنها الأمر المستحدث، وأصلها ‏الاختراع على غير مثال سابق ، أما في الشرع فقصرها العلماء على ما استحدث في الدين حيث قال الإمام الشاطبي ‏‏: «هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه» (‏ ‏) وعرفها ‏شيخ الإسلام ابن تيمية بأنها «ما خالفت الكتاب والسنة أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات، كأقوال ‏الخوارج والرواقض والجهمية والقدرية وكالذين يتعبدون بالرقص في المساجد» (‏ ‏).‏
وتقيدها بما استحدث في الدين لا بد منه لئلا يدخل فيها كل مستحدث مما تقتضيه المصلحة ولا يخالف ‏نصوص الشريعة، وقد أساء بعض الناس فهم تقسيم العزيز عبد السلام البدعة إلى بدعة واجبة ومحرمة ومكروهة ‏ومستحبة، وجعله النحو والاشتغلال به من البدع الواجبة، وكذلك حفظ غريب الكتاب والسنة وتدوين أصول ‏الفقه، إذ قصد بها البدعة اللغوية، وهذه كلها تدخل في باب المصالح المرسلة فلا يجمل تسميتها بدعا. ‏
فالبدعة أصلا هي كل ما أحدثه الناس من قول أو عمل في الدين وشعائره مما لم يؤثر عن رسول الله ‏‎‎‏ ‏وأصحابه لقوله ‏‎‎‏: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» فهي في مقابل السنة.‏
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 30-03-2005, 08:21 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

معنى الحديث والأثر والخبر

الحديث في اللغة ضد القديم، ويستعمل بمعنى الخبر، قال الفيروزآبادي «الحديث الجديد والخبر» وعرفه أبو ‏البقاء الحنفي 1093هـ بقوله «هو اسم من التحديث وهو الإخبار، ثم سمي به قول أو عمل أو تقرير نسب إلى النبي ‏عليه الصلاة والسلام» (‏ ‏) ومعنى الإخبار في لفظ الحديث كان معروفا لدى العرب في الجاهلية، حيث كانوا ‏يطلقون على أيامهم المشهورة اسم الأحاديث كما ذكر البلاذري (‏ ‏).‏
ويرى الفراء وهو يحيى بن زياد الديلمي 207هـ صاحب "معاني القرآن" «أن واحد الأحاديث أحدوثة، ثم ‏جعلوه جمعا للحديث» وهو يشير إلى أن معناه الخبر، وعلى ذلك قول الشاعر أبو كلدة:‏
لا تصبحوا أحدوثة مثل قائل به يضرب الأمثال من يتمثل
وقد اشتهر بين جمهور المحدثين أن الحديث مرادف للخبر، غير أن إطلاق اسم الإخبار على من يشتغل ‏بالتواريخ حمل بعض العلماء، على تخصيص المشتغل بالسنة بلقب "محدث" وتسمية ما جاء عنه "حديثا" لتمييزه عن ‏الخبر الذي يجيء عن غيره، ولذلك قالوا: «بينهما عموم وخصوص مطلق فكل حديث خبر ولا عكس» (‏ ‏).‏
وقال بعض المحدثين الحديث ما جاء عن النبي ‏‎‎‏ والخبر ما جاء عن غيره، إلا أن المحققين على الرأي الأول، ‏والأثر كذلك عندما مرادف للخبر، فيطلقونه على المرفوع والموقوف والمقطوع، وذكر ابن الصلاح وغيره عن ‏فقهاء خراسان أنهم يسمون الموقوف أثرا والمرفوع خبرا، قال السيوطي :‏
وقيل لا يختص بالمرفـوع بل جاء للموقوف والمقطوع
فهو على هذا مرادف الخبر وشهروا ردف الحديث والأثر
والحديث في اصطلاح العلماء إذا أطلق انصرف في الغالب إلى ما يروى عن النبي ‏‎‎‏ بعد البعثة من قول أو ‏فعل أو تقرير قال ابن تيمية: «وكتب الحديث هي بما كان بعد النبوة أخص وإن كان فيها أمور جرت قبل النبوة، ‏فإن تلك لا تذكر لتؤخذ وتشرع فعله قبل النبوة، بل قد أجمع المسلمون على أن الذي فرض على عباده الإيمان به ‏والعمل هو ما جاء به بعد النبوة» (‏ ‏) ‏
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 30-03-2005, 08:21 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

معنى الحديث القدسي

عرفه العلماء بأنه كل حديث يضيف فيه النبي ‏‎‎‏ قولا إلى الله عز وجل، ونسبته إلى القدس نسبة تنزيه ‏وتشريف لأنه صادر عن الله من حيث إنه المتكلم به أو المنشئ له، وأما كونه حديثا، فلأن الرسول ‏‎‎‏ هو الحاكي له ‏عن الله تعالى . ويختلف عن القرآن بأمور كثيرة أهمها كما ذكر أبو البقاء الحنفي «أن القرآن ما كان لفظه ومعناه ‏من عند الله بوحي جلي، وأما الحديث القدسي فهو ما كان لفظه من عند رسول الله ومعناه من عند الله بالإلهام أو ‏بالمنام» (‏ ‏). ‏
والحديث القدسي قد يكون بوحي جلي إلا أن الوحي الجلي ليس شرطا له بخلاف القرآن الكريم، ‏والأحاديث القدسية كثيرة ناهزت المائتين وخمسين حديثا، وقد جمعها بعض العلماء كالشيخ المحدث عبد الرؤوف ‏بن علي المناوي في كتابه "الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية" وبلغت عنده 2720 حديثا.‏
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 30-03-2005, 08:21 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

تعريف السند والمتن

‏ الإسناد والمتن زمام علم الحديث، وموضوعه الذي عليه تنبني أصول هذا العلم، قال الإمام السيوطي : ‏
والسند الإخبار عن طريق متن كالاسناد لدى الفريق
والمتن ما انتهى إليه السند من الكلام والحديث قيدوا‏
فالمتن : في اللغة ما صلب من ظهر كل شيء ، ومتن القوس تمتينا شدها بالعصب، ومتن في الأرض إذا ذهب ‏أما في الاصطلاح فهو: «ألفاظ الحديث التي تقوم بها معانيه» .‏
أما السند: فعرفه علماء اللغة "بأنه ما ارتفع من الأرض في قبل الجبل أو الوادي، والجمع أسناد ولا يكسر ‏على غير ذلك" كما قال ابن منظور، وكل شيء أسندته إلى شيء فهو مسند، ويقال أسند في الجبل إذا صعده، ‏ويقال فلان سند أي معتمد، قال الجوهري في الصحاح «السند ما قابلك من الجبل وعلا من السفح، وفي حديث ‏أحد رأيت النساء يسندن في الجبل أي يصعدن» ، وليس له جمع آخر غير "أسناد" (‏ ‏).‏
أما اصطلاحا فهو «سلسلة الرواة الذين نقلوا الحديث من مصدره الأول» قال النووي : «وسمي هذا الطريق ‏سندا إما لأنه المتسند عليه في نسبة المتن إلى مصدره، أو لاعتماد الحفاظ على السند لمعرفة صحة الحديث وضعفه» ‏أما الإسناد «فهو رفع الحديث إلى قائله» قال السيوطي "وقد يطلق الإسناد على السند من باب إطلاق المصدر ‏على المفعول، كما أطلق الخلق على المخلوق»(‏ ‏) ولهذا نجد المحدثين يستعملون السند والإسناد بمعنى واحد.‏
والإسناد خصيصة خص الله تعالى بها الأمة الإسلامية دون غيرها من الأمم، قال محمد بن حاتم بن المظفر : ‏‏«إن الله أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد، إنما هي ‏صحف بأيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، فليس عندهم تميز بين ما نزل من التوراة والإنجيل، وبين ما ألحقوه ‏بكتبهم» (‏ ‏).
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 30-03-2005, 08:22 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

