عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > منتديات الشؤون السياسية > منتدى العلوم السياسية والشؤون الأمنية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 08-07-2019, 06:51 PM
abeer yaseen abeer yaseen متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2018
المشاركات: 48
افتراضي العلاقات الدولية والمعاهدات في ظل مفهوم العالمية الاسلامية ( التصور السياسي للدولة في




العلاقة مع الأخر لاتخرج عن كونها حالة سلم وهذا منهج الإسلام وحالة حرب لايعترف بها الإسلام من مثل الحروب العدوانية إلا إذا حدث اعتداء على ديار الإسلام فهناك كان الجهاد فرض عين حتى على الزوجه لها أن تخرج دون إذن زوجها للجهاد ضد المعتدين وفي كلتا الحالتين كانت هناك أخلاقيات أقرها الإسلام وطبقها المسلمون وكان قدوتهم في ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام
يقول دكتور محمد عبد الله دراز في كتابه "دراسات إسلامية في العلاقات الإجتماعية والدولية" لوأننا بحثنا فكرة القانون الدولي في أوربا في العصور الحديثة ما وجدنا فرق كبير بينها وبين ذلك العصور الأولى* على الرغم من التقدم الفعلى في تدوين قواعد هذا التشريع العام: ذلك أن فكرة تساوى الناس أمام القانون لم تتخذ بعد في نظر الغربيين صبغة القانون العام الشامل ألم يقل "استيوارت ميل" باستحالة تطبيق القانون على الشعوب الهمجية؟ "
(ولور يميير) قسم العالم الي مناطق ثلاثة تخضع كل منها لقانون مختلف
فالعالم المتمدين يجب أن يتمتع في نظره بحقوق سياسة كاملة
والعالم نصف المتمدين يكفي أن يتمتع بحقوق سياسية جزئية بينما
الشعوب غير المتحضرة ليس لها إلا حقوق عرفية لا تحمل إلزاما قانونيا وجاء ميثاق عصبة الأمم فأقر هذا التقسيم الثلاثي وأكسبه سلطة القانون. وأخيرا شكلت "جمعية الأمم المتحدة" بعد الحرب العالمية الثانية فماذا رأينا؟ أليس روح التفريق وعدم المساواة لايزال مسيطرا فيها على عقول الذين يتحكمون في مصائر الإنسانية؟
ثم يقول أنه إذا أردنا أن نظفر بتشريع دولي عام يصطبغ بالصبغة العالمية الحقيقية فعلينا أن نصغ بذاكرتنا إلى عصر رسول الإسلام(1)
ففي حالة الحرب والسلم يقول: مراد هوفمان "بأن مفهوم الحرب المقدسة" حتى المصطلح نفسه لاوجود له في الإسلام".. فالسلام فرض أساسي في القرآن والذي ينهى عن الحرب العدوانية ويسمح بالحرب الدفاعية ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ) الحج:39 وقوله تعالى: ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولاتعتدوا إن الله لايحب المعتدين ) البقرة:190 .. وعلى أي حال الحرب في عصر السلاح النووي والبيولوجي والكيماوي.. تجعلنا نرى نظريات علماء الكاثوليكية والإسلام في الحرب العادلة أو الدفاعية قد عفا عليها الزمان.. ثم يذكر قانون الإسلام الدفاعي وهي تحوى الأسس الأخلاقية التي أقرها الإسلام مع الأعداء في حالة الحرب(2).
شروط المعاهدات في الاسلام
يقول الشيخ محمود شلتوت(3): والإسلام حينما يترك للمسلمين الحقَّ في إنشاء المعاهدات - لِمَا يَرَوْنَ من أغراض - يشترط في صحَّة المعاهدة ثلاثة شروط:
أوَّلاً: ألاَّ تمسَّ قانونه الأساسي وشريعته العامَّة، التي بها قِوَامُ الشخصية الإسلامية،
ومن خلال هذا الشرط لا يَعْتَرِفُ الإسلامُ بشرعية معاهدةٍ تُسْتَبَاحُ بها الشخصية الإسلامية، وتفتحُ للأعداء بابًا يُمَكِّنُهم من الإغارة على جهات إسلامية، أو يُضْعِف من شأن المسلمين؛ بتفريق صفوفهم، وتمزيق وَحْدَتهم.
ثانيًا: أن تكون مبنية على التراضي من الجانبين، ومن هنا لا يرى الإسلام قيمة لمعاهدة تنشأ على أساس من القهر والغلبة وأزيز (النفاثات)
ثالثًا: أن تكون المعاهدة بيِّنة الأهداف، واضحة المعالم، تُحَدِّدُ الالتزامات والحقوق تحديدًا لا يَدَعُ مجالاً للتأويل والتخريج واللعب بالألفاظ، وما أُصِيبت معاهدات الدول المتحضِّرة -التي تزعم أنها تسعى إلى السلم وحقوق الإنسان- بالإخفاق والفشل، وكان سببًا في النكبات العالمية المتتابعة، إلاَّ عن هذا الطريق، طريق الغموض والالتواء في صوغ المعاهدات وتحديد أهدافها. وفي التحذير من هذه المعاهدات يقول الله تعالى: {وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} [النحل: 94]، والدخل هو الغش الخفيُّ يدخل في الشيء فيفسده(4).
وتثار مسألة تمثل اشكالية في الوقت الحاضر حيث تتعلق بمدي الالتزام بتلك المعاهدة في حالة اعتداء تلك الدولة المعاهدة علي اخوة لنا في الدين كحالة اسرائيل مع الفلسطينيين في ظل معاهدة كامب ديفيد بيننا وبينهم
والحل كما اشار اليه د. وهبة الزحيلي(5) هو "أن الحرب المناصرة للمظلومين أو المستضعفين، لايعد تدخلاً في شؤون الغير، لأن التدخل اعتداء، والاعتداء محرم دولياً، لأن هذا التدخل مشروع في حال الدفاع عن الإنسانية، أو عن الحقوق المغتصبة، أو بسبب الاعتداء على رعايا الدولة" اي في تلك الحالة يجب عدم الالتزام بتلك المعاهدة ومناصرة الاخوة المستضعفين
بالاضافة الي ذلك فانه لا يتم الالتزام بتلك المعاهدة ايضا " عند توافر القرائن القاطعة على تحركات جيشه المريبة، والاستعداد لحرب جديدة، أو حال المعاملة بالمثل وحال نقض العدو المعاهدة من جانب واحد، وذلك لقول الله تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ(
(لأنفال:58) أي إن قامت القرائن على خيانة العدو عهده، نقض العهد وأعلم العدو بالنقض حتى يكون المسلمون وغيرهم متساوين في العلم بذلك.
وصرح فقهاء الحنفية بأن الهدنة لا تنتقض إلا باتفاق العدو على نقضها، أي لا عبرة بنقض الأفراد(6).

العالمية الإسلامية
الإسلام ليس منهجه قائم على صراع الحضارات وإنما على التلاقي الحضاري والتفاعل الحضاري وسنة التدافع الكونية للأمم ولكي نقف على التعددية الحضارية في الإسلام لابد من توضيح معالم هذه المناهج والمفاهيم في ضوء السياق التاريخى للإسلام وحضارته ولهذا سيكون تناول هذا الموضوع عبر هذه المحاور :
1- عالمية الإسلام وخصوصيتة الحضارية
2- الإسلام والمحافظة على آثار وثقافة الحضارات السابقة

