عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #51  
قديم 16-04-2004, 06:59 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين غير متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 50,659
افتراضي




الفصل الثاني

جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان

1-هل كان لمصحف ابي بكر طابع رسمي؟

ماذا كانت منزلة المصحف الذي جمع من طرف زيد بأمر من أبي بكر؟ هل كان مصحفا خاصا بالخليفة أم كان الغرض جعله مصحفا رسميا للأمة الإسلامية التي كانت آنذاك سائرة في النمو؟ للإجابة عن هذه الأسئلة يجب أن نحقق في ما وقع لهذا المصحف بعد جمعه. جاء في صحيح البخاري ما يلي : "فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر رضي اللهم عنهم" (كتاب فضائل القرآن رقم 4603)

هؤلاء الثلاثة الذين تناقلوا المصحف في بداية الأمر كانوا كلهم شخصيات ذات مكانة عالية إذ أن أبا بكر و عمر كانا أول من خلف محمد على التتالي في حين كانت حفصة بدورها شخصية بارزة و هذا ما جعل بن أبي داود يصفها بأنها كانت في نفس الوقت "بنت عمر" و "زوج النبي". لقد أُخِدَ هذا المصحف بقدر كاف من الجدية من طرف الخليفتين أبي بكر و عمر لذلك لاقى اعتناء خاصا في عهديهما. أما معرفة ما إذا كان هذا المصحف قد اكتسب طابعا رسميا في هذه الفترة فهذه مسألة أخرى.

عملية جمع القرآن الذي تمت في عهد أبي بكر كانت لها منزلة خاصة لأن جامعه زيد بن تابث كانت له مكانة خاصة بين الصحابة الذين اهتموا بالقرآن. حاول زيد بقدر مستطاعه أن يجمع مصحفا أقرب ما يكون إلى الكمال لأنه من غير السهل على العموم إثبات حدوث تحريفه. يستنتج من هذا أن المصحف كانت له قيمة عالية لذلك استفاد من رعاية أبي بكر و عمر خلال فترتي خلافتهما. لكن بالرغم من كل هذا فليس هناك أدنى شك أن هذا المصحف لم يعطى له أي طابع رسمي في عهديهما. يزعم ديزاي أنه لم تكن في ذلك الوقت أية حاجة ماسة ل" إعطاء هذا المصحف طابعا رسميا" لأن القرآن كان حسب زعمه لا يزال محفوظا في ذاكرات الحفاظ من أصحاب محمد الذين كانوا على قيد الحياة آنذاك (ديزاي‚ ص 31). لقد رأينا سابقا أن ما زُعِمَ بخصوص الحفظ الكامل و المثالي لنص القرآن في ذاكرات الصحابة مبني على فرضيات مجانية إذ لا يمكننا قبول فكرة أن مصحف أبي بكر لم يكن في حاجة لكي يفرض على جمهور المسلمين بعد جمعه لكون بعض الأشخاص كانوا لا يزالون يحفظونه في ذاكراتهم. بالعكس من ذلك فإن أبا بكر و عمر لم يأمرا بجمع القرآن في نص موحد إلا بعد أن شعرا بالحاجة الماسة إلى ذلك نظرا بالدرجة الأولى إلى عدم جدوى التعويل على ذاكرات الناس وحدها. من المؤكد أن أبا بكر و عمر كانا يدريان جيدا أن أشخاصا كابن مسعود و أبي بن كعب و معاذ بن جبل كانوا هم كذلك على دراية واسعة بالقرآن وبالتلي كان بإمكانهم هم كذلك جمع مصاحف قرآنية ذات مصداقية كافية. رغم طابع الأهمية الذي أعطي له لم يكن مصحف زيد بن تابث يعتبر أكثر نفوذا بالمقارنة مع باقي المصاحف التي جُمِعت آنذاك و لهذا السبب بالذات لم يكن من الممكن فرضه كمصحف رسمي و موحد على مجموع الأمة الإسلامية. لقد تم في واقع الأمر إخفاء هذا المصحف مباشرة بعد جمعه. فبعد وفاة عمر انتقل هذا المصحف إلى ابنته حفصة التي كانت تعيش في عزلة شبه تامة منذ وفاة محمد و هذا ما يبين بوضوح أنه لم تكن هنالك أية رغبة في نشره بين الجمهور. يزعم ديزاي أن المصحف احتفظ به كل هذه السنين لكي يتم استعماله في المستقبل حين سيكون كل القراء من صحابة محمد قد توفوا (ديزاي‚ ص 31). مع الأسف لا يوجد في ما ترك لنا الأقدمون من روايات ما يشير إلى أن مصحف زيد كان الغرض من جمعه أن يستعمل للهذف المزعوم. على العكس من هذا كانت الحاجة الماسة إلى نص مكتوب هي التي دفعت إلى جمعه. في الوقت الذي كان فيه زيد يجمع القرآن كان يدري جيدا أن مصحفه قد لا ينظر إليه كنص مكتمل لأن بعض الفقرات قد فقدت منه و آيتين على الأقل لم يكن يعرفهما إلى أن ذكًّره بهما أبو خزيمة. لو كان أبو بكر و عمر يعلمان علم اليقين أن المصحف كان مكتملا لتم فرضه على مجموع المسلمين في الحين.

من جهة أخرى إذا افترضنا أن زيدا كان مقتنعا بأن مصحفه لم يكن أحسن من المصاحف التي قام عبد الله بن مسعود و صحابة آخرون بجمعها أمكننا أن نفهم لمذا تم إخفاء هذا المصحف. حين انتقلت الخلافة إلى عثمان كانت المصاحف الأخرى تكتسح الميدان في مختلف مناطق الدولة الإسلامية الناشئة في الوقت الذي كان فيه مصحف زيد يرقد في بيت إحدى زوجات محمد. لقد جُمِع هذا المصحف بأمر رسمي من الخليفة أبي بكر بدون أن يُعطى له في أي وقت من الأوقات أي طابع رسمي فلم يكن في واقع الأمر إلا واحدا من مصاحف عديدة تم جمعها في نفس الفترة تقريبا و كانت لها نفس المصداقية.


--------------------------------------------------------------------------------
رد مع اقتباس
  #52  
قديم 16-04-2004, 07:00 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين غير متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 50,659
افتراضي

2-إحراق عثمان للمصاحف الأخرى.

