عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-07-2002, 03:27 AM
scupecenter scupecenter غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2002
المشاركات: 96
Post النعيم والجحيم رؤية من الداخل.!




بسم الله الرحمن الرحيم
نظرا لطول هذه الكلمات وكذلك حتي تتم الأستفاذه أرجوا من كل من يقرأ هذه الكلمات أن يقوم بنسخها في ملف وورد أو غيره حتي يتمكن من قرآءة الموضوع جيدا دون الحاجة لإبقاء الأتصال بالأنترنت وهذه الكلمات هي على لسان أحد الشيوخ والتي أثرت فيا كثيرا و أرجوا منكم قراءتها بتمعن وهو وصف للنعيم والجحيم
و طرق الوصول إليهما . اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم.
و لا تحرموني من دعواتكم وكذلك الشيخ ولكم الشكر مقدما.

المقدمة:

إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (آل عمران:102)

{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً} (النساء:1)

{يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً} (الأحزاب:70-71)

وبعـد،،،


1- في أول الطريق: الفردوس هي الأمل:

عندما كنت في بداية الطريق، طريق الإسلام، وكان هذا بحمد الله في أول مراحل الشباب، كنت أرى أن الفردوس هو المكان الذي يجب أن تتعلق همتي بـه. وربما كان يخالجني الشعـور لا الأمل فقط بأنني جدير به!! وكنت أظن أن مسألة النار، والتفكير بالنجاة منها خـارج عن سعي مثلي ودعائه؛ فمثلي ليس من أهلها -إن شاء الله- ولا يدخلها!! وبالتالي، فهو غني عن الخوف منها، والاستعاذة بالله منها، وإن دعا الله بالنجاة منها، فإنما ذلك تأسياً بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي يدعو بالنجاة من النار مع القطع أنه ليس من أهلها. وكان كثيراً ما يخالجني الشعور عند الاستغفار أنني لم أعمل ما يوجب النـدم الطويل، ولا الأسف البالغ، فإن ما وقعت فيه من الذنب قد وفقني الله للإقلاع عنه، والاعتذار منه، وهذا كاف في باب التوبة!!

وقـد استمر بي هذا الظن مرحلة من عمري في الدين. ثم لما بدأت في فقه القرآن، وعرفت حقيقة معنى الإيمـان، وحقيقة معنى المعصية، ودرست أخلاق الرسل والصالحين وأهل الإيمان، بدأ هذا الشعور يتلاشى شيئاً فشيئاً. ثم أصبح الهاجس الأول والأخير هو التفكير في كيفية النجاة من النـار، والفرار مما قبلها من أهوال وأما الجنة؛ كل الجنة؛ ولا سيماً الفردوس فلهـا حسابات أخرى!! وسعي آخر رأيت أن همتي وعزمي وعملي دونه بكثير. وأن المعاصي التي ارتكبتها والذنوب التي قارفتها لا يكفيها البكاء من يومي هذا إلى الممات، وأنني إن لم تتداركني رحمة الله بالمغفرة، أصبحت من الخاسرين. فكيف كان ذلك؟‍!
2- إدراك مفهوم الذنب:

لقد اجتمعت مجموعة من الأمور جعلتني أراجع حساباتي السابقة، وأنظر إلى الأمر نظرة جديدة، وكان أول ما أيقظ شعوري بخطأ تصوراتي السابقة حول الجنة والنار -وأنا في بداية الطريق- هو إدراكي لمعنى الذنب، وأن معصية الله سبحانه وتعالى شيء كبير، وكان مما أشعل في نفسي هذا المعنى كلمةٌ لأحد الصالحين يقول فيها: "لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر من عصيت"!!

ووجدت مصداق ذلك فيما يتصف الله به من صفات كماله و أنعامه وتفضله على عباده. وأن حقه سبحانه وتعالى على عباده أن يتقوه حق تقاتـه، وأن يطيعوه ولا يعصوه، وأن يشكروه ولا يكفروه، وأن يذكروه ولا ينسـوه. ومن الذي يستطيع أن يقوم بذلك على وجهه الكامل؟ ووجدت أن الله سبحانه وتعالى يحذر عباده من عقوبته. وأنه يؤاخذ بالذنب صغيره وكبيره!! وتيقنت أن حق الله على عبـاده أعظم وأكبر من كل ما يأمرهم به. وأن الجميع تحت رحمته وطوع أمره، وأنه سبحانه {لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد}.

3- لماذا كانت المعصية شيئاً عظيماً؟:

المعصية في ذاتها شيء عظيم لأنها مخالفة لأمر الرب الإله الذي لا إله إلا هو، خالق السماوات والأرض، وخالق كل شيء، وهو رب كل شيء ومليكه الذي خضع له كل شيء، وذل له كل شيء، فهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير الذي لا يغيب عنه من شؤون عباده صغير ولا كبير.. فهو القائم على كل نفس بما كسبت، والذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض... الذي تخافـه الملائكة العظام الكرام، وتكاد السماوات أن يتفطرن من فوقهن فرقاً وخوفاً منه.

والذي يمسك السماوات والأرض أن تزولاً... والذي لا يحيط أحد من خلقه علماً به، وهو يحيط علماً بكل مخلوقاته، ولا يغيب عنه سبحانه خطرات قلوبهم ولا نزغات نفوسهم، ولا وساوس صدورهـم، الذي وسع كل شيء رحمة وعلماً، والذي لا يقبل من أحد من مخلوقاته إلا الإذعان له، والاستسلام لأمره.

والذي يكرم من شاء من خلقه وعباده فلا يكون لإكرامه منتهى ولا لعطائه حد. ويهين من شاء من خلقــه، فلا تكون لإهانته مثيل، ويعذب من أراد من عبيده فلا يكون لعذابه نهاية، ولا لعذابه شبيه {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد}.

وهو الرب الإله الذي جعل الخلق كله له والأمر كله له، فلا يخلق إلا هو، ولا يستطيع غيره أن يخلـق ذَرَّة، ولا بُرَّةً، ولا ذباباً. والذي يملك نفع خلقه وضرهم فلا يملك غيره لأحد من خلقه لنفسه نفعـاً ولا ضراً إلا ما شاء هو.. وهو الرب الإله خالق السماوات والأرض الذي لا يكرثه ولا يتعبه خلق السماوات والأرض ولا حفظهما في أماكنها ومداراتها.

فمن ذا يستطيع أن يضع الشمس في مكانها غيره؟ وأن يضع القمر في مكانه غيره؟ والنجوم في مسـاراتها، و المجرات في مجاريها؟ ومن الذي أتقن كل ذلك. قال تعالى: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً}

فهو مالك الملك كله، ومدبر الكون كله لم يساعده أحد و لم يعاونه أحد في خلق الكون، ولا حفظه، بل هو الخالق لكل ما في الكون والحافظ له، والمقيم له، وهو الذي يفرط عقد هذا الكون وقتما يشاء، ويبدل السماوات والأرض وقتما يريد. قال تعالى: {إذا السماء انفطرت* وإذا الكواكب انتثرث* وإذا البحار فجرت* وإذا القبور بعثرت* علمت نفس ما قدمت وأخرت}

وقال تعالى: {إذا الشمس كورت* وإذا النجوم انكدرت* وإذا الجبال سيرت* وإذا العشار عطلت* وإذا الوحوش حشرت* وإذا البحار سجرت* وإذا النفوس زوجت* وإذا الموءودة سئلت* بأي ذنب قتلت* وإذا الصحف نشرت* وإذا السمـاء كشطت* وإذا الجحيم سعرت* وإذا الجنة أزلفت* علمت نفس ما أحضرت} (التكوير:1-14)
وقال تعـالى: {إذا السماء انشقت* وأذنت لربها وحقت* وإذا الأرض مدت* وألقت ما فيها وتخلت* وأذنت لربها وحقت} (الانشقاق:1-5)

هذا الرب الإله سبحانه وتعالى الذي وصف نفسه في القرآن فقال: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} (الأعراف:54)
وقال جل وعلا: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنه ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بأيديهم وما خلفهـم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم} (البقرة:255)

وقـال جل وعلا: {الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون* يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون* ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم* الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين* ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين* ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون} (السجدة:4-9)

وقـال جل وعلا: {الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماءاً فأخرج به من الثمرات رزقـاً لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار* وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار* وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} (إبراهيم:32-34)
وهكذا فإن معصية هذا الرب العظيم الكبير المتعالي أمر عظيم، ومخالفته فيما أوجب على عباده ذنب كبير جداً.

4- حق الله على عباده أكبر من كل ما يأمرهم به:

ثم إن مما يجعل مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى أمر عظيم، وإثم كبير هو أن حق الله على عباده أكبر مما يأمرهم به، فإن الله هو خالق الخلق، ومدبر شؤونهم، والمتفضل عليهم بنعمة الوجود أولاً، ثم ما من نعمة إلا وهي منه سبحانه وتعالى، فهو وحده الرزاق لكل عباده وهو ربهم الذي يكلئهم ويرعاهم، ويربيهم برحمته، وليس لهم رب سواه، ولا إله لهم غيره.

ولو أمر عبـاده بما أمر، فإن هذا حقه على عباده فإنه خالقهم وربهم، ومنشئهم من العدم، ومع ذلك فلا يكلف سبحانه وتعالى نفساً إلا وسعها ولا يأمر عباده إلا بما ينفعهم، وإذا أمرهم فإنه يأمرهــم وهو غني عنهم، غير فقير لعبادتهم، وعبادة العباد له هي من جملة الفضل الذي يتفضل به عليهم، لأنها سبب لزكاتهم وطهارتهم، وسبب لنيل مرضاته ورحمته وجائزته. وهكذا تصبح معصية العاصي أمراً عظيماً وإثماً كبيراً لأنه يخالف الرب الإله الذي أحسن وأكرم، وخلق ورزق، وتحنن على عبده!!

5- الدين الذي لا يقبل الله من عباده غيره هو الإسلام:

والدين الذي لا يقبل الله من عباده غيره، هو الإسلام ومعناه الاستسلام لله بتصديق خبره وتنفيذ أمره. قال تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام}، وقال جل وعلا: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}..

والإسلام هو الدين الذي رضيه الله لعباده {ورضيت لكم الإسلام دينا} وهو دين ملائكته وكل طائع له طوعاً من خلقه. قال تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون}، ودين السماوات والأرض. قال تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين}!!

وأما من لم يطعه طوعاً من خلقه فكرهاً: {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون}.

6- تكذيب الخبر كفر، ورد الأمر كفر:

ومن رد خبر الله سبحانه وتعالى، أو كذب بشيء من الغيب الذي قصه علينا فقد كفر، وكذلك من رد أمر الله سبحانه وتعالى وأبى أن يطيعه استكباراً وعناداً فقد كفر.

والمعصية الأولى التي عصى بها إبليس ربه كانت من النوع الثاني أعنى أنها رد الأمر، فإن الله قد أمره بالسجود لآدم فقال: {لم أكن لأسجد لمن خلقت طيناً}، ولم يكن إبليس -لعنه الله- مكـذباً بشيء من أخبـار الله. وإنما انحصرت معصيته في رد الأمر الإلهي كبراً وعلواً عندما ظن أن هذا الأمر يخالف الحكمة إذ زعم أن الفاضل لا يسجد للمفضول، وقد رأى نفسه، وقد خلق من النار أفضل من آدم المخلوق من الطين. وقياس إبليس قياس فاسد.

ولما أصر إبليس على معصيته كان جزاؤه أن لعنه الله أبداً وطرده من رحمته سرمداً.

فمعصية إبليس إذن كانت إباءاً ورداً للأمر الإلهي، ومن أجل ذلك كفر إبليس، ولعن وطرد من رحمة الله.

وأما المعصية الثانية التي عصى بها الله سبحانه وتعالى، فقد وقعت من آدم عليه السلام، ولما لم تكن عنـاداً، وإنما كانت ضعفاً ونسياناً كما قال تعالى: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً} ثم إن آدم لم يصر عليها، بل سارع إلى الفرار منها والاعتذار عنها قال تعالى: {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين* قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}.

فلما اعترف آدم وزوجه بالخطيئة، وسارعا إلى التوبة والإنابة، فإن الله سبحانه قبل عذره، وأقال عثرته.

والناظر في معصية آدم يجد أن هذه المعصية قد كانت مخالفة للأمر الإلهي فقط، فإن الأكل من شجرة في الجنة ليس إثماً في ذاته، لولا أنه معصية لله الذي أمره ألا يأكل من هذه الشجرة.

7- العبودية لله هي طاعة الأمر فيما عقل معناه، وما لم يعقل معناه:

والعبـودية لله إنما هي في طاعة أمره أيا كان هذا الأمر في صغير أو كبير. فيما يوافق معقول المأمـور، أو يخالف معقوله. فإن الرب الإله سبحانه وتعالى هو أعلم بما يأمر به وينهى عنه، والعبد لا يكون عبداً على الحقيقة إلا إذا أطاع معبوده دون تردد أو توقف أو نظر أو سؤال؛ لم أمر بكذا؟ ولم نهى عن كذا؟ ولو كان العبد لا يطيـع إلا فيما عقل وفهم لكانت طاعته لمعقوله ومفهومه وليس لخالقه وإلهه ومولاه..

فإن الإنسان يطيع عقله، وقلبه في أشق الأمور على نفسه وبدنه، بل قد يركب الصعب والذلول في تنفيذ ما يأمره به سلطان العقل، أو سلطان القلب والهوى...

ولو كانت طاعة الله تابعة لسلطان العقل والقلب والهوى لكان المعبود حقاً هو العقل والقلب والهوى وليس الله سبحانه وتعالى...

بل العبودية أن يطيع العبد ربه فيما يخالف سلطان عقله وقلبه وهواه.

بل إن الدين قائم على مخالفة ما تهواه النفوس، وما يخالف رأي الإنسان ومعقوله أحياناً وهذا هو معنى التعبد لله... ولا يمنع أن يكون في الدِّين ما يوافق معقول الإنسان ونظره، ولكن الله سبحانه وتعالى شاء أن يتعبد عباده بما يحكم به هو سبحانه وتعالى، لا بما يرونه بأنفسهم أو يعقلوه بعقولهم، أو تهواه أنفسهم.

