تابع بوابة العرب على تويتر 





     
عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات الشـــرعيـــة > منتدى العلوم الإسلامية المتخصصة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #51  
قديم 08-06-2004, 09:05 PM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي الباب الحادى عشر




إن موضوع العزلة غاية في الأهمية ، فهو خطير جدُّ خطير ، إذا لم ‏تُعرف أحكامه وحِكَمُه ، وأوقاته وآثاره ، وايجابياته وسلبياته ......‏
ثم إنه يجب القصد والاعتدال في الخلطة والعزلة ، وهذا ما مثَّل به ‏الإمام الخطابي ـ رحمه الله ـ خلاصة رأيه في العزلة ، ـ وهو من رواد هذا ‏الموضوع إن لم يكن رائده ـ حيث قال :( .... فإن الإغراق في كل شيء ‏مذموم ، وخير الأمور أوسطها ، والحسنة بين السيئتين . وقد عاب رسول ‏الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الإغراق في عبادة الخالق عز وجل ، والحملَ ‏على النفس منها مايؤُودُها ويكلُّها ، فما ظنُّك بما دونها من باب التخلُّق ‏والتكلُّف ) (‏ ‏) .‏
ثم استشـهد ـ رحمه الله ـ علــى ذلك بــحديث جابر ـ رضي الله ‏عنـه ـ قال: قال رســـول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إنّ هذا الدين متينٌ ، ‏فأَوْغِل (‏ ‏) فيه برفق ، ولاتبغض الى نفسك عبادة الله ، فإن المُنْبَتَّ (‏ ‏) لا أرضاً قطع ‏، ولا ظهراً أبْقى )) (‏ ‏) .‏
وجاء عن علي بن غنَّام قوله : ( كلا طرفي القصد مذموم ) (‏ ‏) .‏
وقد نصح الخطابي ـ رحمه الله ـ بالتسامح والبعد عن المغالاة في ‏الأمور ، فأنشد قائلاً :‏
تسامَحْ ولا تَسْتَوْفِ حقَّــك كُلـَّــهُ ‏ وأبْقِ فَلَمْ يستَوْفِ قـــطُّ كريــــمُ‏
ولا تَغْلُ في شيء من الأمر واقْتَصِد ‏ كلا طرَفَيْ قَصْدِ الأمور ‏ذميمُ (‏ ‏) ‏
ثم لخص ـ رحمه الله ـ الطريقة المثلى في هذا الباب فقال : ( ‏والطريقة المثلى في هذا الباب ألاّ تمتنع من حقّ يلزمك للناس وإن لم ‏يطالبوك به ، وألاّ تنهمك لهم في باطل لايجب عليك وإن دعَوْكَ إليه . فإن ‏من اشتغل بما لايعنيه فاته مايعنيه ، ومن انحلّ في الباطل جمد عن الحق . ‏فكن مع الناس في الخير ، وكُن بِمَعْزلٍ عنهم في الشرِّ ، وتوخَّ أن تكون فيهم ‏شاهداً كغائب ، وعالماً كجاهل ) (‏ ‏) .‏
وعن وُهَيْب بن الوَرْد (‏ ‏) قال : قلت لوهب بن مُنَبِّه (‏ ‏) إني أريد أن ‏أعتزل الناس ، فقال لي : لابدَّ لك من الناس وللناس منك ؛ لك اليهم حوائِج ‏، ولهم إليك حوائج ولكن كُن فيهم أصمَّ سميعاً ، أعمى بصيراً ، سكوتاً ، ‏نطوقاً (‏ ‏) .‏
ولأكْثَم بن صَيْفيِّ (‏ ‏) قول غاية في النفاسة ، حيث قال : ( ‏الانقباض عن الناس مكسبةٌ للعداوة ، ومعرفتهم مكسَبَةٌ لقرين السوء ، فكن ‏للناس بين المنقبض والمقارب ، فإن خير الأمور أوساطها ) (‏ ‏) .‏
وقال وهب بن منبه : ( إني وجدت في حكمة آل داود : حقٌ على ‏العالم ألاّ يُشغل عن أربع ساعات ، ساعةٍ يناجي فيها ربه ، وساعةٍ يحاسب ‏فيها نفسه ، وساعةٍ يُفضي فيها إلى إخوانه الذين يَصْدُقونَهُ عيوبه ، ‏وينصحونه في نفسه ، وساعةٍ يخلو فيها بين نفسه وبين لذاتها مما يحلُّ ‏ويَجْمُلُ ؛ فإن هذه الساعة عون لهذه الساعات ، واستجمام للقلوب ، وفَضْلٌ ‏وبُلْغةٌ ، وعلى العاقل أن يكون عارفا بزمانه ، مُمْسكاً للسانه ، مقبلاً على ‏شأنهِ ) (‏ ‏) .‏
وجــاء عن ابــن مســعود قـوله : ( خــالطِ النــاس وزايلهــم (‏ ‏) ‏ودِينَكَ لاتكلمَنَّه (‏ ‏) ) (‏ ‏) . هذا وقد علق الخطابي ـ رحمه الله ـ على ‏قول ابن مسعود بتعليق جميل فقال : ( يريد : خالطهم ببدنك ، وزايلهم بقلبك ‏، وليس هذا من باب النِّفاق ، ولكنـه من باب المداراة . وقد قال النبي ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ : (( مُداراة الناس صدقة )) (‏ ‏) ) (‏ ‏) .‏
ثم إن المداراة حكمة بالغة ، وهي سمة العقلاء حتى قال فيها الحسن ـ ‏رحمه الله ـ : ( يقولون المداراة نصف العقل ) (‏ ‏) . فعلق الخطابي ـ ‏رحمه الله ـ على قول الحسن هذا فقال : ( وأنا أقول : هو (‏ ‏) العقل كُلُّه ) ‏‏(‏ ‏) .‏
ولمحمد بن الحنفيَّة (‏ ‏) ـ رحمه الله ـ في ذلك قولاً : ( ليس الحكيم ‏من لم يعاشر بالمعروف من لايجد من معاشرته بُدّاً ، حتى يجعل الله له ‏فرجاً ، أو قال : مخرجاً ) (‏ ‏).‏
وأنشد المتنبي في ذلك : ‏
وَمِنْ نَكَدِ الدنيا على الحُرِّ أنْ يَرى عَــدواً له مَامِن صَداقتِهِ بُــدُّ ‏‏(‏ ‏) .‏
‏* ثم ليُعلم أن الأحكام الشرعية منها مايختلف باختلاف الأحوال ‏والأسباب كالجهاد ، والعُزلة ، والخُلطة وغيرها .‏
‏* وقد ورد في مدح الخلطة أحاديث ، وورد في مدح العزلة أحاديث ‏، ولابد من التوفيق بين هذه وتلك ، وهذا ماسيكون في هذا الفصل ـ إن شاء ‏الله تعالى ـ .‏
‏* ثم إن الإسلام دين الجماعة ، والاجتماع على الحق أصل عظيم في ‏الشريعة ، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي ‏لايخالطهم ولا يصبر على أذاهم . ومخالطة الناس بغرض دعوتهم إلى ‏الهدى والحق هو الأمر الذي كان عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . كما ‏سيظهر من خلال المباحث القادمة في هذا الفصل ـ إن شاء الله تعالى ـ .‏
‏* كما سيتبين من خلال تلك المباحث أيضاً أن الأحاديث الواردة في ‏مدح العزلة مطلقاً تحمل على أحد معنيين :‏
الأول : أن يكون خاصاً لأفراد معينين تكون العزلة في حقهم أولى ، ‏لأن مخالطتهم للناس تضر بدينهم ودنياهم ، وتضر بغيرهم أيضاً .‏
الثاني : أن يكون هذا خاصاً في زمان الفتن التي أخبر عنها النبي ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ ، وأمر باعتزالها .‏
‏* وسيظهر أيضاً أن العزلة لاتشرع مطلقاً ، وإنما لها حالات تشرع ‏فيها .‏
‏* كما استحب العلماء اعتزال وهجر الديار التي تظهر فيها المعاصي ‏والفتن ، واستبدالها بديار الإيمان والصلاح ، ديار المؤمنين الصالحين ، ‏وورثة الأنبياء والمرسلين .‏
‏* وقد أذن الشارع الحكيم للمسلم ـ في موضوع العزلة ـ أن يتعرّب ‏ويسكن البادية ، بيد أنه قيّد ذلك بزمن الفتنة ، وعند حلول المحنة .‏
‏* هذا مايتعلق بالتمهيد لهذا الفصل في موضوع العُزلة والخُلطة ، ‏وتفصيل هذه المســائل ـ المذكورة في هذا التمهيد ـ والاستدلال لها ، موجود ‏في ثنايا مباحثه الآتية ، والله أعلم .‏
رد مع اقتباس
  #52  
قديم 08-06-2004, 09:08 PM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

المبحـث الأول
‏{ التفضيل بين العزلة والخُلطة }
‏= = = = = = = =‏
اختلفت مذاهب العلماء في العزلة والمخالطة ، وأيتهما أفضل وأسلم . ‏مع أن كل واحدة منهما لاتنفك عن فوائد وغوائل ، وأكثر الزهاد اختاروا ‏العزلة ، وقد ظهر هذا الاختلاف بين التابعين (‏ ‏) ، وتفصيل المسألة ‏كالتالي :‏
القول الأول : ذهب أصحابه إلى اختيار العزلة وتفضيلها ‏على المخالطة . منهم : سفيان الثوري ، وإبراهيم بن أدهم ، والفضيل بن ‏عياض ، وآخرون (‏ ‏) .‏
الأدلـــة : استدل هؤلاء على تفضيل العزلة بما يلي :‏
‏1 = قوله تعالى حكاية عن ابراهيـم عليه الســلام : { ‏وَأَعْـتَـزِلُـكُـمْ وَمَـا تَـدْعُـونَ مِـــن دُونِ اللهِ وَأَدْعُـواْ رَبــّــِـى عَـسَـــى ‏أَلاَّ أَكُــونَ بِـدُعَـاءِ رَبـــّــِـى شَـقِـيّـــــًا } [ مريم: 48 ] ، ثم قـــال ‏تعـــالى في الآية بعدها : { فَـلَـمَّا اعْـتَـزَلَـهُـمْ وَمَـا يَـعْـبُـدُوْنَ مِـنْ دُونِ ‏اللهِ وَهَــــبْـنَا لَــهُ إِسْـحَـــقَ وَيـــَـعْـقُـوبَ وَكُلاًّ جَــعَـلْـنَا نَــــبِـــــيــّـــاً ‏‏} [ مريم : 49 ] . إشارة إلى أن ذلك ببركة العزلة . وهذا ضعيف ، لأن ‏مخالطة الكفار لافائدة فيها إلاّ دعوتهم إلى الدين ، وعند اليأس من إجابتهم ‏فلا وجه إلاّ هجرهم ، وإنما الكلام في مخالطة المسلمين وما فيها من البركة ‏‏.... فإذن كيف يُستدل باعتزال الكفار والأصنام على اعتزال المسلمين مع ‏كثرة البركة فيهم ؟ (‏ ‏) .‏
‏2 = واحتجوا أيضاً بقول موسى عليه السلام : { وَإِن لَّـمْ تُـؤْمِـنُـواْ ‏لِـى فَاعْـتَزِلُـونِ } [ الدخان : 21 ] . وأنه فزع إلى العزلة عند اليأس منهم ‏‏(‏ ‏) .‏
‏3 = وبقولــه تعــالى في أصحاب الكهف : { وَإِذِ اعْتَـزَلْـتُـمُوهُـمْ ‏وَمَـا يَـعْـبُـدُونَ إِلاَّ اللهَ فَـأْوُ,اْ إِلَى الْكَـهْـفِ يَـنـشُرْ لَـكُـمْ رَبُّــكُـم مِّـن ‏رَّحـْمَـتِـهِ } [ الكهف : 16] . أمرهم بالعزلة . ( وكانوا قوماً كرهوا المقام ‏بين ظهراني أهل الباطل ؛ ففروا من فتنة الكفر وعبادة الأوثان ، فصرف ‏الله عنهم شرهم ، ودفع عنهم بأسهم ، ورفع في الصالحين ذكرهم ) (‏ ‏) .‏
وأجيب عن هذا الدليل بأن : أهل الكهف لم يعتزل بعضهم بعضاً وهم ‏مؤمنون ، وإنما اعتزلوا الكفار ، وإنما النظر في العزلة من المسلمين (‏ ‏) .‏
‏4 = واحتجوا أيضاً باعتزال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قومه ‏قريشاً لما جَفَوه وآذَوه ، فدخل الشعب وأمر أصحابه باعتزالهم والهجرة إلى ‏ارض الحبشة (‏ ‏) ، ثم تلاحقوا به إلى المدينة بعد أن أعلى الله كلمته (‏ ‏) .‏
وَرُدَّ : بأن هذا أيضاً اعتزال عن الكفار بعد اليأس منهم ، فإنه ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ لم يعتزل المسلمين ولا من توقع إسلامه من الكفار (‏ ‏) .‏
‏5 = وبقولـه ـ صلى الله عليه وسـلم ـ لعبد الله بن عامر الجهني لما ‏قال : يارســول الله ماالنجــاة ؟ قال : (( أمسك عليك لسانك ، وليَسَعْكَ بيتك ، ‏وابكِ على خطيئتك )) (‏ ‏) .‏
‏6 = وبحديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : قيل ‏يارسول الله : أي الناس أفضل ؟ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( ‏مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله )) قالوا : ثم من ؟ قال : (( مؤمن في شعب ‏من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شرِّه )) (‏ ‏) .‏
‏7 = وبقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إن الله يحب العبد التقيَّ ، الغنيَّ ‏، الخفيَّ )) (‏ ‏) .‏
ومعنى الخفي ـ على ماذكره النووي ـ رحمه الله ـ : الخامل المنقطع ‏إلى العبادة والاشتغال بأمور نفسه ، وذكر ـ رحمه الله ـ أن في هذا الحديث ‏حجة لمن يقول الاعتزال أفضل من الاختلاط ، وفي المسألة خلاف .... ‏ومن قال بالتفضيل للإختلاط قد يتأول هذا على الاعتزال وقت الفتنة ‏ونحوها (‏ ‏) .‏
هذا وقد أجاب عن الاســـتدلال بهـذه الأحاديث الثلاثة الأخيرة ‏الغزالي فقال : ( وفي الاحتجاج بهذه الأحاديث نظر ، فأما قوله لعبد الله بن ‏عامر فلا يمكن تنزيله إلاّ على ماعرفه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنور النبوة ‏من حاله ، وأن لزوم البيت كان أليق به وأسلم له من المخالطة ، فإنه لم ‏يأمر جميع الصحابة بذلك ، ورب شخص تكون سلامته في العزلة بذلك ‏لافي المخالطة ، كما قد تكون سلامته في القعود في البيت وأن لايخرج إلى ‏الجهاد ، وذلك لايدل على أن ترك الجهاد أفضل . وفي مخالطة الناس ‏مجاهدة ومقاساة ، ولذلك قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( الذي يخالط الناس ‏ويصبر على أذاهم خير من الذي لايخالط الناس ولا يصبر على أذاهم )) (‏ ‏) ، ‏وعلى هذا ينزل قوله عليه السلام : (( رجل معتزل يعبد ربّه ويدع الناس من ‏شرّه )) (‏ ‏) فهذا إشارة إلى شرير بطبعه تتأذى الناس بمخالطته . وقولـه : (( ‏إن الله يحــب التقــي الخفـي )) (‏ ‏) إشارة إلى إيثــار الخمـول وتوقـي الشـهرة . ‏وذلك لايتعلق بالعزلة فكم من راهــب معتزل تعرفه كافة الناس ؟ وكـم من ‏مخالط خامل لاذكر له ولا شهرة ؟ فهذا تعرض لأمر لايتعلق بالعزلة ) (‏ ‏) .‏
‏8 = وكذلك استدلــوا بحديــث أبــي هريــرة ـ رضي الله عنه ـ عن ‏رســـول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : (( خير مَعَايِشِ الناس لهم رجل ‏ممسك بِعنَانِ فرسه في سبيل الله ، ويطير على متنه (‏ ‏) ، كلما سمع هَيْعَةً أو فَزْعَةً ‏‏(‏ ‏) طار عليه ، يبتغي القتل والموت مظانة (‏ ‏) ، ورجل في غُنيمةٍ (‏ ‏) ، في ‏رأس شَعَفَةٍ (‏ ‏) من هذه الشَّعَف ، أو بطن وادٍ من هذه الأودية ، يقيم الصلاة ، ‏ويؤتي الزكاة ، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقينُ ، ليس من الناس إلاّ في خير )) (‏ ‏) .‏
وهناك آثار عن السلف استدل بها أصحاب هذا القول منها :‏
‏ 9 = قول عمر ـ رضي الله عنه ـ : ( خذوا بحظكم من العزلة ) ‏‏(‏ ‏) .‏
‏10 = وبقوله أيضاً : ( في العزلة راحة من خليط السوء ) (‏ ‏) .‏
‏11 = وبقول أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ : ( نعم صومعة الرجل ‏بيته ، يكفُّ سمعه وبصره ودينه وعرضه . وإياكم والجلوس في الأسواق ‏فإنها تُلهي وتُلغي ) (‏ ‏) .‏
‏12 = وبقول ابن سيرين ـ رحمه الله ـ : ( العزلة عبادة ) (‏ ‏) ‏
القول الثاني : قالوا بتفضيل المخالطة على العزلة .‏
واستحب ذلك وقال به أكثر التابعين ، وإليه ذهب ومال سعيد بن ‏المسيب والشعبي وابن عيينة وابن المبارك والشافعي وأحمد وجماعة (‏ ‏) .‏
الأدلــة : ذكر أدلتهم الخطابي ـ رحمه الله ـ وأجاب عنها فأغنى (‏ ‏) ‏‏. وكذا ذكرها الغزالي ـ رحمه الله ـ وأجاب عنها باختصار مفيد (‏ ‏) . ‏وهاهي الأدلة مع الأجوبة عنها :‏
‏1 = قالوا قد أمر الله سبحانه وتعالى بالاجتماع وحضّ عليه ، ونهى ‏عن الافتراق وحذّر منه ، فقال تعالى ذكره : { وَاعْتَصِــمُواْ بِحَبْــلِ اللهِ ‏جَمِيــعًا وَلاَ تَفَرَّقُــواْ وَاذْكُــرُواْ نِعْمَــتَ اللهِ عَلَيْــكُمْ إِذْ كُنْتُــمْ أَعْدَآءً ‏فَأَلـــَّـــفَ بَيْنَ قُـلُـوبِكُمْ فَأَصْبَحْــتُم بِنِعْمَـتــِهِ إِخـْـــــــَـونـاً } [ آل ‏عمران : 103 ] .‏
‏2 = وقالوا أعظم المنة على المســلمين في جمـــع الكلمــة وتأليــف ‏القلــوب منهم ، واســتدلوا على ذلك بقولــه عــز وجــل : { وَأَلَّـفَ بَـيْـنَ ‏قُـلُـوبِـهِـمْ لَـوْ أَنـفَـقْــتَ مَـافِـى الأَرْضِ جَـمِـيـعًا مَـآ أَلَّـفْـــتَ بَـيْـنَ ‏قُـلُـوبِـهِــمْ وَلَـكِــنَّ اللهَ أَلَّــــفَ بَـيْـنَـهُـــــمْ } [ الأنفال : 63 ] . ‏
‏3 = واحتجوا أيضاً بقوله تعالى : { وَلاَ تَكُونُوا كَالَّـذِيـنَ تَفَرَّقُـواْ ‏وَاخْـتَـلَـفُـواْ مِن بَعْدِ مَاجَاءَهُمُ الْبـَـيِّنــَــتُ } (‏ ‏) آل عمران : 105 ] . ‏
هذا وقد ذكر احتجاجهم بهذه الآيات ووجه استدلالهم منها الغزالي ـ ‏رحمه الله ـ وبين وجه ضعفها فقال بعد ذكره للآيات السالفة : ( امتن على ‏الناس بالسبب المؤلف وهذا ضعيف ؛ لأن المراد به تفرّق الآراء واختلاف ‏المذاهب في معاني كتاب الله وأصول الشريعة . والمراد بالألفة : نزغ ‏الغوائل من الصدور ، وهي الأسباب المثيرة للفتن المحركة للخصومات ، ‏والعزلة لاتُنافي ذلك ) (‏ ‏) .‏
‏4 = واحتجوا بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( المؤمن إلف مألوف ‏ولا خير فيمن لايَألف ولا يُؤلف )) (‏ ‏) .‏
وقد أجاب عن استدلالهم بهذا الحديث الغزالي فقال : ( وهذا ضعيف ‏لأنه إشارة إلى مذمة سوء الخلق تمتنع بسببه المؤالفة ، ولا يدخل تحته ‏الحسن الخلق الذي إن خالط أَلف وأُلف ، ولكنه ترك المخالطة اشتغالاً ‏بنفسه وطلباً للسلامة من غيره ) (‏ ‏) .‏
‏5 = وبقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( من فارق الجماعة شبراً ، فقد ‏خلع ربقة الإسلام من عنقه ) (‏ ‏) . وبقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( من ‏فارق الجماعة فمات فميتَتُهُ جاهلية )) (‏ ‏) . وبقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ‏حديــث ابـن عباس : (( من شقّ عصا المسلمين ، والمسلمون في إسلام دامج ‏‏(‏ ‏) ، فقد خَلَعَ رِبْقَةَ (‏ ‏) الإسلام من عنقه )) (‏ ‏) .‏
ووجه استدلالهم بهذه الأحاديث أنهم ( قالوا : نطقت هذه الأخبار ‏بأن المعتزل عن الناس ، المنفرد عنهم ، مفارق للجماعة ، شاذ عن الجملة ‏، شاق لعصا الأمة ، خالع للرِّبقة ، مخالف للسنة ) (‏ ‏) .‏
والجواب عن ذلك أن يقال : ( وهذا ضعيف ـ ايضاً ـ لأن المراد به ‏الجماعة التي اتفقت آراؤهم على إمام بعقد البيعة ، فالخروج عليهم بغي ، ‏وذلك مخالفة بالرأي وخروج عليهم ، وذلك محظور لاضطرار الخلق إلى ‏إمام مطاع يجمع رأيهم ، ولا يكون ذلك إلا بالبيعة من الأكثر ، فالمخالفة ‏تشويش مثير للفتنة فليس في هذا تعرض للعزلة ) (‏ ‏) .‏
‏6 = وقالوا ـ أيضاً ـ : وأقل مافي العزلة أنها إذا امتدت واستمرت ‏بصاحبها صارت هجرة ، وقد نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ‏الهجرة أكثر من ثلاث فعن أنس بن مالك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏قال : (( .... لايحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال )) (‏ ‏) ، وزاد ابو ‏هريرة في روايته عن رسول الله ـ صلى الله عليه وســلم ـ قال : (( .... فمن ‏هجر فوق ثلاث فمات دخل النار )) (‏ ‏) ، وفي رواية : (( من هجر أخاه سنة فهم ‏كسفك دمه )) (‏ ‏) .‏
قالوا : والعزلة هجرة بالكلية .‏
وهذا ضعيف لأن المراد به : الغضب على الناس واللجاج فيه بقطع ‏الكلام والسلام والمخالطة المعتادة ، فلا يدخل فيه ترك المخالطة أصلاً من ‏غير غضب .‏
‏7 = كما اســـتدلوا على تفضيـل الخلطـة ايضاً بحديث ابن عمر ـ ‏رضي الله عنهما ـ قـال : قال رســول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( ‏المســلم إذا كان مخالطــاً للناس ، ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لايخالط ‏الناس ، ولا يصبر على أذاهم )) (‏ ‏) .‏
هذا وقد افاد الغزالي ـ رحمه الله ـ بعد سرده لأقوال الفريقين مع ‏أدلتها ـ بأن الأدلة التي ذكرها الفريقان لاشفاء فيها من الجانبين حيث قال : ‏‏( فإذا ظهر أن هذه الأدلة لاشفاء فيها من الجانبين فلابد من كشف الغطاء ‏بالتصريح بفوائد العزلة وغوائلها ومقايسة بعضها بالبعض ليتبين الحق فيها ‏‏) (‏ ‏) .‏
وأما الإمام الخطابي ـ رحمه الله ـ فقد عقــد بابــاً في كتابــه ( العزلة ‏‏) قال فيه : ( باب في حكاية مااحتج فيه من أنكر العزلة ) وقد ذكر تحته ‏أدلتهم على ذلك ـ وهي ماتقدم ذكرها في الغالب عند القول الثاني ـ ثم أجاب ‏عنها فقال : ( فالجواب ـ وبالله التوفيق ـ أن الآي التي تلوها في ذَمِّ العزلة ، ‏والأحاديث التي رووها في التحذير ومفارقة الجماعة ، لايعترض شيء ‏منها على المذهب الذي تذهبه في العزلة ، ولا يناقض تفصيلها جملته ؛ ‏لكنها تجري معه على سنن الوِفاق وقضية الائتلاف والاتساق . وسأوضح ‏لك التوفيق بينهما بما أقسمه لك من بيان وجوهِها ، وترتيب منازلها ) ....‏
ثم قسم ـ رحمه الله ـ الفُرقة فُرقتان ، والجماعة جماعتان ، وأطال في ‏ذلك إلى أن قال : ( ولسنا نريد ـ رحمك الله ـ بهذه العُزلة التي نختارها ‏مفارقة الناس في الجماعات والجُمعات ، وترك حقوقهم في العبادات ، ‏وإفشاء السلام ، ورد التحيات ، وماجرى مجراها من وظائف الحقوق ‏الواجبة لهم ، ووضائع السُّنن والعادات المستحسنة فيما بينهم ، فإنها مستثناة ‏بشرائطها ، جارية على سُبُلها ، مالم يَحُلْ دونها حائل شُغُلٍ ، ولا يمنع عنها ‏مانع عُذر ، إنما نريد للعزلة ترك فُضول الصحبة ، ونَبذ الزيادة منها ، ‏وحَطَّ العلاوة التي لاحاجة بك إليها . ‏
فإن من جرى في صحبة الناس والاستكثار من معرفتهم ، على ‏مايدعو إليه شَعَفُ النفوس ، وإِلْفُ العادات ، وترك الاقتصاد فيها ، ‏والاقتصار الذي تدعوه الحاجة إليه ، كان جديراً ألا يحمَدَ غِبَّهُ ، وأن ‏يستوخم عاقبته ، وكان سبيله في ذلك سبيل من يتناول الطعام في غير أوان ‏جوعه ، ويأخُذ منه فوق قدْر حاجته ، فإن ذلك لايُلْبِثُه أن يقع في أمراض ‏مُدْنِفَةٍ ، وأسقام مُتْلِفَةِ . وليس مَنْ عَلِم كمن جَهِل ، ولا من جَرَّب وامتَحَنَ ‏كمن باده وخاطر ؛ ........) . ثم اورد ـ رحمه الله ـ ماجـاء في العزلة من ‏آيات وأحاديث وآثار ، وبعد إيــراده للآيــات في ذلك وقبل أن يشــرع في ‏رواية الأحاديث قال ـ رحمه الله ـ : ( والعزلة عند الفتنة سُنة الأنبياء ، ‏وعصمة الأولياء ، وسيرةُ الحكماء الألباء والأولياء ، فلا أعلم لمن عابها ‏عُذْراً ، لاسيما في هذا الزمان القليل خيرُهُ ، البكيء دَرُّهُ ، وبالله نستعيذ من ‏شرِّهِ وريْبِهِ ) (‏ ‏) انتهى .‏
هذه هي أقوال الفريقين ومعظم أدلتها مع أجوبتها ومناقشتها من كلام ‏أهل العلم وبعد النظر والتأمل فيها يظهر أن لكل من العزلة والخلطة فوائد ‏وغوائل فتارة تُخْتار العزلة، وتارة الخلطة ، كل بحسب مايقتضيه الحال ‏والمآل ، فقد تثمر العُزلة في بعض الأحوال والأوضاع مالا تثمره الخلطة . ‏والعكس بالعكس .‏
ثم لِيُعلم أن هذه الأقوال ـ المتقدمة ـ وما فيها من خلاف في المفاضلة ‏بين العزلة والخلطة ، ذكرها العلماء دون تخصيص تلك المفاضلة بزمن ‏معين ، ولا وقت محدد ، فهي تشمل كل زمان ومكان ، بيد أن العزلة تشرع ‏وتتأكد عند فساد الزمان وإبان حلول الفتن ، ونزول الكوارث والمحن .‏
رد مع اقتباس
  #53  
قديم 08-06-2004, 09:13 PM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