بعد تسعة عشر سنة من وفاة محمد تقلد عثمان كرسي الخلافة بعد أبي بكر و عمر فكان لهذا الحدث أهمية بالغة بالنسبة لتطور النص القرآني. كان حديفة بن اليمان يقود غزوة شمال بلاد الشام و كان جزء من جيشه متكَوِّنا من أهل الشام وجزء آخر من أهل العراق. فلم يمر وقت طويل حتى اختلف الفريقان حول طريقة قراءة القرآن. بعض هؤلاء قدم من دمشق و حمص و البعض الآخر من الكوفة و البصرة و في كل واحدة من هاته المناطق كان سائدا مصحف معين. على سبيل المثال نذكر أن أصحاب الكوفة كانوا يتُّبِعون مصحف عبد الله بن مسعود في حين كان أهل الشام يعملون بمصحف أبي بن كعب. أقلق هذا الأمر حذيفة فتشاور بشأنه مع سعيد بن العاص و أبلغ على إثر ذلك الخليفة عثمان. جاء في حديث البخاري ما يلي :

" حدثنا موسى حدثنا إبراهيم حدثنا ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشأم في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق" (صحيح البخاري‚ كتاب فضائل القرآن رقم 4604)

هذه أول مرة نجد فيها تلميحا لوجود مصاحف غير مصحف زيد بن ثابت في نصوص الحديث المعترف بها رسميا. يشير الحديث كذلك إلى أن هذه المصاحف كانت معروفة و مقبولة لدى المسلمين ربما أكثر من مصحف زيد الذي كان آنذاك بحوزة حفصة. كانت بعض النصوص مجرد مقاطع من القرآن في حين كانت نصوص أخرى موجودة على شكل مصاحف قرآنية كاملة.

ما الذي دفع عثمان إلى تعميم مصحف زيد في جميع الأمصار و إحراق باقي المصاحف؟ هل السبب هو كون هاته المصاحف كانت تتضمن أخطاء بخلاف مصحف زيد الذي كان نصا كاملا لا غبار عليه؟ ليس في الروايات القديمة ما يوحي بهذا. لمعرفة الظروف و الملابسات التي جعلت عثمان يقرر فرض مصحف زيد بن ثابت على جميع الأقطار التي كانت تحت إمرته نورد هذه الرواية التي جاءت في كتاب المصاحف لبن أبي داوود:

قال علي بن أبي طالب "ياأيها الناس لا تقولوا في عثمان و لا تقولوا له إلا خيرا في المصاحف و إحراق المصاحف‚ فوالله ما فعل الذي فعل إلا عن ملأ منا جميعا ‚ فقال ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول إن قراءتي خير من قراءتك و هذا كاد أن يكون كفرا. فقلنا فما ترى؟ قال نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة و لا يكون اختلاف‚ قلنا فنعم ما رأيت. قال فقيل أي الناس أفصح و أي الناس أقرأ؟ قالوا أفصح الناس سعيد بن العاص و أقرأهم زيد بن ثابت فقال فليكتب أحدهما و ليملي الآخر ففعلا و جمع النلس على مصحف واحد" (كتاب المصاحف‚ ص 22)

تنص هذه الرواية بوضوح على أن السبب الذي دفع عثمان إلى اتخاد قراره هو رغبته في فرض إجماع حول نص قرآني واحد. لم يكن قرار إحرق المصاحف الأخرى كونها غير جديرة بالثقة بل كان الدافع هو الرغبة في تجنب الشقاق بين المسلمين حول القرآن. يقبل ديزاي فكرة أن هذه المصاحف كانت كاملة و أصيلة على السواء لكن بالمقابل يزعم أن قرار الإحراق كان مبرره فقط الرغبة في تجنب الإختلاف في قراءة النص. يظن هذا الباحث أن النص الزيدي -نسبة لزيد بن تابث- كان يُعَدُّ نصا رسميا و أن غيره من المصاحف جُمِع بمبادرات شخصية فقط. أما اختلاف القرءات فهو لا يعتبره دليلا على عدم صلاحية هاته المصاحف بل هو حسب ظنه خير مثال على أن القرآن نزل على سبعة أحرف كما ورد في الحديث (انظر فصل 5). يقول ديزاي : "أبسط طريقة لضمان هيمنة مصحف عثمان هو إحراق المصاحف الأخرى" (نفس المرجع‚ ص 33)

لقد كان هذا هو الدافع الحقيقي لإحراق المصاحف لأن عثمان كان يريد توحيد المسلمين على نص قرآني واحد وهذا هو السبب الذي جعل حديفة بن اليمان يشعره بضرورة الأمر لأنه هو الذي كان وراء ذلك كما ذكر بن أبي داود. (كتاب المصاحف‚ ص 35) يضيف ديزاي : "الغرض من إحراق المصاحف و الإحتفاظ بمصحف زيد كان الغرض منه تجنب الإختلاف في قراءة القرآن" (نفس المرجع‚ ص 33) المشروع الذي قام به أبو بكر اقتصر على جمع القرآن من مصادر متعددة في حين حاول عثمان فرض هيمنة هذا المصحف على المسلمين على حساب المصاحف الأخرى التي كانت تكتسي يوما بعد يوم مكانة كبيرة في الأمصار.

لكن ما الدافع لاختيار مصحف زيد ليكون هو المصحف الرسمي؟

الرواية التي قدمنا سالفا تبرز المصداقية التي كان يتمتع بها زيد في مجال القرآن. لذلك لا يمكن نفي أن مصحفه كان على العموم خاليا من التحريف. صحيح أن هذا المصحف تم جمعه تحت الرعاية الرسمية للخليفة أبي بكر لكن هذا لا يدل على أنه أصبح بذلك نصا رسميا أو لكون المصاحف الأخرى تم جمعها بمبادرات شخصية اتخذها بعض الصحابة (نفس المرجع‚ ص 32). إنَّ كون هذا المصحف أُخْفِي مباشرة بعد جمعه و بقي قابعا في الظل لمدة معينة و لم يتم إشهاره لدليل كاف على أنه لم يكن ليعتبر نصا رسميا.

على عكس المصاحف الأخرى التي كانت تكتسب شهرة كبيرة و إقبالا بالغا في مختلف الأمصار كان مصحف زيد غير معروف لدى المسلمين في هاته المناطق و لهذا السبب لم يكن ليعتبر مصحفا منافسا. لقد كانت الغاية الحقيقية من فرض مصحف زيد هو القضاء على السلطة السياسية التي كان يتمتع بها بعض قراء القرآن في الأمصار التي كان عثمان يفتقد فيها شيئا من مصداقيته بسبب السياسة التي كان ينهجها حيث أنه كان يعين كعمال أقرباءه من بني أمية أعداء محمد على حساب الصحابة الذين ظلوا أوفياء لمحمد طيلة حياتهم. يمكننا أن نستنتج مما سبق أن مصحف زيد لم يتم اختياره لأنه كان يتميز على المصاحف الأخرى من حيث الكمال و لكن لأنه كان يخدم الأهذاف السياسية التي كان يبتغيها عثمان من توحيد نص القرآن. لقد أخرج عثمان هذا المصحف من الظل و جعل منه مصحفا رسميا لكا المسلمين بعدما بقي لمدة طويلة في الخفاء. إجراء من هذا القبيل لم يحاول لا أبو بكر و لا عمر خلال مدتي خلافتيهما أن يقوما به. لا يجوز إعطاء مصحف زيد أي امتياز مقارنة مع المصاحف الأخرى رغم ما كان يعرف عن جامعه من دراية بالقرآن لأن الإطار الرسمي الذي جمع فيه هذا المصحف تجلى فقط في كون الخليفة هو الذي أعطى الضوء الأخضر لجمعه. فلو كان محمد نفسه هو الذي رخَّص و أشرف على عملية جمع القرآن لصح نعت المصحف بالرسمي. لكن في الحالة التي تهمنا جاء المصحف كنتيجة لمبادرة من الخليفة أبي بكر‚ حيث حاول بإخلاص أن يجمع نصا أقرب ما يكون للكمال على قدر مستطاعه تاركا لنفسه حرية اختيار ما وجب إدخاله وما وجب إسقاطه.