1-عالمية الإسلام وخصوصيتة الحضارية
تعني أن الإسلام دعوة عامة ومنهج شامل للناس إنه رسالة شاملة تخاطب كل الأمم وكل الأجناس وهذا ما وضحه القرآن في كثير من الأيات كقوله تعالي ( قل ياأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا )" الأعراف:185 وقوله تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس) سبأ:38 وقوله تعالى: ( ومأرسلناك إلا رحمة للعالمين ) الأنبياء:107 وبهذا العموم الذي يقرره القرآن يتميز الإسلام عن غيره من الرسالات السابقة التي اختص كل منها بقوم معينين .. وكان من مقتضى هذه العمومية للإسلام أنه سوي بين أتباعه على اختلاف أجناسهم وألوانهم وصهرهم في أمة واحدة الكل فيها سواء لافضل لعربي على عجمى ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح فقال تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات:13 وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم(7) وأحاديثه تؤكد على هذه المساواة فقد روى عنه أنه قال: " إن أمّر عليكم عبد أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا ) رواه مسلم. ولقد امتاز الإسلام بمبادئ جعلته بأن يكون دين صالح للبشرية على اختلاف زمانها ومكانها والباحثون الغربيون أنفسهم قدموا شهاداتهم بهذا الخصوص والتي تجيء كاعتراف حر وموثق بالرؤية المقارنة لما تتضمنه حضارة الإسلام من قيم وخصائص متميزة وفعالة يمكن أن تمارس دورها في صياغة حاضر الإنسان ومستقبله .
فرجل القانون الفرنسي المعاصر بوازار يقول "إن هذا الدين يعود إلى الظهور في العالم العربي المعاصر بوصفه أحد الحلول للمشكلات التي يطرحها مصير الإنسان والمجتمع " ولطالما أعرب عن إقتناعه "بأن في وسع العالم الإسلامي –من بين عوالم أخرى- أن يقدم مشاركة أساسية في تكوين المجتمع الدولى المرتقب" وأهمية المشاركة الإسلامية تبدو في نظر (بوازار) في التوازن الذي يمنحه الإسلام.. بين التقدم المادي (التقني) وبين المطامح الروحية والإنسانية عامة ..لاسيما وأن "الإنخراط في المجتمع التكنولوجي والمواجهة بين الإسلام والثورة التقنية لاتدفع المسلم إلى انكار موقفه الديني بل إلى تعميقه أمام العالم وأمام الله متوجبا عليه.. محاولة إدراك الإمكانيات بشكل أفضل في إطار إسلامي شامل.."(8)
فالحضارة تأرجح في اتجاهين متطرفين الأول هو سيرها في الجانب المادي فحسب والذي إذا سار فإن المدينة لا تكون إلا في الآلات والمباني والترف والبذخ وتصير المادة غاية الحياة يعبدها الناس ويتصارعون عليها إما إذا سار الجانب الثاني الروحي فإن الحضارة تذوي ويقف نمو الإنسان الفكري والمادي ولكن ماتلبث الضرورات الحيوية لدى الإنسان أن تثور على هذه السلبية وهذا ما حدث في أوربا حين ثورتها على الدين(9).
"فالإسلام نظام متوازن يقوم على الوسطية والجمع بين الثنائيات أو المتقابلات التي يحسب كثير من الناس إلتقائها ضربا من المحال مثل المادية والروحية والمثالية والواقعية والربانية والإنسانية والفردية والجماعية والدنيوية والأخروية والعقل والوحي والنص والإجتهادات والثبات والتطور وهذا هو المنهج المتكامل الذي يقدمه الإسلام للبشرية رحمة للعالمين وهداية للحائرين وعدلا وإخاءا وسلاما للناس أجمعين"(10)
وفي هذا الصدد يقول على عزت بيحوفيتش: ليست الثنائية فلسفة سامية وإنما هى نوع من الحياة الإنسانية السامية.. ومن هنا جاءت أهمية الإسلام لأنه يعترف بالثنائية في طبيعته ("فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لايعلمون) الروم:30 وأي حل مختلف يغلب جانبا من طبيعة الإنسان على حسلب جانبه الآخر من شأنه أن يعوق إنطلاق القوى الإنسانية أو يؤدي إلى الصراع الداخلى إن الإنسان بطبيعته الثنائية أكبر حجة للإسلام(11)
وقد أدى غياب هذه النظرة الثنائية للطبيعة الإنسانية في الفلسفة الغربية إلى أن تحول العالم إلى غابة يأكل القوي فيها الضعيف ويتحكم في عصره عبر مؤسسات مصطنعة لخدمة هذه الأغراض ومانراه من تفجير للصراعات في كل مكان وخاصة في منطقتنا العربية ليس عنا ببعيد ويعكس لنا جارودي صورة الإنسان في الحضارة الغربية تحت عنوان "أساطير التقدم والحداثة" كما صوره فلاسفة الغرب والذي أنتج ثقافة تقوم علي ثلاثة فروض أساسية:
الفرض الأساسي لـ "ديكارت": "جعلنا أسيادا وملاكا للطبيعة" الطبيعة المنتقصة المختزلة في شكلها الميكانيكي.
والفرض الأساسي لـ "هوبنز" عرف العلاقات بين البشر: "الإنسان ذئب للإنسان" علاقات تنافس على الأسواق مواجهات الغابة بين الأفراد والجماعات ..
الغرض الأساسي لـ "مارلو" في كتابه فاوست الذي أعلن مسبقا وفاة الإلاه قائلا : "أيها الإنسان عن طريق عقلك القوي تصبح إلاها المالك والسيد لكل العناصر"
هكذا تم تكريس القضاء على الأبعاد السامية لإنسان والرفض لكل القيم المطلقة (وأصبح) المعيار الوحيد للتقدم في هذا المنظور الثقافي الشاذ هو النمو العلمي والتقني الذي من خلاله تقاس قدرة الإنسان على الطبيعة وعلى الآخرين من البشر"(12) وهذه النظرة المادية والمتوحشة في آن واحد كانت تمثل المناخ الذي انبثق عنه صياغة نظرية"صدام الحضارات" لصمويل هنتجتون فبحسب عبارته " الكره شيء إنساني ولتعريف النفس ودفعها يحتاج الناس إلى أعداء منافسين في العمل خصوصا في الإنجاز وفي السياسة "(13)
ويذكر هنتجنون أن "الحضارة الغربية هي الوحيدة التي كان لها تأثير رئيسي وأحيانا مدمر على كل الحضارات الأخرى بسبب رغبة هذه الحضارة في فرض نموذجها الحضارى وثقافتها على الآخرين ومايؤدي إليه ذلك من رد فعل مضاد من جانب الحضارات الأخرى بسبب رفضها لهذا النموذج وتمسكها بخصائصها وهويتها الثقافية فهو فرض وهيمنة من جانب ورفض ونفور من جانب آخر"(14). وهكذا تم ترجمة الأسس النظرية التي قامت عليها الفلسفة الغربية إلى واقع مرير يعيشه الإنسان في ظل علاقات تحكمها الهيمنة والغطرسة والإستعمار فهو مناخ يغذي الكراهية بين الإنسانية جمعاء ويؤجج لنار العداوة من أجل رغبات مادية لا
تنتهي تزهق من أجلها ملايين الأرواح وتهدر فيها كرامة الإنسان وترفع شعارات براقة لا نجد لها ترجمة عملية في واقع الحياة إلا اللهم كان من أجل مصلحة الغرب نفسه ولغرض هيمنته رمى الإسلام بالإرهاب هكذا على العموم
ولكن وجد من يدافع عن الإسلام في تلك الناحية وأخذ ذلك منحيين :
الأول يقول: إن الإسلام هو ضحية الإرهاب
والثاني: بيان الأسس السليمة التي أقام الإسلام عليها علاقته مع غيره وفي كلا الناحيتين سوف نعكس وجهة نظر المفكرين الغربيين المنصفين
حيث وجدنا الكثير من الباحثين الغربيين والسياسيين* يحاولون كشف اللثام عن أرضيه مشتركة للتعايش السلمي بين الغرب والإسلام قائمة على الإحترام المتبادل للثقافة التي تقوم عليها كلتا الحضارتين وتتسع لعلاقات من الحوار والتعاون رافضين نظرية كل من فوكوياما وهنتجتون المؤججه للصراع ومن أبرز هؤلاء المفكرين :
"هاليداي" في كتابه "الإسلام وخرافة المواجهة" الذي يرفض ما يسمى بالخطر الإسلامي ويصفه بأنه خرافة ونوع من الحماقة أنه ليس هناك خطر عسكري تثيره قوات إسلامية موحدة وكما يقول: "إن البلدان الإسلامية تابعت مصالح دولها القومية الفردية وفي أحيان كثيرة حاربت بعضها بعض"(15) ثم يرفض اتهام الإسلام بأنه يسوغ الإرهاب بأن الإسلام ليس له علاقة بالإرهاب وأن الإرهاب عندما ظهر في القرن التاسع عشر لم يكن المسلمون هم الذين شقوا طريقه وإنما نشأ الإرهاب على أيدي غيرهم"(16) وعلى أي حال لم يكن العالم الإسلامي هو الذي نظم مذبحة اليهود في الحرب العالمية الثانية ولاهو الذي طرد السفارديم من أسبانيا وفي كثير من البلدان اليوم نجد أن المسلمين هم ضحايا القمع والإرهاب –في بورما وكشمير وفلسطين وفي البوسنة- ولايستطيع أحد أن يزعم أن المسلمين المناضلين هم المسئولون عن هذه الأزمات إن كانوا مسئولين أصلا"(17)
وفي هذا الصدد أيضا يذكر فوللر وليسر في كتابيهما "الإسلام والغرب بين التعاون والمواجهة" نحن لانعتقد أن العلاقات بين الإسلام والغرب تمثل بذاتها المجال المقبل للصراع الأيديولوجي العالمي. فالإسلام كعقيدة ليس على طريق التصادم مع الغرب"(18)
ثم يقولا إن العالم الثالث وهذه الأنماط السلوكية تتجه في الغالب نحو بلدان إسلامية أكثر ما تتجه إلى الغربيين.... وأن تاريخ العالم زاخر بالحوادث الدموية عبر شرق آسيا وغرب أوربا والشرق الأدنى فيما قبل الإسلام وأمريكا اللاتينية وإفريقيا وإذا مانظرنا إلى الأمر من زاوية التكوينات العرقية سنجد أن الأوربيين البيض هم أكثر الأعراق إثما من حيث الدم المسفوح في الصراعات وهو مايظهر على نحو يقيني في القرن العشرين"(19)
فالحرب في نظر الإسلام شر لايلجأ إليه إلا المضطر فلأن ينتهي المسلمون بالمفاوضة إلى صلح مجحف بشيء من حقوقهم ولكنه في الوقت نفسه يحقن الدماء خير من انتصار باهر تزهق فيه الأرواح. كما حدث في غزوة الحديبية والرسول صلى اله عليه وسلم يجيب سائليه عن السر في العدول عن مكة بقوله: "والله لاتدعوني قريش إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياه".. وفي الحرب الدفاعية القرآن أمر بألا يقاتل إلا المقاتل والسنة النبوية تكفل إتقاء شرور الحرب عن الضعفاء كالأطفال والشيوخ والمرضى والنساء والفلاحون في حرثهم والرهبان في معابدهم ويستنكر تعذيب الأعداء ومعاملتهم بقسوة وأمر بالعفو عنهم متى كفوا عدوانهم فقال تعالى: ( "ولاتقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا) وهذا دليل على أن الإسلام لا يرمى إلى القضاء على أعدائه والإستيلاء عليهم بالقهر .. ولكن هدفه إيجاد العلاقات العامة مع الناس قاطبة(20)
بالإضافة إلى ماسبق فإن الإسلام دعى إلى أن يكون الإختلاف بين البشر باعثا إلى التعاون والتسابق في الخيرات لا على الصراع والعدوان كما في قوله تعالى: ( "ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ) البقرة 148 كما دعى إلى التسامح والرفق وعدم المسارعة إلى العدوان ("ولايجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوي ولاتعاونوا على الإثم والعدوان") المائدة:2 ونهى عن الظلم الذي قد يدفع إليه البغض والكراهية
( ولايجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) المائدة:8 بل إنه دعا إلى البر والإقساط مع غير المؤمنين ماداموا يكفون عن أهل الإسلام عدوانهم.. وقدم لذلك بأنه ليس من المستحيل أن تتحول العداوة إلى مودة. ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم. لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) الممتحنة:7، 8.
كما دعى إلى عدم جدالهم إلا بالتي هى أحسن ( ولاتجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلاّ الذين ظلموا منهم وقولول آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ) العنكبوت:46 وهذه المبادئ الإسلامية وأمثالها مما وصفه الإسلام من أسس التعامل مع الآخر صالحة في عصر العولمة(21).
والخلاصة في هذا الموضوع هي تلك المقارنة التي وضعها جارودي بين الحضارة الإسلامية والغربية والتي كان نتيجتها بعد دراسة متعمقة هى قوله: "يمكن للإسلام أن يقدم للعالم ما ينقصه وهو معنى الحياة..فالإسلام دين الوحدة وهو بذلك دين المعنى والجمال بينما يقوم عالمنا اليوم على التنافس العددي الكمي وتبدو الأحداث كما أنها محصلة قوى عمياء غاشمة للمجابهة والعنف(22).
2- الإسلام والمحافظة على آثار وثقافة الحضارات السابقة
إن مما يؤكد احترام الإسلام للحضارات السابقة أن الصحابة رضوان الله عليهم الذين فتحوا البلاد شرقا وغربا وجدوا فيها الكثير من المتاحف والتماثيل لم يمسوها بسوء وخاصة مصر وكان ذلك منة عظيمة أسداها الصحابة للعالم مقارنة بالهمجية التي تعامل بها الغرب الإستعماري الذي أتي إلى مصر بعد الفتح الإسلامي بما يقرب من اثنى عشر قرنا بقيادة نابليون الذي سلط مافعه على أبي الهول حتى هشم أنفه وشوه وجهه.(23)
وحرب بغداد التي مازلنا نعيش مرارتها مما فعل بأثارها وحضارتها ليس عنا ببعيد وقد وجدنا من الغربيين من كان يصرخ للمحافظة على الإرث الحضاري بها من الهمجية االأمريكية وحلفائها لما عرف عنهم من أنهم أبعد ما يكونوا عن القيم الحضارية الإنسانية ومن هؤلاء العالم الفرنسي ببيرروس* الذي صرح قبل أيام من بدء قصف بغداد بالقنابل والصواريخ عام 2003 قائلا: "انتبهوا إلى ماتلحقه الحرب من أذى في آثار بابل والرافدين احرصوا على متحف بغداد ومكتبتها كيلا تعاد صورة هولاكو إلى قرننا"(24) وماذا كانت نتيجة الهجمة البربرية الشرسة على بغداد نهب متحفها وأحرقت مكتبتها الوطنية في محاولة لوأد الذاكرة العربية بكل مايربطها بتراثها الذي به عزتها
ولعل مما حدا بالمسلمين الأوائل إلى إبقاء هذه الآثار نظرية الإسلام في "تدافع الأمم" وليس صراع حضارات كما يذهب الغرب حيث إن الأمة التي تتولى مقاليد السلطة في الأرض وتستغل ذلك لنشر الفساد والمظالم يسلط الله عليها أمة أخرى تدفعها عن مكانها وتمحو فسادها ومظالمها ثم إذا سارت الأمة الحديثة بسيرة ما قبلها جرت عليها سنة الله في الهلاك وبالتالي كان بقاء هذه الأثار لحضارات الأمم السابقة من أجل العظة والإعتبار(25)
ولقد حافظ الفاتحون المسلمون الأوائل علي التراث الثقافي للحضارات السابقة كالفرس والروم وغيرهم من خلال حركة ترجمة واسعة شملته وتم العكوف على دراسته وبذل من أجل ذلك كل غال ووجد العناية بهذا التراث من أعلى سلطة في الدولة فلولا ما قام به المسلمون من ترجمة للتراث اليوناني والمحافظة عليه ما كان الغرب ليعرف عنه شيئا ومن المواقف المشهورة في هذا الصدد "أن هارون الرشيد طلب بعد فتح الجيش الإسلامي لعمورية وأنقرة تسليم المخطوطات الإغريقية القديمة وأن المأمون عندما انتصر على ميخائيل الثالث قيصر بيزنطة طالبه بتسليم كتب الفلاسفة القدماء وسجل ذلك في وثيقة الصلح.. وتعلق المستشرقة الألمانية (زيغريد هونكه) على ذلك قائلة: أليس هذا فتحا جديدا في عالم الحرب؟ أليس ذلك دليلا فذا على أن الحروب الإسلامية كانت حروب سلامه وأمن ومجد؟!(26)
وأجمع المؤرخون أن حركة الترجمة العربية التي نمت على أيدي مترجمين كانوا نصاري أو يهود أو صابئة- أنقذت التراث القديم كله من الضياع فلم تكن أوربا يؤمئذ تهتم به أو تعرف عنه شيئا(27)
وبناء على ماسبق لايبقى مجال للشك بأنه في ظل الإسلام وحضارته كان هناك اقرارا بتعددية للحضارات قائمة على أسس ومبادئ دعى إليها الإسلام قرآنا وسنة وتأكدت من خلال التطبيق العملي لما قام به الفاتحون المسلمون من المحافظة على آثار هذه الحضارات وعلى الإرث الثقافي لها ومن خلال كل ذلك أسس الإسلام مبادئ وأسس القانون الدولي على قاعدة المساواة والعدل والحرية والتي لم تعرفها البشرية خلال مراحل حياتها إلاّ على أيدي المسلمين حتى في وقتنا الحاضر. وهذا ماأكد عليه المفكرون الغربيون ونلمسه من التطبيق العملي للإستعمارين الجدد متسربل بنظريات "كنهاية التاريخ" و (صدام الحضارات) وتحويل حياة البشر إلى جحيم وعمرانهم إلى خراب تحت مظلة مؤسسات دولية هم يتحكمون في صنع القرار فيها بعكس منهج الإسلام الذي يعتبر ذلك مقرارات إلاهية لايجوز للإنسان أن يتدخل فيها لأنها تتعلق بالمحافظة على العيش في آمان. في هذا الكوكب لكل الأجناس والأعراق والحضارات وهذا مافعله الاسلام حين كانت الحضارة بيده
اذا فخلاصة ماذهب اليه علماؤنا هو انه " ليست للاسلام وأمته وحضارتة مشكلة مع علاقات دولية عادلة فالتعددية في الشرائع ومن ثم في الحضارات بالنص القراني سنة الهية وقضاء تكويني لاتبديل له ولاتحريف واقامة العلاقة بين فرقاء هذه التعددية بالمعروف وعلي قاعدة المساواة في الكرامة فالتكريم الالهي هو لبني آدم وليس لشعب او جنس أو حتي لأبناء دين بعينه (ولقد كرمنا بني آدم ...) والعدالة في تبادل المنافع هي تكليف الهي والتفاعل بين الحضارة الاسلامية وسائر الحضارات الانسانية البائدة منها والحية هو أيضا تكليف الهي أقامه المسلمون بانفتاحهم علي كافة الحضارات ...فالسياسة الشرعية لاتقف عند البلاغ القرآني والبيان النبوي وانما يدخل فيها كل مايحقق الصلاح وينفي الفساد اذ هي في تعريف السلف : الأعمال والتدابير التي يكون الناس معها أقرب الي الصلاح وأبعد عن الفساد وان لم ينزل بها وحي أو ينطق بها رسول (28)
والمسلمون مدعوون الي طلب الحكمة من أي مصدر أو حضارة وكما يقول الرسول (ص) : " الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق الناس بها " رواه الترمذي وابن ماجه وهي في التعريف النبوي " الاصابة في غير النبوة " رواه البخاري
واذا أردنا توصيف لحضارتنا بما يميزها عن الحضارات الاخري فانها كما قيل : " حضارة ايمانية عقيدية ملتزمة أصيلة منفتحة قديرة علي الاستجابة للتحديات متوازنة شاملة ايجابية بنّاءة واقعية قديرة علي التحقق في كافة مناحي الحياة والوجود ثم هي في اطارها ونسيجها انسانية تعبر عن طموح الانسان لعمارة العالم وتحضيره وتسعي للاستجابة لأشواق الانسان أيا كان الانسان في الزمن والمكان والانتماء ..."(29)
ومفهوم الخلافة الاسلامية والاماني التي تتراءي للبعض بعودتها وتخوف اخرين منها للوقوف بذهنهم عند المساوئ التي شهدتها الممارسة السياسية للحكام بعد تحول السلطة الي حكم عضوض مستبد قد تكلم فيه الكثير من علمائنا قديما وحديثا لاجلاء هذا المفهوم وتوضيحه فمثلا هي كما دعا اليها الأفغاني الاتحاد في الغاية والعمل بالقران مع امكانية استقلال الدول الاسلامية تبعا لقومياتها المختلفة لكن مثل هذه الوحدة لن تؤتي ثمارها الا اذا أخذ المسلمون بوسائل العلم الحديث وتعاليم الدين الصحيح وهذه الأفكار الأساسية للنهضة لا تخرج عما ذهب اليه المودودي والندوي((30) فهي تماثل مانراه بين دول الاتحاد الأوربي في صورته المثالية
كما أنه ليس ثمة حصانة الهية مسبقة لحضارة ما بسبب نزوعها الديني أوالايماني فان استمرارية الحضارة رهن بما يصنع أبناؤها أنفسهم في ضوء جملة من الضوابط والمعايير والعوامل التي اذا أسئ التعامل معها سيقت الحضارة الي مصيرها المحتوم وسقوط أية تجربة يجئ بمثابة عقاب الهي مباشر أو غير مباشر عن طريق السنن التاريخية التي تعمل من خلال الانسان والجماعة وبسبب نكوث الأخيرة عن أداء دورها المطلوب وتملصها من مسئولية الاستخلاف تكون الجماعة قد استنفدت مبررات استمرارها لتفسح الطريق أمام جماعات أكثر فاعلية وفقا لمفهوم المداولة في القران الكريم وكما يقول تعالي : (وربك الغني ذو الرحمة ان يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم مايشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ) الأنعام : 133 . (فان تولوا فقد أبلغتكم ماأرسلت به اليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا ان ربي علي
كل شئ حفيظ ) هود : 57
و القران الكريم يخاطب الجماعة المسلمة نفسها كما يخاطب أي جماعة مؤمنة بأنها ستلقي المصير نفسه بمجرد تخليها عن أداء دورها الفعال في العالم والذي قادها الي مواقع القيادة والشهادة علي الناس (وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) محمد : 38(31)
المراجع :
*ارتبط هذا العالم الفرنسي بالعالم العربي واعترف بفضل الحضارة العربية الأولى على الحضارات الأخرى أثناء إعدادة لرسالة الدكتوراة في حضارة الإغريق والذي اكتشف ماهية هذه الحضارة الإغريقية والرومانية التي تدق لها الطبول في الغرب فأخذ يوجه نداءه للغرب أفيقوا فإن العروبة تسرى في دمائنا وليس من حضارة وجدت إلا وهى تلميذه الحضارة العربية الأولى مشار إليه فيه "مسح الصورة وتحريف تراث الأمة" سلسلة عندما نطق السراة ص158 جمعية التجديد الثقافية بالبحرين
(1) دراسات إسلامية في العلاقات الإجتماعية والدولية ص141
(2)الإسلام كبديل ص148، 149
(3) محمود شلتوت (1310- 1383هـ / 1893- 1963م) : فقيه مفسر مصري، ولد بالبحيرة، وتخرج بالأزهر، عُيِّن وكيلاً لكلية الشريعة، ثم شيخًا للأزهر (1958م) إلى وفاته.
(4) البخاري: كتاب الشروط، باب المكاتب وما لا يحل من الشروط التي تخالف كتاب الله (2584) ينظر الي : المعاهدات بين المسلمين وغير المسلمين : راغب السرجاني
(5) العلاقات الدولية / واحترام العهود والمواثيق في الإسلام : وهبة الزحيلي
(6) المرجع السابق نقلا عن : شرح السير الكبير 4/ 6 الفتاوى الهندية 4/197، تبيين الحقائق للزيلعي 3/346.
(7) سيرة ابن هشام ج2/ص148 ينظر إلى بحث عالمية الإسلام والعولمة: د.عبد المقصود وعبد الغني من كتاب "الإسلام في عصر العولمة" المؤتمر الدولى الرابع للفلسفة الإسلامية ص282، 285
(8)الوسيط في الحضارة الإسلامية ص387، 388
(9)مستقبل الحضارة: يوسف كمال ص142
(10) أمتنا بين قرنين: يوسف القرضاوي ص251
(11) الإسلام بين الشرق والغرب : على عزت بيحوفيتش ص318، 319
(12) حفار والقبور الحضارة التي تحفز للإنسانية قبرها: روجيه جارودي: ص94،95 ترجمة عزة صبحي، دار الشروق
(13) صدام الحضارات: لصموئيل هنتجتون ص21، 36
(14) المرجع السابق ص293 ولمزيد ينظر إلى بحث "الإسلام والغرب في ظل العولمة" د.عبد الحميد مدكور" من كتاب الإسلام في عصر العولمة ص413 : 445
(15) أمتنا بين قرنين: يوسف القرضاوي ص251
(16) الإسلام بين الشرق والغرب : على عزت بيحوفيتش ص318، 319
(17) حفاروا القبور الحضارة التي تحفز للإنسانية قبرها: روجيه جارودي: ص94،95 ترجمة عزة صبحي، دار الشروق
(18) صدام الحضارات: لصموئيل هنتجتون ص21، 36
(19) المرجع السابق ص293 ولمزيد ينظر إلى بحث "الإسلام والغرب في ظل العولمة" د.عبد الحميد مدكور" من كتاب الإسلام في عصر العولمة ص413 : 445
(20) دراسات إسلامية: ص143، 144 ولمزيد ينظر إلى الصفحات التالية
(21) بحث الإسلام والغرب في ظل العولمة: أ.د.عبد الحميد مدكور كتاب الإسلام في عصر العولمة ص442، 443
(22) جارودي والإسلام وغضب الصهيونية : محمود فوزي ص43
(23) الحضارة صراع أم حوار بحث لدكتور أحمد حمد من كتاب الإسلام وحوار الحضارات ص178، 179
((24) هل الذاكرة العربية مهددة: حسين حموي، جريدة الأسبق الأدبي العدد 861، 7/6/2003
(25) ينظر إلى الإسلام وحوار الحضارات ص176، 177 ولمزيد في هذا الصدد ينظر إلى سنن القرآن في قيام الحضارات وانهيارها )محمد هيثور رسالة ماجستير عين شمس وهى منشورة "إصدار المعهد العالمي للفكر الإسلامي"
(26) شمس العرب تسطع على الغرب: زيغريد هونكه، ترجمة فاروق بيضون وكمال دسوقي ط دار الآفاق بيروت
(27)تاريخ الفكر العربي إلى أيام ابن خلدون: عمر فروخ ص275 دار العلم لليمين بيروت ، مشار إليه فيه مبحث "المجتمع الإسلامي بين حركتى الفكر والوافد والإستشراق" د.محمد المسير من كتاب "الإسلام وحوار الحضارات" ص143
(28) هل الاسلام هو الحل : محمد عمارة ص187 ، اعلام الموقعين : ابن القيم ج4 /372
(29) مدخل الي الحضارة الاسلامية : عماد الدين خليل ، 178
(30) مشكلة التخلف الحضاري عند المسلمين : حامد طاهر ص 71، 72
(31) الوسيط في الحضارة الاسلامية : 300 -303
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 08-07-2019, 06:53 PM
abeer yaseen abeer yaseen متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2018
المشاركات: 48
افتراضي الأقليات في المجتمعات الاسلامية ( التصور السياسي للدولة في الاسلام ج9)