وعلى هذا فإن الخلاف في المفاضلة بين العزلة والخلطة قد جاء ‏تخصيصه بأزمنة معينة وأوقات محددة ، وأحوال وأوضاع خاصة ، ويظلُّ ‏هذا التخصيص قائما كلما ظهرت دواعيه . فالعزلة ـ كما تقدم ـ يُرغَّب فيها ‏ويحث عليها ويؤكد عند فساد الزمان وعند ظهور الفتن المتنوعة المختلفة ، ‏كفتنة الاختلاف والتنازع بين المسلمين ، وما يتبع ذلك من نشوب فتن القتال ‏والتطاحن وسفك الدماء .‏
ولهذا جاء الخلاف في المفاضلة بين العزلة والخلطة ، بيد أنه جاء ‏هنا تخصيصه بزمن معين ووقت محدد ، وهو عند ظهور الفتن ، وخاصة ‏فتنة القتال الناشئة ـ غالبا ـ عن التنازع والاختلاف . فلذلك اختلف العلماء ‏هنا في المفاضلة فيها بين العزلة والخلطة ، كما هو حاصل من تقدم هذا ‏الاختلاف فيها ـ أيضا ـ بين الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في فتنة القتال ‏التي وقعت بين علي ومعاوية ـ رضي الله عنهما ـ فمنهم من رأى اعتزالها . ‏ولذلك اعتزلها عدد كبير من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وأبوا الدخــول ‏في قتال يقع بين المسلمين ، ـ كما سيأتي إن شاء الله (‏ ‏) ـ ومنهم من رأى ‏الخلطة والمشاركة فيها ، وذهب إلى وجوب نُصرة الحق وقتال الباغين .‏
وسيأتي ـ قريباً إن شاء الله (‏ ‏) تفصيل الخلاف في المفاضلة بين ‏العزلة والخلطة في فتنة القتال عموماً ، وفي هذه الفتنة التي وقعت بين ‏الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ خصوصاً.‏
هذا ومن خلال ماتقدم من خلاف في المفاضلة بين العزلة والخلطة ‏عموماً ، والنظر والتأمل في أحاديثهما ـ التي تقدم ذكر معظمها ـ ، ودراسة ‏هذا الموضوع في مظانه ـ سواء المصنفات التي صنفت فيه خاصة ـ قديما ‏وحديثا ـ أو ماكتب فيه في ثيانا المصنفات مع موضوعات أخرى مختلفة ـ ، ‏ومن خلال الوقوف على كلام أهل العلم فيه من مناقشة وأجوبة وجمع بين ‏الأقوال وترجيح وغير ذلك . من خلال ذلك كله رغبت أن أذكر خلاصةُ ‏تلك الفوائد ، وما يمكن التوصل إليه من نتائج في هذا الموضوع المهم ، ‏لاسيما في عصــرنا هــذا ، لارتباطه به ارتباطاً وثيقاً ، لما فيـــه من كثرة ‏البلايا والمحن ، وانتشار الرزايا والفتن .‏
رد مع اقتباس
  #54  
قديم 08-06-2004, 09:15 PM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

وخلاصة الفوائد والنتائج كالتالي :‏
‏ * أولاً : من المعلوم أنه قد وردت أحاديث عن النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ تمدح العزلة وتبين فضلها ، وأخرى على عكسها تماماً ، تمدح ‏الخلطة وتُبين فضلها .‏
وقد تقدم إيراد نماذج من النوعين ـ قريباً عند ذكر الخلاف في ‏المفاضلة بينهما (‏ ‏)ـ والناظر فيما ورد في النوعين من النصوص قد يشكل ‏عليه من أول وهلة فهم ماورد في كل منهما ، ويطرأ عليه التعارض بينهما ‏، وتعذُّرَ الجمع والتوفيق . وقد لايتبين له وجه تأويل كل منهما .‏
بيد أن المتأمل لها إذا أمعن النظر فيها علم أنه ليس بين تلك الأحاديث ‏والنصوص تعارض ، بل يجد أن بعضها يكمل البعض الآخر ، ولا يناقض ‏المفصـل منهمـا المجمل ، ولا المطلق المقيد ، بل يجري معــه على سَنَن ‏الوِفاق ، وقضية الائتلاف والاتساق ـ كما تقدم قريباً من كلام الإمام ‏الخطابي رحمه الله تعالى ـ (‏ ‏) .

‏* ثانياً : إن الأصل في الإسلام الخُلطة وليست العزلة ، إذ الإسلام ‏دين الجماعة والاجتماع ، والأصل في المسلم الاختلاط بالناس ومعاشرتهم ‏لااعتزالهم وهجرهم ـ كما سيأتي تفصيله قريباً إن شاء الله (‏ ‏) ـ وبناء ‏على هذا الأصل المهم المتين ، فإن الأصل في العزلة الكلية المطلقة هو ‏المنع ، حيث يترتب عليها تضييع الحقوق ، وتفويت الفرائض ، وتعطيل ‏كثير من الواجبات ، كترك التعلم والتعليم ، والأمر والنهي ، وصلة الرحم ‏والقرابـة ، مع التعرض لكيد الشيطان ومكره ووسوسته وتلبيسه ، فإنه إنما ‏يأكل الذئب من الغنــم القاصيــة كما في حديث أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ‏ـ قـال : سمعت رسـول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( مامن ثلاثة في ‏قرية ولا بدو لاتُقام فيهم الصلاة ، إلاّ استحوذ عليهم الشيطان ، فعليك بالجماعة ، ‏فإنما يأكل الذئب من القاصية )) (‏ ‏) .‏
فالأمر بالجماعة والتعليل بأن الشيطان يأكل القاصية يدل على منع ‏العزلة الكلية المطلقة ، وقصة رواية أبي الدرداء لهذا الحديث تدل على هذا ‏المعنى ، حيث سأل ابو الدرداء معدان بن ابي طلحة اليعمري ـ بعد أن فقده ‏برهة من الزمن ثم لقيه ـ : أفي قرية يسكن أم في مدينة ؟ فقال له : لا بل في ‏قرية قريبة من المدينة . فأوصاه أبو الدرداء بسكنى المدائن وقال له : فعليك ‏بالمدائن ....ويحك يامعدان (‏ ‏) .‏
ولكن ثمة حالات تستثنى من هذا المنع من العزلة الذي هو الأصل ‏الكلي العام (‏ ‏) وسيأتي بيان تلك الحالات المستثناة التي تُشرع فيها العزلة ‏قريباً إن شاء الله (‏ ‏) .‏
رد مع اقتباس
  #55  
قديم 08-06-2004, 09:17 PM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

‏* ثالثاً : ثم إن الأحاديث التي وردت في مدح العزلة أكثرها جاء ‏بمدح نوع خاص من العزلة ، أو مدح العزلة في زمان خاص ، كمدح ‏العزلة عن أهل السوء ، ومدح العزلة زمن الفتنة .‏
‏ أما مدح العزلة مطلقاً وبالكلية فالأصل فيه المنع ، ومع ذلك فإنه لم ‏يثبت فيه من الأحاديث إلاّ القليل . ‏
والأحاديث التي ثبتت ووردت في مدح العزلة ، وبيان فضل المؤمن ‏المتعبد في شعب من الشعاب ، الذي ودع الناس من شره ، والثناء على ‏رجل في غنيمة في رأس شعفة ، أو بطن واد يقيم الصلاة ، ويؤتي الزكاة ، ‏ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ، ليس من الناس إلا في خير .‏
فهذه الأحاديث وما شابهها من أحاديث العزلة تُحمَل وتُقَيَّدُ على أحد ‏وجهين : ‏

الوجه الأول : أن يكون هذا في حق أفراد لايستطيعون الجهاد ، ولا ‏الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر ، ولو خالطوا الناس لتضرروا ‏بالمخالطة ، وأضروا بغيرهم ، إذ من الناس من لايستطيع منع أذاه وشره ‏عن الآخرين إلا باعتزالهم ، فإذا خالطهم وجد المثيرات التي تحركه إلى ‏الشر والإضرار بالنفس وبالناس (‏ ‏) .‏
وقد تقدم ـ قريباً (‏ ‏) ـ نحو هذا الوجه الأول من كلام الغزالي ـ رحمه ‏الله ـ وهو يجيب عن أدلة القول الأول القائل بتفضيل العزلة على الخلطة ، ‏ولابأس من ذكره هنا لنفاســـته ومناســبة المقام والحاجة لذكره مع أنه ‏مختصر ، فقال ـ رحمه الله ـ وهو يجيب عـن حديـــث عبــد الله بن عـامــر ‏الجهني حينما سأل النبي ـ صلى الله عليــه وسلم ـ وقال : يارسول الله ! ‏ماالنجاة ؟ قــال : (( أمســك عليـك لسـانك ، ولْيَسَعْكَ بيتك ، وابكِ على خطيئتك )) ‏‏(‏ ‏) . وهــو يجيب ـ أيضاً ـ عن حديث من سأل النبي ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ أي الناس أفضل ؟ فذكر المؤمن المجاهد في سبيل الله بنفســـه ‏ومالــه ، فقيل لـه : ثـم من ؟ فقال : (( مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع ‏الناس من شره )) (‏ ‏) . فقال ـ رحمــه الله ـ وهو يجيب عن هذين الحديثين ‏‏: ( وفي الاحتجاج بهــذه الأحاديث (‏ ‏) نظر . فأمــا قوله لعبـد الله بن ‏عامر فلا يمكن تنزيله إلاّ على ماعرفه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنور النبوة ‏من حاله ، وأن لزوم البيت كان أليق به وأسلم له من المخالطة ، فإنه لم ‏يأمر جميع الصحابة بذلك ، ورُبَّ شخصٍ تكون سلامته في العزلة بذلك ‏لافي المخالطة كما قد تكون سلامته في القعود في البيــت وألا يخــرج إلى ‏الجهــاد ، وذلك لايدل على أن ترك الجهاد أفضـل ، وفي مخالطـــة النــاس ‏مجاهــدة ومقاساة ، ولذلك قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( الذي يخالط الناس ‏ويصبر على أذاهم خير من الذي لايخالط الناس ولا يصبر على أذاهم )) (‏ ‏) . ‏وعلى هــذا يتنــزل قوله عليه السلام : (( رجل معتزل يعبد ربه ويدع الناس من ‏شره )) (‏ ‏) . فهذه إشارة إلى شرير بطبعه تتأذى الناس بمخالطته ) (‏ ‏) ‏انتهى كلام الغزالي ـ رحمه الله ـ .‏
وذلك كمن يرى المنكرات ـ مثلاً ـ فيهيج وينفعل ، لأنه لايستطيع منع ‏شره وأذاه عن الآخرين إلاّ باعتزالهم ، وأما إذا خالطهم فيثور ويتحرك إلى ‏الشر والإضرار بنفسه وبغيره بمجرد رؤية أي منكر ، وإذا ثار وهاج ‏وانفعل أصبح يغير المنكر بطرق غير مشروعة ، بل قد يكون فيها اعتداء ‏وتسرّع ربما يؤدي إلى مضاعفة المنكر ، وربما يكون سبباً في إغلاق باب ‏الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وربما يترتب عليه أذى للمؤمنين ، ‏وكذلك كمن يكون شديد الحساسية ضد المنكرات ، فإذا رآها تأثّر تأثراً ‏شديداً ، وتعكّر مزاجه ، وتكدرت حياته ، فلم يهنأ بعيش ولا بعبادة ، وتفاقم ‏لديه الشعور بالغربة ، دون أن يصنع شيئاً لضعفه .‏
وكمن يعرف من نفسه الضعف والميل إلى الفواحش ، فإذا جاورها ‏وخالط أهلها ورآها في غدّوه ورواحه أَنسَت نفسه بها ، وشعر بالاسترواح ‏إليها وهو يستطيع أن يحمل نفسه على اعتزال هذه البيئات حفاظاً لما هو ‏أهم مما سيفقده حال الاعتزال .‏
فمثل هؤلاء قد تشرع في حقهم العزلة ،كفاً لشرهم عن الناس ، أو ‏حفاظاً لهم عن شرور الناس .‏
ولذلك جاء في الأحاديث الآنفة ـ قريباً (‏ ‏) ـ نفسها التعبير بـ (( ‏‏....مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ، ويدع الناس من شره )) وحديث (( .... ‏ليس من الناس إلاّ في خير )) وحديث أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ‏لأصحابه : (( ألا أخبركم بخير الناس ؟ )) قالوا : بلى يارسول الله ، فقال : (( ‏رجل اعتزل شرور الناس )) (‏ ‏) وهكذا ....‏
هــذا وقد يُفهم ويُستفاد من كلام الإمام النووي والحافظ ابن حجر ـ ‏رحمهما الله ـ أنه من الظاهر أن المرء إذا كان لايستطيع نفع المسلمين بعلم ‏ولا جهاد ولا أمر بمعروف ولا نهي عن المنكر ولاغير ذلك ، ولايستطيع ‏كف شره عنهم إذا خالطهم ، أو لايستطيع التوقي من شرهم في أمور دينه ‏ودنياه : أن العزلة في حقه أولى (‏ ‏) .‏
ولـذلك جاء في أوائل الأحاديث الثناء على المؤمن المجاهد بنفسـه ‏وماله في سبيل الله ، الممسك عنان فرسه ، يطير على متنه كلما سمع هيعة ‏طار إليها يبتغي القتل أو الموت مظانة (‏ ‏) .‏
وقد ذكر النووي ـ رحمه الله ـ أن الجمهور الذين قالوا بتفضيل ‏الاختلاط على الاعتزال أجابوا عن الحديث السابق : (( .... رجل معتزل في ‏شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره )) بأنه محمول على الاعتزال ‏في زمن الفتن والحروب ، أو هو فيمن لايسلم الناس منه ، ولا يصبر عليهم ‏أو نحو ذلك من الخصوص . وقد كانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ‏وجماهير الصحابة والتابعين والعلماء والزهاد مختلطين ، فيحصلون منافع ‏الإختلاط كشهود الجمعة والجماعة والجنائز وعيادة المرضى وحِلَق الذكر ‏وغير ذلك (‏ ‏) .‏
وحمل الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ هذا الحديث على من لايقدر ‏على الجهاد فقال : ( هو محمول على من لايقدر على الجهاد فيستحب في ‏حقه العزلة ليَسْلم ويسْلم غيره منه ، والذي يظهر أنه محمول على مابعد ‏عصر النبي صلى الله عليه وسلم ) (‏ ‏) .‏
وقال بعد ذلك بقليل وهو بصدد شرح حديث آخر في البخاري نفسه ـ ‏أيضاً ـ وهو قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( يأتي على الناس زمان خير مال ‏الرجل المسلم الغنمَ يتبع بها شعَف الجبال ومواقع القطْر ، يفر بدينه من الفتن )) (‏ ‏) ‏فقال ـ رحمه الله ـ معلقاً على هذا الحديث : ولفظه هنا صريح في أن المراد ‏بخيرية العزلة أن تقع في آخر الزمان ، وأما زمنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏فكان الجهاد فيه مطلوباً حتى كان يجب على الأعيان . إذا خرج الرسول ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ غازياً أن يخرج معه إلاّ من كان معذوراً ، وأما من ‏كان بعده فيختلف ذلك باختلاف الأحوال ) (‏ ‏) .‏

الوجه الثاني : أن يكون هذا خاصاً بزمن الفتن التي أخبر عنها النبي ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمر بالعزلة فيها ، فتُحمل هذه الأحاديث المطلقة ‏على الأحاديث المُقيدة . ويؤيد هذا أن في بعض ألفاظ الأحاديث ـ الآنفة ـ ‏المُسْتَشْهد بها على فضل العزلة مطلقاً مايدل على تقييد مجموعها .‏
ففي حديث أبي هريرة ـ المتقدم قريباً (‏ ‏) ـ مرفوعاً : (( خير معايش ‏الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه ....، ورجل في غنيمة ....)) وهو من أقوى ‏الأحاديث في فضل العزلة ، إذْ فيــه العطف بالواو ، بينما العطف في ‏الأحاديث الأخرى بـ ( ثم ) ، أو عبارة ( الذي يليه ) ، مما يدل على نزول ‏الرتبة .‏
فهذا الحديث نفسه ، جاء في رواية الإمام أحمد بلفظ : (( ليأتين على ‏الناس زمان يكون أفضل الناس فيه .... )) (‏ ‏) . فذكر فيه نحو ماسبق .‏
وفي حديث أم مالك البَهْزيَّة قالت : ذكر رسول الله ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ فتنةً فقرَّبَها ، قالت : قلت يارسول الله ! من خير الناس فيها ؟ .... ‏‏(‏ ‏) ، فذكر الحديث بنحو ماسبق أيضاً .‏
كما يؤكد هذا أن عدداً من الأئمة أدخلوا الحديث في مصنفاتهم في ‏كتاب الفتن ، كعبد الرزاق (‏ ‏) ، وابن ماجة (‏ ‏) وغيرهما .‏
وقد صح المعنى عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مقيّداً في الفتنة في ‏أحاديث أخرى ، منها : ‏
‏* مارواه ابن طاووس عن أبيــه قـال : قال رسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ : (( خيــر النـاس في الفتــن رجــل آخـذ بعنان فرسه ، أو قال : برسن ‏فرسه ، خلـف أعداء الله ، يخيفهم ويخيفونــه ، ورجـــل معتزل في باديته يؤدّي الحق ‏الذي عليـــه )) (‏ ‏) .‏
‏* وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : ياأيها الناس أظلّتكم فتن ‏كأنها قطع الليل المظلم ، أنجى الناس فيها ـ أو قال : منها ـ صاحب شاء ‏يأكل من رسل غنمه (‏ ‏) ، أو رجل من وراء الدرب ، آخذ بعنان فرسه ، ‏يأكل من سيفه (‏ ‏) .‏
فدل هذا على أن الحديث في المفاضلة هو في زمن الفتنة ، حيث ‏يكون افضل المؤمنين وأكملهم وأسلمهم رجلٌ قد شغل نفسه بالجهاد ، وقتال ‏أعداء الله ، يخيفهم ويخيفونه ، فإن لم يقدر على ذلك نجا ـ بنفسه ـ من الفتنة ‏باعتزالها واعتزال أهلها ، وذلك بالتفرد في رأس شَعَفَةٍ أو بطنِ وادٍ ، ‏ولذلك قال الحافظ ابن حجر حول تلك الأحاديث المفضلة للعزلة بإطلاق : ( ‏وهو مقيد بوقوع الفتن ) (‏ ‏) .‏
أما في الأحوال العادية التي ليس فيها فتنة عامة ، فالأصل فيها أن ‏المسلم الذي يستطيع الخُلطة فيُخالط الناس ، ويصبر على أذاهم ، ويوصل ‏إليهم النفع الديني والدنيوي هو خير من الذي لايخالطهم ولا يصبر على ‏أذاهم ، بل يعتزل شرورهم ، ويتفرد بنفسه .‏
وهذا ـ أي ترجيح الخُلطة في الأحوال الطبيعية ـ هو مذهب جماهير ‏السلف والعلماء (‏ ‏) ، فقد نســبــه الغـــزالي ـ كما تقدم (‏ ‏) ـ إلى أكثر ‏التابعين والشافعي وأحمــد وجماعة (‏ ‏) . ‏
وكذلك نسبه النووي ـ رحمه الله ـ للشافعي وأكثر العلماء أو ‏الجمهور (‏ ‏) وقال ـ رحمه الله ـ في موضع ومصدر آخر : ( اعلم أن ‏الاختلاط بالناس على الوجه الذي ذكرته (‏ ‏) هو المختار الذي كان عليه ‏رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وسائر الأنبياء صلوات الله وسلامه ‏عليهم ، وكذلك الخلفاء الراشدون ، ومن بعدَهم من الصحابة والتابعين ، ‏ومن بعدهم من علماء المسلمين وأخيارهــم ، وهو مذهب أكثــرِ التابعـين ‏ومن بعدهم ، وبه قال الشافعي وأحمدُ ، وأكثر الفقهاء ـ رضي الله عنهم ‏أجمعين ـ قال الله تعالى : { وَتَـعَاوَنُـواْ عَلَى الْبِـــــِرّ وَالتَّـقْـوَى } [ ‏المائدة : 2 ] . والآيات في معنى ماذكرته كثيرة معلومة ) (‏ ‏) . انتهى ‏كلام النووي رحمه الله .‏
ونسبه الحافظ ابن حجر ـ أيضاً ـ للجمهور (‏ ‏) .‏
رد مع اقتباس
  #56  
قديم 08-06-2004, 09:20 PM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