تدوين الحديث والصحف المكتوبة في عهد الرسول ‏‎ ‎

‏ مما لا خلاف فيه أن بعض الصحابة دونوا كثيرا من السنن على عهد النبي ‏‎‎‏ ، منهم من كتبها بإذن خاص ‏منه ‏‎‎، وقد وردت أخبار كثيرة تتفاوت أسانيدها قوة وضعفا بأن صحفا كثيرة قد دونت في زمن النبوة، ومع ‏صحة كثير من هذه الآثار، فإنه لم يصلنا من هذه الصحف سوى متفرقات من مرويات أصحابها ذكرها المحدثون في ‏كتبهم، لأن كثيرا من الصحابة والتابعين كانوا يحرقون ما لديهم من الصحف أو يغسلونها قبل وفاتهم، أو يوصون ‏بها لثقة خشية أن تؤول إلى غير أهل العلم. لكن لم يرتب أحد من العلماء في كونها كتبت في عهد النبي ‏‎‎‏ ، ‏ووصلتننا مروياتها ضمن تصانيف المحدثين، ومن أشهرها:‏
‏1-صحيفة سعد بن عبادة: فقد روى الترمذي أن سعد بن عبادة كان يملك صحيفة جمع فيها طائفة من ‏أحاديث الرسول ‏‎‎‏ وسننه، وكان ابنه يروي من هذه الصحيفة، ويروي الإمام البخاري أن هذه الصحيفة كانت ‏نسخة من صحيفة عبد الله بن أوفى الذي كان يكتب الأحاديث بيده، وكان الناس يقرءون عليه ما جمعه بخطه(‏ ‏).‏
‏2-صحيفة سمرة بن جندب: توفي عام 60هـ، وقد ذكر عنه ابن حجر «أنه كان قد جمع أحاديث كثيرة في ‏نسخة كبيرة ورثها عنه ابنه سليمان ورواها عنه (‏ ‏). وهي حسب ظن بعض المستشرقين الرسالة التي بعثها سمرة إلى ‏بنيه وهي التي قال فيها ابن سيرين «في رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير» (‏ ‏) وقد روى البخاري أول هذه الرسالة في ‏‏"التاريخ الكبير" في ترجمة محمد بن إبراهيم بن خبيب.‏
‏3-صحيفة جابر بن عبد الله: توفي عام 78هـ وقد نسبها له ابن سعد في الطبقات وغيره، ويرى الإمام ‏مسلم في صحيحه أنها في مناسك الحج. قال الذهبي «ويحتمل أن تكون هذه الصحيفة غير المنسك الصغير الذي ‏أورده مسلم في كتاب الحج» (‏ ‏). وقد اشتهرت هذه الصحيفة التي كان يمليها جابر على تلاميذه بالمسجد النبوي ‏وكان التابعي قتادة بن دعامة السدوسي 118هـ يعظم قيمة هذه الصحيفة ويقول :«لأنا بصحيفة جابر أحفظ مني ‏من سورة البقرة»(‏ ‏) .‏
‏4-الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص: توفي عام 65هـ، وقد كانت هذه الصحيفة من ‏الصحف المكتوبة في عهد النبي ‏‎‎‏ ، كتبها عبد الله بن عمرو عن رسول الله ‏‎‎‏ وقد صرح بذلك لمجاهد بن جبر حين ‏رآها عنده فأراد أن يتناولها فقال له عبد الله بن عمرو : «هذه الصادقة فيها ما سمعته عن رسول الله ‏‎‎‏ وليس بيني ‏فيها أحد» (‏ ‏).وكانت أعز شيء لديه حيث كان يقول: «ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة والوهط»(‏ ‏) والوهط ‏أرض تصدق بها أبو ه عمرو بن العاص، فكان هو يقوم عليها.‏
وقد اشتملت هذه الصحيفة على ألف حديث كما قال ابن الأثير (‏ ‏) وقد حفظها أهله من بعده، ولم تصلنا ‏بخطه لكن نقلها الإمام احمد في مسنده، وروى معظمها أصحاب السنن، وكان حفيده عمرو بن شعيب يحدث منها ‏كما ذكر ابن حجر وإن كانت أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا تجاوز الخمسمائة حديث(‏ ‏).‏
‏ وذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الصحيفة تعتبر أصدق وثيقة تاريخية تثبت كتابة الحديث في العهد النبوي. ‏وقد ورد طعن لبعض أهل العلم في هذه الصحيفة كالمغيرة بن مقسم الضبي الذي قال «كانت لعبد الله بن عمرو ‏صحيفة تسمى الصادقة ما تسرني أنها لي بفلسين»(‏ ‏)، وهذه الرواية إن صحت فهي محمولة على أن المغيرة بن ‏مقسم كان يتحدث عن الروايات الضعيفة وهو إنما ضعفها لأنها نقلت وجادة عند بعض الرواة، والوجادة أضعف ‏طرق التحمل لم يقبل المحدثون التحديث بها إلا بشروط عسيرة قلما تتوفر، وإلا فإن عمرو بن شعيب قد رواها ‏مشافهة وقد صحت الرواية عنه عند غير واحد من العلماء.‏
‏5-الصحيفة الصحيحة لهمام بن منبه: توفي عام 131هـ على أرجح الأقوال، وهو تابعي جليل لقي أبا ‏هريرة رضي الله عنه وسمع منه كثيرا، وهذه الصحيفة هي مما دونه من سماعاته عنه وسماها «الصحيفة الصحيحة» ‏على غرار صحيفة عبد الله بن عمرو، وقد وصلتنا كاملة كما رواها ودونها همام عن أبي هريرة عثر عليها الدكتور ‏المحقق محمد حميد الله في مخطوطتين متماثلتين في دمشق وبرلين(‏ ‏) وقد نقلها الإمام أحمد كاملة في مسنده، كما نقل ‏البخاري عددا كبيرا من أحاديثها في أبواب مختلفة من صحيحه، وقد اشتملت على 138 حديثا.‏
وهي من أصدق الوثائق التاريخية الدالة على كتابة الحديث منذ عهد مبكر وإن لم تدون في عصر النبوة لأن ‏هماما ولد قبيل عام 40هـ وأبو هريرة توفي سنة 58هـ. وقد تداولها طلاب العلم واشتهرت بينهم رواها عن همام ‏بن منبه تلميذ معمر بن راشد ثم عبد الرزاق عن معمر ثم اتصلت أسانيدها بإعلام المصنفين في الحديث كالإمام أحمد ‏والبخاري وغيره.‏
‏6-صحف أخرى اشتهرت في زمن النبوة: شاع في زمن النبي ‏‎‎‏ صحف كانت أشبه ما تكون بالوثائق ‏الرسمية للدولة، ومنها الصحيفة التي أمر النبي ‏‎‎‏ بتدوينها في السنة الأولى من الهجرة وقد نصت على حقوق المسلمين ‏من المهاجرين والأنصار وأهل يثرب من الأعراب واليهود المجاورين وجاء في مقدمتها «هذا كتاب محمد النبي ‏الرسول ‏‎‎‏ بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من ‏دون الناس»(‏ ‏) ، وقد اشتهرت هذه الصحيفة بين المسلمين في الصدر الأول وتناقلها المؤرخون وأصحاب السير، ‏وكانت بمثابة دستور وميثاق للدولة الإسلامية في عهد النبوة .‏
كما اشتهرت في زمنه ‏‎‎‏ كتب كان يرسلها إلى عماله على الأمصار، ككتابه للعلاء الحضرمي في الصدقات، ‏وكتابه لعمرو بن حزم عامله على اليمن وفيه أصول الإسلام وطريق الدعوة إليه وبيان العبادات، وانصبة زكاة الإبل ‏والبقر والغنم، والجزية على غير المسلمين، والدية والجراحات. وقد أخرج بعضه الإمام البخاري ومالك والنسائي ‏والدرامي والسيوطي (‏ ‏).‏
وقد أربت كتب رسول الله ‏‎‎‏ إلى الملوك والأمراء، وولاته وعماله وإلى أهل الذمة وغيرهم على 280 كتابا، ‏وذكر صاحب الأموال أنها كانت عند عمر ملء صندوق إلا أنها احترقت يوم دير الجماجم عام 82هـ وما بقي ‏منها قضت عليه صروف الدهر وغارات التتار، وبقي بعضها إلى القرن 9هـ ككتابه باقطاع تميم الداري أرضا(‏ ‏) ‏وهذا ما يدل على أن حركة تدوين الحديث نشأت منذ عهد الرسول ‏‎‎‏ خلافا لما هو شائع بين العامة من آراء ‏المستشرقين وغيرهم من أن تدوين الحديث لم يعرف إلا في زمن الأمويين في أوائل القرن الثاني الهجري.‏
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 30-03-2005, 08:22 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