مكانة الأقليات في الإسلام في ضوء شهادة مفكري الغرب
يقول د.إدوارد غالي: "إن خير مقياس يقاس به تحضر أي مجتمع من المجتمعات يتجلى في كيفية تعامله مع الأقليات التي تشاركة الحضاره والوطن الأقليات التي لاتساويه في القوة بحكم عددها والتي تخالفه في العقيدة الدينية أو السياسية أو العنصرية"(1) مستشهدا في ذلك بقول نجيب محفوظ: "يأنه لاقيمة لشعب ينجح في جميع مواد الحضارة إذا سقط في هذه المادة الأساسية التي كأنما ماوجدت إلا لتكشف عن المعدن الحقيقي لإنسانية الإنسان"(2)
وهنا نتسأل ماهو نصيب أمتنا من الحضارة بهذا المقياس؟ ومادلائل ذلك؟ وهذا ماسنحاول ابراز معالمه في هذا الفصل وإن كان دراسة هذا الفصل وإن كان دراسة هذا الموضوع يحتاج إلى بحث متصل يتناسب مع العمق التاريخي والحضاري لأمتنا ومدى التسامح في معاملة الأقليات والتي ساعد على بروز نجمهم في شتى ميادين المعرفة الإنسانية جنبا إلى جنب مع العلماء المسلمين دون تفرقة فكان منهم الأدباء والشعراء والفلاسفة والأطباء ويكفي أن نطلع على أي مصدر من كتب التراث الإسلامي في عصر الإذدهار الحضاري والذي استمر قرون عدة لنتأكد من تلك الحقيقة التي عكسها أحمد أمين عند بداية النهضة الحضارية للمسلمين في العصر الأموي بقوله: "الدين الإسلامي أتى بتعاليم جديدة ورسم للحياة مثلا أعلى يخالف المثل الذي كانت ترسمه تقاليد الجاهلية وفتح إسلامي مد سلطانه على فارس وماحولها فأذاب ما كان للفرس من دين ومدنية وعلم وماكان للمستعمرات الرومانية من دين ومدنية وعلم في المملكة الإسلامية جميعها وكون منها مزيجا واحدا مختلف العناصر.
ومن نتائجها ماكان من حركة علمية ودينية في ذلك العصر"(3) هذا المزيج هو الذي يعنى تساوي كل الأجناس في الإسلام وإلتحامها سويا وعيشها في طمأنينة وحب وهذا ما سترعى انتباه الكثير من الغربين ورأوا في ذلك ميزة تفرد بها الإسلام عن غيره من المجتمعات الأوربية حتى في العصر الحديث وماتعانيه من قلق واضطراب
ومما يؤكد ماسبق قول العلامة جوستات لوبون: "إن مما يستوقف النظر مانراه التضاد بين ثبات نظم الشرقيين ... والإماء السائد لمختلف طبقاتهم ومن ثورات الأوربين الدائمة وهجرهم وتنازعهم الإجتماعي ومن أظهر ما يتصف به الشرقيون أدبهم الجم وحلمهم الكبير وتسامحهم العظيم نحو الناس والأموال وقد منحهم إذعانهم لمقتضيات الحياة طمأنينة روحية قرية من السعادة المنشورة وقد أورثتنا أمانينا واحتياجاتنا المصنوعة قلقا نفسيا بعيدا عن بلوغ تلك السعادة .."(4) ولاينسى في هذا الصدد الحرب العالمية الأولى والثانية التي قامت في أوربا وحصدت ملايين الأرواح وأذاقت شعوب ليس لها في الحرب ناقة ولاجمل البؤس والشقاء ومنها منطقتنا العربية*
وهذا المجتمع الإسلامي الذى سعدت في ظله كل الأقليات كانت بسبب الرحمة والحب التي طالما أكد على ممارستها أعلى سلطة في الدولة فالإمام على في وصيته لمالك الأشقر يقول: "..وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"(5) وخلق الصحابة وسماحتهم وعطفهم على غير المسلمين في الكثرة التي لاتحصى وعلى نفس الخطي كان المسلمون في العصور التالية

