عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 24-01-2011, 07:39 PM
عبد الرحمن السيد عبد الرحمن السيد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
الدولة: الإسكندرية
المشاركات: 95
افتراضي صاحبة الرداء الأسود ( منة الله )




صاحبة الرداء الأسود ( منة الله )
مقــــــدمة
عزيزى القارئ هذه قصة حب حقيقية
بطلتها سيدة فى العقد الثالث من عمرها , وبطلها رجل فى العقد السادس من عمره
ربطت بينهما قصه حب , حملت فى طياتها أسمى معانى الحب , وأبشع ألوان العذاب واللآلام .

ظنا أنهما قد أنجبا الحب معا , وسيكبر ويترعرع بين أحضانهما , دون أن يدريا ماتخبئه لهما الأيام , تعاهدوا , وتواعدوا
وكأنهما تعاهدوا على الفراق , وتواعدوا على الحرمان والعذاب .

أطلقوا العنان لقلبيهما , وتناسَوْا قانون الحياة
قصة بدأت فى ربيع عمرها , لتنتهى فى عز شبابها , قصة إمتزج فيها الأمل مع اليأس وإختلطت فيها الدمعة مع الفرحة , قصة كتب فيها القدر قصيدته , وعزف فيها لحن
الفراق

قصة راح ضحيتها رجل لايملك من الحياة إلا قلبٌ كبير أحب به
قصة تفوق الخيال , فيها حب بلا غاية , وفاء بلا حدود , بها المشاعرالنبيلة , فيها أقوى وأعظم التضحيات , فيها أبشع ألوان العذاب والآلام , وفيها تنتصر قوانين الحياة

هذه قصتى أرويها لك عزيزى القارئ , بعد أن جفت دموعى , ولم تعد تبقى لى دموع
بعد أن حولتنى الآلام إلى حطام رجل بائس , و بعد أن كسرتنى يد , كانت أحب لى من عمرى , وأقرب لى من دقات قلبى , كانت كل ما تبقى لى فى الحياة

فتركتنى أسيرعلى الدرب وحيدا , شاردا , مهموما , أحمل آلامى وجروحى
لا أشكى , إنما أتضرع إلى الله تعالى أن يخفف عنى عذابى , فلم أعد أحتمل
الألم

1
لاتسلنى قارئى العزيزعن إرادتى , فقد بلغ قلبى الرابعة والخمسون من عمره
ولم يعد يحتمل السخرية

فارقتنى , ولن أستطيع نسيانها , وكيف أنساها , وقد أهدتنى إلى طاعة الله وتركت لى ثروة من الإيمان , مايجعلنى أعيش بقية عمرى تحت أقدامها , خادما , راعيا , وفيا لها
رغما عن قسوتها , ورغما عن جرحها الدامى .

لا , والله لن أفقد أملى ، مهما طال الزمان وبعدت السنين , وسيظل اليأس مفقوداً
حتى ألقاها , فهذه قضيتى , وتلك محنتى

سأظل أبكيها ما تبقى لىَ من سنين عمرى , ربما تعود يوما , أو بعد عمر , وسيبقى مكانها فى قلبى دافئا إلى أن تعود إليه , أو إلى أن ألقاها عند ربى .

وليس أمامى سوى أن أطل من بين القدر و المكتوب حتى أرى ظلها قادما من بعيد , عائدة إلى حبيبها حاملة بين ذراعيها الأمل المفقود
لتمسح به دموعى , وتداوى جروحى , وتشرق شمس عمرى من جديد .

هكذا أحببتها عزيزى القارئ , حبا لا أستطيع وصفه , مثلما لاأستطيع وصف عذابى وآلامى لفراقها .

سأظَل أنتظرها إلى ما بقىَ لى من عمرى , فأنى لاأرى سواها

هكذا أحببتها عزيزى القارئ

@


2
الفصــــل الأول
اللقــــــــاء

فى صبـاح يوم هــادئ توجـه المهندس عبـد الله إلى مكتبـه وقـد قـاربت الساعــة على العاشـــرة صباحا وهو رجل هادئ , أسـمر البشرة , نحيـل الجـسد , فـى العقد السادس من عمره , ويعمل رئيسا لمجلس إدارة إحدى الشركات الهندسية .
وبعد أن دخل مكتبه وجلس على المقعد طلب من السكرتيرفنجان القهوة كعادته وأشـعل سيجاره ثم بدأ يتطلع إلى البوسطة التى أمامه ويتفقد أحوال العمل .
وما أن قاربت السـاعة على الحادية عشرة صباحــا حتى طـرق بـاب مكتبه رجـل نحيل الجـسـد قصير القامـة وبرفقتـه سيـدة فى العقـد الثالث مـن عمرها متوسطة القــوام ترتـدى رداءً أســـود ولايظهرمن وجهها سوى عينين سوداويتين خلف نظارة بيضاء .
ألقيـا بالتحيـة , ثم قـدم الرجل نفسـه , فقفزعبـد الله من مقعـده ومـد يده مصافحا الرجـل وعانقـه إنه يعرف هذا الإسم جيـدا , إنه إسم لامع بين رجال الأعمـال , لكنهما لم يتقابـلا مـن قبـل , ثـم رحب عبد الله بالسيدة , فأطـرأ الرجل قائـلا وهو يمد يده بأواق التعيين , هذه إبنتى منـة الله وقد حضرت لتسلم العمل لديكم , ثم جلساعلى مقعدين أمـام مكتبـه , وإستسمح الأب إلحاقها بإحـدى فروع الشركة القريبة من منزلها .
وافق عبد الله على الفور وأشرعلى طلب الإلتحاق بتعيينها نائبا لمديرالفرع الـذى إختاره والـدها وأشارلمدير شئون العاملين بتسليمها العمل .
بدأ الأب بالحديث تـارة عن العمل , وتـارة أخرى عن أحوال الدنيا ليقطع صمت الجلسة , بينما جلست صاحبة الرداء الأسود صامتة لـم تحرك شفتـاها إلا ببعض كلمات معدودة لوالدهـا وفهـم عبد الله من خلال حديث الأب أن الإبنة متزوجة ولها ثلاثة من الأطفال .
وبعـد مرورحفنـة قلـيلة مـن الدقائق لاتـزيد عن ثلـث الساعة أو أكثـر قليـلا حضر مديـر شئـون العاملين بقـرارإستلام العمـل , فهـم الأب مـن مقعده بعـد أن إستلم القرار ومـد يـده إلى عبـد الله وقـال شكـرا لك يا سيادة المديـر دى بنتـك مش حوصيك عليها , فـرد عبـد الله عليه قائـلا , فـى عينى الإثنين , فـى تلك اللحظة خرجت صاحبة الرداء الأسود من صمتها وقالت دون أن ترفــع عينيها شكرا لحضرتك , ثم إنصرفا .
وأكمـل عبـد الله يومـه دون أن يـدرى مايخبئـه لـه القـدر , ودون أن يـدرك أن صاحبـة الــرداء
اللأسود هذه التى جلست أمامه فى صمت سوف تغير مجرى حياته .
3
مـرت الأيام والشـهور لـم يـرى فيـها عـبد الله صاحبـة الـرداء الأسـود سـوى مـرات معدودة لا تتعـدى أصابع اليـد الواحـدة , لم تكن تعبأ بحضورالإجتماعات الدورية لمجلس الإدارة , وكثيرا ما يفوتها الإلتزام بمواعيد العمل .
وفى صباح يوم دخل عليه مكتبه مديـرالفرع الهندسى للشركة حاملا فى يده طلب نقــل للإحـدى الجهات الأخرى , فنظـرإليه عبـد الله ولـم يتردد فـى تلبيـة رغبـتـه لإصابتـه بمـرض نفسى كما أن حالته الصحية لاتسـمح لتولى مسؤلية الإدارة كاملة , ولكن قبل أن يؤشرعبد الله على الطلب بالموافقة دار فى ذهنه من يحل محله ؟ .
فبحث فى أجندته فلم يجد سـوى صاحبة الرداء الأسـود لتديرهذا الفـرع , بالرغم من خوفه منها وما إنطبع فى ذهنـه عنها , لكن ما باليد حيـلة فهى بأى حال من الأحوال أفضل من هذا الشـاب المريض .
فأرسل عبد الله فى طلبها ليعرض عليها الأمر وهو يتوقع رفضها مسبقا .
حضرت السيدة فى اليوم التالى وقالت حضرتك أرسلت لى قال نعم وإستطرد حديثه قائلا,معلش أناعايزك تمسكى الفرع الهندسى علشان المديرمنقول ومش لا قى حد يمسك مكانه غيرك وهــذا الفرع قريب من منزلك ولا يبعد كثيرا , قالت وحدى , قال نعم , فردت بصوت خافت ونبرات تملئها الخوف , لاأستطيع أن أديرمكانا وحدى .
طرحت منـة عبارتها معطر بالأدب والإحترام , ولـم تكن بالكلمات رائحة الإعتراض بل رائحة الخوف من تحمل المسؤلية , هكذا أدرك عبد الله حديثها .
نظر إليها عبد الله بسعة صدروإبتسـم ثم رد عليها بهدوء وقال , تسـلمى إدارة هذا الفـرع يامنــة وسأكون بجانبـك فى أى وقت تحتاجينى فيـه فأنا أعلـم بأن خبرتك الإدارية قلـيلة , وإن شـاء الله سوف أبحث عن نائبا لك ليعاونك لكنك المسـؤلة أمامى , سكتت منـة الله برهـة ثـم قالت حاضـر تحت أمرك .
قدم عبد الله الشكرإليها وهو يتأملها بنظرات مليئـة بالإمتنان والإحترام , لما تتحلى به من خلـق رفيع وأدب فى الحديث , وجائت موافقتها على عكس ماتوقع , فكان يتصور بأنها الإبنـة المدللة وسوف تشكوا لوالدها ليثنيه عن قراره , لكن شيئا من هذا لم يحدث .
ثم أسـتطرد حديثه قائلا سـأعتمد على الله ثم عليك يامنة فى هذا الفـرع , وأنا بجانبك ولن أتخلى عنك , وقفت منة ساكنة وهى تلقى بنظراتها إلى الأرض ولـم تعلق بكلمة واحدة فإعتبرعبــد الله سكوتها موافقـة منها على القـرار , فأصدر قـراره بنقلها من نائب مـديرالفـرع الإنتاجى لمديـرة
4
الفرع الهندسى , إسـتلمت منة القرار وقالت , شـكرا لحضرتك , وإنصرفت .
وقتئذ شعرعبد الله بأنها إنصرفت وهى متردده وضميرها يؤنبها على تسرعها فى الموافقة على القرار, لكن يبدو أن روعة أخلاقها وخجلها منعاها من الإعتراض .
مـريـوم أو يومين على الأكثر , وإذا بمنـة تتصل به تليفونيا لتستشيره فى إحـدى مشـاكل العمـل فردعليها عبد الله وكان معها أطول بالا وأوسع صدرا لحاجتها الماسة إلى الخبرة والمعرفة .
وتكررت الإتصالات التليفونية بين منـة وعبـد الله والتى أحدثت ألفــة بينهما غيرمتعمدة وكـانت جميعها بالكـاد فى نطـاق العمل ولاتتعدى دقائق معـدودة لتنتهى المكالمـة دون أن يسترسل معها فى الحديث .
أدرك عبد الله من خلالها أنها تريد أن تثبت شيئا, ربما تريد أن تثبت ذاتها, ربما , أو ربما تريد أن تختبر جدارتـها فى العمل وقدرتـها على تحمل المسـؤلية , ربما , فهذه هى المـرة الأولى فى حياتها المهنية تتحمل منة مسؤلية كاملة بمفردها .
وبعدعدة أيام قـام عبد الله بزيارة مفاجـأة للفرع الهندسى ليتفقـد أحـوال العمل به وهو فى غايـــة القلـق , وما أن توقف بسيارته أمـام الفـرع وأخبرهـا العاملين بأن سيارة رئيـس مجلـس الإدارة بالخارج حتى تركت مكتبها وخرجت مسرعة لتستقبله .
قـدم عبد الله التحيـة إليـها ومد يده ليصافحها دون أن يعلـم بأنـها لاتمد يديها للرجـال , لكن دون تردد مدت منـة يـدها تستقبل يديه وقـالت , أهـلا بحضرتك والفـرحة تعلـوا إبتسامتها وتشع مـن عينيها , وكأنها قد وجدت شيئا كان مفقودا .
وسألها وهو يسيرمتوجها داخل المبنى , أخبار الشغل إيه يا ست الكل , فردت قائلـة , الحمد لله يارب يعجب حضرتك , ثـم طلـب منـها أن تتبعه ليتـفقد الفـرع , سـارت بجانبـه يتقدمها خطـوة وكان يتوقع أن يرى الفـرع لا يختلف كثيرا عن غيره , ولكن خاب ظنـه فما شـاهده جاء أعظـم بكثير من توقعاته .
إكتشـف أنها تملك القـدرة على القيـادة بشـكل رائع , فكل ما رأتـه عينـاه يحكى بأن هذه السـيدة قياديـة عظيمة وإدارية ماهـرة , قـرأ الحب فـى أعين العاملين , تغير المكان تماما وأصبح الكل يعمل بروح واحدة , فقد إستطاعت هذه السيدة أن تقدم عملا لم يتمكن منه رجال قبلها .
تمتم عبد الله بينه وبين نفسه وقال , لاشك أن هذه السـيدة عظيمة وتمـلك بداخلها مواهـب لامـعة
تتطلع إلى المناخ المناسب والثقة بالنفس لتطفوا بذاتها .
وبعد أن تفقد عبد الله فـرع الشركة قدم لها الشـكر وأثنى على مجهودها الرائـع , ثم أطرأ عليهـا
5
قائلا , إنت اللى كنت خايفه من تحمل المسؤلية !, شفت قدرت تعملى إيه فى الفرع ماحدش قدر يعمل اللى إنت عملتيه خاصة خـلال تلك الفترة القصيرة , أنا فعلا سـعيد جـدا من اللى أنا شايفه كـادت منـة تطير من الفـرحة بعبـارات الثناء التى ألقاها عليها عبد الله فعقبت قائلة , فعلاعجب حضرتك المكان ؟ , قال جدا الله ينور عليك , ممتاز , إنت غيرت الفكرة اللى كانت فى دماغـى عنك تماما , ثـم إصتحبته إلى مكتبها وفى طريقها مالت على أحدى العاملات وهمست لها بعمل فنجان قهوة , والفرحة تلمع فى بريق عينيها .
دخـل عبـد الله المكتب وجلـس على مقعدها وبـدأ يناقشها فى أمور العمل وأوضح لها أن مجلـس الإدارة وافـق على تخصيـص مبلـغ ثمـانون مليـونا من الجنيهات لتوسـيع وتحديـث هـذا الفــرع وتجهيزه بأحدث الماكينات والأدوات الحـديثـة وإتـفق معـها على زيـارة المكان فى وقـت لاحـق لمقابلة مقاول الأعمال للتنسيق معه .
إستغرق الحديث حوالى النصف ساعة أو أكثر قليلا ,لاحظ عبد الله خلالها بأن عينيها لم تلاحظ ملامح وجهه طوال الجلسة .
فرغ عبد الله من إحتساء القهوة ثم أثنى عليها وعلى مجهودها الرائع وهم للإنصراف وعفوا مـد يـده إليها ليصافحها , لكنها لـم تبـدى إعتراضا ولم تتردد فى مصافحة يداه , ثـم ألقى على جميع العاملين التحية وغادرالمكان عائدا إلى مكتبه .
وفى طريـق عودتـه تنسـم عبد الله رائحة ربيـع تهل عليه من بعيـد وشـيئ غريب يسـرى داخلـه ويعـبث بكيانه ويشده للعودة إليها مرة أخرى , إنـه كفرحة عميقة توتـر ضربات القلب وتشعرك بالرغبة فى الغناء , وتوحى إليك أن تحضن كل من تقابله , فإبتسم وقـال فى نفسه أتراهق نفسك ياعبـد الله بعـد هـذا العمـر , وتعمد أن يـدور برأسـه لمسارات أخرى بعيدة عنها حتى لاينجرف فى تيـارلايليق بسنوات عمره .
ولم تمـرأيـام قلائـل حتى إتصلت منـة الله بـه تليفونيا لتخبره بأن المقـاول موجـود بالفـرع ويريد مقابلته ليشاوره فى بعض الأمورالخاصة بتحديث وتطويرالفرع .
توجـه عبد الله بسيارته على الفور , وما أن إقترب من المبنى حتى لمـح منة الله تقف أمام الباب الداخلى بردائها الأسـود فأٌوحى إليـه بأنها لم تحتمل إنتظاره داخـل مكتبها فأسرعت إليه لتستقبله
وتحتفل بقدومه .
نزل عبد الله من سيارته وإتجه إليها , وعندما إقترب منها , إنبهرت عيناه , فما رأته كان أروع من الخيال , إنها لوحـة ربانيـة عظيمة الروعة تنظرإليه بعيون تملئها اللهفة والفـرحة , فدنـا من
6
قـربها وهـو يتـأمل روعتها فتمتم فى نفسه وقـال , سبحان الـذى خلق فأبـدع , ثم مد يـده لتعانق يديها بلطف وقال بصوت يفيض حنانـا , إزيـك ياست الكل , فردت عليه إزى حضرتك , كانت السعادة واضحة فى مشاعرعينيها وملامح صوتها , وعيون عبد الله ظلت صامتة وأبت أن تفتن عليه فرحته برؤياها وإحسـاسه بقربـها منـه , وتجـردت مـن مشاعـرها حتـى لاتجـرح كبريائها