تدوين الحديث في عصر الراشدين

لم تتغير الحال كثيرا في عصر الخلفاء الراشدين فرغم ما روي عن النبي ‏‎‎‏ في إباحة الكتابة، وما دون من ‏الأحاديث بين يديه ‏‎‎، ظل كثير من الصحابة يتورعون في الكتابة ولا يستجيزونها لمن يأخذ عنهم.‏
فأبو بكر رضي الله عنه ثبت أنه جمع طائفة من الأحاديث بلغت 500 حديث كما روت عنه عائشة ثم دعا ‏بنار فأحرقها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت :«جمع أبي الحديث عن رسول الله ‏‎‎‏ فكان خمسمائة حديث فبات ‏ليلته يتقلب قالت أعدلوا، فقلت لأي شيء تتقلب لشكوى أو لشيء بلغك فلما أصبح قال أي بنية هلمي الأحاديث ‏التي هي عندك قالت فجئته بها فدعا بنار فأحرقها» (‏ ‏). وفكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في جمع السنن ثم ‏عدل عن ذلك لرأي رآه، فعن عروة بن الزبير «أن عمر رضي الله عنه أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب النبي ‏‎‎‏ في ذلك فأشاروا عليه بذلك، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له فقال: إني كنت ‏قد ذكرت لكم من كتاب السنن ما قد علمتم، ثم تذكرت فإذا أناس من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب ‏الله كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا، فترك كتابة السنن» (‏ ‏)‏
وقد كان خوف عمر من إقدامه على كتابة السنة أن ينكب المسلمون على غير القرآن ويهملوا كتاب الله عز ‏وجل ولذلك نهى الناس عن اتخاذ كتب ظهرت بين أيديهم وأنكر على من نسخ كتاب "دانيال" وقال له «لئن بلغني ‏أنك قرأته أو أقرأته أحدا من الناس لأنهكنك عقوبة» وقام خطيبا في الناس «أيها الناس إنه قد بلغني أنه قد ظهرت في ‏أيديكم كتب فأحبها إلى الله أعدلها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتاب إلا أتاني به فأرى فيه رأيي، فظنوا أنه يريد ‏أن يقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار وقال "أمنية كأمنية أهل الكتاب» (‏ ‏) .‏
وبلغ بهم الورع والاحتياط أنهم كانوا يتشددون في الرواية ويأمرون بالإقلال منها لئلا يشتغل الناس بها عن ‏كتاب الله. وكذلك فعل ابن مسعود حين جاءه علقمة بصحيفة فيها أحاديث في آل البيت، دعا بطست من ماء ‏فمحاها وهو يقول «نحن نقص عليك أحسن القصص بها أوحينا إليه هذا القرآن، القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ‏ولا تشغلوها بما سواه» (‏ ‏). وكان علي يخطب في الناس «أعزم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، ‏فإنما هلك الناس حيث اتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم» وقد كره زيد بن ثابت أن يكتب عنه مروان ‏بن الحكم، وقال ابن عباس «إنا لا نكتُب العلم ولا نُكتِبه» (‏ ‏) .‏
وقال أبو سعيد الخدري لابن ضرة: «إنا لا نكتبكم ولن نجعله قرآنا، ولكن احفظوا عنا كما حفظنا عن ‏رسول الله ‏‎‎‏ » وكان منهم كبار الصحابة رضي الله عنهم كلهم كرهوا الكتابة في الصدر الأول لنفس العلة التي ‏من أجلها نهاهم النبي ‏‎‎‏ عن تدوين الحديث قبل الإذن العام.‏
قال الخطيب البغدادي: «إن كراهة الكتاب في الصدر الأول إنما هي لئلا يضاهي بكتاب الله تعالى غيره، ‏ونهى عن الكتب القديمة أن تتخذ لأنه لا يعرف حقها من باطلها وصحيحها من فاسدها مع أن القرآن كفى منها، ‏ثم لقلة الفقهاء في ذلك الوقت والمميزين بين الوحي وغيره، لأن أكثر الأعراب لم يكونوا فقِهوا في الدين ولا جالسوا ‏العلماء فلم يؤمن أن يلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن ويعتقدون أن ما اشتملت عليه من كلام الرحمان» (‏ ‏)‏
ثم إنه زالت العلل والموانع في كراهة الكتابة والتدوين لمصلحة أخطر وأعظم، فكان عمر رضي الله عنه بعد ‏ذلك يقول: «قيدوا العلم بالكتاب»(‏ ‏). وروي عن علي بن أبي طالب انه كان يحض على طلب العلم وكتابته ‏ويقول «من يشتري مني علما بدرهم؟ قال أيو خيثمة يقول: يشتري صحيفة بدرهم يكتب فيها العلم» (‏ ‏).‏
وروي عن ابن عباس أنه «كانت معه ألواح يكتب فيها وكان يملي التفسير على مجاهد فيكتب، وكان البراء ‏بن عازب يملي على طلابه وهم يكتبون، قال عبد الله بن خنيس «رأيتهم عند البراء يكتبون على أيديهم ‏بالقصب»(‏ ‏) وعلى كل فقد تضافرت الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك حتى أصبحوا يتواصون بكتابة ‏الحديث وحفظه، لأنه زالت علة النهي ولم تعد الحاجة داعية إلى منع الكتابة .‏
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 30-03-2005, 08:23 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

التدوين في عصر التابعين

اتفقت آراء التابعين حول تدوين السنن لأنهم تلاميذ الصحابة وقد أُثرت عنهم روايات في كراهة الكتابة ، ‏كما وُجد منهم طائفة تساهلوا في أمرها فكانوا يحضون تلامذتهم عليها، حتى أصبحت أمرا متداولا بينهم. ذلك أن ‏الأسباب التي حملت الصحابة على الكراهة والحظر ثم الإباحة هي نفسها التي حملت التابعين وأتباعهم على ذلك.‏
ففي عصر كبار التابعين حتى آخر المائة الأولى امتنع كثير منهم عن الكتابة، منهم عبيدة بن عمرو السلماني ‏‏72هـ، وإبراهيم بن يزيد التميمي 92هـ ، وجابر بن يزيد 93هـ وإبراهيم النخعي 96هـ فقد كره عبيدة أن ‏يكتب عنه أحد وكان يقول لإبراهيم «لا تخلدن عني كتابا» إذ كان يعتبر ذلك إثما، وقد دعا بكتبه قبل وفاته ‏فأحرقها وقال «أخشى أن يليها قوم يضعونها غير موضعها» وكره إبراهيم النخعي أن تكتب الأحاديث في ‏الكراريس وتشبه بالمصاحف (‏ ‏).‏
كما كان عامر الشعبي يقول: «ما كتبت سوداء في بيضاء ولا سمعت من رجل حديثا فأردت أن يعيده ‏علي»(‏ ‏)، ومما زاد في كراهة القوم للكتابة أن آراءهم بدأت تشتهر، فكانوا يخشون إذا كتب عنهم الأحاديث أن ‏يكتبوها إلى جانب تلك الآراء، فنهوا عن ذلك، فقد قيل لجابر بن زيد «إنهم يكتبون رأيك، فأنكر ذلك وقال: ‏يكتبون ما عسى أن أرجع عنه غدا»، فكانوا يشددون في أمر الكتابة مخافة أن تمتزج آراءهم بما يكتب من السنن.‏
ولذلك أثرت عنهم أقوال في إباحة الكتابة وإجازتها بعد ذلك حين أمنوا من اختلاط الحديث بالرأي وفقهوا ‏ذلك فقها جيدا، فصاروا يعقدون الحلقات للكتابة والإملاء ويحضون عليها طلاب العلم: «فقد كان سعيد بن جبير ‏يكتب عن ابن عباس فإذا امتلأت صحفه كتب في نعله حتى يملأها»، وكان عامر الشعبي رغم اعتماده على الحفظ ‏يقول : «إذا سمعتم مني شيئا فاكتبوه ولو في حائط» ويظهر أنه كتب بنفسه بعض العلم فقد وجدوا له بعد موته ‏كتابا في الفرائض والجراحات.‏
وكان مجاهد يصعد بالناس إلى غرفته فيخرج إليهم كتبه ينسخون منها، وكذلك عطاء بن أبي رباح 114هـ، ‏وقتادة بن دعامة الذي قال من استفتاه في الكتابة «وما يمنعك أن تكتب وقد أخبر اللطيف الخبير أنه يكتب» ‏‎‎قال ‏علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى‎‎‏.‏
وقد انتشرت الكتب ونشطت الحركة العلمية، وكثرت مجالس الإملاء فكان عطاء يقول لغلمانه «يا غلمان ‏تعالوا اكتبوا، فمن كان منكم لا يحسن كتبنا له، ومن لم يكن عنده قرطاس أعطيناه من عندنا». وكثرت الصحف ‏المدونة، فقد دون خالد الكلاعي 104هـ علمه في «مصحف له أزرار» .‏
لكن مع ذلك لم نعدم في جيل أوساط التابعين أصواتا تستنكر الكتابة لما رعاهم أن يروا الحديث في كراريس ‏ودفاتر وأن يعتمد طلاب الحديث على هذه الكتب ويهملوا الحفظ فتمسك هؤلاء بالآثار التي لا تبيح الكتابة، لئلا ‏يضعف الاعتماد على الحفظ والذاكرة.‏
ومنهم الضحاك في مزاحم الذي أباح الكتابة سابقا فكان يقول: «يأتي على الناس زمان يعلق فيه المصحف ‏حتى يعشش عليه العنكبوت، لا ينتفع بما فيه، وتكون أعمال الناس بالروايات والأحاديث». وكان شعبة يقول «لا ‏تتخذوا للمحدثين كراريس ككراريس المصاحف» وعاد الأوزاعي إلى كراهتها وقال «كان هذا العلم شريفا إذ ‏كان من أفواه الرجال .. وكان بعضهم يوصي بغسل كتبه أو محوها بعد موته كشعبة في الحجاج لابنه.‏
على أن هذه النزعة لم تخفف من حدة النشاط العلمي في جمع الحديث النبوي وتدوينه، فكان أبو أيوب ‏الأنصاري يقول : «يعيبون علينا الكتاب وقد قال عز وجل: ‏‎‎علمها عند ربي في كتاب‎‎‏ فما لبث التياران أن ‏توحدا وزالت كل أسباب المنع و أطبق العلماء من السلف على إباحة الكتابة قال ابن الصلاح «ثم إنه زال ذلك ‏الخلاف واجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة» (‏ ‏).‏
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 30-03-2005, 08:23 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

