عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات الشـــرعيـــة > منتدى الشريعة والحياة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 08-07-2019, 06:20 PM
abeer yaseen abeer yaseen غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2018
المشاركات: 46
افتراضي تربية الأبناء في عصر الحضارة الاسلامية ج2




وعن غرس آداب التعامل للأبناء مع الناس كافة و خاصة الصبر عليهم وقوة التحمل لهم وحسن الظن بهم يقول الشبلي :
ثم اعلم أن التصوف له خصلتان : الاستقامة* و السكون عن الخلق فمن استقام وأحسن خلقه بالناس وعاملهم بالحلم فهو صوفي والاستقامة أن يفدي حظ نفسه لنفسه وحسن الخلق مع الناس: أن لا تحمل الناس على مراد نفسك بل تحمل نفسك على مرادهم مالم يخالفوا الشرع" ([44])
وفي هذا الصدد يعلم تلميذه آداب التعامل مع المخالفين معه وذلك بالنأي عن مناظراتهم أو الجدال معهم وإنما تقبلهم كما هم مع احترامهم وفي هذا يقول: " أما اللواتي تدع فأحدها ألاّ تناظر أحدًا في مسألة ما استطعت لأن فيها آفات كثيرة فإثمها أكبر من نفعها إذ هي منبع كل خلق ذميم كالرياء و الحسد و الكبر و الحقد و العداوة و المباهاة وغيرها " أما إذا كان ولابد من هذا الجدال فعليه أن يتحلى بسعة الصدر التي تجعل هدفه الوصول للحق وتقبله ولو كان على لسان خصمه وفي ذلك يقول: " نعم لو وقعت مسألة بينك وبين شخص أو قوم وكانت إرادتك فيها أن تظهر الحق ولا يضيع جاز البحث لكن لتلك الإرادة علامتان:
إحداهما: ألا تفرق بين أن ينكشف الحق على لسانك أو على لسان غيرك .
والثانية: أن يكون البحث في الخلاء أحب إليك من أن يكون في الملأ.
ثم يذكّر تلميذه بما قيل لعيسى بن مريم: " يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس و إلاّ فاستح من ربك" ولاشك أن الجهر بالمعارضة للآخرين و التعصب للرأي الواحد و الدفاع عنه وأن يجعل الإنسان من نفسه واعظا يفرض آراءه على الآخرين في الوقت الذي لا يلتزم هو بما يقول كل ذلك وسائل تعوق سير العلاقات بين الناس في تعاون وتلاحم وإنما التنافر والتباعد والعداوة التي هي من القواطع لأواصر الترابط بينهم وهذا ما حذر الغزالي تلميذه منه مؤكدًا على الإقتداء بالرسول r و الذي يقول: " نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم" ([45])
وابن أبي الدنيا في كتابه " مداراة الناس" والذي يعد بحق فنا في حسن معاملة الناس وكسب محبتهم والفوز بثقتهم وكما يقال في مقدمة تحقيق هذا كتاب في العلاقات العامة والعلاقات الإنسانية و المهارات الاجتماعية في الإسلام أصول فيها وإرشادات إليها توجيه إسلامي لكيفية التعامل مع فئات المجتمع المختلفة. ([46])

* فعن المعاشرة الطيبة للمخالفين في الدين
روي عن أبي سنان قال: قلت لسعيد بن جبير: المجوسي يوليني من نفسه ويسلم علىّ أفأرد عليه؟ فقال سعيد: سألت ابن عباس عن نحو من ذلك فقال: لو قال لي فرعون خيرًا لرددت عليه" وفي رواية لابن الجوزي في الحدائق قول ابن عباس t : لو قال فرعون بارك الله فيك ، لقلت : وفيك " ([47])
وعن ابن عباس قال: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسيًا ذلك بأن الله عز وجل يقول:{وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا }النساء:86
وعن عطاء قوله عز وجل:{ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً }البقرة:83 قال: للناس كلهم المشرك وغيره
وعن هشام بن عروة قال: عطس نصراني طبيب عند أبي فقال له : رحمك الله فقيل له : إنه نصراني قال أبي: رحمة الله على العالمين ([48])
وقال حذيفة بن اليمان t خالط المؤمن وخالط الفاجر ودينك لا تكلمنَّه ( أي لا تحرجنه)([49])
وعن النهي عن معاداة الناس و التماس الأعذار لهم إذا أساءوا ذكر ابن أبي الدنيا عن أبي قلابة قال: التمس لأخيك العذر بجهدك فإن لم تجد له عذرا فقل: لعل لأخي عذر لا أعلمه وقال عمر بن الخطاب t " أعقل الناس أعذرهم لهم" ([50])
* ومن حسن التخلق حتى مع الأشرار
روي عن عائشة قالت: أتى النبي r رجل فأداناه وقربه ورحب به فلما خرج قلت: يا رسول الله أليس هذا من كنت تذكر؟ قالت: وكان رسول r يذكر منه شرًا قال: بلى قالت: إني رأيتك أدنيته وقربت مقعده قال: " إن شر الناس الذين يُكرمون اتقاء شرهم"([51])
وعن أنس بن مالك في قول الله تبارك وتعالى:{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}فصلت 34 – 35 قال: الرجل يشتمه أخوه فيقول: إن كنت صادقًا فغفر الله لي وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك" ([52])
"وكان أبو السوار العدوي*يعرض له الرجل فيشتمه فيقول له:إن كنت كما قلت إني إذن لرجل سوء ([53])
* وعن النهي عن الخصومة
روي عن ابن عباس قال: قال رسول اللهr :إياكم و مشارَّة الناس (مخاصمتهم) فإنها تدفن الغرة (حسنته و عمله الصالح ) وتظهر العورة ( العيوب ) ([54])
وعن معاملة الناس كما هم دون متابعة عيوبهم
والنهى عن مقابلة السيئة من الناس بمثلها أو محاولة التشفي فيهم و الكيد لهم والترفع عن هفواتهم
وفي هذا قال أبو الدرداء من يتبع نفسه كل ما يرى في الناس يطل حزنه ولا يشف غيظه" ([55])
وخطب علي بن أبي طالب أصحابه فقال:كونوا في الناس كالنحلة في الطلب فإنه ليس شيء من الطير إلا يستضعفها ولو يعلم ما في أجوافها لم يفعل، خالقوا الناس بأخلاقهم و زايلوهم ( فارقوهم ) بأعمالكم وقلوبكم فإن للمرء ما اكتسب وهو يوم القيامة مع من أحب"
وعن ابن عباس قال:إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوب نفسك" ([56])
وعن عبد الله بن بكر بن عبد الله المزني عن أبيه قال: إذا رأيتم الرجل موكلاً بذنوب الناس ناسيا ذنوبه فاعلموا أنه قد مُكر به" ([57])وقال سلمة بن دينار: من رأى أنه خير من غيره فهو مستكبر وذلك أن إبليس قال: ( أنا خير منه) فكان ذلك استكبارًا ([58])
وعن أبي هريرة عن النبي r قال: أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقًا الموطؤون أكنافًا الذين يؤلفون ويألفون و أبغضكم إلى الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الإخوان الملتمسون لأهل البراء العثرات "([59])
* وعن الإصلاح بين الناس
" عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله r : يا أبا أيوب ألا أدلك على صدقة يرضى الله موضعها قال: قلت بلى يا رسول الله قال: تسعى في صلح ذات بين الناس إذا تفاسدوا وتقارب بينهم إذا تباعدوا([60])
وعن ابن عباس في قوله تعالى:{ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ}الأنفال:1 هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم ( أي دفع لهم وإلجاء للاستمرار في التقوى و الصلاح )([61])
وعن حبيب بن أبي ثابت قال: كنت جالسًا مع محمد بن كعب القرظي فأتاه رجل فقال له القوم: أين كنت ؟ فقال: أصلحت بين قوم فقال محمد بن كعب : أصبت لك مثل أجر المجاهد ثم قرأ الآية {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً }النساء:114 ([62])
وفي " حلية طالب العلم " نجد تحذيرًا واضحا لطالب العلم بالبعد عن الجدل و التعصب للفرق أو الجماعات التي قد تختلف فيما بينها وتتنازع في أمور هي من فروع الدين لا أصوله وعلى الرغم من ذلك تجعل هذه الاختلافات الفرعية في منزلة الأصول و الثوابت وليس المتغيرات و في هذا يقول: " لا طائفية ولا حزبية يعقد الولاء و البراء عليها فيا طالب العلم لا تكن ولاجًا في الجماعات فتخرج من السعة إلى القواالب الضيقة فالإسلام كله لك جادة ومنهج و المسلمون جميعهم هم الجماعة وإن يد الله مع الجماعة ... وأعيذك بالله أن تتصدع فتكون نهابا بين الفرق و الطوائف و المذاهب الباطلة والأحزاب الغالية تعقد سلطان الولاء و البراء عليها وإنما المولاة في الله و المعاداة فيه والأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وكما قال الشاعر:
أبي الإسلام لا أب لـي سـواه إذا افتخــروا بقيس أو تمـيـم ([63])
أي أن هذا نهي عن الاختلاف المذموم الذي يؤدي إلى القطيعة و الشحناء بين الناس وما ذلك إلا للتعصب المقيت الذي يلغي الآخر وهذا مخالف لمنهج الإسلام كتاب وسنة وسيرة السلف الصالح من حسن التعامل فيما بينهم على الرغم مما كان بينهم من اختلافات شديدة ([64])
وفي هذا الصدد يقول ابن عربي في وصاياه: " وعليك برحمة الخلق أجمع ومراعاتهم كانوا ما كانوا فإنهم عبيد الله وخلق الله وإن عصوا وإن فضل بعضهم بعضا فإنك إذا فعلت ذلك أجرت فإنه r قد ذكر أنه في كل ذي كبد رطبة أجر ألا ترى إلى الحديث الوارد في البغي أن بغيًا من بغايا بني إسرائيل مرت على كلب قد خرج لسانه من العطش.. فلما نظرت إلى حاله نزعت خفها وملأته بالماء من البئر وسقت الكلب فشكر الله فعلها فغفر لها بكلب...وأين المسلم من الكلب فافعل الخير ولا تبال فيمن تفعله تكن أنت أهلاً له ولتأت كل صفة محمودة من حيث ما هي مكارم الأخلاق تتحلى بها وكن محلاً لشرفها عند الله وثناء الحق عليها فاطلب الفضائل...واجتنب الرذائل واجعل الناس تبعًا لا تقف مع ذمهم ولا حمدهم إلا أنك تقدم الأولى فالأولى إن أردت أن تكون مع الحكماء المتأدبين بآداب الله التي شرعها للمؤمنين على ألسنة الرسلuاعلم أن المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا" ([65])
بل إن ابن عربي ذهب في مستوى التعامل مع الآخرين إلى درجة السماح لهم بخداعنا معتبرًا أن من كرم الأخلاق إذا تغافلنا عنهم ولم نصارحهم وفي هذا يقول: " كن عمري الفعل فإن عمر بن الخطاب t يقول من خدعنا في الله انخدعنا له فاحذر يا أخي إذا رأيت أحدًا يخدعك وأنت تعلم بخداعه إياك فمن كرم الأخلاق أن تنخدع له ولا توجده إنك عرفت خداعه وتَبَاله له ( تتغافل) حتى يغلب على ظنه أنه قد أثر فيك بخداعه ولا يدري أنك تعلم بذلك و بهذا تكون قد وفيت الأمر حقه فإنك ما عاملت إلاّ الصفة التي ظهر لك بها والإنسان إنما يعامل الناس لصفاتهم لا لأعيانهم ألا تراه لو كان صادقًا غير مخادع لوجب عليك أن تعامله بما ظهر لك منه وهو ما يسعد إلا بصدقه كما أنه يشقي بخداعه ونفاقه فإن المخادع منافق فلا تفضحه في خداعه وتجاهل له و انصبغ باللون الذي أراده منك أن تنصبغ له به وادع له وارحمه فإن المؤمن غر كريم لأن خلق الإيمان يعطي المعاملة بالظاهر و المنافق خب لئيم أي لئيم على نفسه حيث لم يسلك بها طريق نجاتها وسعادتها ([66])
وإذا كان هذا هو السلوك الذي يود ابن عربي أن نتعامل به مع المخادعين أو المنافقين فإن هذا السلوك الخلقي يتسع مستواه لأقصى مدى حين نجده يحث على توطيد العلاقة مع الإنسان الصالح باعتباره أخًا بقوله: " كن رداءً أو قميصًا لأخيك المؤمن وحطه من ورائه واحفظه في نفسه وعرضه وأهله وولده فإنك أخوه بنص الكتاب العزيز واجعله مرآة ترى فيها نفسك فكما تزيل عنك كل أذى تكشفه لك المرآة في وجهك كذلك فلتزل عن أخيك المؤمن كل أذى يتأذى به في نفسه فإن نفس الشيء وجهه وحقيقته" ([67])

* قضاء حوائج الناس
وإذا كان من معاني النضج الاجتماعي إسداء الخدمات للآخرين في سرور دون مقابل وإظهار الاهتمام بهم في صورة عملية فإن الغزالي أشار إلى هذا الأمر في نصيحته لتلميذه بقوله: " كلما عملت للناس اجعله كما ترضى لنفسك منهم لأنه لا يكمل إيمان عبد حتى يحب لسائر الناس ما يحب لنفسه" ([68])
وابن أبي الدنيا و الذي عُرف عنه أنه كان مؤدب أولاد الخلفاء وكما قال الخطيب في تاريخه وكان ابن أبي الدنيا يؤدب غير واحد من أولاد الخلفاء؛ وناهيك بذلك فضلاً وعلمًا ونبوغًا ولقد كان معروفًا بذلك كله عند جل العلماء ([69]) وله مؤلفات كثيرة في مجال التربية أو ما يعرف بالعلاقات الإنسانية منها الحلم وكتاب مداراة الناس و الصمت وآداب اللسان وكتاب خصصه أيضًا فيما نحن بصدده وهو كتاب " قضاء حوائج الناس" مستشهدًا فيه على هذا المنحى الأخلاقي الإسلامي الأصيل بأحاديث الرسول r و الصحابة و السلف الصالح و التي تؤكد على جزيل ثواب الله تعالى لفاعلها
فمما روي عن رسول الله r " فعل المعروف يقي مصارع السوء "وعن ابن عمر قال: قال رسول الله r " إن لله قومًا يختصهم بالنعم لمنافع العباد ويقرها فيهم ما بذلوها فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم "([70]) وفي رواية أخرى عن عائشة قالت قال رسول الله r " ما عظمت نعمة الله على عبد إلا اشتددت عليه مؤنة الناس فمن لم يحتمل تلك المؤنة للناس فقد عرض تلك النعمة للزوال"
وقال رسول الله r الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ([71]) وعن أنس بن مالك : قال رسول اللهr من أغاث ملهوفًا كُتب له ثلاث وسبعون مغفرة واحدة منها صلاح أمره وثنتان وسبعون له درجات يوم القيامة " ([72])
وعن أنس بن مالك أيضًا قال: كنت أوضئ رسول الله r ذات يوم فرفع رأسه فنظر إليّ فقال يا أنس أما علمت أن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم تنفس عنه كربة أو تفرّج عنه غمًا أو تزجي له صنعة أو تقضي عنه دينًا أو تخلفه في أهله ([73])
وفي رواية قال رسول الله r :" إن لله عبادًا خلقهم لحوائج الناس تُقضي حوائج الناس على أيديهم أولئك آمنون من فزع يوم القيامة ([74]) وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله r قال: من يكن في حاجة أخيه يكن الله في حاجته "([75])