‏* رابعاً : ومن العزلة ترك فُضول الصحبة ، ونبذُ الزيادة منها ، ‏وحطُّ العلاوة التي لاحاجة بالمسلم إليها ـ كما تقدم من كلام الخطابي قريباً ‏وكما سيأتي الآن ـ ويُعَدُّ هذا النوع من العزلة نوعاً آخر منها ، بيد أنه ‏لايعني التفرد الكلي المطلق ، والاعتزال في شعب من الشعاب ، أو وادٍ ‏مــن الأوديـة ، بل هـــو كمـــا عـــبر عنه الإمام الخطابي ـ رحمه الله ـ ‏بقــوله : ‏
‏( ولسنا نريد ـ رحمك الله ـ بهذه العزلة التي نختارها مفارقة الناس ‏في الجماعات والجمعات ، وترك حقوقهم في العبادات ، وإفشاء السلام ، ‏وردّ التحيات ، وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم ، ‏ووضائع السُّنن والعادات المستحسنة فيما بينهم ، فإنها مستثناة بشرائطها ، ‏جارية على سُبُلها مالم يَحُل دونها حائل شُغْل ، ولا يمنع عنها مانع عُذْر ، ‏إنما نريد بالعزلة ترك فُضول الصحبة ، ونبذ الزيادة منها ، وحطُّ العلاوة ‏التي لاحاجة بك إليها ) (‏ ‏) .‏
وإذا عُرِّفَت العزلة بتعريف الإمام أبي سليمان الخطابي هذا الذي ‏يعني الاقتصار في مخالطة الناس على مالا بدَّ منه ، والقيام بالفرائض ‏الواجبة من أداء الجمعة والجماعة ، وصلة الرحم والقرابة ، بل ومن ‏مجاراة الناس في صنائع السُّنن والعادات المستحسنة فيما بينهم ، إذا عُرِّفت ‏بذلك يظهر ويتبين أن حكم هذا النوع من العزلة يختلف اختلافاً كبيراً عن ‏العزلة المطلقة التامة . وتجتمع أقوال الأئمة في أن القدر المطلوب من ‏الخلطة بالناس ينبغي أن يكون معتدلاً ـ في الجملة ـ ثم هو يتفاوت بحسب ‏المصلحة ، وإن كان هؤلاء العلماء يختلفون في تقديرها ، فمنهم من يُغَلِّب ‏جانب المصلحة العامة الناتجة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ‏ونشر العلم ، ونفع الخلق . ومنهم من يُغَلِّبُ جانب السلامة الشخصية (‏ ‏) ‏‏.‏
هذا وقد قسَّمَ الإمام أبو سليمان الخطابي العزلة إلى عزلة أديان ، ‏وعزلة أبدان ، وقال بعد هذا التقسيم مانصه : ( وأما عزلة الأبدان ومفارقة ‏الجماعة التي هي العوامُّ (‏ ‏) ، فإن من حكمها أن تكون تابعة للحاجة ، ‏وجارية مع المصلحة ، وذلك أن عِظَمَ الفائدة في اجتماع النـــاس في المدن ‏، وتجاورهــم في الأمصــار ، إنما هو أن يتضافــروا فيتعاونوا على ‏المصالح ، ويتوازروا فيهــا إذا كانت مصالحهم لاتكْمُلُ إلا به ، ومعايشهم ‏لاتزكــوا إلا عليه .‏
وللإنسان أن يتأمل حال نفسه ، فينظر في أية طبقة تقع منهم ؟ وفي ‏أية جَنْبَةٍ ينحاز من جملتهم ؟ فإن كانت أحواله تقتضيه المُقام بين ظهرانيِّ ‏العامة لما يلزمه من إصلاح المِهْنةِ التي لاغُنيَةَ له به عنها ، ولايجد بداً من ‏الاستعانة بهم فيها ، ولا وجه (‏ ‏) لمفارقتهم في الدار ، ومباعدتهم في ‏السكن والجوار ، فإنه إذا فعل ذلك تضرر بوَحدتِهِ ، وأضَرَّ بمن وراءه من ‏أهله وأسرته . وإن كانت نفسه بكلها مستقلة ، وحاله في ذاته وذويه ‏متماسكة فالاختيار له في هذا الزمان اعتزال الناس ومفارقة عوامهم ، فإن ‏السلامة في مجانبتهم ، والراحة في التباعد منهم ) (‏ ‏) .‏
إن المتأمل في كلام الإمام أبي سليمان الخطابي ـ رحمه الله ـ يلحظ ‏أنه عَلَّقَ الخلطة أو العزلة بالمصلحة ثم ركَّز على مصلحة الفرد ذاته ، ‏ومصلحته الدنيوية من إصلاح معاشه ومهنته ، والقيام على أولاده وأسرته .‏
وإن كان يفهم من كلامه السابق في تعريف العزلة دخول المصالح ‏كلها ـ الدينية والدنيوية ـ في النظر والاعتبار ، بيد أنه لم يشر إليها هنا .‏
وأما الحافظ ابن حجــر ـ رحمه الله ـ فقد كانت العبارة التي نقلها ـ ‏مُقرّاً لها ومؤيداً لما فيها ـ أشمل وأوفى وأدق ، حيث قال : ( وقال غيره ‏‏(‏ ‏) : يختلف باختلاف الأشخاص ، فمنهم من يتحتم عليه أحد الأمرين ، ‏ومنهم من يترجح ، وليس الكلام فيه بل إذا تساويا فيختلف باختلاف ‏الأحوال فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات .‏
فمن يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر ، ‏فيجب عليه إما عيناً وإما كفايةً ، بحسب الحال والإمكان .‏
وممن يترجح من يغلب على ظنه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر ‏بالمعروف والنهي عن المنكر .‏
وممن يستوي من يأمن على نفسه ، ولكنه يتحقق أنه لايطاع ، ... ) ‏‏(‏ ‏) أهـ .‏
إذن فالقضية تدور حيث دارت المصلحة ، سواءً كانت مصلحة عامة ‏كمصلحة الأمة قاطبة ، أم كانت مصلحة خاصة كمصلحة شخص أو فرد ‏بعينه . فأحيانا يكون الاختلاط فرضاً واجباً يتعين على شخص بعينه أو ‏أشخاص . ووجوبه إما لتعليم الناس ونشر العلم أو للإصلاح والصلة ، أو ‏للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو لإفادة وإعانة عباد الله دنيوياً ‏وأخروياً ....‏
وفي المقابل قد يكون اعتزال الناس والانكماش عنهم وترك فُضول ‏صحبتهم هو الواجب والمتعين على بعض الناس ، لاسيما من خشي ‏الإضرار بنفسه أو غيره بذلك الاختلاط ، دون أن تُجنى وتُحَقَّق مصلحة ‏أعظم وأكبر من هذا الإضرار .‏
وقد يكون أحد الأمرين ـ العزلة والخلطة ـ أرجح من الآخر دون أن ‏يصل الأمر إلى حد الوجوب إذا كان فيه تحصيل مندوب ، أو التخلص من ‏مكروه . ‏
وربما استوى الأمران حين لايكون ثَمَّ مصلحة ولا مفسدة ، أو حين ‏تكون المصلحة والمفسدة متعادلتين (‏ ‏) .‏
وقد فصَّل الغزالي ـ رحمه الله ـ في الأمور التي يرجع إليها في ‏تحديد المصلحة ، فبعد أن ذكر اختلاف العلماء في العزلة والخلطة ، وحجج ‏المائلين إلى المخالطة ، وحجج المائلين إلى العزلة ـ وقد تقدم ذكر ذلك كله ‏في أول هذا الفصل ـ ، ثم ذكر فوائد العزلة وغوائلها ، وفوائد الخلطة كذلك ‏‏(‏ ‏) .‏
بعد ذلك كله خلص إلى القول بـ : ( أن الحكم عليها (‏ ‏) مطلقاً ‏بالتفضيل نفياً وإثباتاً خطأ ، بل ينبغي أن ينظر إلى الشخص وحاله ، وإلى ‏الخليط وحاله ، وإلى الباعث على مخالطته ، وإلى الفائت بسبب مخالطته ‏من هذه الفوائد المذكورة ، ويُقاس الفائت بالحاصل ، فعند ذلك يتبين الحق ، ‏ويتضح الأفضل ، وكلام الشافعي ـ رحمه الله ـ هو فصل الخطاب ، إذ قال ‏‏: " يايونس ، الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة ، والانبساط إليهم مجلبة ‏لقرناء السوء ، فكن بين المنقبض والمنبسط " فلذلك يجب الإعتدال في ‏المخالطة والعزلة ، ويختلف ذلك بالأحوال . وبملاحظة الفوائد والآفات ‏يتبين الأفضل . هذا هو الحق الصُّراح ، وكل ماسوى هذا فهو قاصر .... ) ‏‏(‏ ‏) .‏
‏* ثم إن كل ماتقدم ذكره ـ بعد ذكر الخلاف في المفاضلة بين العزلة ‏والخلطة ـ من تلخيص وفوائد واستخلاص إنما هو متعلق بقضية العزلة ‏فحسب ولم تُطرق قضية الخلطة إلا بإشارات عابرة لاتفصيل فيها ، ‏والتفصيل فيها كالآتي :‏
‏* تقدم (‏ ‏) أن الأصل في الإسلام الخلطة ، وليست العزلة ، وأن ‏الإسلام دين الجماعة والاجتماع ، والأصل في المسلم الاختلاط بالناس ‏ومعاشرتهم ، لااعتزالهم وهجرهم .‏
‏* لذا نجد أن الشارع الحكيم أمر بالخلطة وحث عليها في المجامع ‏العامة كالأمر بالجماعة في الصلوات كصلاة الجمعة والصلوات المفروضة ‏وصلاة العيدين والكسوف وغيرها ، إما فرضا على الأعيان ، أو على ‏الكفاية .‏
‏* كما أمر بطلب العلم الشرعي وأوجبه وجوباً عينياً في بعض ‏المسائل ، وكفائياً في البعض الآخر ، كما جاء بإيجاب بذل العلم ونشره ‏وتيسيره لمن طلبه .‏
‏* ونجد أن الشارع الحكيم ـ أيضا ـ حث على تنظيم العلاقات ‏الاجتماعية ، وجاء ببيــان الحقـــوق والواجبات ، للفــرد والجماعة ، كما ‏في حديث البراء بن عازب قال : (( أمرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏بسبع ، ونهانا عن سبع . أمرنا بعيادة المريض ، واتباع الجنازة ، وتشميت العاطس ، ‏وإبرار القسم ، أو المُقْسِمِ ، ونصْرِ المظلوم ، وإجابة الدَّاعي ، وإفشاء السَّلام .... )) ‏الحديث (‏ ‏) .‏
‏* وأوجب الشارع الحكيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ‏والنصيحــة ، والرد على أهل البدع ، وجهاد الكفار ، إيجاباً كفائياً ، يأثم ‏بتركه والتفريـط فيه جميــع المسلمين .‏
‏* كما أمر الشارع بالهجرة إلى الله ورسوله ، وذم المتخلِّفين عن ذلك ‏ووعيدهم ونهى المرء أن يرتد أعرابياً بعد الهجرة ، كما يدل عليه قول ‏الحجاج بن يوسف لسلمة بن الأكوع : ياابن أكوع ، ارتددْت على عقبيك ، ‏تعَرَّبْتَ ؟ قال : لا ، (( ولكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أذن لي في البدو ‏‏)) (‏ ‏) .‏
ولايخفى مافي الهجرة من اجتماع المسلمين في مصر واحد وتعاونهم ‏وتكاتفهم.‏
‏* وأمر الشرع بحسن الخُلق واللين والتودد والملاطفة ، وحذّر من ‏البذاءة والجفاء والحقد والحسد ، والتباغض والتدابر ، وغيرها من الأخلاق ‏المذمومة الرديئة .‏
ومن المعلوم أن الإنسان لايدري مقدار تحققه بالأخلاق الفاضلة ، أو ‏مقدار تخلصه من الأخلاق المذمومة إلا بمخالطة الناس ومعاشرتهم ‏ومعاملتهم في الشئون المختلفة ، بحيث يتبين مدى صبر الإنسان وحلمه ، ‏وسعة خلقه وطيب معشره ، أو يتبين ضد ذلك من التبرّم ، والضيق ‏والغضب ، وسوء الخلق ، ورداءة الطبع .‏
فالإســلام دين الجماعــة والاجتماع ، والتوجيهات الإلهية معظمها ‏موجهة إلى : { الــِذيــنَ ءامـــَـنــُواْ } وفيها الحث على الاعتصام بحبل ‏الله وعدم التفرق ، وفيها الحث على التعاون على البر والتقوى ، لاعلى ‏الإثم والعدوان ، وفيها الحث على الجهاد والقتال صفاً كأنهم بنيان ‏مرصوص ........ الخ .‏
‏* كما أمر الشرع بإقامة بنيان الأخوة الإسلامية بين المؤمنين ، ‏وبيان فضلها وأهميتها ، والوعد بعظيم الأجر للمتحابين في الله ، ‏والمتزاورين فيه ، والمتجالسين فيه ، والمتباذلين فيه ، كما جاء بالنهي عن ‏التباغض ، والتدابر ، والتهاجر ، وسائر الأسباب التي تورث الضغينة ‏وتسبب البغضاء بين المؤمنين ، كما في حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ ‏مرفوعاً : (( لاتباغضوا ، ولاتحاسدوا ، ولاتدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا ، ‏ولايحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام )) (‏ ‏) ) (‏ ‏) .‏
إذن فكل هذه الأمور ـ المذكورة ـ التي أمر بها الشرع تدل على أن ‏الأصل في الإسلام الخلطة وليست العزلة ، وأن الإسلام دين الجماعة ‏والاجتماع . وأن الأصل في المسلم مخالطته للناس ومعاشرته ومخالقته لهم ‏، لااعتزالهم وهجرهم ، والعزلة إنما تكون في أمور وحالات مستثناة ‏سيأتي ذكرها الآن ـ إن شاء الله ـ .‏
رد مع اقتباس
  #57  
قديم 08-06-2004, 09:23 PM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

المبحث الثاني ‏
‏{ الحالات التي تُشرع فيها العزلة }
‏= = = = = = = = = =‏
تقدم ـ قريباً (‏ ‏) ـ أن الأصل في المسلم الخلطة وليست العزلة .‏
‏* وبناء على هذا الأصل المهم المتين : فإن الأصل في العزلة الكلية ‏المطلقة هو المنع حيث يترتب عليها تضييع الحقوق ، وتفويت الفرائض ، ‏وتعطيل كثير من الواجبات ، كترك التعلم والتعليم ، والأمر والنهي ، وصلة ‏الرحم والقرابة ، مع التعرض لكيد الشيطان ومكره ووسوسته وتلبيسه ، ‏فإنه إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ـ وقد تقدم قريباً تفصيل ذلك (‏ ‏) ـ .‏
ولكن ثمَّةَ حالات تُستثنى من هذا المنع من العزلة الذي هو الأصل ‏الكلي العام ، فتُشرع فيها العزلة .‏
وقد تقدم الكـــلام على بعــض هذه الحــالات التي تشرع فيها العزلــة ‏إجمالاً دون تفصيــــل فيها ، لاســيما الحالات التي تشــرع بسبب خاص ، ‏والتي تكون بسبب الفرد ذاتـــه (‏ ‏) .‏
‏* فقد تكون العزلة بالنسبة لأشخاص وأفراد معينين خيراً لهم من ‏الخلطة ، ومثال ذلك أمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعبد الله بن عامر الجهني ‏بذلك ، حينما سـأله عن النجاة ؟ فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( أملك ‏عليك لسانك ، وليسعك بيتك ، وابك على خطيئتك )) (‏ ‏) . ولا يمكن تنزيل قوله ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعبد الله بن عامر هذا القول إلا على ماعرفه ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ بنور النبوة من حاله ، وأن لزوم البيت كان أليق ‏وأسلم له من المخالطة ، بدليل أنه لم يأمر جميع الصحابة بذلك ، فرب ‏شخص تكون سلامته في العزلة بذلك لا في المخالطة ، كما قد تكون ‏سلامته في القعود في البيت وأن لايخرج إلى الجهاد ، وذلك لايدل على أن ‏ترك الجهاد أفضل . وفي مخالطة الناس مجاهدة ومقاساة ، ولذلك قال ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ : (( الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي ‏لايخالط الناس ولا يصبر على ذلك )) (‏ ‏) .‏
وعلى هذا يَتَنَزَّلُ قوله عليه السلام : (( رجل معتزل يعبد ربه ويدع ‏الناس من شره )) (‏ ‏) . فهذا إشارة إلى شرير بطبعه يتأذى الناس بمخالطته ‏‏(‏ ‏) .‏
فتشرع العزلة بسبب الفرد ذاته ، لعدم قدرته على رؤية المعاصي ‏والمفاسد .‏
‏* وذلك كمن يرى المنكرات ـ مثلا ـ فيهيج وينفعل ، لأنه لايستطيع ‏منع شره وأذاه عن الآخرين إلا باعتزالهم ، وأما إذا خالطهم فيثور ويتحرك ‏إلى الشر والإضرار بنفسه وبغيره بمجرد رؤية أي منكر ، وإذا ثار وهاج ‏وانفعل أصبح يغير المنكر بطرق غير مشروعة ، بل قد يكون فيها اعتداء ‏وتسرع ربما يؤدي إلى مضاعفة المنكر ، وربما يكون سبباً في اغلاق باب ‏الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وربما يترتب عليه أذى للمؤمنين .‏
‏* وكذلك كمن يكون شديد الحساسية ضد المنكرات ، فإذا رآها تأثر ‏تأثراً شديداً وتعكر مزاجه ، وتكدَّرت حياته ، فلم يهنـأ بعيـش ولا بعبادة ، ‏وتفاقم لديه الشعور بالغربة ، دون أن يصنع شيئاً لضعفه .‏
‏* وكمن يعرف من نفسه الضعف والميل إلى الفواحش ، فإذا جاورها ‏وخالط أهلها ورآها في غُدُوِّه ورواحه أنِسَت نفسه بها ، وشعر بالاسترواح ‏إليها ، وهو يستطيع أن يحمل نفسه على اعتزال هذه البيئات حفاظا لما هو ‏أهم مما سيفقده حال الاعتزال .‏
فمثل هؤلاء قد تُشرع في حقهم العزلة ، كفاً لشرهم عن الناس ، أو ‏حفاظاً لهم عن شرور الناس .‏
ولذلك جاء في الأحاديث الآنفة ـ قريبا (‏ ‏) ـ نفسها التعبير بـ (( .... ‏مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ، ويدع الناس من شره )) وحديث (( .... ‏ليس من الناس إلا في خير )) وحديث أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ‏لأصحابه : (( ألا أخبركم بخير الناس )) ؟ قالوا : بلى يارسول الله ، فقال : (( ‏رجل اعتزل شرور الناس )) (‏ ‏) . وهكذا .‏
فمثل هذه الحالات السالفة هي حالات خاصة شُرعت بسببها العزلة ، ‏وهي ـ كما سبق قريباً (‏ ‏) ـ تكون بسبب الفرد ذاته ، إما لعدم قدرته على ‏احتمال رؤية المعاصي والمفاسد ، أو لخوفه على نفسه من الوقوع فيها ‏خوفاً ظاهراً قوياً ، وإما لتَمَيُّزِه بطبائع وخلائق سيئة ، من الحدة والشدة ، أو ‏التعجل والهوج ، أو غيرها مما يلحق الضرر بالآخرين ، دون تحصيل ‏فائدة تُذْكر ، ولا يملك الخلاص منها أو تخفيفها وتهذيبها ، إلى أسباب ‏أخرى يكون متعلقها الفرد ذاته ، وليس الحال العام .‏
‏* وثَمَّة حالات أخرى عامة ، تُشرع فيها العزلة ، بسبب تغيُّرٍ عام ‏يقع في المجتمع .‏
ومن هذه الحالات مايلي :‏
الحالة الأولى : عند فساد الزمان : ‏
لقد اشار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الزمان الذي يتعذّر فيه ‏إصلاح العامة ، لاختلاف الناس وتناحرهم وتطاحنهم ، وخفة أحلامهم ‏وأماناتهم ، ومروج عهودهم ونذورهم ، ووصف ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏أهل ذلك الزمان بأنهم (( حُثالة )) من الناس . فهو إشارة إلى استقرار ‏الانحراف العام ، والغربة الشاملة ، وغلبة الشر والفساد ، غلبة لايطمع ‏معها في إصلاح العامة .‏
وقد بيّن ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه يُشرع للمرء حينئذٍ أن يُقبل على ‏خاصته ، ويذر أمر العامة .‏
ففي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ قال : (( كيف بكم وبزمان أو : يوشك أن يأتي زمانٌ يغربل الناس ‏فيه غربلة (‏ ‏) ، تبقى حثالة من الناس قد مرجت (‏ ‏) عهودهم وأماناتهم ، ‏واختلفوا فكانوا هكذا ، وشبَّك بين أصابعه ، فقالوا : كيف بنا يارسول الله ؟ قال : ‏تأخذون ماتعرفون ، وتذرون ماتُنْكرون ، وتُقْبِلُون على أمر خاصتكم ، وتَذَرُون أمر ‏عامتكم )) (‏ ‏) .‏
وعن مرداس الأسلمي ـ رضي الله عنه ـ وكان من أصحاب الشجرة ‏، قال : قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( يذهب الصالحون الأوّل فالأوّل ، ‏ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر ، لايباليهم الله باله (‏ ‏) )) (‏ ‏) .‏
فقد بين ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذه الأحاديث مجموعة من ‏صفات أهل ذلك الزمان وهي كالتالي : ‏
‏1 = أنهم حثالة من الناس ، وهذا يعني شدة ضعفهم في الدين ، ‏والخلق والعقل والمروءة ، وأنهم بقية مخلفة في الناس ، كما تخلف الحثالة ‏في قاع الإناء .‏
‏2 = أنهم قد مرجت عهودهم وأماناتهم ، واختلطت ، وفقدت الثقة ‏فيهم ، فهم إذا حدّثوا كذبوا ، وإذا وعدوا أخلفوا ، وإذا عاهدوا غدروا ، وإذا ‏خاصموا فجروا ، وإذا ائتمنوا خانوا .‏
ولذلك بوّب الإمام البخـاري ـ رحمه الله ـ في كتاب الفتن من ‏صحيحــه باباً فقال : ( باب : إذا بقي في حثالة من الناس ) ، وساق تحته ‏حديث حذيفة في نــزع الأمانة : وجاء فيه : (( .... ويصبح الناس يتبايعون فلا ‏يكاد أحد يُؤدي الأمانة ، فيُقال : إن في بني فلان رجلاً أميناً .... )) الحديث (‏ ‏) .‏
‏3 = أنهم مختلفون متنازعون اختلافاً كبيراً ، عبّر عنـه النبي ـ صلى ‏الله عليه وسـلم ـ بصورة حسِّية حيث شبَّك أصابع يديه بعضها ببعض .‏
وفي حديث أبي ثعلبــة الخُشـــني ـ رضي الله عنه ـ حين ســئل عن ‏قولـه تعالى : { عَلَيْكُـمْ أَنـفُسَـكُمْ } [ المائدة : 105 ] ، قال للسائل (‏ ‏) : ‏أما والله لقد سألت عنها خبيراً ، سألت عنها رسول الله ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ فقال : (( بل ائتمروا بالمعروف ، وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شُحاً ‏مطاعاً وهوىً متّبــعاً ، ودنـيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك ـ يعني ‏نفســـك ـ ، ودع عنك العـــوام )) (‏ ‏) .‏
‏ ويلاحظ أن هذا الحديث أضاف صفات أخرى غير ماسبق وهي :‏
‏4 = الشح المطاع : والشح هو البخل مع الحرص (‏ ‏) ، وطاعته ‏هي استجابة المرء لهذا الشح بالمال وبالمعروف ، ومطاوعة غيره له على ‏هذا الشح (‏ ‏) .‏
‏5 = الهوى المتَّبَع ، أي أن كل إنسان يتبع هواه ، ولا يلتفت إلى ‏شرع ولا دين ، بل يجري خلف ماتهواه نفسه ، ولو كان فيه عطبه ، وهذا ‏يدل على إعراض أهل هذا الزمان عن نصوص الوحي وتحكيمها ، ويدل ‏على غربة افراد الفرقة الناجية ، المجانبين للهوى وما يترتب على اتباعه ‏من أنواع الفسوق ، وأنواع البدع .‏
‏6 = الدنيا المؤثرة ، المؤثرة على الآخرة ، كما قال تعالى : { بَـلْ ‏تُـؤْثِـرُونَ الْحَيَــــوةَ الدُّنْيَــا * وَالآخِــرَةُ خَـيْــرٌ وَّ أَبــْــقَــى } [ ‏الأعلى : 16 ـ 17 ] .‏
‏7 = الإعجاب بالرأي ، وإعجاب المرء بنفسه مدعاة إلى ترك ‏الكتاب والسنة وأقوال الأئمة والسلف ، وسبب لعدم قبول الحق ممن جاء به ‏، وبهذا تتراكم الأخطاء ، ويتعذر التدارك والإصلاح .‏
ومحصل هذه الصفات ـ السالفة ـ كلها : أن لافائدة من الأمر ‏والنهي والإصلاح في مجال العامة ( وهم الدهماء والجمهور ، وإن ترأسوا ‏وسادوا ) (‏ ‏) ، بل ربما ترتب على الأمر والنهي ضرر بأن يتضاعف ‏المنكر ويزداد ، أو يتأذى الآمر في نفسه ، أو أهله ، أو ماله .‏
ولعل هذا هو الضابط العام لتلك الحال : ألا يكون ثم فائدة ترجى من ‏الدعوة والأمر والنهي بين هؤلاء المسَمّينِ بـ ( العامة ) ، وفي مقابل التحقق ‏من عدم النفع ، هناك توقع لحصول الضرر الديني والدنيوي للآمر ولغيره ‏، ولاشك أن الأصول العامة تقتضي ترك الأمر والنهي ـ حينئذٍ ـ دفعاً ‏للمفسدة المتوقعة التي لاتوجد مصلحة تكافئها في فصل الأمر والنهي . ‏فيكون الحديث مضطرباً مع القاعدة العامة في المصلحة والمفسدة .‏
وتحديد هذا الزمان أمر تختلف فيه الأنظار ، كما تختلف فيه الأقطار ‏، فقد يوجد في مكان دون مكان ، وفي زمان دون زمان ، كما قال الإمام ‏الطحاوي ـ رحمه الله ـ : ( يجوز أن الأزمنة تختلف وتتباين ، وأن كل ‏زمان منهـــا له حكمه الذي بينــه رســول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمته ‏، وأعلمهم إياه ، وأعلمهم مايعملون فيه ، فعلى الناس التمسك بذلك ولزومه ‏، ووضع كل أمر موضعه الذي أمرهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏بوضعها ، وألاّ يخرجوا عن ذلك إلى ماسواه ) (‏ ‏) .‏
رد مع اقتباس
  #58  
قديم 08-06-2004, 09:24 PM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