التدوين الرسمي للحديث النبوي

لم تكن ظاهرة الاختلاف في تدوين الحديث النبوي ناشئة عن انقسام العلماء إلى مدرستين إحداهما تبيح ‏الكتابة والأخرى تمنعها وإنما نشأت لقيام أسباب المنع والإباحة التي فصلها العلماء. فلما زالت علة المنع رجع العلماء ‏إلى الإجماع على قول واحد حتى أصبحت الكتابة أمرا لا يستغني عنه في حفظ حديث رسول الله ‏‎‎‏.‏
وقد كان من المحاولات الأولى للتدوين الرسمي للحديث ما قام به أمير مصر عبد العزيز بن مروان ت 85هـ ‏الذي طلب من "كثير بن مرة الحضرمي" أحد أعلام التابعين في حمص أن يكتب إليه بما سمعه من أحاديث رسول ‏الله ‏‎‎‏ وكان ذلك عام 75هـ. ‏
إلا أن الذي اشتهر بين العلماء أن عمر بن عبد العزيز 101هـ هو الذي أمر رسميا ابن شهاب الزهري ‏‏124هـ بتدوين حديث رسول الله ‏‎‎‏ وكان الذي حمله على ذلك مخافة دروس العلم وذهاب أهله. فكتب إلى أبي ‏بكر بن محمد بن حزم عامله على المدينة وهي يومئذ موطن السنة يأمره «انظر ما كان من حديث رسول الله ‏‎‎‏ أو ‏سنة ماضية أو حديث عمرة فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله»(‏ ‏)، وعمرة هي عمرة بنت عبد ‏الرحمان الأنصارية، وقد ذكر معها في بعض الروايات القاسم بن محمد بن أبي بكر وكلاهما من تلاميذ عائشة وهما ‏أعلم الناس بحديثها. ‏
كما كتب عمر بن عبد العزيز بمثل ذلك إلى أهل الآفاق وعماله على الأمصار، «انظروا حديث رسول الله ‏‎‎‏ فاجمعوه» وكان أول من استجاب له في حياته وحقق له غايته عالم الحجاز والشام "محمد بن مسلم بن شهاب ‏الزهري" 124هـ الذي دون في ذلك كتابا، فغدا عمر يبعث إلى كل أرض دفترا من دفاتره. وحق له أن يفخر ‏بعمله قائلا «لم يدون هذا العم أحد قبل تدويني».‏
مع أن كراهة التدوين كانت ملازمة للإمام الزهري حيث قال: «كنا نكره تدوين العلم حتى أكرهنا عليه ‏هؤلاء الأمراء فرأينا إلا نمنعه أحدا من المسلمين»‏‎‎وفي رواية، «لو لا أحاديث تأتينا من قبل المشرق ننكرها لا ‏نعرفها ما كتبت حديثا ولا أذنت في كتابة» (‏ ‏) .‏
والظاهر أن عمر بن عبد العزيز لم يكتف بإرسال الأوامر إلى أهل الآفاق، بل شجع حركة التدوين والجمع ‏حتى انتشرت في الآفاق بين طلاب العلم ومشايخه حيث قال «ولتُفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، ‏فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا»(‏ ‏).‏
وفرض لأهل العلم نصيبا من بيت المال يسد حاجاتهم حتى يتمكنوا من التفرغ لنشر العلم وجمع الحديث ‏ومدارسته في المساجد قال لواليه على حمص «مر لأهل الصلاح من بيت المال ما يقيتهم لئلا يشغلهم شيء عن ‏تلاوة القرآن وما حملوا من الحديث» . وكان ابن شهاب الزهري من أروى الناس في زمانه حتى قال عنه أبو ‏الزناد: «كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كل ما سمع فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم ‏الناس». وقد اخترمت المنية عمر بن عبد العزيز قبل أن يشهد نتائج سعيه المبرور إلا ما كان من الزهري الذي أطلعه ‏على مصنفه. وهكذا اعتبر العلماء تدوين عمر بن عبد العزيز أول تدوين للسنة، فكانت نهاية القرن الأول الهجري ‏خاتمة حاسمة لما كان من كراهة الكتابة وإباحتها فدونت السنة في صحف وكراريس ودفاتر، وكثرت المصنفات في ‏أيدي طلاب الحديث.‏
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 30-03-2005, 08:23 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

المصنفون الأوائل في الحديث

‏ امتد تدوين السنن وانتشر في الأمصار الإسلامية، فظهرت مصنفات كثيرة في الحديث في منتصف القرن ‏الثاني الهجري في أوقات متقاربة، وكان منهج التصنيف ترتيبا للأبواب، بعدما كان أهل الحديث يجمعون الأحاديث ‏المختلفة في الصحف والكراريس. على أن ما جمعه هؤلاء من الأحاديث والسنن ظل مختلطا بفتاوى الصحابة وأقوال ‏التابعين قال السيوطي :‏
أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمرا له عمر
‏ و أول الجامع للأبـواب جماعة في العصر ذو اقتراب
كابن جريج وهشيم مالك و معمر وولد المبـارك
وقد اختلف العلماء في أول من صنف وجمع الأحاديث، فقيل عبد الملك بن جريج 150هـ بمكة ومالك ‏‏179هـ أو محمد بن إسحاق 151هـ بالمدينة . وصنف بها عبد الرحمان بن أبي ذئب موطأ أكبر من موطأ مالك، ‏وبالبصرة الربيع بن صبيح 160هـ، وقيل سعيد بن أبي عروبة 156هـ، وسفيان الثوري ت 161هـ بالكوفة، ‏وخالد بن جميل العدني، ومعمر بن راشد ت 153هـ باليمن والأوزاعي بالشام 137هـ وعبد الله بن المبارك 181 ‏بخراسان، وهشيم بن بشير 183هـ بواسط، وجرير بن عبد الحميد 188هـ وعبد الله بن وهب 197هـ بمصر.‏
ثم تلاهم من أهل عصرهم جماعة في النسج على منوالهم، وكان هذا التصنيف بالنسبة إلى جمع الأبواب ‏وضمها في مؤلف أو جامع. وأما جمع حديث إلى مثله في باب فقد سبق إليه التابعي عمر الشعبي 103هـ الذي ‏روي عنه أنه قال «هذا باب من الطلاق جسيم إذا اعتدت المرأة ورثت» وساق فيه أحاديث كثيرة.‏
‏ ولما كانت هذه التصانيف مختلطة بأقوال الصحابة والتابعين، رأى أهل العلم الذين جاءوا من بعدهم إفراد ‏حديث رسول الله ‏‎‎، فظهرت المسانيد وهي مصنفات جمعت السنن حسب أسماء الصحابة مرتبين حسب السوابق ‏الإسلامية أو الأنساب. وكان أول من صنف مسندا، أبو داود سليمان بن الجارود الطيالسي ت 204هـ، وتبعه ‏بعض معاصريه من أتباع التابعين، فصنف أسد بن موسى الأموي ت 212هـ، ويحيى بن عبد الحميد الكوفي 228هـ ‏قال ابن عدي «هو أول من صنف المسند بالكوفة» واقتفى الأئمة آثارهم كأحمد بن حنبل 241هـ وإسحاق بن ‏راهوية 238هـ وعثمان بن أبي شيبة 239، وبقي بن مخلد 296هـ، ويعتبر مسند الإمام أحمد أوفى المسانيد وأوسعها.‏
ثم جاء من أهل العلم من نزع إلى تجريد الأحاديث الصحيحة وإفرادها بالتصنيف. وكان أول من جرد ‏الصحيح الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري 256هـ ثم الإمام مسلم (204-261)، ثم تلاهم أئمة آخرون ‏في النسخ على منوالهم كأبي داود سليمان في الأشعث السجستاني (202-275هـ) وأبي عيسى محمد بن سورة ‏الترمذي 279هت وأحمد بن شعيب النسائي (215-303هـ) ثم ابن ماجه القزويني (207-273هـ).‏
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 30-03-2005, 08:24 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