*فمن آثار هذه الحرب أن جزء منها قام في منطقاتل مثل معركة العلمين في مصر وزرعت ملايين الألغام التي تقف الآن حجر عثرة أمام النهوض بهذه المنطقة والتي هي مليئة بالكنوز وأرضاها صالحة للزراعة كما ذكر د.فاروق الباز
وخلق التسامح هذا لم تعهده أوربا في تاريخها حتى بينهم وبين أنفسهم ومن دلائل ذلك قول الراهب ميشو في كتابه "رحلة دينية في الشرق" من المؤسف أن لا تقتبس الشعوب النصرانية من المسلمين التسامح الذي هو آية الإحسان بين الأمم واحترام عقائد الآخرين وعدم فرض أي معتقد عليهم بالقوة"(6)
ويقول "ول ديوراندة" في كتابه قصة الحضارة الغد كان أهل الذمة المسيحيون والزرادشتيون والصائبون وإليهود يتمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيرا في البلاد المسيحية في هذه الأيام.. فكانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لزعمائهم وقضائهم وقوانينهم"(7)
ويقول توماس أرنولد وهو يتحدث عن المذاهب الدينية بين الطوائف المسيحية: "ولكن مبادئ التسامح الإسلامي حرمت مثل هذه الأعمال التي تنطوي على الظلم بل كان المسلمون على خلاف غيرهم إذ يظهر لنا أنهم لما يألوا جهدا في أن يعاملوا كل رعاياهم من غير المسلمين بالعدل والقسطاس.."
وأشاد د.حسن ابراهيم بتوماس أرنولد الذي رضح في كتابه "الدعوة إلى الإسلام" وبالأدلة التاريخية مئات الوقائع من شتى الأمصار والأعصار والمصادر وهى تدل دلالة قاطعة على السماحة التي يتمتع بها المسلمون في معاملة المخالفين.(8) ويقول خوستاف لوبون أيضا "إن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب ولا دينا سمحا مثل دينهم(9)
ويقول المستشرق مونتجمري عن الإسلام بةصفه ديناتمتزج فيه كل الأجناس والأقليات كما وضع أحمد أمين سابقا وتتلاش فيه الحواجز المصطنعة بين أفراد المجتمع على تنوعاته بقوله: "إن فكرة الأمة كما جاء بها الإسلام هى الفكرة البديعة التي لم يسبق إليها ولا تزال إلى هذا الزمن ينبوعا لكل فيض من فيوض الإيمان يدفع بالمسلمين إلى الوحدة في أمة واحدة تختفي فيها حواجز الأجناس واللغاتوهصبيات النسب والسلالة وقد تفرد الإسلام بخلق هذه الوحدة بين أتباعه من العرب والفرس والهنود الصينيين والمغول والبريد والسود والبيض على تباعد الأقطار.. ولم يخرج من حظيرة هذه الأمة أحد لينشق عليها ويقطع الصلة بينه وبينها بل كان المنشقون عنها يعتقدون أنهم أقرب ممن يخالفونهم إلى تعزيز وحدتها ولم شملها.(10)
والمسلمون في أي بلاد يصلون إليها كانوا ينشرون علومهم وتعاليمهم السمحاء مما أدى إلى سيادة الرخاء والرقي الحضاري لهذه البلاد ودخولهم في الإسلام أفواجا فكانت نهضة الإسلام لأوربا نعمة ورخاء وسكينة واطمئنان وهذا ما جعل المسيحيين يعترفون في صراحة أنهم يؤثرون حكم العرب على حكم الفرنج أو القوط(11). وما ذلك إلا لأن العرب ساووا بينهم وبين غيرهم في التعامل فلم يكن هناك عصبية لجنسهم. أما في العصر الحديث فتقطعت الأواصر التي تربط بين المسلمين بعضهم ببعض تحت مسمى الجنسية وهذا يتعارض مع الإسلام ومن دلائل ذلك أيضا ما قاله محمد عبده فى إحدى فتواه "جاء الإسلام فألقى تلك العصبية ومحا آثارها وسوى بين الناس في الحقوق فلم يبق للنسب ولالما يتصل به أثر في الحقوق ولا في الأحكام فالجنسية لا أثر لها عند المسلمين قاطبة فقد صلى الله عليه وسلم:

"إن الله أذهب عنكم عُبية الجاهلية-(أي عظمتها)- وفخرها بالأباء وإنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب"(12) وقال صلى الله عليه وسلم: "ليس من من دعا إلى عصبية"(13) هذا ما تقتضي به الشريعة الإسلامية هلى اختلاف مذاهبها لاجنسية في الإسلام ولاامتياز في الحقوق بين ومسلم ومسلم والبلد الذي يقيم فيه المسلم من بلاد المسلمين هو بلده ولأحكامه عليه السلطان دون أحكام غيره(14)

موقف مفكري الاسلام من الأقليات
وفي هذا الصدد أيضا قال حسن البنا: "إن الإسلام كما هو عقيدة وعبادة هو وطن وجنسية.. قضى على الفوار والنسبية بين الناس فهو لايعترف بالحدود الجغرافية ولايعتبر الفوارق الجنسية الدموية ويعتبر السلمين جميعا أمة واحدة ويعتبر الوطن الإسلامي وطنا واحدا مهما تباعدت أقطاره.. فالقومية الخاصة هي الأساس الأول للنهوض والوحدة العربية هي الحلقة الثانية.. والجامعة الإسلامية هي السياج الكامل للوطن الإسلامي العام .. فلا تعارض بين هذه الوحدات بهذا الإعتبار فكل منها تشد أزر الأخرى وتحقق القاية منها"(15)
ويقول د.محمد عمارة معقبا على ماسبق "بأن ذلك منهاج الفطرة الإسلامية الذي هو منهاج الفطرة الإنسانية السليمة "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون" الروم:30 تعددية وتكامل في دوائر الإنتماء..(16)
فالمجتمع الإسلامي طبقة واحدة يتماسك أفراده برباط الأخوة والتفاضل بينهم يتم على أساس تقوي الله "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" والذي متن رباط الأخوة بين المسلمين هو نظام الزكاة –شرعه الإسلام ليسد بها حاجة الطبقات المحرومة وجعل القرد منهم يشعر بمحبة الآخرين له(17)
وعلى نفس الشاكلة هناك رباط الأخوة مع الأقليات الأخرى والإنفاق والكفالة للمحتاج منهم في المجتمع الإسلامي ومن دلائل ذلك.
قول د.يوسف القرضاوي: "إخواننا الأقباط في مصر" فالأخوة الدينية بين المسلمين بعضهم وبعض لا ينفي وجود أخوات أخرى منها الأخوة الوطنية والأخوة القومية ويستشهد على ذلك بما نص عليه القرآن فى قوله تعالى: "كذبت قوم نوح المرسلين(105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون" فأثبتت الآية أخوتهم لنوع برغم تكذيبهم له وكفرهم به لأنه واحد منهم ولهذا كان يقول لهم: (ياقوم) وكذلك ذكر القرآن عن هود وقومه عاد وصالح وقومه ثمود ولوط وقومه.. ولكن في هذه السورة قال: (كذب أصحاب الأيكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) فلم يقل لهم أخوعم شعيب "لأنه لم يكن منهم .. فدل هذا على أن للأخوة القومية اعتبارها.
أما من دلائل رحمة المسلمين بغيرهم أنه مكان هناك الإنفاق على الضعفاء والمساكين وكبار السن وكل من له حاجة من أمور الدنيا من ذلك على سبيل المثال لا الحصر كتاب خالد بن الوليد لأهل الحيرة جاء فيه: "وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار السلام فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام ليس على المسلمين فليس على المسلمين النفقة على عيالهم"(18)