8- إبراهيم عليه السلام هو الإمام والمثال والقدوة والأسوة في المسارعة إلى تنفيذ أمر الله سبحانه:

هـذا نبي الله إبراهيم جعله الله إماماً للناس جميعاً، وجعل النبوة في ذريته دون سائر البشر، ولم يصل إبراهيـم عليه السلام إلى ما وصل إليه من إمامة الدين إلا أنه أُمِرَ بأوامر إلهية تخالف معقول البشر فنفذها إبراهيم عليه السلام على النحو الذي أمره الله بها تماماً. قال تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم رَبُّه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً}، وكان مما أمر به مما يخالف معقول البشر أن يلقي زوجته هاجر وابنها إسماعيل في أرض مقفرة موحشة لا إنس فيـها ولا شيء وهي أرض مكة، وليس معهم أحد على الإطلاق وليس لهم من الزاد إلا جراب تمر، وقربة ماء... ثم كر عائداً وحده إلى بلاد الشام.

وهـذا الأمر الإلهي لإبراهيم عليه السلام يخالف معقول البشر فإن أحداً لو فعل ذلك من عند نفسه لكان فعله جريمة وإثماً!!

وكذلك أمر الله سبحانه وتعالى له بأن يقتل ابنه بكره إسماعيل عليه السلام بعد أن شب وبلغ مبلـغ الرجال، فسارع إلى تنفيذ الأمر دون تلكأ أو نظر، أو تسويف، ولو أن إنساناً عمد إلى أن يقتل ابنه دون أمر من الله لكان هذا جريمة وإثماً.

فقـد روى الإمام البخاري رحمه الله بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: [أول ما اتخذ النساء المِنْطَق من قِبَلِ أم إسماعيل، اتخذت منطقاً لتُعَفِّي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجـد وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندها جراباً فيه تمر وسقاءاً فيه ماء، ثم قَفَّى إبراهيم منطلقاً.

فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيـم أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً. وجعل لا يلتفت إليها فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا. ثم رجعت.

فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم} حتى بلغ {يشـكرون} وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نَفَدَ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها فجعلت تنظر إليه يتلوى، أو قال: يَتَلَبَّط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثـم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل تـرى أحداً فلم تَرَ أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات.

قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: [فذلك سعي الناس بينهما].

فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صَهْ!! تريد نفسها، ثم سمعت فسمعت أيضاً، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث!! فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه، أو قال: بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تحوِّضُه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف...

قال ابن عبـاس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: [يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم -أو قال: لو لم تغرف من زمزم- لكانت زمزماً عيناً معيناً].

قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضَّيعَة، فإن هذا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله.

وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله. فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جُرْهُم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كُدَاء، فنزلوا في أسفل مكـة فرأوا طائراً عائفاً فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جرياً أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا.

قال: وأم إسماعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم. ولكن لا حق لكم في الماء!! قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: [فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأُنْسَ] فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم.

وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم.

وماتت أم إسماعيل.

فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بِشَرٍّ!! ونحن في ضيق وشدة!! فشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك اقرئي عليه السلام وقولي له يُغيِّر عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً فقال: هل جاءكم أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك، فأخبرتـه، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنّا في جهد وشدة، قال فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم! أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول: غَيِّرْ عتبة بابك، قال: ذاك أبي،وقد أمرني أن أفارقك!! الحقي بأهلك فطلقها!! وتزوج منهم امرأة أخرى.

فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. قـال: كيف أنتم؟ وسألها ما طعامكم؟ قالت: اللحم!! قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء.
قـال النبي صلى الله عليه وسلم: [ولم يكن لهم يومئذ حَبٌّ، ولو كان لهم دعا لهم فيه]. قال: فهما لا يخلـو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومُريهِ يثبت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم. أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليـه فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا بخير، قال: فأوصاك بشيء. قالت: نعم! هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك.

ثـم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد. ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها. قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يناوله الحجارة يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم}. قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم}] (رواه البخاري)

9- الجانب التعبدي في الإسلام كبير جداً:

وإذا كانت الشريعة المنزلة على محمـد صلى الله عليه وسلم في عمومها مما يوافق معقول أهل العقل والحجا والحكمة إلا أن الجانب التعبدي فيها كبير جداً... فإن مواقيت الصلاة، وأعـداد الركعات، وهيئات الصلاة، وكون الزكاة في بعض الأموال وليست في جميعها، وتقدير النصاب، وصفة الصوم، وأعمال الحج من طواف وسعي وتقبيل للحجر الأسود، والوقوف بعرفـة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، كل ذلك من الأمور التعبدية التي يراد منها ابتلاء طاعة العباد لربهم وخالقهم سبحانه وتعالى.

كما أن الحدود والعقوبات الشرعية الشأن فيها التعبد لله سبحانه وتعالى بتنفيذ أمره والانتهاء عن نهيه جل وعلا..

وكذلك ما أباحه الله وما حرمـه...فإن الله أباح البيع وحرم الربا، وقد يكسب البائع في بيعه ألفـاً في المائة، وقد يكون الربا المحرم درهم في الألف، ويبقى الربا حراماً والبيع حلالاً.. وقد أمرت المرأة أن لا تحد على ميت أكثر من ثلاثة أيام، ولو كان الميت أعز الناس لديها كابنها وأخيها وأبيها، ولكنها يجب أن تحد على زوجها أربعة أشهر وعشراً!!

ولا شك أن وراء كل أمر إلهي حكمة عليا قد يخبرنا الله بها، وقد يهدينا إلى معرفتها، وقد يخفيها عنا، وفي كل ذلك يجب على المكلف أن يسمع ويطيع. وأما إن علق طاعته لله على فهمـه ومعقوله ومعرفته لحكمة الآمر، فإنه لا يكون عابداً لله على الحقيقة ولو رد الأمر الإلهي ظاناً أنه مخالف للحكمـة والعقل لكان كافراً، وكان كفره ككفر إبليس الذي لم تكن جريمته إلا رد الأمر الإلهي كفراً وكبراً وعناداً.


10- المفهوم الشمولي لمعنى الذنب:

إذا عرف العبـد ربه على الحقيقة، وأنه هو خالقه ورازقه، ومتولي شؤونه، ومن بيده نفعه وضره، ومن يعلم علانيته وسره، وحياته ومماته، وأن العبد لا يستغنى عنه طرفة عين، علم أن حق الله على عبـاده أن يطيعوه فلا يعصوه، وأن يشكروه ولا يكفروه، وأن يذكروه ولا ينسوه، وأن يتقوه حق تقاته.

وكل تقصير في هـذه الحقوق تقصير ومعصية... فالغفلة ولو للحظة واحدة عن ذكر الله إثم، وعدم القيام بشكر نعمة واحدة من نعم الله التي لا تحصى إثم، ومعصية أمر الله في الكبير والصغير إثم.

وقد أمر الله عباده أن يتقوه حق تقاته، أي كما ينبغي له إذ هو سبحانه وتعالى أهل لأن يتقى، فهو الرب الإله القائم على كل نفس بما كسبت. قال تعالى: {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمـل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه، وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} (يونس:61)

وقد علم الله سبحانه وتعالى أن عباده لا يطيقون أن يقوموا بحقه وأن يتقوه كما ينبغي له سبحانه وتعالى، ففرض عليهم من ذلك ما يستطيعون، فقال جل وعلا: {فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا} فمن غفل عن ذكر الله الواجب المستطاع فهو آثم، كما قـال صلى الله عليه وسلم: [ما من قـوم جلسوا مجلساً ثم قاموا منه ولم يذكروا الله فيه إلا كان هذا المجلس عليهم ترة يوم القيامة] أي حسرة وندامة... ولا حسرة إلا في ترك واجب.

ومن قصر في شكر نعمة عرفها فهو آثم ولو كانت في شربـة ماء شربها، ولم يحمد الله عليها. قال تعالى: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر لما خرجا من بيوتهم بسبب الجوع ثم أضافهـم أنصاري فقدم لهم عذقاً من تمر ورطب فأكلوا وقـدم لهم ماءاً بارداً فشربوا... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن هذا من النعيم ولتسألن عنه يوم القيامة].

ومن عصى الله في صغير أو كبير فهو تحت الحساب والمؤاخذة إلا أن يغفر الله ذنبه.

إذا علم هذا علم معنى الذنب الذي ينسب إلى الأنبياء والرسل فإنه ليس كبيرة بحال، وليس تعمـداً لمعصيته الله، وإنما قد يكون اختياراً لخلاف الأولى، أو انقطاعاً لحظة عن الذكر الدائـم، أو قعود لحظة عن الشكر الدائم، قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم: [إنه ليُغَانُ على قلبي وإني أتوب إلى الله في اليوم أكثر من مائة مرة]..

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل حتى تتفطر قدماه، فإذا سئل في ذلك قال: [أفلا أكـون عبـداً شكوراً] فمن عرف حق الله على عباده، وعرف أن حقه يعظم كلما عظمت نعمته على العبد وعلم أن حق الله سبحانه على عبده أن يذكره فلا ينساه، ويشكره فلا يكفره، وأن يطيعه فلا يعصيه، وأن يخافه ويتقيه كما ينبغي لجلاله وعظيم سلطانه..

علم العبد عند ذلك ماذا تعني المعصية والذنب؟

11- المؤاخذة بالمعصية :

كل من عصى الله سبحـانه وتعالى فهو تحت المؤاخذة إلا أن يغفر الله ذنبه، والمؤمن قد يؤاخذ بمعصيته في الدنيا، ويحصل له من البلاء ما يطهر ذنبه، ويعلي درجته، وقد يؤاخذ الله بعض أنبيائه في الدنيا بسبب معصية صغيرة تقع منهم ومن ذلك.

أ- آدم عليه السلام ومعصيته للأمر الإلهي:

فآدم عليه السلام الذي لم تكن معصيته إلا أنه خالف الأمر الإلهي بأكله من شجرة نهاه أن يأكل منها، ومعصية آدم بالأكل من الشجرة فإنها -والله تعالى أعلم- لم تكن فاحشة في ذاتها ولا إثمـاً لولاً المعصية. فقد أباح الله لآدم الأكل من كل أشجار الجنة، فليس الأكل من هذه الشجرة مذهباً للعقل، ولا ضاراً في النفس أو البدن، ولا تعدياً على حق مخلوق، ونحو ذلك مما هو من تعليل الإثم. وإنما كانت معصية آدم فيما أخبرنا الله به –والله تعالى أعلم- في أنه أطاع الشيطان الذي حذره الله من طاعـته، وأنه عصى الله فيما أمره به. قال تعالى: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجـد له عزما، وقال تعالى: {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} (الأعراف:22)

ومع ذلك كان من آثار هذه المعصية آلاماً طويلة في الدنيا منها: خروج آدم وزوجه من الجنة، وتعرضه هو وذريته لما يتعرضون له من البلاء في هذا الدار.. وإلى يوم القيامة!!

ب- نوح عيه السلام ووعظ الله له:

وهذا نبي الله نوح عليه السلام سماه عبداً شكوراً، وكان من أولي العزم من الرسل، وقد قام في عبادة الله سبحانه وتعالى ألف سنة إلا خمسين عاماً يتحمل في أثنائها الكرب الطويل والأذى البالغ. قال تعالى:{ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه وأهله من الكرب العظيم} (الصافات:75-76)

ولما دعا نوح ربـه قائلاً: {رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين} (هود:45) أجابه الله سبحانه: {يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين} (هود:46)

فقال العبد الصالح: {رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} (هود:47)

فاعترف عليه السلام بذنبه، وأنه قد قال قولاً لا علم له به!!

ج- يونس عليه السلام والسجن في بطن الحوت:

وهـذا يونس عليه السلام عاقبه الله لأنه ترك قومه الذين كذبوه وآذوه، دون أن يأذن الله له، فسجن في بطن الحوت إلى أن تداركته رحمة الله بالخروج، ضعيفاً مريضاً. قال تعالى:{فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} (الصافات:143-144)
وقال تعالى: {وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين* فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} (الأنبياء:87-88)

د- الوعيد بالعذاب لقبول الفداء من الأسرى:

ونبينا صلى الله عليه وسلم عاتبه الله سبحانه بعد قبوله فداء الأسرى ويقول: [لقد عرض عذابكم أدنى من هذه الشجرة]!!
فقد روى الإمام أحمد قال: حدثنا عبدالله بن أبي ثنا أبو نوح أنبأنا عكرمة بن عمار ثنا سماك أبو زميل حدثني ابن عباس حدثني عمـر بن الخطاب رضي الله عنه قال: [لما كان يوم بدر قـال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلاث مائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مد يديه وعليه رداؤه وإزاره ثم قال: اللهم أين ما وعدتني؟ اللهـم أنجز ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تُعبد في الأرض أبداً].

قـال: فما زال يستغيث ربه عز وجل ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأخذ (أبو بكر) رداءه فرداه ثم التزمه من ورائـه، ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. وأنزل الله عز وجل {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين}.

فلمـا كان يومئذ والتقوا، فهزم الله عز وجل المشركين فقتل منهم سبعون رجلاً، وأسر منهم سبعون رجلاً، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان فإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار وعسى الله أن يهديهم فيكونون لنا عضداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما ترى يا ابن الخطاب]؟ قال: قلت والله ما أرى رأي أبي بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان -قريباً لعمر- فأضرب عنقه، وتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان -أخيه- فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هــوادة للمشركين. هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم!! فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلتُ، فأخذ منهم الفداء.
فلما أن كان من الغد قال عمر رضي الله عنه: غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو قاعـد وأبو بكـر رضي الله عنه وإذا هما يبكيان!! فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما!! قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلـم: [الذي عرض عليّ أصحابك من الفداء، لقد عُرِض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة] لشجرة قريبة، وأنزل الله عز وجل {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} إلى قوله: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم}.