* غرس خلق الشكر عند الأطفال
بعد أن ساق ابن أبي الدنيا من الشواهد إلي تؤكد على فضل القائمين بالمعروف خصص بابا يعلّم فيه الناس بل كل من يقوم على أمر التربية للصغار في "شكر الصنيعة" أي فعل المعروف وقضاء الحاجة وهي من الأخلاق الاجتماعية التي ترقى بالذوق الإنساني وعلامة بارزة على حسن الخلق الرفيع و المهذب والتي يجب على الآباء أن يغرسوها في نفوس أبنائهم.و مما روي في ذلك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله r من لا يشكر الناس لا يشكر الله([76]) وفي رواية أخرى عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله r " من لا يشكر الناس لا يشكر الله ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير" وعن الكيفية التي نشكر بها الآخرين يقول الرسول r فيما ترويه السيدة عائشة عنه:من أولى معروفًا فليكافئ به و إن لم يستطع فليذكره فإذا ذكره فقد شكر"
وذكر أبو الدنيا عن أبي معاوية الأسود أنه قال: إن الرجل ليلقاني بما أحب فلو حل لي أن أسجد له
لفعلت وهذه مبالغة تدل على السعي الحثيث لمقابلة المعروف بحسن الشكر السريع عليه وإذا كان الشكر هو من الأخلاق التي علمنا إياها ديننا للقائمين على مصالح الناس ومنافعهم فإن رسول r جعل ثواب المحسنين قائما لهم يوم القيامة حين يتخلى عنهم الخلائق وكما هو معلوم (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ{34} وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ{35} وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ{36} لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ{37} سورة عبسبل وهذا المعروف يكون أنيسهم في لحدهم ومما روي في ذلك:
عن ابن عمر قال : قال رسول الله r :" إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة إن الله ليبعث المعروف يوم القيامة في صورة الرجل المسلم فيأتي صاحبه إذا انشق عنه قبره فيمسح عن وجهه التراب ويقول أبشر يا ولي الله بأمان الله وكرامته لا يهولنك ما ترى من أهوال يوم القيامة فلا يزال يقول له احذر هذا واتق هذا يسكن بذلك روعه حتى يجاوز به الصراط فإذا جاوز به الصراط عدله ولى الله إلى منازله في الجنة ثم يثني عنه المعروف فيتعلق به فيقول يا عبد الله من أنت خذلني الخلائق غيرك في أهوال القيامة فمن أنت؟ فيقول أما تعرفني فيقول لا فيقول أنا المعروف الذي عملته في الدنيا بعثني الله خلقا لأجازيك به يوم القيامة ([77])
وفي رواية أخرى " ما من مؤمن أدخل على مؤمن سرورًا إلا خلق الله من ذلك السرور ملكًا يعبد الله و يمجده ويوحده فإذا صار المؤمن في لحده أتاه السرور الذي أدخله عليه فيقول له أما تعرفني؟ فيقول له من أنت يقول أنا السرور الذي أدخلتني على فلان أنا اليوم أونس وحشتك و ألقنك حجتك وأثبتك بالقول الثابت و أشهد بك مشهد القيامة و أشفع لك من ربك و أريك منزلتك من الجنة" ([78]) والرسول r يخبرنا بأن الرجل من أهل النار قد يخرج منها بسبب معروفه " فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله r: يؤمر بأهل النار فيصفون فيمر بهم الرجل المسلم فيقول له الرجل منهم يا فلان اشفع لي فيقول ومن أنت؟ فيقول أما تعرفني أنا الذي استقيتني ماءً فسقيتك قال: فيتشفع له ويقول الرجل مثل ذلك فيقول أنا الذي استوهبتني فوهبت لك ([79])

* التربية الاستقلالية
إن التربية في بيوتنا ومدارسنا تربية اتكالية لا تعرف معنى الثقة والاعتماد على النفس في التفكير و القول والعمل قال r :" لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت و إن أساءوا أسأت ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا و إن أساءوا ألا تسيئوا معهم" والإمعة الرجل الذي يتابع غيره في رأيه ولا يثبت على رأي و الذي نتج عن التربية الخاطئة التي تنافي التربية الاستقلالية منذ الصغر حيث أهملت ميوله وغرائزه وعقليته وأخلاقه وإرادته وأضعفت مواهبه وصرنا لا نفكر إلا في المظاهر والأمور الشكلية ولن ينجح الإنسان في أي عمل إلا إذا علمناه منذ طفولته الاعتماد على نفسه في أداء ذلك العمل والانتفاع بقواه الشخصية والثقة بقدرته على القيام بما يحتاج إليه من غير أن يلجأ إلى سواه إلاّ عند الحاجة و الضرورة وفي المثل العربي" ما حك جلدك مثل ظفرك فتول أنت جميع أمرك"ولكن للأسف إننا اعتدنا التفكير الجمعي لا التفكير الاستقلالي وافتقدنا بالتالي قدرتنا على القيام بأعباء الحياة وأداء الواجب نحو أنفسنا ونحو مجتمعنا بشجاعة وثقة ([80])
من هنا نتساءل كيف يتسنى لنا بناء الثقة بالنفس والاعتماد عليها في نفوس أطفالنا؟ كيف يمكن أن نساعد في بناء شخصية قوية منهم في المستقبل، ليست ضعيفة مسلوبة الإرادة وتابعة لغيرها؟
أساليب تربوية خاطئة تعوق بناء الشخصية القوية عند الطفل
1- أسلوب التسلط والاستبداد في معاملة الطفل
لقد أسفرت الأبحاث في مجتمعنا على أن السلطة في الأسرة تُمارس على أساس فردي فهي إما أن تكون في يد الرجل وهو الأغلب أو في يد المرأة ولكن يندر أن تقوم على أساس المشاركة و التعاون و يتضح هذا في مواقف مثل الإنفاق واختيار الزوج للعروس كما تتضح أيضًا في حسم الخلافات التي قد تظهر في جو الأسرة وكذلك في حرية الطلاق بالنسبة للجنسين ولا شك أن تركز السلطة في فرد الأب (أو بديله) خلق جوًا يعطل تنمية القدرات المختلفة للفرد ويدعم الانصياع والسلبية كما يدعم التوحد مع السلطة والقيام بدورها التسلطي عند مواجهته لمن هم دونه. كما نجم عن هذا الوضع التسلطي خضوع المرأة الذي وقف حائلاً أمام قيامها بدورها الصحيح في تربية أبنائها وعطّل من قدرتها على الانطلاق و التعبير فشلّ نصف الأمة عن البذل والكفاح في سبيل التقدم كما أساء إلى تربية الجيل الجديد حيث أسهم هذا التمايز بين الأب و الأم في الأدوار إلى أنه عند غيابهم يحل الولد محل الأب ودور البنت محل الأم. كما أن هذا الجو التسلطي أثّر في تكوين شخصيات الأطفال من البنين و البنات وتم تطبيعهم على الخضوع والاستكانة كما اقتبس الذكور من الأطفال أسلوب الأب في معاملتهم لزوجاتهم في المستقبل لأنهم شبوا على جو تتعرض فيه الأم ( الزوجة) دائمًا للتهديد من جانب الأب ودعم مثل هذا الموقف القيم التي تحط من قيمة المرأة في علاقاتها بالرجل وتصورها على أنها تابعة له وخاضعة لأهوائه ([81])
2- من القيم الاجتماعية التي ينبغي أن تمحي عدم التكافؤ في الحقوق المنوحة لأفراد الأسرة فبالإضافة إلى ما سبق ذكره من تركز السلطة في يد الرجل دون المرأة فإنها أيضًا تكون للأكبر سنًا دون الأصغر ومثل هذا الموقف يوضح التناقضات في معاملة الآباء للأبناء وتفضيل هؤلاء على أولئك من حيث السن أو الجنس وهذا يؤدي إلى إحساس الأخ الأكبر بالغرور والأخ الأصغر بالحقد أو الضآلة وإن كان ذلك في مستوى اللاشعور ومثل هذه الإحساسات تتولد في شخصية البنات سواء في علاقاتهن بأخواتهم أو بأخواتهن على أساس اختلاف الجنس أو السن من هنا كان لابد أن تكون تربيتنا لأطفالنا أو عملية تطبيعنا الاجتماعي لهم لابد أن تتم في ظروف وتحت شروط غير تلك الظروف والشروط السائدة حاليًا ([82])

وبناءًا على ما سبق فإن الحل لهذه الإشكاليات المتغلغلة في العقل الجمعي العربي يكمن في:
1- البحوث النفسية والتربوية تبين اليوم أن الصحة النفسية للأطفال وحسن العلاقة بينهم وبين والديهم تتوقف إلى حد كبير على تعاون الوالدين في رعاية شئونهم منذ المهد ولا يصح أن تكون الدراسات التي تعُني بطرق العناية بالطفل وفهم احتياجاته ووسائل رعايته وتربيته من الدراسات التي تعطي للبنت ويحرم منها الولد.
2 - أما في مجال التمييز بين الأخوة أو الأخوات من حيث السن فإننا نؤكد على ما في احترام السن من جانب إيجابي ينبغي أن نبقي عليه خاصة بالنسبة للآباء والأجداد ولكن الذي نقصد تعديله هو أن يكون للسن فضل ومكانة متميزة بغض النظر عن العمل وأن احترام السن إذا اتخذ قيمة غير مشروطة يؤدي كما سبق إلى الجمود وهو قيمة تسود في المجتمعات الراكدة أما في المجتمعات الحديثة الناهضة فهي تقرن السن بالكفاءة ورجاحة الفكر والتفوق حتى ولو كان حديث السن وليس للحسب و النسب أو السن وتستطيع المدرسة عن طريق جمعيات الآباء و المعلمين أن توجه الآباء إلى أهمية مراعاة القيم الجديدة وأساليب نشرها في الجيل الصاعد ([83])
3- ولعلاج مسألة انفراد الرجل بالسلطة فإنه ينبغي العمل ليس فقط على مجرد اشتراك الزوج و الزوجة في موقف كموقف الإنفاق بل يتعدى ذلك إلى مشاركة الأبناء أيضًا وإذا كان هناك من الآباء من يشكون من أن أبناءهم يطالبون بأشياء لا تكفي ميزانيتهم لها فإن الآباء يتحملون مسئولية كبيرة في ذلك لأنهم سواء كان الأب أو الأم أو كليهما جعلوا من أنفسهم مصدر العطاء دون اشتراك الأبناء في الأحكام المتعلقة بهذه العملية فليس هناك من الأسباب ما يدعو الابن إلى التفكير في غير حاجاته الخاصة وفي المبالغ التي تحقق له هذه الحاجات فالإحساس بالمسئولية تجاه الآخرين لا يتكون إلا نتيجة تحمل المسئولية فعلاً أي عن طريق المشاركة مع الآخرين من أفراد الجماعة في دراسة ومواجهة المشكلات العامة التي تربط بينهم جميعًا ([84])
وبدون مراعاة هذه القواعد في تربية أطفالنا فإن ضعف الشخصية هو النتيجة الحتمية كما أكدته الدراسات العلمية ففي كتاب الصحة النفسية للطفل " إن أسلوب التسلط يحدث فيه الآتي: يمنع الطفل من تحقيق رغباته باستمرار ويقابل بالرفض الدائم لطلباته ويستخدم اللوم والعقاب مع الطفل في كل شئونه ويتم تحديد طرق معينة لا يحيد عنها في الأكل، الشرب، النوم ،الملابس، الأصدقاء، دون أدنى مراعاة لرغباته أو دون اعتبار لرأيه تحت دعوى تعليم الجدية و النظام و الطاعة وكأن المنزل ثكنة عسكرية.
وعن النتيجة الحتمية لهذا الأسلوب التسلطي أن يصير الطفل ضعيف الشخصية سلبيا دائم الخوف مترددا غير واثق من نفسه، أما العلاج فيكمن في معاملته برفق وتسامح وتقبل سلوكه وتشجيعه وتعوده على المناقشة وإبداء الرأي وتنمية الثقة بالنفس ومساعدته على الإنجاز وتقديره والاهتمام بأعماله وعدم تكلفته مالا يطيق ([85])