أهم كتب الحديث وأنواعها

‏ لقد أثمرت جهود العلماء طيلة عصر التدوين مصنفات عدة في الحديث النبوي، اختلفت أنواعها باختلاف ‏مناهج العلماء ومناحيهم في التصنيف فكان منها كتب الصحاح، والجوامع، والمسانيد، والمعاجم، والمستدركات ‏والمستخرجات، والأجزاء.‏
‏1-كتب الصحاح: وهي تشمل الكتب الستة، للبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ‏إلا أن العلماء اختلفوا في عد ابن ماجه منها، فجعل بعضهم موطأ مالك سادس الكتب الستة كما ذهب إليه ابن ‏حجر. وإنما سميت الكتب الستة بالصحاح على وجه التغليب، وإلا فإن كتب السنن الأربعة لأبي داود والترمذي ‏والنسائي وابن ماجه هي دون الصحيحين منزلة وأقل دقة وضبطا.‏
ومن كتب الصحاح كذلك صحيح ابن خزيمة 311هـ، وصحيح أبي عوانة الاسفراييني ت 316هـ وصحيح ‏ابن حبان البستي 354هـ، والصحاح المختارة للضياء محمد بن عبد الواحد المقدسي 643هـ. قال ابن كثير «وكتب ‏أخر التزم أصحابها صحتها كابن خزيمة وابن حبان البستي وهما خير من المستدرك بكثير وأنظف أسانيدا ومتونا»(‏ ‏)‏
ولكل من أصحاب الكتب الستة مزية يعرف بها ولذلك قالوا: «من أراد التفقه فعليه بصحيح البخاري، ومن ‏أراد قلة التعليقات فعليه بصحيح مسلم (‏ ‏)، ومن رغب في زيادة معلوماته في فن الحديث فعليه بجامع الترمذي، ومن ‏قصد إلى حصر أحاديث الأحكام فبغيته لدى أبي داود في سننه، ومن كان يعنيه حسن التبويب في الفقه فابن ماجه ‏يلبي رغبته، أما النسائي فقد توافرت له أكثر هذه المزايا» (‏ ‏).‏
‏2-الجوامع: وهي مصنفات قصد فيها مؤلفوها جمع أبواب الحديث التي اصطلحوا على أنها ثمانية وهي: باب ‏السفر والقيام والقعود أو باب الشمائل، باب الفتن، ثم باب المناقب والمثالب، والكتاب الجامع لهذه الأبواب يسمى ‏جامعا كجامع البخاري وجامع الترمذي وقد كانت هذه الأبواب الثمانية قبل أن تظهر في الجوامع موضوعات ‏مستقلة من كتب وأجزاء، ككتاب التوحيد لابن خزيمة في العقائد، والزهد لأحمد بن حنبل، وسنن أبي داود في ‏الأحكام، والأدب المفرد للبخاري في الآداب، وكتاب ابن مردويه في التفسير، والشمائل للترمذي، وكتاب الفتن ‏لنعيم بن حماد.‏
‏3- المسانيد: وهي مصنفات جمع فيها مصنفوها الأحاديث على أسماء الصحابة حسب السوابق الإسلامية، أو ‏تبعا للأنساب، والجمع على حسب السوابق أفضل عند عامة أهل الحديث، قال الخطيب «وهذه الطريقة أحب إلينا ‏في تخريج المسند، فيبدأ بالعشرة رضوان الله عليهم ثم يتبعهم بالمقدمين من أهل بدر» ومنها مسند أبي داود الطيالسي ‏‏204هـ وهو أول من ألف في المسانيد، ومنها كذلك، مسند بقي بن مخلد ت 296هـ ويسمى مسنده أيضا مصنفا ‏لأنه صنف فيه أحاديث كل صحابي على أبواب الفقه، وأوفى تلك المسانيد وأجمعها مسند الإمام أحمد بن حنبل، ‏وفيه أحاديث صحيحة كثيرة لم تخرج في الكتب الستة.‏
‏4-المعاجم: وهي مصنفات من نوع خاص قصد فيها مؤلفوها جمع الأحاديث، على أسماء الشيوخ أو البلدان ‏أو القبائل مرتبة على حروف المعجم، وأشهرها معجم الطبراني الكبير والأوسط والصغير.‏
‏5-المستدركات: جمع مستدرك، وهو ما استدرك فيه مصنفه على مؤلف ما فاته في كتابه مما كان على ‏شرطه، وأشهرها مستدرك الحاكم على الصحيحين وقد لخصه الإمام الذهبي، غير أن الحاكم ألزم الشيخين بإخراج ‏أحاديث لا تلزمهما لضعف رواتها عندهما، على أن الضرر في مستدرك الحاكم أنه كان يظن ما ليس بصحيح ‏صحيحا، وقد خرج بعض الأحاديث على شرط الشيخين، وإن كان من كثير من استدراكاته مقال. ‏
‏6- المستخرجات: وموضوع المستخرج كما قال الحافظ العراقي «أن يأتي المصنف إلى الكتاب فيخرج ‏أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب فيجتمع معه في شيخه أو من فوقه» ومنها مستخرج أبي بكر ‏الإسماعلي على البخاري، ومستخرج أبي عوانة على مسلم، ومستخرج أبي نعيم على الصحيحين. ‏
‏7- الأجزاء: والجزء في اصطلاح المحدثين: تأليف الأحاديث المروية عن رجل واحد من الصحابة أو من ‏بعدهم كجزء أبي بكر، أو الأحاديث المتعلقة بمطلب من المطالب، كجزء في قيام الليل للمروزي وجزء في صلاة ‏الضحى للسيوطي، ومنها كتب الفوائد الحديثية كالوحدانيات والثنائيات والعشريات، ككتاب الوحدان للأمام ‏مسلم. وقد فصل القول في هذه المصنفات صاحب الرسالة المستطرفة.‏
رد مع اقتباس
  #21  
قديم 30-03-2005, 08:24 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

أقسام الحديث من حيث القبول والرد

اصطلح المحدثون على تقسيم الحديث من حيث القبول والرد إلى ثلاثة أقسام صحيح وحسن وضعيف، كما قال ‏الخطابي ت 388هـ في "معالم السنن" الذي شرح به سنن أبي داود :«اعلموا أن الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام حديث ‏صحيح وحديث حسن وحديث سقيم» (‏ ‏) . قال السيوطي :‏
والأكثرون قسموا هذي السنن إلى صحيح وضعيف وحسن‏
وهذا التقسيم اصطلاح المتأخرين بعد عصر الإمام الترمذي 279هـ إذ هو أول من قسم الحديث هذا التقسيم، وإلا ‏فهو عند المتقدمين قسمان صحيح وضعيف، فكان الحسن داخلا في أحد النوعين، ولم يجعلوه قسما بذاته.‏
قال ابن تيمية «وأما من قبل الترمذي من العلماء فما عرف عنهم هذا التقسيم الثلاثي، لكن كانوا يقسمونه إلى ‏صحيح وضعيف، والضعيف عندهم نوعان، ضعيف ضعفا لا يمتنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي، ‏وضعيف ضعفا يوجب تركه وهو الواهي»(‏ ‏) ثم درج المحدثون في كتبهم على هذا التقسيم الثلاثي
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 30-03-2005, 08:24 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

‏1- الحديث الصحيح

عرفه ابن الصلاح بقوله : «الحديث الصحيح هو المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط ‏إلى منتهاه، ولا يكون شاذا ولا معللا» (‏ ‏) ثم اختصر الإمام النووي هذا التعريف في التقريب فقال «هو ما اتصل سنده ‏بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة» (‏ ‏) قال السيوطي:‏
‏ حد الصحيح مسند بوصله بنقل عـدل ضابط عن مثلـه
‏ ولم يكن شـذا ولا معلـلا والحكم بالصحة والضعف على
و مثاله : ما أخرجه الإمام البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي ‏الله عنه قال: قال رسول الله ‏‎‎‏ : «لولا أن أشق على امتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة». فالحديث الصحيح لا بد له ‏من خمسة شروط وهي :‏
‏1- اتصال السند: وهو اتصال سلسلة الرواة من لدن راوي الحديث إلى النبي ‏‎‎‏ بحيث لا يحصل فيها انقطاع أو ‏تعليق أو إعضال أو تدليس أو إبهام، وغير ذلك من صور الانقطاع، فيخرج بذلك المنقطع والمرسل والمعضل والمعلق والمدلس ‏والمبهم، وغيرها مما لم يتوفر فيه شرط اتصال السند.‏
‏2- عدالة الرواة : والعدل من استقام دينه وخلقه، وسلم من أسباب الفسق وخوارم المروءة فخرج بهذا الشرط ‏الحديث الموضوع الذي يرويه كذاب، وما ضعف لاتهام راويه بالفسق أو الإخلال بالمروءة.‏
‏3- ضبط الرواة: ومعناه قوة الحفظ والتيقظ عند السماع والأداء، وحفظه لما سمعه من وقت التحمل إلى وقت ‏الأداء، فمن كان مغفلا خفيف الضبط أو كثير النسيان فاحش الغلط لا يصح حديثه، وقد وهم الخطابي في معالم السنن، قال ‏‏: «والصحيح عندهم ما اتصل سنده، وعدلت نقلته» فلم يشترط ضبط الراوي ولا سلامة الحديث من الشذوذ والعلة ‏وعدالة الراوي لا تكفي للحكم بصحة حديثه، إذ لا بد من كونه ضابطا لما ينقل.‏
‏4- السلامة من الشذوذ: والشذوذ هو مخالفة الثقة لمن هم أوثق منه، لقوة حفظهم أو لكثرة عددهم ، مما يكون ‏دليلا على وقوع وهم في روايته ويسمى حديثه "شاذا".‏
‏5- السلامة من العلة: والعلة عند المحدثين «سبب خفي يقدح في صحة الحديث مع ظهور السلامة منه»(‏ ‏) وقيدها ‏العلماء بأن تكون قادحة كإرسال خفي في موصول، أو وصل منقطع، أو رفع موقوف وغير ذلك من العلل القادحة، ‏احترازا من العلل التي لا تقدح في الصحة.‏
ومسألة الإعلال هذه خلافية بين الفقهاء والمحدثين. قال ابن دقيق العيد في الاقتراح «إن أصحاب الحديث زادوا ذلك ‏في حد الصحيح، وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإن كثيرا من العلل التي يعلل بها المحدثون لا تجري على ‏أصول الفقهاء» (‏ ‏) ومذهب المحدثين في هذا المجال أحكم وأسلم لأنهم أهل هذا العلم.‏

أقسام الحديث الصحيح
قسم المحدثون الصحيح إلى قسمين: صحيح لذاته : وهو الذي اشتمل من صفات القبول على أعلاها، وصحيح لغيره ‏‏: وهو ما لم يتوفر على أعلى صفات القبول وإنما صحح لأمر أجنبي عنه، كالحديث الحسن فإنه إذا روي من غير طريق ‏ارتقى بما عضده من درجة الحسن إلى درجة الصحة فكان صحيحا لغيره(‏ ‏) .‏
فالصحيح لذاته سمي كذلك لأن صحته ناشئة من ذاته، بخلاف الصحيح لغيره الذي صحح لأمر خارج عنه وقد ‏يلحق بالصحيح أوصاف أخرى لا تؤثر في صحته، «فكما يوصف الصحيح بأنه مسند ومتصل يوصف بأنه متواتر أو آحاد، ‏ويجوز وصفه بأنه غريب أو مشهور»(‏ ‏).‏