ثم أحل لهم الغنائم فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون وفر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكسرت رَبَاعِيَّته وهُشِّمَت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه، وأنزل الله تعالى: {أو لما أصابتكم معصية قد أصبتم مثليها} الآية بأخذكم الفداء] (رواه أحمد)

12- الرسل عليهم السلام يخافون ذنوباً لو كانت لأحدنا لعدها من الطاعات:

الرسل عليهم السلام يخافون ذنوباً لو كانت هذه الذنوب نفسها لأحدنا لعددناها من الطاعات والقربات.. فمن منـا لا يتمنى أن يكون صنع ما صنع إبراهيم عليه السلام من كذبه على قومه عباد الأصنام عندمـا قال لهم: {إني سقيم} (الصافات:289) وقوله: {بل فعله كبيرهم هذا} (الأنبياء:63) حتى يحطم أصنامهم، ويرجعهم إلى عقولهم ورشدهم؟! ومن منا لا يتمنى أن يقول عن زوجته هي أختي ينقذها ونفسه من جبار كافر أراد أن يقتله ويستحوذ على زوجته!! ومع ذلك يقول إبراهيم عليه السلام يوم القيامة معتذراً عن التصدر للشفاعة خائفاً من معصيته!! [وإني قد كذبت ثلاث كذبات!!] (رواه البخاري)

وهذا نبي الله موسى عليه السلام، وهو من أولي العزم والرسل، يقتل نفساً قتلاً شبه عمد وليس عمداً، ويقتله بغير قصد قتله، يقتله دفاعاً عن مظلوم، وهذا الفعل منه كان قبل الرسالة ومع ذلك يقول:{رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فغفر له إنه هو الغفور الرحيم} (القصص:16)، ومع ذلك يظل موسى خائفاً من فعلته هذه إلى يوم القيامة ويقول: [إن ربي قد غضب اليـوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله وإني قد عصيت ربي فقتلت نفساً لم أومر بقتلها]. (رواه البخاري)

ومن منا لا يتمنى أن يكون صنع ما صنع موسى في دفاعه عن مظلوم من قومه!!

13- ازدياد الخوف من الله مع زيادة الإيمان، ونقص الخوف مع نقص الإيمان:

كلما تبلـد الشعور، وزاد البعد عن مصدر النور، زال الإحساس بالذنب، فالكفار يكفرون ويجرمـون ويفسقون وهم يضحكون. والفاجر والمنافق يرى ذنبه كأنه ذباب يحط على أنفه لو أشار إليه بيده رده، والمؤمن يرى ذنبه كالجبل يوشك أن يسقط عليه، وكان أنس بن مالك يقول وكان قد عمـر زماناً بعد النبي صلى الله عليه وسلم: [أنكم تعملون أعمالاً كنا نعدها من الكبائر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في أعينكم أصغر من الشعر]
14- ألوان وأنواع العقوبات لعصاة المؤمنين:

كل ذنب داخل في الحساب إلا ما يغفره الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره* ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} (الزلزلة:7-8)

وبعض العصاة من الموحدين قد يعذبون في النار، أو في القبر، أو في الحشر في صغائر من الذنـوب، وفي كبائـر يظنها بعض الناس صغائر، فامرأة يراها النبي في النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً. وقتيل مع الرسول ظنه الصحابة شهيداً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [كلا. إني رأيته في النار في بردة غلها] (رواه مسلم)، ولم تكن هذه البردة تساوي أربعة دراهم!!

والرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى، لا يلقي لها بالاً فتهوي به في النار سبعين خريفاً.

ونساءٌ كثيراتٌ كثيراتٌ من أهل التوحيد يدخلن النار لأنهن يكثرن اللعن، ويكفرن العشير!!

ورجـال يحبسون في النار في ردغة الخبال، ووسط عصارة وصديد أهل النار لأنهم تكلموا في إخوانهـم المسلمين بغير حق. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه، ومن قـال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال] (رواه أبو داود)

والوعيد الشديد لعصاة أهل التوحيد يشمل المعاصي كلها صغيرها وكبيرها، فقاتل النفس عمداً يقول الله فيه: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاءه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً} (النساء:93)

وآكل الربا يقول الله فيه: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا، وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} (البقرة:275)

والكنّازون مانعي الزكاة يقول الله في وعيدهم: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم* يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} (التوبة:34)

وفي هـذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها إلا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار]. (رواه مسلم)
والذي يقتطـع حق امرئ مسلم بيمينه -ولو كان هذا المقتطع شيئاً يسيراً ولو عوداً من أراك - فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة. قال تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} (آل عمران:77)

وفي هـذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة] فقال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ فقال: [وإن قضيباً من أراك]. (رواه مسلم)

ورأي النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من أصحابه لبس خاتماً من ذهب، فاقتلعه النبي من أصبعه، ورمى به قائلاً: [يعمد أحدكم إلى جمرة من نار، فيجعلها في يده]!! (رواه مسلم)

وامرأة كانت من أهل النار لأنها تؤذي جيرانها بلسانها!! وفقير من فقراء المهاجرين، عذب في قبره لأنه مات وكان عليه ديناران لم يسددهما!! وظل يعـذب حتى تصدق عليه أبو قتادة وسدد عنه دينه!!

ورجل يعذب في قبره لأنه كان لا يستنزه من بوله، وآخر يعذب لأنه يمشي النميمة بين الناس، وقـال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا يدخل الجنة قتات] (نمام)، و[لا يدخل الجنة قاطع]!! و[لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر]!! و[ان الكبر بطـر الحق وغمط الناس].. وكم يقع مثل هذا!!

اللهم أني استغفرك لذنبي، وأعوذ بك من شر نفسي وسيئات عملي.

ومما قصه النبي صلى الله عليه وسلم من عذاب عصاة المؤمنين قوله: [إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني وإنهمـا قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائـم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فَيَثْلَغُ رأسه، فيتهدده الحجر هاهنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه، حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به كما فعل به المرة الأولى.

قال: قلت لهما سبحان الله!! ما هـذان. قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على رجل مُسْتَلقٍ لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكُلُّوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شِقَّي وجهه، فيشرشر شدقه إلى قفـاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما يفعل في المرة الأولى.

قال: قلت: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، وأحسب أنه كان يقول: فإذا فيه لغط وأصوات فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة!! وإذا هم يأتيـهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضَوْضَوْا.قال: قلت: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق!!

قـال: فانطلقت فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبـح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فَيَفْغَرُ له فاه، فيلقمه حجراً، فينطلق يسبح، ثم يرجع إليه، كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجراً، قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق!!

فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة أو كأكره ما رأيت من راءٍ رجلاً مرآة، وإذا هو عنده نار يَحُشُّها ويسعى حولها، قال: قلت لهما: ما هذا؟ قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على روضة معتمـة فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدانٍ رأيتهم قط، قال: قلت لهما: ما هذا؟ ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا، فأتينا إلى روضة عظيمة لم أر روضة قط أعظـم منها، ولا أحسن. قال: قالا لي: ارْقَ فيها فارتقيت فيها، قال: فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا، فدخلناها فتلقانا رجال شطر من خَلْقِهم من أحسن ما أنت راءٍ، وشطر كأقبح ما أنت راء. قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، قال: إذا هو نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة قال: قالا لي: هذه جنة عدن، وهَذَاكَ منزلك، فسما بصري صعداً، فإذا قصر مثل الربابة البيضاء، قالا لي: هذاك منزلك؟

قلت لهما: بارك الله فيكما فذراني فأدخله، قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله.

قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجباً، فما هذا الذي رأيت؟! قالا لي: أما إنا سنخبرك أما الرجـل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة.

وأما الرجل الذي أتيت عليه يُشَرْشَرُ شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه ، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق.

وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور، فهم الزناة والزواني.

وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويُلْقَمُ الحجارة فإنه آكل الربا.

وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها، فإنه مالك خازن جهنم.

وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم.

وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة.

وفي رواية البرقاني: [ولد على الفطرة]، فقال بعض المسلمين: يا رسـول الله وأولاد المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأولاد المشركين!! وأما القـوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح، فإنهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، تجاوز الله عنهم]. (رواه البخاري)

15- حال المؤمن بين الخوف والرجاء:

كنت أسمع كثيراً وأنا في مراحل العلم الأولى أن المؤمن يجب أن يكون خائفاً راجياً، خائفاً من العذاب وراجياً رحمة الله وفضله في الجنة والمغفرة... وكان يقرع آذاني كسائر المتعلمين للعلم الشرعي- الآيات والأحاديث في ذلك: آيات الوعد والوعيد، وأحاديث البشارة والنذارة... ولكني كنت ككثـير من الناس أغلب الرجاء على الخوف، والطمع على الرهبة!! ثم اكتشفت أخيراً أن هذا من التغرير!! وعلمت يقيناً بعد ذلك أن الخوف يأتي أولاً، ويستمر أبداً، ومن لا يخاف الله على الحقيقة فهو خارج عنمسمى الإيمان..

وقد وصلت إلى ذلك بعد أن علمت يقيناً أن أهل الإيمان جميعاً يخافون، فالملائكة وهم خير عباد الله يخافون معصية الله، والرسل وهم صفوة الله قد كانوا في خوف دائم من عذاب الله، وأن خيار أهل الإيمان كانوا في خوف وإشفاق دائم من العذاب!! وأنه لا أمن للمؤمن إلا بعد دخول الجنة، وقول الله سبحانه وتعالى لأهلهما [إني أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً] وأما قبل ذلك فلا.

16- ملائكة الله يخافون العذاب:

الملائكة قــد وصفهم الله سبحانه وتعالى بالطاعة التامة، قال تعالى عنهم: {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عباده ويسبحونه وله يسجدون} (الأعراف:206) ،وقال تعالى: {فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} (فصلت:38)

وقال سبحانه عن أشد الملائكة خلقاً،وأعنفهم خلقاً وهم ملائكة العذاب الموصوفون بأنهم [غلاظ شداد]، قال تعالى عنهم: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} (التحريم:6)

ومع ذلك فإنهم في خوف دائم من الله سبحانه وتعالى، وحـذر دائم من معصيته، وفرق ورعب منذ خلق الله النار. قال تعالى عنهم: {ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابـة والملائكة وهم لا يستكبرون* يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} (النحل:49-50)

وقـد جاء في القرآن وعيدهم وتهديدهم بجهنم على المعصية. قال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولـداً سبحانه بل عباد مكرمون* لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون* يعلم ما بين أيديهم وما خلفـهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} (الأنبياء:26-29)

وهذا إبليس قد كان في يوم ما عابداً الله مع الملأ الأعلى من الملائكة.. فلما عصى ربه، ولم يسجد لآدم كما أمره كان من شأنه ما قص الله علينا في القـرآن... قال تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين* قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك، قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين* قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغـرين* قال انظرني إلى يوم يبعثون* قال إنك من المنظـرين* قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم* ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين* قال اخرج منها مذءوماً مدحوراً لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين} (الأعراف:11-18)

فلما أصر إبليس على كبره وعناده ولم يرجع عن معصيته، وأخذ على نفسه أن يغوي آدم وذريته... قال له الله تبارك وتعالى: {قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} (ص:84-85)

وقال تعالى لإبليس أيضاً: {قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} (الحجر:41-44)

فإذا كان إبليس قد أفسد ماضيه في العبادة، ومنزلته في الملائكة بمعصية واحدة أصر عليها، ولج في خصومته لربه، وعاند فيها.. فكان جزاؤه اللعنة أبداً، والنار سرمداً، والخذلان في الآخرة والأولى.

ثم أصبحت نهاية إبليس ما نص الله علينا في سورة إبراهيم من قوله: {وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم} (إبراهيم:22)

فهل بعد هذا يأمن عبـد من عباد الله أن تغشه نفسه، ويخونُه تدبيره، ويعميه غروره، وتغريره، فيكون من الهالكين بمعصية واحدة يصر عليها، ويستكبر بها عن طاعة ربه. وكم من عابد، وعالم غوته نفسه وأطاع الشيطان فتحول ليكون تابعاً ذليلاً للشيطان!!

فكم أضل الشيطان من أهل العلم والبصيرة، بل من أهل الطاعة والإنابة. قال تعالى: {واتل عليـهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين* ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآيتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} (الأعراف:175-176)

وقال تعالى عن قوم سبأ: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين}..

وقـال تعالى عن عاد: {وعاداً وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين}

فانظر كيف أغواهم الشيطان علماً أنهم كانوا ذوي بصيرة ونظر!!

وقـال صلى الله عليه وسلم: [ليُذادَنَّ أقوام من أمتي حوضي أعرفهم ويعرفوني ويؤخذ بهم جهة النار، فأقول: أصحابي أصحابي. فيقال: ليسوا أصحابك إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقاً سحقاً].

والملائكة الذين أقامهم الله في الطاعة وألزمهم العبادة وألهمهم التقوى والمخافة هم في طاعة ربهم حيث يشاء ربهم لا حيث يريدون هم.

وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يحب جبريل، وكيف لا يحبه وهو معلمه. قال تعالى:{علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو في الأفق الأعلى} (النجم:5-7)

وكيف لا يحبه وهو ناصره ووليه. قال تعالى: {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير} (التحريم:4)

وكيف لا يحبه وقد كان في حروبه أمامه، وعلى ميمنته وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول لجبريل: [ألا تزورنا أكثر مما تزورنا!!] فنزل قول الله تبارك وتعالى: {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسياً}. (رواه البخاري)

فإذا كان جبريل أمين الله على وحيه، ورسوله إلى رسله، لا يهبط إلى الأرض إلا بإذن ربه، ولا يزور محمـداً صلى الله عليه وسلم إلا برسم وأمر، فانظر كيف تكون طاعة الملائكة لربهم جل وعلا... وهذا إسرافيل قد التقم القرن وحنى جبهته وأصاغ السمع، وانتظر متى يأمـر الله بأن ينفخ في الصور!! ومنذ متى وهو على هذه الحال!! قائم في الطاعة!! ملتزم بالأمـر... وجميعهم خائف من الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} (النحل:50)

وقد جاء أنهم في خوف دائم منذ خلق الله النار.

17- رسل الله وأنبياؤه يخافون العذاب:

وأما الرسل والأنبياء فهم أعظم البشر خوفاً من الله سبحانه وتعالى، وفرقاً من عذابه، وفراراً إليه!! مع ما كانوا عليه من الطاعة والاستقامة، والعبادة!!

فهـذا آدم منذ عصى الله بأن أكل من الشجرة التي نهاه الله أن يأكل منها وهو خائف من العذاب مع استغفاره ورجوعه إلى الله من ذنبه مع ما حدث له بعد ذلك من الابتلاء بالخروج من الجنة ومقاساة العيش على ظهر الأرض...