وقد رسم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الطريق الذي يسلكه المؤمن ‏حين تظهر تلك الصفات الست السابقة ، ووجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏المؤمن ـ كما في الأحاديث السابقة ـ في مثل تلك الظروف وما ينجم عنها ‏من ترك الأمر والنهي إلى أمرين مهمين :‏
أولهما : تأخذون ماتعرفون ، وتدعون ماتنكرون .‏
والثاني : تقبلون على أمر خاصتكم ، وتدعون أمر العامة .‏
فالأمر الأول : فيه بيان تعامل الفرد والجماعة مع الواقع من حولهم ، ‏تعاملاً يتميز بالعدل والإنصاف ، فيأخذون مايعرفون ، مما عرف بالشرع ‏والعقل حسنه ، ويتركون ماينكرون ، مما لم تأت به الشريعة ، ولاتقبله ‏العقول السليمة ، وبذلك ينتفعون بما يوجد لدى غيرهم من خير ، ويتجنبون ‏مايوجد لديهم من شر ، ويحفظون أنفسهم من السّمة الغالبة على أهل ‏عصرهم وهي سمة طاعة الشح ، واتباع الهوى ، والإعجاب بالرأي ، إذ ‏إنهم يحكّمون الشرع الذي بيّن لهم المعروف ليأخذوه ، والمنكر ليدعوه .‏
ويسلمون من البدع والآراء والأهواء التي هي سبب الاختلاف ‏والتفرق ، الذي هو سمة ذلك العصر ، كما في الحديث في صفتهم : (( ‏واختلفوا فصاروا هكذا ، وشبك بين أصابعه .... )) فالمعتصمون بالسنة ناجون ‏من الاختلاف وأسبابه ، وما أصابهم من اختلاف أو تفرق فبسبب نقص ‏الاتباع .‏
والأمر الثاني : فيه بيان موقفهم من الخاصة والعامة .‏
ويرى الإمام الخطابي أن المقصود بالخاصة في هذا الحديث مايخص ‏الإنسان في ذاته من إعانة أهله ، وسياسة ذويه ، والقيام لهم ، والسعي في ‏مصالحهم ، ويعتبر هذا التوجيه متعلقاً بالمصالح الدنيوية .‏
أما ترك العامة ـ عنده ـ فهو ترك التعرض لأمرهم ، والتعاطي ‏لسياستهم ، والترأس عليهم ، والتوسط في أمورهم (‏ ‏) .‏
وحين يُرجع إلى المعنى اللغوي لكلمة ( خاصة ) يتبين أنها تحتمل ‏عدة معان :‏
الأول : أن يراد بالخاصة الشخص ذاته ، دون غيره ، ومنه حديث : ‏‏(( بادروا بالأعمال ستاً : ... )) وذكر منها : (( ... أو خاصة أحدكم ، أو أمر ‏العامة )) (‏ ‏).‏
والمقصود بـ ( الخاصة ) أو ( الخويصة ) ، في هذا الحديث : ‏الشيء الذي يخص كل إنسان بعينه ، وهو الموت كما أفاده ابن الأثير ‏والنووي ـ رحمهما الله ـ (‏ ‏) ، وأمر العامة فسره قتادة بالقيامة (‏ ‏) .‏
وإذا فُسر حديث الباب بهذا المعنى صار المرء مطالباً فيه بالعناية ‏بنفسه وحفظها وترك التعرض لغيره .‏
الثاني : أن يراد بها مايخص الإنسان في أمور دنياه ، ويلزمه القيام ‏به ، من إعالة الأهل والأولاد ، والسعي لمصالحهم وأقواتهم (‏ ‏) .‏
وإذا فُسّر حديث الباب ـ أيضاً ـ بهذا المعنى صار المرء مطالبا ‏بالاقتصار من الدنيا ومن مخالطة أهلها ، على مالا بد له منه في تدبير أمور ‏معاشه ، ومعاش من يعول .‏
الثالث : أن يراد بـ ( الخاصة ) أصحاب الإنسان وخلصاؤه ‏وأصدقاؤه ، لأنه يختصهم بالود والمصافاة ، قال الشاعر :‏
إنّ امرءً خصَّنِي عمْداً مودّته على التنائي لعندي غير ‏مَكفورِ (‏ ‏) ‏
وقال الأزهري (‏ ‏) : الخاصة الذي اختصصته لنفسك (‏ ‏) .‏
ومنه مانسب إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من قوله : (( إن لكل ‏نبي خاصة من أصحابه ، وإن خاصتي من أصحابي أبو بكر وعمر )) (‏ ‏) .‏
وعلى هذا المعنى يكون مقصود الحديث أمر الإنسان المتبع بالإعتناء ‏بأمر الخاصة من أصحابه وخلصائه وأودَّائه في الله ، والاهتمام بصلاح ‏شئون دينهم ودنياهم ، وملازمتهم ، وترك أمر العامة .‏
وهذا يكون في الحال التي ينطبق عليها الوصف الوارد في الأحاديث ‏، وهي على ضربين : ‏
الأول : أن تقع في زمن خاص ، في مكان خاص من أرض الإسلام ، ‏وهذا جائز وقوعه في كل عصر .‏
والثاني : أن تقع شاملة في الأرض كلها ، بصورة تامة ، وهذا ‏ماترجح من أنه يكون قبيل الساعة ، حيث لاينفع أمر ولا نهي ، فيؤمر ‏المؤمنون المتحلون بصفات الطائفة المنصورة أن يُعنَوْا بصلاح حالهم ‏الخاص ويدعوا أمر العامة حتى يأتي أمر الله والله أعلم .‏
وهذا المعنى الثالث : هو الأقرب لدلالة الحديث ، لاعتبارات عديدة . ‏منها :‏
‏* أنه الموافق لقوله تعالى : { يَـــــأَيـــُّــهَا الَّذِيــنَ ءَامَنُـــــواْ ‏عَلَيْكُـمْ أَنـفُسَـكُمْ لاَ يَـضُرُّكُم مَّـن ضَـلَّ إِذَا اهْـتَـدَيــْــتُـمْ } [ المائدة : ‏‏105 ] .‏
‏* وكذلك فسر الآية جماعة من السلف ، كابن مسعود ، والحسن ‏البصري ، وابن عمر ، ـ رضي الله عنهم ـ وجماعة من أصحاب النبي ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ يرون أن تأويل هذه الآية لم يجيء بعد ، وأنها في ‏آخر الزمان (‏ ‏) .‏
‏* ومنها : أن الصالحين والدعاة إلى الله مطالبون ـ شرعاً ـ بأن يشد ‏بعضهم بعضاً ويحفظ ويعين بعضهم بعضاً ، في كافة الأحوال والأوضاع . ‏لا أن يرمي بعضهم بعضاً بالتهم ، ويترصد بعضهم لبعض ويتصيدوا ‏العثرات والزلات والسقطات ، فينشرونها في مختلف وسائل الإعلام ، ‏ويحكمون على المقاصد والنيات ، ويُنَشِّؤُون المبتدئين على ذلك وعلى ‏التهَجُّم على الدعاة والعلماء كما هو حاصل في زماننا هذا والله المستعان .‏
‏* ومنها : أن الخاصة في الحديث مقابلة بـ ( العامة ) ، والأقــرب أن ‏المعنــى : مادام أن الاشتغال بصلاح العامة أمر غير ذي جدوى ، بل ‏ضرره أكثر من نفعه ـ إن كان له نفع ـ فدعوه ودعوهم ، واشتغلوا بصلاح ‏خاصتكم ، حيث يفيد الأمر والنهي والإصلاح .‏
ويمكن إدخال المعاني الأخرى ضمن هذا المعنى ، إذ حين يُفسَّر ‏الخاصة بخلصاء الإنسان وأودائه وأصحابه الموافقين له في لزوم السنة ، ‏واتباع المنهج ، فإنه يدخل ـ هو ـ فيهم دخولاً أوليــاً ، أي : عليــك بنفســك ‏، وبمن أنت منهم ، وعلى هذا تُحمل روايات : (( عليك بنفسك )) (‏ ‏) ، و ‏‏(( عليك بخاصة نفسك )) (‏ ‏) .‏
وحصر هذا التوجيه في الشئون الدينية ، كما يراه الخطابي ـ رحمه ‏الله فيما تقدم من قوله قريبا (‏ ‏) _ فيه بُعْدٌ ، وليس في النص مايسعفه ‏ويساعده ، أو يَشهد له ، بل الأولى أن يكون شاملاً لشئون الدنيا والدين ، ‏والله أعلم (‏ ‏) .‏
الحالة الثانية : عند حلـول الفـتن :‏
تقدم في أول الرسالة تعريف الفتنة في اللغة والاصطلاح ، وذكر ‏معانيها ووجوهها بما يُغني عن إعادتها (‏ ‏) .‏
والمقصود بها هنا : مايعرض للفرد والجماعة من آثار الشبهات ‏والشهوات من انحراف واختلاف وتفرق وتقاتل ، مما حفلت كتب السنة ‏النبوية المطهرة بخبره كله .‏
وقد جاءت السنة كثيراً بإطلاقها على الإختلاف والتفرق الواقع بين ‏المسلمين ، وما يترتب عليه من تحزُّب وقتال وقتل ، وشاع استعمالها بهذا ‏المعنى .‏
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ : ( والمراد بالفتنة ماينشأ عن ‏الاختلاف في طلب الملك ، حيث لايُعلم المُحق من المُبطل ) (‏ ‏) .‏
هذا وقد وردت أحاديث في التحذير من الفتن عموماً ، والحث على ‏اعتزالها بالكلية ، والفرار منها .‏
ومن هذه الأحاديث ماتقدم ذكــره ، كحديــث أبي سعيد الخدري ـ ‏رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسـلم ـ قــال : (( يأتـي علـى ‏النــاس زمـان خيــر مال الرجل المسلم ، الغنمُ ، يَتْبَعُ بها شَــعَفَ الجبال ومواقع ‏القطر ، يفر بدينـــه مــن الفتن )) (‏ ‏) .‏
وحــديث ابي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رســول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ قال : (( بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل ‏مؤمناً ، ويمسي كافراً ، أو يمسي مؤمناً ، ويصبح كافراً ، يبيع دينه بعرض من ‏الدنيا )) (‏ ‏) .‏
وأما الأحاديث الواردة في الاختلاف والتنازع بين المسلمين ، وما ‏يتبعه من قتال وتطاحن وسفك للدماء فهي كثيرة جداً (‏ ‏) ، سيأتي ذكرها ـ ‏قريباً ـ إن شاء الله (‏ ‏) .‏
رد مع اقتباس
  #59  
قديم 08-06-2004, 09:27 PM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

المبحث الثالث
‏{ العزلة والخلطة إبان فتنة القتال }‏
‏= = = = = = = = = = = = ‏
تقدم في مستهل المبحث السابق أن العلماء اختلفوا في التفضيل بين ‏العزلة والخلطة وتقدمت أقوالهم وحججهم مع مناقشتها ، بيد أن ذلك الخلاف ‏في المفاضلة بين العزلة والخلطة لم يحدد بزمن معين ووقت مخصص ، ‏فهو يشمل كل زمان ومكان تضافرت فيه أسباب أحدهما .‏
وأما هنا ـ في هذا المبحث ـ فسيُذكَر الخلاف في المفاضلة بين العزلة ‏والخلطة ولكن في وقت مخصص ، وهو عند ظهور الفتن ، وخاصة فتنة ‏القتال الناشئة ـ غالباً ـ عن التنازع والاختلاف ، فقد اختلف العلماء ـ هنا ـ ‏في المفاضلة فيها بين العزلة والخلطة ، كما هو حاصل من تقدم هذا ‏الاختلاف ـ فيها أيضاً ـ بين الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في فتنة القتال التي ‏وقعت بين علي ومعاوية ـ رضي الله عنهما ـ . فمنهم من رأى اعتزالها ، ‏ومنهم من رأى المشاركة فيها ونصر الحق وقتال الباغين ، وهاهو التفصيل ‏في هذه المسألة :‏
إن الأحاديث الواردة في الإختلاف والتنازع بين المسلمين ، وما ‏يتبعه من قتال وتطاحن وسفك للدماء كثيرة جداً ، سيأتي معظمها في ثنايا ‏ذكر الخلاف في فتنة القتال .‏
وقد اختلف العلماء ـ منذ عهد الصحابة ومن بعدهم ـ فيما إذا وقع بين ‏المسلمين فتنة حرب وقتال وتطاحن وسفك للدماء ، إلى عدة أقوال :‏
القول الأول : قالوا باعتزالها وعدم الخوض والمشاركة فيها بحال ‏، وذلك لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرشد أمته إلى كيفية التصرف في ‏مثل هذه الفتن التي تثور بين المسلمين ، حيث يخفى الحق وتضطرب ‏الأمور ، فقد دعا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى اجتناب الصراع ‏والقتال في مثل هذه الحال ، والاعتزال في مكان ناءٍ ، يرعى الرجل الغنم ‏في قمم الجبال ، أو يجاهد الأعداء على حدود الدولة المسلمة ، فإن وصلت ‏إليه سيوف المتحاربين فقد أُمر بأن يمتنع عن الدفاع عن نفسه ، ولو كان ‏في هذا هلاكه أو موته (‏ ‏) ـ على خلاف في ذلك سيأتي قريباً بعد سوق أدلة ‏هذا القول ـ .‏
وقد استدل أصحاب هذا القول على قولهم باعتزال فتنة القتال بأدلة ‏كثيرة ، منها ماتقدم ذكره ، ومنها مالم يتقدم ، فمما استدلوا به :‏
‏1 = ماثبت عن أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ (( إنها ســتكون فتن . ألا ثم تكون فتنةٌ القاعد فيها خير من ‏الماشي فيها . والماشي فيها خيرٌ من الساعي إليها . ألا ، فإذا نزلت أو وقعت ، فمن ‏كان له إبِلٌ فَلْيَلْحقْ بإبلِــهِ . ومنْ كانت له غنمٌ فلْيَلْحق بغنمهِ . ومن كانت له أرض ‏فليلحق بأرضهِ )) قال : فقال رجل : يارسول الله ! أرأيت من لم يكن له إبل ‏ولا غنم ولا أرض ؟ قال : (( يعمد إلى سيفهِ فَيَدُقُّ على حَدِّهِ بِحَجَرٍ (‏ ‏) . ثم ليَنْجُ ‏إن استطاع النجاءَ . اللهم هل بلغت ؟ اللهم هل بلغت ؟ اللهم هل بلغت ؟ )) قال : ‏فقال رجل : يارسول الله ! أرأيت إن أُكْرِهْتُ حتى يُنْطَلَقَ بي إلى أحد ‏الصَّفَّيْنِ ، أو إحدى الفِئَتَيْنِ ، فضربني رجل بسيفهِ ، أَو يجيءُ سهمٌ فيقْتُلُني ؟ ‏قال : (( يبوءُ بإثمِهِ وإثْمِكَ (‏ ‏) ويكون من أصحابِ النار )) (‏ ‏) .‏
والظاهر : أن هذا إذا لم يترجَّح لدى المسلم جانب الحق ، وإلا وجب ‏عليه الوقوف معه ، ويقاتل من يقاتله ، ولكن العزلة أسلم في سائر الإحوال ‏‏. والله أعلم .‏
‏2 = كما استدلوا بحديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : ‏قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( يأتي على الناس زمان خير مال ‏الرجل المسلم ، الغنم ، يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجبال ومَواقِعَ القطرِ ، يَفِرُّ بدينهِ من الفتن )) ‏وقد تقدم ذكره وتخريجه قريباً (‏ ‏) . ‏
‏3 = وبحديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( أَظَلَّتْكُمْ فتنٌ كقِطَعِ الليلِ المُظلم أَنجى الناس منها ‏صاحب شاهقة يأكل من رسل غنمه ، أو رجل من وراء الدروب آخذ بعنان فرسه ‏يأكل من فيء سيفه )) (‏ ‏) .‏
‏4 = وكذلك استدلوا بقولهم : أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد ‏بيّن لأبي ذرّ ـ رضي الله عنه ـ كيف يتصرف في مثل هذه الفتن التي تثور ‏بين المسلمين من صراع وقتال ، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ له : (( .... ‏أرأيت إنْ قتل الناس بعضهم بعضاً حتى تغرق حجارة الزيت في الدماء (‏ ‏) كيف ‏تصنع ؟ قال : الله ورسوله أعلم . قال : اقعد في بيتك ، وأغلق عليك بابك . قال : ‏أرأيت إن لم أُترك ؟ قال : ائتِ من أنت منه فكن فيهم ، قال : فآخذ سلاحي ؟ قال : ‏إذاً تُشاركهم . ولكن إن خشيت أو يُرَوِّعَك شعاع السيف فألقِ طرف ردائك على ‏وجهك ، يبوء بإثمك وإثــمـــه )) (‏ ‏) .‏
‏5 = وبحديث أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ قال : قال ‏رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل ‏المظلم ، يُصبح الرجل فيها مؤمناً ، ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ، ويصبح كافراً ، ‏القاعد فيها خير من القائم ، والماشي فيها خير من الساعي ، فكسِّروا قِسِيَّكُم (‏ ‏) ، ‏وقطِّعوا أوتاركم (‏ ‏) واضربوا سيوفكم بالحجارة ، فإن دُخِلَ ـ يعني أحد منكم ـ فليكن ‏كخيرِابني آدم )) (‏ ‏) .‏
وفي رواية ـ فيها زيادة ـ أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال في الفتنة : ‏‏(( كسِّروا فيهــا قِسِــيِّكم ، وقطعــوا فيها أوتاركم ، والزموا فيها أجواف بيوتكم ، ‏وكونوا كابن آدم )) (‏ ‏) .‏
‏6 = ومنها ـ أيضــا ـ مارواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : ‏قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( ستكون فتن ، القاعد فيها خير من ‏القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، من تشرَّف ‏‏(‏ ‏) لها تستشرفه ، فمن وجد منها ملْجأً أو معاذاً فليَعُذْ (‏ ‏) به )) (‏ ‏) .‏
‏7 = ومنها : حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : ســمعت ‏رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( تكون فتنة ، النائم فيها خير من ‏المضطجع ، والمضطجع فيها خير من القاعد ، والقاعد فيها خير من القائم ، والقائم ‏خير من الماشي ، والماشي خير من الراكب ، والراكب خير من المُجري ، قتلاها ‏كلها في النار ، قال : قلت : يارسول الله! ومتى ذلك ؟ قال : ذلك أيام الهرج ، قلت : ‏ومتى أيام الهرج ؟ قال : حين لايأمن الرجل جليسه ! قال : فيم تأمرني إن أدركت ‏ذلك الزمــان ؟ قال : اكفف نفسك ويدك ، وادخل دارك ، قال : قلت : يارسول الله ! ‏أريت إن دخل رجل عليَّ داري ؟ قال : فادخل بيتك ، قال : قلت يارسول الله ! أريت ‏إن دخل رجـل عليَّ بيتــي ؟ قال : فادخل مســجـدك واصنــع هكـــذا ـ وقبض بيمينه ‏على الكوع ـ وقل : ربِيَ الله حتى تموت على ذلك )) (‏ ‏) .‏
وثمة أحاديث أخرى استدل بها أصحاب هذا القول ، وهي تحث على ‏اعتزال الفتنة ، وكف اليد ، ولزوم البيت ، وحفظ اللســان ، وإن لم يــأت ‏التصريح فيها بكلمة ( الفتنة ) . ومن هذه الأحاديث مايلي :‏
حديث أبي ذر ـ المتقدم (‏ ‏) ـ والذي قالوا فيه : أن رسول الله ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ قد بين له ـ رضي الله عنه ـ كيف يتصرف في مثل هذه ‏الحروب والفتن التي تثور بين المسلمين من صراع وقتال .‏
‏8 = ومنها : حديث أبي هـريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ قال : (( ويل للعرب من شر قد اقترب ، أفلح من كفَّ يده )) ‏‏(‏ ‏) .‏
‏9 = وعن الأحنف بن قيس قال : ذهبت لأنصر هذا الرجل (‏ ‏) ، ‏فلقيني أبو بكرة ، فقال : أين تريد ؟ قلت : أنصر هذا الرجل ، قال : ارجع ، ‏فإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( إذا التقى المسلمان ‏بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار )) فقلت : يارسول الله ! هذا القاتل ، فما بال ‏المقتول ؟ قال : (( إنه كان حريصاً على قتل صاحبه )) (‏ ‏) .‏
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ عند شرحه لهذا الحديث : ( ‏واحتج به من لم ير القتال في الفتنة .... ) (‏ ‏) .‏
‏10 = عن عُدَيْسَةَ بنت أُهْبَانَ (‏ ‏) قالت : جاء عليُّ بن أبي طالب ‏إلى أبي ، فدعاه إلى الخروج معه ، فقال له أبي : إن خليلي وابن عمك عهد ‏إليَّ إذا اختلف الناس أن أتَّخذ سيفاً من خشب ، فقد اتخذتُه ! فإن شئت ‏خرجتُ به معك ، قالت : فتركه (‏ ‏) . والمراد باتخاذ السيف من الخشب : ‏الامتناع عن القتال (‏ ‏) .‏
هذه هي الأحاديث التي استدل بها أصحاب هذا القول على ماذهبوا ‏إليه من عدم القتال في الفتنة واعتزالها .‏
وأدلتهم هذه التي استدلوا بها تدل على مشروعية الاعتزال في الفتنة ‏، وعدم المشاركة والخوض فيها .‏
رد مع اقتباس
  #60  
قديم 08-06-2004, 09:30 PM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