مرة أخرى يجب أن لا ننسى أن أبا بكر لم يحاول فرض مصحفه بعد جمعه كما فعل عثمان لاحقا لذلك لا يمكن النظر إليه على أساس أنه كان نصا رسميا قبل زمن عثمان كما يزعم ديزاي و آخرون.

مرة أخرى يجب أن لا ننسى أن أبا بكر لم يحاول فرض مصحفه بعد جمعه كما فعل عثمان لاحقا لذلك لا يمكن النظر إليه على أساس أنه كان نصا رسميا قبل زمن عثمان كما يزعم ديزاي و آخرون.

ما قام به عثمان كان فعلا قاسيا و هذا هو أقل ما يمكن قوله في هذا الصدد حيث أنه لم ينج من قرار الإحراق أي مصحف من تلك التي كانت متداولة آنذاك. لا مفر إذن من الإعتراف بأن هذا الخليفة لم يكن يملك بديلا غير هذا نظرا لكون الفروق كانت شاسعة بخصوص طريقة قراءة القرآن. كون لا أحد من المصاحف تمكن من النجاة من الإحراق يُظهر بجلاء أنه لم يكن هناك توافق كامل فيما بينها. لقد كانت هنالك بالفعل تعارضات كبيرة بين هاته النصوص وجب بسببها اتخاد قرار حازم بتدميرها جميعا و الإحتفاظ بمصحف معين ألا و هو مصحف زيد. لا يمكن للإنسان أن يعتقد أن النص العثماني الذي ظل في الخفاء لمدة معينة أصبح النص المثالي في عشية و ضحاها و أنه كلما ظهر اختلاف بينه و باقي المصاحف وجب نعت هذه الأخيرة بالخطأ. إن الإختباء تحت هذا القناع من أجل إخراج مصحف عثمان من إشكالية الإختلافات القرائية لا يمكن قبوله إذا اعتُبِرت المسألة بقدر كاف من الموضوعية. لم يكن مصحف زيد إلا واحدا من عدد من المصاحف التي جمعت من قبل الصحابة و كانت تختلف فيما بينها بخصوص طريقة قراءتها. الشيء الوحيد الذي يمكن أن يميزه بالنسبة إليها هو كونه مُسْتَمَدٌ من مصحف جُمِعَ بين يدي أبي بكر. كون هذا المصحف لم يكن مشهورا عند عامة المسلمين جعله يبقى خارج نطاق النقاشات التي أُثيرت حول المصاحف الأخرى.

زيادة على هذا لم يكن مصحفا رسميا كما رأينا بل لم يكن سوى نص قام شخص واحد بجمعه ألا و هو زيد بن ثابت بنفس الطريقة التي جمع بها عبد الله بن مسعود و الصحابة الآخرون مصاحفهم. لم يكن هذا أبدا النص الذي أَذِن به محمد شخصيا بل لم يكن إلا نصا مماثلا له و واحد من بين عدة نصوص مختلفة كانت منتشرة آنذاك. أُعْطِيت صفة الرسمية لهذا المصحف باختيار أحادي الجانب من الخليفة عثمان حيث أراد له هذا الأخير أن يكون مصحف كل المسلمين بقرار انفرادي.

يَعي العلماء المسلمون المعاصرون‚ الذين يزعمون بتهور أن نص القرآن الذي بين أيدينا يتميز بكمال مطلق‚ يعون كل الوعي أن وجود قراءات مختلفة للنصوص الأولى للقرآن لا محالة ستجعل مزاعمهم مجرد هراء لذلك نجدهم يقولون إن الإختلافات لم تكن في النصوص نفسها و إنما في طريقة التلفظ بها فقط.

عبر كوكب الصديق عن هذا التصور كما يلي : "لم يهذف عثمان إلى فرض مصحف معين على حساب المصاحف الأخرى لأنه لم يكن هناك إلا مصحف واحد منذ البداية. ما أراد عثمان فعله هو فقط توحيد المسلمين على قراءة معينة لنص القرآن مع التأكيد على أن هذه القراءة يجب بالضرورة أن تبقى مطابقة للهجة قريش التي نزل بها القرآن. ما كان يشغل باله هو اختلاف أهل الشام مع أهل العراق في طريقة تلاوة القرآن" (مجلة البلاغ‚ المرجع السابق‚ ص 2). ما يُزْعَم هنا هو إن كانت هنالك اختلافات بين القراءات فإن مرجعها هو فقط طريقة "تلفظ" أو "ترتيل" النص القرآني. هذا النوع من الإستدلال يستند كليا إلى مقدمات فاسدة لأن التلاوة و التلفظ و الترتيل ليست لها علاقة سوى بالنص المنطوق و لا يمكن للإختلافات بخصوصها أن تظهر في النصوص المكتوبة لكن عثمان أمر بإتلاف نصوص مكتوبة. يجب كذلك أن لا ننسى أنه في الفترة التي كان يُجمَع فيها القرآن على شكل مصاحف لم تكن الكتابة العربية مشكولة و لا الحروف منقطة. لذلك فالإختلافات لم تكن لتظهر في النصوص المكتوبة. فلمذا إذن قام عثمان بحرقها؟ هناك جواب منطقي واحد لهذا السؤال ألا و هو أن الإختلافات كانت في النصوص ذاتها و ليس فقط في طريقة نطقها و سنحاول في الأجزاء التالية أن نُظْهِر إلى أي مدى وصلت هذه الإختلافات النصية. قام عثمان بإرغام المسلمين على قبول مصحف معين على حساب مصاحف أخرى و لن يكون لقراره هذا أي مبرر إذا كانت هذه النصوص لا تختلف فيما بينها إلا في نقاط بسيطة و تافهة تخص التلاوة فقط لأن هذا القرار المتشدد لا يمكن يأتي إلا نتيجة لوجود اختلافات جوهرية عديدة بين النصوص المكتوبة.