ويقول الطبري عن المساواة فر الواجبات بين المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى بأنه كان على المسلمين الزكاة وعليهم الجزية غير أن فريقا من النصاري حارب مع المسلمين فسقطت بذلك عنه الجزية لأن الغرض منها قد انتفي ولم يعد هناك ما يبرر بقاءها.(19) وهذا ما ذهب إليه علماؤنا في العصر الحديث*
وصور التآخي والتعاطف بين المسلمين وغيرهم كثيرة منها أيضا أن عمر يأمر بصرف معاش دائم يهودي وعياله من بيت مال المسلمين ثم يقول: قال الله تعالى: "إنما الصدقات للفقراء والمساكين" التوبة 60 وهذا من مساكين أهل الكتاب.(20) وروى أبن أبي شيبة عن جابر بن زيد: "أنه سئل عن الصدقة فيمن توضع فقال: في أهل المسكنة من المسلمين وأهل ذمتكم "(21)
بالإضافة إلى الكثير من مظاهر التآخى من مثل حرية الإعتقاد والتدين والمشاركة لهم في أفراحهم وأثراحهم كالمشاركة في جنائزهم ومواساتهم مما فصل فيه الحديث علماؤنا وكثرت المؤلفات والبحوث في هذا الصدد**

الكنائس في الشريعة الإسلامية
قدسية دور العبادة ظل المسلمون على امتداد تاريخهم مقيمين على إعمال وصية نبيهم في المحافظ على كنائسهم وفي ذلك يقول د. يوسف القرضاوي: لقد ظل قبر المسيح وكنائس المسيح وكل ما يقدسه النصاري محفوظ ومحروسا ومرعيا من قبل المسلمين لا تمتد إليه يد بعدوان لأن من يفعل ذلك يستحق عقوبة ولي الأمر وسخط الرأي العام الإسلامي الذي يرى الحفاظ على مقدسات المسيح والمسيحيين من لوازم عقد الذمة والوفاء به فريضة على المسلمين حكاما ومحكومين(22). وقد شهد علماء الغرب والمسلمين وحكامها في هذا الشأن
واعترف ترثون بتسامح الحكام المسلين فقال "كان سلوك الحكام المسلمين في الغالب أحسن من القانون المفروض عليهم تنفيذه على الذميين وليس أدل على ذلك من كثرة استحداث الكنائس وبيوت العبادة في المدن العربية.. كما اعتاد المسلمون المساهمة في الأعياد المسيحية"(23) وقد كفل الرسول صلى الله عليه وسلم للنصاري من المزايا والضمانات مالم ينعموا به في ظل ملوك دينهم وألزم أتباعه حماية المسيحيين والذب عن كنائسهم"(24) وكان ذلك منطلقا للمسلين فيما بعد في حسن معاملة غيرهم من أهل الديانات الأخرى كما سمح الرسول للمسيحيين بجواز الصلاة في مساجد المسلمين من ذلك "أن وفد نجران وهم من النصاري لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة دخلوا عليه مسجده بعد العصر فكانت صلاتهم فقاموا يصلون في مسجده فأراد الناس منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.(25)

وعقب ابن القيم على هذه القصة "بجواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين.. وتمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضا إذا كان ذلك عارضا..
وهكذا فقد تمتع أهل الذمة في ظل الحكم الإسلامي بمزايا عديدة .. كما سمح لهم بإعادة بناء ما تهدم من كنائسهم وبيعهم ويؤيد ذلك وثيقة نادرة محفوظة حاليا في "جمعية اليهود السفارديم" في فلسطين بالقدس المحتلة برقم سجل 25 تحمل خاتم وتوقيع مفتي القدس الشريف الشيخ نجم الدين ومن نهى الوثيقة يلاحظ أن شريعة الإسلام تجيز ذلك بل وأجاز المفتي أن يهدم اليهود معا يدهم بأيديهم بغرض تجديدها وتطويرها وفي هذا إشارة واضحة لعدم التعصب والتشدد حيالهم من قبل ولاة أمور المسلمين(26)
إذا يتضح ما سبق أن المجتمع الإسلامي كان كيانا واحدا لا تفرقه ولاعنصرية ولاعصبية تكون سبيلا لاستعلاء قوم عن قوم أوسببا للظلم وهضما للحقوق وإنما شمله روح الحب والتعاون والتسامح ونبذ العنف بشتى صوره نتيجة هذه القواعد التي أرساها الإسلام للتعاييش في الإسلام وآمان وشهد بذلك علماء الغرب لدرجة اقرارهم أن المجتمعات الغربية في العصر الحديث عاجزة عن تقديم هذا النموذج الإسلامي الذي جمع بين المثالية والواقعية في آن واحد وفي ذلك أبلغ رد على الدعوات التي تتعصب لنموذج الغرب وتهون من شأن الإسلام حين تطرح أسئلة مثل
إذا كانت مبادئ الإسلام في تنظيم أمور المجتمع سلبية وكفيلة بضمان السعادة للبشر فما بال المسلمين في حال لا ييسر صديقا ولا عدوا (ويجيب د.حمدي زقزوق) بأن تلك الأسئلة لها ما يبررها ولكن يجب التمييز بين الزاقع المتدني للمسلمين وبين تعاليم الإسلام فالتخلف القائم في المجتمع الإسلامي يعد عقوبة مستحقة على المسلمين من الإسلام لتخليهم عنه لالتمسكهم به كما يظن بعض الجاهلين ومن ناحية أخرى فإن صلاح المسلمين بأيديهم ولن ينزل عليهم ذلك من السماء فلابد أن يغيروا أولا من أحوالهم حتى يمكن أن يأتيهم مدد السماء(27) (إن الله لايغيروا مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد : 11

الحقوق السياسية لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي
1- حق المواطنة
لقد ذكر د.إدوارد غالي نماذج عديدة لمفكري الإسلام وأدلتهم المستقاه من الكتاب والسنة على اعتبار غير المسلمين في المجتمع الإسلامي مواطنون من الدرجة الأولى نكتفي من ذلك "مايغنينا عن التكرار"ماذكره فهمي هويدي من "أن أول وثيقة مكتوبة في تاريخ الإسلام التي حررها النبي وهو يرسى أسس المجتمع الإسلامي في المدينة والتي عرفت باسم (الصحيفة) تضمنت نصا اعتبر اليهود مع المسلمين "أمة واحدة" بحيث عوملوا كمواطنين في الدولة الإسلامية الوليدة ولم يعاملوا كأجانب أو رعايا من الدرجة الثانيه"(28)
وفي هذا الصدد يقول د.محمد سليم العوا: "هذه الوثيقة تجعل غير المسلمين المقيمين في دولة المدنية مواطنين لهم من الحقوق مثل ماللمسلمين وعليهم من الواجبات مثل ماعلى المسلمين"(29)
ويقول الدكتور جمال الدين محمود: "الحقيقة أن أقباط مصر هم مثلنا أصحاب البلد وأهله وأبناؤه لهم في مصر مثل مالنا تماما..(30)
ويقول فضيلة الشيخ الشعراوي: "إن الإسلام هو صاحب مبدأ الوحدة الوطنية بين الأكثرية والأقلية وبين المختلفين في العقائد على حد سواء.. ومن واجب الهيئة العامة للكتاب أن تذيع "صحيفة المدينة" وأن تنشرها بين الناس مع شروح وافيه لها من أساتذة التاريخ وعلماء الحضارة والإجتماع .."(31)
2- حق الإنتخاب والترشيح
أجاز علماء المسلمين ولاية غيرهم انطلاقا من حق المواطنة الذي سبق ذكره وقاعدة (لهما مالنا وعليهم وما علينا) وأن النهي عن ولاية غير المسلمين التي قررتها آيات الكتاب ووردت بها السنة كلها محصورة مفيدة يكون المنهي عن ولايتهم في حالة اعتدال حربي على الملة والأمة ويخطئ من ظن أن النهي عن المخالف في الدين مطلقا"(32) وهذا ما ذهب إليه أيضا الشيخ محمد الغزالي "فالايات جميعا واردة في المعتدين على الإسلام والمحاربين لأهله وتنفير أفراد الأمة من خصومها واجب يتجدد في كل عصر"(33)
ويقول الأستاذ فريد عبد الخالق عن حق الإنتخاب والترشيح لغير المسلمين: "قد خلصنا إلى أن تقرير هذين الحقين من الحقوق السياسية لغير المسلمين في الدولة الإسلامية غير محظور في الإسلام ولاحرج من مشاركة غير المسلمين في ممارستها بوصفهم أمة من المسلمين(34)
ويقول الدكتور عبد الكريم زيدان عن حق الإنتخاب والترشيح والإشتراك في انتخاب رئيس الجمهورية بأنه "يجوز للذميين المشاركة في هذا الإنتخاب لأنهم غير ممنوعين من المشاركة في شئون الدولة الدنيوية أما إنتحاب ممثليهم في مجلس الأمة وترشيح أنفسعم لعضويتهم فنري جواز ذلك لهم أيضا لأن العضوية في مجلس الأمة تفيد إبداء الرأي وتقديم النصح للحكومة وعرض مشاكل الناخبين ونحو ذلك وهذه الأمور لا مانع من قيام الذميين بها ومساهتهم فيها"(35)
ويؤكد أستاذ فريد عبد الخالق على أحقبة اختيار غير المسلمين لرئيس الدولة ضد المشككين في ذلك بقوله نظام الخلافة نظام صاغه الصحابة وهم أهل الحل والعقد وقام على أصل الإجماع لأعلى أصل من نصوص الكتاب أوالسنة فالصياغات التي تنظم بها حياة المجتمع ويتحقق عن طريقها مصالح الناس متروكة للإجتهاد لأنها مما يتغير بتغير الظروف والأزمان "وأول إجتماع يعتبره الشافعي هو إجماع الصحابة ثم إجماع المجتهدين في أي عصر بعدهم"(36) وقد تقتضي سنة التطور وتغير الظروف مالم تقتضه في صدر الإسلام فيرن أهل الحل والعقد وأهل الإجتهاد وجواز المساواة بين غير المسلمين في الحقوق السياسية"(37)
أما الدكتور فتحي عثمان فإنه يقول في هذه المسألة: "إذا كان تولى الذمي لمنصب وزارة التنفيذ قد وسع الماوردي فضلا عن أنه حدث في واقع التاريخ الإسلامي فكم كان من الواجب أن يدفعنا ذلك لتقرير حتى الذمي في الإنتخاب والترشيح دون تردد(38)