ثم اختلف هؤلاء ـ أنفسهم ـ أصحاب هذا القول الأول في كيفية ‏اعتزال الفتنة على قولين :‏
الأول : قالت طائفة : اعتزال الفتنة يكون بلزوم البيوت . ‏
الثانـي : وقالت طائفة أخرى : بل الاعتزال يكون بالتحول عن بلد ‏الفتن أصلاً .‏
ثم اختلف ـ أيضاً ـ هؤلاء القائلون بالعزلة فيما إذا داهمهم الخصم ‏وأراد قتلهم على قولين ـ أيضاً ـ :‏
الأول : قالوا : لايدخل في الفتنة ، فإذا هجم على شيء من ذلك ، أو ‏أراد أحد قتله يجب عليه أن يكف يده ولا يدافع عن نفسه ولو قُتل ، لأن ‏الطالب متأول ، وهذا مذهب أبي بكرة الصحابي ـ رضي الله عنه ـ وغيره .‏
الثاني : قالوا : نعم لايدخل في الفتنة ، ولكن إذا أراد أحد قتله دافع ‏عن نفسه وعن ماله ، وعن أهله ، وهو معذور إن قتل أو قتل ، وهذا مذهب ‏ابن عمر وعمران بن حصين ـ رضي الله عنهما ـ وغيرهما .‏
فهذان المذهبان متفقان على ترك الدخول في جميع فتن الإسلام ، بيد ‏أنهما مختلفان في الدفاع عن النفس كما تقدم ذكره أعلاه (‏ ‏) ‏
هذا وقد احتج بالأحاديث والأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول ‏، كل من لم يــرَ القتال في الفتنة من الصحابـة ـ رضي الله عنهم ـ وهم كل ‏من ترك القتــال مع علي ـ رضي الله عنه ـ في حروبه .‏
ولذلك لما وقع القتال بينه وبين معاوية ـ رضي الله عنه ـ اعتزل عدد ‏كبير من الصحابة ، وأبوا الدخول في قتال يقع بين المسلمين مع اعترافهم ‏ببيعة أمير المؤمنين علي بن ابي طالب ـ رضي الله عنه ـ وخلافته .‏
فاعتــزل عبــد الله بـن عمر (‏ ‏) ، وســعد بن أبي وقاص (‏ ‏) ، ‏ومحمد بن مســلمة (‏ ‏) ، وابو بكرة ـ نفيع بن الحارث (‏ ‏) ـ ، وأبو موسى ‏الأشعري (‏ ‏) ، وسلمة ابن الأكوع (‏ ‏) ، وأسامة بن زيد (‏ ‏) ، وأبو ‏مسعود الأنصاري (‏ ‏) ، وغيرهم من الصحابة ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ ‏‏.‏
وقد استدلوا واحتجوا على اعتزالهم للقتال وتركه بأحاديث الفتن ، ‏وتحريم دماء المسلمين ، والعزلة عند اختلاف المصلين واقتتالهم ، حتى ‏قال سعد بن أبي وقاص لمن دعاه إلى القتال ، وزعم أنه أحق بهذا الأمر من ‏غيره : لاأقاتل حتى تأتوني بسيف له عينان ، ولسان وشفتان يعرف الكافر ‏من المؤمن (‏ ‏) .‏
وقال أيضاً : مثلنا ومثلكم كمثل قوم كانوا على محجة بيضاء ، فبينما ‏هم كذلك يسيرون هاجت ريح عجاجة ، فضلوا الطريق والتبس عليهم ، ‏فقال بعضهم : الطريق ذات اليمين ، فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا ، وقال ‏آخرون : الطريق ذات الشمال ، فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا ، وقال آخرون : ‏كنا في الطريق حيث هاجت الريح فنُنِيخُ ، فأناخوا ، فأصبحوا فذهب الريح ‏، وتبين الطريق (‏ ‏) .* ‏
فهؤلاء هم الجماعــة ، قـــالوا : نلــزم مافارَقَنا عليه رســول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ حتى نلقاه ، ولا ندخل في شيء من الفتن (‏ ‏) .‏
ويقول آخر (‏ ‏) لمن طلب منه الخروج في قتال فتنة : إن أبي وعمي ‏شهدا بدراً ، وإنهما عهدا إليَّ ألاّ أُقاتل أحداً يقول : لاإله إلاّ الله ، فإن أنت ‏جئتني ببراءة من النار قاتلت معك ! ثم يقول :‏
ولستُ بقاتِلٍ رجلاً يُصلي على سُلطان آخر من ‏قريش
لـه سـلطانه وعلــيَّ إثمــي معاذَ اللهِ من جهـلٍ وطيشٍ
أأقتُلُ مسلماً في غير جرمٍ فليسَ بنافِعِي ماعشتُ ‏عيشي (‏ ‏) ‏
‏ ويقول الإمام الخطابي ـ رحمه الله ـ في موقف هؤلاء المعتزلين :‏
‏( قال ميمون : فصار الجماعة والفئة التي تدعى فيه الإسلام ، ماكان ‏عليه سعد بن أبي وقــاص وأصحابــه الذين اعتزلوا الفتن ، حتى أذهب الله ‏الفُرقَة وجمع الألفة ، فدخلوا الجماعــة ولزمـــوا الطاعـــة وانقــادوا ، فمـن ‏فعـل ذلك ولزِمَه نجـا ، ومن لم يلْزَمْهُ وقع في المهـــالك ) (‏ ‏) .‏
ولذلك تمنى عدد من الصحابة الذين خاضوا في الفتنة أن لو كانوا في ‏موقف هؤلاء المعتزلين .‏
ومن كبار قادة الفئتين الذين تمنوا ذلك : عمرو بن العاص ـ رضي ‏الله عنه ـ حيث قال لابنه عبد الله ـ وهو ممن اعتزل هذه الفتنة ـ يوم صــفين ‏‏: ( يابني ! انظر أين ترى علياً ؟ قال : أراه في تلك الكتيبة القَتْماء ذات ‏الرماح ، عليه عمامة بيضاء ، قال : لله درُّ ابن عُمَرَ وابن مالك (‏ ‏) ! لئن ‏كان تخلُّفهم عن هذا الأمر خيراً كان خيراً مبروراً ، ولئن كان ذنباً كان ‏ذنباً مغفوراً ) (‏ ‏) .‏
وكذلك علي بن ابي طالب ـ رضي الله عنه ـ كان يقول : ( لله درّ مقام ‏قامه سعد بــن مالك وعبد الله بن عمـر ، إن كان برّاً إن أجره لعظيم ، وإن ‏كان إثماً إن خطأه ليسير ) (‏ ‏) .‏
ولاشك أن ماحصل بين علي ومعاوية ـ رضي الله عنهما ـ لم يكن ‏يريده واحد منهما ، بــل كان في الجيشــين من أهل الأهواء متغلبون ‏يُحرِّضُون على القتال ، الأمر الذي أدى إلى نشوب تلك المعـارك الطاحنة ، ‏وخروج الأمر من يد علي ومعاوية ـ رضي الله عنهمـــا ـ .‏
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : ( وأكثر الذين كانوا ‏يختارون القتال مـن الطائفتين لم يكونوا يطيعون لاعلياً ولا معاوية ، وكان ‏علي ومعاوية ـ رضي الله عنهما ـ أطلب لكف الدماء من أكثر المقتتلين ، ‏لكن غُلبا فيما وقع ، والفتنة إذا ثارت عجز الحكماء عن إطفاء نارها ....) ‏‏(‏ ‏) .‏
ومذهب أهل السنة والحق : إحسان الظن بهم ، والإمساك عما شجر ‏بينهم ، وتأويل قتالهم ، وأن دافع الصحابة كلهم ـ رضي الله عنهم ـ هو ‏الاجتهاد ، فهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا ، بل ‏اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ ، فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر ‏الله. ولكن هذا لايمنع أن يكون بعضهم أولى بالحق ، وأقرب إليهم من بعض ‏، وأن يكون منهم فاضل ومفضول . فكان بعضهم مصيباً وبعضهم مخطئاً ‏معذوراً في الخطأ لأنه لاجتهاد ، والمجتهد إذا أخطأ لاإثم عليه ، وكان علي ‏ـ رضي الله عنه ـ هو المحق المصيب في تلك الحروب . هذا مذهب أهل ‏السنة ، وكانت القضايا مشتبهة ، حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا فيها ‏فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا ولم يتيقنوا الصواب ثم تأخروا عن مساعدته ‏منهم (‏ ‏) .‏
وقد يكون اعتزال المعتزلين لعدم تبين الأمر لهم ، وقتال المقاتلين ‏لقناعتهم بأن الحق في القتال ، ومما يدل على ذلك قول سعد بن أبي وقاص ـ ‏المتقدم قريباً (‏ ‏) ـ والذي شبه المتوقفين عن القتال فيه بمن هاجت عليهم ‏ريح عجاجة فضيعوا الطريق فوقفوا حيث يستبين لهم الأمر .‏
وقـال الحافــــظ ابــن حجــر ـ رحمه الله ـ عنــد شــرحـــه لحـديــث ‏أبــي بكـرة ـ رضي الله عنه ـ : (( ابنــي هــذا ســـــيّد ولعـــل الله أن يُصلح به ‏بين فئتين من المســلمين )) (‏ ‏) . ( واسـتدل به علـى تصويب رأي من قعد ‏عن القتال مع معاوية وعلي ، وإن كان علي أحق بالخلافة ، وأقرب إلى ‏الحق ، وهو قول سعد بن أبي وقاص وابن عمر ومحمد بن مسلمة وسائر ‏من اعتزل تلك الحروب ....) (‏ ‏) .‏
القول الثاني : وذهب جمهور الصحابة والتابعين وعامة علماء ‏الإسلام إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين ، وذلك بالمشاركة والخلطة ‏والخوض في فتن القتال لوجوب إظهار الحق ونصرته في الفتن ، وقتال ‏الباغين .‏
واستدلوا بقوله تعالى : { وَإِن طَـآئـِفَـتَان مِنَ الْمُـؤْمـِنـِينَ اقْــتَتَلُواْ ‏فَأَصْلِحُـواْ بَـيْـنَهـُـمَـا فَـإِن بَـغَـتْ إِحْـــدَهُــمَا عَــلَــى الأُخْــرَى ‏فَـقَـــتِـلُـوا الَّـتِى تَـبْـغِـى حَـتَّـى تَـفِىءَ إِلَــى أَمْــرِ اللهِ } الآية [ ‏الحجرات : 9 ] . ففي الآية الأمر بقتال الفئة الباغية ، وقد ثبت أن من قاتل ‏علياً كانوا بغاة .‏
وجمهور أهل السـنة يذهب إلى تصويب من قاتل مع علي ، لامتثال ‏قوله تعالى : { وَإِن طَـآئـِفَـتَان مِنَ الْمُـؤْمـِنـِينَ اقْــتَتــَلُواْ } إلى قوله { ‏فَـقَـــتِـلُـواْ الَّـتِى تَـبْـغِـى حَـتَّـى تَـفِىءَ إِلَــى أَمْــرِ اللهِ } [ الحجرات ‏‏: 9 ] . فقالوا : هذا أمر بقتال الفئة الباغية ، وهي كل من قاتل ضد علي .‏
هذا وقد أجاب الجمهور ـ أصحاب هذا القول ـ عن أدلة القول الأول ـ ‏القائل باعتزال فتن القتال ـ وأحاديثهم التي استدلوا بها على مذهبهم بما يلي ‏‏:‏
قالوا : تُحمل الأحاديث الواردة في ذلك وتُأوَّل على :‏
‏* من لم يظهر له المُحق ، فَقَصُر نظره عن معرفة صاحب الحق .‏
‏* أو تُحمل وتُأَوَّل على من ضَعُفَ عن القتال .‏
‏* أو على طائفتين ظالمتين لاتأويل لواحدة منهما (‏ ‏) .‏
وقالوا : إذا بغت طائفة على الإمام فامتنعت عن الواجب عليها ، ‏ونصبت الحرب وجـب قتالها ، وكذلك لو تحاربت طائفتان وجب على كل ‏قادر الأخذ على يد المخطىء ونصــر المصيب . هذا هو قول الجمهور ‏‏(‏ ‏) ، وهو مارجحه الطبري والنووي ـ رحمها الله ـ ، كما سيأتي نص ‏قولهما في ثنايا القول الراجح بعد أسطر قلائل إن شاء الله تعالى .‏
‏ القول الثالث : وفصل آخرون فقالوا :‏
كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لإمام للجماعة فالقتـال ‏حينئـذ ممنوع ، وتنزل الأحاديث التي في هذا الباب وغيره على ذلك ، وهو ‏قــول الأوزاعي (‏ ‏) ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) .‏
القول الراجح : ‏
أما عن القول الراجح فقد رجح الإمام الطبري ـ رحمه الله ـ القول ‏الثاني ، قول الجمهور القائل بالمشاركة وعدم العزلة في فتنة القتال ، ‏ووجوب نصر الحق وقتال الباغين . وكذلك الإمام النووي ـ رحمه الله ـ ‏فقد رجح قولهم أيضاً . وهذه هي أقوالهم وترجيحاتهم :‏
‏* قال الإمام الطبري ـ رحمه الله ـ : ( لو كان الواجب في كل ‏اختلاف يكون بين الفريقين الهربَ منه ولزومَ المنازل لما أُقيم حدٌّ ولا أُبطل ‏باطل ، ولوجَد أهل النفاق والفجور سبيلاً إلى استحلال كل ماحرم الله عليهم ‏من أموال المسلمين وسَبْي نسائهم وسفك دماءهم ، بأن يتحزّبوا عليهم ، ‏ويكفّ المسلمون أيديهم عنهم .... ) (‏ ‏) .‏
‏* وقال أيضاً : ( والصواب أن يُقال : إن الفتنة أصلها الابتلاء ، ‏وانكار المنكر واجب على كل من قدر عليه ، فمن أعان المحق أصاب ، ‏ومن أعان المخطئ أخطأ ، وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي ‏عن القتال فيها ... ) (‏ ‏) .‏
‏* وأما الإمام النووي : ـ رحمه الله ـ فقد صرح بترجيح وتصحيح ‏قول الجمهور الثاني وأجاب عن الأدلة والأحاديث التي استدل بها أصحاب ‏القول الأول : فقال ـ رحمه الله ـ : ( ..... وقال معظم الصحابة والتابعين ‏وعامة علماء الإسلام يجب نصر المحق في الفتن والقيــام معــه بمقاتلــة ‏الباغــين كمــا قــال تعــالى : { فَـقَــــتِـلُـواْ الَّـتِى تَـبْـغِـى } [ الحجرات ‏‏: 9 ] الآية ، وهذا هو الصحيح ، وتتأول الأحاديث على من لم يظهر له ‏المحق ، أو على طائفتين ظالمتين لاتأويل لواحدة منهما ، ولو كان كما قال ‏الأولون (‏ ‏) لظهر الفساد ، واستطال أهل البغي والمبطلون ، والله أعلم ) ‏‏(‏ ‏) .‏
هذه هي أقوالهم وترجيحاتهم .‏
رد مع اقتباس
  #61  
قديم 08-06-2004, 09:31 PM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

والـذي يظهــر ـ والله أعلم ـ بعد التأمـل والدراسة للنصوص ‏ولمواقف الصــحابة ـ رضي الله عنهم ـ مما حصل من فتن وحروب في ‏عصرهم أنه لابد من التفصيل في ذلك وعدم إطلاق الحكم بالمشاركة أو ‏الاعتزال مطلقاً دون تفصيل . فيقال :‏
إنه إذا اشتدت الحروب ، وتفاقمت المصائب وعظمت الخطوب ، ‏وبلغ الأمر من القتال والتطاحن وسفك الدماء مبلغه ، فإن معرفة الحق ‏والصواب في مثل هذه الظروف التي تقع فيها الفتن والمقاتلة ، وتظهر فيها ‏الأهواء صعب جداً . ولذلك فإن الأبرء والأقرب إلى السلامة هو البعد ‏والاعتزال عن الخوض والمشاركة في فتن الاقتتال ـ بين المؤمنين ـ كيلا ‏يصيب المسلم دماً حراماً ، ولا يؤذي مسلماً . ‏
وهذا هو صنيع أكثر أكابر الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فإنهم ‏اعتزلوا ماحصل في ( صفين ) (‏ ‏) من قتال بين علي ومعاوية ـ رضي ‏الله عنهما كما تقدم قريباً (‏ ‏) ـ فلم يقاتلوا لامن هذا الجانب ، ولامن هذا ‏الجانب ، وكانوا يقولون : إن هذا القتال ونحوه هو قتال فتنة ، كما نقله ‏شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) وذكر ـ رحمه الله ـ أن القتـــال ‏في ( صفين ) بين علـي ومعـــاوية ـ رضي الله عنهما ـ إنما هــو رأي ‏رآه علــي ـ رضي الله عنه ـ وكــان أحياناً يحمـــد مــن لم ير القتال (‏ ‏) ـ ‏كما تقدم مــن قوله ـ رضي الله عنه ـ قريباً (‏ ‏) ـ .‏
ثم قال ـ رحمه الله ـ : ( وقد ثبت في الصحيح عن النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ أنه قال في الحسن : (( إن ابني هذا سيد ، وسيصلح الله به بين فئتين ‏عظيمتين من المسلمين )) (‏ ‏) . فقد مدح الحسن وأثنى عليه باصلاح الله به ‏بين الطائفتين : أصحاب علي وأصحاب معاوية ، وهذا يبين أن ترك القتال ‏كان أحسن ، وأنه لم يكن القتال واجباً ولا مستحباً ) (‏ ‏) .‏
وقال أيضا ـ رحمه الله ـ في موضع آخر ـ بعد أن بين مذاهب الفقهاء ‏وأقوالهم في فتنة القتال ـ : ( ولعل أكثر الأكابر من الصحابة كانوا على هذا ‏الرأي (‏ ‏) . ولم يكن في العسكريين بعد علي أفضل من سعد بن أبي ‏وقاص ، وكان من القاعدين ) (‏ ‏) انتهى .‏
وهذا كله إذا لم يُعرف الحق والصواب في مثل هذه الظروف ‏العصيبة التي تقع فيها الفتن والاقتتال ، وتظهر فيها الأهواء ، لأن معرفته ‏آنذاك تصعب جداً . وأما إذا تبـيّن الحق ، وعُرف الصواب ، فإنــه حينئذٍ ‏يجب الخوض والمشاركة في ذلك ، لنصر الحق وقتال الباغين ، امتثالاً ‏لأمر الله تعــالى في قوله : { فَـقَــــــتِـلُـواْ الَّـتِى تَـبْـغِــى حَـتَّـى تَـفِىءَ ‏إِلَــى أَمْــرِ اللهِ } [ الحجرات : 9 ] ، وهــــذا مــارجَّحــــه الإمــام ‏الطــبري والنـووي ـ رحمهما الله كما تقدم من قولهما قريباً (‏ ‏) ـ .‏
والذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن هذا التفصيل في حكم الفتن والاقتتال ‏الذي يقع بين المسلمين هو الأرجح والأولى من إطلاق الحكم بالمشاركة أو ‏عدمها دون تفصيل . فلا يقال باعتزال تلك الفتن مطلقاً ، ولا يُقال بالخوض ‏والمشاركة فيها مطلقاً . بل متى غَمُضَ الحقُّ وصَعُبَ ، وتعَسَّر معرفة ‏الصواب ، فإنه يترجح آنذاك جانب القول باعتزالها .‏
ومتى عُرف الحق وتبين الصواب مع من فيها ، فإنه يجب حينئذٍ ‏الخوض والمشاركة فيها لنصر الحق وقتال الباغي .‏
وأما أن يُطلق الحكم بدون هذا التفصيل فلا . وهذا مايفيده ـ أيضاً ـ ‏كلام الإمام الطبري والنووي ـ رحمهما الله ـ بعد التأمل والتدبُّر في ‏كلامهما ، والله أعلم .‏
‏( وليس المقصود بكل حال الدخول في حكومة بين أصحاب محمد ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ و ـ رضي الله عنهم ـ ، وإنما المقصود بيان وجه ‏اعتزال من اعتزل منهم ، وعلاقته بقضية العزلة في الفتنة .‏
أما كيف تكون العزلة في الفتنة ؟
فقد تبين من الأحاديث التي سبقت أنها تكون على وجهين :‏
الأول : العزلة التامة ، في مكان بعيد عن الناس ، بحيث يشتغل ‏المعتزل بغنم يتبع بها شَعَفَ الجبال ومواقع القطر ، أو إبل يرعاها ، أو ‏أرض يزرعها ويصلحها ، أو غير ذلك مما يُحقق له العزلة الكلية التامة ‏عن الناس .‏
الثاني : العزلة الجزئية ، بحيث يعتزل الفتنة وأهلها ، ولايدخل فيها ‏أو يشترك في قتالها ، أو يشتمل على شيء منها ، وإن كان مقيماً بين ‏ظهراني الناس .‏
وقد تنوعت مواقف المعتزلين للفتنة من الصحابة وغيرهم ، فمنهم من ‏اعتزل اعتزالا كلياً كسعد بن أبي وقاص (‏ ‏) ، ومحمد بن مسلمة (‏ ‏) .‏
ومنهم من تجنب الفتنة والخوض فيها ، ولم يعتزل الناس كأسامة بن ‏زيد (‏ ‏) ، وعبد الله بن عمر (‏ ‏) ، وأبي مسعود الأنصاري (‏ ‏) ، وأبي ‏موسى الأشعري (‏ ‏) .‏
والذي يُحدِّد هذا النوع من العزلة أو ذاك أمران :‏
أولهما : الحاجة والمصلحة ، فقد لايستطيع المرء اعتزال الفتنة إلاّ ‏باعتزال الناس كلهم ، أو يخشى أن يُقحم فيها فيُنْطَلق به حتى يكون بين ‏الصَّفين ، وقد يرى أن العزلة الكلية أبلغ وأوقع في نفوس الناس ، بمعنى أن ‏تكون عزلته دعوة له إلى الكفّ عن القتال أو الاختلاف ، وطلب السلامة .‏
وثانيهما : القدرة والاستطاعة ، فقد لايستطيع المرء اعتزال الناس ‏لحاجته إليهم في أمور دينه أو في أمور دنياه ، ولذلك أمر النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض أن يعمد إلى سيفه فيدُقُّه ‏بحجر ، ثم يبحث عن النجاة مااستطاع (‏ ‏) ، وأمر السائل في الحديث ‏الآخر أن يدخل داره (‏ ‏) ) (‏ ‏) .‏
ويحسُن بنا في ختام هذا المبحث أن نُذيّله بما ورد من نصوص في ‏تعظيم أمر قتل المسلم بغير حق ، والتحذير منه ، لأنه في الفتن ـ لاسيما ‏فتنة القتال ـ تختلط المفاهيم ، وتضطرب الأمور وتتباين الأحوال ، ‏وتتصادم الأقوال ، وتصعب ـ آنذاك ـ معرفة الحق المبين ، من الباطل ‏المَشِيْنِ .‏
فيجب على المسلم في مثل هذه الفتن التريُّث والأناة ، وعدم التسرع ‏في الخوض فيها ، وقتل وسفك دماء المسلمين بغير حق .‏
فلذا ناسب هنا ذكر ماجاء في التحذير من ذلك من نصوص ، وفيما ‏يلي جملة منها :‏
‏1 = قــال الله تعـــالى : { وَمـَن يَقْـتُـلْ مُــؤْمِنــاً مُّـتَـعَـمـّــِــــدًا ‏فَـجَـزَآؤُهُ جَـهَـنَّــمَ خَــــــلِـدًا فِـيهَــــا وَغَـــضــِـبَ اللهُ عَلَـيْـــــهِ ‏وَلَـعَـنَــــهُ, وَأَعَــــدَّ لَـــهُ عَــــذَابـًا عَــظِيمـــــًا } [ النساء : 93 ] .‏
‏2 = وقال تعالى : { وَالَـذِيــنَ لاَيــــَــدْعُــونَ مَـعَ اللهِ إِلَــهـًا ‏ءَاخَــرَ وَلاَ يَـقْـتُـلُـونَ النَّـفْـسَ الَّـتِى حَـــَّرمَ اللهُ إِلاَّ بِالْـحَــــِقّ وَلاَ ‏يَـزْنُــونَ وَمَــن يَفْـعَــلْ ذَلِــكَ يَـلْـقَ أَثـــَـامًا * يُـضَــعَـفْ لَـهُ ‏الْـعَـذَابُ يَــوْمَ الْـقِـيَــامَــةِ وَيـــَــخْــلُـدْ فِـيـهِ مُــهَــانًا * إِلاَّ مَن تَابَ ‏وَءَامَـنَ وَعَـمِـلَ عَمَــلاً صَــلِــحًا فَـأُوْلَـــئِــكَ يُــبَــدِّلُ اللهُ ‏سَــيـّــِــئَــــاتَـهِـمْ حَسَــنَــــٍت وَكَانَ اللهُ غَـفُورًا رَحِــيـمًا } [ ‏الفرقان : 68 ـ 70 ] .‏
‏3 = وعن عبد الله بن بريـــدة عن أبيــه قال : قال رسول الله ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ : (( قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا )) (‏ ‏)‏
‏4 = وعن البراء بن عــازب ، أن رســول الله ـ صــلى الله عليه ‏وسلم ـ قـــال : (( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق )) (‏ ‏) .‏
‏5 = وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ : (( لن يزال المؤمن في فسحة من دينه مالم يصب دماً حراماً )) ‏‏(‏ ‏) .‏
‏6 = وعن عبــد الله بن مســعود ـ رضي الله عنه ـ قال : قــال ‏النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( أول مايقضى بين الناس في الدماء )) (‏ ‏) .‏
‏7 = وعن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ يقول : (( كــل ذنب عســى الله أن يغفره إلاّ من مات مشركاً ، أو مؤمن قتل ‏مؤمناً متعمـــداً )) (‏ ‏) .‏
‏8 = وعن عبادة بن الصــامت عــن رسول الله ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ قــال :‏
‏ (( من قتل مؤمناً فاعتبط (‏ ‏) بقتله لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً )) (‏ ‏) .‏
‏9 = وعــن أبــي الدرداء : أن رســول الله ـ صلى الله عليه وســلم ـ ‏قـــال :‏
‏ (( لايزال المؤمن مُعْنِقاً (‏ ‏) صالحــاً مـــالم يُصــب دماً حــراماً ، فإذا أصاب دمــاً ‏حــراماً بلَّحَ (‏ ‏) )) (‏ ‏) .‏
إلى غير ذلك من الجمّ الغفير من الأحاديث النبوية التي تدل على ‏تغليظ وتعظيم قتل المسلم بغير حق ، وما أورِدَ هنا من الآيات والأحاديث ‏فيه الكفاية إن شاء الله تعالى وذلك على سبيل التمثيل والبيان لا على سبيل ‏الحصر والاستقصاء (‏ ‏) . والله أعلم .‏
رد مع اقتباس
  #62  
قديم 08-06-2004, 09:32 PM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