* تنمية الثقة بالنفس عند الطفل كيف تتم؟
1- الحرية مع التوجيه
يحتاج الأطفال في نموهم للحرية لكنهم يحتاجون أيضًا إلى الضبط و النظام ليتعلموا كيف يعيشون في سلام مع الآخرين ومما يعد دليلاً على حاجة الطفل للضبط و النظام و أن المغالاة في منح الطفل حريته واستقلاله قد تصبح مفزعة مخيفة إذا لم يصاحبها نمو في الضمير تميز الخير من الشر وهو في ذلك يحتاج إلى نموذج خاص يقتدي به ريثما ينضج ضميره و أيا كانت استجاباتهم لنصحنا فإنهم رغم كل ذلك يعتمدون على هذا النصح وتلك الهداية ولذا فمن حق الطفل علينا أن نصارحه بأسباب الأمور التي نضطر إلى أدائها رغما عنه وأننا نعلم حقيقة شعوره ونهتم بالأمور التي يقوم بها وحينما يدرك أننا بجانبه ولا نعارضه لمجرد المعارضة فإنه غالبًا ما يبذل جهدًا صادقًا أكيدًا في أداء ما نصحناه به فإذا شرحت للطفل كيف يؤذيه سلوكه هذا ويؤذي معه الآخرين فإنه لن يجد صعوبة ما في فهم الحدود التي تعلمها له وبهذه المعلومات يصبح الطفل أكثر تهيؤا واستعدادًا لمواجهة مثل تلك المواقف بنفسه وهكذا نكون قد خطونا به نحو الاعتماد الصحيح على النفس ([86]) بالإضافة إلى إعطائه الفرصة ليقوم بالأعمال البسيطة بنفسه وتشجيعه عليها كل ذلك يسرع بالتقدم الذي نرجوه.
2- التعامل مع أخطائهم
إن الأطفال يتعلمون من أخطائهم و إذا كان ارتكابهم لبعض الأخطاء قد يؤدي إلى زعزعة ثقتهم بأنفسهم فهنا يجب علينا أن نتدخل في الأمر ونحول بين الأطفال وبين أخطائهم التي تربكهم أو تذلهم أو تؤذي أجسامهم أما في المشاكل العادية فيجب أن ينال الطفل خبرات كافية في تحمل المسئولية وحل المشاكل بطريقته الخاصة وأن نجعله يشعر بحب والديه و باستعدادهما لمساعدته عندما يحتاج للمساعدة فالأب العاقل الحكيم لا يقول لطفله إنه خبيث أو إنه شرير بل يناقش أخطاءه معه ويشركه في تحمل مسئولية إصلاح تلك الأخطاء ([87])
3-اتخاذ القرارات
يجب أن نعطي الأطفال القدرة على الحرية في اتخاذ قرارتهم ونبتعد عن العادة السيئة التي تخول بها أغلب الأمهات لأنفسهن البت في جميع الأمور التي تتعلق بأطفالهن حتى بعد أن يتجاوزوا مرحلة الطفولة وبذلك يتم إعاقة النمو الانفعالي والاجتماعي لأطفالهن كما أن إنسانًا كائنًا من كان لا يستطيع أن يستمر طوال حياته في التفكير لغيره وعلاج مشاكله ([88])
وفي هذا الصدد ساق أليس ويتزمان قصة فتى يشكوا اضطرابًا انفعاليًا ويرجوا الشفاء عند المشرف الاجتماعي النفسي بكليته وتتلخص قصته في أن أباه وجده كانا على جانب كبير من الشهرة والغني في مهنة المحاماة وأرادا له أن يكون محاميًا ولكنه لم يجد في نفسه لا الموهبة أو الميل لهذه المهنة ولكن عائلته لم تأل جهدًا في محاولة دفعه لقبول تلك المهنة ولكنه أصبح يشعر بالإثم والإخفاق لأنه لم يحقق في دراسته آمال والديه و بشيء النصح استطاع أن يقتنع أن لديه من القوى و المواهب ما يستطيع به أن ينجح في ميادين أخرى غير ميدان القانون ولقد كان له أن يحيا بمأمن من هذه الأزمة لو أن عائلته كانت قد تركت له الحرية في طفولته ليصدر قراراته وأحكامه التي تتعلق ببسائط الأمور وبهذا كان سيعلم في شبابه متى يخضع لدفعها ومتى لا يخضع لها ومتى يختار لنفسه قراراتها وأحكامها ([89])
4- الأمور المالية
وقدرة الفرد على أن يكسب لنفسه مالا وأن يقتصد جزءًا منه وأن ينفق الجزء الآخر إنفاقًا حكيمًا سمة هامة من سمات النضج ، وحينما يحصل الأطفال على أموال ليدبروا بها بعض أمرهم فإنهم بذلك يتذوقون لونًا من الألوان البسيطة لمسئوليات الراشدين و الطريقة المثلى لتعليم الأبناء الأمور الاقتصادية هي أن نكفل للطفل هذه الخبرة بأن:
1- نعطيه مرتبًا يناسبه لمدة معينة مثلاً .
2- نهديه إلى بعض السبل لصرف الأموال .
3- نرشده إلى وسائل الإنفاق الصحيحة .
4- نشجعه على أن يفتح له حسابًا في أحد المصارف أو اقتصاد جزء من ماله في صندوق الادخار بصفة منتظمة .
أما إقحامنا أنفسنا في أمور الطفل المالية في كل وقت يطلب منا نقودًا يحول بينه وبين فرصته السانحة في أن يعلِّم نفسه بنفسه .
بالإضافة إلى ذلك فحينما يفصح لك الطفل عن قدرته وتهيؤه لاكتساب بعض المال ساعده بأن تجد له عملا يشغل به بعض وقته في الكسب وفي مقدور الأطفال أن ينظموا ميزانيتهم تنظيمًا حسنًا إذا أتحت لهم عملاً منتظمًا لا أعمالاً متفرقة ([90]) وهكذا يمسي وقد حقق لذاته بعض دعائمها وعليه أيضا أن يعرف حق المحرومين والبؤساء عليه وخير له أن يمنح ويعطي ليعلم ما يحققه المال لصاحبه من سعادة وهناءة وعلى الآباء أن يرشدوهم إلى فعل الخير والإحسان فالتبرعات المدرسية والهلال الأحمر...كلها أمثلة تهدي الآباء للفرص المناسبة لتوجيه الأبناء لمعرفة قيمة البذل والعطاء ([91])

* منشأ قوة الإرادة عند الطفل

قوة الإرادة هي فضيلة من الفضائل وهي من الأمور المكتسبة التي يحصل عليها المرء بالتجارب والتعود وضبط النفس وبذل الجهد ضروريًا في قوة الإرادة والإنسان يعرف بأن قويّ الإرادة حين يقدم على الأعمال التي يعتقد أنها نافعة ويستمر في عمله حتى يتمه غير متأثر بالمغريات الخارجية ولا مكترث للصعاب التي تصادفه ولا يخضع لشهواته وميوله الشخصية ولا يستسلم لهواه الضال بل يحسن قياده ويسعى سعيًا حثيثًا في القضاء عليه وقلما نجد بين مشهوري الرجال وعظماء التاريخ من لم يكن قويّ الإرادة لاسيما الأنبياء عليهم الصلاة و السلام وقادة الجيوش وساسة الأمم وقد كان النبي r مثلاً أعلى في قوة الإرادة يدل على ذلك قوله لعمه أبي طالب حينما أراد قومه أن يكف عن دعوتهم إلى دين الإسلام : " و الله يا عمي لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن اترك هذا الأمر ما فعلت حتى يظهره الله أو أهلك دونه ([92]) وعلى هذا فالشخص الذي ينفذ رغبته ويحولها إلى عمل بدون تردد ولا تشكك يسمى قويّ الإرادة أما الذي يعتريه التردد في أمره و التشكك في عزيمته ويقدم رجلاً و يؤخر أخرى في أعماله فيسمى ضعيف الإرادة.

* أسباب ضعف الإرادة عند الطفل

1- عدم وجود الباعث النفسي على العمل .
2- ضعف العزيمة وعدم الثقة بالنفس أو بالنتيجة .
3- العجز عن تنفيذ العمل أو وجود مانع قوي يمنع من العمل كمرض عصبي مثلاً عند الطفل .
* علاج ضعف الإرادة
1- علينا أن نزود الأطفال بالأفكار الصالحة التي تحملهم على العمل وتحويل هذه الأفكار الصالحة إلى عمل بدون تردد وبذلك نعودهم قوة الإرادة و أن نجعل من أنفسنا مثلاً عليا في قوة الإرادة.
2- أن نربي في نفوسهم قوة الانتباه إلى كل فكرة صالحة فيها وفي طرق تنفيذها تفكيرًا جديًا .
3- أن نحملهم المسئولية أحيانا ونعهد إليهم ببعض الأعمال التي تحتاج إلى مجهود ويكون رائده في ذلك التنشيط والتشجيع لا تثبيط العزائم.
4- أن نعوّد ضعاف الإرادة الإقدام ولوفي الأمور الصغيرة في أول الأمر ثم ينتقل بهم إلى غيرها حتى تصبح قوة الإرادة ديدنا لهم وعادة راسخة في نفوسهم .
5- أن نذكر ما للعواطف وقوتها من الأثر في تقوية الإرادة فينمي العواطف المستحسنة بإيجاد الفرص المثيرة لها حتى تثبت في النفس وتصير من عناصر الشخصية فتصدر عنها الأعمال الصالحة دون تردد.
6- أن نعودهم ضبط النفس الذي هو عنصر هام من عناصر قوة الإرادة ومظهر من مظاهرها ([93])
ولكن في مقابل ما سبق فهناك أطفال يمتازون بإرادة طائشة حيث يندفعون للأعمال التي قد تضرهم دون تفكير ولا تروي ولا يتقبل النصائح وقد يندفع إلى عمل ولكن لا يلبث أن ينتقل إلى عمل آخر ولعلاج هذه الإرادة الطائشة يجب على المربي أن يبذل الجهد في حسن قيادها عن طريق:
1- إذا كان الجموح ناشئًا عن قلق أو تعب أو اضطراب وجب علينا أن نترك الطفل حتى يستريح ويعود إليه هدوؤه ونشاطه.
2- إذا كان الطفل ميالاً إلى العناد و المشاكسة اتخذنا معه الحزم و الحكمة حتى يترك عناده ويعود إلى رشده .
3- إذا كان الجموح ناشئًا عن عدم الرغبة في العمل كان من الضروري أن يدخل في العمل عنصر مشوق يبعث فيه الرغبة والإقبال .
4- و إذا كان ناشئًا عن نقص في تكوين المخ استشرنا الطبيب واستعنا به على علاجه ([94])
وما سبق قد يسمى " شقاوة أطفال" والتي قد نسهم نحن الآباء بنصيب كبير فيها حين نعوِّد أطفالنا الحصول على كل شيء يريدونه وتحقيق كل رغبة من رغباتهم و النتيجة أن الطفل قد يتعود إذا لم تُحقق له رغبته أن يملأ الجو بكاءً وصياحًا وقد يأتي يوم يطلب فيه المحال وقد لا يمكن تلبية رغباته وهو لا ينتظر منك هذا الرفض فيتألم كل الألم .
بالإضافة إلى ذلك فإن إظهار الأم لاضطرابها وخوفها من أي مكروه يحدث لطفلها سواء كان وقوع أو جرح ....فإن هذا القلق و الخوف ينتقل إلى الطفل و الذي يكون أشد ضررًا عليه مما قد أصابه من جرح و في هذا السن يتعلم الأطفال الدروس الأولى في الشجاعة والثبات و الهدوء وعدم الاضطراب من الآلام الحقيقية ويتعلمون ويعتادون بالتدرج احتمال الآلام المختلفة وإن أول درس ينبغي أن يتعلمه الطفل هو أن يتعود منذ الطفولة احتمال الألم وفي الوقت نفسه علينا أن لا نكون عقبة في سبيل حركة الطفل ونشاطه و أن نستعمل الإنسانية و الحكمة في التعامل معهم ونشجع لعبهم و ميولهم الحسنة ونهذِّب الغرائز التي تحتاج إلى تربية وتهذيب ([95])
المراجع :
([42]) رسالة أيها الولد للغزالي ص 32 الناشر مكتبة الخدمات الحديثة - جدة
([43]) المرجع السابق، ص 28
* الاستقامة: الوفاء أمر الله به ونهى عنه والفاء بالعهود وملازمته الصراط السوي مع تهذيب النفس و حسن المعاملة
([44]) المرجع السابق، ص 36 ، 37
([45]) رسالة أيها الولد، ص 40 - 44
([46]) مداراة الناس: ابن أبي الدنيا: تحقيق محمد خير رمضان ص 7، 9
([47]) المرجع السابق، ص 94 و الحدائق لابن الجوزي ج3/102
([48]) المرجع السابق، ص 94 ، 95
([49]) حلية الأولياء،280 الحدائق لابن الجوزي 3/ 99
([50]) مداراة الناس، ص 49، 49
([51]) أورده الألباني في ضعيف سنن أبي داود ص 475
([52]) الدر المنثور، 5/ 685
([53]) صفة الصفوة، 3/ 231 مداراة الناس ص 53
* تابعي ثقة روى عن علي وعمران ابن حصين وروى له البخاري ومسلم والنسائي
([54]) رواه الطبراني في المعجم الصغير 2/ 103 ومداراة الناس ص 112
([55]) الزهد، 2/ 64 مدارة الناس ص 40
([56]) الزهد، 2/ 122 مداراة الناس ص 114
([57]) مدارة الناس، ص 115
([58]) مدارة الناس، ص 115
([59]) المعجم الصغير، للطبراني 2/ 25 ومداراة الناس ص 116
([60]) الحديث ضعيف مداراة الناس، ص 117
([61]) تفسير الطبري، 9 / 119
([62]) إتحاف السادة المتقين، 7 / 5 ومدارة الناس ص 120
([63]) حلية طالب العلم: للشيخ بكر أبو زيد :تحقيق محمد سيد عبد رب الرسول ص 58-61 دار الدعوة الإسلامية.
([64]) ينظر إلى كتاب " كيف نتعامل مع التراث و التمذهب و الاختلاف : د. يوسف القرضاوي ، الثوابت و المتغيرات د. صلاح الصاوي
([65]) الفتوحات لابن عربي: وهو آخر الأبواب المسمى 560 وصية حكمية ص 28 مخطوط بمعهد المخطوطات العربية .
([66]) الفتوحات، كتاب الوصايا ص 28
([67]) المرجع السابق، ص 29
([68]) أيها الولد، ص 47
([69]) مقدمة كتاب مجموعة الرسائل لابن أبي الدنيا
([70]) مجموعة الرسائل: كتاب قضاء الحوائج ص 84
([71]) المرجع السابق، ص 87
([72]) المرجع السابق، ص 88 ، 89
([73]) المرجع السابق، ص 88 ، 89
([74]) مجموعة الرسائل، لابن أبي الدنيا : كتاب قضاء الحوائج ص 92
([75]) مجموعة الرسائل، لابن أبي الدنيا : كتاب قضاء الحوائج ص 92
([76]) المرجع السابق، ص 98
([77]) مجموعة الرسائل : لابن أبي الدنيا ص 108
([78]) مجموعة الرسائل : لابن أبي الدنيا ص 108
([79]) المرجع السابق، ص 108 ، 109
([80]) الطفولة صانعة المستقبل : محمد عطية الإبراشي ص 131 - 133
([81]) كيف نربي أطفالنا: د. محمد عماد الدين إسماعيل د. نجيب اسكندر، د. رشدي منصور، ص 383 – 389 دار النهضة القريبة
([82])كيف نربي أطفالنا ، ص 388 - 392
([83]) المرجع السابق، ص 394
([84])كيف نربي أطفالنا، ص 395
([85]) الصحة النفسية للطفل: د. حاتم محمد مستشار الطب النفسي للطفل ص 86 مؤسسة اقرأ للنشر و التوزيع
([86]) التربية الاجتماعية للأطفال، ص 55 - 57
([87]) المرجع السابق، ص 59 - 60
([88]) المرجع السابق، ص 60 وما بعدها
([89]) التربية الاجتماعية للأطفال، ص 63 ، 64
([90])التربية الاجتماعية للأطفال ، ص 64 ، 65
([91]) المرجع السابق، ص 65 ، 66
([92]) الطفولة صانعة المستقبل ، ص 155 ، 157
([93]) المرجع السابق، ص 154 ، 155
([94]) الطفولة صانعة المستقبل، ص 152 ، 153
([95]) المرجع السابق ص 22، 23
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 08-07-2019, 06:21 PM
abeer yaseen abeer yaseen غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2018
المشاركات: 46
افتراضي تربية الابناء في عصر الحضارة الاسلامية ج3