وعندما يلتقي أبناءه يوم القيامة يستشفع به أبناؤه إلى الله في القضاء بين العباد ودخول الجنة قائلين له: يا أدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء ألا تشفع لنا عند الله!! [فيقول لهم أبوهم آدم: وهل أخرجكم من الجنة إلا معصية أبيكم، اذهبوا إلى غيري].

وفي حديث الشفاعة الطويـل يظل كل رسول خائفاً من الله... فقد روى الإمام البخاري عن أبي هريرة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوة، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فَنَهَسَ منها نَهْسَةً، وقال: [أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون.

فيقـول الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ ألا ترون إلى ما بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم، ويأتونه فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك؟ ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فقال: إن ربي غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعـده مثله، وأنه نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح.

فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبداً شكوراً، ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما بلغنا، ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضـباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم.

فيأتـون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك ألا تـرى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كنت كذبت ثلاث كذبات. نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى.

فيأتون موسى. فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وبكلامه على الناس، اشفـع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى.

فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد، اشفع لنا إلى ربك. ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنباً. نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم..

فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟

فأنطلق، فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي، ثم يفتح الله علي من محامده، وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه علي أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب.

فيقـال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس، فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: [والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى]. (متفق عليه)

فإذا كان هذا هو حال الرسل يوم القيامة، فما حال غيرهم من أهل الذنوب والمعاصي.

وكـان صلى الله عليه وسلم أتقى العباد لله وأخوفهم منه، وأعلمهم به، وكان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء..

18- المؤمنون حقاً في خوف دائم من عذاب الله إلى أن يدخلوا الجنة:

عندمـا قرأت القرآن وجدت الله سبحانه وتعالى وصف عباده المؤمنين أنهم كانوا في خوف دائم من عذابه، وفي تَرَقُّب وتوجس أن يقع بهم العذاب في أي لحظة، وإشفاق دائم مما هم مقدمون عليه...

وجـدت أن الله يقول في وصف عباده المؤمنين: {والذين هم من عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون} (المعارج:27-28)

والإشفاق غاية الخوف، ونهاية الرعب، ووجدت الله يقول في وصف عباده المؤمنين: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون* والذين هم بآيات ربهم يؤمنون* والذين هم بربهم لا يشركون* والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون* أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} (المؤمنون:58-61)

وهؤلاء المؤمنون خائفون مع أنهم يصلون ويصومون ويتصدقون. ففي مسند الإمام أحمد أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجله هو الـذي يسرق ويزني ويشرب الخمر ويخاف الله عز وجل؟ قال: [لا يا ابنة الصديق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل]

وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون}.. "أي هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من الله خائفون وجلون من مكره بهم".

قال الحسن البصري: "إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وإن الكافر جمع إساءة وأمناً".

نعـم لقد وجدت أنه لا يشعر بالأمن والأمان إلا الكفار والمنافقون الذين غرتهم أنفسهم وَرَأَوْا سيء أعمالهـم حسناً، وأن الله ما دام قد أعطاهم في الدنيا الأموال والأولاد فهو مكرمهم في الآخرة أيضاً.

ورأيت أن الله أخبرنا بحديث أهل الجنة وذكرياتهم في الدنيا فكان مما قالوه: {إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين* فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم* إنا كنا من قبـل ندعوه إنه هو البر الرحيم} (الطور:26-28)

19- نماذج رائعة من المؤمنين الخائفين من عذاب الله:

أ- عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

هـذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتمنى كل مؤمن أن يكون له بعض عمله يقول: وهو في مرض موته عن سابقته في الإسلام وعمله الصالح كله "وددت أن هذا كفافاً لا لي ولا عَلَيَّ"

فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى المسور بن مخرمة قال: لما طعن عمر جعل يألم، فقال له ابن عبـاس، وكأنه يُجَزِّعُه: يا أمير المؤمنين ولئن كان ذاك لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسنت صحبته، ثم فارقت وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقت وهو عنك راض، ثم صحبت صَحَبَتُهم فأحسنت صُحْبَتَهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهـم عنك راضون. قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه، إن ذلك مَنٌّ منًّ الله تعالى علي، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذلك مَنٌّ من الله جل ذكره عَلَيَّ وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك ومن أجل أصحابك، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله عز وجل قبل أن أراه"

وفي رواية أخرى قال: [وددت أن ذلك كفافاً لا عليّ ولا لي] (رواه البخاري)

وفي رواية: [لو أن بغلة عثرت بالعراق لسئل عنها عمر بين يدي الله عز وجل]

فهل يغتر مؤمن بعمله بعد أن يرى هذا من عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

فإذا كان عمـر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أسلم مبكراً، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وصحبة ساعة مع رسول الله لا يعدلها عمل ممن يأتي بعده، وكان وزير النبي صلى الله عليه وسلم ومستشاره، ولم يمت النبي صلى الله عليه وسلم حتى بشره بالجنة مراراً وتكراراً، ثم كان خير صاحب لأبي بكر الصديق، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان خير وزير ومستشار ومعين له، ثم تولى أمر المسلمين "فاستحالت في يده غرباً"... "حتى ضرب الناس بعطن".

ففتحت في عهده الفتوح،ودخلت الأمم في دين الله أفواجاً: الفرس والروم، وشعوب بلاد الشام، ومصر، وغطى الإسلام الأرض كلها أو كاد... ونقل إلى المدينة النبوية كنوز كسرى وقيصر، ومع ذلك مات عمر يوم مات شهيداً حميداً مديناً بستة وثمانين ألف دينار!! قام ابنه عبدالله رضي الله عنه بتسديدها عنه بعد أن جمعها من مال آل الخطاب.

ومع كل هذه الفضائل والمناقب قال عند موته: "أرجو أن يكون هذا كفافاً لا لي ولا علي... والله لو أن بغلة عثرت بالعراق لسئل عنها عمر بين يدي الله عز وجل، والله لو كان طلاع الأرض ذهبـاً لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه". أي لو كنت أملك مثل جبال الأرض ذهباً لافتديت به الآن مما أحاذر من عذاب الله، فإذا كان عمر رضي الله عنه يخشى من عذاب الله على هذا النحو، وهو من هو رضي الله عنه، فما الظن بأمثالنا ممن لا تحصى ذنوبهم ولا قدم لهم في الإسلام.



ب- عمرو بن العاص رضي الله عنه يبكي -خوفاً من الله- وهو على فراش الموت:

ورأيت أن عمرو بن العاص يبكي وهو على فراش الموت خائفاً من لقاء الله فقد روى الإمام مسلم بإسناده إلى أن ابن شماسة المهري قال: "حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت فبكى طويلاً وحول وجهه إلى الجـدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

إني قد كنت على أطباق ثلاث:

لقد رأيتني وما أحد أشد بغضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني، ولا أحب إلي أن أكون قد استمكَنْتُ منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار.

فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك. فبسط يمينه. قال: فقبضت يدي. قال: [مالك يا عمرو] قال: قلت: أردت أن اشترط. قال: [تشترط بماذا؟] قلت: أن يغفـر لي، قال: [أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله]. وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلـم ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة.

ثم حدثت أمور لا أدري ما حالي فيها.. فإذا دفنتموني فَشُنُّوا علي التراب شنّاً، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزورٌ، ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي.

ج- أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تجعل نفسها من قسم الظالم لنفسه:

وتقول عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن قوله تعالى {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم نفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} أي بني هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن بقى على عهد رسـول الله، وشهد له الرسول بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق بهم، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم!!. (رواه الطيالسي)

د- الجميع يبكي ذنبه ويذكر خطيئته:

ولقد رأيت الجميع يبكي ذنبه، ويذكر خطيئته، ولا يرى لنفسه فضلاً، ولا لعمله الصالح ذكراً ويقول أحدهم: "لو أعلم أن لي عملاً واحداً متقبلاً لتمنيت الموت!!"

ولما رأيت ذلك، ورأيت الطريق الطويل إلى الجنة، ووجدت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [ما من حكـم يحكم بين الناس إلا حبس يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يقفه على جهنم، ثم يرفع رأسه إلى الله عز وجل، فإن قال الخطأ ألقاه في جهنم يهوي أربعين خريفاً]. (رواه أحمد)

وفي كل يوم لنا أحكام وأحكام؟!

20- جولة في النار تبدد الغرور:

ولقد كان أعظم ما جعل غروري السابق بالفردوس يتلاشى ويزول، والتفكير كله ينصب على النجاة من النار أولا وأخيراً هو جولة في النار من الداخل ونظرة إلى الهوة السحيقة!! واستبصار لمن يدخلونها ويتساقطون فيها...

ولما وقفت مرة ومرة عند وصف الله ورسوله لهذه النار العظيمة الموجودة الآن. وعاينت بالقلب أحوال أهلها، علمت يقيناً -إن شاء الله- أن العزم كل العزم يجب أن يكون في الفرار منها، وأن الفرار من النار مقدم على التفكير في دخول الجنة، ومن المعلوم أن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح. فكيف إذا كانت المصلحة لا يتوصل إليها إلا بدفع المفسدة أولاً... فالجنة لا تنال إلا بعد النجاة من النار!! وقد علمت أن مثلي ممن حمل هذه السلسلة الطويلة من الذنـوب والمعاصي، والتي يستحق بها العذاب -لولا رحمة الله- يصبح من إساءة الأدب، ومن الاعتداء في الدعاء أن يسأل الله الجنة، وهو بعد لم يتخلص من موجبات العذاب.

والحق أنني لم أر النار، نار الآخرة لا يقظة ولا مناماً.. ولكني وقفت قليلاً على توقيف الله عبـاده على هذه النار، ووصفه سبحانه المفصل لها، وتصريف الله الوعيد لعباده بشأنها، وعلى النقل الحي للرسول صلى الله عليه وسلم الذي رآها رأي العين، ثم وصفها وصفاً واضحاً كاملاً، فأصبح من لم يرها بعينه كأنه رآها بعينه بوصف النبي صلى الله عليه وسلم لها.

وقـد كان الصحابي يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحدث عن الجنة والنار، فكأنه وإياها رأي العين، قال حنظلة: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا وإياها رأي العين!! فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً!! (رواه مسلم)

وكان رسول الله إذا خطب يصف النار علا صوته، واشتد غضبه، واحمر وجهه كأنه نذير جيش يقـول: [صبحكم ومساكم] قال جابر بن عبدالله رضي الله عنه: [كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: [من يهـده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له. إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار] ثم يقول: [بعثت أنا والساعة كهاتين وكان إذا ذكر الساعة احمرتْ وَجْنتاه وعلا صوته، واشتد غضبه؛ كأنه نذير جيش يقول: [صبحكم ومساكم]!! ثم قال: [من ترك مالاً فلأهله ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي أو علي وأنا أولى بالمؤمنين] (رواه النسائي)

ولو قدر لنا أن تصلنا سلسلة خطب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يفسر سورة (ق) من فوق منبره لكنا سمعنا عجباً، فإن بعض الصحابيات حفظن سورة (ق) من فم الرسول صلى الله عليه وسلم من كثرة ما يخطب بها صلى الله عليه وسلم في الجمعة.

وسـورة (ق) من سور الوعيد، وقد حملت مشاهد عظيمة من صور الحشر، والنار، وكلام أهل النار وخصومتهم بعضهـم بعضاً: من كان السبب منهم في إدخال الآخر إلى النار ورد الله على الجميـع: {لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد* ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد} (ق: 28)

ثم كلام الله للنار التي قد فتحت أبوابها تبتلع كل الأفواج ممن يدخلها من أهلها. وهم عدد لا يحصى كثرة، فإنه يدخل من أولاد آدم من كل ألف تسعة وتسعون وتسعمائة!! ويبقى واحد من كل ألف يدخل الجنة!!

ولما كانت النار دركات بعضها فوق بعض، لا يشاهد المشاهد منها على ظهر أرض المحشر إلا أبوابها، وقرونها وأسوارها، ولهيبها المنبعث منها، وأما هي فبئر واسع سحيق يمتد سفلاً حتى إن الحجر ليلقى من على شفير جهنم (الشفير حافة البئر) فيمكث سبعين عاماً لا يصل إلى قعرها!!

لما كانت النار كذلك، وقد يظن أنه من كثرة ما يلقى فيها من الجن والإنس يصبحون طبقات بعضهم فوق بعض، وألا متسع في داخلها لمزيد من الأفواج أخبر سبحانه وتعالى عباده أن هذا التنور العظيم، والبئر الواسعة العميقة لن يعجز عن استيعاب كل الداخلين إليها قال تعالى: {يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيـد} (ق:30)، وقال تعالى: {فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون} (الشعراء:94-95)

21- النبي صلى الله عليه وسلم يحدث عن النار التي رآها رأى العين:

على باب النار وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى داخل النار نظر!! فقال صلى الله عليه وسلم: [اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء] (رواه البخاري)

وقال أيضـاً صلى الله عليه وسلم: [قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجـد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء] (رواه البخاري)

وفي مسند الإمام أحمد عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال: خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم شديد الحر، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه فأطال القيام حتى جعلوا يخرون، ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع رأسه فأطال، ثم ركع فأطال الركوع ثم سجد سجدتين، ثم قام فصنع مثل ذلك ثم جعل يتقدم ثم جعل يتأخر، فكانت أربع ركعات، وأربع سجدات، ثم قال: [إنه عرض علي كل شيء توعدونه، فعرضت علي الجنة حتى لو تناولت منها قطفاً أخذته] أو قال: [تناولت منها قطفاً فقصرت يدي عنه] شك هشام [وعرضت علي النار فجعلت أتأخـر رهبة أن تغشاكم فرأيت امرأة حِمَيْرِيّةً سوداء طويلة تعـذب في هرة لها ربطتها فلم تطعمها، ولم تسقها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، ورأيت أبا ثمامة عمـرو بن مالك يجر قُصْبَهُ في النار وإنهما آيتان من آيات الله عز وجل يريكموها فإذا خسفت فصلوا حتى تنجلي] (رواه أحمد)

وفي رواية مسلم: [عُرِضَت عَلَيَّ الجنة والنار آنفاً في عرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحتكم قليلاً ولبكيتم كثيراً] (رواه مسلم)

22- عبدالله بن عمر بن الخطاب يرى النار مناماً:

وكـان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يتمنى أن يرى رؤيا ليقصها على النبي صلى الله عليه وسلم كما كان يفعل كثيرٌ من أصحاب النبي ففي الصحيحين قال: رأيت في المنام أنه جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مِقْمَعَةٌ من حديد، قالوا: لن ترع!! نِعْمَ الرجل أنت، لو كنت تكثر الصـلاة من الليل!! فانطلقوا بي حتى وقفـوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، لها قرون كقرون البئر، بين كل قرنين مَلَكٌ بيده مقمعة من حديد، وإذا فيها رجال معلقون بالسلاسل رؤوسهم أسفلهم!! وعرفت رجالاً من قريش!! فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليـه وسلم: [إن عبدالله رجل صالح]!!