المبحث الرابع
‏{ اعتزال وهجر أرض المعاصي والفتن }
‏= = = = = = = = = = = =‏
إن الفتنة إذا عمــت هلك الكل ، وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار ‏المنكر وعدم التغيـــير .‏
فلذا قال العلماء : ( وإذا لم تُغير وجب على المؤمنين المنكرين لها ‏بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها ، وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا ‏من الأمم ، كما في قصة السبــت حين هجروا العاصــين وقالــوا ‏لانُســاكِنَكُم ؛ وبهذا قال السلف ـ رضي الله عنهـــم ـ ) (‏ ‏) . ‏
وستأتي أقوالهم قريباً ـ ان شـــاء الله ـ بعد ذكر الأحاديث المتعلقة بهذا ‏المبحث والتي منهـــا :‏
حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ‏ـ قال : ‏
‏ (( يُهْـلِكُ أُمتي هذا الحــيُّ مـــن قريش )) قالوا : فما تَأْمُرُنا ؟ قال : (( لو أن ‏النـــاس اعتَزَلُوهُم )) (‏ ‏) . ‏
تقدم شرح هذا الحديث بالتفصيل بلفظ : (( هلكة أمتي على يَدَي غلمة من ‏قريش )) (‏ ‏) .‏
وذكر الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ مايؤخذ ويستفاد من هذا ‏الحديث فقال :‏
‏ ( ويؤخذ من هذا الحديث استحباب هجران البلدة التي يقع فيها ‏اظهار المعصية فإنها سبب وقوع الفتن التي ينشأ عنها عموم الهلاك ، قال ‏ابن وهب عن مالك : تهجر الأرض التي يُصنع فيها المنكر جهاراً ، وقد ‏صنع ذلك جماعة من السلف ) (‏ ‏) .‏
وعن أبي سعيد الخدري ؛ أن نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : ‏‏(( كان فِيْمَنْ كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نَفْساً . فسأل عن أعلم أهل الأرض ‏فَدُلَّ على راهبٍ فأتاه فقال : إِنَّهُ قتَلَ تسعةٍ وتسعينَ نفساً . فهل له من توبة ؟ فقال : لا ‏‏. فقتلهُ . فكمَّلَ به مائة . ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فَدُلَّ على رجل عالم . فقال : ‏إنه قتلَ مِائَةَ نفسٍ . فهل له من توبة ؟ فقال : نعم . ومن يحول بينه وبين التوبة ؟ ‏انْطَلِقْ إلى أرض كذا وكذا . فإن بها أُناساً يعبدون الله فاعْبُد الله معهم . ولا تَرْجعْ إلى ‏أرضك فإنها أرض سوءٍ . فانْطَلَق حتى إذا نَصَفَ (‏ ‏) الطريق أتاه الموت . ‏فاختصمتْ فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب . فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائباً ‏مُقْبِلاً بِقَلبه إلى الله . وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيراً قطُّ . فأتاهم ملَكٌ في ‏صورَةِ آدميٍّ . فجعلوه بينهم . فقال : قيسوا مابين الأرضين . فإلى أيتهما كان أدنى ، ‏فهو له . فقاسُوهُ فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد . فقَبَضَتْه ملائكة الرحمة )) .‏
‏ قال قتادة : فقال الحسن : ذُكِرَ لنا ؛ أنه لما أتاه الموت نأى (‏ ‏) ‏بصدره (‏ ‏) .‏
فدل هذا الحديث على اســـتحباب هجــر واعتزال الأراضي والديار ‏التي تظهر فيها المعاصي والفتن والمنكرات ، وذلك مأخوذ من أمر العالم ‏لذلك الرجل حيث قال له : ‏
‏(( انطلق إلى أرض كذا وكذا )) ونهيه عن العودة إلى أرضه وتعليله بأنها ‏أرض سوء :‏
‏(( ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء )) .‏
كما دل الحديث أيضاً على استحباب مفارقة التائب لأخدان وأصحاب ‏السوء المساعدين على ارتكاب المعاصي ، ومقاطعتهم واعتزالهم ماداموا ‏على حالهم السيئة ، واستبدالهم بأصحاب أهل الخير والصلاح والعلماء ، ‏وبذلك تتأكد توبته . وبهذا قال أهل العلم ، وفيما يلي عرض لأقوالهم : ‏
قال الإمام النــووي ـ رحمه الله ـ عند شــرحه لهذا الحديث : ( قال ‏العلماء : في هذا استحباب مفارقة التائب المواضع التي أصاب بها الذنوب ‏، والأخـــدان المســاعدين له على ذلك ، ومقاطعتهم ماداموا على حالهم ، ‏وأن يستبدل بهم صحبـة أهل الخير والصلاح والعلماء والمتعبدين الودعــين ‏، ومن يُقتدى بهــم ويُنتفع بصحبتهم ، وتتأكد بـــذلك توبـتــه ) (‏ ‏) .‏
وقد ذكر الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ نحو ذلك وهو في معرِض ‏ذكر فوائد هذا الحديث ، فقال : ( وفيه فضل التحول من الأرض التي ‏يصيب الإنسان فيها المعصية ، لما يغلُب بحكم العادة على مثل ذلك ، إما ‏لتذكرة لأفعاله الصادرة قبل ذلك والفتنة بها ، وإما لوجود من كان يعينه ‏على ذلك ويحضه عليه ، ولهذا قال له الأخير : (( ولاترجع إلى أرضك فإنها ‏أرض سوء )) ففيه إشارة إلى أن التائب ينبغي له مفارقة الأحوال التي ‏اعتادها في زمن المعصية والتحول منها كلها والاشتغال بغيرها ....) (‏ ‏) .‏
وأورد القـرطبي ـ رحمه الله ـ نحواً من ذلك ثم نقل أقوال العلماء في ‏ذلـك فقال : ( الفتنة إذا عمّت هلك الكل ، وذلك عند ظهور المعاصي ‏وانتشار المنكر وعدم التغيير ، وإذا لم تُغَيَّر وجب على المؤمنين المنكرين ‏لها بقلوبهم هجران تلك البلدة ، والهرب منها ، وهكذا كان الحكم فيمن قبلنا ‏من الأمم كما في قصــة السبت حـين هجروا العاصين وقالوا : لانساكنكم ؛ ‏وبهذا قال السلف ـ رضي الله عنهم ـ ) (‏ ‏) .‏
ثم ذكر مارواه ابن وهب عن مالك قال : ( تهجر الأرض التي يصنع ‏فيها المنكر جهاراً ، ولا يستقر فيها ) واحتج بصنيع أبي الدرداء في ‏خروجه من أرض معاوية حين أعلن الربا ، فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر ‏من وزنها (‏ ‏) .‏
وقال مالك : لاينبغي الإقامة في أرض يكون العمل فيها بغير حق ، ‏والسَّب للسلف ) .‏
قال أبو عمر (‏ ‏) : أما قول مالك هذا ، فمعناه إذا وجد بلداً يعمل فيه ‏الحق في الأغلب ، وقد قال عمر بن عبد العزيز : فلان بالمدينة ، وفلان ‏بمكة ، وفلان باليمن ، وفلان بالعراق ، وفلان بالشام ، ، امتلأت الأرض ‏والله جوراً وظلماً .‏
قال أبـو عمر : فأين الهرب إلا إلى السـكوت ولزوم البيت والرضى ‏بأقل قوت ؟
وقال منصور بن الفقيه فأحسن :‏
الخير أجمعُ في السكوتِ وفي مُلازمةِ البيوتِ
فإِذا استوى لكَ ذَا وَذا فَاقْنَع لهُ بِأَقلِّ قُوتٍ (‏ ‏) ‏
ثم نقل ـ رحمه الله ـ قول سفيان الثوري ، وهو غاية في النفاسة ‏فقال : وكان سفيان الثوري يقول : هذا زمان سوء ، لايؤمن فيه على ‏الخاملين ، فكيف بالمشهورين ؟ هذا زمان ينتقل فيه الرجل من قرية إلى ‏قرية يفر بدينه من الفتن .‏
ويحكى عنــه أنه قال : والله ماأدري أي البلاد أسكن ؟ فقيل له : ‏خراســان ، فقال : مذاهب مختلفة وآراء فاسدة ، فقيل : الشام ، فقال : يشار ‏إليكم بالأصابع ـ أراد الشهرة ـ فقيل له : فالعراق ، قال : بلد الجبابرة ، فقيل ‏له : فمكة . قال : مكة تذيب الكيس والبدن ) (‏ ‏) .‏
ولا ريب أن النجاة من المعاصي والفتن ، والسلامة من الشرور ‏والمحن ، يكون بالإقبال على عبادة الله تعالى ، والاعتزال عن المخالفين ‏لأمر الله . وذلك بهجرهم وهجر ديارهم ، وقد تقدم قولــه ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ : (( العبـــادة فــي الهــرج ، كهجــرة إلـــي )) (‏ ‏) .‏
وتقدم (‏ ‏) أن : ( وجه تمثيله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالهجرة : أن ‏الزمان الأول كان الناس يفرون فيه من دار الكفر وأهله إلى دار الإيمان ‏وأهله . فإذا وقعت الفتن تعيّن على المرء أن يفـر بدينه من الفتنة إلى ‏العبادة ، ويهجر أولئك القوم وتلك الحالة ، وهو أحد أقسام الهجرة .... ) ‏‏(‏ ‏) .‏
والحاصل : أنه من خلال ماسبق يتبين لنا استحباب اعتزال وهجر ‏الديار التي تظهر فيها المعاصي والفتن واستبدالها بديار الإيمان والصلاح . ‏ديار المؤمنين الصالحين المتقين ، والعلماء المصلحين الربانيين ، والله ‏أعلم .‏
رد مع اقتباس
  #63  
قديم 08-06-2004, 09:34 PM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

المبحث الخامس
‏{ فضل الشام إبّان الفتن }‏
‏= = = = = = = =‏
تقدم في المبحث السابق اعتزال وهجر أرض المعاصي والفتن ، ‏فناسب أن يُردف بهذا المبحث عن فضل الشام إبّان الفتن والنوائب ، وعند ‏حدوث الكوارث والمصائب .‏
وقد ورد فيه من الآيات والأحاديث مايدل على فضله في كل حين ، ‏وعلى مر الأيام والسنين . بل ورد مايحض ويرغب فيه أكثــر وأكثــر إبان ‏الفتن الرهيبة ، والمحن العصــيبة .‏
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عن فضله : ( ثبت للشام ‏وأهله مناقب بالكتاب والسنة وآثار العلماء ، وهي أحـــد مااعتمدتـــه في ‏تحضيضي للمسلمين على غزو التتار ، وأمري لهم بلزوم دمشق ، ونهيي ‏لهم عن الفرار إلى مصر ، واســتدعائي للعسكر المصري إلى الشــام ، ‏وتثبيت العســكر الشامــي فيه ، وقــد جرت في ذلك فصــول متعــددة ) ‏‏(‏ ‏) .‏
ثم أخذ ـ رحمه الله ـ يعدد مناقبه ، فمما ذكره :‏
‏1 = البركة فيه : ثبت ذلك بخمس آيات من كتاب الله تعالى :‏
‏1 - قوله تعالى في قصة موسى : { قَالُــواْ أُوذِ يـــنَـا مِـن ‏قَـبْـلِ أَن تَـأْتِـيَـنَـا وَمِـن بَـعْـدِ مَـا جِـئْـتَـنـَا قَـالَ عَسَـى رَبـــُّـكُمْ أَن ‏يُــهْـلِـكَ عَـدُوَّكُمْ وَيـَسْـتَـخْـلِفَـكُمْ فِـى الأَرْضِ فَـيَـنظُرَ كَـيْـفَ ‏تَـعْـمَـلُـونَ * وَلَـقَـدْ أَخَـذْنــَآ ءَالَ فِـرْعَـوْنَ بِـالسـّــِـنِـيـنَ وَنَــقْــصٍ ‏مـّــِــنَ الـثَّــمَــرتِ لَــعَــلَّــهُمْ يَــذَّكِـرُونَ * فَــإِذَا جَــاءَتْــهُمُ ‏الْحَــسَــنَـةُ .. } [ الأعراف : 129 - 131 ] .‏
‏* نجاة موسى وغرق فرعون : { قَـالُـواْ لَنَـا هَـــذِهِ وَإِن ‏تُصِـبْـهُـمْ سَــيــّـِـــئَـةٌ يَـطَّـيَّـرُواْ بِـمُـوسَــى وَمَــن مَّـعَـهُ أَلآ إِنَّــمَـا ‏طَــئِـرُهُــمْ عِـنـدَ اللهِ وَلَــكِـنَّ أَكْـثَـرَهُـمْ لاَيَعْـلَـمُـونَ * وَقَـالُـواْ ‏مَـهْـمَـا تـأْتِـنَـا بِـهِ مِـنْ ءَايَــــٍة لّــِتَسْــحَرَنَـا بِـهَـا فَـمَـا نَـحْـنُ لَـكَ ‏بِـمُـؤمِـنِـيـنَ * فَـأَرْسَــلْنَـا عَـلَـيْـهِـمُ الطُّـوفَـانَ وَالْجَــرَادَ وَالْـقُـمَّـلَ ‏وَالضَّـفَـادِعَ وَالـــــَّدمَ ءَايَـــــٍت مُّـفَـصَّـلَــــٍت فَـاسْــتَكْـبَـرُواْ وَكَانُــواْ ‏قَـوْمــًا مُّـجْـرِمِــيـنَ * وَلَــمَّـا وَقَــعَ عَـلَـيْـهِـمُ الرِّجْــزُ قَـالُـواْ ‏يَـــمُـوسَــى ادْعُ لَـنَـا رَبـــَّـكَ بِـمَـا عَــهِــدَ عِــنــدَكَ لَـئِـن كِـشَـفْـتَ ‏عَـنَّـا الرِّجْــزَ لَـنُـؤْمِـنَـنَّ لَـكَ وَلَـنُـرْسِـلَـنَّ مَـعَـكَ بَـنِـي إِسْــرَءِيـلَ * ‏فَـلَـمَّـا كَشَــفْـنَـا عَـنْــهُـمُ الرِّجْــزَ إِلَــى أَجَــلٍ هُــمْ بَــلِــغُــوهُ إِذَا ‏هُــمْ يَـنـكُـثُـونَ * فَـانـتَـقَـمْـنَـا مِـنْـهُـمْ فَـأَغْـرَقْـنَــــهُـمْ فِـي الْـيَـــــِمّ ‏بِـأَنَّـهُــمْ كَـذَّبُــواْ بِـــاَيَـــتِـنَـا وَكَـانُـواْ عَـنْـهَـا غَـــفِـلِـيـنَ * ‏وَأَوْرَثْـنَـا الْـقَـوْمَ الَّـذِيـنَ كَانُـواُ يُسْــتَـضْـعَـفُـونَ مَشَـــرِقَ الأَرْضِ ‏وَمَـغَــــرِ بــَـهَــا الَّـتِى بَـــرَكْـنَـا فِـيـهَـا وَتَـمَّـتْ كَلِـمَـتُ رَبـِّـكَ ‏الْـحُـسْـنَـى عَـلَـى بَـنِى إسْــرَءِيــلَ بِـمَـا صَـبَـرُواْ ... } [ الأعراف : ‏‏131 ـ 137 ] .‏
ومعلوم أن بني إسرائيل إنما أورثوا مشارق أرض الشام ومغاربها ‏بعد أن أغرق فرعون في اليمِّ (‏ ‏) .‏
وقال الحسن البصري ـ رحمه الله ـ في قوله تعالى : { مَشَـــرِقَ ‏الأَرْضِ وَمَـغَــــرِبَــــهَــا الَّـتِى بَـــرَكْـنَـا فِـيـهَـا } [ الأعراف : 137 ] : ‏هي مشارق الشام ومغــاربهــا (‏ ‏) . ‏
وقــال قتـــادة في قوله تعالى : { وَلَـقَــــدْ بَــــوَّ أْنــــــَا بَـنِـى ‏إِسْــرَءِيــلَ مُـــبَــوَّأَ صِـدْقٍ } [ يونس : 93 ] .: بوَّأهم الشام وبيت ‏المقدس (‏ ‏) .‏
‏* الإســراء : ‏
‏2 = وقوله تعالى : { سُـبْـحَـنَ الَّـذِى أَسْــرَى بِـعَـبْـدِهِ لَـيْـلاً مِـنَ ‏الْـمَسْــجِـدِ الْـحَــــَرامِ إِلَى الْـمَسْــجِـدِ الأَقْـصَـا الَّـذِى بَــــرَكْــنَا ‏حَــــْولــَـهُ لِـنُـرِ يــَـهُ مِـنْ ءَايَـــتِـنَـآ إِنَّـهُ هُـوَ السَّــمِـيعُ الْـبَـصِـيرُ } [ ‏الإسراء : 1 ] . وصوله أرض الشام .‏
‏* نجاة إبراهيم ولوط :‏
‏3 = وقوله تعالى في قصة إبراهيم : { وَأَرَادُواْ بِـهِ كَـيْـدًا ‏فَـجَـعَـلْـنَــــهُمُ الأَخْسَــرِيـــنَ * وَنَــــجَّـيْـنَــــهُ وَلُـوطًا إِلَــــى الأَرْضِ ‏الَّـتِـى بَـــــرَكْــنَـا فِـيـهَـا لِـلْـعَـــــلَـمِـينَ } [ الأنبياء : 70 ـ 71 ] . ‏ومعلوم أن إبراهيم إنما نجاه الله ولوطاً إلى أرض الشام من أرض الجزيرة ‏والعراق .‏
‏* مملكـة سـليمان :‏
‏4 = وقوله تعالى : { وَلِسُــلَـيْـمَـــنَ الـــّـِر يــــحَ عَاصِـفَةً تَـجْـرِى ‏بِـأَمْـرِهِ إِلَـى الأَرْضِ الَّتِـى بَــــرَكْـنَـا فِـيـهَـا وَكُـنَّا بِكَــِلّ شَـئٍ ‏عَــلِـمِـيـنَ } [ الأنبياء : 81 ] وإنما كانت تجري إلى أرض الشام التي فيها ‏مملكة سليمان . ‏
‏* مسيرة ملكة سبأ للشام :‏
‏5 = وقوله تعالى في قصة سبأ : { وَجَـعَـلْـنَـا بَـيْـنَـهُـمْ وَبـــَـيْـنَ ‏الْـقُـرَى الَّـتِـى بَــــــرَكْــنَـا فِـيـهَا قُـرًى ظَـــــهِـرَةً وَقَـدَّرْنَـا فِـيـهَا ‏السَّيْرَ سِــيرُواْ فِيـهَـا لَـيَـالِـىَ وَأَيــــَّـامًا ءَامِـنِـيـنَ } [ سبأ : 18] ‏وهو ماكان بين اليمن مساكن سبأ ، وبين قرى الشام من العمارة القديمة كما ‏ذكره العلماء (‏ ‏) .‏
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ معلقاً على ماتقدم من ‏الآيات والكلام عليها : ( فهذه خمسة نصوص حيث ذكر الله أرض الشام ، ‏في :‏
ـ هجرة إبراهيم إليها .‏
ـ ومسرى الرسول إليها .‏
ـ وانتقال بني إسرائيل إليها .‏
ـ ومملكة سليمان بها .‏
ـ ومسير سبأ إليها .‏
وصفها بأنها الأرض التي باركنا فيها .... ) (‏ ‏) .‏

‏ ‏
رد مع اقتباس
  #64  
قديم 08-06-2004, 09:37 PM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

ومن مناقب وفضائل الشام أيضاً :‏
‏2 = أن فيهـــا الطــــور الذي كلَّم الله عليه موســى ـ كما في قولــه ‏تعالى :‏
‏{ وَنـــَــدَيـــْـنَـــهُ مِـن جَـانِـبِ الطُّـورِ الأَيْمَنِ وَقَـرَّ بـــْــنَــــهُ نَـجِـيًّا } ‏‏[ مريم : 52 ] ـ والذي أقسم الله به في ســـورة الطـور : [ الطور : 1 ] وفي ‏‏: { وَالتِّـيـنِ وَالــــَّزيـــْتُـونِ * وَطُــورِ سِـيـــنِـيـنَ } [ التين : 1 ـ 2 ] ‏‏.‏
‏3 = وفيها المسجد الأقصى ، وإليها معراج ومسرى نبينا محمد ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ كما تقدم قريباً في هذا المبحث النص القرآني في ذلك ‏ـ .‏
‏4 = وفيها مبعث أنبياء بني إسرائيل . وقد تقدم النص القرآني ‏في ذلك والكلام عليه قريباً في هذا المبحث .‏
‏5 = وإليهـــا هجـــرة إبراهيــــم ، وقد جاء مايُرغِّب في سكناها ‏والهجرة إليها ، ففـــي حديـــث عبـــد الله ابن عمــرو قال : سمعت رسـول ‏الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( ستكون هجرةٌ بعد هجرةٍ ، فخِيــار أهل ‏الأرض ألزَمُهُم مُهَاجرَ إبراهيــم ....)) الحديث (‏ ‏) .‏
قال الخطابي ـ رحمه الله ـ عند شرحه لهذا الحديث : ( قوله : (( ‏ستكون هجرة بعد هجرة )) معنى الهجرة الثانية : الهجرة إلى الشام ، يُرغب ‏في المقام بها ، وهي مهاجر إبراهيم صلوات الله عليه ) (‏ ‏) .‏
وذكر نحوه ابن الأثير ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) .‏
هذا وقد أورد هذا الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وهو ‏يتكلم عن مناقب الشام وأهله ، ثم أردفه بقوله : ( فقد أخبر أن خيار أهل ‏الأرض من ألزمهم مهاجر إبراهيم ، بخلاف من يأتي إليه ثم يذهب عنه ، ‏ومهاجر إبراهيم هي الشام .‏
وفي هذا الحديث بشرى لأصحابنا الذين هاجروا من حرّان (‏ ‏) ‏وغيرها إلى مهاجر إبراهيم ، واتبعوا ملة إبراهيم ، ودين نبيهم محمد ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ (‏ ‏) وبيان أن هذه الهجرة التي لهم بعد هجرة ‏أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة ، لأن الهجرة إلى ‏حيث يكون الرسـول وآثاره ، وقد جعل مهاجَـر إبراهيم تعدل مهَاجَر نبينا ـ ‏صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فإن الهجرة إلى مهاجَره انقطعت بفتح مكة ‏‏(‏ ‏) ) (‏ ‏) .‏
‏6 = ومن مناقب وفضائل الشام ـ أيضاً ـ أن عمود الكتاب ‏والإسلام بها . وبهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية (‏ ‏) واستدل له ‏بما يأتي :‏
ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ ‏قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إني رأيت عمود الكتاب انتزع ‏من تحت وسادتي ، فأتبعه بصري ، فإذا هو نور ساطع عُمد به إلى الشام ، ألا وإن ‏الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام )) (‏ ‏) .‏
‏7 = ومن فضائلها ومناقبها أن الأمن والإيمان حين تقع ‏الفتن في آخر الزمان يكون بالشام ، كما تقدم في حديث عبد الله بن عمرو ‏بن العاص ـ السابق ـ والذي جاء في آخره : (( .......ألا وإن الإيمان إذا وقعت ‏الفتن بالشام )) (‏ ‏) .‏
وفي رواية : (( فإذا وقعت الفتن فالأمن بالشام )) (‏ ‏) .‏
‏* وقد ذكر هذا الحديث الحافظ ابن عساكر ـ رحمه الله ـ وترجم ‏وبوب له بقوله : ( باب بيان أن الإيمان يكون بالشام عند وقوع الفتن وكون ‏الملاحم العظام ) (‏ ‏).‏
‏* وكذلك أورده الهيثمي في موضعين وتحت ترجمتين وبابين ، ‏وقال في الموضع الأول : ( بـاب الإقامــة بالشــام زمن الفـتن ) (‏ ‏) . ثم ‏ذكره ، وقال في الموضع الثاني : ( باب ماجاء في فضل الشام ) (‏ ‏) ، ‏ثم ذكره .‏
‏* وأما المنــذري ـ رحمه الله ـ فقال : ( الترغيب في ســكنى الشام ‏وماجاء في فضلها ) (‏ ‏) . ثم ذكره مع أحاديث أخرى مما تقدم ومما ‏سيأتي في ثنايا هذا المبحث ـ إن شاء الله تعالى ـ .‏
والحاصل : أن كل من ذكر هذا الحديث من العلماء مسنداً أو غير ‏مسند فإنما يذكره تحت باب الترغيب والحث على سكنى الشام وما جاء في ‏فضله وأهله .‏
وهو وغيره من الأحاديث ـ مما تقدم ومما سيأتي ـ يفيد أن الشام إبان ‏الفتن يكون آمناً منها ، وأهل الإسلام به أسلمُ (‏ ‏) .‏
ولعل هذه الفتن في قوله : (( ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام )) هي ‏التي تكون عند خروج الدجال . والله ورسوله أعلم (‏ ‏) .‏
‏8 = ومن مناقب وفضائل الشام أنها عقر دار المؤمنين ، كما جاء ‏في حديث سلمة بن نفيل أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ـ في آخره ـ : ‏‏(( .... ألا إن عُقر دار المؤمنين بالشام ....)) (‏ ‏) .‏
‏ وهذا ماذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) .‏
قال ابن الأثير ـ رحمه الله ـ معلقاً على قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ‏‏(( عُقْرُ دار الإســلام بالشام )) (‏ ‏) . ( أي : أصله وموضعه ، كأنه أشار به ‏إلى وقت الفتن ، أي : يكون الشام يومئذٍ آمناً منها ، وأهل الإسلام به أسلم ) ‏‏(‏ ‏) .‏
‏9 = ومن مناقبهـا ـ أيضاً ـ أن بها الطائفة المنصورة إلى ‏قيام الساعة ، التي ثبت فيها الحديث كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ ‏رحمه الله ـ مســتدلاً بحديث : (( لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق . ‏لايضرهم من خَذَلهُم . حتى يأتيَ أمر الله وهم كذلك )) (‏ ‏) .‏
وفي رواية لمعاوية بن أبي سفيان بنحوه ، بزيادة في آخرها : ( قال ‏معاذ : وهم بالشام ) (‏ ‏) . وفي لفظ لمعاذ بن جبل أيضاً : (( وهم أهل الشام ‏‏)) (‏ ‏) . ولأبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ لفظ مثله (‏ ‏) .‏
وقول معــاذ ـ رضي الله عنه ـ : (( وهم بالشام )) موقوف عليه (‏ ‏) ‏، وأما قول أبي هريرة : (( وهم بالشام )) فقد رفعــه إلى النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ ، وقد جاء مرفوعاً ـ أيضاً ـ عن أبي أمامة وغيره (‏ ‏). ‏وســيأتي ـ قريباً بعد أســطر إن شاء الله ـ هذا الحديث مع شــرح شيخ ‏الإسلام له (‏ ‏) .‏
ومما يشــهد لها ـ أي روايــة (( وهم بالشــام )) وما في معناهــا ـ ‏الروايـة التي ذكرها شيخ الإســـلام كشاهد ، حيث قال : ( وفي تاريخ ‏البخاري مرفوعاً قال : " وهم بدمشق " ) (‏ ‏) . ومما يشهــد لذلك كله ‏حديث سعد بن أبي وقاص قال : قال رســول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ‏‏(( لايزال أهل الغــرب ظاهريــن علــى الحقِّ حتى تقــوم الساعـــة )) (‏ ‏) .‏
وقد ذكر هذا الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية مستدلاً به على أن ‏الطائفة المنصورة هي بالشام إلى قيام الساعة ، ونقل عقبه عن الإمام أحمد ‏ـ رحمه الله ـ أن أهل الغرب هم أهل الشام ، وأيده على ذلك من وجهين ، ‏وهذا نص قوله : ( وقال الإمام أحمد : أهل المغرب هم أهل الشام .‏
‏ وهو كما قال لوجهين :‏
أحدهما : أن في سائر الحديث بيان أنهم أهل الشام .‏
الثـــاني : أن لغة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأهل مدينته في ( ‏أهل الغرب ) هم أهل الشام ، ومن يغرب عنهم ، كما أن لغتهم في ( أهل ‏المشرق ) هم أهل نجد والعراق ....) ثم أخذ يُعلق على الحديث قائلاً : ( ‏فأخبر : أن أهل الغرب لايزالون ظاهرين ، وأما أهل الشرق ، فقد يظهرون ‏تارة ، ويغلبون أخرى ، وهكذا هو الواقع ، فإن الجيش الشامي مازال ‏منصوراً .‏
وكان أهل المدينة يُسمون الأوزاعي : إمام أهل المغرب (‏ ‏) . ‏ويسمون الثوري شرقياً (‏ ‏) ، ومن أهل المشرق ) (‏ ‏) انتهى .‏
هذا وقد تبقى ـ في هذه الجزئية من فضائل الشام ـ السؤال عن المراد ‏بالطائفة المنصورة المذكورة في الحديث ؟ ‏
‏ وللجواب على ذلك يقال باختصار : ‏
‏ إن العلماء اختلفوا في تحديد المراد من تلك الطائفة المنصورة ‏المذكورة في الحديث على أقوال متقاربة في المعنى .‏
قال علي بن المديني : ( هم أصحــاب الحديث ) ، وفي رواية : ( هم ‏أهل الحديــث ) (‏ ‏) .‏
وقال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ حينما سئل عن معنى هذا الحديث : ( ‏إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم ) (‏ ‏) ‏‏.‏
وعلق القاضي عياض على قول الإمام أحمد هذا فقال : ( إنما أراد ‏أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث ) (‏ ‏) .‏
وقال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ ( بـاب قـول النبي ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ : ‏
‏(( لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق )) : وهم أهل العلم ) (‏ ‏) .‏
هذا وقد نقل الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ كلاماً نفيساً في بيان ‏المراد من تلك الطائفة عن الإمام النووي ـ رحمه الله ـ وزاد عليه ، فقال : ‏‏( قال النووي فيه أن الاجماع حجة ، ثم قال : يجوز أن تكون الطائفة ‏‏(‏ ‏) جماعة متعددة من أنواع المؤمنين . مابين شجاع وبصير بالحرب ، ‏وفقيه ومحدث ومفسر ، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وزاهد ‏وعابد . ولايلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد ، بل يجوز اجتماعهم في ‏قطر واحد وافتراقهم في أقطار الأرض ، ويجوز أن يجتمعوا في البلد ‏الواحد ، وأن يكونوا في بعـض منــه دون بعض ، ويـجوز إخلاء الأرض ‏كلها من بعضهم أولا فأولاً إلى ألاّ يبقى إلا فرقة واحدة ، ببلد واحد ، فإذا ‏انقرضوا جاء أمر الله . انتهى ملخصا مع زيادة فيه ) (‏ ‏) انتهى كلام ابن ‏حجر ـ رحمه الله ـ .‏
‏10 = ومن مناقب وفضائل الشام أيضاً أنها خيرة الله في ‏الأرض ، وأن أهلها خيرة الله وخيرة أهل الأرض (‏ ‏) . كــمــا في ‏حديـث عبد الله بن حوالة الأزدي قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ‏ـ : (( سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنوداً مجندة ، جند بالشام ، وجند باليمن ، وجند ‏بالعراق )) قال ابن حواله : خِرْ لي يارسول الله إن أدركت ذلك ، فقال : (( ‏عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه ، يجتبي إليها خيرته من عباده ، فأما إن أبيتم ‏فعليكم بيمنكم ، واسقوا من غُدُرِكم ، فــإن اللــه توكّــل لي بالشام وأهلــه )) (‏ ‏) ‏ومن تكَـفَّـلَ الله به فلا ضيعة عليه (‏ ‏) .‏
قـال شــيخ الاســـلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : ( ففي هذا الحديث ‏مناقب المهاجرة ) (‏ ‏) . فأخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا ‏الحديث ـ إلى أنه سيؤول الأمر بالمسلمين إلى أن يكونوا جنوداً مُجَنَّدة أي : ‏مختلفة ، وقيل مجتمعة (‏ ‏) ، أي : مجموعـة . وهو مارجحه وذكره ابن ‏الأثير ـ رحمه الله ـ (‏ ‏) والمراد : ستصيرون فرقاً ثلاثة (‏ ‏) ، فرقة ‏بالشام ، وثانية باليمن ، وثالثة بالعراق ، فلما سمع ذلك عبد الله بن حوالة ـ ‏رضي الله عنه ـ قال للرسـول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : خر لي يارسول الله ‏‏! أي : اختر لي الأصلح (‏ ‏) وخير تلك الأماكن (‏ ‏) واجعل لي من ‏أمري خيراً ، وألهمني فعله (‏ ‏).‏
فأوصــاه النــبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالشــام ، وعلل له سبب ‏اختيارها له بأنها (( خِيَرَةُ الله من أرضه )) أي : مختـارتـه ، وأنه (( يجتبي ‏‏)) أي : يختار ويصطفي ، (( إليها خِيــَرتِهِ من عباده )) أي : المختارين منهم ‏‏. ثم قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد أن اختار له الشام وأشار عليه بها : (( ‏فأما إن أبيتم فعليكم بيمنكم )) أي : إن امتنعتــم من التــزام الشــــام واختيارهــا ‏‏(( فعليكم بيمنكم )) أي : فالزمـوا اليمـن ، (( واسقوا من غُدُرِكُم )) أي : اسقوا ‏من حياض الماء . فالغُدُرُ : ـ بضم الغين المعجمة وضم الدال المهملة ـ : ‏جمع غدير ، وهي القطعة من الماء يغادرها السيل ....‏
ثم قال ـ صلى الله عليه وسلم في عجز الحديث ـ مؤكداً ومكرراً ‏اختياره للشام وبيان فضله وأهله : (( فإن الله توكل لي بالشام وأهله )) أي : ‏تكفل لي بالشام بأن لايخربه بالفتنة ، وتكفل لي كذلك بأهل الشام بأن ‏لاتصيبه الفتنة ولا يهلك الله بالفتنة من أقــام بهــا (‏ ‏) . ‏
ومما يدل ـ أيضاً ـ على أن الشام خيرة الله في الأرض ، وأن أهلها ‏خيرة الله ، وخيرة أهل الأرض : ماتقدم ـ قريباً ـ (‏ ‏) من حديث عبد الله ‏بن عمرو عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( ستكون هجرة بعد هجرة ، ‏فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ....)) الحديث (‏ ‏) .‏
وقد تقــدم شـــرحه من كلام الخطابــي وابن الأثير وشـــيخ الإسلام ‏ابن تيميــة ـ رحمهم الله جميعاً ـ (‏ ‏) وخلاصته : أنه ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ أخبر أن خيار أهل الأرض من ألزمهم مهاجر ابراهيم . ومهاجر ‏ابراهيم ـ عليه السلام ـ : هو الشام . فأراد بالهجرة الثانية في قوله : (( .... ‏هجرة بعد هجرة )) الهجرة إلى الشام ، يُرغب في المقــام بها .‏
رد مع اقتباس
  #65  
قديم 08-06-2004, 09:38 PM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