يجب على المسلمين أن يفكروا و يتمعنوا بجدية فيما قام به عثمان بن عفان. لقد كان القرآن يعتبر و لا زال يعتبر كلام الله المنزل على رسوله محمد أما المصاحف فقد كتبت من طرف صحابة محمد المقربون. ما القيمة التي كانت ستعطى للمصاحف التي أحرقت بأمر من عثمان لو بقيت حتى يومنا هذا؟ حاول الصحابة الذين كانوا يعتبرون بشهادة الأحاديث الصحيحة من ذوي الدراية العالية بالقرآن (عبد الله بن مسعود‚ أبي بن كعب.. ) أن يكتبوا المصاحف هاته بأيديهم و بذلوا في ذلك كل جهدهم لكي تكون أقرب ما يمكن إلى الكمال. هذه هي المصاحف التي أمر عثمان إحراقها‚ مصاحف جمعها صحابة أجلاء لا غبار عليهم. فإذا لم تكن فيما بينها اختلافات عميقة فلماذا قرر عثمان إحراق ما كان عزيزا على كل المسلمين يعتبرونه كلام الله المنزل على رسوله؟ لا يمكن قبول الطريقة التي يحاول بها علماء الإسلام المعاصرون تبرير ما قام به عثمان و على الخصوص إذا افترضنا كما يزعم الصديق أنه لم تكن هنالك أبدا اختلافات بين النصوص. ماذا سيعتقد المسلمون لو قام أحد في عصرنا هذا بإحراق مصاحف عزيزة على قلوبهم؟ ليس هناك إلا تفسير واحد لكل ما جرى ألا و هو وجود اختلافات نصية عميقة بين المصاحف استوجب معها حل واحد و هو الإحتفاظ بأحدها و تنحية المصاحف الأخرى.

في الوقت الذي نجد فيه أن كوكب الصديق يعلن مقولته "نص واحد لا اختلاف فيه" زاعما أنه "لم يكن هنالك أكثر من نص واحد" (بحروف غليظة) نرى أن مولانا ديزاي يتناقض معه حين يعترف بوجود اختلافات في النصوص الأولى تجلى بعضها في "تغيرات نصية" (المرجع السابق‚ ص 22) و كذلك حين يعترف بأن بعض المصاحف لم تكن مماثلة للمصحف الذي قام زيد بن ثابت بجمعه (ص 23). لكن ديزاي يحاول أن يثبت أن نص القرآن ذو كمال مطلق بزعمه أن الإختلافات التي كانت موجودة بين النصوص كانت مشروعة و هي ما يُدعى "الأحرف السبع". يبرر ديزاي ضرورة توحيد المصاحف القرآنية بكون هذه الأحرف لم تكن معروفة عند كل المسلمين لذلك يكون قد وجب الإبقاء على نص واحد. يقول ديزاي : "القرار الذي اتخده عثمان بإحراق مصاحف مشروعة كانت تمثل ترجمة وفية للقرآن المجيد مبرره الصراعات التي كانت قائمة آنذاك في المناطق التي تم فتحها بين مسلمين حديثي العهد بالقرآن لم تكن لهم دراية بكل أشكال القراءات المشروعة..فكان من الصعب جدا تدقيق كل النسخ القرآنية لدرجة وجب معها كحل وحيد تنحية جميع هاته النسخ من أجل الحفاظ على مصحف واحد يجتمع عليه كل المسلمين" (ص 32-33)

إذن أصبح من الملائم تنحية ستة قراءات مشروعة لفائدة قراءة واحدة فقط لأن الخليفة رأى أنه من الصعب قراءة المصاحف الأخرى بالرغم من أنه كان بالإمكان تصحيح و تدوين كل هاته المصاحف كما حصل مع مصحف زيد. لا يمكن للمرء إلا أن يستغرب من الطريقة التي يحاول بها بعض المسلمين تبرير ما قام به عثمان من إحراق مصاحف كانت لها قيمة عالية في نفوس المسلمين دون أن يخدش هذا التفكير أحاسيسهم. إنه لمن المشوق معرفة ما سيكون رد مولانا لو قام أحد في عصرنا الحاضر بإحراق أجزاء من القرآن تحت نفس الذريعة التي قدمها في النص المذكور أو لو قرر أحدهم تصوير شريط حول ما قام به عثمان.

قرار إحراق مصاحف قرآنية كالذي اتخده عثمان لا يمكن تفسيره بهذا الإستخفاف لذلك وجب على الباحثين المسلمين أن يُقَيِّموا بجدية هذه المسألة. سَتُتاح لنا الفرصة لكي نرى أن رد فعل عبد الله بن مسعود إثر سماعه قرار عثمان كان جد قوي. كذلك كان هذا القرار من بين الأسباب التي دفعت بعض الصحابة إلى إعلان معارضتهم لعثمان لأنه "محا كتاب الله عز و جل" (بن أبي داود‚ كتاب المصاحف‚ ص 36). الكلام هنا خَصَّ كتاب الله بعينه و ليس فقط النصوص التي كانت موجودة قبل قرار الإحراق و الغرض منه إبراز المعارضة الشديدة لهؤلاء الصحابة لقرار الإحراق.

سنرى في الفصول القادمة إلى أي حد بلغت الإختلافات في طرق قراءة القرآن و كذلك مدى اختلاف مصاحف بن مسعود و أبي بن كعب و زيد بن ثابت و أبي موسى و آخرون. قبل هذا يجب أن نستعرض بإيجاز بعض التطورات المهمة التي واكبت قرار عثمان بجعل مصحف زيد المصحف الرسمي و الوحيد للأمة الإسلامية.


--------------------------------------------------------------------------------
رد مع اقتباس
  #53  
قديم 16-04-2004, 07:01 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين غير متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 50,659
افتراضي

3-مراجعة مصحف زيد بن ثابث.

بما أن المصحف الأصلي الذي جمعه زيد في عهد أبي بكر كان على قدر كاف من الكمال فقد يميل البعض إلى الأعتقاد أن نسخه كان كافيا في عهد عثمان دون أية حاجة إلى بحث موسع عن ما يجب أن يحتوي عليه و إعادة النظر فيه. لكن هناك أدلة تشير إلى أن هذا النص لم يكن ينظر إليه على هذا الأساس حيث نجد أن عثمان قد أمر بإعادة جمعه و كذا تصحيحه كلما تطلب الأمر ذلك. نقرأ في صحيح البخاري ما يلي :

"حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري وأخبرني أنس بن مالك قال فأمر عثمان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبدالله بن الزبير وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف وقال لهم إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش فإن القرآن أنزل بلسانهم ففعلوا " (صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن 4601)

لقد رأينا سابقا أن سعيد بن العاص كان يعتبر من ذوي المعرفة الواسعة باللغة العربية و قد تم اختياره لهذا السبب و كذلك الشخصين الآخرين لأنهم كانوا ينتمون لقبيلة قريش التي كان ينتمي إليها محمد كذلك في حين كان زيد من المدينة المنورة. لقد كانت رغبة عثمان أن يكتب القرآن بلهجة قريش التي نزل بها أصلا على محمد. لهذا أمر أن يكتب بهذه اللهجة كلما وقع هنالك اختلاف بين زيد وهؤلاء الثلاثة. يتبين لنا مرة أخرى أن الأمر لم يكن يتعلق فقط بنقاط اختلاف تهم طريقة النطق و الترتيل لأن هذا النوع من الإختلاف لا يمكن أن يكون له أثر على النص المكتوب. من الو اضح إذن أن عثمان قام بإدخال تعديلات على النص المكتوب حين أمر الكتاب الأربعة بالعمل سويا بل هناك أدلة على أن عثمان لم يكتفي بهؤلاء الأربعة بل تشاور مع بعض الصحابة الآخرين بخصوص جمع ا لقرآن و ربما كانت هناك مراجعة شاملة للمصحف (الإتقان-السيوطي ص 131)