مراتب الصحة عند المحدثين ‏
‏ لم يعتبر العلماء الأحاديث الصحيحة في درجة واحدة بل صنفوا الصحة فيها إلى مراتب تبعا لتفاوت درجات القبول ‏والتصحيح عندهم، فتحدثوا عن الصحيح والأصح وما هو نهاية في الصحة، وقد قسم الإمام النووي درجات الصحة في ‏الأحاديث إلى سبع مراتب وتابعه على هذا التقسيم كثير من المحدثين 1-أعلاها ما اتفق عليه البخاري ومسلم 2-ما انفرد به ‏البخاري 3-ما انفرد به مسلم 4-ما كان على شرطهما ولم يخرجاه 5- ما كان على شرط البخاري 6-ما كان على شرط ‏مسلم 7- ما صححه غيرهما من الأئمة(‏ ‏). قال السيوطي :‏
‏ مروي ذين فالبخاري فما لمسلم فما حوى شرطهما
‏ فشرط أول فثان ثم مـا كان على شرط فتى غيرهما
‏ وربمـا يعرض للمفوق ما يجـعله مساويا أو قدمـا‏
والتحقيق في مراتب الصحيح ما قاله العلامة قاسم قطلوبغا في حواشيه على شرح النخبة لابن حجر : «الذي يقتضيه ‏النظر أن ما كان على شرطهما وليس له علة يقدم على ما أخرجه مسلم وحده لأن قوة الحديث إنما هي بالنظر إلى رجاله لا ‏بالنظر إلى كونه في كتابه هذا »(‏ ‏).‏

قولهم صحيح الإسناد وأصح شيء في الباب
لم يختلف علماء الحديث في أن الحديث إذا جمع شروط الصحة الخمسة وهي اتصاله بالعدول الضابطين من غير ‏شذوذ ولا علة حكم له بالصحة إلا أنهم يعدلون في بعض الأحيان عن قولهم "حديث صحيح" إلى قولهم "حديث صحيح ‏الإسناد" خشية أن يكون المتن شاذا أو معللا فيصحح السند دون المتن. ‏
وفي هذه الحالة لا تستلزم صحة السند صحة المتن، قال ابن حجر «والذي لا شك فيه أن الإمام منهم لا يعدل عن ‏قوله "صحيح" إلى قوله "صحيح الإسناد" إلا لأمر ما » وعقب على ذلك السيوطي بقوله «فإذا قال ذلك حافظ معتمد ولم ‏يذكر للحديث علة قادحة فالظاهر صحة المتن» (‏ ‏).‏
‏ وقد جرى بعض المتأخرين في تصحيح بعض الأحاديث على قولهم «صحيح الإسناد» وإنما حملهم على ذلك الورع ‏والمبالغة في الاحتياط وإلا فإن المقصود «صحة الحديث سندا ومتنا» وقد لا يوجد في الباب غير حديث واحد لم تتوفر فيه ‏جميع شروط الصحة، فيعدل المصنف إلى قوله «هذا اصح شيء في الباب» وهي عبارة وردت كثيرا في جامع الترمذي، ‏وتاريخ البخاري، قال لنووي في الأذكار «لا يلزم من هذه العبارة صحة الحديث فإنهم يقولون هذا أصح ما جاء في الباب ‏وإن كان ضعيفا، ومرادهم أرجحه أو أقله ضعفا» (‏ ‏) .‏
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 30-03-2005, 08:25 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

أصح الأسانيد
‏ وتتفاوت مراتب الصحيح عند العلماء كذلك بتفاوت الأمصار والبلدان التي رواه أهلها، ولذلك تكلموا في أصح ‏الأسانيد في الأمصار واتفق أهل العلم الحديث على أن أصح الأحاديث ما رواه أهل المدينة كما قال ابن تيمية «اتفق أهل ‏العمل بالحديث على أن أصح الأحاديث ما رواه أهل المدينة ثم أهل البصرة ثم أهل الشام» (‏ ‏).‏
وقال الخطيب :«أصح طرق السنن ما يرويه أهل الحرمين مكة والمدينة، فإن التدليس عندهم قليل والكذب ووضع ‏الحديث عندهم عزيز، ولأهل اليمن روايات جيدة وطرق صحيحة، إلا أنها قليلة، ومرجعها إلى أهل الحجاز، ولأهل البصرة ‏من السنن الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم مع إكثارهم، والكوفيون مثلهم في الكثرة غير أن رواياتهم كثيرة الدغل ‏قليلة السلامة من العلل، وحديث الشاميين أكثره مراسيل ومقاطيع وما اتصل منه ما أسنده الثقات فإنه صالح والغالب عليه ‏ما يتعلق بالمواعظ» (‏ ‏).‏
‏ وقد ذكر ابن الصلاح أن جماعة أئمة الحديث اجتهدوا في وسبر أحوال الرواة والأسانيد لمعرفة مراتبها في درجات ‏الصحة والقبول، إلا أنه اختلفت آراؤهم في ذلك واضطربت أقوالهم، ويمكن أن نجملها فيما يلي:‏
‏1- قال بعضهم أصح الأسانيد ما رواه الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر رضي الله عنه.‏
‏2- قال آخرون أصحها ما رواه سليمان الأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود.‏
‏3- قال الإمام البخاري «أصحها ما رواه مالك بن أنس عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر» ولما كان الشافعي ‏أجل من روى عن مالك وأحمد أجل من روى عن الشافعي ، جعلوا سلسلة الذهب أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع ‏عن ابن عمر ، وقد جزم بذلك العلائي في عوالي مالك فقال في الحديث المذكور "أي ساقه بذلك الإسناد" إنه أصح حديث ‏في الدنيا" (‏ ‏) .‏
‏4- وقيل أصح الأسانيد: ما رواه ابن سيرين، عن عبيدة السلماني عن علي بن أبي طالب" وهو مذهب علي بن ‏المديني وعمرو بن علي الفلاس 249هـ وقد أطال العلماء الكلام في هذا الموضوع بأقوال كثيرة وآراء يطول جلبها، وقد ‏جمع الحافظ العراقي فيما عده من أصح الأسانيد كتابا لطيفا في الأحكام رتبه على أبواب الفقه سماه "تقريب الأسانيد وترتيب ‏المسانيد" وذكر ما ورد بهذه المسانيد من الأحاديث في الموطأ ومسند الإمام أحمد.وقد جمعه من تراجم ستة عشر لأسماء الرواة ‏الذي قيل في رواياتهم إنها أصح الأسانيد إما مطلقا وإما مقيدا، ومع ذلك فقد فاته جملة من الأحاديث كما قال ابن حجر ‏‏(‏ ‏).‏

تحقيق الحكم بصحة بعض الأسانيد مطلقا‏
ذهب الإمام أبو عبد الله الحاكم النيسابوري 405هـ إلى أنه لتسهيل معرفة اصح الأسانيد وقطع دابر الخلاف في ‏المسألة، ينبغي تخصيص القول في أصح الأسانيد بصحابي أو ببلد معين، فيقال اصح إسناد الصحابي فلان كذا وكذا وأصح ‏أسانيد البلد الفلاني كذا وكذا(‏ ‏). كما قال السيوطي :‏
لاينبغي التعميم في الإسناد بل خص بالصحب أو البلاد
وإلى هذا الرأي مال الإمام النووي في التقريب وقال «والمختار أنه لا يجزم في إسناد أنه أصح الأسانيد مطلقا» وعقب ‏الحافظ العراقي على ذلك قائلا «مع أنه يمكن للناظر المتقن ترجيح بعضها على بعض من حيث حفظ الإمام الذي رجح ‏إتقانه. وإن لم يتهيأ ذلك على الإطلاق فلا يخلو النظر فيه من فائدة»(‏ ‏). قال السيوطي «لأن تفاوت مراتب الصحة مرتب ‏على تمكن الإسناد من شروط الصحة ويعز وجود أعلى درجات القبول في كل واحد واحد من رجال القبول في كل واحد ‏منهم بحسب ما قوي عنده» (‏ ‏).‏
ومن ثم جرى كثير من العلماء على تقييد القول بأصحية بعض الأسانيد بالصحابي أو البلد. قال الحاكم النيسابوري ‏‏«إن أصح أسانيد أهل البيت جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي إذا كان الراوي عن جعفر ثقة، وأصح أسانيد ‏الصديق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر، ولعائشة عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر ‏بن الخطاب عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة وقال "أصح أسانيد المكيين سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ‏جابر، واصح أسانيد اليمانيين معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة، وأثبت إسناد المصريين: الليث بن سعد عن يزيد بن ‏حبيب عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر الجهني، وأثبتت أسانيد الشاميين الأوزاعي عن حسان بن عطية عن الصحابة، ‏وأثبتت أسانيد الخراسانيين الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه" (‏ ‏).‏
وكان جماعة من أهل الحديث لا يعدلون بأسانيد أهل الحجاز شيئا، حتى روي عن الإمام مالك أنه قال «إذا خرج ‏الحديث عن الحجاز انقطع نخاعه» (‏ ‏) .‏