* تنمية الشخصية الاستقلالية للطفل عند علماء المسلمين
يقول دكتور عطية الإبراشي في مقدمة كتابه " التربية الإسلامية و فلاسفتها": " إننا لا نفخر إذا قلنا : إن مبادئ التربية الحديثة التي نادينا بها في منتصف القرن العشرين ولم تستطع الدول المتمدنة تنفيذها كلها حتى اليوم قد روعيت ونفذت في التربية الإسلامية في عصورها الذهبية قبل أن تُخلق التربية الحديثة بمئات السنين ومن تلك المبادئ المثالية في التربية المثالية نذكر بإيجاز: التربية الاستقلالية والاعتماد على النفس في التعلم والحرية و الديمقراطية في التعليم ونظام التعليم الفردي ومراعاة الفروق الفردية بين الأطفال في التعليم و التدريس وملاحظة الميول والاستعدادات الفطرية للمتعلمين و اختبار ذكائهم ومخاطبتهم على قدر عقولهم وحسن معاملتهم و الرفق بهم ..... كان طالب العلم لدى المسلمين غير مقيد بشروط فولاذية و أعمار محددة وشهادات معينة ودرجات معدودة وكانت أبواب المساجد و المعاهد الدراسية مفتوحة لجميع الراغبين في العلم و التعلم ([96])
ومن الوسائل التي أشار إليها علماؤنا في تربية أطفالنا ليشبوا وهم ذوو نفوس صالحة قوية:
1- استعمال وسائل التشجيع و المدح
وفي هذا يقول الغزالي : " مهما ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمود فإنه ينبغي أن يُكرم عليه ويُجازى عليه بما يفرح ويمدح بين أظُهر الناس" لكن ماذا نفعل مع الطفل إذا ارتكب سوءًا واقتضى ذلك العقاب عليه هنا يوضح الغزالي لنا المراحل التي يلزم اتباعها معه في حالة الخطأ وهي كما يقول: " فإن غافل ذلك في بعض الأحوال ( أي بعد عن الفعل الحسن وارتكب سوءًا) مرة واحدة ينبغي أن يتغافل عنه ولا يهتك ستره ولا يكاشفه .... ولاسيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه وإن عاد ثانية ينبغي أن يُعاتب سرًا ويقال له إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا فتفتضح بين الناس " ([97])
كما أن ابن الجوزي في تحفة الودود بأحكام المولود يرى أن تشجيع الطفل من الأمور الضرورية و أنه ينبغي الاهتمام بقدراته وتعلميه بعض المناشط وتشجيعه على ممارستها ([98])
وكتب شمس الدين الإنبابي (وهو من المتأخرين) في سياسة الصبيان عن طريق مراعاة كرامته و تشجيعه بمثل ما ذهب إليه الغزالي فقال: " ثم مهما ظهر منه خلق جميل وفعل محمود فينبغي أن يُكرم عليه ويُجازي عليه بما يفرح به ويمدح به بين الناس فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه ولا يهتك ستره فإن إظهار ذلك عليه ربما يريده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة فعند ذلك إن عاد ثانيًا ينبغي أن يعاقبه سرًا ويعظم الأمر فيه ويقول له: إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا فتفضح بين الناس ولا يكثر عليه الملامة في كل وقت فإنه يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح فإذا عاد أدبه بما يليق من توبيخه " ([99])
2- السماح للأطفال بالمناقشة وإبداء الرأي
إذا كان حسن الاستماع إلى الطفل ومنحه الحرية في مناقشة كل ما يعنّ له من أمور يُعد من أحد دعائم بناء الثقة بالنفس عنده فإننا نجد في تراثنا الكثير من النماذج العملية لذلك حتى في المواقف العصيبة التي يسيطر فيها الغضب.
" فقد ذكر ابن الجوزي إن إياس بن معاوية تقدم وهو صبي إلى قاضي دمشق ومعه شيخ فقال: أصلح الله القاضي هذا الشيخ ظلمني و اعتدى علىّ وأخذ مالي فقال القاضي: ارفق به ولا تستقبل الشيخ بمثل هذا الكلام فقال إياس : أصلح الله القاضي إن الحق أكبر مني ومنه ومنك قال: اسكت قال:إن سكت فمن يقوم بحجتي؟ قال: تكلم بخير فقال : لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له فرفع صاحب الخبر هذا الخبر فعُزل القاضي وولُيَّ إياس مكانه ([100]) ومن هذا نستنتج أن التربية الإسلامية لم تكن تتسم بالجمود فتولي الوظائف و المهام و المسئوليات كان يؤخذ فيها بمبدأ الكفاءة وليس السن وهذه سمة المجتمع المتحضر.
إضافة لذلك فإن الشجاعة في قول الحق في أدب كان يواجه بها الابن أباه حتى ولو كان الخليفة و من ذلك ما ذكره عبيد الله ابن المأمون قال: غضب المأمون على أمي أم موسى فقصدني لذلك حتى كاد يتلفني فقلت له يومًا : يا أمير المؤمنين إن كنت غضبان على ابنة عمك فعاقبها بغيري فإني منك قبلها( أي أني موجود في صلبك قبل زواجك منها ) ولك دونها ( أي أنجبتني منك ) قال: صدقت و الله يا عبيد الله إنك مني قبلها ولي دونها و الحمد لله الذي أظهر لي هذا منك وبين لي هذا الفضل فيك لا ترى و الله بعد يومك هذا مني سوءًا ولا ترى إلاّ ما تحب فكان ذلك سبب رضاه عن أمي ([101])
وروي في هذا الصدد " أن أحد الصبية غضب عليه أبوه يومًا فعيره بأمه فقال له: أتخالفني و أنت ابن أمة (جارية) ؟ فقال الولد لأبيه إن أمي و الله خير منك يا أبي قال:لمَ؟ قال الولد: لأنها أحسنت الاختيار فولدتني من حر وأنت أسأت الاختيار فولدتني من أمة وهكذا يحمل الآباء مسئولية انحراف أبنائهم منذ اختيار زوجاتهم كما تحمل الأمهات مثل هذه المسئولية منذ اختيارهن أزواجهن وفي هذا يقول r : " تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس " ([102])
وابن النديم في كتابه تذكرة الآباء – الباب العاشر جعله بعنوان : في ذكر كلام الصبيان ونستخلص منه أنه يجب الاستماع إلى كلام الأطفال الصغار في ردهم على بعض المواقف التي يتعرض لها هؤلاء الأطفال ومن أمثلة هذه المواقف : أن أعرابي عاتب ابنه وذكرّه حقه فقال: يا أبت إن عظيم حقك عليّ لا يبطل صغير حقي عليك" والباب يحمل الكثير من المفاهيم السيكولوجية مثل سعة الأفق و الخيال ([103])
3- مراعاة الرأفة و الرحمة في العقوبة
ولأن أسلوب القسوة في معاقبة الطفل تسهم بشكل واضح في محو شخصيته وكان علماء الإسلام على وعي بذلك فوجدنا: " المربون في الإسلام كرهوا التشديد على الصبيان ونصحوا بالرفق واللين وقد وقف القابسي بالسؤال الذي أجاب عنه ابن خلدون، وابن سحنون وأجاب عنه بمثل ما أجابوا فقال: فقولك هل يستحب للمعلم التشديد على الصبيان أو ترى أن يرفق بهم؟...فهو يسوسهم في كل ذلك بما ينفعهم ولا يخرجه ذلك من حسن رفقه بهم ولا من رحمته إياهم فإنما هو لهم عوض عن آبائهم" ([104])
والسلوك السيئ للطفل هو نتيجة للعنف والقسوة في التعامل معه وهذا أكد عليه ابن خلدون حيث عقد فصلاً في مقدمته أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم جاء فيه " إن من كان مرباه بالعسف و القهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعا إلى الكسل وعمل على الكذب و الخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفًا من انبساط الأيدي بالقهر عليه...فينبغي للمعلم في متعلمه و الوالد في ولده ألا يستبدوا عليهم في التأديب" ([105])
* حفظ كرامة الطفل عند عقوبته
هناك وسائل أشار إليها علماؤنا لمعاقبة الطفل عند خطأه وهي في نفس الوقت لا تجرح كرامته فمثلا:
إذا نبه الصبي مرة بعد مرة ولم ينتج التنبيه فائدة فعلى المعلم أن يلجأ إلى العذل و التقريع بالكلام من غير شتم و هذا الأسلوب في العقوبة للطفل يؤدي إلى هبوط مركز الطفل الأدبي ويثير في نفسه الخوف من هذا الضياع ولا تقبل الطبائع البشرية أن تنزل درجتها في المجتمع وهي راضية وعندئذ يجري الطفل وراء ما يحقق له شوقه إلى السلطان وذلك بالامتناع عما يسئ والابتعاد عما يضر و الإقبال على أداء ما هو مطلوب منه حتى إذا خالف هواه فيتم تهذيب الطفل بأيسر الوسائل وهذه هي أفضل الرياضات المؤدية إلى الإصلاح ([106]) وهذا ما نصح به القابسي إذ لفت نظر المعلم إلى أن يغبط الصبي بإحسان إذا أحسن في غير انبساط إليه ولا منافرة له ليعرف وجه الحسن من القبح و إذا أخطأ الصبي أخبره بهذا الخطأ ثم يقبحه عنده و يتوعده بشدة العقوبة إن هو عاوده ليتدرج على مجانبة الخطأ " ([107])
وهنا ينبغي استعمال اللوم والتوبيخ بحكمة : وفي هذا يقول الغزالي : " لا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين فإنه يهون عليه سماع الملامة و ركوب القبائح ويسقط وقع الكلام من قلبه وليكن الأب حافظًا هيبة الكلام معه فلا يوبخه إلاّ أحيانًا و الأم تخوفه بالأب وتزجره عن القبائح" ([108])
وهكذا ينبغي ألا يمس نوع العقوبة كرامة الطفل وألا يكون فيه إهانة له كأن تقول: إن هذا التلميذ سرق كذا وتعلن هذا أمام المدرسة فإن للطفل شخصية يجب أن تُراعي وكرامة يجب أن نحافظ عليها....فقد أدت الشدة إلى كثير من البلايا التي ولدت بعض المشكلات الاجتماعية التي يتألم منها المجتمع الإنساني فجعلت الطفل كائنًا ميت النفس ضعيف الإرادة خائر العزيمة قليل النشاط و الحيوية ([109])
كما أن القهر والإهانة المستمرة للطفل تولد عنده العجز والتبلد على كافة الأصعدة وهذا ما أشار إليه ابن خلدون بقوله: " إن من يعامل بالقهر يصبح حملاً على غيره إذ هو يصبح عاجزًا عن الزود عن شرفه و أسرته لخلوه من الحماسة و الحمية على حين يقعد عن اكتساب الفضائل و الخلق الجميل.....وبذلك تنقلب النفس عن غايتها ومدى إنسانيتها " ([110])
وإلى مثل هذا أكد أطباء الصحة النفسية حديثًا بأن أسلوب العقاب البدني كالضرب بشدة أو التحقير من الطفل و إنجازاته و التقليل من شأنه وإظهار الكراهية له وتوعده بأمور مخيفة و التأنيب المستمر مع الإشعار بالنقص و التدني يترتب عليها شخصية قلقة مترددة عاجزة تمتنع أصلاً عن أي نشاط ويخشى إشباع حاجاته خوفًا من العواقب المترتبة كما تتولد شخصية شديدة الحساسية يعاتب نفسه على كل صغيرة وكبيرة بشدة وبانفعال ([111])
أما إظهار الرحمة به والعطف والحنان له فإنه يأتي بنتيجة إيجابية حتى في مواقف الغضب منه "فإذا شعر
المخطئ بذنبه وكان واثقًا في عطف المدرس نحوه مد يده طالبًا تنفيذ العقوبة شاعرًا بالعدالة مصممًا
على التوبة وعدم العودة إلى ما فعل" ([112])
ومما ورد من كنموذج عملي على ما سبق ما روي من أن أبا محمد الترمذي قال: كنت أؤدب المأمون وهو في حجر سعيد الجوهري: فأتيته يومًا وهو داخل فوجهت إليه بعض خدامه يعلمه بمكاني فأبطأ علىّ ثم وجهت آخر فأبطأ فقلت لسعيد: إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة وتأخر قال: أجل ومع هذا إنه إذا فارقك تعزم على خدمه ولقوا منه أذى شديدًا فقومه بالأدب فلما خرج أمرت بحمله فضربته سبع درر قال: فإنه ليدلك عينيه من البكاء إذ قيل جعفر بن يحيى قد أقبل فأخذ منديلاً فمسح
عينيه من البكاء وجمع ثيابه وقام إلى فرشه فقعد عليه متربعًا ثم قال: ليدخل فقمت عن المجلس وخفت أن يشكوني إليه فألقي منه ما أكره قال: فأقبل بوجهه وحدثه حتى أضحكه وضحك إليه فلما هم بالحركة دعا بدابته ودعا غلمانه فسعوا بين يديه ثم سأل عني فجئت فقال: خذ علىّ بقية حزني. فقلت أيها الأمير أطال الله بقاءك لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر بن يحيى ولو فعلت ذلك لتنكر لي فقال: تراني يا أبا محمد كنت أطلع الرشيد على هذا ؟ فكيف بجعفر بن يحيى حتى أطلعه إنني أحتاج إلى أدب إذن يغفر الله لك بعدًا لظنك ووجيب قلبك خذ في أمرك فقد خطر ببالك مالا تراه أبدا لو عدت في كل يوم مائة مرة" ([113])
* أنواع العقوبة وشروطها
الترهيب والعقوبة يجب أن يستخدما بدرجات متفاوتة لدرجات من الناس فمن الناس من تكفيه الإشارة البعيدة فيرتجف قلبه ويعدل عما هو مقدم عليه من انحراف ومنهم من لا يردعه إلاّ الغضب الجاهر الصريح ومنهم من يكفيه التهديد بالعقاب مؤجل التنفيذ ومنهم من لابد من تقريب العصا منه حتى يراها ومنهم بعد ذلك فريق لابد أن يحس لذعة العقوبة على جسمه لكي يستقيم وهذا وضع له علماء المسلمين شروطا بعد أن نستنفذ طرق الإصلاح باللين والإقناع ([114])
" فأكد ابن سحنون على ألا يكون الضرب بسبب الغضب أو لغير منفعة الطلاب وألا يتجاوز العقاب ثلاث ضربات إلاّ أن يأذن الأب في أكثر من ذلك ويحدد عشر ضربات كحد أقصى للعقاب مستشهدًا في ذلك بقول رسول الله r "" أدب الصبي ثلاث دور فما زاد عليه قوصص به يوم القيامة" وقوله r لا يضرب أحدكم أكثر من عشرة أسواط إلا في حد" إلا أنه ينقل عن بعض أهل العلم: " إن الأدب على قدر الذنب وربما جاوز الأدب الحد" منهم سعيد بن المسيب وغيره يضاف
إلى ذلك أنه لا يجوز عند ابن سحنون ضرب الصبي على رأسه ولا أن يمنعه طعامه وشرابه" ([115])
وفي هذا الصدد يقول القابسي بشروط يلتزم بها المعلم في حالة العقاب تتشابه مع ما وجدناه عند ابن سحنون " فيرى القابسي أن من واجبات المعلم الأخذ بقاعدة الرفق بالصبيان و العدالة في العقاب وبعدم المغالاة في الضرب ونهى عن عقوبة الانتقام بنهي المعلم عن ضرب الصبيان وهو في ساعة غضب حتى لا يكون الضرب لراحة نفسية وقد أحاط القابسي عقوبة الضرب بسياج من الشروط حتى لا يخرج الضرب من الزجر والإصلاح إلى التشفي والانتقام وهنا نلمح إشارة مبدئية إلى أساليب العقاب ومحاولة ضبط النفس أثناء الثورات الإنفعالية وهي من مبادئ عملية التنشئة الاجتماعية التي هي لب عملية التربية الحديثة.
ومن واجباته أيضًا ألا يمنعهم الطعام و الشراب ومن حقهم عليه أن يعدل بينهم في التعليم ولا يفضل بعضهم على بعض وإن كان بعضهم يكرمه بالهدايا والإرفاق وألا يخلطوا بين الذكور و الإناث ([116])
كما يشير القيراوني في كتابه "سياسة الصبيان وتدبيرهم" إلى أن أسلوب التأديب يكون بالمدح و الذم للبعض و البعض الآخر يلزم له الإرهاب و التخويف و الضرب وتحتوي هذه الإشارة عن تأديب الأطفال على عدد من المفاهيم التي تنضوي تحت سيكلوجية التعلم مثل مفهوم العادة و المدح كأسلوب للتدعيم لتثبيت السلوك الإيجابي المرغوب و الذم أو الضرب كأنواع من العقاب المعنوي أو البدني لكشف السلوك المذموم وغير المرغوب" ([117])
ومما ورد في ذلك من نماذج عملية: ".........عن يوسف بن محمد قال: كنت جالسًا عند سعد الخفاف فجاءه ابنه يبكي فقال: يا بني ما يبكيك ؟ قال: ضربني المعلم قال: أما والله لأحدثنكم اليوم : حدثني عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله r:شرار أمتي معلمو صبيانهم أقلهم رحمة لليتيم و أغلظهم على المسكين قال محمد : و إنما ذلك لأنه يضربهم إذا غضب وليس على منافعهم و لابأس أن يضربهم على منافعهم ولا يجاوز بالأدب ثلاثًا إلا أن يأذن الأب في أكثر من ذلك إذا آذى أحدًا ويؤدبهم على اللعب و البطالة ولا يجاوز بالأدب عشرة وأما على قراءة القرآن فلا يجاوز أدبه ثلاثًا ([118])
وقال محمد بن أبي زيد في كتابه ( حكم المعلمين و المتعلمين) لا ينبغي لمؤدب الصبيان أن يزيد في
ضربهم إذا احتاجوا إليه على ثلاثة أسواط شيئًا ومن كلام عمر بن الخطاب t: " من لم يؤدبه الشرع لا أدبه الله " حرصًا على صون النفس عن مذلة التأديب .وعلما بأن المقدار الذي عينه الشرع لذلك أملك له فإنه أعلم بمصلحته" ([119])
* ملاحظة الفروق الفردية عند ممارسة العقاب
وإلى جانب التأكيد على ألا يزيد الضرب عن ثلاث فإننا نرى حثهم على ضرورة ملاحظة الفروق
الفردية بين طفل و آخر عند العقوبة إلى جانب وصفهم لما يجب أن تكون عليه آلة الضرب وفي هذا " يرى العبدري منع الشدة في معاملة الأطفال ويحذر المعلمين من إعداد عصا لضرب الصبيان لأن هذا لا يليق لمن ينتسب إلى حملة الكتاب العزيز فالصبيان يختلفون فرب صبي يكفيه أن يعبس معلمه في وجهه وآخر لا يصلح له إلا الضرب فليكن ضربًا غير مبرح ولا يزيد على ثلاثة أسواط شيئًا ولتكن أداة الضرب رقيقة ( أي مثل العصا) ([120])
ومن الصور العلمية على ما سبق ما روي " عن شريح القاضي أنه كان له صبي في نحو العاشرة من عمره وكان صبيا مؤثرًا اللهو مولعًا باللعب فافتقده ذات يوم فإذا هو قد ترك الكتاب ومضى يتفرج على الكلاب فلما عاد إلى المنزل سأله أصليت؟ فقال:لا فدعا بقرطاس وقلم وكتب إلى مؤدبه يقول:
تـرك الصلاة لأكلب يسعى لها يبـغي الهراش مـع العواة الرجس
فـليأتينك غـدوة بـصحيفة كـتبت لـه كـصحيفة المتلمس