سـارا معـا طرقـة طويلـة ثـم صعدا السلم ثـم عبرا الطرقـة العلويـة متجهين إلى غرفـة عمليـات مهندسى الفرع وهى تسـير بجانبه تحاكيه ورجفـة الفرحة تعلوا على نغمات صوتـها , لم تتوقف عن الكـلام , وهو سعيد بها ويأبى أن يقاطعها , يريـد أن يسـمع صدى الفرحـة بلقائه فى رعشة صوتها , كان لها صوتا أجمل من أنغام البلابل حينما تغرد , وأعزب من الكمان حينما تتراقص أوتاره فتغنى , وأرق من الناى عندما يعزف لحنا هادئا فى سكون الليل تحت أضواء القمر .
وما أن وصلا غرفة العمليـات حتى تركته مع المقـاول وتقدمت خطـاً قليـلة بعيـدة عنهما , فهـذه كانت أخلاقها .
بدأ المقاول الحديث وعينا عبد الله شاردة مع منة وقلبه ينظرإليها ويحاكيها , لايسمع شيئا سوى ضربات قلبها وهى تعزف لحنا لم يسمعه قلبـه من قبل , وعيون منـة تنظرإليه من بعيـد بشوق وحنين ترجوه وتسأله ,ماعدت أحتمل الإنتظار, وماعدت أحتمل إنشغالك عنى , فإلتفت عبد الله للمقاول على الفوروقال له إعمل كل الحاجات اللى أنا طلبتها فى المقايسة , ثم دار برأسه ناحية منـة وقال , يلاّ ياباشمهندسة ننزل المكتب , فـردت , إتفضل حضرتك , وسارامعا يتحدثان إلى أن دخلاغرفة مكتبها وقبل أن يجلس على مقعدها نظر إليها بإبتسامة وداعبها قائلا , فين فنجـان القهوة بتاعى قـالت , حاضرأنا طلبتها لحضرتك وجايـه حالا , لـم يـرى عبـد الله فى حياته أحدا يسعد به مثل السعادة الكبيرة الصامتة التى رآها فـى أعين منـة فـى ذلك اليـوم , ثـم بـدأ يناقشـها فـى أنـواع الماكينات والتجهيزات المطلوبة للفرع وتعمـد أن يطنب فى الحديث كثيرا حتى يشبع رغبته فى رؤيتها والبقاء معها لكنه أدرك أن تواجده سوف يلفت نظـر وشكوك العاملين , فأنهى حديثـه دون إرادته وهم من مجلسه ونظرإليها قائلا , سلام ياست الكل ,ومد يده إليها , فأودعت يـدها بين يديه تطلب منها دفئها وحنينها وعيناها فى عينيه ترجوه أن يبقى , فإستسمحتها عيون عبـد الله وسارببطء خـارج المكتب وهى بجانبه يتقدمها خطوة وتوقف عند باب السيارة ثم نظـر إليها فـى صمت وعيناه تفتن عليـه مشاعره فقفـزمسرعا داخل السيارة قبـل أن تنجرف دموعها فتراها منة فتعطف عليه بكلمة ربما لا تسكن مشاعرها , ثم ودعها بيديه وتحركت السيارة وهو
7
يتـابعها بعينيه حتى غابـت عن بصره .
ومنذ ذلك اليوم بدأت منة تتصل بعبد الله فى الصباح والمساء , من العمل ومن المنزل , حديثها كـان فى العمل , لكنه ليس مـرادها , إنما تريـد أن تخبـره شيئـا يجيش بصدرها , ربما تريـد أن تتعرف على مشاعره ؟ , أو ربما تريـد أن تعلن لـه حبـا يفيض بقلبـها ؟ , لكن عبـد الله لـم يكـن يستـرسل معها فـى الحديث , ربمـا لحساسيـة موقفـه الـذى خبـأ عنـه أن هـذه الإتصالات كـانت مطروحة لشيئ آخر .
وتمر الأيـام , إلى أن جـاء يـوم أخبرته منـة بأن المقـاول قد أنهى غرفـة عمليات المهندسين وتم تجهيزها ودعته لزيارتها , فقفزعبد الله من مقعده فرحا , فها هى حجة ذهـاب لرؤيتها تقدمها له منة فى باقة من الزهور , فردعليها وهو يخبئ عنها فرحته , إنشاء الله جايلكم بكره الضهر .
وفى صباح اليوم التالى توجه عبد الله إلى مكتبه ولايدوربرأسه سوى زيارته لمنة ,وما أن جلس على مقعده حتى إحتواه شعور بعدم الرغبة فى العمل فنظرإلى الأوراق الموضوعة أمامه ثم مـد يده وسحب إحداها ليتطلع إليها فربما يلهيه العمل ويبعده عن التوترحتى يحيـن ميعادها , فــرأى منـة تخايلـه بيـن سطورها وتنـادى عليه وهاتـف يهتـف بـه أن يطير إليها , ورغبـة عارمة فـى رؤيتها وعقـارب الساعة لاتتحرك , فنهض مسرعا مـن مقعـده وغادرالمكتب , وطـار بسيارتـة إليـها وهـو يفكـر ويسأل , كيـف ستقابلنى منـة هذه المـرة ؟ , أترى هـل ستكون بإنتظارى أمـام البـاب ؟ , هـل سأرى اللهفـة فى عينيها ؟ , وكلما إقتـرب مـن المكان تزداد ضربات قلبـه توترا والقلق يملئ كيانه وما أن إقتربت السيارة من الباب ووقعت عيناه على السلم من بعيد حتى شعر بسكين يدق قلبـه فلم تكن منة بإنتظاره كعادتها , فتوقف بالسيارة برهة أمام الباب وظـل بداخلها شارد الذهن وعاش لحظات فى صراع مع نفسه يسـأل ويجيب , يلتمس لها الأعذار تارة ويلـوم نفسه تارة أخرى ثم ترجـل من السيارة وسـارعدة خطوات صوب الباب وإختـرق الزحام متجها إلى مكتبها وهـو حزين مهموم ويتسائل, لماذا لم تكن فى إنتظارى ؟, رجفتها لما بتشوفنى كانت وهـم ؟ رعشة صوتها لمـا بتكلمنى كـان وهـم , ومـا أن إقترب من بـاب المكتب حتى إنفرجـت أساريره وإنكسـر الحزن فى قلبه , فها هى منـة منهمكة فى العمل والمكتب يعج بالناس , تنفـس عبد الله الصـعداء وظـل متربصا بها أمـام باب المكتب يطـل عليها مـن بين الناس , ينتظر وقـع رؤيـاه عليها , وما أن وقعت عينـاها عليه حتى قفزت من مقعـدها وصرخت مهللة , أهـلا إزى
حضرتك , إتفضل أنا آسفة معلش الدنيا النهارده زحمة قـوى , وأخرجت كـل من كان بالمكتب ثم قالت, معلش أنا آسـفة الناس كانت كتيره قوى النهارده , حضرتك حتشوف غـرفة المهندسين
8
يـارب تعجبـك , فـرد عليها عبـد الله إتفضلى نطلـع نشوفها وسـارمعـها حتـى غرفـة المهنـدسين وهـو يطيرفرحا بلقائـها سعيـد بلهفتها عليه حينما رأتـه , سارا معا وهى تتكلم وهـو يستمع , لـم يقاطعها إلا ببعض كلمات قليـلة , ليشبـع أذنيـه بصوتها الجميـل , ودخـلا الغرفـة ثـم دار برأسه يمينا وشمالا وعينـاه تتفقـد كل شئ فيها , تبحث عن لمسات يديها الجميلة ولم تخفى دهشتها مـن جمالها وتنسيقها وتـرتيب المعدات بها , فعبرعـن إعجابـه بكلمات صنـعها خصيصا لمنـة , يــاه ماشاء الله إيه الجمال ده , أكيد إيد فنانة إمتدت لهذه الغرفة لتنسقها وتزينها, فردت منة وصرخة الفرحة تغلب على صوتها, بجد عجبتك ؟ , فأحس من نبرات صوتها المندفع بأنها تفعل كل هذا من أجله وبارك إحساسه عندما رأى باقات الورود التى صنعتها خصيصا له , فردعليها الغرفـة كـده هايله يا منة محتاجة بس لميكروفون صغير, فـردت منـة , حضرتك قـولى بيتباع فين وأنا أجيبه من معايا , فأشارإلى أحد العاملين وقال , هـوعارف الميكروفون بيتباع فين .

وبعد أن تفقـد عبـد الله الغرفـة توجـه معها إلى المكتب وقبل أن يجلس على مقعدها الـذى عشـقه حتى أصبح قطعة مـن جسدة , قـال لها مداعبا , أنـاعايزأشرب فنـجان القهوة مـن إيدك النهارده وإعتبرعبـد الله هذا الطلب نوعا من الخبث المبـاح والمبـارك فيـه , فلـم يكـن يرغب فى إحتساء
القهوة , إنما أراد أن يسمع أحاسيسها ومشاعرها ويتعرف على مايدور بقلبها , وبسعادة عارمـة قالت حاضر, وخرجت مسرعة , لتعود بعد دقائق معدودة وفنجان القهوة بين يديها , قدمت منـة فنجان القهـوة وقالت إتفضل حضرتك يارب تعجبك , نظرعبد الله إلى الفنجان فدقت طبول قلبـه ورقصت الفرحـة على أنغامها , إنـه يدرك أن منـة لـم تكن لتـعد شيئا بيديها إلا لمن كـان قريب منها أو يسكنها , إنه إعلان صريح على أنها تكن له مشاعرعظيمة .
وكان هذا الموقف بمثابة الرصاصة الـتى أطلقت فى الهواء , ليبدأ مشواره مع المجهول وليطلق العنان لقلبه فى حبها دون أن يحفل بما سوف يكون , رفـع عبد الله الفنجان على شفتيه وإرتشف منـه قليـلا فـذاق طعما ليـس لـه عـلاقة بالقهوة وغيـرعاطفى بالمـرة فإبتسم , ونظـرإلى الفنجان وحضنه بكلتا يديه وإختلس منه قبلة من وراء منة , ربما تشعره بأنه قبل يداها .
جلس عبد الله يتحدث معها وطال الحديث , وحبها يتدفق داخل قلبه العجوز ولكن يتحتم عليه أن يكتم همه داخله ويغلق عليه , فهى متزوجة وهو متزوج ويكبرها كثيرا .
ولكن هل يستطيع أن يكتم حبه فى قلبه ؟ , وإلى متى , ومن هنا بدأ الصراع , بدأ مشوار حبه
ورحلة عذابه , بدأ يحفر قبره بيديه , كان راضيا وقانعا بحياته , وإلى أن قابلها .
9
وبـدأ الفكـر يرهقه ويؤلمـه فهم عبد الله من مجلسه ونظـرإليها وقـال , سلام ياست الكل ومد يده
مصافحا يديها , ردت منة السلام وهـو يحمل معه نبرات من الحـزن العميق ونظرت إلى عينيه
نظرة ليست بغريبة عنـه , نظرة تتوسل فيها أن يبقى لكن الألم والمرارة كانا أقـوى منـه فتقدمها متوجها ناحية الباب وهى تسير بالقرب منه وتحاكيه,كانت المسافة بين مكتبها والسيارة لاتتعدى عدة أمتاركم تمنى لو كانت عدة أميال , وإقتربت السيارة , فتوقف بجانبها برهة وهوينظر إليهـا بقلب يدمـع وضمها إلى صدره بعينيه وصعد السيارة وفى صدره بركان من اللألم , فما أصعب الحـب الـذى يولـد فى ظل مناخ غيرملائـم , وما أشـد عذاب القلـب طالما لاتستطيع أن نعبرعن مشاعرنا .
نظرإليها عبد الله بحسرة ثم أدارالمحرك , وتحركت السيارة وهى تختلس النظرإليه تـارة وتبتعد بنظرها خجلا تـارة أخـرى , وعيناه لم تفارقها حتى إعتلى الطريق ثـم لـوح إليها بيديه من بعيد وسار فى طريقه عائدا , ليعود للفكر والحيرة والوحدة من جديد .
مريومين على الزيارة الأخيرة وهوعالق بين قلبه وعقله , فعقله يحدثه بالمنطق , وقلبه مريض نعم إنه مريـض بحبها , وإحتـد النزاع بينهما وهـو يقف سـاكنا لايقـوى على الفصل بينهما , لقد إمتـدت يـدها لتمتلك كل شـبرمن كيـانه ووجـدانه , وأصبح الليـل صديـقه , والنـوم عدوه اللـدود أينصرعقلـه على قلبـه المريض أم يترك العنـان لقبه فيـسوقه إلى طـريق ربمـا مليـئ بالأشـواك وتكثر به الأشباح , أو ربما لجنًة لم يكن ليحلم بها , فيبتاع منها سنين عمره المفقودة ويسبح فى نعيمها , فلم يجد طريقا سوى أن يترك قلبه وعقله يتصارعان ويبحث عـن شئ يلهيه عن الفكـر ويترك النهايـة للقـدر والمكتوب , فإصطنع زيـارة لأحـد فـروع الشركة البعيـدة , ربما يستطيع الهروب منها ومن الفكر الذى أثقل كاهله, ربما كثرة الإحتكاك بالناس خارج مكتبه قد يقعده عن التفكير , فعندما يكون العقل مليكا للقلب فليس لنا عليه بسلطان عليه .
ولكن بالرغـم من تواجـده بين الزحام ظـل خيالها يسيطرعليـه ويطارده فـى كـل مكان حتى فـى منامـه , وشعر برغبـة ملحة فى لقائـها وتعطشت عينـاه لرؤياها , ويديـه للمسـة يـداها , فجلس مهموما ومـر مايقـرب من النصف سـاعة وهو سارح فى جنـة منـة ونظـراتها إليـه التى غيرت أحوالـه وبدلت كـل موازين حياتـه وأسـرت عقلـه وكيانـه , حتى أفـاق على نغمة هاتفه الخلـوى فأخرجه من جيبه ورفعه على أذنـه دون يلتفت إلى الرقـم , ربما يأتيـه مـن يخرجه مـن معاناته ويلهيـه عن التفكير فيها , وكانت المفاجأة الجميلة , مفاجأة إحتوت الصراع العنيف الذى عايشه تلك اللحظـة إنـها هـى , أوتارها تـرن فـى أذنـه , نعـم إنـه صوتـها وأفـاق مـن ذهـول المفاجـأة
10
على نغمات صوتـها وهـى تقـول السلام عليكم إزى حضرتك , معلـش أنـا آسفة مساعد الوزيـر
إتصل دلوقت وقال إنـه جاى عندنا , أنا خايفة حضرتك عـارف طريقة كلامه وأنا مش بستحمل فردعليها عبـد الله ماتخفيش يامنـة أنا جاى حالا , مع السلامة , وإنتهت المكالمة وهـو لايصدق وتعجب من القـدر إنـه يحاوره ويلاعبه , لكنه أحلـى الأقـدار , الأمـور تسير دون قصـد وكأنهـا مخطط لها وقـال فى نفسه الحمد لله يارب , معقـول حشوفها دلوقت ؟ , وقفزمـن مقعده مسرعـا وقلبـه يرقص مـن الفرحـة وإعتـذر للموجودين والسـعادة تشـع مـن عينيه , لـم يستطع أن يخفى فرحتـه عن الموجودين حتى أن أحدهم إبتسم وعلـق بكلمات داعب بها عبـد الله , أكيـد سعادتـك جالك خبرحلـو فإبتسم عبـد الله وكـاد يضمه لصدره مـن شدة الفرحة , وطـار إليها , ليجدها فى إنتظاره أمام البـاب فنظـر إليها من بعيد بشوق ولهفـة حتى أوشكت الدمعة أن تسيل مـن عينــه وعـزف قلبه لحـن الشوق وأضاء شموع الفرحة , إقترب منها مسرعا بشوق ولهفة , ومد يـده لتقبل يداها , فقابلته بسعادة لم يراها فى عيـون أقرب الناس إليه ولم يسمع عنها فى عيون بشر وقالـت , يـاه أنا ماكنتش متخيـلة إن حضرتك حتيجى , فـرد عليها والدهشة تعلـو وجنتيه وقــال مـش ممكن ما جيش إزاى تفكرى إنى ممكن أتاخـر عنـك , فقالت , كنت خايفـه ماتجيش ووقفـا يتحدثان أمـام الباب حتى حضر مساعد الوزير , وتفقــد الموقع وكانت منـة تعلـق بلبـاقة شديـدة ولم يحدث ما يعكر صفوالزيارة , وما لبث أن إنصرف وجلس معها عبد الله فى مكتبها يتحدثان ويشرب من خمر حبها ثم إستاذن منها وإنصرف .