‏11 = ومن فضائلها ومناقبها : أن الله تكفل بالشام وأهله ‏‏(‏ ‏) . كما تقدم ـ قريبا ـ من حديث عبد الله بن حواله ـ رضي الله عنه ـ ‏مع شرحه (‏ ‏) .‏
‏12 = ومن ذلك : أنها أرض المحشر ، وأن الناس يحشرون ‏إليها في آخر الزمان (‏ ‏) فإليها المحشر والمعاد (‏ ‏) .‏
ومما يدل على ذلك حديث أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ قال : قال ‏رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( الشام أرض المحشر والمنشر )) (‏ ‏) .‏
وحديث حكيم بن معاوية البهزي عن أبيه ـ فذكره ـ وفيه قوله ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ : (( ههنا تحشرون ، ههنا تحشرون ، ههنا تحشرون ، ثلاثاً ركباناً ‏ومشاة وعلى وجوهكم )) . قال ابن أبي بكير (‏ ‏) : فأشار بيده إلى الشام ‏فقال : (( إلى ههنا تحشرون )) (‏ ‏) وفي رواية عن بَهْز بن حكيم عن أبيه ‏عن جده قال : قلت يارسول الله أيــن تأمرني ؟ قال : (( هاهنـــا )) . ونحا ‏بيده نحو الشــام (‏ ‏) . أي : أشار بيده إلى جهة الشــام (‏ ‏) .‏
قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يُعدِّدُ مناقب الشام : ( وإليها المحشر ‏والمعاد . كما أن مكة المبدأ ، فمكة أم القرى من تحتها دحيت الأرض .‏
والشام إليها يحشر الناس كما في قوله : { لأَوَّلِ الْحَشْــرِ } [ الحشر ‏‏: 2 ] (‏ ‏). نبَّه على الحشر الثاني ، فمكة مبدأ ، وإيلياء (‏ ‏) معاد في ‏الخلق ، وكذلك بدأ الأمر . فإنه أسري بالرسول من مكة إلى إيلياء ، ومبعثه ‏ومخرج دينه من مكة ، وكمال دينه وظهوره وتمامه حتى يملكه المهدي ‏بالشام .‏
فمكة هي الأول ، والشام هي الآخر في الخلق والأمر ، في الكلمات ‏الكونية والدينية ) (‏ ‏) انتهى .‏
ومما يجدر التنبيه عليه أن هذا الحشر المذكور في الأحاديث يكون ‏في الدنيا ، وليس المراد به حشر الناس بعد البعث من القبور ، وهذا ماعليه ‏جمهور العلماء (‏ ‏) .‏
والسبب في كون أرض الشام هي ارض المحشر : أن الأمن والإيمان ‏حين تقع الفتن في آخر الزمان يكون بها (‏ ‏) ، كما تقدم قريباً (‏ ‏) .‏
‏13 = ومن فضائل الشام ومناقبها ـ أيضاً ـ أن نزول عيسى ‏في آخر الزمان يكون بها وبه يكون اجتماع المؤمنين لقتال الدَّجال .‏
فإنه بعد خروج الدجال وإفساده في الأرض يبعث الله عيسى ـ عليه ‏الســـلام ـ فينزل إلى الأرض ، ويكون نزوله عند المنارة البيضاء شرقي ‏دمشق ـ الشام ـ ، وعليه مَهْرُوْدَتَان (‏ ‏) ، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين ‏، إذا طأطأ رأسه قَطَرَ ، وإذا رفعه تحدَّرَ منه جُمَانٌ (‏ ‏) كاللؤلؤ .....‏
هذا هو الأشهر في موضع نزوله ـ عليه السلام ـ كما قال ابن كثير ـ ‏رحمه الله ـ بأنه على المنارة البيضاء الشرقية لدمشق .... (‏ ‏) .‏
ويكون نزوله على الطائفة المنصورة التي تقاتل على الحق ـ المتقدم ‏ذكرها (‏ ‏) ـ وتكون مجتمعة لقتال الدجال ، فينزل ـ عليه السلام ـ وقت ‏إقامة الصلاة ليصلي خلف أمير تلك الطائفة ، فيقول له أميرهم ـ إمام ‏المسـلمين ـ : ياروح الله : تقدم ، فيقول عليه السلام : تقدم أنت فإنها أقيمت ‏لك . وفي رواية : (( إن بعضكم على بعض أمراء تَكْرِمَةَ الله هذه الأمة (‏ ‏) )) ‏‏(‏ ‏) .‏
ومما يدل على نزول عيسى ـ عليه السلام ـ عند المنارة البيضاء ‏شرقي دمشق بالشام في آخــر الزمـان : حديث النواس بن ســـمعان ـ ‏رضي الله عنه ـ الطويــل في ذكر خروج الدجال ، ثم نزول عيســـى ـ ‏عليه السـلام ـ ، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ :‏
‏(( .... فبينما هو كذلك (‏ ‏) إذ بعث الله المسيح ابن مريم . فينزل عند المنارة ‏البيضاء شرقِيِّ دمشق بين مَهْرُودَتَين (‏ ‏) واضعاً كفيه على أجنحة مَلَكَيْنِ . إذا ‏طَأطَأَ رأسه قَطَرَ . وإذا رفعه تحدر منه جُمانٌ (‏ ‏) كاللؤلؤ ...)) (‏ ‏) الحديث .‏
ويدل عليه ايضاً حديث أوس بن أوس الثقفي ـ رضي الله عنه ـ أنه ‏سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( ينزل عيسى بن مريم ـ ‏عليهما السلام ـ عند المنارة البيضاء شرقي دمشق )) (‏ ‏) .‏
قال الإمــام النــووي ـ رحمه الله ـ عنــد شرحـــه لحديــث النـــواس ‏بن سمعان ـ السابق ـ : ( وهذا الحديث من فضائل دمشق (‏ ‏) ) (‏ ‏) .‏
‏14 = ومن فضائل الشام : أن بها مدينة دمشق ، من خير ‏مدائن الشام ، والتي هي حصنٌ من الملاحم والفتن إبّان وقوعها .‏
ففي الحديث عن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى ‏الله عليه وسلم ـ قال : (( إنَّ فُسْطَاطَ المسلمين يومَ المَلْحَمَةِ بالغُوطَةِ إلى جانب مدينةٍ ‏يُقالُ لها دِمشقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشامِ )) (‏ ‏) .‏
ومعنى الفِسْطَاط في قوله : (( إنَّ فُسْطَاطَ المسلمين )) ـ هو بالضم ‏والكسر ـ المدينــة التي فيهــا مجتمع الناس ، وبه سُمِّيـت المدينة ، ومنه ‏سميت مصـر والبصرة الفُسـطـاط (‏ ‏) ، وأصله : الخيمة ، والمراد به : ‏حصـــن المســلمين الذي يتحصنـون به من الفتن (‏ ‏) .‏
‏( يوم الملحمة ) أي : يوم الوقعة العظيمة ، والمقتلــة العظمـــى والكــبرى ‏في الفتن القادمة (‏ ‏) كما في رواية : ( يوم الملحمة الكبرى ) (‏ ‏) .‏
والمراد بـ ( الغوطة ) ـ المذكورة في الحديث ـ هي : ـ بضم الغين ‏المعجمة ثم واو ساكنة وطاء مهملة ـ اسم البساتين والمياه التي حول دمشق ‏، وهي غوطة دمشق (‏ ‏) ، فالغوطة : موضع بالشام تحيط به جبال عالية ‏وبها أنهار وأشجار متصلة ، وفيها تقع مدينة دمشق (‏ ‏) . ولهذا ذكر بأنها ‏كائنة : ( إلى جانب مدينة يقال لها دِمَشق ) ـ بكسر ففتح ـ وهي قصبة الشام ‏‏(‏ ‏) ، وتعتبر : ( من خير مدائن الشام ) أي : هي من خير مدنها ، بل هي ‏خيرها . ولا يقــدح فيه ( من ) ، لأن بعض الأفضــل قد يكون أفضـل بدليل ‏خبر عائشة ـ رضي الله عنها ـ : (( كان ـ أي : النبي صلى الله عليه وسلم ـ من ‏أحسن الناس خلقاً )) (‏ ‏) . مع كونه أحسنهم (‏ ‏) .‏
هذا وقد ذكر أبو داود ـ رحمه الله ـ وروى هذا الحديث تحت باب ‏ترجم وبوّب له بقوله : ( باب في المعقل من الملاحم ) (‏ ‏) ، والمعقل ـ ‏بفتح الميم وسكون العين وكسر القاف ـ مفرد معاقل . وهي الحُصُون ، ‏والمراد منه : الملجأ الذي يتحصن ويعتصم به المسلمون ويلتجئون إليه إبان ‏وقوع الملاحم والفتن (‏ ‏) .‏
فكأن أبا داود ـ رحمه الله ـ ذكر وروى هذا الحديث ليُدَلِّلَ على أن ‏غوطة دمشق ـ بالشــام ـ معقــل وحصن من الملاحم والفتن ، كما يــدل ‏عليه ترجمته وتبويبــه له ، والله أعلم .‏
والخلاصة : ـ من شرح الحديث ـ أن فُسطاط المسلمين أي : ‏اجتماعهم يوم الملحمة الكبرى والمقتلة العظمى في فتن آخر الزمان يكون ‏بغوطة دمشق التي تعتبر خير مدن الشام ، والتي هي معقِلٌ وحصنٌ يأوي ‏إليه المسلمون ويلتجئون ويعتصمون به ـ بعد الله عز وجل ـ عند حلول الفتن ‏والملاحم ، والله أعلم .‏
وهذا الحديث يدل على فضيلة دمشق ـ الشام ـ وعلى فضيلة سكانها ‏في آخر الزمان ، وأنها حصن مـن الفتن . ومن فضائلها : أنه دخلتها عشرة ‏آلاف عين رأت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ودخلها النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ قبل النبوة وبعدها ، في غزوة تبوك وفي ليلة الإسراء (‏ ‏) .‏
‏15 = ومن فضائـل الشـــام أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏دعــا لها بالبركـة ، كما في حديــث ابن عمــر ـ رضي الله عنهما المتقدم ‏‏(‏ ‏) ـ قال : ذكر النبي ـ صلى الله عليـه وســلم ـ : (( اللهــم بارك لنــا في ‏شــامنا ، اللهم بــارك لنـا في يمننا ......)) الحديث ، وقد تقدم نصه بتمامه مع ‏تخريجه وشرحه وبيان وجه تخصيص المكانين ـ الشام واليمن ـ بالبركة ، ‏بما يُغني عن إعادته (‏ ‏) .‏
‏16 = ومن مناقبها وفضائلها ـ أيضاً ـ أن ملائكة الرحمن ‏باسطة أجنحتها عليها . ففي الحديث عن زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ ‏قال : كنا عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نُؤَلِّفُ القرآن من الرِّقاع ، ‏فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( طوبى للشام )) فقلنا : لأيٍّ ذلك ‏يارسول الله ؟ قال : (( لأن ملائكة الرحمن باسطةٌ أجنحتها عليها )) (‏ ‏) .‏
وفي رواية عنه ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ يقول : (( ياطوبى للشام ! ياطوبى للشام ! ياطوبى للشام ! )) . قالوا ‏‏: يارسول الله وبم ذلك ؟ قال : (( تلك ملائكة الله باسطوا أجنحتها على الشام )) ‏‏(‏ ‏) .‏
وطوبى في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( طوبى للشام )) أصلها : ‏فُعلى من الطيب ، وهي اسم الجنة . وقيل هي شجرة فيها ، والمراد بها ‏هاهنا ـ في الحديث ـ فُعْلى من الطيب ، لا الجنة ولا الشجرة (‏ ‏) . والكلمة ‏دعاء منــه ـ صلى الله عليه وسلم ـ للشــــام .‏
فهي تأنيث أطيــب ، أي : راحة وطيب عيــش حاصـل للشام وأهلها ‏‏(‏ ‏). وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد قال ذلك حينما كان الصحابــة ـ ‏رضي الله عنهم ـ يُؤَلِّفون أي : يجمعون القرآن من الرقاع ، وهو مايُكتب ‏فيه القرآن وغيره (‏ ‏) . ‏
فلما سمع الصحابة ذلك سألوه فقالوا : ( لأيٍّ ذلك يارسول الله ؟ ) ـ ‏بتنوين العوض في أي ـ أي : لأي شيء ولأي سبب قلت ذلك يارسول الله ؟ ‏فأجابهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك السبب بقوله : (( لأن ملائكــة ‏الرحمــن باسطةٌ أجنحتها عليها )) وفي هذا إيماء إلى أن المراد بالملائكة هنا ‏ملائكة الرحمة . وقوله : (( باسـطة أجنحتها عليها )) أي : على بقعة الشام ‏وأهلها بالمحافظة عن الكفر (‏ ‏) .‏
‏ وقيل : أي : تحفها وتحوطها بإنزال البركات ودفع المهالك ‏والمؤذيات (‏ ‏) .‏
وبعـــد : فهذا ماتيسر جمعه في فضائل الشام ومناقبه وأهله باختصار ‏، فبلغت ست عشرة فضيلة ومنقبة ، وليس هذا على سبيل الحصر ، ثم إن ‏هذه المناقب منها ماهو خاص بزمن حلــول الفتن ، ومنها ماهو عام في كل ‏وقت وحين ، وعلى مرِّ الأيام والسنين ، والله أعلم .‏
رد مع اقتباس
  #66  
قديم 08-06-2004, 09:40 PM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

المبحث السادس
‏{ التعرُّب وسكنى البدو في الفتنة }
‏= = = = = = = = = = = =‏
جاء في بعض الأحاديث الصحيحة مايدل ويُرَغِّب في سُكنى البدو ‏والتعرّب إبّان سقوط الفتن ، ونزول الكوارث والبلايا والمحن . فمما جاء ‏في ذلك :‏
مارواه أبو سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ : (( يوشك أن يكون خيرُ مالِ المسلم غنمٌ يتبع بها شَعَفَ ‏الجبال ومواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن )) (‏ ‏) .‏
وعن سلمة بن الأكوع أنه دخل على الحجاج فقال : ( ياابن الأكوع ‏ارتددت على عقبيــك ، تعرَّبت ؟ قــال : لا ، ولكنَّ رســول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ أذن لي في البــدو ) (‏ ‏) .‏
وعن يزيد بن ابي عبيد قال : لمّا قُتل عثمان بن عفان خرج سلمة بن ‏الأكوع إلى الرّبذة وتزوج هناك امرأةً وولدَت له أولاداً ، فلم يزل بها حتى ‏قبل أن يموت بليالٍ ، نزل المدينــة ) (‏ ‏) .‏
وعن عبـد الرحمـن بن ابي صعصعة عن أبيه عن أبي ســعيد ‏الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : ( قال لي : إني أراك تحب الغنم وتتخذها ، ‏فأصلِحْها وأصلح رُعَامَها (‏ ‏) فإني سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏يقول : (( يأتي على الناس زمان تكون الغنم فيه خير مال المسلم ، يتبع بها شعف ‏الجبال ـ أو سَعَف الجبال ـ في مواقع القطر ، يفرُّ بدينه من الفتن )) (‏ ‏) .‏
وعن عبد الله بن طاوس عن ابيه قال : قال رســول الله ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ قال : (( خير الناس في الفتن رجل آخذ بعنان أو قال : برسن فرسه ، ‏خلف أعداء الله ، يخيفهم ويخيفونه، ورجل معتزل في باديته يؤدي الحق الذي عليه ‏‏)) (‏ ‏) .‏
وعن ابي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : ياأيها الناس ، أظلّتكم فتن ‏كأنها قطع الليل المظلم ، أنجى الناس فيها ـ أو قال : منها ـ صاحب شاءٍ ‏يأكل من رسل غنمه (‏ ‏) ، أو رجل من وراء الدرب ، آخذ بعنان فرسه ، ‏يأكل من سيفه (‏ ‏) .‏
هذا وقد ترجم الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ عند إيراده للأحاديث ‏الثلاثة الأولى المتقدمة ـ في أول هذا المبحث ـ فقال : ( باب التعرب في ‏الفتنة ) (‏ ‏) ثم علق الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ على ترجمته وتبويبه ‏هذا فقال عن معنى التعرُّب : ( بالعين المهملة والراء الثقيلة ، أي : السُّكنى ‏مع الأعراب ـ بفتح الألف ـ ، وهو أن ينتقل المهاجر من البلد التي هاجر ‏منها فيسكن البدو فيرجع بعد هجرته أعرابياً ، وكان إذْ ذاك محرماً إلاّ إن ‏أَذِنَ له الشارع في ذلك ، وقيَّده بالفتنة إشارة إلى ماورد من الإذن في ذلك ‏عند حلول الفتن ـ كما في ثاني حديثي الباب (‏ ‏) ـ ، وقيل بمنعه في زمن ‏الفتنة لما يترتب عليه من خذلان أهل الحق ، ولكن نظر الســلف اختلف في ‏ذلك : فمنهــم من آثر السلامة واعتزل الفتن ، كسعد ومحمد بن مسلمة وابن ‏عمر في طائفة ، ومنهم من باشر القتال وهم الجمهور ) (‏ ‏) انتهى كلام ‏الحافظ . وقد تقدم (‏ ‏) تفصيل الخلاف في ذلك مع الأدلة والترجيح في ‏أوائل هذا الفصل ، والله أعلم .‏
وأما أبو داود ـ رحمه الله ـ فقد ترجم لحديث أبي سعيد ـ المتقدم في ‏أول هذا المبحث ـ بقوله : ( باب مايرخص فيه من البداوة في الفتنة ) (‏ ‏) .‏
وأما قول الحجاج ـ وهو ابن يوسف الثقفي الأمير المشهور (‏ ‏) ـ ‏للصحابي الجليل سلمة بن الأكوع : ( ياابن الأكوع ! ارتددت على عقبيك ؟ ‏‏) فكأنه إشارة إلى ماجاء في حديث ابي سعيد الخـــدري ـ رضي الله عنه ـ ‏في عدِّ الكبائـــر ، قال : قــال رســـول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( ‏الكبائر سبع ........)) وذكر منها : (( ..... والرجوع إلى الأعرابية بعد الهجرة ‏‏)) (‏ ‏) .‏
وفي حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً قال : (( آكل الربا ‏ومُوكلُه وكاتبُه إذا علموا ذلك والواشمة والموشومة للحسن ولاوى الصدقة والمرتدّ ‏أعرابياً بعد الهجرة ملعونون على لسان محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم القيامة )) ‏‏(‏ ‏) .‏
وجاء في حديث أبـي هريــرة ـ رضي الله عنه ـ قولـــه ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ : (( الكبائــــر أولهــــن الإشـــراك بالله ........)) ثم عددها وذكـــر ‏آخرها فقال : (( ....والانتقال إلى الأعراب بعد هجرته )) (‏ ‏) .‏
وعن سهـــل بن أبي خيثمة عن أبيه قال : سمعــت النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ يقول : (( اجتنبوا الكبائر الســبع .........)) فذكرها .......... ‏وذكر في آخرها : (( ....والتعرب بعد الهجرة )) (‏ ‏) .‏
وعن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ‏‏(( لعن الله من بدا بعد الهجرة ، لعن الله من بدا بعد الهجرة ، إلاّ في فتنة ، فإن البدو ‏خير من المقام في الفتنة )) (‏ ‏) .‏
وقال ابن الأثير ـ رحمه الله ـ عن معنى التعرب بعد الهجرة مانصه : ‏‏( هو أن يعود إلى البادية ويُقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجراً . وكان من ‏رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد ) (‏ ‏) .‏
وأما قول الحجاج لسلمة بن الأكوع : ( ارتددت على عقبيك ! تعربت ‏؟ ) فهذا من جفائه وسوء أدبه مع هذا الصحابي الجليل ـ رضي الله عنه ـ ‏حيث خاطبه بهذا الخطاب القبيح من قبل أن يستكشف عن عذره ، ويُقال : ‏إنه أراد قتله ، فبين الجهة التي يريد أن يجعله مستحقاً للقتل بها (‏ ‏) .‏
والحاصل : أنه يمكن أن يستفاد مما سبق بأن الشارع الحكيم أذِنَ ‏في التعرب وسكنى البادية ، وقيَّد ذلك بزمن الفتنة ، وعند حلول المحنة ، ‏إشارة إلى ماورد من الإذن في ذلك عند حلول الفتن كما في الأحاديث الأُول ‏من هذا المبحث .‏
وأما في الأحوال العادية التي ليس فيها فتنة عامة ، فالأصل فيها ‏سكنى المدن ، والأصل أن المسلم الذي يستطيع أن يخالط الناس ، ويصبر ‏على أذاهم ، ويوصل إليهم النفع الديني والدنيوي ، هو خير من الذي ‏لايخالطهم ، ولا يصبر على أذاهم ، ولا يساكنهم ، ويهجرهم ويعتزل ‏شرورهم ، ويتعرَّب وينفرد بنفسه ، وقد كانوا يَعَدُّون من فعــل ذلك ورجع ‏بعد الهجرة إلى موضعه وتعرّب واعتزل وهجر الناس من غير عذر ‏كالمــرتــد (‏ ‏) .‏
وتقدم ـ قريباً (‏ ‏) ـ ذكر الوعيد الشديد في ذلك ، وأن التعرب بعد ‏الهجرة يعد من الكبائر السبع ، وأن صاحبــه وفاعلـــه ملعــون ثلاثاً على ‏لسان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .‏
وهذا ـ أي : ترجيح الخلطة في الأحوال الطبيعية ـ هو مذهب جماهير ‏السلف والعلماء ، كما تقدم ـ قريباً (‏ ‏) ـ تفصيله والله أعلم .‏
رد مع اقتباس
  #67  
قديم 08-06-2004, 09:44 PM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 53,379
افتراضي