فإذا أتـاك فـداوه بـمـلامة أوعظه موعـظة الأديب الكيس
و إذا هممت بـضربـه فبدرةٍ وإذا بـلغـت ثـلاثة لك فاحبس
واعـلم بـأنك ما أتيت فنفسه مـع مـا يجرعـني أعز الأنفس ([121])
وعن نوعية الأطفال المشاكسة التي يكون الضرب بمواصفاته السابقة عامل مهم في إصلاحها وتقويمها يقول الفضيل بين عياض : " رب ضربة للصبي أنفع من الخبيص" ( وهو المصنوع من التمر والسمن) وعن لقمان : " الضرب للصبي كالسماد للزرع" ([122]) وهنا نفهم أنه لا يكون في كل حين بل عند الضرورة وعلى فترات متباعدة مثل السماد الذي تبتغي منه قوة الأرض وخصبها بعد ضعفها ولا نضعه في كل الأوقات و إلاّ أضر بالزرع و أتى بنتيجة مخالفة لما نرجو وإلى هذا أشار العلم الحديث.
- فلقد أكد أطباء الصحة النفسية للطفل على أن هناك نوعية من الأطفال إذا لم يجدِ معها ما سبق من أساليب تربوية فإن الضرب هنا يكون ضرورة لأن غيابه قد ينجم عنه التدليل الزائد الذي يكون له أثار وبيلة على الطفل في حاضره ومستقبله " حيث إن استمرار الطفل في السلوك غير المرغوب فيه دون أدنى توجيه ومحاولته فرض رغباته وتصرفاته لمضايقة الآخرين مع عدم الاعتراض على ذلك مثل: إطفاء النور على الموجودين في الحجرة ، طلبات غير ملحة في ساعة متأخرة...) وتدليله لدرجة إجابة طلبات فيها شطط فقضية التدليل الزائد سببها الوالدان أو القائمون على التوجيه و الطفل لا ذنب له أبدًا ولا ينبغي الغضب منه فقناعات الوالدين الخاطئة يجب مواجهتهما بها ومن هذه القناعات:
1- "خليهم يعملوا اللي هما عايزينه علشان ما يطلعوش معقدين" ( وهذا التفكير سيجعلهم فاسدين أو غير متحملين للمسئولية )
2- "بكرة يكبروا ويعقلوا" ( من شب على شيء شاب عليه )
3- "لازم نسعد أولادنا ونهنيهم"( يبقى نهلك روحنا – هناء الأولاد مرتبط بإبعادهم عن الضرر وتعليمهم مواجهة الحياة حيث إن الطفل المدلل غير قابل لتعلم النظام أو تطوير مهاراته أو عمل أي شيء)
وعن مواجهة الأسلوب الخاطئ الذي يتبعه هذان الوالدان مع أبنائهم فإنه ينبغي اتهامهم أنهم أول من سيواجه العواقب الوخيمة عندما يتطاول عليهم الأولاد وسيلحقهم اللوم و المذلة من الآخرين
( معرفتوش تربوا أولادكم ) و الطفل المدلل يجعل إخوته يغارون منه جدًا وعلاقتهم مع بعضهم البعض في الكبر ستكون سيئة جدًا ولذا وجب محاولة كسب ثقة الطفل وحبه وتوجيهه بعد كسب ثقته وتشجيع الطفل على النضج و تحمل المسئولية وإذا كان أحد الوالدين غير مدرك لهذه الحقيقة فعلى الوالد المتفهم عدم الدخول في مشاكل مع الطرف الآخر لأن ذلك سيعقد الموقف" ([123])
* تدرج العقاب عند علماء المسلمين ودوره في ترسيخ العادات الحسنة للطفل
لقد سبق ابن سينا فلاسفة التربية الحديثة في القرن العشرين أمثال ( روسو وفرويل و سبنسر و أدلر وديوي ) بآرائه الثمينة في تربية الطفل وتهذيبه وتعويده الخصال الحميدة والعادات الحسنة في المرحلة المبكرة من حياته الأولى منذ الفطام قبل أن ترسخ فيه العادات القبيحة التي يصعب التخلص منها إذا ما تمكنت في نفس الطفل ([124]) وهو من خلال ذلك يحدثنا عن مراحل العقاب فيقول : " إنه من الضروري البدء بتهذيب الطفل وتعويده ممدوح الخصال منذ الفطام قبل أن ترسخ فيه العادات المذمومة التي يصعب إزالتها إذا ما تمكنت في نفس الطفل أما إذا اقتضت الضرورة الالتجاء إلى العقاب فإنه ينبغي مراعاة منتهى الحيطة و الحذر فلا يؤخذ الوليد أولا بالعنف وإنما بالتلطف ثم تمزج الرغبة بالرهبة وتارة يستخدم العبوس أو ما يستدعيه التأنيب وتارة يكون المديح و التشجيع أحد من التأنيب وذلك وفق كل حالة خاصة ولكن إذا أصبح من الضروري الالتجاء إلى الضرب فينبغي ألا يترد المربى في أن تكون الضربات الأولى موجعة فإن الصبي يعد الضربات كلها هينة وينظر إلى العقاب نظرة استخفاف ولكن الالتجاء إلى الضرب لا يكون إلا بعد التهديد و الوعيد وتوسط الشفعاء لإحداث الأثر المطلوب في نفس الطفل" ([125])
وفي هذا الصدد يقول الغزالي :" وكما أن الطبيب لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد قتل أكثرهم كذلك المربى لو أشار على المربين بنمط واحد من الرياضة أهلكهم و أمات قلوبهم وإنما ينبغي أن ينظر في مرض المريد وحاله وسنه ومزاجه وما تحتمله نفسه من الرياضة ويبني على ذلك رياضته" ([126])
ولقد لخص ابن خلدون آراء فلاسفة التربية الإسلامية في العقوبة حينما اقتبس نصيحة هارون الرشيد لمؤدب ولده الأمين فذكر أن الرشيد طلب إلى الأحمر مؤدب ولده ألا يدع ساعة تمر دون أن يغتنم فائدة تفيده من غير أن تحزنه فتميت ذهنه وألا يمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه ويقومه ما استطاع بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليه بالشدة والغلظة "([127])
" وإذا رأى المربى أن الولد بعد إنزال العقوبة قد انصلح أمره واستقام خلقه فعليه أن ينبسط له ويتلطف معه ويبش في وجهه ويشعره أنه ما قصد من العقوبة إلا خيره وسعادته وصلاح أمره في دنياه و آخرته و الولد حين يستشعر أن المربى بعد إجراء العقوبة يحن إليه ويعطف عليه وينبسط له ويتلطف معه و أنه ما أراد من ذلك إلا تربيته و إصلاحه ...فلا يمكن بحال أن تصيبه العقد النفسية أو أن ينحرف خلقيًا أو أن يتخبط في ردود الفعل أو أن يسبح في خضم من مركبات النقص بل يقدر لهذه المعاملة الرحيمة قدرها ويؤديها حقها ويسير في مواكب المتقين الأبرار"([128])
* موقف علم النفس التربوي للطفل من مسالة الثواب و العقاب
من المبادئ التي يعتمد عليها نجاح الثواب و العقاب في تربية الطفل وعي المربي بأن الثواب الحقيقي هو ما يشبع حاجة فالطعام مثلاً ليس مكافأة للشخص الشبعان و بالمثل ما نعده عقابًا قد لا يعده الطفل كذلك بل قد يكون مصدر سرور أو فخر للطفل الذي يتلقاه حين يعد تحمله علامة على القوة ومن ناحية أخرى فإن بعض الأطفال يتوهمون العقاب بينما لم يقصد أحد بالفعل إليه. أما الثواب ( ومنه المكافآت) فإنه يشتق قيمته من دوافع اجتماعية متعلمة و مكتسبة مثل الحاجة إلى التقدير أو الاعتراف أو المعرفة أو الإنجاز و رؤية الأطفال ما يصل إليه الآخرون من مكانة نتيجة إحرازهم هذه القيم الايجابية ([129]) كما أنه لا بد من الارتباط بين الثواب و العقاب والاستجابة في فترة زمنية واحدة حتى تنتج الأثر المطلوب ([130])
* هنا يجب أن نشير إلى بعض المبادئ الهامة عند استخدام العقاب
وهي كما أشار إليها العلماء المتخصصون:
1- لا يكون للعقاب قيمة إلاّ إذا أدى مباشرة إلى تغير الاستجابة فالميزة الكبرى للعقاب أن يجبر الطفل على التوقف و الانسحاب مما يفعله إلى محاولة شيء جديد مرغوب فيه ويثاب عليه بعد ذلك ومجرد العقاب الذي لا يؤدي إلى هذا التحول محدود القيمة أو معدومها .
2- لا أحد يمكن أن يدافع عن استخدام العقوبات البدنية أو المعنوية عندما يخطئ الطفل في التعلم وإنما تستخدم في مقامها عندما يظهر التلميذ سلوك اللامبالاة أو الكسل المقصود أو الإهمال أو خرق السلوك الديني والأخلاقي.
3- وهناك العقاب المعلوماتي الإخباري و الذي يعد مكونا رئيسيا من مكونات التقويم التربوي مثل أن ينتقد الوالد أو المعلم أداء الطفل أو يسجل فشله في التعلم فهذا إخبار للطفل بإجاباته الخاطئة ليهيئ الفرصة للتعلم إذا فهم التلميذ أخطاءه وصححها و العقاب الإخباري قد يعيد توجيه السلوك بحيث يمكن إثابة السلوك الجيد وهذا أفضل صور العقاب لأنه يحدد للطفل ما هو مسموح به وما هو غير مسموح .
4- قد يكون الطفل في حاجة إلى العقاب ليتحقق من المدى و الحدود المسموح به من السلوك من غير المسموح به و إذا حدث ذلك فمن المستحسن أن نلجأ إلى النظام الحازم وليس القاسي و أن ننفذه في الحال وبدون انفعال .
5- يجب الحذر من المبالغة في استخدام العقاب أو استخدامه كاستراتيجية مستمرة في تربية الطفل فقد يؤدي ذلك إلى زيادة مستوى القلق عند الطفل وتكوين مفهوم سلبي للذات وتكون أخطاره أشد ضررًا من الفشل في التعلم وقد يؤدي إلى انفصال الذات عن موضوع التعلم أو إزاء ميدان معرفي كامل ( كالرياضيات أو اللغات ) والحل ليس بتحريم استخدام العقاب في التربية وإنما استخدامه في حدود المعقول في اعتدال و توازن مع الدوافع الإيجابية وصور التعزيز الإيجابي لجعل التعلم أكثر نجاحًا بالنسبة إلى معظم الأطفال ([131])
وبصفة عامة فإن العقاب من فوائده أن يساعد على تحديد المشكلة فيتعلم الطفل أي الاستجابات يؤدي إلى العقاب فيتجنبه كما يؤدي العقاب على المدى الطويل إلى إضعاف الدافع الذي يؤدي إلى السلوك السيئ أما معاقبة الطفل بأعمال لا نرضاها يسمى في هذه الحالة المعزز المنفر وهو أكثر تحققًا كما دلت البحوث التجريبية في تعلم مواد الحفظ الصم كما يؤدي العقاب بالطفل إلى أن يكون مدفوعًا لتجنب الفشل في التعلم اللاحق وذلك بتركيزه الانتباه وبذل مقدار أكبر من الجهد و المثابرة إلاّ أنه حين يفشل التعزيز المنفر في تجنب الفشل ويستمر العقاب فإن الآثار السلبية للعقاب تظهر كما سبق الإشارة إليها ([132])
* نظام التعليم في عصر الحضارة الإسلامية ودوره في ترسيخ الشخصية الاستقلالية
- طريقة تحضير الدرس
حيث إن طرق التدريس في المساجد و المعاهد ودور العلم كانت ترمي إلى تعويد الطلبة الاعتماد على أنفسهم في التعلم فالمدرس أو المحاضر يعين لطلبته بعد الانتهاء من درسه كل يوم تعيينا خاصًا من الكتاب الذي يدرسونه لقراءة التعيين قبل الدرس و إعداده والاجتهاد في فهمه ( وهو ما يسمى حاليًا بالتحضير للدرس المقبل) فإذا ذهب الطلاب إلى الدرس أصغوا إلى أستاذهم فيساعد من يحتاج إلى مساعده ويجيب عما يسألونه من أسئلة ويناقشهم فيما يحتاج إلى مناقشة فكانت تترك للطلبة الحرية المطلقة في الأسئلة و المناقشة وبهذه الطريقة يعتاد الطلبة الاعتماد على النفس في القراءة و الفهم و البحث ويربون تربية استقلالية وطريقة التعيين تسمى في التربية الحديثة طريقة دلتون وهي لا تختلف عن الطريقة الأزهرية قديمًا في التربية و التعليم ([133])
* حرية اختيار الطالب أستاذه الذي يتلقى عنه العلم ومواد دراسته
فقد روعي في التربية الإسلامية منذ قرون مضت مراعاة قوة كل فرد ومستواه فيما يدرسه من المواد فكان لا يفرض عليه أستاذ معين كما يختار المواد التي يدرسها وكان المدرس على صلة روحية كبيرة بتلاميذه يعرف قواهم وميولهم ورغباتهم ويراعيها في تدريسه ولم يقتصر طلاب العلم على التحصيل من الكتب وحدها فكان أساتذتهم يشجعونهم على الرحيل في سبيل طلب العلم ولذا كانوا يجدون لذة في التعلم ويعطون الحرية في العمل بأنفسهم فيتعودون على الجد و المثابرة على العمل والاعتماد على النفس و التغلب على الصعوبات التي تعترضهم و يمرنون على إتقان العمل وإجادته ويعتادون الصفات الضرورية للنجاح في الحياة العملية وهذه كلها مبادئ مثالية في التربية الحديثة ([134])
* حرية المتعلم في اختيار مهنته الملائمة لميوله واستعدادته
كانت التربية الإسلامية تراعي ميول المتعلم و استعدادته الفطرية وقدراته الطبيعية عند إرشاده إلى المهنة التي يختارها في مستقبل حياته فإن المتعلم لا يستطيع أن ينبغ في كل مادة يدرسها ولكن يتفوق في المواد التي يحبها ولهذا كان المتعلم يوجه بطريقة مناسبة فالأذكياء كان يُعني بهم كل العناية وغير الأذكياء يوجهون إلى الناحية العملية بعد الإلمام بالضروري من الدراسة الدينية ولهذا كان ابن سينا ينصح المربين أن يزنوا طبع وميول وذكاء المتعلم حتى يختار له صنعة تلائمه ويشجع ويعطي الفرصة في كل مجال يهواه وهذا ما تنادي به اليوم التربية الحديثة وفي هذا يقول ابن سينا : " ليس كل صنعة يروقها الصبي ممكنة له مواتية ولكن ما شاكل طبعه وناسبه ولذلك ينبغي لمدبر الصبي إذا رام اختيار صناعة أن يزن أولاً طبع الصبي ويسبر قريحته ويخبر ذكاءه فيختار له الصناعات بحسب ذلك ([135])
* العناية بالخطابة و المناظرة
فالتربية الإسلامية كانت تُعني بتعويد اللسان حسن التعبير مع دقة التفكير والارتجال في الخطابة والإقناع في المناظرة و المناقشة و المجادلة وهي الآن من الضروريات للنجاح في حياة المعلمين و المحامين و السياسيين فكما ننتظر من المربين أن يربوا الطلاب ليفكروا بعقولهم ويشعروا بقلوبهم و ينفذوا بإرادتهم ننتظر منهم عنايتهم بالخطابة و المناظرة وإجادة التعبير بالقلم و اللسان ولا يستطيع أحد أن ينكر أثر المناظرات والمناقشات في المنتديات و المجتمعات الإسلامية في النهضة العلمية والأدبية .
ولا شك أن العناية بهذا الأمر كان يمنح المرء ثقة بالنفس في التعامل مع أفراد المجتمع وما يعترضه من مشكلات تتطلب مهارات عقلية في حلها. ([136])
المراجع :
([96]) التربية الإسلامية وفلاسفتها، ص 3 ، 4
([97]) إحياء علوم الدين: للغزالي ج3/ ص 63
([98]) الإنسان وصحته النفسية: د. سيد صبحي ص 372 نقلا عن تحفة الودود بأحكام المولود ص 182
([99]) رسالة في رياضة الصبيان وتعليمهم وتأديبهم: لشمس الدين الإنبابي مخطوط 432 المكتبة العامة بالقاهرة .
([100]) الأذكياء : ص 153
([101]) المرجع السابق، ص 152
([102]) رواه ابن ماجة و الديلمي في الفردوس ، أخلاقنا الاجتماعية ص 120
([103]) علم النفس في التراث الإسلامي، ج3/ ص 46
([104]) التربية في الإسلام: أحمد فؤاد الأهواني ص152
([105]) مقدمة ابن خلدون، ص 399
([106]) التربية في الإسلام، ص 153 ، 154
([107]) المرجع السابق، ص 152 ، 153
([108]) إحياء علوم الدين، ج3 / ص 63 ( بيان الطريق في رياضة الصبيان في أول نشوئهم
([109]) التربية الإسلامية وفلاسفتها، ص 160
([110]) يرجع إلى مقدمة ابن خلدون، ص 494 ، 495
([111]) الصحة النفسية للطفل: د. حاتم محمد ص 88
([112]) التربية الإسلامية وفلاسفتها، ص 159 - 160
([113]) الأذكياء ، ص 151
([114]) أصول التربية الإسلامية: د. سعيد إسماعيل القاضي ص 187 – 189 عالم الكتب
([115]) التربية الإسلامية رسالة ومسيرة: د.عبد الرحمن النقيب ص 19 نقلاً عن ابن سحنون:آداب المعلمين ص 116، 117
([116]) علم النفس في التراث الإسلامي، ج1 / ص 435 وما بعدها نقلاً عن الرسالة المفصلة لأحوال المعلمين و أحكام المعلمين و المتعلمين للقابسي ت 403 هـ / ص 313 – 314 دار المعارف
([117]) المرجع السابق، ص 336 نقلاً عن سياسة الصبيان وتدبيرهم للقيراوني ص 113 – 116 تحقيق محمد الحبيب .
([118]) التربية في الإسلام : أحمد فؤاد الأهواني ص 356
([119]) التربية الإسلامية وفلاسفتها، ص 298
([120]) التربية الإسلامية وفلاسفتها ، ص 299 - 300
([121]) صور من حياة التابعين،ص 121، 122نقلا عن صفة الصفوة لابن الجوزي 3 / 38،حلية الأولياء 4 / 256 258
([122]) الحكم و الأمثال: للعسكري ص 71 باب التأديب و التعليم و التثقيف و الضرب
* الفضيل بن عياض شيخ الحرم المكي من أكابر العباد الصلحاء كان ثقة في الحديث أخذ عنه كثيرون منهم الإمام الشافعي .
([123]) الصحة النفسية للطفل، ص 88- 90
([124]) التربية الإسلامية وفلاسفتها، ص 233
([125]) السياسة لابن سينا، كتاب " التراث التربوي في خمس مخطوطات " هشام نشابة ص 40
([126]) المرجع السابق، ص 232
([127]) التربية الإسلامية وفلاسفتها، ص 158 نقلا عن مقدمة ابن خلدون ص494- 495
([128]) تربية الأولاد في الإسلام، د. عبد الله ناصح علوان ص 570
([129]) علم النفس التربوي: د. فؤاد أبو حطب ، د. آمال صادق ص 374 مكتبة الأنجلو المصرية .
([130]) المرجع السابق، ص 375
([131]) علم النفس التربوي، ص 371 - 372
([132])علم النفس التربوي ، ص 372 ، 373
([133]) التربية الإسلامية وفلاسفتها، ص 33 ، 34
([134]) المرجع السابق، ص 34 ، 35
([135]) التربية الإسلامية وفلاسفتها ص 35 - 36
([136]) التربية الإسلامية، ص 37 ، 38
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 08-07-2019, 06:22 PM
abeer yaseen abeer yaseen غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2018
المشاركات: 46
افتراضي تربية الأبناء في عصر الحضارة الاسلامية ج1