@
الفصــل الثـــــانى
الحلم والمستحيل

وتمـرالأيـام وجاء اليوم المنشود , اليـوم الـذى تحققت فيـه أجمل الأحـلام والأمانى , اليوم الـذى أسدل فيه الستارعلى رحلة الصراع بين العقـل والقلب وحسمت فيـه المعركة , اليوم الذى تـرك بصمة فى سجل حياة عبد الله لاتمحوها الأيام والسـنين , بصمة لاتموت مشاعرها , يـوم حفـــر بأظافرفه التاريخ على جدران قلبه , لتشرق شمس يـوم جديد , وتعلن عن ميـلاد حب عظيم إنـه يوم الرابع عشر من أبريل .
عاد عبد الله من عمله لـيـلة الثالث عشـره مـن أبريـل , وهو يشـعر بالحيـرة والقلـق , إنـه يـرى الشمس فى عيونها , يشعربلهيب حبها يلفـح وجهه , ونظـراتٌ تصرخ بأعلى صوتها أن بالقلـب حبـا عظيما , فهـل يحاكيها عن حبـه ؟ , أم يكتـم شكواه فى قلبـه ؟ , وإلى متى ؟ , ومن يـدرى فربمـا كان وهما أو سرابا , أو إيحاءً من فرط حبه .
جلس عبـد الله على الأريكة حيران يفكر فيمن إقتحمت قلبه وحرمتـه من نعمة راحـة البال , فى منـة الله , السيدة العظيمة , نعم عظيمة فى أخـلاقها وأدبـها , عظيمة فـى إيمانها , إنـه لايعرفها حق المعرفة , لكنه أحبها , فلم تكن بعيدة عنه بقدرما كانت قريبة منه .
ومضى عبد الله يحلم بها حلم اليقظة , فمالا نملكه فى الصحو نتملكه فى الخيال , وما أجمل تلك الأحـلام عندما تعبربنـا إلى عالـم الخيال المشحون بالجمال فنصنع فيـه كل ما نتمناه , يمكننا أن نرى فيها مالا نـراه , أن نبنى قصورا ونعبربحورا , أن نتحدى العواصف والزلازل والبراكيـن أن نهرب بهـا من عالـم اليـأس إلى عالـم الأمـل والبـقاء , أن نحقق لذاتنا كل شيـئ بعيـد المنـال ونتملك مالا تملكه أيدينـا , ويمكننا أن نعبر بها إلى عالـم المستحيل , إلى قلب جميـلة الجميـلات قلب منة العظيمة , دون خوف , دون خجل , ودون أن ندفـع الثمن , إنه عالـمٌ لـه رقيب ولـيس عليه بحاكم فأغمض عبدالله عينيه وأطلق لمخيلته العنان لتُشبع فؤاده بأمانى أقرب إلى المستحيل
فسمع وقع أقدام على مقربة منه وصوت دافئ تهيم على أنغامه القلوب , ويسجد له الفؤاد ينـادى عليـه , فرفـع جفنيه وتلفـت يمينا وشـمالا فشاهدت عيناه حوريـة تستحى العيـن لجمالها , برداء أبيض ناصع البياض يتدلى ويسيل خلفها على الأرض وبرائة الملائكة تبتسم فى عينيها , تمرح أمامه , وبين يديها شمعة بيضاء بلـون قلبـها الصافى , وشمعة حمـراء بلـون لهيب حبها العظيم ملامح وجهها سبحان من خلق فأبدع , ملامح تنتمى للملائكية , وشـعرحرير ذهبى ينساب على
خديها يداعبهما بلطف وحنين ويسيل ليمرح فـوق كتيفيها ثم يميل على ردائها ليداعبـه , وعيون
12
وقد روتها دموع الشوق , تخفى ورائها أسـرارعفت شفتاها أن تبـوح بها , تنظرإليـه فى صمت مليئ بالحـزن والشجن , وكأنها تنتظرأن تولـد اللحظة حتى تحكى ما بقلبها من حب وألـم ويأس فمـد يـده إليها بحب وحنـان ليمسح دمـوعها , ثـم نهض وجثى على ركبتيه وثنى رأسـه للأرض وتوسل إليها أن تمنحه مفتـاح قلبها يسكنه ويكـون خادما وراعيا لحبها العظيم , ثـم نهض وحمل حياته بين يديه وتقدم بها , وتضرع إليها أن تقبلها وديعة رهن حبه ووفائه .
وظل عبد الله غارقا فى عالـم الخيال , إلى أن أفـاق على دقات الساعة وهى تعلن الثالثة صباحا فنهض مـن مجلسه وإستلقى على سريره بعـد أن أنهكه التفكير ربما تغمض عينيـه , لكن النــوم عـدو الفكر اللدود لم يعد يبالى به .
وفى سكون الليـل والظـلام الدامس يغزو مرقده , أخذ عبد الله يرتب أفكاره للقـاء اليوم المرتقب فقد آثرأن يبوح لها بحبه , ولكن كيف يبدأ حكايته ؟ , ليعود الصراع من جديد بين العقل والقلب وهاهما يتبارزان فى ظـلام الليل , وإختلطت مشاعره بمزيج من الفرحة والأسى والحيرة , فمـا أصعب الحـب اليائس عندما يولـد تحت ظـلال ظروف ضالة غيرملائمة , وما أشدعذاب القلـب طالما لانستطيع أن نعبرعن مشاعرنا , وباتت الأفكار والهواجس تعبس بعقله وتتناثرمن حولــه
فأخذ يجول ببصره فى أرجـاء الحجرة يبحث عن شعاع لضوء النهار , الوقت لايمر , عقـارب الساعة لاتتحرك , وبدأ الصبر يخونه , فأخذ يطارد الوقت ويسبح بين سطورأفكاره , ربما يجد منهجا يلفت نظر مشاعرها إليه , إلى أن دقت السابعة صباحا , فنهض من مرقده بعد أن ذبلـت عينـاه من ظـلام الليـل , ثم أخذ حماما دافئـا وجلس يحتسى القهوة , وكلما يقتـرب الميعاد يزداد توتـرا وأُعلنت السابعة والنصف صباحا , وإقترب الميعاد , ميـعاد لقـاء صاحبة العفـة والجلالة منـة الله فإرتدى ملابسه وهـم للنزول والساعة قد إقتربت من الثامنـه صباحا , فتح بـاب مسكنه وتحرك عدة خطوات فتذكر مفاتيح السيارة , فعـاد وتناولها ثم قفز أدراج السلم مسرعا , وركب سيارتـه وبعـد أن أدار المحرك مـد يـده إلى جيبه ليشعل سيجارا فتـذكر أنـه تـرك علبة سجائـره فتوقـف وتطلع إلى السماء ودعى , اللهم ثبت لى عقلى وإمحنى القـوة على ما أصابنى , ليصعد السلم مرة أخرى وعاد وهـو يلهـث وطـار بسيارته يسابق الريح , حتى وصل إلى قصرالعظيمة سـيدة النساء , ومن بعيد وقف يرمقها بعينيـه وهى تقف كالبدرعندما يطل برأسه من بين الظلام الحـالك ومـن حولها مجموعة من العاملين تحاكيهم , فنظـر إليها بفخر وإعتزاز , وما أن وقعت عينـاها عليـه حتى هللت مـن الفرحـة وحملت قدميها إليـه مسرعة وقالـت بلهفـة وشـوق , إزّى حضرتك أنا ماكنتش متوقعة إن حضرتك حتيجى بدرى كده فنظرإليها عبدالله فى صمت ودهشة
13
وهـو يقبض على يديها بحنـان , وترك العنان لعينيه تشكو لها قسـوة الليالى وما أصابه فى قلبـه
ثم ردعليها التحية بصوت يفيض حنانا وعيون تفيض شوقا , صباح الخير ياست الكل , أنا اللى ماكنتش متصورإنك حتيجى بدرى , وهى لاتدرى أنه بات الليل ساهرا ينتظرالصباح حتى يطل من بعيد عليه ليهرع إليها حتى يروى ظمأه من سحرعيونها ودفئ قلبها , ثـم إلتفت إلى العاملين وألقى عليهم التحية , وعاد بوجهه إليها مرة أخرى , وعندما نظرفى عينيها عاتبته وهمست فـى عينيه , إنت مش عارف إن أنا بعمل كل ده عشانك .
فإهتزقلب عبد الله وأغمض عينيه ومال برأسه إلى الأرض , كان لقاء العين أقوى وأقدر تعبيرا وكاد لسانه ينطق بحبها , لكنه تمرد وجبن .
ثم رفـع رأسه وقال بصوت خافت وهو يتوجه ناحية السيارة تعالى معايا يا منـة نمـرعلى الفرع الإنتاجى للأننى لا أعـرف الطريق جيـدا وتوجـد أعمال حفـر أمام الفـرع , ولـم يكـاد يفرغ مـن كلماته حتى سمع دوى الفرحة يـهز كيانها , وإرتجـف جسدها , لقد حقق عبـد الله لها أمنية دون عناء ومشقة ودون أن يدرى,فقالت حاضر وإلتفتت بسرعة للأحد العاملين وهى تجرى مسرعة ناحية السيارة , وقالت أنا رايحه مع رئيس مجلس الإدارة نزور الفرع الإنتاجى .
قفزت منة داخل السيارة وجلست بالمقعد الخلفى وهى تطير فرحا كطفلة بريئة , وجلس عبد الله بالمقعد الأمامى بجانب السائق أمام الركن الذى تجلس فيه منة , وتحركت السيارة , فشعربلهيب أنفاسها تحمل رائحـة عطـر جميـل تعبر بين أذنيـه ، بدقات قلبها وهى تعبرعن مشاعرها النبيلة وتحاكت القلوب , وزرفت الدموع من كبت حب مجنون .
وبعد أن قطعا مايقرب من ثمانية دقائق طلبت من السائق التوقف بعيدا عن أعمال الحفر, وكـان عليهما أن يقطعا باقى المسافة سيراعلى الأقـدام , نزل عبـد الله مـن السيارة ثـم نزلت منـة خلفه وسار ببـطء علـها تسير بجانبـه لكنها سارت خلفـه , وكلما أبطأ تؤخر قدميها التى أثقلتها الحياء حتى دخلا الفرع , وما أن تخطيا الباب بعدة أمتار حتى تقابلا مــع مجموعة مـن العاملين فألقيـا عليهم التحية وتوقف عبد الله ليحاكيهم عن مشاكلهم ومشاكل العمل فتطوعت منة بالحديث معهم ثـم ما لـبث أن تدخـل عبـد الله وإنفـرد بالحديـث ومنـة تقـف بجانبـه يكـاد الكتفان يتلامسان وبـدأ العاملون يتحاكـون عـن مشـاكلهم وعبـد الله ينظـر إليـهم ولايدوى فى أذنه سوى صوتها لايشعر بشيئ حوليه سوى أنفاسها ودقات قلبها وكلما إلتفت حوله يراها فى كل مكان وعيونها تنظر إليه بشوق وتحكى كـلام لايسمعه سـواه , وفى تلك اللحظة إلتفتت منـة إلى إحدى العاملات وهمست فى أذنها بشـراء زجاجة بيبسى , وبعـد دقائـق معـدودة عادت العامـلة حاملـة فـى يـدهـا زجاجة
14
واحـدة , تناولت منـة الزجاجة وناولتها لعبـد الله بيديهـا , تنـاول عبـد الله الزجاجة وقال , شكرا ياست الكل ثـم رفعها على شفتيه , فى تلك اللحظة خطـرله أن يعكس لها مشاعره بطريقـة لائقة وتبدوغيرمتعمدة علها تشعر بحبه لها مادام اللسان قد خرج عن طوع صاحبه فإرتشف قليلا من الزجاجة ثـم جمع كل قـواه وأشاح بوجهه بعيدا عنها ومد يده إليها بالزجاجة وهى ترتعش وقـال بصوت يملئه الخوف , كملى الزجاجة يا منة , ولم يبالى عبـد الله وقتئذ أن تجرحه أمام العاملين بقدرما أرعبه أن تحرج قلبه الذى ينبض لحبها .
وكانت المفاجأة العظيمة التى دقت ناقوس الفرح وأضائت الشموع من حوله وملئت قلبه بالبهجة والسعادة , ولنتطفئ الشموع السوداء , وتغرق الدنيا من حوله بالورود والزهور الجملية .
فبشكل رائع عبرت منـة عن مشاعرها على طريقته , عندما تناولت منـه الزجاجة ورفعتها على شفتيها دون تردد ودون أن تعبأ بمن حولها .
وما أن رآها عبد الله ترفع الزجاجة على شفتيها حتى أشرقت الدنيا فى عينيه وإبتسمت له الحياة من جديد ,وتأكد فى تلك اللحظة من حبها العظيم , لقد آثرت منة أن تشرب موضع شفتيه لتعلنه أنى أحبك , ما أحلى وأرق كلام الصمت ولغتـه الحكيمة عندما يعبرعن معـان يعجزعنها اللسان وكاد لسانه هذه المرة أن يطاوعه , لكنه آثر الصمت خوفا على مشاعرها .
كانت الفكرة وليـدة اللحظة , كانت بمثابـة عـود الثقـاب الذى أشعل بركان الحب داخلها وأفقـدها صبرها على الكتمان .
وبعـد أن تفقـد عبـد الله الفـرع عـادا معـا إلى مقـرعملها ليـقضى ما تبـقى مـن ساعات اليـوم فى أحضان حبها ,ويستعيد ساعات قد ضاعت من عمره , فقد باتت المشاعر والأحاسيس واضحـة لكل منها ولم يتبقى سوى الإعلان عنها , لكن عبد الله كان أجبن من أن يبـوح لها بحبـه وإختـار
أصعب الطرق وأمـرُّها .
ومـرت عدة ساعات لم تشبع ظمأ عبـد الله منها , فتمتم فى نفسه والله لوعشت أعمارٌ وأعمارُ ما إرتويت منها , وآثـرالإنصراف , فنهض من مقعده وقال , سلام ياست الكـل , فنظرت إليه منة بحزن وألم شـديد وعيناها تعاتبـه , أتتركنى للأعود لوحـدتى وعـذابى ؟, ثم نظرت إلى الأرض بحسرة وسـارت بجانبـه حتى السيارة لتـودعه وإلـى أن يغيـب عـن بصرها , وفى عـز نشـوتـه وفرحتـه بها فاجأته بصوت يملئـه الحزن واليأس , أنا عايزة أتنقل ! , فتوقف عبد الله عن السير فقد أصابته الكلمة فى عمـق قلبه , ونظر إليها وهو يطبق على شفتيه وسكت طويلا ثم ردعليـها
قائلا , كلمينى الساعة السادسة مساءا , وتابع السير وهو لايقدر على حمل قدميه أو يشعرها بما
15
أصابه , ثم ودعها وإنصرف .
وفى الطريق شعرعبـد الله بألـم شديد فى رأسه , وغيامة تحجب الرؤيـة عن عينيه فتـوقف على جانب الطريق وركن برأسه على ظهرالمقعد وغاب فى سبات تفكيرعميق , ثم بدأ يصارع نفسه كالمجنون , أتتركنى بعـد أن تسللت داخل مشاعرها ورأيت حبـها العظيـم بعينى ولمسته بيدى ؟ أتتركنى بعد أن أغرقتنى فى حبها ؟ ,أم أنا أغرقت نفسى فى وهم صنعته يداى ؟, أم قصدت أن تسألنى مشاعرى ؟, وحوار طويل دار فى رأسه وهو يحاول الخروج من هذا الكابوس المزعـج دون جدوى فأدار محرك السيارة وإنطلق عائـدا إلى منزله وهـو يشعر بخيبة الأمـل , فـرحة لـم تدم طويـلا حتى أصابته بجـرح عميق , فـرحة عمـرها ساعات قليـلة , وساعات العـذاب سنيـن وسنين .
وصل عبد الله منزله وقـد إقتربت الساعة من الرابعة عصرا , فإرتمى على سريره وهو يرتدى لبـاس الحيرة والقلق والحـوار مـازال يـدور فى رأسه , ولـم تغمض عينـاه وهـو يصارع الفكـر وفجـأة زاره هاتـف وألبسه ثــوب الأمـل عنـدما أخبـره أن نبـرات الصوت التى إستخدمتها منـة لاتقصد بـها ما طرحتـه وإنمـا طـرحت ما قصدتـه , أرادت أن تفجـرحاجـز الصمت الـذى ســد الطريق بينهما , وتفتح مجالا لطرح المشاعر ولا تعرف كيف تبدأ فإستعملت نفس السلاح الـذى إستخدمه عبـد الله معهـا حينما أراد أن يختبـر مشاعرها , وبـدأ عبـد الله يشعر بأمـان غيرمستقر لكن التوترمازال يعتدى عليه فترك منزله وتوجه إلى عمله فقد آثر أن ينتظرها بجانب التيليفون ربمـا تتغيرالأحـوال ويتبدل الـزمان والساعة ستة تيجى بدرى .
سارعبد الله فى طريقه يدعو الله أن يحقق له أمله ويعافيه مما أصابه وفى الطريق زاره الهاتـف مـرة أخرى وأخبره أن منـة سوف تتصل قبـل الميـعاد عشان بتحبك ومش حتصبر للساعة ستـه ولو ما إتصلتش مش معناها إنها مش بتحبك , لأ , يبقى الميعاد لسه بدرى , وتعالى بكره وبعده وبعـده لآخـرعمرك لحد ما تقولك بحبك , وظـل غـارقا فى أحلامه وآلامـه الى أن وصل مكتبـه جلس عبـد الله بجانب التليفون ينظر إليه , كـل شيئ صامت مـن حولـه إلا مـن دقـات قلبـه التى تـدوى فى أرجاء الحجرة , مازالت الساعة الخامسة , مـرت خمسون دقيـقة وكأنها كـل ما تبقى مـن عمره , وكلما يقترب الميعاد يـزادد توتـرا , وفى تمام الساعة السادسة إلا تسعة دقائـق رن جرس التليفون وإذا برقمهـا يظهر أمامه , هم عبد الله من مقعـده ودقات قلبه تكاد تكسرضلوعه وهو يتمتم بفرحة يملئها الخوف , منـة إتصلت قبل الميعاد , أيـوه زى الهاتف ما قـال هى مـش
صابـرة حتى يأتى الميعاد , يبـقى منـة بتحبنى فعـلا , ومـد يــده وخطف سماعة التليـفون وهـى
16
ترتجف بشدة , ويدعوا والدمـع يملئ عينيه أن تتحقق نبـوئتة الهاتف ثم رفـع السماعة على أذنه
فسمع جيتارة بصوتها الساحر تلقى عليه التحية بنغمة رقيقة هادئـة , فـرد عليـها التحيـة بصوت يرتعد خوفا وسألها , وهـو يخبئ عنها مشاعره , أيـوه يا منـة عايـزه تتنقلى ليـه بأه ياست الكـل سكتت منة قليلا ثـم قالت , عشان مش قادرة أقعـد فى المكان ده , فرد بكلمات ترجوها وتسترق عواطفها , وأهون عليك تسبينى وتمشى , سكتت برهة ثم قـالت , ما أنا حمشى عشانك , وقعت الكلمات عليه كالصاعقة , هزت كل وجدانـه , إنـه يقتـرب من تحقيق حلمه الكبير , فقـال , ولو قلتلك عشان خاطرى يامنة ما تمشيش , قـالت , عشان خاطرك أعمل أى حاجة وسكتت فسمع أنيـن كلمة تتـأوه فى قلبها وتريد أن تصعد على شفتاها , فآثر أن يساعدها وكانت منـة فى غايـة الكرم , فقال عبد الله عايزه تمشى عشانى ليه يامنة ؟, سكتت, فكررعليها السؤال,فلم ترد, فقـال لهـا , عشان خاطرى يا منـة , فقالت بصوت كـاد يسمعه , عشان بحبـك , كادت السماعة تسقط من يديه , إهتزت اللأرض تحت قدميه وشل لسانه , وشعر بقلبـه الضعيف قـد توقف , وإمتدت صدمـة الفرحـة لتمتلك كل جسده , لقـد تحقق المستحيل ,لـم يطمع يوما فى حبـها , كانت أقصى أمانيـه أن تشعر بحبـه وتظل بقربه دون أن تبتعد , وسرعان ما أفاق من الصدمة وبدأ يعود إلى رشده , وقـال والدمع يتساقط من عينيه , أنا كمان بحبك يامنة ومن زمان بس كنت خايف أكون قرأت مشاعرك غلط وعندما أبوح بحبى أفتقدك, أنت طلعت أقوى منى للأنك قدرت تعبرى عن مشاعرك بأمانـة وجرأة , النهاده بس أنا أسعد وأقوى رجل فى العالم عارفة ليه يامنة ؟ , للأنـى الوحيد اللى قدرت أفوز بقلب منة العظيمة , لكنى أعاهـدك أمـام الله سأبيع عمرى لأحافظ عليك وعلى حبك , حبـك أمانة فى رقبتى إلى يوم الدين , إنت أجمل نعمة وأغلى هدية رزقنى بها الله تعالى , لقـد رزقنى بأعظـم إمـرأة فى الوجود وأشـكرالله على نعمتـه , أنت كتيرة قـوى عليّا دا مـا فيش راجل فى الدنيا يستاهلك حتى أنا أنت تستهلى ملاك .
وظـل عبـد الله يفيض لها بكل ما بقلبـه مـن حـب وعـذاب وهى غارقـة فى السمع , ثم قاطعتـه والدهشة تعلوا نبرات صوتها وقالت , معقولة بتحبنى الحب دا كله , فرد عبد الله ,لا يامنـة والله أكترمن كده بكتير ياريت أقـدر أعبر لك عن حبى بس مش لاقى وصف أوصفك بيه , أى كـلام يقال أقل منك بكتير إنه ليس حلمى وحدى إنه حلم أى رجل يقترب منك, إننى أحبـك بكل معانى الحب , وإن فقدت يوما حبى العاطفى لك ستبقى باقى معان الحب بين أحضانك .
تحدث عبد الله كثيرا ولم يسمع منها الكثير فـأراد أن يسترق سمعه بطربها فى الحب فسألها أنت
حبتينى ليه يا منة , فيه حاجه معينه شدتك لى , قالت لا أعلم , لقد أحببت فيك كل شئ ,فاكرلمـا
17
كنت بتصل بيـك أنـا كنت بتصل مش عشـان الشغل عشان أكلمـك وأنت كنت رخــم كنت يتـقفل
على طول .
وظـل عبـد الله ومنـة يتحدثان حتى تأخـرالليـل , فطلبت منـه يعـود إلى منزله فقـد بلغت الساعـة الثالثة صباحا , فودعها عبد الله بعد أن ترك روحه وعقله معها .
ولاحظ عبد الله خلال حديثه مع منة أن عبارة علشان خاطـرى هى نقطـة ضعفها الوحيدة والتى كانت تهز كل كيانها فآثر أن يستخدمها كسلاح له .
وسار فى طريقه عائـدا إلى منزله وهـو يشكرالله على نعمته فقـد أعطاه أكثر مما تمنى , وشعـر بأنه قـد ملك الدنيا بين يديه , لقـد عادت إليه الحيـاة من جديـد , وأصبح أسعد إنسان على وجـه الأرض , أحب كل الناس , يريد أن يحضن كل الناس , وبدأ يحتسب عمره منذ هذا اليوم .
كانت فرحتـة أكبرمن الفرحـة بالمطر أيام الجفـاف , بعودة الحيـاة لحظة الموت , بلحظة النجاة حين الغرق , إنها فرحة عمره وإسعد أيام حياته .