أقباط مصر والحقوق السياسية
أما الأستاذ فهمي هويدي فإنه يستدل على هذا الحق السياسي لغير المسلمين بأدلة قطعية من الكتاب والسنة وفقهاء المسلمين مفندا بذلك أي شبهة تنتقص من هذا الحق أو تشك فيه نجمل حديثه في ذلك. بأن الشريعة الإسلامية ومنذ أربعة عشر قرنا قررت في "وثيقة المدينة" حق المواطنة الكاملة لغير المسلمين في الدولة الإسلامية ولأخيرة للمسلمين في أمر قد حسمه الشارع في قوله تعالى: (وماكان لمؤمن ولامؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) الأحزاب:36 وهو حق يقضي بالمشاركة السياسية على أساس القاعدة الشرعية (لهم مالنا وعليهم ما علينا) فلا يلتفت إلى اجتهادات فردية تخالف أصلا ثابتا في الإسلام ويؤكد على ذلك بما ذهب إليه العلماء منهم :
الشيخ محمد مصطفي شلبي في كتابه "الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية" يقول: "إن الأحكام لم تكن محض أوامر ونواة تعبيرية قصد بها إخضاع المكلفين بها ولكنها جاءت لتحقيق مصالحهم فتجلب لهم المنافع وتدفع عنهم المضار.. فخيقا تةجد المصلحة فثم شيء الله" ووجه المصلحة والمفسدة ظاهرة في المسألة التي نحن بصددها فالمصلحة في توكيد الوحدة الوطمية في الإساءة إليها
ثم إن العرف السياسي أثبت للأقباط الحقوق السياسية.. دون تفرقه لسبب الدين وكتب المذاهب المختلفة تفيض بذكر العرف تقعيدا وتفريعا عليه فتكلم فيه فقهاء مثل القرافي وابن العربي والسرخي وابن عابدين وجاء في قواعدهم: "والعادة محكمة" والمعروف عرفا كالشروط شرطا" والتعيين بالعرف كالتعين بالنص"(39)
كما أن القلة التي تعترض على هذا الحق لا تفقد كما يقول أستاذ فهمي هويدي على دليل قطعي يفيد المنع من الكتاب والسنة وهي من السياسات الجزئية القابلة للنظر والإجتهاد وكما يقول الزركشي: "أعلم أن الله لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة بل جعلها ظنية قصدا للتوسعة على المكلفين فلا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل القاطع(40). وذكر رشيد رضا في تفسير المنار "أن السلف لم يحرموا شيئا إلا بدليل قطعي أو نص قرآن"(41)
وهكذا ذهب جمهور علماء المسلمين من أن الإسلام بوسطيته ومرونة شريعته وسماحته وواقعيته التي لاتفارق قيمه العليا ومثاليته هو أمنع حصن لحماية حقوق غير المسلمين في الدولة الإسلامية عامة وأن النبي خص قبط مصر بالذكر ووصى الأمة يهم خيرا وقررأنهم أمة مع المؤمنين فكيف يمكن أن يثور بعد ذلك تساؤل أو تقع مخاوف أو ليس في الأمر وتعريف السياسة في الإسلام كما يقول ابن عقيل: "ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح ةأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول ولانزل به وحي(42) . فلايجوز شرعا أن يزعم أحد أن ثمة تناقض بين تطبيق الشريعة وماتتطلبه الوحدة الوطنيه من حماية واجبة(43)
وهذا ما ذهب إليه دكتور يوسف القرضاوي ردا على فتوى في هذا الصدد ولايخرج عما ذهب إليه علماء وفقهاء المسلمين الذين سبق ذكرهم وأجاز أن يعطي المسلم صوته لغير المسلم مزيلا اللبس حول من يشكك في ذلك معقدا على سوء الفهم لبعض الأيات والجهل بأسباب نزولها وملابستها ومؤكدا على ضرورة المودة والألفة ونبذ الدعوات التي تفرق الأمة ولاتخدم إلا أعداءها. يريدون أن يمزقوها شر ممزق وكل بلد يخترعون له من الوسائل والآليات ما يفرق بين أبنائه ففي بعض الأقطار يثيرون قضية سنة وشيعة وفي بعضها يثيرون قضية عرب وبربر أو عرب وأكراد.. ومسلمين وغير مسلمين وإذا لم يجدوا شيئا من هذا سيبتكرون شيئا يفرق بين الأخ وأخيه(44) "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" الأنفال:30
وفي هذه القضية* قال الشيخ عبد المتعال الصعيدي: "يضيف أنه بفتح باب الإجتهاد يمكننا التوفيق بين الحكم الديني والحكم القومي لأنه لا يلزم أن يكون هناك خلاف بينهما ..إن الإسلام ينظر إلى أبناء الوطن الواحد من مسلمين وغير مسلمين على هذا الأساس لهم مالنا وعليهم ماعلينا وفي هذا الأساس تجتمع الحكومة الإسلامية والحكومة القومية" ويوص بالمفر في سبيل المصلحينا محمد عبده رجال الدين الأفغاني(45)
من كل ما سبق يتضح أن علماء المسلمين في العصر الحديث وعبر مدار تاريخنا الإسلامي ومنذ بدايته الأولى قرروا حق غير المسلمين في الإنتخاب والترشيح للمجالس النيابية أو ماشابة بل المشاركة في انتخاب رئيس الدولة وعلى أحقبة إعطاء أصوات المسلمين لهم إذا كانت فيهم من الصفات الخلقية ما يؤهلهم لتولي هذا الأمر الذي ينبغي ألا يكون التفاضل فيه بين المسلم وغيره على أساس الدين وإنما السيرة الحسنة وبمقدار القدرة على تلبية مطالب الناس ورفع الظلم وقد شهد تاريخنا الإسلامي القديم والحديث تطبيقا لهذه الأسس النظرية وهذا ما سوف نؤكده .
3- التطبيق العملي لمبدأ المساواة في الحقوق السياسية
لقد تأكد لنا أن الإسلام قرر المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات والمسئوليات وكان التطبيق العملي لهذا الإقرار هي من الأمور البديهية في الإسلام فاليهود والمسيحيين في أرض الإسلام الخضوع لأحكام دينهم متى أرادوا ذلك من دون فرض لأحكام عقيدة الإسلام عليهم وفي المقابل عليهم احترام حق الأغلبية المسلمة متى أرادت تطبيق الشريعة وهذا ما خلص إليه علماؤنا انطلاقا من تعاليم الكتاب والسنة والممارسة العملية لذلك في تارخنا الإسلامي وكذلك الكثير من الرموز المسيحية لما لمسوة من عدالة للإسلام لم يوجد لها نظير في أي نظام آخر ومن الدلائل على ذلك والتي لم تثتسني منها أي مرحلة تاريخية منذ بدأ الإسلام
عدالة ولاة أمور المسلمين في القرن الأول الهجري مع كل من خالفهم في العقيدة من حفظ حقوقهم وأموالهم وأعراضهم والإستعانة بهم في أعمال الديوان وفي إدارة شئون البلاد حيث تم استعمال بعض أهل الذمة كعمال يحكمون باسم الدولة في العديد من الأقاليم في مصر والشام "فقد ذكر ساويرس بن المقفع" . "أن والى إقليم الصعيد في عهد الخليفة الأموي عبد العزيز بن مروان كان يدعى "بطرس" وكان حاكم مدينة مريوط في الصعيد من أهل الذمة أيضا ويدعى "ناقوس". وكان حاكم الغيوم يدعى "شنودة"(46)

ومن الحكام على الأقاليم أيضا حاكم يدعى"ميناس" كان هرقل قد ولاه أعمال المنطقة الشمالية في مصر ثم بعد فتح مصر استبقاه المسلمون على حكم نفس المنطقة نظرا لخبرته في شئونها.(47) . وقد حملت لنا البرديات العربية أسماء حكام أقاليم مسيحيين في عهد الوليد بن عبد الملك والذي ولى "قرة بن شريك العيسى" حكم مصر على الصلاة والخراج الذي حفظ حقوق الرعية سواء كانوا أهل ذمة أو مسلمين والبرديات* تعكس لنا خطابات من هذا الوالي إلى حكام الأقاليم تحمل توجيهات ونصائح وفض منازعات بين بعض أهل الذمة فمن البرديات التي تكشف إسناد مهمة حكم منطقة في صعيد مصر لأحد أهل الذمة ويدعى بسيل برديه عربية محفوظة حاليا في معهد البرديات بجامعة هايدبرج بألمانيا مؤرخة في شهر ربيع الأول سنة 91هـ / 710 م وفيها "بسم الله الرحمن الرحيم" من قرة بن شريك إلى بسيل صاحب إشقوة... (فإن أهل أرضك) وهى تعني أن بسيل من أهالى نفس المنطقة وأنه أسند إليه مهمة قيادة هذه المنطقة وحكمها. وفي عهد شريك أيضا سجلت إحدى البرديات خطاب بينه وبين ذكريا" حاكم أو المسئول عن قرية أسمون يطلب منه شريك الحكم في قضية رد دين لأحد أهل الذمة قائلا في ختامها ما يدل على حرص الوالي شريك على تحري الدقة وتجنب الظلم في إصدار الأحكام بقوله: "فما كان له من حق فاستخرجه له ولا يظلمن عندك "ويبدأها بقوله "بسم الله الرحمن الرحيم" من قرة بن شريك إلى زكريا صاحب أشموه العليا** فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو.."(48)
وفي هذا العصر أيضا تم استخدام بعض كتاب النصاري في أعمال الديوان زمن الخليفة عبد العزيز بن مروان وذكر "ساويرس بن المقفع" منهم اثنين أحدعما يدعى اثناسيوس والآخر يدعى اسحاق. ولك لخبراتعم الطويلة في الإجراءات المالية للدولة.(49) أن الإعتبار هنا للكفاءة والإخلاص ويقول الادكتور فتحي عثمان "أما الشريعة الإسلامية نفسها فلاشأن لها في استبعاد أهل الذمة عن الوظائف فكان معاوية أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أفقه الناس في الدين وأعرفهم بسياسة عمر ومع ذلك استعمل على ديوان الخراج سرجون بن منصور وكان نصرانيا وكانت وظيفته تشبه وظيفة وزير المالية في الوقت الحاضر.. ولقد أشرك المسلمون والمسيحيون واليهود في دولتهم وكانت هذه المشاركة تشتد أحيانا حتى تكاد تطغي وقد لاحظ ذلك المستشرق "آدم منز" فكتب يقول: من الأمور التي تعجب لها كثرة عدد العمال والمتصرفين غير المسلمين في الدول الإسلامية فكان النصاري هم الذين يحكمون المسلمين في بلاد الإسلام وقد قلد ديوان جيش المسلمين لرجل نصار في مرتين في أثناء القرن الثالث عشر، وكان المتصرفون النصاري واليهود يقسمون اليمين شأنهم شأن المسلمين.."
وفي النصف الثاني من القرن الرابع اتخذ كل من حضر الدولة في بغداد والخليفة العزيز بالقاهرة وزيرا نصرانيا.. وقد ولى المأمون على مدينة بورة بمصر عاملا مسيحيا.. وقد أظعر خلفاء الفاطميين الأولون لأهل الذمة تسامحا نعجب له.. وفي عهد العزيز بالله زاد بلاط الخليفة في إكرام النصاري وذلك أنه كان العزيز أصهار مسيحيون.. (50)