* واجب الآباء نحو أبنائهم

1- حسن التربية لهم

قال رسول الله r " ...من كان له ثلاث بنات فأدبهن وأنفق عليهن حتى يمتن أو يبنى بهن أوجب الله له الجنة البتة إلاّ أن يعمل عملاً لا يغفر الله تعالى له([1]) فناداه رجل من الأعراب فقال: يا رسول الله أو اثنتين؟ قال: أو اثنتين "
ويضاف إلى حسن الأدب حسن اختيار الاسم
" ويروي ابن عباس عن النبي r قال: من وُلد له ولد فليحسن اسمه وأدبه فإذا بلغ فليزوجه فإن بلغ ولم يزوجه فأصاب إثمًا فإنما إثمه على أبيه " ([2]) وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله r: "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم و أسماء آبائكم فأحسنوا أسمائكم" ([3]) ويروى عن عمر t أن رجلاً جاء إليه بابنه فقال: " إن ابني هذا يعقني" فقال عمر t للابن: أما تخاف الله في عقوق والدك فإن من حق الولد كذا ومن الوالد كذا" فقال الابن: " يا أمير المؤمنين أما للابن على و الداه حق؟ قال: نعم عليه أن يستنجب أمه يعني لا يتزوج امرأة دنيئة لكيلا يكون للابن تعيير بها" قال: ويحسن اسمه و يعلمه الكتاب" فقال الابن: " فو الله ما استنجب أمي وما هي إلا سندية اشتراها بأربعمائة درهم ولا حسن اسمي سماني جعلاً( ذكر الخفاش) ولا علمني من كتاب الله آية واحدة" فالتفت عمرt إلى الأب و قال: تقول : ابني يعقني ! فقد عققته قبل أن يعقك قم عني" ([4])
"وسب أعرابي ولده و ذكر له حقه فقال:"يا أبتاه إن عظيم حقك علىّ لا يبطل صغير حقي عليك"([5])

2- إطعامهم من حلال و التوسعة عليهم

يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني في "الغُنية" جعل من آداب المريد مع أبنائه تحري الكسب الحلال لأنه ينعكس بالخير على الأبناء إلى جانب عدم التضييق عليهم في الأرزاق إذا كان الوالد في استطاعته ذلك لأن نفوسهم الضعيفة يشق عليها ما قد يأخذ به الوالد نفسه من تحمل شظف العيش فيقول:
" فإن كان للمريد قوة في التوكل وصبر على مقاساة القلة و الجوع و الضر وتقصر قوة عياله على ذلك فلا يجوز له أن يدعوهم إلى حالة نفسه بل يتحرك ويكتسب لأجلهم و إن رأى من أهله الطاعة لله عز وجل وحسن السيرة و العبادة فعليه بكسب الحلال و إطعامهم المباح حتى يثمر ذلك الطاعة و الصلاح ولا يطعمهم الحرام فإنه يثمر العصيان والجناح وليجتهد في ذات نفسه بإصلاح العمل و الصدق وطهارة الباطن حتى يصلح الله أمره بينه وبين عياله في حسن الصبر و حسن الطاعة له ولله عز وجل و الموافقة له و تعود بركة صلاحه على عياله قال النبي r " من أصلح ما بينه وبين الله عز وجل أصلح الله تعالى ما بينه وبين الناس و أهله وعياله من جملة الناس"([6])

" وقيل من حق الولد على والده أن يوسِّع عليه حاله كي لا يفسق" ([7]) ولكن بشرط ألا يكون ذلك يمثل محور الاهتمام في حياة الإنسان وشغله الشاغل وهذا ما حذر الله تعالى ورسوله منه حين يتحول هذا الأمر إلى فتنة تدفع الإنسان إلى نسيان رسالته في هذه الحياة والوقوع في المعاصي قال الله عز وجل: (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) التغابن:14 وقال النبي r :"لا يكن أكثر شغلك بأهلك وولدك فإن يكن أهلك وولدك أولياء الله فإن الله لا يضيع أولياءه و إن يكونوا أعداء الله فهمك شغلك بأعداء الله"([8])

والنموذج المثالي نحو الأولاد هو الذي تمثله عمر بن عبد العزيز والذي كان يملك الوعي والفهم السليم لكتاب الله وسنة رسوله في هذا الشأن فمما يرويه عنه ابن الحكم في كتابه النفيس المسمى
"سيرة عمر بن عبد العزيز" أنه لما حضرت عمر الوفاة دخل عليه مسلمة ابن عبد الملك ([9]) وقال: إنك يا أمير المؤمنين قد فطمت أفواه أولادك عن هذا المال فحبذا لو أوصيت بهم إلىّ أو إلى من تفضله من أهل بيتك فلما انتهى من كلامه قال عمر: أجلسوني....فأجلسوه فقال: قد سمعت مقالتك يا مسلمة أما قولك: إني قد فطمت أفواه أولادي عن هذا المال ...فإني و الله ما منعتهم حقا هو لهم ولم أكن لأعطيهم شيئًا ليس لهم.... وأما قولك: لو أوصيت بهم إلىّ أو إلى من تفضله من أهل بيتك ...فإنما وصيي ووليي فيهم الله الذي نزّل الكتاب بالحق وهو يتولى الصالحين واعلم يا مسلمة أن أبنائي أحد رجلين:
- إما رجل صالح متق فسيغنيه الله من فضله ويجعل له من أمره مخرجًا.
- وإما رجل طالح مُكِبّ على المعاصي فلن أكون أول من يعينه بالمال على معصية الله تعالى ثم قال: ادعوا لي بنيي ......فدعوهم وهم بضعة عشر ولدًا فلما رآهم ترقرقت عيناه وقال: بنفسي فتية تركتهم عالة لا شيء لهم...وبكى بكاءًا صامتًا ثم التفت إليهم وقال: أي بنيّ إني تركت لكم خيرًا كثيرًا فإنكم لا تمرون بأحد المسلمين او أهل ذمتهم إلاّ رأوا أن لكم عليهم حقًا يا بنيّ إن أمامكم خيارًا بين أمرين فإما أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار... وإما أن تفتقروا و يدخل الجنة ...,ولا أحسب إلاّ أنكم تؤثرون إنقاذ أبيكم من النار على الغنى ثم نظر إليهم في رفق وقال: قوموا عصمكم الله ....قوموا رزقكم الله . فالتفت إليه مسلمة و قال: عندي ما هو خير من ذلك يا أمير المؤمنين فقال: وما هو؟ قال: لدي ثلاثمائة ألف دينار.... وإني أهبها لك ففرقها فيهم.....أو تصدق بها إذا شئت فقال له عمر : أو خير من ذلك يا مسلمة؟ فقال: وما هو يا أمير المؤمنين ؟ فقال: تردها إلى من أخذت منه فإنها ليست لك بحق...فترقرقت عينا مسلمة وقال:رحمك الله يا أمير المؤمنين حيًا وميتًا فقد ألنت منا قلوبًا قاسية ...وذكّرْتها وقد كانت ناسية وأبقيت لنا في الصالحين ذكرًا ثم تتبع الناس أخبار أبناء عمر من بعده ...فرأوا أنه ما احتاج أحد منهم ولا افتقر وصدق الله العظيم إذ يقول:{وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً }النساء:9 ([10])