وفي رواية: [نعم الرجل عبدالله لو كان يصلي من الليل]

23- هذا وصف النار في القرآن والسنة:

وأما أنا كاتب هذه السطور فلم أر النار... نار الآخرة لا يقظة ولا مناماً، ولكنني قرأت وسمعت أوصافها في القرآن الكريم، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم.

وكنت وما زلت أحـاول أن أكون كذلك الصحابي الذي كان يجلس مجالس النبي صلى الله عليه وسلم فيسمع وصف النبي صلى الله عليه وسلم وتصويره للنار وأهوالها، وأحوال أهلها فكأنه وإياها رأي العين.

وقد شرعت أجمع وصف النار من آيات كتاب الله الكريم، ومَشَاهِد يصورها الله لنا بالقرآن البليغ المعجز، ومشاهـد آخر ينقلها النبي صلى الله عليه وسلم لنا ويصورها بجوامع الكلم، فإذا الصورة الكلية رهيبة رهيبة، وإذا المشاهد: كل مشهد يقطع القلب لو كان يعي ويسمع..



24- النار واحدة من آيات الله الكبرى:

وأنا متنقل بك أخي المسلم، بل أخي الإنسان، وكيفما كان معتقدك لتنظر وترى، ثم اختر لنفسك بعد ذلك ما شئت قال تعالى: {كلا والقمر* والليل إذ أدبر* والصبح إذا أسفر* إنها لإحدى الكبر* نذيراً للبشر* لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} (المدثر:32-37)

وقال تعالى: {وقل الحق من ربـكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً} (الكهف:29)

وأقول للمصدق بالنار... اجلس بنا نؤمن ساعة!! فإن تذكر النار من الإيمان.

وأقول لغير المصدق بالجحيم: والله إنها لحق، وهي موجودة الآن، وقد رآها الصادقون رأي العين، وحدثوا بما شاهدوا فيها، وأعظم من رآها وحدث بما فيها هو رسولنا الصادق الأمين محمد بن عبدالله الرسول النبي الأمي صلوات الله وسلامه عليه. فقد قال: [وقفت على باب النار!!] وقال: [ورأيت النار فلم أر شيئاً أفظع!!]

ورأيت هنا رؤية بصر، وليس رؤية علم فقط.

25- الجحيم: موجودة باقية أبداً سرمداً:

الجحيم موجودة مخلوقة كائنة الآن، وقد رآها النبي صلى الله عليه وسلم بعيني رأسه، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الجنة نادى جبريل فقال له: [اذهب فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتـك لا يسمع بها أحد إلا دخلها!! فأمر بالجنة فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، فلما رجع فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد!! قال: ثم أرسله إلى النار قال: اذهب فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها. قال: فنظر إليها، فإذا هي يركب بعضها بعضاً، ثم رجع فقال: وعزتك لا يدخلها أحد سمع بها!! فأمر بها فحفت بالشهوات. ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر فيها فرجع فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها]!! (رواه أحمد أبو داود والترمذي والنسائي)

وأخبر صلى الله عليه وسلم أن النار اشتكت إلى الله سبحانه وتعالى فقالت: [يا رب! أكل بعضي بعضاً، فجعل لها نفسين، نفساً في الشتاء، ونفساً في الصيف، فشدة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدة ما تجدون من الحر من سمومها] (رواه ابن ماجه)

وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه [إذا جاء رمضان فُتِحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين] (متفق عليه)

وجميع أخبار الله عنها في القرآن أنها مخلوقة موجودة.

وهذه النار لا تفنى ولا تبيد، بل هي باقية وخالدة خلوداً لا نهاية له، ولا انقطاع له، وأهلها الذين هم أهلها باقون فيها معذبون عذاباً لا ينقطع أبداً، ولا يفتر عنهم مطلقاً -عياذاً بالله منها ومن أحوال أهلها-

قال تعالى: {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} (هود:106-107)

وقال: {إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى} (طه:74)

وقال تعالى: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين* خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} (البقرة:160-161)

وقال تعالى: {يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم} (المائدة:37)

وقال: {فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى* ويتجنبها الأشقى* الذي يصلى النار الكبرى* ثم لا يموت فيها ولا يحيى} (الأعلى:11-13) أي لا يموت موتاً يستريح فيه من العـذاب، ولا يحيى حياة نافعة صالحة، بل عذاب دائم يصبح الموت معه أكبر الأماني ولكنه لا يكون. قال تعالى: {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون} (الزخرف:77)

وقال تعالى لأهلها: {قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين} (الزمر:72)

وقال تعالى: {والذين كفرا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور} (فاطر:36)

وقال صلى الله عليه وسلم: [إذا دخل أهـل الجنة الجنة، وأهل النار النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة خلود فلا موت!! يا أهل النار خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم] (رواه البخاري)

26- هل يمكن تصور سعة النار؟!:

وهذه النار المخلوقة الموجودة الآن لا يبلغ العقل معرفة اتساعها، فإن الشمس والقمر والنجوم أحجار صغيرة في وسطها.. إنها مِحْرَقَةٌ هائلة تلقى فيها النجوم والشموس كما تلقى الأحجار الصغيرة في البئر العظيمة، وتتضخم أجسـاد أهلها وأصحابها ممن كتب الله عليهم الخلود فيها حتى إنه ليكون ضرس أحدهم كجبل أحد!! وما بين منكبيه مسيرة ثلاثة أيام!! وسمك جلده مسيرة ثلاثة أيام!! فيكون جثمان الواحد من أهل النار كأعظم جبل من جبال الدنيا، قال صلى الله عليه وسلم: [ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد، وغَلِظَ جلده مسيرة ثلاث أيام] (رواه مسلم)

وفي البخاري قال صلى الله عليه وسلم: [ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع]

وفي الترمذي قال صلى الله عليه وسلم: [إن مجلس الكافر من جهنم كما بين مكة والمدينة]!!

ومع أنه يدخـل النار من أولاد آدم من كل ألف تسع وتسعون وتسعمائة، ولا يدخل الجنة من الألف إلا واحد فقط!! وثَمَّ من شياطين الجن مثل أعداد كفار بني آدم أو يزيدون، وكلهم يدخلون النار على الحال التي وصف الله سبحانه وتعالى، وكل هؤلاء لا يملئون النار،ولا تضيق بهم!!

{يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد} (ق:30)

وهذه النار التي هي بهذا الاتساع، قد خلقت على شكل البئر المطوية قد لا يبدو للناظر إليها وهو خارج عنها من فوقها إلا سورها وسرادقها المحيط بها، وأبوابها السبعة المقامة في سورها، أو المنصوبة على دركاتها، وأما هي فتذهب عمقاً إلى قعر لا قرار له، وإذا ألقى الحجر العظيم من شفيرها يظل يهوي سبعين عاماً لا يبلغ قعرها... وفي هذه المحرقة الهائلة جبال .

وفي هذه الجبال من الكهوف والمغارات والوديان، والشعاب، تهاويل وتهاويل لا يبلغ العقل عدهـا ولا حصرها، وتجري في جبالها وسهولها وقيعانها، أنهار القيح والصديد، وما يسيل من أجساد أهل النار وما ينفجر من بطونهم وأمعائهم {وسقوا ماءاً حميماً فقطع أمعاءهم} (محمد:15)

ومن هذه الجبال والوديان تتفجر أنهار من ماء كَدَرْدَرِيِّ الزيت مُنْتِنٍ بلغ غايتـه وحَدَّه في الحرارة، إذا قربه المعذب من وجهه شوى وجهه، وتساقط جلد وجهه فيه -عياذاً بالله من سخطه وعقابه- {وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا} (الكهف:29)

والمهل: هو الرصاص المذاب، أو كُلُّ معدن مذاب.

27- في النار: كل أسباب الموت ولا موت!!

هذه النار العظيمة المخلوقة الآن من دخلها من أهلها الذين هم أهلها -عياذاً بالله- فإنه يبشر عند الدخول بالخلود الذي لا انقطاع له، قبل أن يلقى فيها {فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين} (الزمر:72)، ويجتمـع له فيها كل أسباب الموت، ولكنه لا يموت بسبب من أسبابها، ولا باجتماع كل أسبابها {ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ} (إبراهيم:17) فإن حر نارها يقتل ويميت وفي لحظة واحدة، ولكن الله كتب على أهلها أن يذوقوه ولا يموتوا، وكذلك ماؤها الذي يقطع الأمعاء يقتل لو لم يكتب الله البقاء السرمـدي لأهلها، وكذلك لدغ حياتها وأكل زقومها، وقرع ملائكتها، وضربهم أهلها بمقامع من حديد لو ضرب بها أعظم جبال الأرض ضربة واحدة لدك لساعته وأصبح كثيباً مهيلاً!! ثم الغم الشديد الذي يفجر القلب، واليأس الشديـد الذي يقطع الأمل وكل هذه أحوال قاتلة مميتة، ولكن المعذب بها من أهل النار عياذاً بالله لا يموت بواحد منها ولا باجتماعها جميعاً، وهي مجتمعة على كل واحد من أهل النار. {ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ} (إبراهيم:147)

28- عذاب النار في ازياد أبداً:

ويستمر هـذا التسعير والتصعيد في العذاب أبداً ولا أمل في يوم من الراحة، ولا ساعة من الهدوء، ولا فتور للعذاب {وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات. قالوا بلى!! قالوا: فادعوا.. وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} (المؤمن:49-50)

وقال تعالى: {إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون} (الزخرف:74-75) أي متحيرون يائسون منقطعو الرجاء والأمل في أي صورة من صور الرحمة بهم.

إن تصور هذه الحال، وتخيل أن يكون الواحد منا في هذه المآل -عياذاً بالله- أعظم واعظ وأكبر زاجر.

29- طعام أهل النار عذاب، وشربهم عذاب:

أهل النار الذين هم أهلها المخلدون فيها -عياذاً بالله- يأكلون فيها ويشربون، ولكنهم يعذبون بالطعـام والشراب عذاباً كعذاب النار أو أشد، ومع أنهم يعذبون بالطعام الذي يأكلونه وبالشـراب الذي يشربونه إلا أن ضرورة الجوع والعطش تلجئهم إلى هذا الأكل والشرب الذي هو نوع من العذاب بل هو العذاب.

فالمعـذب في النـار يجوع جوعاً شديداً، ويلجئه ضرورته وألمه إلى الأكل من شجر الزقـوم... وهذه الشجرة تخرج في أصل النار في عمق البئر، وقعر الجحيم، وتخرج أغصانها وثمارها في صورة مرعبة كريهة بشعة.

وما ظنك بثمار شجر ينبت في النار، وتغذيه النار ويجري في عروقه الحميم.

ووصف الله سبحانه وتعالى شجرة الزقوم فقال جل وعلا: {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم* طلعها كأنه رؤوس الشياطين* فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون* ثم إن لهم عليها لشوباً من حميم* ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم} (الصافات:64-68)

وقال جل وعلاً أيضاً: {ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم} (الواقعة:51-55)

والمعنى أن ضرورة الجوع تلجىء المعذب من أهل النار إلى الأكل من هذه الشجرة الخبيثة الملعونة التي تخرج في أصل النار، وتثمر ثماراً من نار، فإذا احترق جوف المعذب من هذا الطعام الخبيث، وأراد أن يطفئ الحرارة المشتعلة في بطنه ويطفئ العطش الهائل الذي يحس به، ألجأته هـذه الضرورة إلى ماء خبيث قد بلغ غايته في الحرارة فيشربه ليطفئ ناراً فلا يزيده هذا الماء المغلي إلا اشتعالاً {فشاربون عليه من الحميم} (الواقعة:54)

ومع أن الماء كدردري الزيت خبيث منتن الرائحة قد بلغ غايته في الغليان إلا أن المعذب يشرب منه شرباً ذريعاً شرب الناقة الهيماء التي يصيبها داء في جوفها، فتشعر بلهيب في بطنها فتعب من الماء ولا ترتوي... كما قال الشاعر يصف حاله في الحب:

فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد ظماها ولا يقضي عليها هيامها

قال تعالى عن أصحاب النار عياذاً بالله: {ثم إنكم أيها الضالون المكذبون* لآكلون من شجر من زقوم* فمالئون منها البطون* فشاربون عليه من الحميم* فشاربون شرب الهيم} (الواقعة:51-55)

والهيم: جمع هيماء وهي الناقة المريضة بداء الجوف التي تشرب ولا تروى.

وإذا شرب هؤلاء المعذبون من الماء الذي لا ينفعهم بل يضرهم حتى تقطع أمعاءهم، فروا منه إلى النار فكان بئس الفرار، ثم تلجئهم ضرورة العطش مرة ثانية إلى ذلك الماء الخبيث، وهكذا فراراً من شر إلى ما هو شر منه، ثم عود إلى الأول.

قال تعالى: {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون* يطوفون بينها وبين حميم آن} (الرحمن:43-44) والمعنى: يفرون منها إلى الحميم ويفرون من الحميم إليها، ومعنى آن: أي بلغ حينه أي غاية حدة في الحرارة والغليان.

30- ألوان أخرى من الأشربة الخبيثة:

وليس هـذا وحده ما يعذب به أهل النار من الطعام والشراب، بل إن لهم من ألوان الأشربة الخبيثة النتنة المهلكة أشكالاً وألواناً. قال تعالى: {هذا وإن للطاغين لشر مآب جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه حميم وغساق، وآخر من شكله أزواج} (ص:55-58)

فالحميم هو الماء الحار والغساق شراب خبيث لو ألقيت قطرة واحدة منه على بحار الأرض لأفسدت على أهل الأرض كلهم معايشهم.