هناك رواية مفادها أن زيد كان عليه أن يتذكر آية فقدت من المصحف الذي جمعه زيد في عهد أبي بكر :

"قال زيد : فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت سمعت رسول الله يقرأ بها‚ فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري -من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه-فألحقناها في سورتها في المصحف" (الإتقان - السيوطي ص 130)

نفس الرواية حول فقدان ما يعتبر الآن الآية 23 من سورة الأحزاب نجدها في صحيح البخاري (كتاب تفسير القرآن 4411). في النظرة الأولى نلاحظ أن هذه الرواية تشبه إلى حد بعيد تلك التي تتحدث عن فقدان الآيتين الأخيرتين من سورة التوبة خلال عملية جمع القرآن في عهد أبي بكر التي قام بها نفس الشخص يعني زيد. جُمِع القرآن واكتشفوا فيما بعد أن مقطعا فُقِد منه فوُجِد أخيرا عند خزيمة بن ثابت. زيادة على هذا هناك حديث سبق ذكره مفاده أن الحادث وقع زمان عثمان لهذا يرى الصديق أن الرواية التي تتحدث عن الآية المفقودة من سورة الأحزاب إنما تتعلق بالآيتين الأخيرتين من سورة براءة و أن الحديث المتعلق بهاته الآيتين اكثر صحة من الآخر (البلاغ المصدر السابق ص 2)

المعطيات المتوفرة لا تمكننا من إصدار أية استنتاجات حول هذا الموضوع‚ فقط نستغرب من كون زيد لم يكتشف فقدان آية من القرآن إلا بعد مرور 19 سنة على وفاة محمد و بمحض الصدفة يكون قد وجدها عند نفس الصحابي الذي وجد عنده الايتين الأخيرتين من سورة براءة! لقد رأينا سالفا أن خزيمة هذا هو الذي أثار انتباه زيد إلى عدم وجود آيتين من سورة براءة. فإذا كان هنالك نص آخر فقد ولم يوجد إلا معه فلمذا بقي صامتا ولم يتحدث عنه خلال هذه المدة الطويلة؟

ديزاي لا يشك في صحة الحديث المذكور لكن يفسر المسألة بزعمه أن الآية 23.33 كانت بالفعل موجودة في المصحف الأصلي الذي جمع في عهد أبي بكر لكن وقع نسيانها خلال عملية النسخ في عهد عثمان و يردد مرة أخرى أن الآية كانت معروفة لدى "عدد كبير من الحفاظ" (The Quran Unimpeachable, p.38). هذا المزعم لا يستطيع أن يصمد أمام التحليل النقدي.

المصحف الذي قام زيد و مساعدوه بنقله لم يتم إحراقه مع المصاحف التي أحرقت بل أعيد إلى حفصة بعد انتهاء العمل به. إذن لو كانت الآية المعنية بالأمر موجودة فيه فلن تكون الحاجة للبحث عنها (إلى أن وجدت عند أبي خزيمة).

في نفس السياق لا يمكن قبول فكرة أن الآية كانت تُفقَدُ كل مرة يُنقَلُ فيها مصحف ليُرسل لإحدى الأقطار الإسلامية رغم كونها موجودة في المصحف الأصلي! إن الأدلة التي يقدمها ديزاي لتفسير فق دان الآية في المصاحف هي أدلة واهية لا يمكن قبولها. ليس للحديث إلا معنى واحد ألا و هو أن ال آية لم يتذكرها زيد إلا بعد انتهاء العملية الثانية لجمع القرآن بأمر من عثمان. وقوع مثل هذا الحدث محتمل إذا علمنا أن زيد لم يطلب منه التدقيق في المصحف في السنوات التي فصلت بين جمعه لمصحف أبي بكر و أمر عثمان بإعادة جمع القرآن.

يحاول الصديق من جديد أن يقنعنا بأن زيد لم يجد الآية في شكل مكتوب رغم كونها معروفة جيدا لدى الصحابة. إنه يرفض المعنى الواضح للحديث الذي قدمنا (فُقِدت أية من سورة الأحزاب...) قائلا إن فيه شيء من "عدم الدقة" و إن المعنى الحقيقي هو : "لم أجد أية..." بعبارة أخرى لم يكن زيد يجهل وجود هذه الآية بل حاول فقط التأكد من وجودها على شكل مكتوب. الكلمة الرئيسية في الحديث هي "فُقِدَت" و تعني "ضاع مني‚ حُرِمت من..." و هي شائعة الإستعمال في حالة وفاة شخص ما (المفقود=الشخص المتوفى). المعنى في سياق الحديث الذي يهمنا ليس أن زيد حاول البحث عن آية محفوظة عند الصحابة في ما كتب من القرآن بل حاول أن يجد آية ضاعت كليا من القرآن و لم توجد أخيرا إلا عند أبي خزيمة.

إذا كانت هذه الرواية صحيحة (1) فإنها توضح بما يدع مجالا للشك أن المحاولة الأولى لزيد بن ثابت لجمع مصحف مكتمل لم تكن ناجحة مائة بالمائة حيث لم تضف الآية من سورة الأحزاب إلا بعد الإنتهاء من نسخ المصاحف خلال المحاولة الثانية التي تمت في عهد عثمان.

يتبين لنا الآن أن ما يقال عن الكمال المطلق للقرآن و خلوه من الزيادة و التحريف و الإختلاف لا يمكن أن يثبت و يصمد أمام البراهين الثاقبة فما هو إلا نِتاج للمشاعر و المتمنيات لا يمس بصلة إلى الإثبات العقلي!


--------------------------------------------------------------------------------

(1) و هي كذلك بالنظر إلى معيار الصحة الذي يقدمه لنا علم الحديث
رد مع اقتباس
  #54  
قديم 16-04-2004, 07:02 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين غير متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 50,659
افتراضي

4-مميزات المصحف العثماني.

لقد نجح عثمان في تحقيق هذفه بفرض مصحفه على كل الأمة الإسلامية مُنَحِّياً في الوقت ذاته ما عداه من المصاحف. لا يتوفر العالم الإسلامي الآن إلا على مصحف واحد لكن هذا لا يعني أنه نسخة طبق الأصل لما جاء به محمد بل هناك مصاحف أخرى كانت تنافسه المصداقية و الموثوقية. الترتيب الذي جاء عليه النص القرآني لم يكن أمرا إلهيا لأن زيد كان هو المسؤول عنه حيث تُرِكت له حرية القيام بذلك و كذلك عملية الجمع التي أمر بها عثمان و ليس محمد و كان هذا مرتين تم على إثر المحاولة الثانية حرق كل المصاحف التي كانت تختلف مع مصحف زيد رغم كونها جُمِعت من طرف صحابة لا مجال للشك في مصداقيتهم و درايتهم بمجال القرآن كما يشهد على ذلك الحديث الصحيح.