وفي هذا الصدد أيضا وعما يجب على الآباء نحو أبنائهم من مسئوليات ومنها أنه ينبغي للوالد أن لا يسهو عن تأديب ولده و يحسّن عنده الحسن ويقبّح عنده القبيح ويحثه على المكارم و على تعلم العلم و الأدب ويضربه على ذلك كما أنه يجب على الوالد أن يحسن اختيار أم ولده واسمه وأن يتتبع مراحل تربيته ومعيشته ليتأكد من أنها تسير على ما يرام فقد قال رسول الله r : " من حق الولد على والده أن يحسن اسمه ويحسن موضعه ويحسن أدبه ([11])

" وغضب معاوية على يزيد فهجره فقال الأحنف: : يا أمير المؤمنين أولادنا ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا ونحن لهم سماء ظليلة و أرض ذليلة وبهم نصول عن كل جليلة فإن غضبوا فأرضهم وإن سألوا فأعطهم وإن لم يسألوا فابتدئهم ولا تنظر إليهم شزرًا فيملوا حياتك ويتمنوا وفاتك فقال معاوية: يا غلام إذا رأيت يزيد فأقرئه السلام واحمل إليه مائتي ألف درهم ومائتي ثوب فقال يزيد: من عند أمير المؤمنين؟ فقيل له: الأحنف فقال يزيد بن معاوية: علىّ به فقال: يا أبا بحر كيف كانت القصة فحكاها فشكر صنيعه وشاطره الصلة" ([12]) ويقول ابن المقفع: " أفضل ما يُورث الآباء الأبناء الثناء الحسن و الأدب النافع و الإخوان الصالحون " ([13])


* التربية الاجتماعية ونضج الطفل

عن أهمية هذا الجانب في بناء دعائم الشخصية الإنسانية منذ الصغر يقول صاحب كتاب " الطفولة صانعة المستقبل": " يجب أن يعوَّد الطفل منذ الصغر أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويتعاون مع إخوته وأصدقائه منذ الطفولة في البيت و المدرسة فلا يفكر في نفسه فحسب فإذا عودناه منذ الصغر التفكير في غيره في اللعب و الطعام الشراب و التنزه شب وقد تعود أن يعيش لغيره كما يعيش لنفسه.
وينشأ ناشئ الـفـتـيـان منا عـلـى ما كـان عوده أبوه
وإذا عنينا بالتربية الاجتماعية زالت الأثرة و الفوضى وزال الحقد و التمايز وعم النظام و التعاون وحيينا حياة اجتماعية كاملة في كل ناحية من النواحي " ([14]) ومما لاشك فيه أن من أكبر أخطاء المربين آباءً ومدرسين التبكير بتوجيه الطفل قبل الموعد المناسب أو تأخير توجيهه إلى ما بعد فوات الفرصة الملائمة وخطأ ثالث هو الخطأ في طريقة التوجيه نفسها كل هذا يعرقل نمو الطفل اجتماعيا ومن الثابت أن النمو الاجتماعي هو النمو الجدير بالدراسة فهو الذي يرتكز عليه نجاح الشخص في تعامله مع من حوله ونجاح الشخص بالتالي في تعامله مع نفسه ونقصد بالنمو الاجتماعي نضج المرء وكسبه المهارة و الكياسة و الدقة في التعامل مع الناس في كل الميادين" فالشخص الناضج من الوجهة الاجتماعية هو من يمكنه أن يتحكم في نفسه ويضبطها ويوجهها وهو أيضا من يستطيع الحصول على حب الناس وتقديرهم و احترامهم وخدمتهم" ([15])

* دور الآباء في تحقيق النضج الاجتماعي لأبنائهم

يقول أليس وايتزمان " قد يخطئ البعض حين يظن أن الطفل ينضج فجأة فيتحرر من مميزات طفولته ومظاهرها عندما يصل به نموه إلى مستوى محدد....فنمو الطفل لا يتم إلا بالتدريج البطئ عامًا بعد عام و مرحلة إثر أخرى فالأطفال يولدون ضعافًا لا حول لهم ولا قوة وهم لذلك في حاجة دائمة إلى العناية و الرعاية من قبل أن يواجهوا مطالب العالم الخارجي المحيط بهم و أن لهم أن ينموا و أن علينا أن نرشدهم وأن نهديهم طريقهم في صبر عبر طفولتهم وصباهم ورشدهم حتى نصل بهم إلى المستوى الذي يصبحون فيه مسئولين عن أنفسهم... وتعتمد سرعة نمو الطفل في نواحيها المختلفة على قدرة الطفل وعلى تشجيع ومساعدة أبويه" ([16])


ومن أهم صفات النضج الاجتماعي التي يستطيع الآباء و المدرسون أن يساعدوا الأطفال على
اكتسابها:

1- الثقة بالنفس
2- الاهتمام بالأفراد الآخرين

3- النأي عن التعصب أي يتميز باتجاهات نفسية قوية سوية حيال نفسه و حيال الآخرين

اولا : الثقة بالنفس

ومن مظاهر هذه الثقة القدرة على أن يتخذ لنفسه قراراتها لكنه يسعى للنصيحة عندما يحتاج إليها كما يرسم خططًا واضحة لحياته المقبلة ثم يحاول أن يحققها في حياته الواقعية ([17])
والمنبع الأول لشعور الطفل بثقته في العالم المحيط به هو حب والديه وحمايتهما له فحاجة الأطفال للحب كحاجتهم للغذاء و الشمس ....و الطفل لا يستطيع أن يكسب ثقته بنفسه إلاّ عندما يشعر أنه محبوب فإذا لم يلق حبًا ولا تشجيعًا حوله فإنه لن يجد في نفسه القوة الكافية ليسير شطر النضج فالذين لا يثقون بأنفسهم لا يقدرون على شيء من الحزم وعزم الأمور و التفكير في تنظيم الحياة تنظيمًا يمتد بها إلى المستقبل ولطالما أصبح الطفل غير المحبوب خائفًا أحيانًا مترددًا أو أمسى جريئًا جرأة تخفي وراءها شعورًا عميقًا بانعدام الحب ليدافع عن نفسه أما الجو العائلي المترع بالحب فإنه يساعد الطفل على أن يتعلم درسه الأول في التعاون والأخذ و العطاء وإدراك ما في الآخرين من خير وهكذا تسير به هذه الأمور جميعًا نحو النضج" ([18])

فالصغار يحتاجون إلى قدر كبير من الحب و التشجيع لتنمية اعتمادهم على أنفسهم كما أنهم محتاجون لأن تتاح لهم الفرص التي تساعدهم على النمو و النضج وتتحقق تلك الفرص إذا تركناهم يساعدوننا ويقومون بشيء مهم بأنفسهم وتركناهم يدبرون أمور نقودهم وينظمون خططهم وتركناهم يدركون أننا نضمر لهم حبًا وتركناهم يقعون في بعض الأخطاء ([19])

* صور عملية لحب الأبناء في التراث الإسلامي

ذكر صاحب "تذكرة الآباء" نصوصا من الكتاب و السنة وسيرة السلف تدل جميعها على الاحتفاء بالأولاد والدعوة إلى مدحهم وذكر النعمة بهم فهم من نعم الدنيا التي أنعم بها الله تعالى على الإنسان : {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}الكهف:46
وقال النبي r : " الولد ثمرة القلوب" ([20]) وقال عليه الصلاة والسلام : " الولد ريحان الجنة "
وقال الفضيل:"ريح الولد من الجنة "وكان يقال: " ابنك ريحانتك سبعا، ثم خادمك سبعا ،ثم عدو أو صديق "
ويقول ابن عربي: " أعط الصغير حقه من الرفق به و الرحمة له و الشفقة عليه وأعط الكبير حقه من الشرف و التوقير فإن من السنة رحمة الصغير وتوقير الكبير ومعرفة شرفه ثبت عن رسول الله r أنه قال: ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا وفي حديث ويوقر كبيرنا" ([21])
وابن قيم الجوزية في كتابه " تحفه الودود بأحكام المولود" ينبئنا عن الكثير من السنن العملية للرسولr في تعامله مع الأطفال و النابعة من الحب و الشفقة بهم حيث يرى أن الشارع الحكيم لم يأمر بغسل ثياب من يربي الأطفال لأنهم في حياتهم المبكرة يكونون كثيري القيء ثم يعرض في الباب الثالث عشر لجواز حمل الأطفال في الصلاة وإن لم يُعلم حال ثيابهم فقد كان الرسول r يصلي وهو حامل أبناء بناته وهو سلوك يدل على الرحمة بالأطفال أما الباب الرابع عشر فهو من استحباب تقبيل الأطفال وقد حث الرسول r على تقبيل الأطفال" ([22])

* حب الرسول r للحسن و الحسين

" عن عبد الله بن عمرو t قال: رأيت رسول الله r على المنبر يخطب الناس فخرج الحسين بن علي t في عنقه خرقة يجرها فعثر فيها فسقط على وجهه فنزل النبيr عن المنبر يريده فلما رآه الناس أخذوا الصبي فأتوه به فأخذه وحمله فقال: قاتل الله الشيطان إن الولد فتنة و الله ما علمت أني نزلت عن المنبر حتى أُتيت به" ([23])
وعن عبد الله بن مسعود t قال: كان رسول الله r يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين t على ظهره فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهم فإذا قضى الصلاة وضعهما في حجره وقال: من أحبني فليحب هذين" ([24])
وعن أنس t قال: كان رسول الله r يسجد فيجيء الحسن أو الحسين فيركب ظهره فيطل السجود فيقال: يا نبي الله أطلت السجود؟ فيقول: ارتحلني ابني فكرهت أن أعجله " ولم يكن هذا السلوك من الرسول r مقتصرًا على الذكور من أبناء ابنته فاطمة t ومما يدل على ذلك ما رواه البخاري عن أبي قتادة t قال: خرج علينا النبي r وأمامه بنت أبي العاص t على عاتقه فصلى فإذا ركع وضعها وإذا رفع رفعها" ([25])
وعن تقبيل الأطفال روي أن النبيr قبَّل حسنا t فقال له الأقرع بن حابسt لقد ولد عشر ما قبلت واحدًا منهم فقال النبي r" لا يرحم الله من لا يرحم الناس" ([26])

* حب علي بن أبي طالب لأبنائه

وقدم ابن النديم نموذجًا لمقدار ما يكنه الآباء من مشاعر ومودة لأبنائهم وشكل التعبير عن مشاعرهم الفياضة نحو أبنائهم وخوفهم عليهم من أن يصيبهم مكروه وفيما يدل على ذلك " أن الإمام علي رضي الله عنه رأى الحسن يتسرع إلى الحرب فقال: املكوا عني هذا الغلام لا يهدني فإني أنفس بهذين ( أي الحسن و الحسين) على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله r ([27])

* حب معاوية بن أبي سفيان لابنته عائشة

" دخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ابنته عائشة فقال: من هذه يا أمير المؤمنين ؟ قال: هذه تفاحة القلب فقال: انبذها عنك فإنهن يلدن الأعداء ويقربن البعداء ويورثن الضغائن قال: لا تقل يا عمرو ذلك فوالله ما مرّض المرضى ولا ندب الموتى ولا أعان الإخوان إلاّ هنّ فقال عمرو: يا أمير المؤمنين إنك حببتهن إلي" ([28])
* حب هارون الرشيد لولديه الأمين والمأمون
حكى الكسائي أنه دخل على الرشيد يومًا فأمر بإحضار الأمين والمأمون ولديه قال: فلم يلبث قليلاً أن أقبلا ككوكبي أفق يزينهما هداهما وقد غضا أبصارهما حتى وقفا في مجلسه فسلما عليه بالخلافة ودعوا له بأحسن الدعاء فاستدناهما وأسند محمدا عن يمينه وعبد الله عن يساره ثم أمرني أن ألقي عليهما أبوابًا من النحو فما سألتهما شيئًا إلا أحسنا الجواب عنه فسره ذلك سرورًا عظيماً.... ثم قلت ما رأيت أعز الله أمير المؤمنين أحدًا من أبناء الخلافة ومعدن الرسالة وأغصان هذه الشجرة الزلالية آدب منهما ألسنًا: أسأل الله تعالى أن يزيد بهما الإسلام تأييدًا وعزًا ويدخل بهما على أهل الشرك ذلاً وقمعًا وأمّن الرشيد على دعائه ثم ضمها إليه وجمع عليهما يديه فلم يبسطهما حتى رأيت الدموع تنحدر على صدره ثم أمرهما بالخروج وقال: كأنكم بهما وقد دهما القضاء ونزلت مقادير السماء وقد تشتت أمرهما وافترقت كلمتهما بسفك الدماء وتهتك الستور" ([29])
ومما ورد في هذا الصدد من خوف الآباء على أولادهم وشعورهم بالشفقة و الرحمة في حالة
لصعوبات الحياة " وكما قيل :"إذا ترعرع الولد تزعزع الوالد ومن أمثلة ذلك أن عبد الملك بن مروان أخذ أحد لصوص العرب فأمر بقطع يده فجاءت أمه فقالت: يا أمير المؤمنين ولدي وكاسبي قال: بئس الولد ولدك وبئس الكاسب كاسبك هذا حد من حدود الله تعالى لا أعطله قالت: اجعله من الذنوب التي تستغفر الله منها فعفا عنه" ([30])

2- الناضج اجتماعيًا يهتم بالأفراد الآخرين

بما أن الشخص الناضج يهتم بالآخرين كما يهتم بنفسه فهو إذن خليق أن يؤدي تلك الخدمات وهو سعيد فرح بها لا لمجرد أنها واجبات وهو لا يتطلب من الآخرين أجرًا ولا شكورًا على اشتراكه معهم ومعاونته إياهم بل يكفيه شعوره العميق بالرضا و الاطمئنان إنه يتقبل مسئوليات الزعامة إذا كان كفؤًا لها وعندما يقبل أن يكون رئيسًا لجماعة ما أو يقبل منصبًا خطيرا في أية مؤسسة فإنه يقوم بواجبه على خير ما يكون القيام بالواجب إنه لا يسأم سريعًا ولا ينتقل بين ضروب النشاط المختلفة بسرعة تفقده اتزانه" ([31])

ويكاد يجمع علماء التربية في عصرنا الحالي على أن التربية الناجحة التي تؤثر تأثيرًا كبيرًا في سعادة المجتمع وتماسك بنيانه هي التي تقوم على الدعائم التالية:

أولا: تقوية شخصية الطفل بحيث يجد في جو البيت ما ينمي مواهبه ويصقلها ويعدها للبناء والإفادة.

ثانيًا: تنمية الجرأة الأدبية في نفس الطفل بحيث يعيش شجاعًا صريحًا جريئًا في آرائه في حدود النظام و الخير و الأدب الإنساني الكريم.