العمل بالحديث الصحيح وحجيته
‏ أجمع أئمة الإسلام على أن الحديث متى ثبت صحته كان حجة ملزمة للأمة ووجب العلم به وترك ما سواه من ‏رأي أو خبر، قال ابن القيم في إعلام الموقعين "والذي ندين الله تبارك وتعالى به ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن ‏رسول الله ‏‎‎‏ ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك ما خالد ولا نتركه لخلاف ‏أحد من الناس كائنا من كان لا رواية ولا غيره، إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث ولا يحضره وقت الفتيا أو لا يتفطن ‏لدلالته على تلك المسألة أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا أو يكون في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا في نفس الأمر، أو يقلد ‏في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه ولو قدر انتفاء ذلك كله ولا سبيل إلى العمل بانتفائه ‏‏(‏ ‏). ‏
وأطال الكلام في هذه المسألة جماعة من العلماء كابن حجر في نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، والإمام الشعراني في ‏الميزان الكبرى حيث قال "فإن الأئمة كلهم أسرى في يد الشريعة ومن فعل ذلك فقد جاز الخير بكلتي يديه ومن قال لا ‏أعمل بالحديث إلا إن أخذ به إمامي، فاته خير كثير كما عليه كثير من المقلدين للأئمة المذاهب، وكان الأولى لهم عوامل ‏العمل بكل حديث صح بعد إمامهم وتنفيذا لوصية الأئمة، وقولهم "إن إمامنا لم يأخذ بهذا الحديث لا ينهض حجة لاحتمال ‏أنه لم يظفر به أو ظفر به لكن لم يصح عنده وقد تقدم قول الأئمة كلهم إذا صح الحديث فهو مذهبي" وليس لأحد معه ‏قياس ولا حجة، إلا طاعة الله وطاعة رسوله بالتسليم له»(‏ ‏)، وهذا لم يخالف فيه أحد من المسلمين إلا شذوذ من منكري ‏حجية السنة من الخوارج والروافض.‏
والذي حصل فيه خلاف بين العلماء هو دلالة الحديث الصحيح، بمعنى هل يفيد العلم القطعي اليقيني أو الظن، وهذه ‏مسألة جرى فيها خلاف معروف بين الأصوليين والمحدثين على السواء.‏
‏1-فذهب جمهور المحدثين والأصوليين إلى أن الحديث الصحيح يوجب العلم القطعي اليقيني، وهو مذهب داود ‏الظاهري والحسن بن علي الكرابسي والحارث بن أسد المحاسبي وحكاه ابن حويد منذاذ عن مالك وحكاه السخاوي عن ‏عام السلف وهو الذي اختاره ابن حزم وذهب إليه من الأحكام حيث قال "إن خبر العدل الواحد عن مثله إلى رسول الله ‏‎‎‏ يوجب العلم والعمل معا" ثم أطال في الاحتجاج لهذا الرأي والرد على مخالفيه في بحث نفيس(‏ ‏)، واختار ابن الصلاح ‏هذا الرأي في أحاديث الصحيحين فقط فقال بأن ما رواه الشيخان أو أحدهما مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع ‏به وجزم بأنه هو القول الصحيحين واستثنى من المقطوع بصحته ما تكلم فيه من أحاديثهما وهي قليلة معروفة عند أهل هذا ‏الشأن.‏
ونقل هذا الرأي الحافظ العراقي عن محمد بن طاهر المقدسي، والبلقيني عن أبي إسحاق وأبي حامد الاسفرائينين ‏الشيرازي من الشافعية والسرخسي من الحنفية والقاضي عبد الوهاب م المالكية وعن أبي يعلى وابن الزاغوني من الحنابلة وعن ‏أكثر أهل الكلام من الأشعرية، وهوالذي اختاره الإمام السيوطي وابن حجر العسقلاني في شرح النخبة حيث قال"الخبر ‏المحتف بالقرائن يفيد العلم خلافا لمن أبى ذلك، وهو أنواع منها ما أخرجه الشيخان في صحيحها مما لم يبلغ التواتر فإنه ‏احتف به قرائن منها جلالتهما في هذا الشأن وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقى العلماء لكتابيهما بالقبول، ‏وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر ‏‎‎‏ قال، ومنها المشهور إذا كانت له طرق ‏متباينة سالمة من ضعف الرواة والعلل ومنها المسلسل بالأئمة الحفاظ حيث لا يكون غريبا»(‏ ‏)‏
‏2- واختار الإمام النووي وغيره أن صحة الحديث لا تفيد لأنه ظني الثبوت، ولجواز الخطأ والنسيان على الثقة، وهو ‏الذي رجح في التقريب وعزاه للأكثرين من المحققين وأنهم قالوا «إنه يفيد الظن ما لم يتواتر» قال في شرح مسلم «لأن ذلك ‏شأن الآحاد ولا فرق في ذلك بين الشيخين وغيرهما، وتلقي الأمة بالقبول إنما أفاد وجوب العمل بما فيهما من غير توقف ‏على النظر فيه بخلاف غيرهما فلا يعمل به حتى ينظر فيه، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما، إجماعهم على القطع ‏بأنه كلام النبي ‏‎‎‏» (‏ ‏).‏
وقد ناقش البلقيتي الإمام النووي فيما اعتمده، وذكر أن ما قاله ابن الصلاح محكي عن كثير من فضلاء المذاهب ‏الأربعة، وأنه مذهب أهل الحديث قاطبة ومذهب السلف عامة، بل ألحق به ابن طاهر المقدسي ما كان على شرطهما ولم ‏يخرجاه.‏
قال العلامة أحمد محمد شاكر «والحق الذي ترجحه الأدلة الصحيحة ما ذهب إليه ابن حزم ومن قال بقوله، من أن ‏الحديث الصحيح يفيد العلم القطعي سواء كان في أحد الصحيحين أم في غيرهما وهذا العلم اليقيني علم نظري برهاني لا ‏يحصل إلا للعالم المتبحر في الحديث العارف بأحوال الرواة والعلل وأكاد أوقن أنه مذهب من نقل عنهم البلقيني، وأنه لم ‏يريدوا بقولهم ما أراد ابن الصلاح من تخصيص أحاديث الصحيحين بذلك» (‏ ‏).‏
‏ وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس إذ لا معنى لتخصيص أحاديث الصحيحين بالقطع دون سواها ما دامت شروط ‏الصحيح قد توفرت في الحديث .‏
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 30-03-2005, 08:26 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

أول من صنف في الصحيح

‏ بدأ التدوين وكتابة السنة منذ القرن الهجري الأول واختلفت مناحي العلماء في الجمع والتصنيف، ثم اتسعت حركة ‏التدوين وامتدت في القرن الثاني الهجري، وكان أقدم مصنف وصلنا من مصنفات الحديث "الموطأ" للإمام مالك" إلا أن ‏مالك لم يقصره على الصحيح بل أدخل فيه المراسيل والبلاغات.‏
ولئن كانت هذه الأنواع حجة عنده وعند من يقلده، فإنها ليست على شرط الصحيح عند المحدثين، قال ابن حجر : ‏‏«كتاب ابن مالك صحيح عنده وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره في الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما، لا على ‏الشرط الذي تقدم التعريف به، والفرق بين ما فيه من المنقطع وبين ما عند البخاري أن الذي في الموطأ هو كذلك مسموع ‏لمالك غالبا وهو حجة عنده والذي في البخاري قد حذف إسناده عمدا لقصد التخفيف وإن كان ذكره موصولا في موضع ‏آخر موصولا، أو لقصد التنويع أن كل على غير شرطه ليخرجه عن موضع كتابه»(‏ ‏).‏
وتعقبه الإمام السيوطي بأن ما في الموطأ من المراسيل مع كونها حجة عنده بلا شرط وعند من وافقه من الأئمة هي ‏حجة عندنا، لأن المرسل حجة عندنا إذا اعتضد، وما من مرسل في الموطأ إلا وله عاضد أو عواضد، وقد صنف ابن عبد ‏البر كتابا في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل (‏ ‏). إلا أن أكثر العلماء لم يسلموا لمالك بأنه أول من صنف ‏في الصحيح لأنه لم يجرده في الموطأ، بل كان أول من جرد الصحيح وأفرده بالتصنيف هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل ‏البخاري 256 هـ.‏

الإمام البخاري والجامع الصحيح
قال النووي «أول مصنف في الصحيح المجرد صحيح البخاري» وقد احترز بالمجرد من موطأ مالك الذي أدخل فيه ‏المراسل والمقاطيع والبلاغات، قال القاسمي «وأما البخاري فإنه وإن أدخل التعاليق ونحوها، لكنه أوردها استئناسا واستشهادا ‏فذكرها فيه لا يخرجه عن كونه جرد الصحيح» (‏ ‏). قال السيوطي :‏
‏ وأول الجـامـع باقتصـار علـى الصحيح فقط البخـاري
‏ ومسلـم من بعده والأول على الصواب في الصحيح أفضل‏
وقد كان الإمام البخاري علما من أعلام الدنيا في غزارة العلم والمعرفة بالصحيح من السقيم والخبرة بأحوال الرجال ‏وعلل الأخبار، وسعة الحفظ والإتقان حتى قال عن نفسه: «أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير ‏صحيح» وهو يريد بهذا العدد اختلاف طرق الحديث باختلاف رواته، وحكايته مع طلاب العلم في بغداد معروفة شهد له ‏الناس على إثرها بعلو المنزلة ودقة الحفظ والضبط والإتقان، وكان مجلسه يضم نيفا وعشرة آلاف طالب كما ذكر عنه ‏الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد".‏
وقد ترك الإمام البخاري نحوا من عشرين مؤلفا في الحديث وعلومه ورجاله وغيرها من العلوم، إلا أن أجمع مصنف ‏اشتهر به هو "الجامع الصحيح" لدقة المنهج الذي سلكه فيه، وقد صنفه بإشارة شيخه إسحاق بن راهويه. فقد روى إبراهيم ‏بن معقل النسفي أنه قال «كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة النبي ‏‎‎، قال فوقع ذلك ‏في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح».‏
‏ وقد جمع فيه "9082" حديثا بما فيه المكرر، اختارها من 600 ألف حديث، وبذل فيه رحمه الله جهدا كبيرا في الدقة ‏والتمحيص خلال 16 سنة حتى تم له تصنيفه على النحو الذي ارتضاه، ولم يضع فيه حديثا إلا وصلى ركعتين، قال رحمه الله ‏‏«جعلته حجة بيني وبين الله سبحانه» وسماه "الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول الله ‏‎‎‏ وسننه وأيامه" وقد سمعه ‏عنه تسعون ألف رجل من أهل عصره من طلاب الحديث ورواه عنه غير واحد.‏
وقد حرر ابن حجر في مقدمة فتح الباري «أن عدة ما في البخاري من المتون الموصولة بلا تكرار "2602"ومن المتون ‏المعلقة المرفوعة "159" فمجموعها "2761" وأن عدة أحاديثه بالمكرر وبما فيه من التعليقات والمتابعات واختلاف الروايات ‏‏9082 » ومن أحدث من عد أحاديث الجامع الصحيح الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي فوجدها بالمكرر "7563" سوى ‏المعلقات والمتابعات والموقوفات والمقطوعات، وبحذف المكرر "2607"وهي من أدق الإحصاءات.‏