قـال صلى الله عليه وسلم: [{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمـون} لو أن قطرة من الزقوم قطرت لأفسدت على أهل الأرض عيشهم فكيف من ليس لهم طعام إلا الزقوم] (رواه أحمد)

والأزواج الأخرى أشكال من جنس هذا عياذاً بالله من سخطه وعقابه.. وكل ذلك حق اليقين..

31- العذاب النفسي أشد من العذاب الجسماني:

وليس عـذاب أهل النار عذاباً جسمانياً فقط، يعذبون فيه بالنار التي تنضج جلودهم، ثم ينبت في الحال غيرها، وتحرق صدورهم حتى يبلغ قلوبهم. قال تعالى: {نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة} (الهمزة:6-7) أي التي يدخل لهيبها إلى الفؤاد، والتي توضع أحجارها المحماة على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج الحجر من ظهره، ويوضع فوق ظهره حتى يخرج من صدره!!

قال صلى الله عليه وسلم: [بشر الكنازين برضف يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهـم حتى يخرج من ناغض كتفيه، ويوضع على ناغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه، يتزلزل]!! (رواه مسلم)

ومن العذاب الجسماني في شربهم الحميم، وأكلهم الزقوم،ولدغ حيات كالبغال تنطلق من كهوف في النـار ويسري سمها في أجسامهم يعمل عمل النار أو أشد... ليس هذا هو عذاب أهل النار فقط، بل إن عذابهم النفسي مثل ذلك وأشر. فمن ذلك:

(1) التقريع الدائم من خزنة النار كقولهم لهم {ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} (الزمر:71)

(2) وكذلك إهمال ملائكة النار لاستغاثاتهم وصراخهم أو أن يرقوا لحالهم.. بل مضاعفة العذاب لهم كلما استغاثوا. قال تعالى: {وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه}. قال تعالى: {وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوم من العذاب* قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} (غافر:49-50)

وعندما يبلغ بأهل النار كَرْبَهُم وَغَمَّهُم غايته يسألون مالك خازن النار، وهو أشد ملائكة العذاب شدة وغلظة {يا مالك ليقض علينا ربك} فيرد عليهم بعد ألف سنة -وهو يوم واحد من أيام الآخرة- {إنكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهين} (الدخان:77-78)

وإذا بلغ منهم الغم مداه عادوا بالمقت على أنفسهم فقالوا: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} (الملك:10) وهذا اعتراف منهم بالذنب أنهم لم يكونـوا ذوي آذان تسمع النداء -نداء الحق- في الدنيا، ولا ذوي عقول تعي دعوة الحق التي جاءتهم على السنة الرسل!!

وإذا علموا السبب الحق في ضلالهم وعادوا بالملامة على أنفسهم، وندموا حيث لا تنفع الندامة، وتحسروا حيث لا تزيدهم الحسرة إلا مثلها، ومقتوا أنفسهم نودوا بما يصيبهم بغم وكرب أعظم من الذي نالوه كله، وهو أن سخط الرب ومقته لهم أعظم من مقتهم أنفسهم.

قال تعالى: {إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} (غافر:10)

وسبب مقتهم أنفسهم أن الإيمان قد كان في متناول يدهم لو تناولوه، وأما الآن فالإيمان بعيد ولا يقبل منهم {وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد} (سبأ:52)

فقـد كان المطلوب منهم إيماناً بالقلب بوحدانية الله وشهادة باللسان، وعملاً صالحاً سهلاً ميسوراً يستعذبه المؤمن في الدنيا، ويمتع به في الدنيا قبل الآخرة... فالصائم يفرح في الدنيا بصومه، والمصلي يشعر بالرضا بصلاته، والمتصدق يسكب الله في قلبه من معاني الخير والفضل ما هو خير من إمساكه ما تصدق به، والحـاج يستعذب المشقة في سبيل الله وذاكر الله يقول: "إننا والله في نعمة لو علمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف"!! والراضي بالحـلال في المأكل والمشرب والمنكح يشعر بسعادة ورضى لا يشعر بها من يعيش فيما حرم الله عليه من المآكل والمناكح والمشارب. قال تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى} (طه:124)

(3) ومن العذاب النفسي لأهل النار قمعهم المطارق، وتأنيبهم مع هذا العذاب المذل بالتبكيت، وصنوف الإذلال كقول الملائكة لهم بعد صب العذاب فوقهم {ذق إنك أنت العزيز الكريم}!! (الدخان:49)

وقولهم {إن هذا ما كنتم به تمترون}!!، وقولهم {أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون}!! (الطور:15)

(4) ومن ذلك أن يكون العذاب في نفسه مهيناً كالسحب على الوجوه في النار {يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر}، والأخذ بالنواصي والأقدام، ثم الإلقاء في النار {يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام} (الرحمن:41)

أو الدفع والدز الشديد إلى العذاب. قال تعالى: {يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون} (الطور:13-14)

والدع: هو الدفع العنيف، والدز بشدة وقوة وعنف.

وقد سمى الله عذاب الآخرة بالعذاب المهين، وذلك أن من يصلاه يهان أعظم إهانة وأكبرها. قال تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين} (لقمان:6)

(5) وأعظم أنواع الإهانات التي يتلقاها أهل النـار عياذاً بالله هي حلول غضب الله وسخطه عليـهم، والتخلي عنهم، ونسيانه سبحانه وتعالى لهم ومقتهم. قال تعالى: {إن الذين يشترون بعهـد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} (آل عمران:77)

(6) ومن ذلك الفضيحة بالذنب على رؤوس الأشهاد والتشهير بهـم على الملأ، بل على رءوس الناس جميعاً منذ خلق الله إلى يوم القيامة. قال تعالى: {يوم تبلى السرائر* فما له من قوة ولا ناصر} (الطارق:9-10)

ومعنى تبلى تهتك، ويظهر ما كان في الخفاء مما أَسَرَّه أصحاب الذنوب والمعاصي.

وقال تعالى بعد أن صور مصارع الهالكين من قوم نوح وعاد وثمود، وأصحاب لوط، وقوم شعيب: {إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود} (هود:103)

أي يشهده الناس جميعاً ويحضرونه... فمن عذبه الله في هذا اليوم، وأظهر فضائحه على الملأ، وشهر به أمام جميع الخلائق، فقد أهانه أبلغ الإهانة، وأذله غاية الإذلال قال تعالى عن دعاء المؤمنين ربهم: {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته، وما للظالمين من أنصار} (آل عمران:192)

وقـال إبراهيم عليه السلام في دعائه: {ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} (الشعراء:87)

وقال صلى الله عليه وسلم: [لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة] (رواه مسلم)

32- أعظم عذاب النار هو الخلود!!:

أهل النار قسمان: مخلدون خلوداً لا انقطاع له، ولا موت معه، وهم درجات فيها أعلاهم من يوضع في جب في أسفل النار، لو فتح هـذا الجب فإن جهنم نفسها تستغيث بالله من حره!! وأدناهم منزلة وأقلهم عذاباً من يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلى منهما دماغه!! وهذا وإن كان أهون أهل النار عذاباً إلا أنه يظن، ويرى نفسه أنه أشد الناس عذاباً.

وتصور الخلود في العذاب أمر يفوق التصور!! ويقطِّع القلب!! فإن تصور أن يكون الإنسان في سجن ما ولو كان كسجون الدنيا يعيش فيه إلا ما لا نهاية، ولا يخرج منه أبداً بالموت ولا بغيره، بل يبقى فيه بقاءً سرمدياً... هذا التصور كاف في موت الإنسان غماً وكمداً وحزناً... فكيف لو كان هذا السجن: جدرانه، وأبوابه، وطعامه، وشرابه من النار!!؟

فكيف إذا كان هذا السجن بئراً إذا ألقي فيه هذا المعذب، هوى على أم رأسه سبعين سنة لا يصل إلى قرار؟!

فكيف إذا كانت النار التي نعهدها في هذه الدنيا جزءاً من سبعين جزء من نار الآخرة؟ كل جزء من التسعة والستين فيه مثل حر نار الدنيا؟!

إن تصور الخلود في هذا العذاب شيء يفوق الوصف... والعجب أن المصدق به لا يفر منه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: [عجبت للنار كيف نام هاربها]؟!

وإلا فمن عرف هذه النار وآمن بها وأنها موجودة حاضرة الآن وإذا مات في آية لحظة فقد يدخلها كيف له أن ينام وهي في الانتظار!!! ولكن إنها الغفلة والتسويف والانشغال بما حفت به النار من الشهوات.

33- من هم عصاة المؤمنين:

المؤمن الذي يموت على الإيمـان إذا كان قد ارتكب في حياته معصية دون الكفر والشرك المخرج من الملة فإن له حالتان: إما أن يكون قد تاب من معصيته في حياته، وإما أن يكون مات غير تائب منها... فإن كان قد تاب منها في حياته توبة نصوحاً قبلها الله منه فإنه يعود كمن لا ذنب له، فلا يطالب بمعصيته هذه في الآخرة.

وأما إذا كان قد مات غير تائب من معصيته فإن لهذا أحوالاً:

(1) فمنها أن يتجاوز الله عنه إحساناً من الله وفضلاً ومناً. كما جـاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في النجوى [أن الله سبحانه وتعالى يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطي كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا ربهم ألا لعنة الله على الظالمين] (رواه البخاري)

هذا في موقف القيامة.

(2) ومنها أن تكون له حسنات كثيرة تربو على هذه السيئات، فيتجاوز الله عنه، ويسامحه في سيئاته لزيادة الخير الذي عنده. قال تعالى: {فمن ثقلت موازينه فأولئك المفلحون} (الأعراف:8)

وقال تعالى: {فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية* ومن خفت موازينه فأمه هاوية} (القارعة:6-7)

(3) وإما أن يشاء الله سبحانه وتعالى عقوبته. وهذه العقوبة إما أن يعذب بها في القبر، أو في الموقف (يوم القيامة) أو في نار جهنـم، ثم تتداركه بعد رحمة الله فينصرف إلى الجنة ما دام أنه قد مات على التوحيد والإيمان ولم يكن من أهل الكفر الناقل عن ملة الإسلام.

وهؤلاء المؤمنون العصاة هم الذين يموتون يوم يموتون وقد فعلوا معاصي لم يتوبوا منها، أو لم تقبل توبتهم فيها، أو ماتوا يوم ماتــوا عليها -عياذاً بالله من سخطه- كمن مات وهو يزني أو وهو يسرق، أو وهو فار من الزحف أو هو يأكل الربا، أو ماتوا وهم يعملون ما دون ذلك من المعاصي والسيئات.

ثم شاء الله جل وعلا أن يعذبهم بمعاصيهم في القبر أو عرصات يوم القيامة في يوم مقداره خمسين ألف سنة من أيام الدنيا، أو في النار بعد ذلك.

34- الذنب والوعيد متحققان، والتوبة والمغفرة مظنونتان:

لقد وجدت أن وقوع الذنب من العبد متحقق سواء علم به العبد أو لم يعلم به، أو عَدَّه ذنباً، أو لم يعده ذنباً، وسواء تذكره أو نسيه، فكل ذنب وقع في الأرض فهو مكتوب مسطور ما لم يمحه الله بالتوبة.

ووجدت أن العقوبة التي رتبها الله على الذنب فهي كذلك متحققة، ما لم يغفر الله لفاعل الذنب.

ولما كانت الذنوب التي فعلتها أمراَ مقطوعاَ به، فقد كتب وسجل لا محالة في ذلك، والوعيد على الذنب مقطوع به فإن الله سبحانه وتعالى لا يقول إلا حقاً، ولا يتوعد إلا صدقاً إلا أن يتوب العبد توبة نصوحاً، فيغفر الله له، ولكن قبول التوبة يظل مظنوناً.

فما يدريني -ويدري غيري- أن الله قد قبل عذري، وأقال عثرتي، وغفر ذنبي!!

إنني أحسن الظن بالله -إن شاء الله- ولكني أسيء الظن في نفسي، فهل استكملت أركان التوبة؟ فأقلعت عن الذنب إقلاع من لا ينوي مراجعته قط!! وهل ندمت على فعل كل ذنب أذنبته، ندم من يقطع بالعقوبة عليه إن لم يغفر الله؟ وهل عزمت على عدم العودة ما حييت!! وهل رددت حقوق الآدميين لهم؟ وتحللت منهم مما لا أستطيع رده؟ كيف وعندي ما لا يعلمـه إلا الله من الذنوب التي هي حق خالص لله، وجبال أخرى من الذنوب التي تتعلق بحقوق الآدميين !!؟

وأقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك وأنا على عهدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، وأبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.



35- طريق أهل الإيمان إلى الجنة طريق طويل فليستعدوا له:

نظرت في طريق المؤمن إلى الجنـة فرأيت أن العصاة من أمثالي أمامهم درب طويل، وطريـق محفوف بالمخاطر، ومفاوز عظيمة، وعقبات وعقبات، وأن هناك من عصاة المؤمنين من يُقْتَطَعُ دون الجنـة، فيمكث في النار ما شاء الله أن يمكث، وأنه لا يدخل الجنة بعد ذلك إلا محترقاً، ثم ينبت له لحم جديد!!

وأما طريق الكفار إلى النار، فهو قصير جداً... القبر أول منازله. قال تعالى عن قوم نوح: {مما خطيئاتهم أغرقوا فادخلوا ناراً} (نوح:25) بفاء التعقيب.

وقال تعالى في قوم فرعون: {النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب} (غافر:46) ثم البعث فالحشر فالنار..

وأما أهل الإيمـان فإن طريقهم إلى الجنة طويل، ولا يدخلونها إلا بعد أن يدخل أهل النار النار، ولنبدأ رحلة الإيمان من أولها:

36- الموت آت لا محالة:

من هذه اللحظة إلى الموت قدر من العمر قد يكون لحظة، وقد يستمر سنوات!! وأعمار أمة محمد عامتهم بين الستين والسبعين، ولا يجاوز هذا العمر إلا القليل النادر..

إنني اليـوم -كاتب هذه السطور- قد جاوزت الستين (القمرية) وإذن فقد بلغت تمام العمر، وأنا اليوم في الوقت الإضافي...