وقد أثني الكثير من العلماء الغربين على التسامح الذي تعامل به الإسلام مع غيرهم لدرجة أن تولوا مراكز قيادية فيها دون اعتبار لاختلاف الديانة منهم . المستر درابير الأمريكي المشهور الذي قال: "إن المسلمين الأوائل في زمن الخلفاء لم يقتصروا في أهل العلم من النصاري السطوريين ومن اليهود على مجرد الإحترام بل فوضوا إليهم كثيرا من الأعمال الجسام ورقوهم إلى مناصب الدولة حتى إن هارون الرشيد وضع جميع المدارس تحت مراقبة "حنا بن ماسويه" ولم يكن ينظر إلى البلد الذي عاش فيه العالم ولا إلى الدين الذي ولد فيه بل لم يكن ينظر إلا إلى مكانته من العلم والمعرفة "

ويقول السير "مارك سايس" في وصف الإمبراطورية الإسلامية في عهد الرشيد: "وكان المسيحيون والوثنيون واليهود والمسلمون على السواء يعملون في خدمة الحكومة"
ويقول "ليفي بروتسنال" في كتابه إسبانيا الإسلامية في القرن العاشر: "إن كاتب الذمم كثيرا ما كان نصرانيا أو يهوديا والوظائف مما يقلده النصاري واليهود وقد كانوا يتصرفون للدولة في الأعمال الإدارية والحرية ومن اليهود ومن كانوا ينوبون من الخليفة بالسفارات إلى دول أوربا الغربية"
ويقول المؤرخ الشهير المعاصر "ولز" في صدر بحثه عن تقاليد الإسلام: "إنها أسست في العالم تقاليد عظيمة للتعامل العادل الكريم.. وأنها خلقت جماعة إنسانية يقل ما فيها مما يغمر الدنيا من قسوة وظلم إجتماعي عما في أية جماعة أخرى سبقها .. إن الإسلام ملئ بروح الرفق والسماحة والأخوة"
وقد وصل أهل الذمة لأعلى المناصب في الدولة العباسية وهذا ما أشار إليه "ترتون" المؤرخ بقوله: "يمكن إتخاذ ابراهيم بن هلال مثلا لما قد يصير إليه الذمي من بلوغ أرفع المناصب في الدولة فقد تقلد ابراهيم الأعمال الجليلة فامتدحه الشعراء.. وكان بينه وبين الصاحب اسماعيل بن عباد والشريف الرضي مراسلات ومواصلات رغم اختلاف الملل.."(51)
فالمساواة في تولي الوظائف العامة في الدولة الإسلامية معيارها هو أن يوسد الأمر لأهله وعلى ولى الأمر أن يولى على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل قال النبي صلى الله عليه وسلم "من ولى أمر المسلمين شيئا فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" رواه الحاكم في صحيحه. وقال عمر بن الخطاب: "من ولى أمر المسلمين شيئا فولي رجلا لمودة أو قرابة بينها فقد خان الله ورسوله والمسلمين" فيجيب البحث عن المستحقين للولايات..فالناس في نظر الإسلام سواسية كأسنان المشط (لافضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي إلا بالتقوى) متفق عليه (52)

وختاما في هذا الموضوع يتلخص بما أشار إليه المستشار طارق البشري بقوله "بشكل عام يمكن القول بأنه لاحجة في الإدعاء بأفضلية التشريعات المستقاة من اللاتيني والجرمان والسكوت على الشريعة* وأن الشريعة عنصر موحد للعرب كافة وهي بذلك تعتبر مجالا أصيلا للإلتقاء بين التيارين الديني والقومي وفضلا عن ذلك فهى في نطاق الوحدة
العربية عنصر جامع أيضا لغير العرب من الأقليات القومية كالأكراد والبربر. ولاصحة كذلك في قول يزعم أن أسس الشريعة الإسلامية من حيث هي كذلك لا تصلح أداة لطموحات التقدم والنهضة الإقتصادية والإجتماعية وقد احتوى الفكر الإسلامي من قبل تيارات للعدالة الإجتماعية والثورة ضد الإستبداد والظلم الإجتماعي وهو قادر بجهد المجتهدين أن يؤدي رسالته في هذا السبيل.(53)

المراجع :
(1) معاملة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي: د.إدوارد غالي ص145
(2) نجيب محفوظ. وجهة نظر- مقياس الحضارة صحيفة الأهرام 25/8/1983
(3) فجر الإسلام: أحمد أمين ص139
(4) حضارة العرب جوستاف لوبون ترجمة عادل زعيتير ص275
(5) النظم الإسلامية : حسين الحاج ص275
(6) حضارة العرب: حاشية ص128 نقلا عن تارخنا المفتري عليه ص189
(7) قصة الحضارة ج13/ص131
(8) الدعوة إلى الإسلام: توماس أرنولد ترجمة حسن إبراهيم وينظر إلى تاريخنا المفترى عليه ص188، 193
(9) من روائع حضارتنا: مصطفى السياعي ص131- 135
(10) مجلة الوعي الإسلامي ص68 عدد303 /1995 وينظر إلى بحث د.سعد خلف عبد الوهاب إلى الإسلام ودورة في النهضة من كتاب "الإسلام ومشروعات النهضة" ص165: 212
(11) عالمية الإسلام: د.أحمد شلبي ص95 العدد 11 من سلسلة قضايا إسرمية 1996 نقلا عن المبحث السابق
(12) رواه أبو داوود
(13) في البخاري ومسلم والترمزي والنسائي وابن ماجه والإمام أحمد "ليس من دعا بدعوى الجاهلية"
(14) تاريخ هذه الفتوى 9 رمضان1904 في (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده) ج2 ص505 -508 محمد عمارة
(15) مجموهة الرسائل-رسالة دعوتنا ص176، 178، 19 ، محمد عمارة هل الإسلام هو الحل ص169
(16) نفس المرجع والصفحة
(17) حضارة العرب في صدر الإسلام ص288
(18) حضارة العرب في صدر الإسلام ص280 نقلا عن تاريخ العرب : لجورجي زيدان

*محمد شوقي الفنجري "الإسلام والضمان الإجتماعي ص99 وهبة الزحبلي نظام الإسلام ص203 يوسف القرضاوي "غير المسلمين في المجتمع الإسلامي" ص35 وفهمي هويدي مواطنون لاذميون وينظر في هذا إلى "معاملة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي" إدوارد غالي
** في كتاب د.إدوارد غالي "معاملة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي" ويحوي كثير من المراجع الهامة لعلمائنا في هذا الصدد وقد سبق ذكر الكثير منها ونضيف لذلك كتاب د.محمود شلتوت الإسلام عقيدة وشريعة ص44: 46 وينظر إلى تاريخنا الفتري عليه "ونلخص هذه التعاملات في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم العملية مع اليهود والنصارى فقد كان بذورهم وومكرمهم ويحسن إليهم ويسود مرضاهم ويأخذ منهم ويعطيهم" ص184
(19) الطبري ج4/ص152
(20) فقه الزكاة: د.يوسف القرضاوي ج5 ص705-706 مقلا عن الإخراج لأبي يوسف ص26
(21) المرجع السابق نقلا عن مصنف بن أبي شيبة 10409
(22) تاريخنا المفتري عليه ص 213، 214 وفي هذا السياق يقارن د.يوسف القرضاوي بين ذلك وبين مافعلته الحروب الصليبية في المسلمين
(23) أهل الذمة في الإسلام ص256
(24) بحث التسامح في الإسلام وأثره في درء التعصب والإرهاب د.انعام محمود ص311 من كتاب "الإسلام وحوار الحضارات"
(25) السيرة النبوية
* فقهاء المسلمين من يجيز بناء الكنائس في الأمصار الإسلامية وذكر المقرنيزي أن جميع كنائس القاهرة المذكورة محدثة في الإسلام بلاخوف ويسبق ذلك عهد همر بتأمين الكنائس القائمة وقت الفتح الإسلامي وعهد خالد لهم أن يضربوا نواقيسهم في أي وقت شاءوا مغاليل أو نهار وأن يخرجوا الصلبان في أيام عيدهم، يوسف القرضاوي: غير المسلمين في المجتمع الإسلامي ص7، 9، 21
(26) "النزعة الإسلامية في الحضارة الإسلامية" بحث الدكتور سعيد مغازي ونص الوثيقة بالكامل في كتاب الإسلام وحوار الحضارات362،364 نقلا عن ابراهام حابيم" التطورات التي مرت على طائفة اليهود السفارديم نشر المركز الأكاديمي الإسرائيلي في القاهرة العدد رقم21/1989 ص23
زاد المعاد: ابن القيم 3/638
(27) هموم الأمة الإسلامية: حمدى زقزوق ص110
(28) التدين المنقوص: فهمي عويدي ص126 "ومواطنون لاذميون" فهمي هويدي ص154
(29) المرجع السابق ص37
(30) جمال الدين محمود مقال "أقباط مصر..عم أبناء هذا البلد" صحيفة الأخبار 24/6/1992
(31) محمد متولي الشعراوي يوميات الأخبار صحيفة الأخبار 16/7/1993 وينظر إلى معاملة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، ص116، 123
(32) تفسير المنار: ج6 ص354، 355، ج4 ص68 نقلا عن في الفقه السياسي الإسلامي: فريد عبد الخالق ص169
(33) التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام : الشيخ محمد الغزالي ص40 مشار إليه فى مواطنون لاذميون: فهمي هويدي
(34) في الفقه السياسي الإسلامي ص170
(35) أحكام الذميين المستأمنين: د.عبد الكريم زيدان ص71، 83 مشار إليه في مواطنون لاذميون ص168، 170
(36) الشافعي حياته وعصره، آراؤه وفقهه: محمد أبوزهرة ، ص178
(37) في الفقه السياسي الإسلامي: فريد عبد الخالق ص171
38- الشافعي حياته وعصره، آراؤه وفقهه: محمد أبوزهرة ص178
39- في الفقه السياسي الإسلامي: فريد عبد الخالق ص171
40- بحث "مراجعة الأحكام الفقهية الخاصة بوضع غير المسلمين" فتحي عثمان مجلة الآمان بيروت نقلا عن المرجع السابق
41- ينظر: إلى الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية" : محمد مصطفي شلبي ص92: 94
42- الإختلافات الفقهية: د.أبوالفتح البيانوني ص23
43- تفسير المنار" ج10 ص324
44- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: ابن القيم ص31، 41
45- في الفقه السياسي الإسلامي ص187 :191
*مجموعة البرديات العربية والتي عثر عليها في قرية كوم إشقاو" وهي تقع بين أبي تيج وضعها من مديرية جرجا وهذه البرديات موزعة حاليا بين العديد من المكتبات والمتاحف والجامعات في أوروبا وأمريكا ودار الكتب المصرية وأغلبها تم نشره ينظر إلى بحث "النزعة الإنسانية في الحضارة الإسلامية في ضوء نصوص برديات القرن الأول الهجري" د.سعيد مغازي محمد من كتاب "الإسلام وحوار الحضارات" المؤتمر الدولي الخامس للفلسفة الإسلامية ص351 -370
**أشمون قرية مصرية قديمة ذكرها الإدريسي في القرنين 5-6هـ/11-12 بقوله: "مدينة صغيرة كثيرة العمارات والبساتين وهي تقع بمحافظة المنوفية، ينظر إلى: "نزهة المشتاق في إختراق الآفاق" للإدريسي ص155 -160
(46) ينظر إلى أ.س ترتون: أهل الذمة في الإسلام ترجمة حسن حبشي دار الفكر 1949م ص20، 21
(47) د.أرلف جروهات: أوراق البردي العربية بدار الكتب المصرية ترجمة د.حسن إبراهيم ط دار الكتب ج3/ ص15
(48) أهل الذمة في الإسلام ص20 – 21
(49) عبقرية الإسلام في أصول الحكم: د.منير العجلاتي ص439، 440 دار النفائس مشار إليه في بحث د.فتحي عثمان "مراجعة الأحكام الفقهية الخاصة بوضع غير المسلمين" مشار إليه في "مواطنون لاذميون" فهمي هويدي
*لمزيد في هذا الصدد ينظر إلى كتاب في الفقه السياسي الإسلامي " للأستاذ فريد عبد الخالق حيث ذكر أمثلة عديدة على عدم المساواة في القوانين الوضعية والدساتير العربية. بخلاف ما أقرته الشريعة الإسلامية من أحكام تقرر المساواة دون خوف عليها ص238 : 246
(50) المرجع السابق وينظر إلى في الفقه السياسي الإسلامي: ص172، 173 الحاشية
(51) من روائع حضارتنا: مصطفي السباعي مشار إليه في تاريخنا المفتري عليه ص193، 194
(52) السياسة الشرعية: لابن تيمية ص169، 18، 19 مشار إليه في "في الفقه السياسي الدستوري"
(53) بين الجامعه الدينية والجامعة الوطنية ص39
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 08-07-2019, 06:54 PM
abeer yaseen abeer yaseen متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2018
المشاركات: 48
افتراضي المرأة والعمل السياسي ( التصور السياسي للدولة في الاسلام 7 )