شرط البخاري في صحيحه
‏ لم يرد عن الإمام البخاري أنه نص على المنهج الذي التزمه في إخراج أحاديث الجامع الصحيح، وإنما استنبط العلماء ‏ذلك بالاستقراء، فثبتت لديهم أن البخاري اختار رواته ممن اشتهروا بالعدالة والضبط والإتقان، ولم يكتف في الحديث ‏المعنعن بأن يعاصر الراوي شيخه، بل اشترط ثبوت لقائه ولو مرة واحدة في عمره.‏
ومن ثم قال العلماء "للبخاري شرطان هما اللقاء والمعاصرة" في حين اكتفى الإمام مسلم بشرط المعاصرة، قال ‏السيوطي : «وهذا لا يوهن من شرط مسلم لأن الثقة لا يروي عن شيخ إلا ما سمعه منه، كما لا يروي عمن لم يسمعه، ‏ولكن هذا زيادة تشدد من الإمام البخاري، فهو لا يرضى خبرا إلا إذا صرح الراوي بسماعه ممن فوقه أو ثبت لقاؤه لمن ‏يروي إذ قال "عن فلان" لأن عن لا تفيد السماع عنده» (‏ ‏) ‏
فكان الجامع الصحيح بذلك أصح الكتب المجردة في صحيح السنة، حتى قالوا «إنه أصح كتاب بعد كتاب الله» ‏وأجمع أئمة الحديث على أن جميع ما فيه من المتصل المرفوع صحيح تلقته الأمة بالقبول. ونقل السيوطي عن الحافظ ابن نصر ‏السجزي أنه قال : «أجمع الفقهاء وغيرهم أن رجلا لو حلف بالطلاق أن جميع ما في البخاري صحيح قاله رسول الله ‏‎‎‏ لا ‏شك فيه، لم يحنث» (‏ ‏) .‏
لذلك عكف الناس على حفظه ودراسته واعتنى أعلام الأئمة بشرحه وتفصيل أحكامه وظل محط عناية الأمة ‏الإسلامية قاطبة، إلى أن ظهر مخانيث العلمانيين من سفهاء عصرنا فصاروا يطعنون ويشككون في صحة أحاديث البخاري ‏كما فعلت جويهلة عندنا في المغرب لا تحسن التهجي في علوم الحديث، ولاتقيم قواعد النحو والإعراب، وتلحن في العامية ‏بله العربية، فصالت وجالت في جرائد السوق تهزأ بإمام الأمة وتلعنه على رؤوس الأشهاد(‏ ‏).‏
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 30-03-2005, 08:26 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

صحيح الإمام مسلم 261 هـ‏

‏ وهو حجة الإسلام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ولد عام 204هـ وتوفي رحمه الله عام ‏‏261هـ طلب العلم صغيرا ورحل إلى بغداد والشام والحجاز ولازم الإمام البخاري حين قدم إلى نيسابور، ولم يزل يستفيد ‏منه ويتبع آثاره، حتى قال الإمام الدارقطني «لولا البخاري ما راح مسلم ولا جاء» وقد سمع من شيوخ كثيرين منهم يحيى ‏بن يحيى وإسحاق بن راهويه بخراسان، ومحمد بن مهران وأبو غسان بالري، وسعيد بن منصور وأبو مصعب بالحجاز وأحمد ‏بن حنبل وعبد الله بن مسلمة بالعراق وعمرو بن سواد وحرملة بن يحيى بمصر، وآخرين.‏
وروى عنه كثيرون منهم الإمام الترمذي وأبو حاتم الرازي وأحمد بن سلمة، وموسى بن هارون ويحيى بن صاعد ‏ومحمد بن مخلد، وأبو عوانة بن إسحاق الإسفرايني، وإبراهيم بن محمد بن سفيان الذي روى عنه الصحيح. وللإمام مسلم ‏كتب كثيرة منها «كتاب العلل، وكتاب أوهام المحدثين، وكتاب من ليس له إلا راو واحد، وطبقات التابعين، وكتاب ‏المخضرمين، و المسند الكبير من أسماء الرجال، والجامع الكبير على الأبواب».‏
وقد بلغ الإمام مسلم منزلة رفيعة وكان بعض الأئمة يقدمه في معرفة الصحيح على كل مشايخ ذلك العصر. وقد ‏اشتهر بمصنفه هذا المسمى «صحيح مسلم» انتقاه من 300 ألف حديث مسموعة، واستغرق في تهذيبه وتنقيحه خمس عشرة ‏سنة، وأفاد في ذلك من خبرة علماء عصره، حيث عرض كتابه على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار عليه فيه أن له علة ‏تركه، وما قال إنه صحيح وليس له علة خرجه في كتابه ولذلك قال «ما وضعت شيئا في كتابي هذا إلا بحجة وما أسقطت ‏منه شيئا إلا بحجة» وقال «ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه» وهو يريد بذلك ما ‏توفرت فيه شرائط الصحيح. وعدة أحاديث صحيح مسلم دون المكرر "3030" وبلغ مجموع ما فيه من طرق الأحاديث ‏المختلفة نحو عشرة آلاف حديث".‏

شرط الإمام مسلم في صحيحه
‏ إن الإمام مسلم لم ينص في صحيحه على شرطه كذلك، إلا أنه أوضح في مقدمته طبقات الرجال الذين يخرج عنهم ‏والذين يتركهم قال السيوطي: «ذكر مسلم في مقدمة صحيحه أنه يقسم الأحاديث ثلاثة أقسام: الأول ما رواه الحفاظ ‏المتقنون، والثاني ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والإتقان، والثالث ما رواه الضعفاء والمتروكون» (‏ ‏).‏
إلا أن هذا القسم الثالث لم يعرج عليه فتأول العلماء له ذلك بآراء مختلفة منها ما قاله الحاكم والبيهقي «إن المنية ‏اخترمت مسلما قبل إخراج القسم الثاني وأنه إنما ذكر القسم الأول» وقال القاضي عياض «وهذا مما قبله الشيوخ والناس ‏من الحاكم وتابعوه عليه، وليس الأمر كذلك بل ذكر حديث الطبقة الأولى وأتى بحديث الثانية على طريق المتابعة ‏والاستشهاد، أو حيث لم يجد في الباب من حديث الأول شيئا، وأتى بأحاديث طبقة ثالثة وهم أقوام تكلم فيهم، وأقوام ‏وزكاهم آخرون ممن ضُعف أواتهم ببدعة، وطرح الرابعة كما نص عليه»(‏ ‏).‏
وقد خالف مسلم الإمام البخاري في شرطه فاكتفى باشتراط المعاصرة، وحكم للإسناد المعنعن بالاتصال كما ذكر في ‏مقدمة صحيحه، ورأى أن المعاصرة تكفي لقبول الرواية عنعنة وإن لم يثبت اجتماع الراوي بشيخه وهذا لا يوهن من شرط ‏مسلم لأنه يرى أن «الثقة لا يروي إلا عمن سمع منه، ولا يروي عمن سمع منه إلا ما قد سمعه»(‏ ‏)‏
قال ابن الصلاح «قد عيب على مسلم روايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء والمتوسطين الذين ليسوا من شرط ‏الصحيح وجوابه من وجوه أحدها أن ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده والثاني أن ذلك واقع في المتابعات والشواهد ‏لا في الأصول فيذكر الحديث أولا بإسناد نظيف ويجعله أصلا ثم يتبعه بإسناد أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد ‏والمبالغة، الثالث أن يكون ضعف الضعيف الذي اعتد به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط كأحمد بن عبد الرحمن اختلط بعد ‏الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر،الرابع أن يعلو بالضعيف إسناده. وهو عند من رواية الثقات نازل فيقتصر على ‏العالي ولا يطول بإضافة النازل إليه مكتفيا بمعرفة أهل الشأن ذلك»(‏ ‏). ومن هؤلاء :سليمان بن قرم بن معاذ التيمي« خت ‏م د ت س »، ذكره الحاكم في باب من عيب على مسلم إخراج حديثهم وقال غمزوه بالغلو في التشيع وسوء الحفظ ‏‏(‏ ‏).‏
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:20 AM.


New Page 4
 
 المركز التعليمي منتديات الحوار تسجيل النطاقاتخدمات تصميم مواقع الإنترنت  إستضافة مواقع الإنترنت  الدعم الفني لإستضافة المواقع
  متجر مؤسسة شبكة بوابة العرب   الدردشة الصوتية والكتابية  مركـزنا الإعـلامي  مـن نـحــن  مقــرنـا  قسم إتفـاقيات الإستــخــدام
Copyright © 2000-2015 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com