@













18
الفصل الثالث
أجمل أيام العمر

كانت تلك الأيام أسعد أيـام العمـر وأجملها فى حيــاة عبد الله , إرتوى فيها من حب منـة مايكفيه عمرا فوق عمره , أذاقته طعم السعادة بكل مافى الكلمة من معنى , أذاقته من كأس حبها , حتى أعمتـه عن الدنيا ولم يعد يـرى سـواها , وصنعا مـعا قصة حـب لامثيل لها فى الرومانسية حتى فى الخيال البعيد .
ومـن أجمل مـعانى منـة الله أنـها أروع إمـرأة فى الوجـود , يمكن أن تعبـرعن حبـها فى صمت وهدوء , وتعرف كيف تطرح مشاعرها , لتسكربها حبيبها , فتتسلل داخل قلبـه دون أن تطـرق بابه , وتتوغل داخل جدرانه وطرقاته , فيخر راكعا تحت أقدامها .
فعندما كانت تداعب عبد الله بعواطفها الرقيـقة وتطلق عليه عيونـها الساحرة وتغـرقه فى بحـور قصائدها الفاتنة حتى يخمر عقله , كان يغمض عينيه ويذوب فى عالمها ويطيـر بجناحيـه فــوق السحاب ويبعـث إليـها بـأرق المشاعر وأعـذب الكلمـات , ليت نسـاء العـالم يتعلمـن منـك كيـف يكون الحب .
كانت كالشمس الساطعة فى شلال المطر, ولها من جمال الروح , ما يجذب إليها كل من يقترب من هوائها البعيـد , وبأمـرمنها إنجذبت إليها روح عبـد الله وإلتـصقت بها ومـالت عليها لتعانقها وإلى هـذه اللحظة لايصدق عبـد الله بأن منـة الرائعة قد أحبتـه , فلها قـدرمـن العظمة قلما تتمتع بها إمرأة , ومن الجمال مايغار منه ملكات النساء , ومن الإنوثة ما يتقاتل عليها عظماء الرجال وأكثرهم عزا , ومن الأخـلاق والعفة ما يدعونا للشعوربالعـارمن أنفسنا .
وهنا يقف عبد الله ويتسائل , لما أحبته صاحبة الجلالة والسمو وهى على هذا القدرمـن الـروعة والعظمــة وأمامها من الرجـال مـن هـم أفضل وأحسن منـه ؟ , فطـرح على نفسه عدة إجابـات وكـل إجابـة تحمل فى طيـاتها عـدة تساؤلات لم يجـد فيـها ما يثلـج صـدره ويريح عقله , فبـدأت تساوره الشكوك والظنـون , وقـال فى نفسه لا بد أن بها عيبا لايعرفه وإلا لما تركت العديـد من أفاضل الرجال مما ركعوا تحت أقدامها لتسكنه قلبها , فسـار يجـوب الشوارع والطرقـات يـسأل الأصدقــــاء والمقربين لها بلهفة وشغف عن منة الكيان ومنة الأخلاق , حتى علم منهم بأنها قـد إقترفت جـرما كبيرا وهى فـى مرحلـة نضوجها عندمـا سرقـت كل الصفات الجليـلة التى كانت تملكها نساء العالم وضمتها بين ذراعيها لتصنع منها ملامح منة الرائعة .
فنظـر إليهم عبـد الله بفخـر وإعتـزاز وعلـت هامتـه , وأسرع يـدور بين لغـات العالم يبحث عن
19
كلمات تحمل معانى قد تكون وفية وجديرة لوصف منة الله فلم يجد وبات عاجزا على أن يصنـع كلمة تكون معبرة عن ملامح أخلاقها .
ويحاول عبد الله أن يصف منة كما يراها بعقله , بعد أن أعصب قلبه وخلع نظارة الحب المعتمة فوجد أنه سوف يقلل من قدرها ومن عظمتها كثيرا ,فعزعليه أن يصفها , فمنة الله كيان أكبرمن أن يوصف أو يمدح , فإحتارعبد الله وأعتذر للكلمات والمعانى ,فإنه لايرى بينهما مايصلح لأن توصف بها منة , فتكون حقا لها.
وكلما إقترب منها عبد الله يرى ملاك فى ثوب إنسان , فيبعث إليها بقلبـه وفـؤاده كلمات صادقة المعنى وغيرمزغرفة الأحرف , ( أنت خسارة فى أى رجل حتى أنـا , أنت فعلا تستاهلى ملاك يا منة ) .
فمـا من إمـرأة تقول لحبيبها , إن قـدرلنـا أن نكون معـا فلـن أختلف معك فى شئ إلا فيما يخص طاعة الله , فما بحب فوق حب الله تعالى , سبحانك ربى , سبحانك على جمال خلق هذه المـرأة وشدة إيمانها .
ومن هنا قطعت منة الطريق مع عبدالله دون أن يختلفا, ويعود الفضل لمكارم أخلاقها النبيلة فلم تأذن لخلاف أن ينمو بينهما , أويتسلل بين أقداميهما , أو يعبر فوق رؤسيهما .
وما أروع المـرأة عندما تعطى الحق لحبيبها بأن يشاركـها فى تخطيط مستقبلها وترتيب حياتـها ولاتخطو خطـا أو تقدم على عمل دون علمه , فتشعره بأنها ملكا لـه وهـو كـل حياتها , فينجذب إليهـا دون أن يشعر ويلتصق بروحها إلى أبد العمر , هكذا كانت منة الله , فهل من وصف ؟ .
كانت روحيهما يتبادلا الطريق بينهما ذهابا وإيابا ,لا يهدئا ولا يناما يحملان فى صدريهما أحلى الرسائل المعطرة بأجمل وأسمى معـان الحب الصافى الطـاهر, فعـزعليهما أن تضيع ذكرى من ذكريات حبهما العظيم , فسجلاها بدموع الشوق , وختما عليها بنبض قلبيهما , ليحتفظا بها سرا إلى أبد العمر , فتكون شاهدة على عصرحبهما العظيم , وكل منهما يعبرعن حبه بطريقته .