ثالثًا: تقوية روح التعاون و الحب في نفسه نحو إخوانه في المجتمع حتى يكون من رواد التكافل الاجتماعي في كل ما يعود على الأمة بالقوة والكرامة والأمن والسلام ([32])

* صور عملية من النضج الاجتماعي في الإسلام

سماح الرسول r للصبيان بالخروج للجهاد رغم منعه لهم ولكن إصرارهم و تقديم الدلائل العملية للرسولr على قوتهم وشجاعتهم التي يقتضيها موقف القتال جعل الرسول r ينزل على رغبتهم ومما روى في ذلك عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: رد رسول الله r عمير بن أبي وقاص t عن مخرجه إلى بدر واستصغره فبكى عمير t فأجازه" ([33]) وفي رواية أخرى عن سعد t قال: رأيت أخي عميرا بن أبي وقاص t من قبل أن يعرضنا رسول الله يوم بدر يتوارى فقلت مالك يا أخي؟ قال: إني أخاف أن يراني رسول الله r فيستصغرني فيردني و أنا أحب الخروج لعل الله أن يرزقني الشهادة قال: فعُرض علي رسول الله r فرده فبكى فأجازه" ([34])


* ومن التشجيع على علو الهمة للأطفال

" ذكر ابن الجوزي أن عبد الملك بن مروان قال لابن الجالوت: ما عندكم من الفراسة في الصبيان قال: ما عندنا فيهم شيء لأنهم يخلقون خلقًا بعد خلق غير أنّا نرمقهم ( نلاحظهم) فإن سمعنا منهم من يقول في لعبه من يكون معي ؟رأيناه ذا همة وحنو صدق فيه و إن سمعناه يقول: مع من أكون؟ كرهناها منه فكان أول ما علم عن ابن الزبير أنه كان ذات يوم يلعب مع الصبيان وهو صبي فمر رجل فصاح عليهم ففروا ومشى ابن الزبير القهقري وقال: يا صبيان اجعلوني أميركم وشدوا بنا عليه ومر به عمر بن الخطاب وهو صبي يلعب مع الصبيان ففروا ووقف فقال له : مالك لم تفر مع أصحابك؟ قال: يا أمير المؤمنين لم أجرم فأخاف ولم تكن الطريق ضيقة فأوسع لك" ([35])
" وسئلت أعرابية عن ابنها فقالت: أنفع من غيث وأشجع من ليث: يحمي العشيرة ويبيع الذخيرة ويحسن السريرة" وقالت مارية بنت النعمان بن كعب لزوجها لؤي ابن عابد : أي أولادك أحب إليك؟ قال: الذي لا يرد بسطة يده بخل ولا يلوي لسانه عمى ولا يغير طبعه سفه" ([36])

3- الشخصية الناضجة اجتماعيًا متحررة من التعصب

" المتحرر من التعصب ذلك الذي يدرك أن الناس جميعًا لم يخلقوا سواء بل تفرد كل منهم بشخصية تميزه عن غيره كما تميز هو بشخصيته قادر على أن يحترم من يختلفون عنه في قدراته وتحصيله وآرائه وخصاله ولونه وإيمانه وهو لذلك لا يستبعد من المحيط الاجتماعي لحياته كل من يختلف عنه ولا يختار أصدقاءه لثروتهم أو لمكانتهم أو لعقيدتهم أو لجنسهم مثل هذا الشخص هو الناضج حقًا إنفعاليًا واجتماعيًا ذلك لأن بذور التعصب والتفرقة والاستغلال عند بعض الأفراد والجماعات تكمن في مظاهر القلق الإنفعالي وانعدام الثقة بالنفس" ([37])

* كيف يستطيع الآباء غرس هذه القيمة في نفوس أطفالهم؟

يجيب عن ذلك أليس وايتزمان بقوله تحت عنوان "أحبب الآخرين كما هم "حينما يتعلم الطفل كيف
يتقبل نواحي قصوره وكيف يستمتع بنواحي قوته فإنه بذلك يتعلم كيف يقدر الآخرين ويتقبلهم على ما هم عليه ويحترمهم هذا وفي وسع الآباء أن يربوا تلك الاتجاهات النفسية الصحية في الطفل حينما يحبوه ويتقبلوه بقبول حسن كما هو لا كما يجب أن يكون وفي وسعهم أيضًا أن ننشئهم على تقبل الآخرين كما هم لا كما يجب أن يكونوا " ([38])
ثم يضرب مثالاً عمليًا توضيحيًا على ذلك بإحدى التلميذات واسمها فكرية والتي عادت من المدرسة وهي ثائرة غاضبة من سلوك صديقتها معها بقولها: ( إنها لا تفتأ أن تذكرني بما يجب أن أعمل لقد تجاوزت مداها وما عدت أستطيع الصبر عليها) و حينما ذهبت عنها ثورة غضبها سألتها والدتها عما إذا كانت هناك بعض الصفات الحميدة التي تحبها هي في سلوى ولم تلق فكرية صعوبة في أن تذكر بعض صفات سلوى الحميدة وظلت والدتها تحاورها حتى أقنعتها أخيرًا بأن الناس مزيج من خير وشر وبأن كفة الخير ترجح بكثير كفة الشر في الأصدقاء" ([39])

ثم يذكر أليس وايتزمان بأن بذور التعصب تنمو في نفوس أطفالنا ويشبوا عليها لتأثرهم بسلوكنا نحن الآباء وتقليدهم طريقتنا في معاملاتنا مع الناس على شتى تنوعاتهم سواء كان جارا بائعا زميلا في العمل كما أن اتجاهاتنا النفسية نحو الأديان الأخرى و الشعوب المختلفة و العناصر البشرية المتعددة هي نفس اتجاهاته وبناء على ذلك يجب أن نحرر أنفسنا من ضيق الأفق و الكبرياء و التعالي في تعاملاتنا مع الآخرين وأن نؤمن بالتعددية لأنها من الفطرة التي فطر الله الناس عليها و النظر إليها كضرورة و عامل إثراء للحياة التي لا يمكن أن تسير على لون واحد في شتى الأمور.

وفي هذا الصدد يقول أليس وايتزمان إذا تعصب الآباء على كل من يختلف عنهم فإنهم بذلك يبنون دون وعي منهم إطارً من التعصب في نفوس أطفالهم وسلوكهم"وعن الوسائل السلبية المقيتة التي يستعملها الآباء يقول:"إنهم إنما يفعلون ذلك بسخريتهم وبنقدهم اللاذع وبلومهم لطائفة برمتها من الناس لا لشيء إلا لأخطاء ثلة صغيرة من هذه الطائفة وما أسرع ما يدرك الأطفال بغضنا أو نقدنا الآخرين من كلمة عابرة نتفوه بها أو حتى من مجرد نبرات صوتنا" ([40])

ثم هو في نهاية هذا الموضوع ينصح الآباء بأن يعلموا أطفالهم أن يتقبلوا الآخرين ويحترموهم ولكن علينا حين اختيار الصديق أن نميز بينهم ليس على مستوى اللون أو الدين أو المكانة الاجتماعية ولكن على المستوى الخلقي وأن نكون متسامحين ديمقراطيين عادلين كما أنه عن طريق حبنا لأطفالنا نستطيع غرس هذه الصفات الطيبة في نفوسهم وكما يقول: " فالأطفال المطمئنون السعداء في بيوتهم لا يلجأون إلى كبش فداء ينفسون به عن أنفسهم ولا يصعرون خدهم للآخرين ليكسبوا بهذا مكانًا مرموقًا بين رفاقهم ولا يلقبون الآخرين بأسماء مستعارة تسوؤهم وتغضبهم ولا يسخرون من رفاقهم الجدد ولا يهزءون بالأجنبي المولد ولا يحملون في أنفسهم إصراً ولا غلا لكل طفل لا يدين بدينهم"


ومن الوسائل العلمية التي نتبعها مع أطفالنا لغرس قيم التسامح و الحب للآخرين و التي يجب أن نبدأ بها وهم ما زالوا صغارا:

1- يجب أن تمهد الفرصة للأطفال ليلعبوا جماعات حينما يبلغون من العمر ثلاث أو أربع سنوات .

2- يجب أن يتعلم الأطفال شيئًا عن شعوب العالم حينما يبلغون من العمر أربع أو خمس سنوات فيتعلمون أن هناك الفروق اللونية و الثقافية وأنها فروق سطحية تتضاءل إلى جوار القدر الإنساني المشترك الذي يربطنا بهم جميعًا .

3- يجب أن يزور الأطفال مع آبائهم معابد الديانات المختلفة كلما كان هذا الأمر مستطاعًا .

4- يجب أن نأذن للأطفال بمصاحبة من يتفقون معهم في ميولهم ومشاربهم .

ويلخص ما سبق ذكره على لسان احد الأطفال الذين تم تدريبهم بطريقة إيجابية فيقول:" ولقد عبر طفل في المدرسة الإعدادية تعبيرًا صادقًا عن الهدف الذي نسعى إليه وذلك حينما سُئل عمن يحب فقال: " إني أحب أي نوع من الناس مسلمًا كان أو مسيحيًا أم من أي دين آخر ولكني لا أحب الأشرار من هؤلاء" ([41])


والخطاب الإسلامي للأطفال له دوره في غرس قيم التسامح وحب الآخرين ومساعدتهم

وإننا لا نألوا جهدًا كبيرًا إذا قلبنا في تراثنا الإسلامي للبحث عن القيم الإيجابية السالفة الذكر فهي من الوضوح بمكان سواء كانت للناس عامة أم لفئة الأطفال و التلاميذ ومن شاكلهم وهو ما نحن بصدد الحديث عنه باعتبارهم الأساس الذي يبني عليه الإنسان في المستقبل وبه يقوى المجتمع حين يؤسس على الحب للآخرين و المساعدة لهم والتعاون معهم بل إن قضاء هذا الأمر لا يقل أهمية في المنظور الإسلامي في فضله على العبادات بل إن أداء فروض العبادة لا تغني عند الله حين التقصير في العمل بهذه القيم ويدل على ذلك حديث الرسولr : "ألا أدلكم على أفضل من درجة الصلاة و الصيام؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: إصلاح ذات البين " فسلامة النفوس وتسامحها مع الآخرين تعادل أداء الصلاة و الصيام إن لم تسبقها من هنا فإننا نجد أن علماءنا قد ذخرت مؤلفاتهم بتوجيهات إلى القائمين على أمر تربيتهم من طلاب العلم منهم الغزالي في كتابه" أيها الولد" وهو رسالة وجهها إلى تلميذه ناصحًا إياه بأشياء عديدة سنتناول منها ما يخص هذا الشأن وهو الانفتاح على الآخرين و التحرر من التعصب :
فعن الدعوة إلى نبذ الوسائل التي تسبب البغض بين الناس وتتلف المحبة بينهم يقول: " إني رأيت الناس يذم بعضهم بعضًا ويغتاب بعضهم بعضًا فوجدت أصل ذلك من الحسد في المال والجاه و العلم فتأملت في قوله تعالى" (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الزخرف:32 فعلمت أن القسمة كانت من الله تعالى في الأزل فما حسدت أحدًا ورضيت بقسمة الله تعالى"وإني رأيت الناس يعادي بعضهم بعضا لغرض وسبب فتأملت في قوله تعالى:{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عدوا}فاطر:6 فعلمت أنه لا يجوز عداوة أحد غير الشيطان ([42])
ثم يُحكي عن الشبلي أنه قال: قرأت أربعة آلاف حديث ثم اخترت منها حديثًا واحدًا وعملت به وخليت ما سواه لأني تأملته فوجدت خلاصي ونجاتي فيه وكان علم الأولين والآخرين كله مندرجا فيه فاكتفيت به وذلك أن رسول t قال لبعض أصحابه"اعمل لدنياك بقدر مقامك فيها واعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها واعمل لله بقدر حاجتك إليه واعمل للنار بقدر صبرك عليها([43])

المراجع :
([1]) رواه أحمد 3/42 و الترمذي 1912 وأبو الدرداء 5147
([2]) أخرجه البيهقي، ( 8666 ) عن أبي سعيد وابن عباس
([3]) أخرجه أبو داود، 4948
([4]) ينظر إلى علم النفس النبوي، ص 113 ، 114
([5]) المستطرف في كل فن مستظرف: الأبشيهي ص 423
([6]) الغُنية: ص 177، 178
([7]) الأبشيهي، ص 422
([8]) تذكرة الآباء ابن النديم ، تحقيق علاء عبد الوهاب محمد القاهرة مكتبة التوعية الإسلامية من علم النفس في التراث ج3 / ص 43
([9]) هو مسلمة بن عبد الملك بن مروان أحد كبار أمراء بني أمية وعقلائهم وقادة جيوشهم
([10]) صور من حياة التابعين: د. عبد الرحمن رأفت الباشا، ص 261 - 264
([11]) المرجع السابق، ص 48 - 55
([12]) المستطرف: ص 423
([13]) الأدب الصغير والأدب الكبير، لابن المقفع: ص 34
([14]) الطفولة صانعة المستقبل، محمد عطية الإبراشي ص 103 ، 104
([15]) مقدمة لكتاب التربية الاجتماعية للأطفال: بقلم د. عبد العزيز القوصي: أليس ويتزمان ص 7 ، 8 بتصرف
([16]) التربية الاجتماعية للأطفال: أليس وايترمان، ص 13
([17]) المرجع السابق، ص 27
([18]) التربية الاجتماعية للأطفال، ص 45
([19]) المرجع السابق، ص 49 وما بعدها
([20]) تذكرة الآباء، ص 21- 24 وعلم النفس في التراث الإسلامي ج3 / ص 43
([21]) الفتوحات:لابن عربي ص 28 ومما رواه الترمذي وأبو داود " ليس منا من لا يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا"
([22]) ينظر إلى علم النفس في التراث، ج3/ ص 198
([23]) أخرجه الطبراني، 3/42 رقم 2626
([24]) أخرجه أبو يعلى، ج8/ 834
([25]) البخاري، ج2/ 887
([26]) الطبراني، ج7 / 160
([27]) تذكرة الآباء، ص 43-47 علم النفس في التراث الإسلامي، ج3 / 45
([28]) المستطرف، ص 422
([29])المرجع السابق، ص 423
([30]) تذكرة الآباء، ص 46
([31]) التربية الاجتماعية للأطفال، ص 32
([32]) أخلاقنا الاجتماعية: ص 117
([33]) الحاكم، ج3 / ص 88 و الكنز ج5 / 27 في حياة الصحابة ج1 / ص 405
([34]) الإصابة في تميز الصحابة، ج3 / 135
([35]) الأذكياء: لابن الجوزي ص 150 ، 151
([36]) تذكرة الآباء، ص 29 – 39
([37]) التربية الاجتماعية للأطفال، أليس وايتزمان ص 43 ، 44
([38]) المرجع السابق، ص 73
[39]) التربية الاجتماعية للأطفال ، ص 74
([40]) المرجع السابق ، ص 76
([41]) التربية الاجتماعية للأطفال ، ص 78، 79
([42]) رسالة أيها الولد للغزالي ص 32 الناشر مكتبة الخدمات الحديثة - جدة
([43]) المرجع السابق، ص 28
* الاستقامة: الوفاء أمر الله به ونهى عنه والفاء بالعهود وملازمته الصراط السوي مع تهذيب النفس و حسن المعاملة
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الحضارة الاسلامية أسباب الانهيار وعوامل النهوض عبير عبد الرحمن يس منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 18-02-2014 06:52 PM
الحضارة الاسلامية أسباب الانهيار وعوامل النهوض عبير عبد الرحمن يس منتدى العلوم والتكنولوجيا 1 23-07-2012 08:19 AM
الحضارة الإسلامية راجي الحاج سياسة وأحداث 4 29-04-2011 04:34 AM
مالك بن نبي ورؤيته للحضارة الاسلامية أم بشرى منتدى العلوم والتكنولوجيا 2 28-11-2010 03:55 PM
التربية بين طموح الآباء وواقع الأبناء قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 10 16-09-2010 01:04 AM


الساعة الآن 01:59 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com