حتى بعد عملية الجمع الأخيرة للمصحف في عهد عثمان استمرت النزاعات بين المسلمين حول مصداقية هذا النص. مثال جيد على هذا يتجلى في تعدد القراءات للآية 238 من سورة البقرة التي توجد في المصحف العثماني على الشكل التالي : "حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و قوموا لله قانتين"

ورد في موطأ الإمام مالك الحديث التالي :

"حدثني يحيى عن مالك عن زيد بن أسلم عن القعقاع بن حكيم عن أبي يونس مولى عائشة أم المؤمنين أنه قال أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا ثم قالت إذا بلغت هذه الآية فآذني ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ) فلما بلغتها آذنتها فأملت علي حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين قالت عائشة سمعتها من رسول الله صلى اللهم عليه وسلم" (موطأ مالك 288)

هذه عائشة زوج محمد رسول الإسلام تؤكد وجوب إضافة عبارة "و صلاة العصر" بعد عبارة "و الصلاة الوسطى" مستشهدة في ذلك بمحمد نفسه. في نفس الموضع من الموطأ هناك حديث آخر مفاده أن حفصة بنت عمر بن الخطاب التي هي كذلك من بين زوجات محمد طلبت أيضا من كاتبها عمرو بن رافع أن يقوم بتعديل مماثل لمصحفها. لا يجوز أن يكون هذا هو نفس المصحف الذي جمعه زيد بن ثابت وورثته حفصة من والدها بل من المحتمل أن يكون مصحفا كُتِب لها خِصِّيصا من قبل لأن بن رافع هذا أوضح أنه كان يكتب النص بأمر منها (أي حفصة). أشار بن أبي داود إلى هذا النص على أنه مصحف مختلف عن سائر المصاحف. في فقرة من كتاب المصاحف تحت عنوان "مصحف حفصة زوج النبي صلعم" يعطينا أسانيد الروايات التي عرضنا مشيرا في نفس الوقت إلى أنها كانت مشهورة في أوساط المسلمين دون أن يعطي مزيدا من التفاصيل حول القرآءات الأخرى التي من المحتمل أنها كانت موجودة في هذا المصحف. إحدى هذه الروايات تقول : "حدثنا عبد الله حدثنا محمد بن عبد الملك حدثنا يزيد محمد يعني ابن عمرو عن أبي سلمة قال أخبرني عمرو بن نافع مولى عمر ابن الخطاب قال مكتوب في مصحف حفصة زوج النبي صلى الله عليه و سلم -حافظوا على الصلوات و الصلوة الوسطى و صلوة العصر" (كتاب المصاحف ص 87)

لقد قيل كذلك في نفس الكتاب إن القراءة المتجلية في إضافة عبارة "و صلاة العصر" إلى عبارة "و الصلوة الوسطى" كانت أيضا في مصحف أبي بن كعب و كذلك في مصحف أم سلمة زوج محمد (كتاب المصاحف نفس الصفحة). الصحابي بن عباس هو كذلك شَهِدَ على وجود هذه القرآءة التي كانت بالتأكيد موجودة قبل جمع المصحف العثماني لأن مصحف هذا الصحابي كان من بين المصاحف التي أحرِقت بأمر من عثمان و التي من المحتمل أنها كانت أيضا تحوي هذه القراءة. خبر وجودها لم يكن من الإمكان إخفاءه و محيه حيث أن البعض قال إنها كانت بمثابة تأكيد على وجوب إقامة صلاة العصر زيادة على صلاة الظهر و قال آخرون أن هذه القراءة ليست إلا تفسيرا للنص المشهور (أي أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر بعينها). مثال على هذا التأويل ورد في النص التالي :

"قال أبو عبيد في فضائل القرآن : المقصود من القراءة الشادة تفسير القراءة المشهورة و تبيين معانيها‚ كقراءة عائشة و حفصة: والصلاة الوسطى صلاة العصر" (الإتقان ص 178)

لقد كان فشل عثمان في القضاء نهائيا على كل الدلائل على وجود هذه القراءات المختلفة هو ما دفع مروان بن الحكم حين كان عاملا لبني أمية على المدينة إلى إتلاف المصحف الذي بقي بحوزة حفصة. لما كانت حفصة لا تزال على قيد الحياة رفضت بشدة تسليمه لمروان على الرغم من إصراره (كتاب المصاحف ص 24) و لذلك لم يتمكن من تحقيق غرضه إلا بعد موتها حيث قام أخوها عبد الله بن عمر بن الخطاب بتسليمه له من أجل تنحيته نهائيا. علل مروان فعلته هذه بخشيته أن يؤدي إلى انتشار القراءات التي أراد عثمان تنحيتها. هناك روايات عديدة غير تلك التي وردت في كتاب المصاحف تفيد بوجود قراءات أُخَر. في مصحف حفصة على سبيل المثال كانت تُقرأ "في ذكر الله" شأنها في ذلك شأن بن مسعود عوض "في جنب الله" (الآية 56.39)

قد يكون المشروع العثماني قد نجح فعلا في توحيد المسلمين على نص قرآني واحد‚ لكنه في نفس الوقت كان السبب في ضياع كنز من المصاحف كانت شائعة و مقبولة لدى فئة عريضة من المسلمين و كانت لها نفس مصداقية مصحف زيد بن ثابت.

روى الطبري أن الناس أعابوا على عثمان كونه أسقط المصاحف من أجل الإبقاء على مصحف واحد (1.6.2952). هذا يدل على أن مصحف زيد لم يكن يتمتع بصفة خاصة و استثنائية بالمقارنة مع باقي المصاحف من حيث الموثوقية و الشرعية. بالرغم من أن هذه المصاحف قد انقرضت فإن عددا كبيرا من القراءات بقي شائعا وتم تدوينه حيث ورد ذكره في مؤلفات عدة. ستُتاح لنا في الفصل المقبل فرصة الإطلاع على بعض من هذه القراءات و كذلك المصاحف التي وردت فيها و على الخصوص مصحفي عبد الله بن مسعود و أبي بن كعب.


--------------------------------------------------------------------------------
رد مع اقتباس
  #55  
قديم 16-04-2004, 07:03 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين غير متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 50,659
افتراضي

الفصل الثالث

مصحفا عبد الله بن مسعود و أبي بن كعب

1-الخبرة الكبيرة لعبد الله بن مسعود في مجال القرآن.