وعاش عبد الله فى جنة منة الجميلة أيام وليالى , مرت كأجـزاء من الثوان , كوميض برق تكـاد عيناك تلمحه , يتنقل بين حدائقها ويتنسم رحيق أزهارها الجميلة , ويسبح فى أنهار حبها العظيم وبعد الغروب يضئ الشموع ويرتمى بين أحضان ذكرياتها الدافئة , يعانقها ويضمها إلى صدره إلـى أن تشـرق شمس حبـها فـى الصباح الجديـد , ليـدفئ قلبـه بحبـها وحنـانها ويستظل بروحها الطاهرة , ويهيم مع أنغام صوتها الساحر .
20
ومن بعيد تدوى صرخات الليل , وهـويتـألم ويتوجع , يشكو من سهرمنـة وعبـد الله فلـم تغمض عينـاه منـذ لقائهما الأول , وصاح فى وجـه القمر الذى تآمرمع منـة وعبد الله وترك كل الأحبـة ليسهرمعهما والقمر يقف صامتا ويرتعش رعبا من أن يكتشف الليل سره وضميره يعذبه لخيانته لعبد الله , وعشقه لحبيبته منة يوم أن شـاهد عيونها الجميـلة وسمع أنغام صوتها الرقيق وطربها فى الحب الذى يدفئ القلب ويهيم بالروح لتطير فـوق السحاب , وتمنى لوكان إنسيا وحبيبته منة ليمتع عينيه ببـدرالبـدور , ولطالما عشق وصفها فى الحب ولم يسمع مثـله , حتى عندما تغازلـه النجوم وبكى القمر على حاله , ففضح الليل أمـره وتصارع معه , فسأل القمر خليـله الليـل هل تحبها ؟ قـال الليل نعم أحبـها وأنا أولى بحبها ياصاحبى فأنا من يكحل عينيها كل ليـلة وتنـام فى أحضان سكينتى , فصاح فيـه القمر , كـلا ياخليلى أنا مـن أولى بحبها فأنا من يصفونى بجمالها وعندما تنظرفى عيونى تلهمها بأجمل معانى العشق والغرام , فسمعت النجوم صراخهما فجرى نجـم ساطع وتدخل بينهما حتى لاينفضح أمرهما وحتـى ينتهى الصراع بينهما , إتفقا أن يعيـشا خدامى لمنة .
ومن أول لقـاء بينهما وعبـد الله لايعرف شيئا عن حياتها , كيـف عاشت مراحل طفولتها وكيـف كبرت حتى أصبحت منة الرائعـة وكيف تزوجت , فأعطى لنفسه الحق بإسم الحب أن تحكى لـه كل شئ عن حياتها وعن طفولتها بالتفصيل , فبدأ يسألها وتجنب السؤال عن طبيعة العلاقة بينها وبين زوجها وترك لها الباب مفتوحا .
وبدأت منـة تسرد علية كل ليلة جـزء من قصة حياتها بوضوح ولم تحجب عنه شيئا , حتى أدق أسرارها , والتى دفنت مع رحيلها .
فقـد نشـأت منـة وترعرعت تحـت ظـلال أسـرة عريقـة , كريمـة مترابطـة ميسـورة الحـال بيـن أحضان أبويها وأربعة من الأخوة والأخوات الأشقاء, روتها والدتها من كأس الفضيلة والأخلاق وأنشأتها على التدين وحب الله منذ نعومة أظافرها , وهى سيدة فاضلة بكل معانى الكلمة ,أحبت أولادها وبناتـها وعشقت تربيتهم وكرست كـل حياتها لهم وغرست فيهم فضائل الدنيا , ومهـدت لهم الطريق إلى الجنة , ليصبحوا خيرخلف لخير سلف .
ووالدها رجل يتمتع بالهدوء وحسن الخلق ويعمل فى مجال الإستيراد , شارك زوجته فى تربية أبنائه وبناته على نفس منهج الزوجة .
تخرجت منة من كلية الهندسة جامعة القاهرة وتزوجت من مهندس بترول فورتخرجها وأنجبت منه أبو بكر ومحمود وسالمة .
21
ومـن هنـا نجد أن منة قـد نشأت فى منـاخ شعـاره الفضيـلة والأخـلاق وحـب الله وكبـرت حتـى
أصبحت مثـالا يحتـذى بـه , فكـم من رجل يتمنى أن تكون إبنته منـة , وكم مـن رجل يتمنى أن تكون زوجته منة , وكم من إمرأة تتمنى أن تكون منة , فى زمن ليس فيه إلا منة , حقا إنها منة المثل , منة الأسطورة .
وأصبحت منة تسرد عليه كل ليلة جـزءا من حياتها أيام وليالى , دون أن تطرأ إلى الحديث عن زوجها ليبقى السؤال حائرا فى ذهـن عبـد الله حتى يعرف فى أى ركـن من حياتها يبسط قدميـه وأبى أن يسألها خوفـا من جـرح مشاعرها , لكـن إحساس عبـد الله زين لـه بأن علاقتها بزوجها
غير مستقرة وإلا ما أباحت لنفسها حبه .
وبدأ عبد الله يزورالفرع الهندسى كثيرا بعد أن أضفت عليه منة لمساتها الأنيقة وشياكتها الفريدة وزوقها الرفيع حتى يستطيع أن يراها ويجلس معها ويشرب من خمر حبها .
وفى إحدى إجتماعات مجلس إدارة الشركة لاحظ عبد الله على منة وقد بدى عليها ملامح حـزن كان واضحا فى نبرات صوتها فسألها , فألمحت له عن خلاف بينها وبين زوجها وسكتت فنظـر إليـها عسى أن تكمل حديثها لكنها آثـرت الصمت لتـغلق الموضوع وتطرقت إلى موضوع آخـر فإستشعرعبـد الله رغبتـها فى الكتمان فسكت ولـم يلـح عليها مادمت لاترغب فى أن تسرد عليـه تفاصيل الخلاف , لا لشيئ إنما لدماثة خلقها الذى عزعليه أن تجرح زوجها أمامه .
وبعد عدة أيام عقـد عبـد الله إجتماعا طارئا بمكتبه وحضرت منـة فى ذلك اليوم وهى على غيـر عادتها فقد بدى على وجهها ملامح إستياء شديد وفى صدى صوتها آثار التوتر والعصبية .
فسألها عبـد الله وفهم منها أنها متأثرة بخلاف جديـد حدث بينها وبين زوجها , وبـدا عليها وعلى نبرات صوتها أن الخلاف كـان شديـدا وغير محتمل , ونظرت منـة إلى عبـد الله وعيناها مليئـة بالشجن واليأس , فقـرأ فيهما وفى تعبيرات وجهها أنه قد طفح بها الكيل وتـود أن تحكى له فهـو أقرب الناس إليها والوحيـد الذى يمكن أن يسمعها ويشعر بها , فسألها بإلحاح وإصرارأن تحكى
له كل ما يجيش بصدرها ويؤرقها , فقدعـزعليه أن يرى الحزن والألم فى عينيها ويقف مكتوف الأيـدى نعـم , ربما لن يستطيع أن يقف بجانبها فى وجـه زوجها لعـدم أهليته , لكنه على الأقـل يشاركها همومها ويحد من آلامها , فإستجابت منة وقالت سأحكى لك فى المساء من منزل بابا .
وجـاء المساء وإتصلت منـة , وحكت له تفاصيل الخلاف بكل أمـانة دون تجريح لزوجها , فلـم تكن منة لتسمح لنفسها بالحديث عن زوجها أوذكره بالسوء أمام عبـد الله بالرغم من حبها الشديد له .
22
فتعجب عبـد الله مما سمعه ومن سلوك زوجها معها , ومن سكوتها الطويل وشاط غضبا , كيف
يمكن لرجل أن يعامل زوجته بهذه الدكتاتورية واللامبالاة , خاصة عندما تكون الزوجة هى منة
النسمة الرقيـقة , التى تخاف الله فى حقها وحق زوجها , فسألهاعن سكوتها طـوال تلك السنوات دون أن تشارك أبويها , فأجابت منة بكلمات أجبرت عبد الله أن يضمها إلى صدره فى مخيلتــه ويقبل يديها , وينحنى لـها إحتراما وإجـلالا وهـو يفخر بمحاسن أخـلاقها , حينما قالت عزعلـى نفسـى تعـرية زوجى وتجريحه أمامـهم فكنت أتحامـل علـى نفسـى وأضع همـومى فـى صـدرى وأغلق عليها .
وجلس عبـد الله مع نفسه يفسر ماروتـه منة , إن ماحدث بينها وبين زوجها ليس بخلاف , وأنما لايبتعد كثيراعن وصفه إسائة المعاملة, فالخلاف يكون لحظى مهما طال, وله معايير فى طرحه وتبقى العلاقة الطبية ساكنة بينهما ويزول بزوال الأسباب أو بتنازل إحدى الطرفين , أما إسائـة المعاملة فتكون متصلة وبلا حدود ولاتحمل بداخلها جملة قـد تشرح صدرالآخـر وغالبا ماتتعلق بطبائع اللإنسان ومن الصفات المميزة للطبائع أنها لاتتغير , وليست منة الله التى تساء معاملتـها تحت أية ظروف وللأى سبب من الأسباب , مما دفـع عبـدالله أن يسألها عن طبيعة العلاقة بينها وبين زوجها بصرف النظـرعن الخـلاف القائـم بينهما , فهـذا الخلاف كـان بمثابة أرض خصبة ليرفع برقع الحياء ويطرح السؤال الذى حيره منذ لقائه بحبها ولم يقوى عليه .
ومن هنا بدأت منـة تسرد كل الأحداث التى مرت بها من بداية زواجها , ليستخلص عبد الله من خلال تلك الروايات أن الحياة بينهما بلا روح , وأنهما شبه منفصلين فكريا وعاطفيا .
وعاش عبد الله أيام وليالى طويلة فى قلب حكاوى منـة وزوجها , وكأنه يعيش بينهما , وتجـرى الأحـداث أمـام عينيه , كانت بعضها تبكيه بصدق وتعتصره ألمـا , وبعضها كان يؤذى مشاعره فيطلب منها التوقف عن الكلام .
وخرج عبد الله من خـلال تلك الروايات بثمرة لم تكن أجزاء منها لتعجب منـة وهى أن المشكلة تكمن فـى منـة ذاتها , فهى من أهـدته الرخصة , وهـومـن إستغل الرخصة , فمـا كان عليها أن تلبس ثوب زوجها وترتدى نظارته وتكون تابعة له تبعية بحته دون أن يكون لها شخصية وكيان مستقل وذات تتبعها وتحمل ملامحها , وهذا لايتعارض مع لغة ومفهوم الطاعة .
فالحيـاة الزوجية هى شركة مؤسسة بين زوجين , ولكل منهما آرائـه وتقديراته وتطلعاته ليسيرا معا بالحياة إلى أرض خضراء , وهذا لايمنع أن للزوج اليد العليا فى كثيرمن الأمور , وليسـت كل الأمور , وماعليه أن يتجاهل شريكته وينحر آرائها وتطلعاتها ويصبح وحـده الآمـر الناهى
23
المسيرلكل الأمـور , فالحيـاة معطيات وعلينا أن نرتبها بحكمة وشراكة حتى لاتتسرب مـن بيـن أيدينا , فعندما يتجاهل الزوج شريكته ينتحر الحب بينهما , ربما حزنا علي فراقه أوربما تعاطفا
مع الزوجة ويستنجد بالود المزيف , وقد كرم الخالق عزوجل المرأة حق تكريم , فهل للعبد مـن رأى آخر ؟ .
كيف نسلب الزوجة حقوقها وننكرها وأدناها ممارست شراكتها فى الحياة وهذا أقل تقدير للمـرأة خاصة إذا كانت هـذه المـرأة هى منـة الله , بكـل معانيها وصفاتها الجميـلة , بـل على الزوج أن يتـقدم بتنازلات مـن حقوقه المشروعة بعـد أن يزينها بالـورود والعطـرالجميـل و يهديها لشريكة حياتـه بإبتسامة صافية ما دامت لا تضر بكيـان الأسرة , وأن يحمل على كتفيه كل الأعباء التى توفـر الراحة والأمـان لزوجته , عندئذ ستضيئ الزوجـة أصابعها شموعا لتنيرله الطريق , ولن يجرؤ كيان أن يعتدى على شبر من قلبها أو ينال من فكرها .
وإذا إقتسم الزوج الرغيف ثم أعطاها النصفين, سترد له النصف وربما الإثنين , بيد , وعيونها وقلبـها باليـد الأخرى ورضاء المولى عز وجل , وإذا تعامل الزوجين على أن كـل منهما أمـانة فى عنـق الآخـر , فلاشك أن الحيـاة بينهما سيكون لها رونقها اللامع الجميل , والخلافات واردة إنما لن تسئ إلى أى منهما أو تفصل بينهما .
وبالـرغم من أن زواجهما كان مسبوق بربـاط عاطفى أوهكذا يدعى , إلا أنه سقط من أعلى تـل اللامبالاة فإنكسرعنقه وفاضت روحه .
والحب العاطفى كالدخان , يتبخر ويتلاشى بعد الزواج ويتـوالد نوع آخر جديـد من الحب أقـوى وأعمق وأرسخ وأبقى من الحب العاطفى وهوخليط من باقى أنواع الحب الأخرى ( حب الإبنة والأم والأخت والصديقة والزوجة ) .
وهـذا النـوع الجديد من الحب يكون أبديا , ولايمكن إغتياله أبدا تحت أى ظروف ولا يتأثر بـأى عوامـل , وللأن يتـوالد هذا الحـب وينمـو بينهما لابـد أن تتوافق الطبـاع والأخـلاق وإلا سيكون الصـدام حتمى وينتهى بهما المطاف إلى الفتـور فى العـلاقة بينهما وربما الإنفصال سـواء أكـان الإنفصال الروحى أوالجسدى أوالأثنين معا .
وكـان هـذا هـوالسبب الرئيسى الـذى أحـدث الفجـوة والشرخ الكبيرفى العـلاقة بين منة وزوجها
فعدم التوافق فى الطباع أدى إلى الفتورفى العلاقة بينهما ثم الصدام .
فهناك من الرجـال من يقـدرالطاعة العميـاء , وهنـاك من يتعامل معها على أنـها إحـدى فرائض الزوجة ومنهم من لايشعر بالجوهرة التى بين يديه .
24
وكان عبـد الله يسرد عليها رأيـه فى الحقائق التى ترويـها بكـل أمـانـة وصدق ووضوح دون أن يفتن بينهما , ومع ذلك لم ينكربينه وبين نفسه سعادته بتدهورالعلاقـة بينـها وبين زوجها لا حقدا عليها أوعليـه بـل لأنـه أحبـها , والحـب أنانيـة تختبـئ وراء شجرة العطـاء ويبـاركـها الطـرفين
الحب شعور وإحساس جميـل يدخله الله تعالى فى قلوبنـا دون أن نختار, لكن علينا إما أن نحمله إلى طـريق النـورأونلقـى بـه على جـانب الطـريـق حتى لانتعثر بين الظلمـات والمعاصى وهـذا
ما فعلته منة الله حتى لانلومنها فى حبها لرجل فى وقـت كانت فيه فى عصمة رجل آخـر فحينما شعـرت منة الله بأنها إندفعت وراءعواطفها وباعـت الخيانة لزوجها, تمردت على قلبها وأرادت أن تعيد شيئا قد ضاع منها , فلم تجـد أمامها سوى خيارين لا ثالث لهما إما أن تقتـل حبها بيديها وتبتعدعن عبـد الله,وإما الإنفصال عن زوجها مادامت الحياة معه قـد فقدت مذاقها , وبهت لونها
ولكن فى كلتـا الخيارين سوف تصلح شيئـا وتكسرآخر , فإن إختارت حيـاتها مع زوجها فسوف تكسر قلب عبد الله وتتعس قلبها , وإن إختارت عبد الله فالإنفصال طـريق طويل مليئ بالأشواك وستأخذها أيامه ولياليه للشجن والحزن والتجريح وستبقى غارقة فى قلب خيانتها إلى أن تنفصل عن زوجها , وكان على منة أن تختاربحزم إحدى الأمرين وكلاهما جارح , لتعيش أيام عصيبة بين التوتر والقلق والحيرة .
وبعـد تفكيرعميق وجدت أن الأقرب هو البعـدعن عبـد الله , ليرتاح ضميرها الذى طالمـا يحمل سوطا لأعصابها وينزع راحـة البـال من أيامها ولياليها لتنـام فى سكينـة وهـدوء , وقررت منـة الإبتعاد عن عبد الله وهى مقتنعة غير راضية .
وفى يوم وعبـد الله جالس فـى مكتبه وقـد أطلـق العنان لخياله ليسبح معـه فى جنـة منـة الجميـلة والسعادة تتراقص فى عينيه فرحة بها والأفراح تحيط به من كل مكان ويرى السعادة فى عيـون الناس وكأنهم يهنئونه ويباركون له على فوزه بلقب فارس العصر , لفوزه بقلب أعظم إمرأة فى الوجـود , إمـرأة تتقاتـل تحـت أقدامها الرجـال مـن أجـل حفنـة عطـف أو لمحـة رضـا , فإنتابـه الغـرور وبـدأ يعيـد ترجمة السعادة التى رآها فى أعين النـاس إلى حقـد عليـه , فقد إختارته منـة وأحبتـه دونا عن رجال العالم , وهنـاك من الرجال من هم أفضل وأنسب منه , لكن ماغاب عن عيونهم , أنه لن يفاضله أحد فى قلبه وحنانه وحبه لمنة .
ورن هاتفـه الخلوى ليقطع عليـه خلوتـه بحلمه الجميـل فأخـرج الهاتف من جيبـه وتفحص الرقم فإذا بها منـة , كـاد قلبـه يخرج من بين ضلوعه من شـدة الفرحة , فما أجمل اللحظات فـى حياة
عبـد الله عندما يسمع صوتها قالت السلام عليكم , إزيك ياحبيبى عامـل إيـه , فرد عليها عبد الله
25
بحنين خرج من قلبه دون أن يشعر, إزيك يانـور عينى , وحشتينى , وحشتينى قوى , قالت منة حبيبـى سامحنى أنـا مش حتصل بـك ثاني , الإحساس بالخيـانة صعب , والله حاولت كتيـر ومـا قدرتش سامحنى .
تلقى عبدالله الكلمات لتصعقه فى صميم قلبه ولم يصدق ماسمعه , فلـم يمضى على زفافـه بحبها أكثرمن ثلاثة أيام , واليوم تريد الرحيل ؟
أظلمت الدنيا فى عينيه , طـارعقله وتلخبط كيانـه , مفاجأة لـم تكن مدرجة بفكره , أخرجتـه من حلمه الجميـل لتحـول فرحتـه الغامرة إلى كابوس مزعج , فأغمض عينيه ومـال برأسه للــوراء ومرت ثـوان دون أن يدرى بمن حوله أو يتفوه بكلمة , كانت صدمة تفوق إحتمال العقل والقلب ولكن سرعان ما أفـاق من شدة الصدمة وتوسل إليـها أن تبقى ولاترحـل عنـه , وتمنى لو كانت أمامـه ليركـع تحـت أقدامها ويتوسـل إليـها أن لاتتركه وحيـدا , لكنـها أبت أن تستجب لتوسـلاته وآثرت الرحيل وقالت واللألم يعتصرها, سامحنى حبيبى ومتزعلش منى مش حقدرعلى الخيانة الخيانة إحساس بشع , وسمع عبد الله أنين قلبها وهو يبكى , فبكى معه , وأنهت المكالمة .
نظرعبد الله إلى الهاتف , وهو فى حالة ذهول , وصرخات الفزع تهز كيانه , يكاد عقله ينفصل عن جسده, وتمتم بكلمات هستيرية مسموعة , حلم عمرى , لن يضيع منى , لايمكن أن يتحول
إلى كابوس مفزع يعيش في حياتى إلى أن ألقى ربى, وبكى عبد الله بحرقة وحاول الإتصال بها لكنها كانت قد أغلقت محمولها .
ترك عبـد الله المكتب وهو حالة إعيـاء شديد , وتوجه إلى منزله عساه يرتاح قليلا , فما أصعب من آلام الفكرعندما تتوغل داخل عقل الإنسان , ولم تمضى دقائق معدودة , حتى آثـرالعودة إلى مكتبـه مـرة أخـرى فالفكـر والراحـة لايتـفقان , ومـا دام لايستطيـع الحصول على الراحـة فمـن الأفضل لـه الذهاب بعيـدا ليعيـد شمل أفكـاره من جديـد وإعـادة ترتيبها مـرة أخـرى بهدوء ربما يستطيع إقتناص الوسيلة التى تمكنه من إعادة منة إليه .
وسارعبد الله فى طريقه إلى مكتبه وهو يكتـم بكائـه , ويحاول أن يبعد بذهنه فى مسارات بعيـدة عن التفكيرعسى أن يمنحه قسطا من الراحـة كى يستطيع أن يفكر بهدوء بعيـدا عن التوتـر وقـد ساعده على ذلك الألام التى كادت تفجر رأسه .
وصل عبـد الله مكتبه وجلس يستحضر أفكـاره أمامـه ويرتبـها , ثـم بـدأ الحديث مع نفسه , فبـدأ بالثناء على مشاعرها وإحترام مبادئها ثم الرثاء لحاله , إنه لايستطيع البعد عنها فقـد تجاوزهـذه المرحله فماذا يفعل وليس له بالأمر حيلة ؟ .
26
وعند هذه النقطة توقف عبد الله وشرد بذهنه بعيدا فالشعوربالمجهول قد يصيبه باليأس, ودمعت عيناه وهو يشعر بالمرارة والقهروالظلم يعبثان بكيانه , وصرخات تدوى داخله كصرخات برئ
فى حجرة الإعدام , لا يملك شيئا سوى أن يتوسل إليها فربما يرق قلبها إليه فترحمه أو تلقى بـه داخل أسوارالعذاب فلا يذوق للسعادة طعما طالما الروح تمتطى جوادها.
وجال بخاطره عدة أسئلة بعضها تقبل الإجابة عليها والبعض الآخـر ترفض ويحتـار فيها العقـل فما من إجابة يمكن أن نحيكها فتكون موصوفة لها .
هـل من حق منـة حرمانه منها ؟ , و لوجلس كل منهما مجلس الآخر فهل كانت لتقبل بأن يبتعـد عنها عبد الله بهذه الطريقة ؟,وهل من العدل أن يتخذ القرارمن طرف واحد دون موافقة الطرف الآخر؟ وهل يشعر متخذ القرار بما يشعر به الطرف المغلوب على أمره ؟
كلمات ربما تكون مجنـونة أوغبية إلى حـد كبير , لتبُقى العقل غارقـا فـى صمته ويقف مكتـوف الأيدى أمام قسوتها .
فإذا كان هناك سبب حتمى للرحيل والنسيان فلابد أن يقابله ضحية, وهوالطرف الذى لاحول لـه ولاقوة وماعليه إلا أن ينظرإلى المرآة ويرفع يده إلى خديه ليصفعهما , فإنه لايوجد سبب حتمى
للنسيان؟ ربما نبتعد كثيرا لكنا لاننسى ! فكل جزء من ذكرى الحبيب هو قطعة من جسد المحـب وكل كلمة بأنامل الحبيب هى روح المحب , فكيف تـهون على جوارحه أن تمحوها وتتبرأ منـها
حتى لو كان رماد الحب هو كل ما تبقى فى القلب .
وما أصعب الإحساس بالقهرخاصة عندما يتبناه أعزالناس وأغلى الناس , عندما يأتى من الروح التى نحيا بها , من العيـن التى نرى بها خطانا , ومن القلب الذى يدفـع الدم فى عروقنا , فالقهر بركان أشد بأسا وغلاً ًمن غضب الحرمان .
والإجابة على كل هذه الأسئلة ربما نختلف عليها لكنه من المؤكد أنها تعودإلى مقداروقيمة الحب داخل قلوبنا وإلى ومدى إرتباط القلب بقرينه الآخر.
فالحب يملكنـا ولا نملكه , فإن ملكنـا فنحن صادقين وحينئذ لانملك الرحيل أوالنسيان , وإن كنــا ملكناه فقلوبنا خاويه , ولاملامة علينا عندئذ من الرحيل , ولن يكون هناك ما ننساه .
وجلس عبد الله يتمعن فى قـراءة أفكاره ويسبح ويغوص بين سطورها , وعيناه معلقة بين ساعة الحائـط وبين تليـفون المكتب الـذى صمت وغـاب عن الوعى , كـان مليئ باللأمل بأن منـة لـن تستطيع الرحيل عنه وستعود لقصرها الذى بناه بأجمل الأحلام وزينه بأروع إمـرأة فى الوجـود
وطـال الإنتظار , ففكـرعبد الله أن يبـادر بالإتصال بها , علها تخرجه من صدمتـه وترحمه مـن
27
الفجيعة التى أثقلت كاهله , فمد يده إلى سماعة التليفون وهومتردد وطلب رقم منزلها , وقبل أن يـرن جرس التليفون تراجـع وأعـاد السماعة مكانها , تجنب أن تصدمه منـة بكلمة قد لايتـحملها قلبه وهو يفيض بكل هذا الحب .
ولم تمردقائق معدودة حتى رن جرس التليفون فخفق قلبه بشده وحبس أنفاسه, وقبل أن ينظرإليه قال لابد أنها منة, وإلاماكان قلبى ليخفق بشدة هكذا , ونظرإلى الرقم بلهفة وصاح , نعم إنه رقم صاحبة العفة والسمو , إنه رقم نورعيونى منة, فزادت دقات قلبه توترا , وتسابقت أنفاسه ودعا الله من أعماقه أن تكون منة قد عادت إليه ولم تأتى لتفاجأه بجرح جديـد , ورفع سماعة التليفون ويده ترتعش حتى كادت السماعة تسقط من يده, وهو يلهث كالعائد من بلد بعيد سيراعلى الأقدام وإقتـربت السماعة من أذنـه وصمتت شفتـاه , وكانت أجمـل مفاجـأة حملت أجمل كلمات يسمعها عبد الله فى حياته, إنها الملاك الطاهرتغرد فى أذنيه بأعذب الألحان وأجمل الطرب, ما قدرتـش أبعد عنك , حاولت ومش قادرة ,أجمل وأحلى نغم سمعه عبد الله فى حياته قتل كل الهم والحزن فى لحظة لتعود إليه سعادته ويعود لحلمه الجميل وينزاح عنـه الكابوس المخيف , كان وقع هـذه الكلمات أجمل وأعمق من كلمة حب قالتها منـة لعبد الله للأول مرة والتى ستظل تـدوى فى أذنيه
إلى أن يلقى ربه للأنها تحمل فى جوفها معان عظيمة , تحمل الرباط العاطفى الأبدى , والرباط الروحى الذى لاتنقطع أوصاله .
فردعليها عبد الله وهو يبكى من الفرحة وقال عشان خاطرى يامنة إوعى تفكرى فى يوم تبعـدى عشان خاطرى , فردت منة بكلمتين , ما أقدرش أجرحك , ماأقدرش أبعد عنك .
ولم تمر أيام قلائل لتتكررمنة نفس القصة بنفس السناريو مرتين خلال فترة قصيرة من الزمن وفى المرة الأخيرة داعبها عبد الله قائلا, عشان خاطرى منة بلاش أفلام دراكولا إنت فعلا كده بترعبينى .
تلك القرارات المضطربة التى عاشتها منة مابين رحيلها أوبقائها , ماهى إلاجملة تعبرعـن مدى الصراع العنيف والمعاناة النفسية الرهيبة التى تعيشها منة ما بين حبها لعبـد الله ووفائها لزوجها والتى أذابت معها فرحتها بعبد الله .
وعاش عبد الله أيام وليالى طويلة مرعوبا من شبح رحيل منة , فكان يؤكد عليها عند كل شروق يـوم جديد وإلى أن تتدلى النجـوم من السماء ألاتفكـر يوما فى الرحيـل عنـه , فتـردعليـه بكلمات شاعرية تطرد الخوف من صدره .
وتمرالأيام وعبد الله غارق فى نعيم حبها, كانت له الزاد والنور, كانت له الحياة والأمل,إبتاعت
28
له سنين عمره المفقودة , حفـرت إسمها على جدران قلبـه وطلتـه بأنفاسها حتى لاتتغير ملامحه مهما عفا عليه الزمان , ولم يعد يفكر فى شيئ سواها , فنسى كل شيئ عداها .
كانت منـة كزهـرة الياسمين برائحتها الذكيـة عندما تتفح فى الصباح ويطـل عليها شعاع الشمس فتضيئ أوراقـها , وتلمـع عليها قطـرات النـدى كحبات كاللؤلؤ , ويداعبها الهـواء بلطف وحنين فتتراقص يمينـا وشمالا , فتجذبك إليـها لتتنسم رحيـق عطـرها الجميـل وتمتـع أصابعك بنعومـة ملمسها , وعندما تقترب منها يعـزعليك أن تمـس جمالها , فتسيئ إليـه وتفقدها رونقـها , فتدمـع عيناك دموع الحسرة وترحل عائدا وجمالها فى عينيك , ولن تنساها طالما حييت .
كان حلم عبـد الله حلما قصيرالمـدى , فكل منـاه أن تكون منـة بقربه دون أن يشعرها بحبه حتى لايفتقدها , لم يحلم يوما بأن تبادله الحب حتى لاتنزلق قدماه فى عالـم المستحيل فيصطدم واقعـه بأحلامه ويسوقاه لعالم الجنون .
كانت قمـة الأماني وحلمه الكبيرأن تقابله بإبتسامة صافية أونظـرة رثـاء عندما ترى قلبـه يفيض بحبها لا أن تحقره , لكن بعد أن واعدتـه على شاطى كرمها وأعلنت حبها العظيم له , كبرحلمه وتعاهد مع أطماعه , فبات يطمع فى الزواج منها , طمع فى أن يملك الدنيا بين يديه , وهذا هـو حال الإنسان لايملئ عينيه كما يقولون سوى التراب .
وتمـرأيـام قليـلة , وفى أحـد اللأيام وبعـد صلاة العصربدقائق معدودة إتصلت منـة بعبـد الله مـن منزل والـدها لتخبره بأنها قـد تركت منزلها ولن تعود لخلاف حـدث بينها وبين زوجها وسردت عليه قصة الخلاف وأصرت بأنها لن تعود إليه مرة ثانية .
سعد عبد الله كثيرا بهـذا الخبر وخبـأ فرحته عن منـة , لكن سعادته لم تدوم طويلا , فسرعان ما إهتزت فرحته وبكت , فبقدر سعادته بالخبربقدرما إنتابه خوف شديد أن يكون وجوده فى حياتها طرفا فيما يحدث بينها وبين زوجها من مصادمات فسأل منة , أرجوا يا منة أن لايكون وجودى فى حياتك سببا لهدم الأسـرة فهذا جـرم لاأستطيع أن أتحمله , فردت منـة بثقة بالغة , لا حبيبـى أنى أخاف الله أنا من زمان تعبـانة ومن قبل ما أشوفك وأعـرفك لست طرفا فى فيما يحدث بينى وبين زوجى , فإرتاح قلب عبآد الله لرد منـة الذى أثلج صدره , إرتاح من آلام الضمير وعذابـه ومن الغيرة القاتلة التى كان يعيش فيها .
وبعد مايقرب من أسبوع حضر زوجها فى صحبة بعض من أقاربه لمحاولة الصلح بينهما وبعد ضغط عنيف عادت منة إلى منزلها وهى غير راضية , لتشتعل نار الغيرة فى قلب عبد الله مـن جديد , فى وقت ومناخ لايحق له حتى التعبيرعنها .
29
وتكررت تـلك المأساة عـدة مـرات وفـى كـل مـرة تعـود نتيـجة لضغط الأهـل والأقـارب ودون رغبتـها حتى كانت المـرة الأخيـرة , المـرة التى لم تقبـل فيها منـة أى مناقشة فى قصة عودتـها
لمنزلها وكافحت كفاحا مريرا حتى إنفصلت عن زوجها ليخسرخسارة عمره ويفقد أغلى جوهرة كانت وديعة بين يديه ولم يراها قلبه , جوهرة لاتقدر بثمن فلو إجتمع ملوك العالم بمالهم وعزهم فلن يقدروا ثمنها , وسيسافر ويجوب بلاد العالم من أدناها للأقصاها يبحث عن منـة أخرى حتى تتورم قدميه فلن يجد , فليست هناك منة أخرى , ولن يجدها فى إمرأة أخرى , وسيعود مهزوما مكسورالخاطر, فاقد الوجدان , ومهما ملك من كبرياء فسيركع كبريائه ويصاب بالندم وستمزقه الحسرة , وستبكى أيامه ولياليه وتزرف عيونه دما مهما علت الإبتسامة شفتاه .
وعلى الرغم من النعيم الذى عاشه عبد الله فى تلك الفترة مع منة بقدرماعانته منة من السيرعلى الأشواك حافية القدمين , وهى تصرخ من آلام جروحها ولا يسمعها أحـد أو يشعر بآلامها سوى عبـد الله الـذى كـان يتمزق من أجلها ويبكى لآلامها ولـوكانت حياته تخفف عنها آلامها لوضعها تحت أقدامها بصدق ونفـس راضيـة , لكنـه حـاول تخفيف آلامـها ومعاناتها وحملها علـى الصبر
حتى تـم الأنفصال وهذا كل ما كان يملكه .
وتوقـع بعـد الإنفصال أن تتحول تلك الآلام إلى آلام وبكـاء نـدم , لكنه لـم يجـد إرادة أصلب من إرادتها .
ويتذكـرعبـد الله أنـها تأثرت نفسيا كثيرا من نظرات الشفقة التى تنبعث من عيـون الناس , ومـن تدخـلاتهم بطريقة تجـرح شـعورها , وعانـت من إتـهام البعض بأنـها المسؤلـة عن تـلك الدراما المأساويـة , لكـن عنـدما علموا حقيـقة منـة باتـوا يبـكون لـها ويرثـون لحالها وعبـد الله بجانبـها يؤازرها ويربت على كتفيها حتى تخطت هذه المرحلة .
وبالرغم من إنكار منة لذاتها وتضحيتها العظيمة من أجل حبها , إلا أن عبـد الله تيقن تماما بأنها ضحت من أجله فلولا وجوده فى حياتها لصبرت على بلائـها وأكملت مشوارها مع زوجها على نمط الآخرين .
وبات عبـد الله يحلـم بالزواج منها حتى أنه كان يصدق حلمه ويعيش فيه , بأنـه سيعود إليها فى المساء وعندما يطرق باب مسكنه سيرى منة أمامه تتوارى خلف الباب وقد إرتدت أجمل الثياب وعلى شفتيها إبتسامة رقيقة وعيون تشكومشقة غيابه فتأخذه من يديه بلطف وحنان وتغلق ورائه
البـاب وترتمـى على صـدره , فيميـل على يديـها ويقبلها شوقـا وعرفانا بالجميـل ثـم يحملها بين ذراعيه ويطير بـها إلـى حجـرة أطفالها وما أن يلمحوا صوته حتى يهللون ويقفزون فوق أكتافـه
30
وعلـى ركبتيـه فيقبلـهم ويأخذهم بيـن أحضانـه ثـم يجلـس معهـم ويشاركهم لعبتـهم فتتركـهم منة لتحضر العشاء وهـى تطيرمن السـعادة , ثـم تنـادى عليهم فيحملهم بيـن أحضانـه ليلحق بـها ثـم يجلس للعشاء وهـم يتأرجحون علـى ركبتيه فيطعمهم ويطعـم منـة بيديـه , فتسألـه منـة أن يطعم نفسة فينظرإليها بحنان وسعادة ويربت على كتفيها وهو يبتسم ويقول , شبعت يا نورعينى .