‏{ الخاتمــــــــة }‏
‏* * * * * *‏
أحمد الله ـ سبحانه وتعالى ـ حمداً كثيراً ، كما ينبغي لجلال وجهه ، ‏وعظيم سلطانه . الذي يسر لي وأعانني على إتمام هذه الرسالة بهذه ‏الصورة ، فله الحمد في الأولى والآخرة ، ولــه الفضـل والمنة أولاً وآخــراً ‏‏: { الْـحَـمْــــدُ ِللهِ الَّذِى لَهُ, مَـا فِى السَّمَـــوَاتِ وَمَـا فــِـــى الأَرْضِ ‏وَلَــــهُ الْحَـمْـــدُ فِى الأَخِــَـر ةِ وَهُــوَ الْحَـكِــيـمُ الْخَـبِـيــــرُ } [ سبأ : ‏‏1 ] ، { لَـــــهُ الْـحَـمْـــدُ فِى الأُولَــــى وَالآَخِــرَ ةِ وَلَــهُ الْـحُـكْـمُ ‏وَإِلَـيْـــهِ تُـرْجَـعُــــونَ } [ القصص : 70 ] .‏
وبعـــد : فهذا ماامتن الله به عليَّ بعد هذه الرحلة العلمية المباركة ـ ‏إن شاء الله تعالى ـ التي تجولت من خلالها وطفت لمعرفة موقف المسلم من ‏الفتن في ضوء الكتاب والسنة ، مع التعرف على نماذج من أسس وكبار ‏وأهم الفتن ، التي أشير إليها في الكتاب والسنة . ومعرفة منهج أهل السنة ‏والجماعة وموقفهم فيما يعرض للمسلم من تلك الفتن .‏
وهذا ماوسعه جهد المُقل ، وجاد به القلم ، وسمح به الوقت ، وتوصّل ‏إليه الفهم المتواضـــع .‏
ثم ماكان فيه من صواب فمن الله وحده وله الحمد والشكر والثناء أولاً ‏وآخراً ، وماكان فيه من خطأ أو نقص فمني ومن الشيطان ، والله بريء منه ‏ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، واستغفر الله منه ، وتلك سنة الله في بني ‏الإنسان ، ولا أدعي الكمال ، فإنه من صفات الكبير المتعال ، والنقص ‏والتقصير واختلاف وجهات النظر من صفات الجنس البشري . وحسبي أني ‏بذلت جهدي وحاولت السداد والتقريب ، واستنفذت طاقتي ، ووضعت لبنة في ‏طريق من يريد إتمام البناء . وما ذاك كله إلاّ بتوفيق الله ـ تعالى ـ وأسأله ـ ‏سبحانه ـ أن ينفعني بذلك ‏
وأن يجعله في ميزان حسناتي ، يوم لاينفع مال ولا بنون ، إلاّ من أتى الله بقلب ‏سليم .‏
كما أسأله ـ سبحانه ـ أن ينفع به جميع المسلمين ، فإنه على كل شيء ‏قدير ، وبالإجابة جدير .‏

أولاً = خلاصة الرسالة وأهم نتائجها :
‏ وأما عن خلاصة الرسالة وأهم نتائجها فهي كما يلي :‏
‏1 = أن الفتنة هي : الاختبار والابتلاء والامتحان . ويتلخص وينتج : ‏أن لفظها في القرآن يأتي على وجوه كثيرة ، وأن له معانٍ شتى من أهمها : ‏الشرك والكفر والابتلاء والضلال ، والجنون والغدر والعذاب ......‏
‏2 =‏ أ - أن منبع الفتن وبؤرها ومصدر ظهورها هو المشرق ـ ‏وخاصة العراق ـ وتاريخه أكبر شاهد على ذلك .‏
ب - كما ـ نتج وتلخص ـ أن العراق هو المراد بالـ ( نجد ) ‏المذكور في الأحاديث الثابتة .‏
هذا وقد اتفقت كلمة شراح الحديث ، وأئمة اللغة ، ومهرة جغرافية ‏العرب أن النجد ليس اسماً لبلد خاص ، ولا لبلدة بعينها ، بل يقال لكل قطعة ‏من الأرض المرتفعة عما حواليها نجد . ومن كان بالمدينــة كان نجده بادية ‏العراق ونواحيها ، وهي مشرق أهلها ، كما توافق شرّاح الحديث على ذلك ‏‏.‏
جـ - أن جهة المشــرق ـ العراق ـ ممقوتة غير محمودة ، ‏ولذلك ضرب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ به المثل بقرني الشيطان ، ‏وأخبر أنه منبع الزلازل والفتن ، ورأس الكفر وأساسه ، ثم إن حاضره ‏وغابره يدل على ذلك ـ وخاصة العراق ـ والله أعلم .‏

‏3 = كما يستنتج من فتنة التفرق والاختلاف مايلي : ‏
أ - أن الافتراق أشد أنواع الاختلاف .‏
ب ـ وأنه ليس كل اختلاف افتراقاً ، بل العكس .‏
ج ـ وأن الافتراق لايكون إلا على أصول الدين الكبرى .‏
فافتراق هــذه الأمـــة المذكور في الحديث بأنها (( ستفترق على ثلاث ‏وسبعين فرقـــة )) إنما يقع في أصــول الديــن الكبرى والاعتقاد ، لا مايقع ‏في الفروع والاجتهــادات الفقهيــة .‏
‏4 = وأما عن نتائج فتنة القتال فهي كما يلي :‏
أولاً ـ اقتتال المسلمين مع الروم ـ في آخر الزمان ـ وبيانه ‏كالتالي :‏
أ - أن هذه الملحمة العظمى لم تجئ بعد ، وأن الروم لم يغزوا في ‏البرِّ بهذا العدد المهول ـ المقدر بألف ألف ـ فهي من الأمور التي لم تقع بعد ‏‏.‏
ب - كما أن الروم يسلمون في آخر الزمــان ، ويكــون فتــح مدينة ‏القسطنطينية ـ الفتح الأعظم والأخير ـ على أيدي طائفة منهم مع جيش ‏المسلمين .‏
ج ـ ويكون انتصار المسلمين عليهم تهيئة لفتح مدينة القسطنطينية ـ ‏المعروفة اليوم بتركيا ـ الفتح الأعظم والأخير ، الذي قبل خروج الدجال في ‏آخر الزمان وفتحهم لها يكون بدون قتال ، وسلاحهم فيها التكبير والتهليل .‏
د ـ وأما فتح الترك لها الذي كان قبل عصرنا هذا ، فإنه كان تمهيداً ‏للفتح الأعظم.‏
ثانياً ـ فتنة القتال التي تسبق اقتتال المسلمين مع الروم . فقد ‏ورد في الأحاديث مايفيد قتال المسلمين مع الترك والعجم قبل قتالهم مع ‏الروم . وورد فيها اشتراك الترك والعجم في الصفات الخلقية . ويمكن أن ‏يجاب بأن الحديث الوارد في صفات العجم غير حديث قتال الترك . ولامانع ‏من اشتراك الصنفين في الصفات المذكورة مع اختلاف الجنس. ويجتمع ‏منهما أنهما طائفتان أُنذر بخروجهما .‏
‏ 5 = وأما موقف المسلم من الفتن ، ومايجب عليه تجاهها فهو ‏كالتالي : ‏
أ - إن أول تلك المواقف فيما يجب عليه تجاه الفتن ، هو الاعتصام ‏بالكتاب والســنة .‏
ب - وثانيها : تقوى الله عز وجل وملازمة عبادته .‏
ج ـ كما يجب ـ ويتأكد آنذاك ـ الالتزام بجماعة المسلمين من أهل ‏السنة والجماعة.‏
د ـ وأما قضية اعتزال الفتن وترك القتال فيها ، فإن أهم نتائجها ـ ‏بعد بحثها الطويل ـ مايلي :‏
‏* يجب القصد والاعتدال في الخلطة والعزلة ـ من غير افراط ولا ‏تفريط ـ فالاغراق في كل شيء مذموم ، كما أن لكل من العزلة والخلطة ‏فوائد وغوائل . فتارة تُختار العزلة، وتارة الخلطة . كل بحسب مايقتضيه ‏الحال والمآل ، فقد تُـثمر العزلة في بعض الأحوال والأوضاع مالا تُثمره ‏الخلطة ، والعكس بالعكس . وهذا لايعارض ترجيح الخلطة على العزلة . ‏فإن ذاك الترجيــح في الأحــوال العامـــة ، لأنه قد يُرجَّــح أمـــر العزلة في ‏أحــوال مخصوصـــة . ‏
‏* ثم إن الأصل في الإسلام الخلطة لا العزلة ، بل العزلة الكلية ‏المطلقة ؛ الأصل فيها المنـع ، لما يترتب على ذلك من تضييع الحقوق ، ‏وتفويت وتعطيل كثير من الواجبات .‏
ويستثنى من ذلك المنع حالات أخرى عامة ، تشرع فيها العزلة ‏بسبب تغيّر عام يقع في المجتمع . ومن هذه الحالات مايلي :‏
الحالة الأولى : عند فساد الزمان .‏
الحالة الثانية : عند حلول الفتن .‏
‏* وأما العزلة والخلطة إبّان فتنة القتال : فالذي يظهر ـ بعد النظر ‏والتأمل ـ ويترجح التفصيل . فمتى خفي الحق ، وتعسَّرت معرفة الصواب ‏في ذلك ، فإنه يترجح آنذاك جانب القول باعتزالها . ومتى عرف الحق ، ‏وتبين الصواب مع من فيها ، فإنه يجب حينئذ الخوض والمشاركة فيها ، ‏لنصر الحق وقتال الباغي .‏
‏* كما ظهر وتبين أن للشام فضل ومزية في كل حين ، وعلى مر ‏الأيام والسنين ، بل ورد مايحض ويرغب فيها أكثر وأكثر إبّان الفتن ، ‏وأنها معقل ومأوى المسلمين آنذاك.‏
‏* وأخيراً : تأتي قضية التعرب وسكنى البدو في الفتنة ، ويستنتج ‏منها : أن الشارع أذن في التعرّب وسكنى البادية ، وقيّد ذلك بزمن الفتنة . ‏وأما في الأحوال العادية التي ليس فيها فتنة عامة ، فالأصل فيها سكنى ‏المدن .‏

ثانياً = التوصيات والمقترحات :‏
‏1 = إن كان هناك من توصيات فإن أول ما أُوصي به نفســي ، ‏وإخواني المسلمين ـ لاسيما الدعاة والباحثين ـ تقوى الله ـ عز وجل ـ فهي ‏وصية الله لجميع خلقه الأولين والآخريــن ، كما قال تعالى : { وَلَـقَــدْ ‏وَصَّـيْنَــا الَّــذِيــنَ أُوتُــواْ الْــكِتَــــبَ مِــن قَــبْــلِكُـمْ وَإِيَّــاكُمْ أَنِ اتَّــقُـواْ ‏اللهَ } [ النساء : 131 ] فموضوع التقوى بالغ الأهمية . وهو ذروة السنام ، ‏مثابته مثابــة الرأس من الجســـد ، وتتأكد وتزداد أهميته عند حلول الفتن ‏ومباغة البلايا والمحن .‏
‏2 = كما أوصي ـ بما أوصى به الله ورسوله ـ بالالتزام والاعتصام ‏بجماعة المسلمين ، وعدم الخروج عليهم ، وعن منهجهم ـ منهج أهل السنة ‏والجماعة ـ الذي رسموه لنا ، ونبذ الفرقة والاختلاف . لأن ذلك شر وأيـّما ‏شر . فالجماعة رحمة والفرقة عذاب ، وتزداد أهمية ذلك كله وقت الفتن ‏فإنه أشد وأوجب ، وآكد وأرغب .‏
‏3 = وأوصي أيضاً ـ بعد تقوى الله عز وجل والاعتصام به والتوكل ‏عليه واللجوء إليه ـ بالالتفاف حول العلماء الربانيين ، والأئمة المهديين ، ‏الأتقياء الصالحين ، علماء أهل السنة والجماعة في كل عصر ، فإن ‏الالتفاف حولهم يعد سبيلاً مهماً من سبل الوقاية والنجاة من الفتن على ‏مختلف أنواعها وأشكالها ، كما يعين ذلك على الأمن من الزيغ والضلال . ‏فكم أنجى الله بالعلماء الأمة الإسلامية من محن عصيبة ، وفتن رهيبة ، ‏كإعزاز الله لدينة بالصديق ـ رضي الله عنه ـ يوم الردّة ، وبأحمد بن حنبل ‏يوم المحنة ، فكم ثبَّت الله المسلمين في تلك الفتن بعلمائهم . فلا بُد إذاً من ‏لزومهم ، والعيش في أكنافهم ، والالتفاف حولهم لاسيما وقت الفتن . ‏
كما أوصي في هذه الجزئية بأمر مهم وهو عدم الاستقلالية عن ‏العلماء مما يؤدي إلى احتقارهم والتعالي عليهم وعدم اتباعهم . وهذه شنشنة ‏شاذة ـ مع الأسف ـ بدأنا نرى نمـــاذج منــها ، بل وصـــل الأمر ببعضهــم أن ‏يقول عن الأئمة العلماء : هم رجال ونحن رجال .... وهذا أمر مقلق جداً ، يجب ‏أن نتواصى ونتناصح فيه ، وقد تقدم التفصيل في هذه الجزئية مما يغني عن ‏اعادته (‏ ‏) .‏
‏4 = إن الرفق والحلم والتأني وعدم التعجل ، وخاصة عند حدوث الفتن ‏، محمود أيما حمد ومطلوب ومرغب فيه أيما ترغيب ، لأن ذلك كله يجعل ‏المسلم يبصر حقائق الأمور بحكمة وحنكة . ويقف على خفاياها وأبعادها ‏وعواقبها . فالعجلة وعدم الأناة خِفة وطيش ، وحدّة في العبد تمنعه من التثبت ‏والوقار والحلم والرفق . وتُوجب وضع الشيء في غير محله ، كما تجلب الفتن ‏والشرور والنقم ، وتمنع السلامة والخيرات والنعم . فالرفق ماكان في شيء إلا ‏زانه ، ومانزع من شيء إلا شانه . كما أن الحلم والأنــاة يحبهما الله (‏ ‏) ولذلك ‏كانت خصلة الحلم هي السبب في بقاء الروم ـ والنصارى الكفرة ـ وكونهم أكثر ‏الناس كما وصفهم بذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله : (( تقوم الساعة ‏والروم أكثر الناس )) (‏ ‏) .‏
وقد علل عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ بقاء الروم وكثرتهم ‏من بين الناس بقولــه : ( إن فيهــم لخصالاً أربعــاً ) الأولى : ـ وهي ‏شــاهدنا والتي تهمنــا في هذه الجزئيـــة ـ ( إنهم لأحلم الناس عند فتنة ) (2) ‏، وهذا ليس ثنــاء مــن عمــرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ على الروم ‏والنصارى الكفرة . وإنما هو تعليل منه ـ رضي الله عنه ـ ومعناه : أنه إذا ‏اضطربت الأحوال وتغيرت ، وبدت الفتن وكشَّرت عن أنيابها ، فإن الروم ‏آنذاك هم أحلم الناس في مواجهتها . وأكثرهم أناة وتريثاً وهدوءاً . لعلمهم ‏أن الفتنة إذا بزغت شمسها ، فإنها ستقضي عليهم .‏
إذاً : فالحلم والرفق والأناة من خير مايوصى به المسلمون إبّان الفتن ‏‏. ومن أهم مايوصى به في هذه الجزئية : الرفق والحلم والأناة .. مع الأئمة ‏وولاة الأمور ، وعدم الخروج عليهم ونزع يدٍ من طاعة ما أقاموا شرع الله ‏‏. فالرفق والحكمة والحلم ... معهم ينتج عنه كل خير واستقرار وأمن وأمان ‏‏... ، وإلاّ دخل المسلمون في عالم من الفوضى والمجازر والدماء ... التي ‏لانهاية لها . وهذا هو منهج السلف الصالح ، وما موقف الصحابة والتابعين ‏ـ رضي الله عنهم ـ من الحجاج ببعيد . وهو معروف بظلمه وجبروته ، ومع ‏ذلك كله كانوا يوصفون بالحلم والرفق والحكمة معه ، فالله الله في الرفق ‏والحلم والحكمة والأناة ، وخاصة وقت الفتن .‏
‏5 = عدم تطبيق ماورد في الفتن ـ من نصوص ـ على الواقع ‏المعاصر : ‏
تزداد شهوة الكلام عند حلول الفتن ، وتظهر جرأة كثير من ‏ضغام الناس وقتها . فيحلو لهم آنذاك ، استرجاع أحاديث الفتن وتقليب ‏صفحاتها ، ويربو ذلك ويزداد في اجتماعاتهم في المنتديات والمجالس . ‏فتجدهم ينزِّلون تلك الأحاديث على واقعهم الآني ، ويلوون أعناقها لتوافق ‏مايعتريهم ويصيبهم من فتن ، فيقولون : إن قول النبي ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ .... كذا ... هو المراد بهذه الفتنة التي نحن فيها الآن . أو المراد به ‏الفتنة التي حدثت في الوقت الفلاني أو البلد الفلاني ... وهكذا يفسرون ‏ويطلقون المراد من كلام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأحاديثه عن ‏الفتن ، بتحديد أزمانهــا وأماكنها وتطبيقها على واقعهم وزمنهم الآني . كل ‏ذلك ليس عندهم فيه من الله برهـــان .‏
وهذا خطأ فادح ، على خلاف منهج السلف الصالح ـ من أهل السنة ‏والجماعة ـ فإن منهجهم إبّان حلول الفتن ، هو عدم تنزيل أحاديثها على ‏واقع حاضر . وإنما يتبين ويظهر صدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏بما أنبأ وحدث به أمته من حدوث الفتن عقب حدوثها واندثارها . مع تنبيه ‏الناس وتحذيرهم من الفتن عامة . ومن تطبيقها على الواقع الحالي خاصة .‏
‏6 = البعد عن أماكن الفتن وبؤرها : ‏
فالبعد عنها وعدم الخوض فيها أو التعرض لها مسلك شرعي ‏، بل هو مطلب من مطالب هذه الشريعة السمحاء . كيف لا ؟ والنبي ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ علق السعادة باجتناب تلك الفتن بقوله : (( إن السعيد ‏لمن جُنـِّـب الفتن ...)) (‏ ‏) كما حث على تجنبها والهرب منها ـ أيضاً ـ بقوله ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( تكون فتنة النائم فيها خير من المضطجع ، ‏والمضطجع فيها خير من القاعد ، والقاعد فيها خير من القائم ، والقائم ‏خير من الماشي ، والماشي خير من الراكب ، والراكب خير من المُجري ‏‏... )) (‏ ‏) فبين النووي ـ رحمه الله ـ أن :‏
‏( معنــاه : بيان عظيم خطــرها والحث على تجنبها والهـــرب منهــا ومن ‏التشبــث في شــيء منهـــا... ) (‏ ‏) .‏
هذا وقد تواترت وصايا السلف في التحذير من مواطن الفتن ، وأن ‏يشخص لها أحد . فهذا حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ يقول : ( إياكم ‏والفتن ، لايشخص إليها أحد ، فوالله ماشخص فيها أحد إلاّ نسفته كما ينسف ‏السيل الدمن .... ) (‏ ‏) .‏
وقال أبو الدرداء ـ رضي الله عنه ـ ( لاتقربوا الفتنة إذا حميت . ‏ولاتعرَّضوا لها إذا عرضت . واضربوا أهلها إذا أقبلت ) (‏ ‏) .‏
‏7 = لاشك أن الإشاعة تُعدُّ من أمضى الأسلحة التي يستعملها أعداء ‏الأمة ، لاختراق صفوفها ، والفتك بعضدها ، وتمزيق وحدتها . وتكمن ‏خطورتها ، وتنشط الدعاية لها ، إبّان الفتن ، ففي وقتها تكثر إثارتها ، ‏ويزداد ترويج بضاعتها . فالأعداء مافتئوا يبثون الأقاويل الكاذبة ، ‏والشائعات المرجفة ، حرصاً منهم على زعزعة أمن المسلمين وأمانهم ، ‏وماحادثة الإفك عن ذلك ببعيد ، وكذا ماحصل في غزوة أحد حينما قتل ‏مصعب بن عمير ـ رضي الله عنه ـ أُشيع أن الذي قُتل هو النبي ـ صلى الله ‏عليه وسلم ـ . فانكفأ المسلمون وجيشهم بسبب هذه الشائعات المرجفة . ‏فحفظ اللسان ، والتــبين والتثبت عند سماع الشائعات أو أي نبأ أو خبر ‏مطلب شرعي ، لاسيما وقت الفتن ، وعند الحروب والمعارك والمحن ، ‏فإنه آنذاك أشد وأرغب ، وآكد وأوجب . وقد تقدم (‏ ‏) كل مايتعلق بذلك من ‏حفظ اللسان أثناء الفتن والتثبت عندها والحذر من الشائعات وقتها .... بما ‏يغني عن إعادته والاستطراد فيه .‏
‏8 = ثم إن التعوذ من الفتن ، ماظهر منها وما بطن . مما أوصى به ‏النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمته ، وأمر به أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ ‏فقال : (( تعوذوا بالله من الفتن ، ماظهر منها وما بطن )) (‏ ‏) فالتعوذ بالله ‏منها ينجي من الفتن ، ويقي من الشرور والمحن . وقد تقدمت الإشارة إلى ‏هذه الوصية بما يغني عن تكرارها .‏
وبعــــد : فهذا ماأمكن جمعه واستحضاره من توصيات إبان دراسة ‏موضوع الفتن وموقف المسلم منها . كما أن هناك توصيات أحجمت عن ‏ذكرها هنا خشية الإطالة بيد أن ماذُكر هنا أهمها .‏

وإن كان هناك من اقتراحات فهي كما يلي :
‏1 = أرى وأقترح عقد دورات علمية عملية ، لخطباء وأئمة المساجد ‏والدعاة . يبين لهم فيها ويُدَرَّس أهم مايجب على المسلم اتخاذه تجاه الفتن . ‏مع بيان منهج أهل السنة والجماعة ، وموقفهم منها ، ومن الأحاديث الواردة ‏فيها . كل ذلك بغية أن يُبيِّن إخواننا الدعاة والخطباء لعامة الناس ماأخذوه ‏واستفادوه من تلك الدورات . وحبذا أن تكون تلك الدورات تحت إشراف ‏هيئة كبار العلماء أو نحوها .‏
‏2 = كما أقترح اصدار مجلات دورية مختصرة ـ مابين فينة وأُخرى ‏ـ يُبيَّن فيها ما سبق في الاقتراح الأول . ولكن بعبارة سهلة وأسلوب يفهمه ‏ويستفيد منه العامة والخاصة.‏
ويكون إصدار تلك الدوريات وتوزيعها عن طريق جهات رسمية . ‏كمراكز الدعوة والارشاد ، وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ‏ونحوها .‏
‏3 = ولو كان ذلك ـ أيضاً ـ عن طريق الصحف الصادرة يومياً في ‏كل بلد . والتي يتداولها العامة والخاصة ، ويقتنيها أكثر الناس ، لكان حسناً ‏‏. فيُبـيَّن لهم فيها على فترات ـ لاسيما وقت الفتن ـ ماسبق اقتراحه . كما ‏يكون ذلك كله ـ أيضاً ـ تحت إشراف هيئة كبار العلماء ، أو الرئاسة العامة ‏للبحوث العلمية والافتاء ونحوها .‏
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:34 AM.


New Page 4
 
 المركز التعليمي منتديات الحوار تسجيل النطاقاتخدمات تصميم مواقع الإنترنت  إستضافة مواقع الإنترنت  الدعم الفني لإستضافة المواقع
  متجر مؤسسة شبكة بوابة العرب   الدردشة الصوتية والكتابية  مركـزنا الإعـلامي  مـن نـحــن  مقــرنـا  قسم إتفـاقيات الإستــخــدام
Copyright © 2000-2014 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com