ومنذ اللحظة إلى لحظة الوداع لا يدري أحد ما تكون الخاتمة. قال صلى الله عليه وسلم: [إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمـل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها].

وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: [إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة] (متفق عليه)

اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلي أن تثبتني على الإيمان حتى ألقاك ، وأن تجعل خير أيامي آخرها، وأحسن عملي خواتيمه. اللهم اختم لي ولإخواني المؤمنين بخاتمة أهل السعادة، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا يا رب العالمين.

وسيظل المؤمـن خائفاً من تقلب قلبه. وهل سمي القلب قلباً إلا لتقلبه؟ ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الجبل الراسخ في الإيمان، خير عباد الله على الإطلاق. يقول: [يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك]، وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: كان أكثر ما كان النبي يحلف: [لا ومقلب القلوب] (رواه البخاري)

فما يدريني أنا أو غيري كيف تكون لحظة النهاية!! هذا ونحن نعيش العصر الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلـم: [بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يمسي المرء مؤمناً، ويصبح كافراً، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا قليل] (رواه أحمد ومسلم والترمذي)

{ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب}

37- هل يعاني المؤمن سكرات الموت:

الموت لحظة رهيبة، والكل يخافه ويكرهه، المؤمن والكافر... ولابد لكل أحد منه ، ولا فرار عنه، ونزع الروح نزع، وآلام، وكل إنسان يذوقه مؤمناً أو كافراً... قال تعالى: {كل نفس ذائقة الموت}. وقال تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون}...

والمؤمن لا يناله من ألم الموت إلا القليل، وأما الكافر فإن نزع الروح هو أول العذاب له.

يروي البخاري في صحيحه: [أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول: إن من نعم الله علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل علي عبدالرحمن (أخوها) وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته ينظر إليه، عرفت أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه، وقلت ألينه لك، فأشار برأسه أن نعم، فلينته، وبين يديه ركوة أو علبة -يشك عمر- فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه يقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات!! ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده صلى الله عليه وسلم] (رواه البخاري)

38- لحظة الموت لحظة الإخبار بالنتيجة النهائية:

ولحظة الموت لكل عبد من عباد الله هي مرحلة الإخبار بالنتيجة النهائية... فالمؤمن يبشر بالجنة والكافر يبشر بالنار. قال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة (أي عند الموت) ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون* نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون* نزلاً من غفور رحيم} (فصلت:30-32)

وأما الكافر فإنه يتلقى الصفعات عند الموت. قال تعالى: {فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} (محمد:27)

ويبشر بالنار وَيُقَرَّع عند الموت. قال تعالى:{الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء. بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون، فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين} (النحل:28-29)

39- اللحظات الأخيرة في حياة المؤمن والكافر:

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذه اللحظات الأخيرة في حياة المؤمن والكافر فقال صلى الله عليه وسلم: [إن العبد المؤمـن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجـوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحَنُوط من حَنُوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. فتخرج، فتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوهـا في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط. ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجـه الأرض. فيصعدون بها، فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب؟ فيقولـون: فلان بن فلان -بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا- حتى ينتهوا به إلى السمـاء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي إلى السماء السابعة.

فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبـدي في عليين، وأعيدوا عبدي إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى.

فتعـاد روحه فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت.

فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي!! فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة. فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد البصر. ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة!! رب أقم الساعة!! حتى أرجع إلى أهلي ومالي.

وإن العبد الكافـر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المَسُوح. فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتتفرق في جسده فينتزعـها كما ينتزع السَّفُّود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض.

فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالـوا ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان -بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا- فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ {لا تفتح لهم أبواب السماء} فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى!! فتطرح روحه طرحاً، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه. لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول:هاه هاه. لا أدري. فيقولان له: ما هـذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول:هاه هاه. لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة]. (أخرجه أحمد وأبو داود وابن خزيمة والحاكم وصححه شيخنا الألباني)

40- من عصاة المؤمنين من يعذب في قبره على صغير من الإثم وكبير:

وعصاة المؤمنين قد يعذب بعضهم في قبره في صغير من الذنوب وكبير: فمنهم من يعذب بالنميمة، ومنهـم من يعذب لأنه لم يكن يستنزه من بوله، ومنهم من يعذب في دين كان عليه لم يؤده، ففي مسند أحمد رحمه الله عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال: توفى رجل فغسلناه وحنطناه، وكفناه ثم أتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عليه، فقلنا تصلي عليه فخطا خطى ثم قال: [أعليه دين]؟ قلنا: ديناران. فانصرف!! فتحملهما أبو قتادة فأتيناه. فقال أبو قتادة: الديناران علَيَّ. فقـال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أَحَقَّ الغريم وبرئ منهما الميت]؟! قال: نعم. فصلى عليه ثم قال بعـد ذلك بيوم: [ما فعل الديناران]؟! فقال أبو قتادة: إنما مات أمس!! فعاد إليه من الغد فقال: قد قضيتهما فقال رسول الله: [الآن بردت عليه جلده]!!.

وقـوله صلى الله عليه وسلم: [الآن بردت عليه جلده] يدل على أنه كان يعذب في القبر إلى أن أدى ما عليه من الدين.

ومنهـم من مات شهيداً مع النبي صلى الله عليه وسلم ولما كان قد غَلَّ بردة لا تساوي أربعة دراهم فقد دخل العذاب بعد الموت مباشرة..

ففي صحيح الإمام البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يـوم خيبر فلم نغنم ذهباً ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع، فأهدى رجل من بني الضبيب، يقال له رفاعة بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً يقال له مدعم، فوجـه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى حتى إذا كان بوادي القـرى بينما مدعم يحط رحلاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سهمٌ عائرٌ فقتله، فقال الناس: هنيئاً له الجنـة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [كلا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسـم لتشتعل عليه نـاراً]!! فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: [شراك من نار أو شراكان من نار]!!

وقد روى هذا الحديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، ففتح الله علينا، فلم نغنم ذهباً ولا وَرِقاً، غنمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد له، وهبه له رجل من جذام، يدعى رفاعة بن زيد من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحل رحله فرمى بسـهم، فكان فيه حتفه، فقلنا: هنيئاً له الشهادة يا رسول الله!! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [كلا والذي نفس محمد بيده! إن الشملة لتلتهب عليه ناراً أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم] قال: ففزع الناس فجاء رجل بشراك أو شراكين فقال: يا رسول الله أصبت يوم خيبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [شراك من نار أو شراكان من نار]!!

فانظر -أخي المسلم- فإن أخذ شراك من الغنائم لا شك أنه من صغار الذنوب لأن الشراك لا يساوي شيئاً، ولا يشاح فيه، ومن فقده لا يسأل عنه، ومع ذلك لما كان غلولاً لم يتسامح فيه!! وهذا من أبين الأدلة على أن المؤمن قد يعذب في قبره في صغائر من الذنوب.

41- القبر: بغير عذابٍ عذابٌ:

والقبر وإن كان بغير عذاب فهو عذاب فهو منزل رهيب. إنه الوحدة والوحشة والظلمة والضيق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة، وإن الله يُنَوّرها لهم بصلاتي عليهم]!! (رواه أحمد ومسلم)

اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد... اللهم أعذني وأخواني المؤمنين من عذاب القبر، اللهم نور علينا قبورنا، ولا تردنا على أعقابنا بعد إذ هديتنا للإسلام.

وليس من مؤمن إلا وهو يستقبل من القبر بضمة وضغطة، قال صلى الله عليه وسلم في سعد بن معـاذ: [هذا الذي تحرك له العرش وفتحت له أبواب السماء وشهده سبعون ألفاً من الملائكة لقد ضُمَّ ضمةَ ثم فرج عنه] (رواه النسائى وصححه الألباني)

فإذا كان هذا حال سعد بن معاذ سيـد الأوس، السابق بالإيمان، والذي لا تحصى مناقبه، والذي اهتز لموته عرش الرحمن... فما بالك بسواه؟! والمؤمن والكافر والمنافق كل رهين عمله في القبر، وحيـاة البرزخ حياة بكل الأحاسيس والمشاعر التي كانت في الحياة الدنيا ففي القبر الفرح والسرور والبشري، وفيه الحزن والغم والهموم والآلام...

42- الموقف والحشر: اليوم الثقيل الطويل العبوس القمطرير!!

وما بعد القبر أعظم منه إنه البعث والنشور إنه اليوم الثقيل الطويل العبوس القمطرير!! إنه يوم واحد ولكنه خمسون ألف سنة من أيام الدنيا طولاً... يومٌ لا تغرب شمسه إلا بعد مضي خمسين ألف سنة، يوم يقوم الناس فيه لرب العالمين في رشحهم وعرقهم إلى أنصاف آذانهم. فمنهم من يأخذه عرقهُ إلى كعبيه، ومنهم من يأخذ عرقه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه عرقُه إلى ثدييه ومنهم من يلجمه عرقه، ومنهم من يغط في عرقه غطيطاً.

وقد حذر الله جميع عباده منه فقال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم* يوم ترونـها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد} (الحج:1-2)

وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقوم بالليل استعداداً وحذراً لهذا اليوم. قال تعالى: {ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً} (الإنسان:26-27)

وقال تعالى: {فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً* السماء منفطر به} (المزمل:17-18)

وقال تعالى: {سأل سائل بعذاب واقع* للكافرين ليس له دافـع من الله ذي المعارج* تعرج الملائكـة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة* فاصبر صبراً جميلاً} (المعارج:1-4)

وقال تعالى بعد ذكره لمصارع الغابرين: {إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود} (هود: 103)

وقال تعالى: {أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه* قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب} (الزمر:9)

وقـد وصف النبي صلى الله عليه وسلم من أحوال هذا اليوم وطوله، وتهاويله وآلامه، ومشاهده ما يخلع القلب، ويدمع العين، ويحمل على التفكير فيه وحده، والانصراف عن كل شيء دونه!!

فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: [تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقـدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حِقْوَيه، ومنهم من يلجمه العـرق إلجاماً] قال: وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه. (رواه مسلم)

ففي هذا اليوم العصيب يرى كل حميم حميمه فيفر منه، ويشتغل بنفسه عنه، قال تعالى: {ولا يسأل حميم حميماً}، وقال تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} (عبس:34-37)

في هذا اليوم يكون الكافر في عذاب هائل من الخوف والقلق، واليأس من رحمة الله، وانتظار العذاب المحقق في النار، ويصبح وجهه كالليل سواداً وظلمه مما هو فيه من الكرب العظيم. قال تعالى: {كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً} (يونس:27)

وقال تعالى: {يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشراً نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوماً} (طه:102-104)

وأما أهل الإيمـان فهم في أرض المحشر درجات في حصول الشدة والكرب، والهم والغم وكل واحد منهم فيما هو فيه حسب إيمانه، وعمله الصالح، وحسب ما ارتكب كل من السيئات.

43- مانع الزكاة يعذب خمسين ألف سنة:

ومن أهل الإيمان ممن له معاصي لم يشأ الله أن يغفرها له يعذب في أرض المحشر على هذه المعاصي (خمسين ألف سنة) حتى يقضي بين الخلائق -عياذاً بالله من سخطه وعقابه- فمن ذلك:

مانع الزكاة: ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه، إلا جعل صفائح يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جبهته وجنبه وظهره، حتى يحكم الله عز وجل بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون]. (رواه الإمام أحمد)

وفي صحيح الإمام مسلم قال صلى الله عليه وسلـم: [ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها إلا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله وإما إلى الجنة وإما إلى النار]

قيل: يا رسول الله فالبقر والغنم؟ قال: [ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها بقاع قرقر، لا يفقد منها شيئاً، ليس فيـها عقصاء، ولا جلجاء، ولا عضباء، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما مـر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله وإما إلى الجنة وإما إلى النار]...

وقيل: يا رسـول الله فالخيل؟ قال: [الخيل ثلاثة: هي لرجل وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر. فأما التي هي له وزر: فرجل ربطها رياء وفخراً ونواء على أهل الإسلام، فهي له وزر. وأما التي هي له ستر، فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها، ولا رقابـها، فهي له ستر. وأما التي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج أو روضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طولها فاسْتَنَّت شرفاً أو شرفين إلا كتب الله له عدد آثارها، وأرواثها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهـر، فشربت منه، ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات].

قيل: يا رسول الله فالحمر؟ قال: [ما أنزل علي في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره* ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره}] (رواه مسلم)

وتصديق هـذا الحديث في كتاب الله تعالى قوله جل وعلا: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم* يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} (التوبة34-35)

44- مؤمنون في ظل الله يوم القيامة:

ومن أهل الإيمان من يكونون في ظل الله قد خصـهم الله بهذه الكرام لاختصاصهم بأعمال عظيمة. قال تعالى: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً* عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً* يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شـره مستطيراً* ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً* إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً* إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً* فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً} (الإنسان:5-11)

وقال صلى الله عليه وسلم: [سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه. ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه] (متفق عليه)

45- المرور على الصراط هو الكرب الأعظم لأهل الإيمان!! السابقون يجوزون، والعصاة يسقطون:

والمرحلة قبل الأخيرة من هذا اليوم (يوم القيامة) هي أعسر مراحله، وأصعب أوقاته، إنه العبـور فوق جهنم من أرض المحشر إلى قنطرة أخرى قبل الجنة... إنه عبور فوق النار كلها. وما أعرض هذه النار؟! وما أعظم اتساعها ولو قربنا المعنى لقلنا: إنه عبور فوق الشمس!! بل الشمس كوكب صغير في النار!!

فهل فكـرت يا عبدالله في أنه يتوجب عليك أن تعبر فوق ما يشبه الشمس حراً وناراً، واتساعاً، بل الشمس الذي ينفجر بركانها، وتصل حرارة سطحها إلى مليوني درجة جزء صغير من نار الآخرة.