لكن شيئا كان يؤرق حلمه الكبير وهـو يعلم أن أبواها لـن يباركا هـذا الزواج للأنه رجل متزوج ويكبرها كثيرا وهـذا ما جرف منة لطريق اليأس .
وحتى يكون عبدالله صادقا مع نفسه وعادلامع الآخرين فإنه لم ينكر بأنه لوجلس مقعدهم لتعامل مثلهم , فمنة الله يتمناها أغلى الرجال وعلى أبـواها أن ينتقوا لها أحسنهم والمواصفات لا تنطبق عليه وهـذا حقهم وحق منـة فى الحياة مهما كانت آلامه وجروحه بل إنها أنانية مطلقة منه بإسـم الحب .
وطوال تلك الفترة وزوجة عبـد الله لم تتنازل عن تجريحها لمنة , ومن هنا بدأت سحابة سـوداء بين منة وعبد الله ولكن منة بحبها العظيم وقلبها الكبير ودماثة أخلاقها تخطت تلك الأزمة .
وصارعبد الله يشكوا فضل منة الذى أثقل كاهله ولن يستطيع مقايضته ولوأفنى عمره من أجلها فحبها العظيم وتضحيتها من أجله فضل كبير لن ينساه طالما الروح فيه .
فلو أمرنا الله أن نسجد للمرأة لسجدت لها ولن أرفع هامتى حتى تأتينى منيتى .



@







31
الفصل الأخير
رحلة الفراق

عدى النهاروجاء الليل الحزين , ليطوى الظلام جناحيه على قلب عبد الله , ويسبح به فى سكون الليل المخيف , ويعزف الناى لحن الفراق على أصابع منة , ويبكى القمـر ويرتمى فى أحضان النجـوم ويرفع ساعديه إلى السماء داعيا لعبـد الله بالصبرعلى فجيعته , وتضئ النجوم شموعها حدادا على رحيل أعظم وأطهر قصة حب فى هذا العصر .
ففى أواخر أبريل من العام التالى , وهو نفس التوقيت التى أعلنت فيه منـة حبها لعبد الله , بدأت
منـة تضع سيناريو الفـراق دون أن يدرى لتمزق قلبـه الذى فاض بحبها بسكين لايعرف الرحمة
وتلقى به فى ظلمة الدهرلتسوقه الأيام إلى الضياع وتكويه بنـارالفـراق , وتسقيه كـأس الحرمـان وما ذنب له إلا أنه أحبها بكل صدق معهود ووفاء مشهود , وأخلص فى حبها حتى لم يعد يرى سواها .
إنها الأيـام ياصاحبى , بـدأت تلعب لعبتها الدنيئة لتطيح بـه من قمـة السعادة , لحضيض التعاسة والحزن , وجمرة العذاب والآلام .
بـدأت رحلـه الفـراق عندما علـم أحد أقارب منـة بالعـلاقة التـى بينها وبين عبـد الله وألقى عليـها اللوم , وإختارمن الكلمات ما أقصاها قسوة , ليضرب بها أطهر وأرق وأنبل إنسانة فى الوجـود
تلقت منـة الكلمـات كصوت طلقات الرصاص عنـدما تعبـر بيـن إذنينا , ومزجتـها باليأس الـذى طالما صنعتـه بيديـها , وبتلك الكلمات أفاقت منـة مـن الحب الـذى غاصت فيـه لتجد أن حيـاتـها ومستقبلها وطموحها ليست مع عبـد الله , وما دام الطريق إلى عبـد الله قـد إنطفأت أناديله فليس من الحكمة الخوض فى طريق مظلم مجهول .
بكت منـة كثيرا وإنسابت على خديها دموع اليأس فأسرعت إلى المرآة تحكى لها قصـة دموعهـا وتسألها الحكمـة والــرأى , وما أن وقعت عينيهـا على المرآة حتى لمحت شابة فى مقتبل العمـر
على قـدر كبيرمـن الجمـال وتـملك من الصـفات ما يجـذب إليـها أفاضـل الرجـال وأكثرهم عـزا للإقتران بها , فعزعليها أن يهجرها شبابهـا أمام عينيها ويبتعـد عنها وهى تنتظر رجـل يكبرهـا بضعف أعوامها ولن يسانداه أبواهـا علي الإقتران بهـا , فجلست تبكى ثم مدت يدها إلى جعبتها وأخرجت منها قانون الحياة وأملتـه على نفسهـا فوجـدت فيه المنطق والعقلانية والحياة العمليـة بعيدا عن العواطـف التى هى مجـرد حفنة من الرومانسية لن تبنى مستقبلا ولن توفى مطلبا . وبإرادة قويـة لـم يعهدها الرجال قررت منة الرحيل , وأذنت لنفسهـا أن تشق طريقها بعيدا عـن
32
عبـد الله , فلا الحياة هى الحب , ولا الحب هو كـل الحيـاة , ولا حياة بلا متطلبات دون الحب .
وبدأت منة تنسحب من حياته رويدا , رويدا , حجبت عنه رسائلها التى تفيض حبا وحنانا بعدت عنه عيونها التى تسحره كلما نظرإليها وبسمتها الصافية التى تروى ظمأ القلوب وأبت أن تخبره شيئا , بل وخبأت عنه خطة إغتيال قلبه المسكين .
وكلما تمرالأيام كلما تقترب فى البعد , فبدأت تنفصل بذاتها بعيدا عن عبد الله شيئا فشيئا فلم تعد تشاوره فى بعض من أهم مسارات ومتغيرات حياتها كماعودته ربما كانت تقصد , أوأنها كانت تقصد ! .
فلـم تكـن منـة لتسمح لنفسها بـأن تسـير خطـا دون علمـه , أو تقـدم على عمل دون إرادتـه كـان يلاصقهـا فـى كـل أفكـارها وفـى كـل زمـان ومكـان حتـى فـى أحلامها كانت تأخـذه معـها وفـى الأوقات العصيبة كان يحتويها ويحثها ويدربها على الإعتماد على الذات إلا أنـه كان يسير معها خطاها حتى يطمئن قلبه عليها .
وظل عبد الله أيام وليالى يراقب تغيراتها من بعد بقلق شديد وقلب يحترق , فكثيرا ماكـان يعلق عليها , وأحيانا كان يكتم همه وعذابه فى قلبه مادامت تأبى أن تشعر بآلامه ومعاناته وآثـرت أن تملك سرها دون أن تبوح به حتى للأقرب إنسان وأحـن قلب إليها , ولم تـدرك أن مشاعـرالحب مثل مشاعر الأمومة , عندما تشعرالأم بفلذة كبدها حينما يتألم وهو يبعد عنها مئات الأميال .
فعندما شعـرعبد الله بأن منة بدأت تتسرب من حياتـه , فلم تعد منة التى أحبهـا بكـل قـوة وأحبته بكـل صـدق , فقد لهفتها عليـه وتعطـش قلبـه لسماع عواطفهـا الدافئـة وتلقائيتهـا فى الحـب التى تنعش الروح وتحييها , ولم تعد تبالى بكل شئ جميل كان بينهما , ولم تعد تهتز لجروحه وآلامه سارع بالسـؤال, فترد عليه بكلمات لايجد فيها ما يطفئ نارقلبه الملهوف عليها وخوفه من الأيام المقبله وظلمة النهار.
وهولايعلم ما تخبئه له منة وما تخطط له , وأنها تضع اللمسات الأخيرة من السناريو.
ويكذب عبد الله أحاسيسه ويخدعهـا , فيبادر بإلتماس العـذر لها وتبرأتهـا أمام قلبـه ومشاعره .
فقـد أرتوت منـة بكثيـرمن كلام النـاس الجارح وظلمـهم وعيـونهم اللئيمة , ولـم تسلم من تجريح زوجته التى طالما جرحتها وظلمتها كثيــرا , حتى أن عبـد الله نفسه لم يسـلم مـن تجريحها.
نعم لقد ظلمت منة ومثلما فعلوا مع عبد الله , لكن منة لم تكتفى بظلم الناس له فإقتصت لكرامتها بكلتا يديها وإنتقمت منه شـر إنتقـام , ربما لاتقصد , ولكن هذا ما حدث .
وهى لا تعلم كيـف إقتـص عبـد الله لكرامتها مما له حـق القصاص فيهم ومـن نفسه لربما كـان
33
إنتقامها أقل ضراوة وشراسة .
وكلما يسألها عبـد الله عما أصـاب حبـها , تتهرب منـه بخــداع المحـب , ( معلش إستحملنى أنـا نفسيتى تعبانة ) , كلمات لايعـرف عبـد الله ما تخبئـه تحت ردائها فحاول كثيرا أن يتسلل داخـل رأسها ليقرئه , فكانت له بالمرصاد .
ويحـاول مـرارا وتكـرارا أن يعـرف منـها شيئـا يقتـل الخـوف فى قلبـه لكنها أبت أن تقحمه فـى حياتها مرة أخرى , وطوت سرها داخلها وأغلقت عليه .
وشعرعبد الله بالغربة , بأنه بات وحيدا , أحاط به الغيوم من كل جانب , أصابه الخوف والفزع جن جنونـه , فكل شئ فى الدنيـا يهون إلا فـراقها , فلاهنـاء ولاحيـاه دونها , فمنـة الـروح التى يحيا بها ,والقلب الذى ينبض ليدفع الدم فى عروقه , منة العين التى يرى بها النور, منة الملاك الذى هـداه لطريق النور والإيمان .
فما كانت حياة عبد الله قبل أن تزرع حبها فى قلبه إلا جوفاء فارغة لايشعربها وللموت والحياة كفتـان متساويان , ولكن بعـد أن نمى حبها فى قلبه ووجدانه , عشـق الحيـاة , وحرص على أن تكون حياته ملكا لها , وليس من حقه العبث بها ,وعاهد الله تعالى أن يعيش لها وللأطفالها وأن يفنى كل حياته من أجل إسعادهم .
وإعتقدعبد الله فى بادئ الأمر أنها عاصفة تمر فى سماء حبه وسوف تنقشع بعد قليل , وكلما شعر بالخـوف والرغبة فى البكـاء يذكره عقله بوعودها , فيطمئن قلبـه فثقته في منـة بلا حدود كانت تتخطى ثقته فى ذاته , فما كان يشعر بالأمان مع أحد مثلما كان يشعر به معها , لم يحاكى أحـد بقلب مفتوح مثلما حاكاها , ومـا بينهما كان أكبر من أن يفترقا أوتحنث بوعودها وعهودها يمكنه أن يصدق أن القمريطل نهارا ويختبئ ليلا , الشمس تغـرب فـى الصباح وتعود فى الليـل يمكنه أن يصدق أنه ليس عبد الله لكن من المستحيل أن يصدق بأن منة يمكن أن ترحل عنه ولم يكن يدرى أن منـة آخذة فى الرحيل ولن تعـود , حتى ولـو أفنى عمرا إبتاعه فـوق عمره راكعا تحت قدميها , حتى ولوعرض حياته ثمنا لبقائها , وغاب عنها أن تلك الحياة هى ملك لها .
وجائت ساعة الصفر , دوى صفير البروجى ودقـت الطبـول , وعلت الرايـة السـوداء وتجمعت المشاعر والأحاسيس , فقـد حانت ساعة إعـدام بـرئ , وإتخذت منـة قرارها وأبرمت إتفـاق مع قلبـها وكـل جوارحها على ذبـح قلـب عبـد الله بالسكين علـى المـلأ فـى سـاحـة أمـام مشـاعرها وعواطفـها , فوجـوده فى حياتـها بـات غيـرمـرغوب فيـه لتبكى السكين فى يد منـة وتتوسل إلى
عبد الله أن يسامحها , ودعت أن يكون عذابها عليه خفيفا , ثم مالت عليه وهمست فى أذنه ,مـا
34
بيدى ياعبـد الله إنها أوامـر نـورعينك منـة فلتسامحنى , فنظـرعبـد الله إلـى السكين وهـو يبكى وردد قائلا, ما كنت أتمنى أن تلطخ يدها بدمى وتحمل ذنبى أنى أخاف عليها من عذاب الضمير لكن إذا كـان عذابى يسعد نـورعيونى ويهنيـها فإفعلى بى ماشئت طالما وهبـت حيـاتى فـداء لهـا
وجثى على ركبتيه وسلم نفسه للسكين وهـو يبكى , فما كان يتمنى أن تكـون اليـد التى قبلـها هى نفس اليـد التى تمتـد لتزهق روحه وتقطع أوصال حياتـه وتطفئ نور عينيه .
وأغلـقت منـة الخط الـذى كـان بينهما , وحجبت عنـه رسائلها , ولـم تبـالى بدمـوعه التى تمطـر مـن أجلها وتوسلاته التى تهـز الجبال وتبكى عيون لاتملك من الدمع قطرة وداست بأقدامهاعلـى قلب أحبها لتسحقه حتى لايرى النور ما تبقى له من عمر.

ما أقساه من قـرار , أطاح بكل آماله وأحلامه , بكل الذكريات الجميلة التى كـانت بينهما والأيام القليلة التى تقدربعمرعبد الله لتحطم فؤاده وتحرق مشاعره وتمـزق القـلب الذى ينبض من أجلها ويهتف بحبها .
وتذكرعبد الله أنه قرأ يوما فى قاموس الحب جملة تقول ,(حبيبة اليوم سوف تحطم فؤادك غدا ) فصاح فى نفسه كلا, من المؤكـد أن صاحب هذه المقوله لم يقصد منة حبيبتى أنـما قصد من هم ببشر ولم يقصد الملائكة .
وحاول اليأس كثيرا أن يتسلل خلسة داخل قلب عبد الله ليهز إرادته ويقتل حبه ,لكنه ظل صامدا وكان له بالمرصاد وأصر أن يدافع عن حبه مهما كلفه الأمر فإنها فجيعة عمره .
وما كان أمامه إلا أن يلجأ إلى العصفورة التى صرعته أرضا حينما طعنته بكلمات كانت أقــوى من الخنجر المسموم , ( أنه من الأفضل لكليكما أن تبتعدا , منة لن تعيش بدون زواج , وسوف يأتيـها زوج المستقبـل وقد رأت أن تنهى العلاقة الآن حتى لاتكون صدمة لك فيما بعد ) .
تلقى عبد الله الكلمات كسيف يغرز فى قلبه , وأشعلت به نار الغيرة , وداركالمجنون كيف تقبـل منـة أن تكون ملكا لغيره بعد أن كانت ملكه , كيف يمكن أن تهب قلبها لغيره بعد أن سـكن قلبها كيـف يمكن أن تنشغل بغيره بعد أن كان هو كل حياتها كيف وكيف وكيف , وخرجت صرخـة مكتـومـة مـن أعماقـه لـم يسمع صـداها ســواه صرخـة تهـزالقلـوب التى لا تعـرف الشـفقة , لا والله إنه أقرب للمستحيل , لايمكـن أن تفعل منة بى هذا , فهى أرق وأنبل من أن تهيين كرامتى
لا أصدق أن تلقى بـى فـى جحيـم الغيـرة والحرمان وهـى تعـرف كـم أغـارعليها , لايمكن أن تتركنـى لوحدتـى ومذلـة الأيام وظلمـة الليـالى المـوحشة وبكى عبد الله بكـاءا شديدا فقد أحرقـت
35
قلبـه كلمات العصفورة , ولم يصدق أنه بعـد كل هذا الحب العظيم الذى إرتـواه منها وبعـد كـل هذه الوعود والعهود التى وثقها داخل قلبه وتشهد عليها الأيام والليالى أن تكون منة لغيره , لكن سرعــان ما تذكـر كلمات اليـأس التى كانت تـرددها دائمـا اليـأس الذى صنعته وزغرفته بيديهـا وتوجتـه بالأمل المفقود , وعندما هاجت أمـواج اليـأس هلعت وإستسلمت وإرتمـت فى أحضانها خـوفـا مـن المجهول , وتركت نفسها لتغـرق فى يأسـها وعندما مــد عبـد الله يده إليـها صـرخت وأشاحت بوجهها ناحية الأمواج فخوفها من المجهول حملها للأن تـأتمن للأمواج اليأس وتخـاف أحن قلب إليها وأبت أن تطاوعه حتى ينتشلها من يأسها وهى لاتعرف كيف تـطفو أوكيف تـعوم فلم تتعلم كيف تعلو وتدنو مع الأمواج العالية حتى تقذف بها إلى بر الأمان .
وإختارت منـة طريق اليأس وهـو أسهل الطرق , فاليـأس خسارة , والخسارة لاتحتاج إلى مشقة فيمكننا أن نخسر شيئا أو أشياء ونحن على مقاعدنا باسطى الأقـدام بكلمة بسيطة أو بفعلة ساذجة أما النـصر والمكسب فيحتاج إلى صبركبير ومشقة وهـذا مالم تكن تملكه منة .
واليأس والصبر أعداء من قديم الأزل , لايتفقان ولاتوجد بينهما هدنة .
فاليـأس شيـطان يدمـر رغباتنا وقد يعود بنا إلى الوراء , وعندما ينتصرعلينا نخسر شيئـا نريـده ويزج بنا لعالم الندم وعذاب الضمير .
وغاب عن وجدانها أن دنيا الحب الحقيقى لايجد اليأس فيه مرتعا ولاترعبه أحـداث أو تزعزعه أقاويل ,فالحب الحقيقى يقف أمام الزلازل والبراكين , يتحدى العواصف والرياح العاتية ويعلتى قمم الجبال .
وبعث إليها عبد الله بعدة رسائل يتوسل فيها بأن لاترحل عنه وتتركه وحيـدا فقابلته برسالة وهى غارقة فى يأسها ( أرجوك إتركنى أفكر بهدوء ) .
ويـقـرأ عبـد الله الرسالة المبـللة بدموعــها , ويـغوص فـى معـانى سطورها فوجـدها مضطربـة الفكـر , متوترة العواطف , إتـخذت القـرار وكما يقولـون فى الأمثـال عين بالجنـة وعين بالنـار فالخيـار بين مستقبلها وبين حبها لعبد الله خيـار صعب ؟ , لكنها وصفته خيار حتمى , بـصرف النظـرعـن من الـذى سيدفـع الثمن , وبصرف النظرعن عواقبه من إيـذاء وجروح أبدية لاتشفى لقلب وفؤاد وجسد من كان حبيبها يوما .
فـإذا كان الثمـن الذى ستدفعه منـة هـو الحرمـان , فإن الثمن الذى سيدفعه عبد الله هو الحرمـان
والإحساس بالقهر وهوأشد قسوة ومدى من الإحساس بالحرمان , فالحرمان يمكنه أن يذوب فى عالم النسيان أما الشعور بالقهر فليس له فى عالم النسيان مقــعدا ولايزول يزوال العمر .
36
وهنا يقف عبـد الله ويستحضر ذاكرته حينـما قالت له يومـا ليس لى فيـك خيارياعبد الله , واليوم تضعه منـة فـى خيـار بين الحيـاة والمـوت , بين السعادة والـذل والهـوان , بين الأمـل والضياع والتشبع والحرمان .