لا يمكن لأية دراسة لموضوع تناقل النص القرآني في بدايته أن تكتمل إلا بإلقاء الضوء على مساهمة عبد الله بن مسعود. لقد كان من بين كبار صحابة محمد و من إتباعه الأوائل و قيل أنه "كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله بمكة" كما ذُكر في سيرة بن هشام (المجلد الثاني ص 157). طيلة السنوات الإثني عشرة التي قضاها محمد في مكة يدعو للإسلام إلى غاية وفاته بالمدينة عشر سنوات بعد هجرته إليها كلَّف بن مسعود نفسه عناء حفظ القرآن و اكتساب علومه. هناك روايات عدة تُظهِر أن محمد كان يعتبر بن مسعود من أكبر العارفين بالقرآن إن لم يكن يعتبره الأكبر على الإطلاق كما يُستفاد من الحديث التالي :

"حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن عمرو عن إبراهيم عن مسروق ذكر عبدالله بن عمرو عبدالله بن مسعود فقال لا أزال أحبه سمعت النبي صلى اللهم عليه وسلم يقول خذوا القرآن من أربعة من عبدالله بن مسعود وسالم ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب " (صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن 4615)

نفس الرواية موجودة في كتب الحديث الأخرى و تشير إلى أن محمد "بدأ به" (1) و هذه إشارة إلى أنه كان يعتبره المرجع الأول في مجال القرآن. من بين الصحابة الآخرين الذين تم ذكرهم نجد أبي بن كعب الذي جمع هو كذلك مصحفا خاصا به كان مصيره النهائي هو الإحراق بأمر من عثمان كما ذٌكِر سابقا. عدم ذكر زيد بن ثابت ضمن الائحة أمر له دلالة خاصة حيث يتبين من خلاله أن محمد كان يعتبر بن مسعود و أبي بن كعب أكثر منه خبرة و معرفة بالقرآن :

"حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبي حدثنا الأعمش حدثنا مسلم عن مسروق قال قال عبدالله رضي اللهم عنهم والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أنزلت ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه" (صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن 4618)

قيل في رواية من نفس القبيل إن بن مسعود قرأ ما يزيد عن سبعين سورة في حضرة محمد. يدل هذا على أن الصحابة كانوا يدرون أن لا أحد أكثر علما بالقرآن من بن مسعود. يضيف شقيق في حديث مسلم : "فجلست في حلق أصحاب محمد صلى اللهم عليه وسلم فما سمعت أحدا يرد ذلك عليه ولا يعيبه" (صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة 4502)

من البديهي إذن أن عبد الله بن مسعود كانت له معرفة خاصة و عميقة بالقرآن. بما أن محمد أمر كل من يريد تعلم القرآن أن يأخده عنه بالدرجة الأولى فمن المنطقي أن تكون للمصحف الذي جمعه موثوقية ما إذ ليس هنالك أدنى شك في أنه جمع مصحفا خاصا به مستقلا عن مصحف زيد بن ثابت. لذلك خصص بن أبي داود ما لا يقل عن 19 صفحة من كتاب المصاحف لعرض الإختلافات التي كانت موجودة بين قراءتي بن مسعود و زيد (كتاب المصاحف 54-73)

لكونه اعتنق الإسلام مبكرا حيث سبق في ذلك الخليفة عمر و كونه كان من بين المهاجرين للحبشة و يثرب فقد صارت له مكانة كبيرة عند محمد. شارك في غزوتي بدر و أحد و مكنت علاقته الخاصة بالرسول و كذا معرفته العميقة للقرآن أن تصبح لمصحفه مكانة عالية عند أهل الكوفة قبل أن يأمر عثمان بجمع المصحف الذي فُرِض قوة على الأمة الإسلامية. رد فعل بن مسعود على إثر قرار عثمان إحراق مصحفه له دلالة عميقة.


--------------------------------------------------------------------------------

(1) "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير قالا حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن شقيق عن مسروق قال كنا نأتي عبد الله بن عمرو فنتحدث إليه وقال ابن نمير عنده فذكرنا يوما عبد الله بن مسعود فقال لقد ذكرتم رجلا لا أزال أحبه بعد شيء سمعته من رسول الله صلى اللهم عليه وسلم سمعت رسول الله صلى اللهم عليه وسلم يقول خذوا القرآن من أربعة من ابن أم عبد فبدأ به ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة" (صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة -4504)
رد مع اقتباس
  #56  
قديم 16-04-2004, 07:05 AM
أحمد سعد الدين أحمد سعد الدين غير متواجد حالياً
مديــــــر عــــــــام المنتــــــديــات
 
تاريخ التسجيل: Nov 2003
المشاركات: 50,659
افتراضي

2-رد فعل بن مسعود على قرار عثمان.

لما أصدر عثمان أمره بإحراق المصاحف للإحتفاظ بمصحف زيد بن ثابت رفض عبد الله بن مسعود تسليم النسخة التي كانت بحوزته. يتحدث ديزاي بصراحة عن "رفض حضرة بن مسعود في البداية تسليم نسخته" (Quran unimpeachable, p.44) لكن الصديق يريدنا أن نعتقد أن لا رفض صدر عن هذا الصحابي المتميز. يقول في موضع ما من مقاله "ليست هنالك إشارة إلى أنه عارض مصحف حفصة خلال حكم عمر" (البلاغ المرجع السابق ص 1). لكن لماذا كان سيعارض مصحف زيد في ذلك الوقت؟ كان مصحفه آنذاك منتشرا بين أهل الكوفة في الوقت ذاته الذي كان فيه مصحف زيد قابعا في الخفاء دون أن يكون لأحد أية نية لجعله مصحف الأمة الإسلامية.

لم يشعر بن مسعود أن مصحفه يتهدده الخطر إلا حين خرج مصحف زيد إلى الواجهة و أُعلِنَ مصحفا موحدا. لذلك رفض بن مسعود في الحين تسليم مصحفه لأجل إحراقه. ذكر بن الأثير في الكامل (3.86-87) أن أهل الكوفة استمروا في تداول مصحف بن مسعود حتى بعد أن بلغهم مصحف عثمان. إنه لمن الواضح بالنسبة لكل من يبحث بشيء من الموضوعية في هذه المسألة أن الدراية الواسعة لبن مسعود بمجال القرآن و التي شَهِدَ عليها محمد نفسه تعطي لمصحفه مكانة موازية على الأقل لتلك التي كان يتمتع بها مصحف زيد.

بما أن هناك أدلة ثابتة على وجود عدد من الإختلافات بين هذه المصحفين و بما أن مصحف زيد أصبح النص الرسمي فقط بأمر أحادي الجانب من الخليفة عثمان و ليس لسبب آخر قد يعطيه مشروعية ما فإنه حقا لمن الغريب أن نجد العلماء المسلمين يحاولون التقليل من أهمية مصحف بن مسعود.

يزعم ديزاي أن "نسخة بن مسعود كانت تحوي ملاحظاته الخاصة. نسخته هذه كانت لإستعمال الخاص و ليست موجهة لكافة الأمة" (ص 45). صاحبنا هذا لا يعطي أي دليل على مزاعمه. من بين النواقص التي تميز كتيب ديزاي الغياب شبه التام لأدلة مستوحات من مراجع أصيلة بخصوص التفسيرات التي يحاول أن يقدمها للأحداث. لهذا السبب لا يتيح لدارس كتيبه أن يتحقق من صحة ادعاءاته.