فإذا تصورنا النار كما صورها الله لنا في القرآن، وكما أخبر عنها رسوله صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الكثيرة، وعلمنا أنها بئر عميقة قـد بعد قرارها بعداً لا تستوعبه عقولنا إلا أن نقيس ذلك بالبعد بين الكواكب في هـذا الكون الفسيح، وأنها في التهاب الشمس بل أعظم، وإنها واسعة بحيث تكون الشمس هذه ذاتها، والقمر هذا ذاته الذي نراه حجرين صغيرين في صحراء واسعة. قال صلى الله عليه وسلم: [الشمس والقمر مكوران في النار يوم القيامة]. (رواه البخاري)

وإذا كان أهل الإيمان يكربون في الموقف العظيم والمشهد الهائل والقيام لرب العالمين، وكرب كل واحد منهم على قدر ذنوبه ومعاصيه، ومن أهل الإيمان من يفتن في قبره، ويعذب حتى ينفخ الصور. ومنهم من يعذب بالنار في محشره في هذا اليوم الطويل العصيب حتى يقضي الله بين الخـلائق... فإن ثمة ما هو أعظم لهم جميعاً وأكبر فتنة وهولاً، وهو المرور على الصراط والجواز منه إلى الجنة... فإما عبور وسلامة، وإما معاناة طويلة طويلة!! وإما هوى في نار جهنم إلى غاية لا يعلمها إلا الله وحده حتى تدركهم الشفاعة ورحمة الله في نهاية المطاف...

قال صلى الله عليه وسلم: [ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم!!

وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان؟] قالوا: نعم يا رسول الله. قال: [فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المؤمن بقي بعمله، ومنهم المجازي حتى يُنَجَّى]. (رواه مسلم)

وقـال صلى الله عليه وسلم: [ثم يضرب بالجسر على جهنم وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم] قيل: يا رسـول الله! وما الجسر؟ قال: [دَحْضٌ مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك، تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناجٍ مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم.

حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده! ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله، في استقصاء الحق، من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار. يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون!! فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم!! فَتُحَرم صورهم على النـار. فيخرجون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به. فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنـا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا. فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً. ثم يقولون: ربنا ! لم نذر فيها خيراً].

وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فأقرأوا إن شئتم {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجراً عظيما}.

[فيقول الله عـز وجل: شفعت الملائكة وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط، قد عادوا حمماً، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل. ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر، ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض؟] فقالوا: يا رسول الله ! كأنك كنت ترعى بالبادية!!

قال: [فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم، يعرفهم أهل الجنة. هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه.

ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: يا ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي، فلا أسخط عليكم بعده أبداً]. (رواه مسلم)

ويبقى من حبسه القرآن. فمن هم؟

46- من الذين حبسهم القرآن:

الذين حبسهم القرآن كثيرون؟ وهم الذين أخبر الله عنهم أنهم مخلدون في النار أولهم: الكفار المشركون قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء:116)

وقـال تعالى: {وما هم منها بمخرجين}، وقال تعالى عنهم: {إنكم ماكثون}، والآيات في خلود الكفار في النار خلوداً لا انقطاع فيه كثيرة جداً.

وقال صلى الله عليه وسلم: [اعلموا أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة]. (رواه مسلم)

ومن الذين حبسـهم القرآن وقضى بخلودهم: قاتل النفس ظلماً الذي لم يتب من ذلك قال جل وعلا: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً} (النساء:93)

وآكل الربا الذي مات غير تائب منه. قال تعالى: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا، وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} (البقرة:275)

وهؤلاء لا يحكم فيهم إلا رب العالمين، ولا يخرجون من النار إلا بإذن أحكم الحاكمين.

وكم يستمر خلودهم في النار حتى تتداركهم الرحمة هذا علمه إلى الله سبحانه وتعالى وحده، ولا شك أن خلود هؤلاء العصاة ليس كخلود الكفار، ولكنه بقاء طويل لأن هذا هو معنى الخلود.

47- هل قدر المؤمنون السقوط عن الصراط:

فانظر يا عبدالله يا من تقرأ أو تسمع هذا الكلام، واقدر هذا اليوم حق قدره، فإنه مكتوب على كل عبد من عباد الله أن لا يدخل الجنة إلا أن يجاوز النار عبوراً فوق الصراط. قال تعالى: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} (مريم:71-72)

والصراط ما قد علمت جسر طويل طويل طويل فوق جهنم ويوم يضرب الجسر على جهنم ستقوم الأمانة في جانب وتقوم الرحم في الجانب الآخر إيذاناً وإعلاناً أن من أدى الأمانة ووصل الرحم نجا، ووصل الجنة، وأما من خان الأمانة أو قطع الرحم خانته رجلاه فسقط، وانقطع أن يصل الجنة!!

وهذا الذي سقط في النار، كم سيبقى في النار حتى تدركه الرحمة؟! إن بقي يوماً واحداً فقد بقى ألف سنه!! وإن بقي نصف يوم فخمسمائة عام!!

قـال تعالى: {ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون} (الحج:47)

48- لحظة واحدة في النار تنسي المعذب كل نعيم رآه قبل ذلك:

وإن لحظة واحدة في النار بل غمسة واحدة تنسيك كل نعيم تنعمت به في الأرض.

قال صلى الله عليه وسلم: [يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في جهنم صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغة فيقـال له: يا ابن آدم! هل رأيت بؤسـاً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط!!]

49- وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون!!

وقل للذين يمنون أنفسهم وينظرون إلى معاصيهم كأنها ذباب وقع على أنف أحدهم وأنه لو أشار إليه لذبه وطرده.. هل سمعت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: [وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء]!! (رواه مسلم)

وقوله صلى الله عليه وسلم: [يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار]. فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: [تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب الرجل الحازم من إحداكن]. قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: [أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجــل؟] قلن: بلى. قال: [فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟] قلن: بلى. قال: [فذلك من نقصان دينها] (رواه البخاري)

فانظـر أليس إكثار اللعن من صغار الذنوب، وأليس كفران نعمة الزوج أن تقول: ما رأيت منك خيراً قط!! وأليس كون المرأة تستطيع أن تميل الرجل الحازم وتفتنه أن يقوم بواجب أو أن يفعل محرمـاً كذلك!! فإذا كانت النساء يدخلن النار في مثل هذه المعاصي، ولا تدرك رحمة الله من تلبست بمثل هذه المعاصي إلا بعد دخول النار، فهل يأمن أحد بعد ذلك أن يؤاخذه الله بالذنب. فإن المرأة في أساس الخلق أقل من الرجل عقلاً وحكمة تعذب في النار بمثل هذه الذنوب!! فكيف بمـن يرتكب الكبائر ولا يتوب، ومن يفعل ما يظنه من الصغائر ولا يرعوي!! ومن يظن أنه ناج من أول وهله بتصديق القلب فقط دون إسلام الجوارح!! وإيمان القلب.

50- المرحلة الأخيرة (التصفية النهائية):

وبعد تلك المرحلة الشاقة العسيرة: عبور الجسر (الصراط) وخلوص من خلص من النار من عصاة المؤمنين.

تبقى المقاصّـة بين المؤمنين، وتصفية ما بقي من حساب بعضهم على بعض. روى الإمام البخاري رحمه الله عن قتادة عن أبي المتوكل الناجي: أن أبا سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلـم: [يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقّوا أذن لهم في دخول الجنة!! فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا].

وهـذا الحبس على هذه القنطرة بين النار والجنة قد يطول ببعض العصاة... فكم لكثير من أهل الإيمان حق على إخوانه المؤمنين قد هضموه، وعرض قد هتكوه، ومالٍ قد سلبوه، وكم يقع من الظلم بين المسلمين!!!

51- أخيراً: الجنة تفتح أبوابها: الفقراء يدخلون!! والأغنياء يؤخرون!!

وبعد هذه المراحل الطويلة والعقبات الكبيرة: يقف المؤمنون على أبواب الجنة التي لم تفتح بعد!! ولا تفتح حتى يأتي من أعلى الله منزلته في الدنيا والآخرة، ومن جعله سيداً للناس أجمعين. وهل يدخل المؤمنون الجنة إلا أن يدخل سيدهم وإمامهم!! يأتي رسول الله محمد بن عبدالله أكرم العباد على الله فيكون أول من يطرق باب الجنة والناس ينظرون، والمؤمنون ينتظرون، وينادي من داخلها من رضوان خازنها: [بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك] (رواه مسلم)

قـال صلى الله عليه وسلم: [أنا أول شفيع في الجنة]. (رواه مسلم)، وقال: [أنا أول من يأخذ بحلق باب الجنة فأقعقعها]. (رواه أحمد والترمذي وصححه شيخنا الألباني)

وتفتح الجنة أبوابها الثمانية ما بين مصراعي الباب الواحد ما بين مكة وهجر (البحرين)، ولكل باب اسـم مخصوص، باسم عبادة من العبادات: باب الصلاة، وباب الزكاة، وباب الريان (باب الصوم)، باب الجهاد، وباب الوالدين.

ويصنف أهل الإيمان بحسب درجاتهم في العبادة، وينادي الملائكة الذين اصطفوا على باب الجنة كل أهل عباده ليدخلوا من بابهم...

وهناك من يكـرم من أهل الإيمان فيناديه ملائكة كل باب لأنه كان من أهل هذه العبادات جميعاً، فقد كان من السابقين في كل أبواب الخير، باراً بوالديه. قال صلى الله عليه وسلم: [الوالـد أوسط أبواب الجنة] (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم)، سابقاً في الصلاة، وسابقاً في الصوم، وسابقاً في الزكاة..

ويدخل الفقراء أولاً!! ويحبس أغنياء المؤمنين!! (يحبسون نصف يوم.. خمسمائة عام). إنه تعويض عن فترة حرمان في الدنيا...

قـال صلى الله عليه وسلم: [قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد محبسون، إلا أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء]. (رواه أحمد والبخاري)

وقال صلى الله عليه وسلم: [أبشروا يا فقراء المهاجرين. تدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم] (رواه البخاري)

وإذا دخل أهل الجنة، ذهب كل إلى منزله دون مرشد أو قائد يقوده، أو معرف يعرفه منزله..

قال صلى الله عليه وسلم: [فوالذي نفسي بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا] (رواه البخاري)

وقال تعالى: {والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم، ويدخلهم الجنة عرفها لهم} (محمد:4-6)

52- قد كان الأمن السابق تغريراً:

وبعـد لقد نظرت حالي في هذه المرحلة فوجدت أنني قد عشت دهراً من عمري مغروراً، ووجدت أن الأمـن الذي كنت أشعر به كان تغريراً!! وكان الذي كشف لي هذه الحقيقة مجموعة من الأمور تجمع بعضها مع بعض، فكشفت عن العين ما كان مستوراً، وإن لم في يكن حقيقته مستوراً!! فإن القـرآن قد نطق به كثيراً، والرسول قد خطب به على منبره دهراً طويلاً، ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم النار رأي العين قال صلى الله عليه وسلم: [لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً]!! (رواه البخاري)

وكان صلى الله عليه وسلم إذا خطب عن الجنة والنار احمر وجهه كثيراً، واشتد غضبه وعلا صوته كأنه منذر جيش يقول: [صبحكم ومساكم]. (رواه مسلم)

وكـان صلى الله عليه وسلم إذا سمع كلمه يقولها صحابي من كلمات الطمأنينة والثقة والجزم بالجنة لمن عرف صلاحه... يقول: [والله ما أدري -وأنا رسول الله- ما يفعل بي]!! (رواه البخاري)

ففي البخاري أن أم العلاء امرأة من نساء الأنصار بايعت النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن عثمان بن مظعون طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين. قالت: أم العلاء، فاشتكى عثمان عندنا، فمَرَّضْتُه حتى توفى، وجعلناه في أثوابه، فدخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: رحمـة الله عليك أبا السائب!! شهادتي عليك: لقد أكرمك الله!! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [وما يدريك أن الله أكرمه؟] قال: قلت لا أدري. بأبي وأمي يا رسول الله. فمن؟ قال: [أما هو فقد جـاءه والله اليقين!! والله إني لأرجو له الخير، وما أدري والله، وأنا رسول الله ما يفعل بي؟!] قالت: فوالله لا أزكي أحداً بعده!! قالت: فأحزنني ذلك فنمت، فرأيت لعثمان عيناً تجري، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته. فقـال: [ذلك عمله].

وأقول: فهل بعد ذلك يطمئن مؤمن إلى عمله؟ وينام قرير العين ولما يعلم منزله في الجنة أو في النار؟

53- دعوة ومناشدة واسترحام لأخواني المسلمين:

إخواني وأحبائي المسلمين:

قـد قال صلى الله عليه وسلم: [من كانت لأخيه عنده مظلمة من عرض أو مال، فليتحلله اليوم، قبل أن يؤخذ منه يوم لا دينار ولا درهم، فإن كان له عمل صالح، أخذ بقدر مظلمته وإن لم يكن له عمل أخذ من سيئات صاحبه فجعلت عليه] (رواه البخاري)

وقد نظرت في صحائفي نظرة سريعة إلى الوراء فوجدت من الحقوق والديون لإخواني من المسلمين ما لا أستطيع الوفاء به، إنها سلسلة طويلة من المظالم!! وأنا راجع عنها في الدنيا قبل الآخـرة، وداع كل من له مظلمة عندي أن يسامحني في هذه الدنيا، وجزاه الله خيراً أو يطالبني الآن، وجـزاه الله خيراً إذا عجل مطالبته هنا في هذه الدنيا، وهو بذلك نعم الأخ والصديق!! وأرجو من كل أخ مشفق صديق، وأناشده الله ألا يؤخر مطالبته يوم القيامة.

اللهـم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا، ورحمتك التي وسعت كل شيء، أسألك بأنك أنت الله رب العالمين، البر الرحيم الغفور الودود، ذو العرش الكريم، أن تتجاوز عن خطيئاتي، وأن تغفر لي ذنبي، وأن تجزي كل مؤمن صنع إحساناً بإحسان من عندك، وأن تغفر لكل من أساء إلي أو ظلمني أي مظلمة كانت.

اللهم تقبل عملي إنك أنت السميع العليم.. رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأصلح في ذريتي إني تبت إليك وإنني من المسلمين.



*********

****
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 02-07-2002, 03:39 AM
zahco zahco غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Mar 2002
المشاركات: 8,371
افتراضي

أخي يا لها من موعظة طيبة جزاك الله كل خير
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 02-07-2002, 04:33 AM
البواب البواب غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2002
المشاركات: 1,145
افتراضي

الحمد لله بأن قيض للمنتدى مثلك يا أخي فجزاك الله خيرا على ما تقدم
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:46 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com