وتمر الأيام وعبد الله ينتظر مصيره المجهول , كمن ينتظر مولد البراءة من الإعدام إنـها كلمـة أو بضع كلمات سـوف تلوح بها منة من بعيد لتعيـد إليـه السعـادة التى طالماغابت عنه وإشتاقت إليه , أولتصيبه بطعنة فى قلبه لينزف إلى الأبد .
ولم يتوقف عبد الله عن توسلاته ورسائله التى لم تشعرصداها , ولم تهز مشاعرها لكن قلبه كان مليئا بالأمل بأن منة ستعود حتما فهى على يقين إلى أى مدى أحبها عبد الله ويغارعليها , وكم تساوى حفنة تراب وطأتها قدميـها , ربما أغلى من سنين عمره , أو ربما أكثر , وإلى أى مـدى سيكون عذاب فراقها عليه أليما .
ونظرعبـد الله إلى السماء ودعى , ( اللهـم أنـك أسـكنت حبـها فى قلبى اللهـم أكـرمنى ياصاحب الكـرم والعفـو , وإرضى عنـا وأجعلـها زوجـة صالحـة لـى , اللهـم إنـك سميـع الدعـاء يا أكـرم الأكرمين ) .
وجائت اللحظة الحاسمة , رسالة من منـة , رسالة لن ينساها عبـد الله مهما طال الزمان الرسالة التى حطمت كل شئ داخله , وآذته كثيرا ( عــارفة أد إيه الكلام قاسى , بس بأترجاك تسامحنى أنا بهرب منك ومن الذكريات , اليـأس صعب وأنت عارف إننا مش لبعض , والله حاولت كتير ما أجرحكش , بس ما فيش فايدة غصب عنى وأتمنى ربنا يسعدك حطمنك عليه عشان خاطرى بلاش نجرح بـعض , ولا نضعط على أعصاب بعض القرار صعب , وأنا رجعت فيه كتير بس المـرة دى خلاص , رجائى تسامحنى والله بحبك بصدق ) .
نزلت عليه الكلمات كالصاعقة فى ليـالى البرد القـارس , بكى عبـد الله كثيرا وتحطم فـؤاده ولـم يصدق ماجـاء بالرسالة فلم يجول بخاطـره يومـا بأن منـة يمكن أن ترحـل عنه , منـة التى تبنت سـعادته , منة التى صورت له بأن حياتها هى عبد الله , منة التى قالت له يوما أنى ملك لك منة التى قالت ليس لى فيك خيار يا عبد الله , منة التى ضحت من أجله, ولم تكن كلمة الفراق واردة فى قاموس حبهما .
لكن عبد الله بالرغم من جروحه وآلامه التى لايعلم مداها إلا الله تعالى ظــل صامدا وأصرعلى أن يستميت فى الدافع عن حبه ولم يفقد الأمل فلا يمكن أن تتخلى منة عنه بهذه السهولة , وكيف
37تكون الأيام والليالى بدونها , فقد باركت حبـه وتشبثت بـه ولم ترحل عنـه فى وقت كان الزواج فيه مستحيلا, فكيف تتخلى عن حبه فى وقت الأمل فيه متاح حتى ولو كان قليلا , وكيف تتخلى عنه بعد كل التضحيات العظيمة التى قدمتها إليه , فكان من الأحرى أن تسخرإرادتها القوية فى الدفاع عن حبها بدلا من أن تسخرها فى الرحيل عنـه .
ونـاشد عبـد الله قلبـها كثيرا , وتوسل إليها ما يليـن قلب الجبـل , لكنها أسـدلت الستار وأطفـأت الشموع وأغمضت عينيها وسدت أذنيـها وراحت فى أحـلامها لتسعد بها بعد أن حققت ما تصبو إليه وتخلصت من اليأس وتخلصت من هم كبير أثقل صدرها ! , وهدأت سكينتها .
ويصاب عبد الله بالتوتر والأضطراب , كره كل شئ , هام على وجهه تائها لايعى ماذا يفعل أو أين يذهب , ولمن يشكوا .

وتمرالأيام ومازال عبد الله يرفض الإستسلام للواقع المؤلم فكان يعزى نفسه بأن منـة لن تحتمل بعده , حتما ستشتاق إليه وتعود , وقريبا ستعود ,فلن يتركها الشوق لتنام فى سكينة وهدوء ولـن يصبرعليها عذاب الضميروهو يرى حبيبها يتلوى فى آلامه , وستطاردها الذكريات أينما ذهبت فيطول الليل , ويعزالنوم , وتتشتت الأفكار, وتعيش الصراع بين عقلها وقلبها , فحبها لعبد الله أقوى وأعمق من أن ترحل عنه أو تتركه لعذابه وحيدا .
وكلما تمرالأيام يكتشف عبد الله أنه عاش مخدوعا فى حنانها فمثلما كانت جبارة فى حبها جبارة أيضا فى قسوتها , تعرف كيف تقسوا بحـرفة وزوق رفيع , فقد فـاق قلبها قلب رجل جبـارعتى القسوة , كيف طاوعها قلبها أن يرى حبيبها وهو يتلوى فى جحيم فراقها دون أن تزرف عيونـه الدمع , كيف طاوعتها يـداها أن تطعنه فى أعماق قلبـه دون أن ترتعد أو تتردد كيـف أستطاعت عيونها أن ترى النار تحرق قلبه دون أن تغلق عليها أبوابها أو تبتعد بمقلتيها , أضاع الحنان من قلبـها ؟ , أم أنها لم تكن تملكه ! , وأيـن ما أسمتـه بعطفها عندما مـد يـده إليـها وركــع تحت أقدامها يستنجد ويستغيث بها أن ترحمه من عذابه وآلامه فأبعدته بقدميها , أكان مزيفا ؟ .
وهنا يتوقف عبد الله ويمد يده ليمسح دموعه التى لم تتوقف وقلبه ينزف ويصرخ من الألم ومن شدة آلامه وجروحه نظرإلى قلبه فلعنه وبصق فى وجهه وحمله مالا طاقة له به من لوم وعتـاب فلولاه ماعاش هذا العذاب الأليـم وتلك الأيام القاسية , لكنه عـاد وتراجع وألقى باللـوم على نفسه
كـان عليـه أن يحسم الصراع بين قلبـه وعقله مـن أول لقـاء بينهما مثلما فعلـت منـة , منـة التى إستطاعت بعناد وإرادة قوية أن تحسم الصراع بين عقلها وقلبها بقانـون الحياة وتركتـه لمصيره
38
المجهول بعـد أن ألقت به فى حفـرة عميقة مظلمة بعيدة عن الحياة , منـة التى عاندت قلبها ولـم تطاوعه وألقت بالحب و كل ذكرياته الجميلة فى بئر النسيان .
فالعنـاد إرادة قويـة مملوكة لدينـا , غرست فى قلوبنـا إما لنحقق بهـا شيئـا نريـده , أولنحطم بـها أنفسنا , وهاهـى منـة بإرادتها القويـة تحقق السـعادة لذاتـها وتحطـم قلبـا عشق ترابـها , فإتخذت جسده وأحاسيسه ومشاعره معبرا لهدفها ,ربما لم ترغب فـى ذلك لكنه الطريق الوحيد للوصول إلى غايتها لتحقيق الهدوء والسكينة والتخلص من اليأس والإغتسال من التجريح .

وتمـر الأيـام وتطول الليالى ويزداد الشوق والحنين إليها , وخرجت العيـون لتبحث عنها فى كل مكان حتى حفت أقدامها وإنزلقت فى دموعها , تسأل كل من يقابلها عن قـرة العين حتى قابلــت من يطـاوع سؤالها , قالـوا , لانعرف عنها شيئـا ولكـن سمعنا أنها طردت من كـان يسكن قلبـها فسألتهم العيـون , وأين الذكريـات التى تركها فـى مسكنـه , قـالوا , باعـت كـل الذكريـات لعالـم النسيان ولم يعـد فى قلبها شيئ له , فسألتهم العيون , وكيف حاله , قالوا , إنه يعيش الآن وحيدا بلاروح بعد أن ملئ الظلام دنياه , يتلوى فـى آلامه وجروحه ,خاصمه النوم وهجرته الإبتسامة وأصبح ذاده ذكراها , فدمعت العيون وسألت , وأين أجد هـذا الساكن حتى أدفئـه بحنانى وأسقيه مـن دمعى ربما تعـود الـروح إليـه ؟ , قالـوا , إسـألى عنـه الليـالى وجوبى الشوارع والطرقـات وعندما تسمعين صرخات قلب تعوى تعرفى أنـه هـو , لكنك مهما فعلت فلـن أن تعيـدى الـروح إليـه , فسألتهم العيـون , ومـن يستطيع أن يعيـد الـروح إليـه سـواى ؟ , قالـوا , صاحبـة الـرداء الأسـود ولا أحد سواها , فقالت العيـون , ولما طردتـه وجرحتـه وقـد أحبها حبا يفـوق حب كـل البشر ؟ , قالـوا , لانعلـم إنما سمعنا أنها كرهتـه وطـوت صفحته , فقالت العيون والدموع تنهار على خديها ألم تقـل لكم لماذا كرهته ؟ قالوا , لا , إنما طوت سـرها داخلها ولم تبوح به لأحـد فنظرت العيون إلـى الأرض بحسرة وكسرة قلب وحملت جروحها وعادت أدراجها وهى تسبـح فى دمـوعها فإتستـلقت على ظهـرها وأسـدلت جفونها حتى يأتى الصباح لتبحث عنها مـن جديـد

ولـم يجد عبد الله ما يطفئ نارالشـوق الهائـج سـوى أن يعيش بين رسائلها وذكرياتها , يقبلها ثـم يقرأها ثـم يعيدها مرارا وتكرارا وفى كـل مرة يقرئـها بفكـر وإحساس مختلف فيجد فيـها مفهوم مختلف تـارة يقرأ فيها حبـها العظيم الخالـد وتـارة على نقيض المعنى , أحيانا يقـرأ فيها أنها لن تتزوج وستبقى على حبـه , وأحيانا يشعر فيها بأنها مؤهلة للزواج , وقلما يسمعها تتألم لفراقـه
39
وكثيرا مـا يـرى سعادة الهجـرفى عيـون سطورها .
ويحتار عبـد الله ولايجد مـن يجيبـه على حيرتـه سوى البكاء بحرقـة , وما أشـد عـذاب المظلوم والمغلوب على أمـره عندما يصرخ فى الفـراغ البعيـد .
وكلما يراجع عبدالله شريط الأحداث أمام عينيه يصاب بالذهول , إنه يحكى كلام مجنون , كلام لايصدقه عقل ولايصاحبه المنطق , يحكى أن منة لم ترحل عنه بل تخلصت منه , ربما باركت فيـه روايات النـاس وأقاويلـهم , ربما كـان عائقـا , أو ربما أصبح عبئـا ثقيـلا على حياتها فحق لها التخلص منه .
ورحلت منة فى صمت دون أن تودعه , تاركة ورائها قلب جريح يدمى إلى الأبد ليعود عبد الله للصراع من جديد , فقد كتب على قلبه الشقاء , لكن الصراع هذه المـرة صراع القلب المجروح مثـل صراع الجنـدى المصاب عندمـا يخوض المعـركة بجسـد ممـزق وقلـب ينـزف , وصـراع المريض مع داء قاتـل لاشفاء لـه وهـو ينتظر حتـفه , فبعد أن أذاقتـه طعم حبـها الطاهـر وذاب فى سحرعيـونها وسبـح فى بحـر حنـانها وعاش معها فى جنـاتها أسعد وأجمل أيـام عمـره كيف يمكنه أن ينساها مهما طالت الأيام ومرت السنين .
ولم يكن من العـدل أن يحكم عليـه بالاعـدام دون محاكمة أو دون أن يتلى عليه ذنبـه وهذه أبسط الحقوق فربما فتن بينهما , وربما , وربما , أمور كثيرة .
وما زاد من آلام عبد الله هو أن منـة لم تكتفى بعذابه وآلامه وهمومه وآثرت أن تغـرز أظافـرها فى جروحه الملتهبـة , فأمطرته بوابـل من التجريح بأدب بالـغ وزوق رفيـع , ولم يكن التجريح مقصودا لشدة حيائها ورقتـها وحتى لانثـقل كاهلها بظلم هى بريئـة منه , إنما كانت تهـدف قطع ما بينهما بكل الوسائل المتاحة مهما كان الثمن حتى ولو أدت إلى تجريح عبد الله , إلا أنـه آلمـه كثيرا .
وتمـر الأيـام وتتوالى الأحـداث وجـروح جديدة فى قلـب عبـد الله .
ففى يوم توجه عبـد الله لمقابلة مديـرالشركة التى تعمل بها منـة لوجود علاقة عمل بينهما , نزل عبـد الله مـن سيارته أمـام باب الشركة ثـم رفـع عينينه ونظـر إلى المبنـى بحسرة وقلـب منكسر فشـعر بضيـق فى صـدره وسـأل نفسه , أمـن العـدل أن تكون نـورعينى منـة داخل هـذا المبنى ولا أستطيع الإقتـراب منها أو الأطمئنان عليـها ! , وشـوقى إليها يمـزقنى , إليس هـذا بظلــم ؟
وبقدرما تمنى عبد الله فى تلك اللحظة أن يراها , بقدرما دعى الله تعالى أن لايضعها فى طريـقه فلـن يحتمـل قلبـه صدمـة تجريحية أخـرى , فسـارناحيـة مكتب المديـربخطوات مسرعة حتى لا
40
يصطدم بمخاوفه , لكن القـدركـان لـه بالمرصاد وأصرعلى حرمانـه من راحة البال وأن يحمله
عذابا فوق عذابه , فما أن وطـأت قدمـاه مكتب السكرتيرحتى تسمرت مكانها وشـعر بقلبه يسقط بيـن قدميـه فقـد حدثت المفاجـأة التى طالما حـاول الهـروب منـها وأصطدم بمخاوفه اللعينـة فقـد شـاهد منة أمامه ويدها معلقة على أكـرة الباب إثناء خروجها من مكتب المدير , ومـا أن أغلقت الباب ورائـها وأدارت بوجهها حتى إلتقت أعينهما فبـدى عليها إرتباك شديد وتوقفت بلا حـراك وإرتعدت أطرافها وعلت نبضات قلبها ليسمعها عبد الله من بعيد , فقـد هزتها المفاجأة ولـم تعى كيف تتصرف .
وسرعان ما أفاقت من هول المفاجأة وألقت بنظراتها على الأرض ثم أسرعـت بخطواتها متجهة ناحية الباب وعينا عبد الله تتابعها بحسرة وألم رهيب , ومرت بجانبه وهى تحاول أن تبتـعد عن جسده , وألقت عليـه التحيه بصوت متعسر خافـت ترتعش نبراته دون أن تمـد يدها إليه أو ترفع عينيها فـى وجهه , رد عليها عبـد الله التحية وخشت يـداه أن تمتـد إليـها لتصافحها , فقـد أنتابـه شعوربأنه أصبح غريب عنها , وربما تهينه أوتجرح قلبه أو يسبب لها حرجا , ولم يكن مستعدا ذاك الوقت لتلقى طعنة جديدة وظل يتابعها بنظراته حتى غابت عن عينيه .
ودمع قلب عبد الله , فبعد أن كانا روحا واحدة فى جسدين , بعد أن كان يعتلى عرش قلبها وبعد أن كان كل حياتها وأملها وأحلامها والرجل الوحيـد الـذى إختـاره قلبها بمحض إرادتـه دونا عن رجال العالم والقلب الوحيـد الـذى إطمئن إليه قلبـها ونـام على صدره وإرتاح إليه وسـمح له بأن يسكنه , أصبح آخرالرجال الذى يمكن أن تسمح له بلقاء صوتها , أصبح آخرالرجال الذى يمكن أن تسمح لعينيها أن تلتقى به , أصبح عبـد الله الغـريب .
غريبة الأيام ,عجيبة , بتلف وتدور بينا , وتودى وتجيب فينا ,وأحنا لاحول ولا قوة لينا, عجيبة الأيام , عجيبة .
دمعت عين عبد الله ودخل مكتب المدير وهـو لايصدق ما حدث , لم يطاوعه عقلـه أن يستوعب جحودها , فمـاكـان على منـة أن تعاملـه بكل هـذه القسوة , مـاكـان على منـة أن تهينـه وتجـرح
مشاعرة وتذل كرامته وهى تعلم علم اليقين مقـدارها عنده , فقـد أحبها بكل أنواع الحب كانت له بمثابة الحبيبة والإبنة والأم والأخت والصديقة , لـم ينظر إليها يوما نظرة قـد تجرح كبريائها وتهين كرامته , لم يسئ إليها يوما بكلمة أو بفعلة , وأيا كانت الإسباب والأهداف , فقـد جرحته جرحا لاتداويـه الأيـام , شعرعبـد الله برغبـة شديـدة فى البكاء , جلس علـى مقعـد بجانب مديـر الشركة ومال برأسه للأرض حتى لاترى الدموع وهى تنساب على خديه , وبـدا مضطربا وفى
41
حالة نفسية يرثى لها لايعرف ماذا يفعل لقد أهانت الصدمة كبريائه وجرحت مشاعره,فصرخـت فيه آلامه أن يتصل بها ربما يستطيع أن يلتمس لها عـذراعلى ما بدرمنها ,ترددعبد الله فى بادئ الأمـرلكن الجـرح كان أقـوى وأعمق من بكاء المشاعر , فأخرج الهاتف من جيبه وطلب رقمها ولأول مـره منـذ أن أحبـها تغلـق الهاتف فى وجهه ومن الرنـة الأولى ليتلقى الصدمة الثانيـه فى نفس اللحظة ,وإتشتعلت الناربقلب عبد الله وإرتعشت يداه وعاود الإتصال بها كالمجنون فأغلقت عليه , ويكررها عـدة مرات حتى تـرد عليه ,لكنها أبت , وبيد ترتعش والبكاء يسد حلقة , أرسل لها عـدة رسائل يتوسل إليها أن ترد عليه , يريد أن يعرف ماالذى أصابها وما الإثم الذى إقترفه حتى أنها لم تسمح لعيونهـا أن تلتقى بعينيه , ولكن يبدو أن منـة أرادت أن تسكت عبـد الله للأبـد فقذفته برساله تقول فيها بنص الكلمة ( أنا بخير لعلك تكون بخير وما تتعبش أعصابى لاترن ) وكانت الضربـة القاتلـة , الضربـة التى كسرت قلـب عبـد الله وأحرقتـه ليغيب النـور عن عينيـه لحظات ,وتظلم الدنيا فـى وجـه فخرج مسرعا من المكتب دون أن يعى لماذا جاء ولما يرحل لم يستطع أن يكتـم بكائـه فخـرج يجـرى كالمجنون لايـرى أمامه , شـارد الـذهن , تائـها , يريد أن يصرخ مـن الألام التى تجيش بصدره وسار يحمل قدميه التى لـم تعـد قـادرة على حمل جسـده الضعيف وركب سيارته وهـو لايعرف إلى أين يذهب , لايريد أن يرى أحدا أو يراه أحد ,تمنى فى تـلك اللحظة لو آتتـه المنيـة قبـل أن يـرى هـذا اليـوم فالموت أرفق بجسده وأرحـم لعقلـه من جراحها وظل يبكى بحرقة ورفض أن يصدق ما حدث .
لكن المعنى الوحيد الذى عكسته تلك الجراح المؤلمة وآمن بصدقها , هو أن منة كرهتـه ولم تعد تريد رؤيتـه أو سماع صوتـه , شيئ لايصدقه عقـل .
وكلما تمرالثوان كلما تزداد حالته سوءا , وبـدأ يتفاعل مع نفسه ومع الأحداث بعصبية بالغةحتى أصيب ببصيص مـن الجنـون اللحظى وصاح فى نفسه بلغـة هيستيرية أتحملين كل هـذه القسـوة يامنة ولم أكن أدرى ! , حبك الكبــيــــــــــــرالعظيـــــــــــــم دا كله وحنانك وخوفـك على كـان وهــم كنت عايش فيه ؟ , وكيف طاوعك قلبك يا قـرة عينى على ذلى وإهانتى وماذا أقول لذاتى أأقول خدعتك منة , أأقول باعتنك منة , لا , أستحلفك بالله , لاتقولى شيئا فلن أسمعك , كفى ما بصدرى من ألم ربماأكون قد طالنى الجنون , ولكن لاتبررى فعلتك التى أهانتنى وذلت كرامتى
حبك لى كان غلطة دفعت تمنها لوحدى , سامحينى على حبى سامحينى إن كنت بكيت , لو كان
فى قلبك رماد الحب ما كنت إتأذيت , حبيت فيك الحنان ماحبتش فيك القسوة , حبيت فيـك حبـك وكرهت فيـك النَسْوَة , لم أكن أستحق منك كل هذه الجروح والإهانات والذل , لاعنيكى تعـرف
42
تبكـى , ولاقلبـك يعرف مين أنا , أنا من أحبـك بكل جوارحه , أنا من أخلص فى حبـك وطـاوع
هدايتـك , أنا من كان أمينـا وصادقا معـك , أنا مـن عرض أن يركـع تحت قدميك , وأنا مـن لـم يرضى بظلمك بما أحقـه الله .
ويحاول عبـد الله أن يتوقف عن البـكاء دون جدوى , وسار يجـوب الشوارع بسيارته دون غاية
سوى أنه يريد الهروب من نفسه ومن كل شئ حولـه .
وعندما شعر بالإرهاق توقف بسيارته على جانب الطريق وحاول أن يهدأ من روعه حتى أفـاق وعـاد إلى رشده وبـدأ يفكـر بعقلانية وواقعية تـارة وعصبية تـارة أخـرى وبركان الألـم لايـزال متوهجا فى قلبـه .
و بالرغم من ألامه وجروحـه أبى عبـد الله أن يظلم نورالعين وعـاد ليدافع عنها أمام عقله وقلبـه ويقسم لذاتـه وكل جوارحه بأنه ليست منـة التى تقسوا أو تخدع أو تغدرلابد أن هنـاك شيئا أقوى من إرادتها دفعها إلى الرحيل بعيدا , لابد أن هناك ما هوأقوى من حنانها أمرها بأن تقسواعليه لكن أيا كانت الأسباب يا أميرتى فالقسوة فاقـت طاقتى , فلمن أشكى , أأشكى للأيـام السمراء أم أشكى لمن روتنـى الذل والهوان أشكال وألـوان .
وعـاد عبـد الله ليجـوب الشوارع ذهابا وإيابا مرة أخرى , بعـد أن هـدأ وإنتقل من حالـة الجنون والإضطراب إلى اللامبالاة , لايشعر بشيئ سوى ثقـل أصاب جسده ورغبـة فى أن يستلقى على ظهره ويغمض عينيه , حتى آلامه لم يعـد يشعر بها كل شيئ هـادئ من حوله فتوجه إلى مكتبـه بالشركة .
وبعـد عـدة محاولات إستطاع الإتصال بالعصفورة التى كانت تعانى من المـرض فى ذلك اليـوم وقص عليـها مـاحـدث وطلب منـها أن تسـألها , لمـا ؟ , ولـم يكـن فكـرعبـد الله فـى ذلك الوقـت ينحصرفى رحيـل منـة , إنما هى مخاوف من أن يكون قـد أسـاء إليـها دون أن يـدرى أو يقصد فمادامت منـة قـد آثرت الرحيل , فلترحل دون أن تحمل ضغينة ضده فهـذا مالا يحتمله , تمنى لـو تعلوا الإبتسامة شفتاها عندما تلمح طيـفه يوما يهل من بعيـد , تمنى أن تذكره خيرا إن طاف بخاطرهـا يوما , فربما يتحمل أن يرى الكره فى عيونها لكنه لن يحتمل نظرات إحتقارقد تبعث بها إليه , ووعدتـه العصفورة بأن تتصل بها وتسألها , لكنها لم ترد عليه , فإتصل بها فـى اليوم التالى فإعتذرت لـه بأنـها لـم تستـطع الإتصال بمنـة لشدة مرضها وفـى اليـوم الثالث والرابع لـم تـرد العصفورة على أى إتصالات لعبـد الله فشـعر بأن هنـاك شيئ غامض قـد حدث وفى اليـوم الخامس كررعبد الله إتصاله بالعصفور ففتحت عليه الخط وما أن سمعت صوته حتى أغلقته .
43
بدأ القلق والتوترعلى وجه عبد الله وعاود الإتصال بها عدة مرات لتغلق الهاتف فى وجهه فأيقن بأن العصفورة قد تبعت منة لتجرحه هى الأخرى وتتوالى الضربات فى قلب عبـد الله .