في الواقع كان معروفا أن مصحف بن مسعود انتشر في المنطقة التي كان يقطن بها أي الكوفة و ما جاورها في الوقت الذي كان فيه مصحف أبي بن كعب سائدا في الشام (كتلب المصاحف بن أبي داود ص 13)

يحاول أحمد فون دنفر (Ahmad Von Denffer) بطريقة مماثلة أن يقلل من أهمية مصحف أبي بن كعب قائلا إنه "مصحف للإستعمال الشخصي أو بعبارة أخرى مذكرته الخاصة" مضيفا بخصوص هذه المصاحف أن "هذه المذكرات الخاصة أصبحت متجاوزة فتمت تنحيتها أخيرا" (علوم القرآن ص 49). من الصعب فهم كيف يمكن اعتبار مصاحف كاملة جُمِعَت بعناية فائقة و استعملت في مناطق عديدة ك "مذكرات خاصة" و كيف أمكن أن تصبح متجاوَزة في وقت من الأوقات.

يتشبت العلماء المسلمون بهذه الإستدلالات الغريبة فقط لأنهم مصممون على الدفاع بأي ثمن عن عصمة القرآن الذي هو بين أيدينا اليوم من أوله إلى آخره. لكونهم يعرفون جيدا أن هذا النص ما هو إلا نتاج عملية قام بها رجل معين (زيد بن ثابت) نراهم يحاولون استعمال أسلوب المراوغة كلما تعلق الأمر بمسألة وجود مصاحف غير المصحف العثماني كانت تختلف معه في نقاط غير قليلة. لقد أُريد لمصحف زيد أن يصبح "المصحف الرسمي" مباشرة بعد الإنتهاء من جمعه و نُقِضَت المصاحف الأخرى تحت ذريعة كونها "مذكرات خاصة" لأصحابها وجب إحراقها لكونها تختلف فيما بينها ناسين في ذات الوقت أن هذه المصاحف كانت أيضا تختلف مع مصحف زيد.

هناك أدلة قوية تُظهر لنا السبب الذي جعل عبد الله بن مسعود يرفض في البداية تسليم مصحفه لكي يتم إحراقه. يزعم ديزاي أن السبب هو تعلقه الوجداني بهذا المصحف (ص 45) (1) أما الصديق فيقول ببساطة إنه لم يكن اختلاف بين مصحفه و الذي جمع زيد (2). في واقع الأمر كان رد فعل بن مسعود إزاء قرار عثمان راجع بالأساس لكونه اعتبر مصحفه أحسن من مصحف زيد و أكثر موثوقية منه. قبل أن يقوم حذيفة بن اليمان بإثارة انتباه عثمان لضرورة توحيد المسلمين بالقوة حول مصحف زيد‚ دارت مناقشة حادة بينه و بين عبد الله بن مسعود حين طلب منه أن تُنَحَّى القراءات التي كانت شائعة آنذاك في سائر الأقطار الإسلامية :

"قال حذيفة أهل البصرة يقرءون قراءة أبي موسى و أهل الكوفة يقرءون قراءة عبد الله أما و الله أن لو قد أتيت أمير المؤمنين لأمرته بغرق هذه المصاحف فقال عبد الله إذاً تغرق في غير ماء (3)" (كتاب المصاحف ص 14)

الكتاب المعاصرون من أمثال الصديق يؤكدون على أن الإختلافات بين قراءات الصحابة كانت على مستوى اللفظ فقط بالرغم من أن عكس هذا يتبين من خلال الرواية السابقة من كتاب المصاحف حيث أن حذيفة كان يتحدث عن لا شيء غير تنحية المصاحف التي كتبها بن مسعود و الصحابة الآخرون (لا يُعقل أن يتم إغراق عبارات لفظية) و هذا الإقتراح هو بالذات ما جعل بن مسعود يثور غيضا و يدل على أن الإختلافات القرائية كانت في النصوص المكتوبة ذاتها. هناك روايات أخرى مفادها أن بن مسعود كان يعتبر زيد كشخص غير ذي معرفة كافية بالقرآن و لذلك فمصحف الأول لا يمكن أن يكون أقل شأنا من مصحف الثاني. دخل بن مسعود في الإسلام قبل أن يولد زيد بن ثابت و لذلك استمد خبرته من كونه كان مقربا من محمد طيلة سنوات طوال قبل أن يستطيع زيد دخول الإسلام بعد هجرة محمد للمدينة:

"قال محمد بن معمر البحراني عن يحيى بن حماد قال حدثنا أبو عوانة عن إسماعيل بن سالم عن أبي سعيد الأزدي قال سمعت عبد الله بن مسعود يقول أقرأني رسول الله صلى الله عليه و سلم سبعين سورة أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت" (كتاب المصاحف ص 17)

جاء في الطبقات الكبرى لبن سعد ما يلي :

"أخبرنا عفان بن مسلم أخبرنا عبد الواحد بن زياد أخبرنا سليمان الأعمش عن شقيق بن سلمة قال خطبنا عبد الله بن مسعود حين أُمِر بالمصاحف ما أُمِر (4) قال فذكر الغلول فقال إنه من يغل يأتي بما غل يوم القيامة فغلوا المصاحف فلأن أقرأ على قراءة من أُحِبُّ أَحبُّ إلي من أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت فو الذي لا إله غيره لقد أخذت من في رسول الله بضعا و سبعين سورة و زيد بن ثابت غلام له ذؤابتان يلعب مع الغلمان" (كتاب الطبقات الكبرى بن سعد المجلد الثاني ص 556 ) (5) موقع الوراق

على ضوء كل هاته الروايات التي يجب أخذها بعين الإعتبار نرى أن التفسيرات التَّمَلُصِيَّة التي يقدمها لنا الكتاب الإسلاميون المعاصرون لا يمكن قبولها. من البَيِّن أن عبد الله بن مسعود قاوم قرار عثمان ليس لأسباب ذاتية كما يريدنا ديزاي أن نعتقد بل لأنه كان يشعر في قرارة نفسه أن مصحفه أحسن من مصحف زيد و أكثر موثوقية منه لأنه أخذه مباشرة عن محمد. هذا الإستنتاج الطبيعي لا يمكن أن يتهرب منه أي دارس موضوعي لتاريخ جمع القرآن.

من الواضح كذلك أن الفروق التي كانت بين النصوص لم تكن بالتأكيد تهم اللفظ فقط بل كذلك الكتابة و المحتوى. سيظهر لنا بعد تحليل بعض من هذه القراءات إلى أي مدى بلغت هذه الفروق.


--------------------------------------------------------------------------------

(1) لا يمكن فهم السبب الذي سيجعل هذا الصحابي الجليل يتعلق بمصحف خاطىء لا يحوي كلام الله؟

(2) ما ضرورة إحراقه إذن؟

(3) ربما يعني نار جهنم

(4) يعني أمر عثمان بإحراق جميع المصاحف ما عدا مصحف زيد

(5) ذُكِر كذلك في كتلب المصاحف لبن أبي داود ص 16
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:36 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com