وتمـر الأيـام والليالى , والآلام تزداد , وأشتهت العين لرؤياها , وتعطشت الأذن لسماع صوتها الرقيق والشعور بالظلم والقهر يمزقه , ولكن من يسمعه , ومن يشعر بآلامه .
ربما تعتقد منـة أن عامل الزمن كفيـل بأن يعالج جروحه ويطـوى عذابـه وآلامه ويأخذ بيـده إلى عالم النسيان , أو أن الزمان كفيـل بأن يمسح دموعه فتعود إليه السعادة والبسمة من جديد , كـلا والله لـن تعـود السعادة والبسمة دونها مهما طـال الزمان وبعدت السنين , فما مـن بسمة ترسمها
شفتاه إلا هى ستار مزيف لايشعربها إنما لترضى ذاته وكبريائه بعد أن طردته من حياتهاوحتـى لايكون عبئا على الآخرين , مثلما أصبح عبئاعلى حياتها , والموت أقرب له من نسيانها .

ويعيش عبـد الله أيامه ولياليه فى صراع بين الحرمان وشوقه إليها الذى يزداد مع دقـات عقارب الساعة , وبين الإحساس بالظلم والقهر فقلما يزورالنوم عينيه , وإن زاره يوما يأبى أن يطاوعه حتى لاتبتعد عيناه عن رؤياها , وأذنه عن صدى صوتها , وأصبح ذاده ذكراها .
وكلما تمرالأيام كلما تـزداد جروحه آلاما وتتراقص الظنون والهواجس أمام عينيه وتحت أقدامه فصاح يبحث عن قلب يسمع شكواه دون جدوى , فبدأ يكتب رواية حبه , فإكتـشف فيـها السلوى ووجد فيها من يسمع شكواه ومتنفسا للألامه فبدأ يحاكى لها كل مايجيش بصدره وجحود منـة له وقسوتها عليـه , فتأتيه منـة وتخايله على صفحات الكتاب , فتجف دمـوع العـذاب وتسيل دمـوع الفرحة ويشعر بالراحة والأمان فيترك قلمه وينحنى على يداها يقبلها ويحاكيها ويشكى لهاعذابـه وظلـم الأيام ويطلب منها الصفح والغفـران .
وظن عبد الله أنه عندما يزورمسكنها من بعيد ربما تهدأ نار قلبه المشتعل ويشعر بلهيب أنفاسـها وبقربها منـه وبأنها مازالت تحبـه وعلى عهـدها بـه , لكن الشك والظنـون لم يتركوه على حالـه وتربصوا به , فكلما وجـد سيارة غريبة تقف أمـام منزلها يظن أنها سيـارة لشاب أو زميل تقــدم لخضبتها, وعندعودته فى المساء المتأخرحينما يلمح نافذة مسكنها وقد أضائت شموعها يظن أنه معهم والطـرحة بين يديـه وهى تنظـر إليها وعينـاها تبـرق من الفـرحة , وعنـدما لايجد السيارة الزرقاء يظن أنهما معا وعيناها فى عينيه والسعادة تبتسم على شفتاها .
أصبح يفصله عن الجنون خيط رفيع , سوف ينقطع دون أن يشعر ما لم تكن هناك وقفة حاسمة
44
مع نفسه ومع ذاته ويرضى بقضاء الله وقـدره , ليبقى السؤال حائرا هل سيستطيع ؟ .
ويـوما إشتاق إليها عبد الله بجنون , فطار بسيارته ليقف أمام منزلها من بعيد ونظـر إلى النافـذة
التى تطل على حجرتها وبكى بحرقة , وناجاها بقصيدة يتوسل إليها ويسألها الرحمة من العذاب
ربما يحن قلبها لندائه أو يسمع بكائه , لكن القلب لم يكن موجودا ! .

عــــــــــودى

يَاقرَة ُالعَين ِعــُـــــــــــــــوِدِى فقـُرْبكِ لفـُؤادِى كـَانَ مُخْتـــَـارُ
يابَدْر ِالبدُورعـُـــــــــــــــودِى فَبَعــدُكِ ما بدربى أَنــــْــــــوارُ
عُودِى لفـُـؤَادٍ عَشِقَ هـَــــوَاكِ وجَثـَى عَلى الأرْض ِإخْتيــَــارُ

مَا فى رَحِيلُكِ مِنْ عِــــــــــــزٌ ومَا عَفْوُكِ يُقِلُ مُقـــْــــــــــــدَارُ
كمْ عَزَ فى قلبِى رُؤيـــَــــــاكِ ترْحَلى وكُنتِ لِى مَنــــــــَــــارُ
أبْحـَـرْتُ بسَفينتِى فى الظـَلامِ فكانَتْ هِدَايَتــُكِ لـِى فَنـــَــــــارُ

أِحْترْتُ فِيكِ وَأنتِ مِنــــــِـــى حَتىَ ضَاقَتْ فى رَأسِى الأفْكارُ
رَحَلتِ عَنِى مِنْ زَمـَـــــــــــن ٍ فإشتاقتْ العَيْنُ لكِ يَاجَـــــــــارُ
خَوْفِى عَليْكِ يُمَزِقُنــِــــــــــــى والأخْبَارُ فِيكِ تحْتـــــَــــــــــارُ

كـمْ أضْنانِى الهَجـْرفى بُعـْـدَكْ وكـمْ زادَنـِى الحُـزْن سـمـــارُ
شربْتُ كأسَ الهَوَان فى حُبُـكَ وفى بُعْدَكَ مِنَ العَذابِ أعْمـَـارُ
إرحمى ضعفى فى قلبــــــــى أمـــا لى فى قلبـــكِ مقـــــــدارُ

فلتـرحمى قلبـى من ألـــــــــم صـــار فــــــوقَ الإحتمـــــالُ
أمـــا بقلبــك مـن عفــــــــــــو فصاحب العفِـــــــو جبـــــــارُ
فكــــــــم مــن عزيـــــــز ذ ل إنـمـــــــا الأيــــــــــــــامُ دوارُ

سَـألتـُـك وفـَـــاءَ عَهــــْـــــــدِى فحَاكيـــْتُ قلــُــوبٍ صَمـــــَــاءُ
لـَـوْ عَادَ الشَبَابُ مِنَ المَـــشِيبِ مـَـا كُنـْتُ فـى حُبــكِ أحْتـــــَـارُ
كـمْ عَاشَ الحُبُ فـى قلبــــُــكِ أضَـــاعَ أم فِيـــــهِ آثـــَـــــــــارُ

كَتبْتُ بدِمُوعِى رثـــَـاءَ قلبــِى حَتىَ جَفَتْ مِنْ عَينَى الأحْبـَــارُ
مَلئـتِ مـِنَ الدَمْـعِ عُيـــــُــــونٌ ودَمْعِـى عَلـَى العُمْـرُ مَـــــــدَارُ
لـْـوْعَــــادَ الزَمَـانُ للــــْـــــوَرَا مـَـا كـَــانَ حُبــُـكِ أخْتـــــَـــــارُ

**********
وجهش عبد الله بالبكاء ودعى لها من أعماق قلبه بالخيروسامحها على ما أصابه بصدق وصفاء نية وعاد أدراجه مكسوراكيتيم العائلة وهـويبكى على حاله بعـد أن أيقن أنه يناجى سراب, فمنة لم تعد منة التى أحبها ولم تعد تدرى به ولم ولن تبكى عليه يوما بعد أن طردته من حياتها نهائيا
ولبست ثوب حياتها الجديد بعيدا عنه , الثوب الوحيد الـذى لـم يختـاره لها عبد الله ليصبح ماض بذكرياته الجميلة والحزينة , ومضت لحياتها ربما تتذكره أو ربما يجول بخاطرها أحيانا بعد أن حرمتـه من السعادة وراحة البـال , وسلبته كل شيئ جميـل حتى من أطفالها الذين أحبـهم وعاش معهم فى مخيلته بكل كيانه ووجدانـه , ولم تبقى له شيئـا يعيش من أجلـه سـوى الدمـوع واللآلام فبرحيلها رحل عنه ما كان يسعده ويبكيه وتهدم قصره الذى شيده بأحلامه وزينه بأجمل وأروع إمــــرأة فى الوجـــود .
ومضى عبد الله يسير فى طريق اللاعودة , بكل آلامه وأشواكه وحيـدا ممزقا لايعبأ لشيئ سوى جروحه العميقة والذكريات التى تـؤرق نومه وخسارته الفـادحة , وبالـرغم من جروحه الملتهبة وكيانه الممزق وقسوتها إلا أنه لم ييأس ولم يفقد الأمل مهما طال الزمن .
ربما تذوب فيها القلـوب لكنها لن تجد قلبـا أبـرح من قلبـه , ولا حبـا أعمق من حبـه , ولاحنانـا أوفرمن حنانـه .
وبـدأ عبد الله يحتضن جروحه وآلامـه ويعيـش مع ذكرياتها وهداياها , فـى الليـل يتربعـون معه على مخدعه يرتمى بين أحضانهم , يقبلهم ويشكى لهم قسوة منـة وما فعلته به , ويبـكى ويبكون معه , فوجدهم أحن عليـه منها , ولولاهم لفقد عقله .
لقد قاوم عبد الله رحيلها بكل قوة وبكل جوارحه وطرق كل الأبواب لكن إرادتها كانت أقوى من
45
عواطفها وكبـريائها أعظم من حبـها , ليـعود من منتصف الطـريق حامـلا جروحه وآلامه ونـار لاتنطفئ .
ولا يلمن عبــد الله منـة , فهـذا حقها فـى الحيـاة , وهـذه رغبتـها وإختيارها , بـل كثيرا مـا كـان
يصف نفسه بالأنانية والجبن , يطلب منها أن تبقى له وهى تصغره بأعوام وأعوام , وأن تصبر والعمر ربما أقصر من أيام صبرها .

وحقيقة هى أقرب إلى الخيال أن الله تعالى أنعم عليه وعوضه برؤيتها فى المنام كل ليلة وعندما لاتأتيه فى المنام يوما يعلم بأن الله تعالى غاضب عليه فيطلب منه تعالى العفو والمغفرة ويدعـو لها وللأطفالها فى كـل صلاة بالخير والسعادة , فهى من أهدتـه إلـى طريق النـور والإيمان بالله تعالى .
وهكـذا أصبح عبـد الله يمضى أيامه ولياليه بين آلامه وجروحة وذكرياتها الجميلة ولم يفقـد أمله فقـد أحبـها حبـا طاهـرا مخلصا خالصا , ويعيش الآن على عهدها وأيمانـه بالله ودعائـه فى كـل صلاة أن تعود منـة الله إليه زوجة صالحة فإنه لايرى سواها .

لو أمرنا الله أن نسجد للمرأة لسجدت لها ولن أرفع هامتى حتى تأتينى منيتى .

هكذا أحب عبد الله منـة .


@






46

إلى سيدة النساء
منة الله


دعوت لك هذا الدعاء وأنا ساجد بين يدى الله تعالى راجيا أن يتقبله


اللهـم بـارك فيـها وإحفظها , اللهـم زدها إيمانـا وتقـى فهى خيـر خلف لخيـر سـلف اللهـم إجعلها من عبـادك الصالحين وأحسن خاتمتها , اللهـم ضاعف من حسناتها عنـدك وإحفظ لها مكانة عظيمة فى جناتك وقها عـذاب النار , اللهـم أبعـدها وأبعـد عنها عن كل شـر , اللهـم أبعـدعنها كـرب الدنيـا وبلائها , اللهـم أبعـد عنها الحاقدين والحاسدين وقهـا شــرالأعين كما
نزعت الحقد والغل من قلبها , اللهـم زدها علما ونورا , اللهـم أرزقها من نعمتك و بارك فـى رزقـها , اللهـم لاتشـمت فيـها أعدائـها , اللهـم أبعـدها وأبعـد عنـها كـل مكـروه هـى
وأطفالها يـارب العالمين , اللهـم أغفـر لها خطاياها وما تقـدم من ذنـب وما تأخـر , اللهـم إحفظـها مـن المـرض وأعفـها مـن كـل داء , اللهـم حقق لها أمانيـها , اللهـم أنـر طريقها اللهـم إجعلها نـورا لكل محتـاج , وهدايـة لكـل مـن عصاك , و بسمة لكل حزين وناصرة لكل مظلوم , وأمل لكل يائـس , اللهــم أستـرها فـى الدنيـا , اللهـم بدل سيئاتها بحسناتـى اللهـم بـارك لها فى أولادها وأحفظهم مـن كل مكروه , اللهـم أنى أدعــوا لهـا وهى أفضل منى عنـدك وأقـرب منى لك , فهى مـن أعـادت الإيمان إلى قلبـى وحملتنى مـن العصيـان إلى التـقوى , فأنعم عليـها بخيـر نعمك , اللهم بـارك فى عمـرها وأهـدها ما تبقى لى مـن عمرى اللهـم تقبـل دعائـى ياسميع الدعاء ياأكـرم الأكرمين .
اللهم آمين
47

إن تحطـم فـؤادك يوما فتـذكـر أنـها أسعدتـك قـدرا من الحيـاة , فإن كان حبـك صادقـا فإعلـم بأن روحـك ستبـقى عالقـة بيـن يديـها إلى أبد العمر , فكن كريـما وأدعـوا لها بالخيـر ولا تنزلق بقدماك فى عالم الغل مهما كانت آلامك وجروحك , ومهما طالت الليالى .
كـفى أن تـركت لك الأحـلام لتعيـش فيـها وتـسعد بـها , وإن جرحتـك الذكريات يومـا فطـوقها بذراعيـك وخـذاها بيـن أحضانك وتخيلها من أحببت ستعود إليك الإبتسامة وستشعر بقربها منـك , ربما لاتتعانق القلـوب , لكن الـروح ستظل بينهما ولن تغـرب شمس الذكريات الجميلة مهما طالت الأيام وبعدت السنين .
وإن إستطعت **** فإنسى الدموع والآهات وتذكر خير الذكريات .
ربما لاتلتئـم الجراح لكن الذكرى الجميلة ستبقى بلسم للآلامها
وإن عادت الروح إليك يوما فضمها بين ضلوعك ولا تلومنها , فقد عادت , وأعادت لك الحياة .
@
إعتـــــــذار
أعتذر لبطلة الرواية إن كان قلمى قد أساء إليها بكلمة أو معنى
أو كنت أسأت إلى قدرها .












48
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25-01-2011, 03:06 PM
أبو تركي أبو تركي غير متواجد حالياً
إبن البوابة البار
 
تاريخ التسجيل: Apr 2002
المشاركات: 6,584
افتراضي

حياته بؤس وشقاء .. حزنه تجاوز الحدود .. عقله اصيب بالجمود ..
لم يعد يدري اين يكون .. تاه في صحراء الضياع .. ويقال انه في بحر الهوى غريق ..
مسكين عبدالله ,,, مسكين يحمل حزنه وآهات السنين في سفر والا حيث يقيم .



الفاضل / عبد الرحمن السيد ,,

انت ,,,
رائع ونحن سعداء بالرائعين ,,
مبدع ونحن نفخر بالمبدعين ,,
ممتميز ونحن نهيم بالمتميزين ,,

كاتب متميز صاحب قلم راقٍ وجميل
اسلوب ينم عن قدرةٍ فائقة في السرد والتصوير
نقول لك اهلاً وسهلاً بك بيننا وما اسعدنا بك
اخاً كريماً وصديقاً عزيزاً وأديباً أريباً بك بيننا.

دمت بود.
__________________

وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا
.. الآية

ملاحظة ...
رد الجميل لبوابة العرب واجبُ تفرضه ابجديات
مبادئنا العربية الخالدة وقيمنا الأسلامية السامية.

وما من كاتب إلا سيبلى ويبقي الدهر ماكتبت يداه
فلا تكتب بخطك غير شيء يسرك يوم القيامة ان تراه




رد مع اقتباس
  #3  
قديم 25-01-2011, 05:28 PM
عبد الرحمن السيد عبد الرحمن السيد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
الدولة: الإسكندرية
المشاركات: 95
افتراضي أخى أبو تركى

أخى الفاضل أبو تركى
أولا أشكرك على قرائة روايتى , وأشكرك على ثنائك العظيم لقلمى , رأيك وسام على صدرى أعتز به طالما حييت , لقد إرتميت فى حضن منتداكم الموقر لأ تعلم منكم الرقى فى الأدب والشعر أكرر شكرى أخى الكريم ولك منى عظيم تحياتى

أخوكم فى الله
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
رجال نصروا الإسلام ( مصر - الخليج - الشام ) .. !! نعيم الزايدي منتدى العلوم والتكنولوجيا 65 28-07-2011 08:04 PM
الأجور المضاعفة في الميزان : @عبد الله@ منتدى العلوم والتكنولوجيا 3 03-04-2011 11:25 PM
✿ أربعون حديثاً قدسياً وأربعون حديثاً في الأذكار ✿ رحيق الأزهار منتدى الشريعة والحياة 2 27-03-2011 04:51 PM
في بستان النبوة / صفات و عبرعن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أم بشرى منتدى العلوم والتكنولوجيا 2 02-03-2010 02:11 PM
من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم abu mamoon منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 24-06-2001 11:44 AM


الساعة الآن 02:02 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com