موقف الاسلام من المشاركة السياسية للمرأة
لقد سوى الله سبحانه وتعالى بين الرجل والمرأة في المسئولية والجزاء وكان هذا قمة العدالة الإلاهية تؤكدها الكثير من الآيات القرآنية والممارسات العملية للمرأة المسلمة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعصر إذدهار حضارتنا الإسلامية فمن دلائل ذلك قوله تعالى: ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) التوبة:71 ("فاستجاب لهم ربهم إني لاأضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ) ال عمران"95 فالقرآن هنا كما يقول أستاذ جمال البنا، لايفرق بين رجال ونساء .. والمرأة أحست سماحة الإسلام ومساواته فأقبلت على الإيمان أفواجا في الوقت الذي ظل فيه آباؤهن وأزواجهن على الكفر"(1) .
ثم جاءت السنة لتجسد هذا المنهج القرآني بصورة عملية في شتى مناحي الحياة سنقتصر منها على
صور المشاركة السياسية :
فقد شاركت المرأة الرجال في ابرام الثقافة الدستورية والعقد الإجتماعي بإقامة الدولة في بيعة العقبة منهن أم عمارة، نسيبة بنت كعب وأسماء بنت عمرو(2). وشاركت أم المؤمنين حفصة بالرأي في أمر الخلافة وما ثار بين على ومعاوية من شقاق (3) وسبق ذكر ما كان من أسماء بنت يزيد وما عرضته على الرسول صلى الله عليه وسلم من مطالب النساء
وفي البداية والنهاية لابن كثير عند حديثه عما فعله عبد الرحمن بن عوف لاستطلاع أراء الناس وأخذ" .. يجمع رأي المسلمين وروؤس المسلمين جميعا.. حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن"(4) كما اشتركت أم سلمة والسيدة عائشة رضى الله عنها فيما نشب من خلاف بين المسلمين قبل وبعد مقتل عثمان.(5) والروايات في هذا الصدد مشهورة ومنها
أن السيدة حفصة أم المؤمنين رضى الله عنها حينما توفى عمر بن الخطاب أبوها خطبت في الناس مذكرة إياهم بفضائله وحثهم على طاعته فيما اتفق عليه من أمر الخليفة عثمان بعده والبيعة له درءا للفتنة وسأكتفي ببعض من أقوالها: "بعد الثناء على الله: أما بعد فكل العجب من قوم زين الشيطان أفعالهم حتى همّ عدو الله. بإحياء البدعة ونبش الفتنة وتجديد الجور بعد دروسه وإراقة الدماء وانتهاك محارم الله بعد تحصينها .. فأخسا الشيطان وأقام دعائم الإسلام واحتذى في الناس بأخيه فأخرجها من نسله وصيرها شورى بين إخوته فبأي أفعاله تتعلقون وبأي مذاهبه تتمسكون بطرائقه القويمة في حياته أم بعدله فيكم حتي وفاته ألهمنا الله وإياكم طاعته" وهكذا فكان لأمهات المؤنين مشاركتهم السياسية فيما يتعلق بالبيعة وشئون الخلافة
والسيدة أسماء والتي كانت مثالا نادرا في الشجاعة والصبر يوضح ذلك مجابهتها للحجاج حين دخل عليها بعد مقتل ابنها قائلا: كيف رأيتني صنعت بعدو الله ؟ قالت : رأيتك قد أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن في ثقيف كذابا(6) ومبيرا فأما الكذاب فرأيناه وأما المبير فلا إخالك إلا إياه فقام عنها ولم يراجعها"(7)
والصحابيات كخولة بنت ثعلبة تنصح عمر بن الخطاب قائلة: "اتق الله في الرعية واعلم أن من خاف الوعيد قرب عليه البعيد ومن خاف الموت خشى الفوت"(8)

ويسجل لنا التاريخ العديد من النساء اللاتي وقفن يجابهن الظلم والاستبداد في قمة عنفوانه لايخشون في ذلك أحد إلا الله منهن:
الزرقاء بنت عدي قال لها معاوية أتحفظين كلامك يوم صفين تحضين على القتال.. قائلة : " أيها الناس ارعوا وارجعوا إنكم قد أصبحتم في فتنة عمياء صماء بكماء.. إن المصباح لايضئ في الشمس ولاتنير الكواكب مع القمر ولايقطع الحديد إلا الحديد إلا من استرشدنا أرشدناه ومن سألنا أخبرناه أيها الناس إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها فصبرا يامعشر المهاجرين والأنصار على الغصص فكأن قد اندمل شعب الشتات والتأمت كلمة العدل.. إلا وإن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء ولهذا اليوم ما بعده والصبر خير في الأمور عواقبه"(9)
والشجاء الخارجية وهي من ربات العبادة والدرع والزهد وقفت مناهضة لسياسة يزيد بن معاوية في مجلسه.. حتى أشار عليه جلسائه بقتلها فردت عليهم بقولها : "عليكم لعنة الله كان جلساء فرعون خيرا منكم استشارهم في موسى فقالوا أرجه وأخاه فخلى سبيلها"(10)
وأم البنين بنت عبد العزيز بن مروان تهاجم الحجاج بن يوسف الثقفي بكلام شديد لقسوته فتقول له: "إيه ياحجاج أنت الممتن على أمير المؤمنين بقتل ابن الزبير وابن الأشعث أما والله لولا أن الله جعلك أهون خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة ولا بقتل ابن ذات النطاقين وأول مولود في الإسلام وأما ابن الأشعث فقد والله وإلى عليك الهزائم حتى لذت بأمير المؤمنين عبد الملك فأغاثك بأهل الشام قاتل الله الشاعر وقد نظر إليك وسنان غزالة الحرورية بين كتفيك حيث يقول:
أسد على وفي الحروب نعامة ريذاء تفزع من صغير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغي بل كان قلبك في جناحي حي طائر
اخرج عني فدخل إلى الوليد من فوره قائلا: والله يأمير المؤمنين ماسكت حتى كان بطن الأرض أحب إلىّ من ظاهرها فضحك الوليد ثم قال: إنها بنت عبد العزيز.(11)
وأهل مصر كانوا يأتون السيدة نفيسة كي ترفع عنهم مظالم حاكمها حينذاك –فكانت لها مشاركتها في حل مشاكل الشعب وذلك حين كتبت إليه قائلة: "ملكم فأسرتم وقدرتم فعهدتم وخولتم فغسقتم ودرت عليكم الأرزاق فعظمتم وقد علمتم سهام الأقدار نافذة غير مخطئة لاسيما الصادر منه من قلوب أوجمعتموها وأكباد أذقتموها قسوة الجوع.." إلى ما هنالك من كلمات تعكس من خلالها مدى ظلمة وترهبه من عذاب اله وتنهى رسالتها بقولها: "اظلموا ما طاب لكم الظلم فنحن إلى الله متظلمون وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون" فأثر فيه قولها وسار في الناس بسيرة العدل (12)
وقبل هؤلاء النساء الفضليات وقفت السيدة زينب رضى الله عنها تعنف أهل الكوفة لخذلانهم أل البيت قائلة: "ياأهل الكوفة ياأهل الختر والخذل..إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أتبكون!! إي والله فابكوا وإنكم والله أحرياء بالبكاء فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا فلقد فزتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا وأني ترحضون قتل سليل خاتم النبوة"(13)
ومن أشهر المواقف السياسية التي شاركت فيها المرأة المسلمة بفاعلية في ظل الفتنة التي ألمت المسلمين السيدة عائشة رضى لله عنها من على فقد خرجت عليه ومعها كبار الصحابة كالزبير وطلحة طلبا للثأر لمقتل عثمان بن عفان والتي أبصرت قتلتة يذهبون إلى ديارهم

موفورين فانصدع قلبها وكانت موقعة الجمل نسبة إلى الجمل الذي ركبته.. وأعادها على مكرمة إلى بيتها فهى وإن لم تنكر عليه أمر خلافته حيث إنها كانت تدعو الناس يوم قتل عثمان لبيعته لأنها تعلم بأحقيته للأمر ولقرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنها رأت دما مطلولا فتعجلت ما رأته واجبا وإنما الأعمال بالنيات"(14)
كما شهدت الساحة الإسلامية حينذاك الكثير من نصراء على من النساء ومن الواقفات ضده متعجلات الثأر منهن نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان بن عفان التي بعثت بأصابعها الممزقة وقميص عثمان المخضب بالدماء إلى معاوية وأمرته أن يعلق كل ذلك في المسجد وأن يقرأ على المجتمعين كتابها التي تحث فيه مستصرخة المسلمين للقصاص من قتلة عثمان واجتمع لسماعه خمسون ألفا من الشام يصيحون بالبكاء ويتقاسمون فيما بينهم ألايمسوا غسلا حتى يقتلوا عليا أو تفنى روحهم(15)
وعلى ضوء ما تقدم يتضح كيف أن بيئة المسلمين هيأت للمرأة قول الحق في شجاعة منقطعة النظير سواء كان من خلال الإسلام وتعاليمه التي دفعتها لذلك أم من الرجال الذين لم يجدوا غضاضة في تناولها لهذا الشأن فكان ذلك أمر مألوف للنساء حتى منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم
كما نستطيع أن نتبين كيف ساهمت المرأة بشخصيتها المؤمنة الواثقة الشجاعة سياسيا فقامت تخطب في الناس في الشدائد وفي كل مايعن للمسلمين وكان قدوتهن أمهات المؤمنين كعائشة وحفصة وأم سلمة رضى الله عنهن واستمرت على ذلك النهج فلم تتوان عن ممارسة حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل أدوار حياتها أما وزوجة وبنتا ومعلمة حيث بقيت الشرارة الأولى من النساء والصحابيات وأمهات المؤمنين توقظ فيها هذا الشعور من نصرة الحق في جميع الأحوال والظروف والمشاركة لمجتمع المسلمين أفراحه وأحزانه كما أسهمت في كافة الأنشطة عندما كان مفهوم العبادة يمارس بالمعنى الصحيح الشامل لكل جوانب الحياة.(16)
بالإضافة إلى أن آيات الله كانت تجد التطبيق العملي في واقع المسلمين لما أكدته على أحقية المرأة بالقيام بهذا الدور يتضح من خلال ما أقره سبحانه وتعالى في القرآن من تساويها مع الرجل في قاعدة العمل والجزاء وخطاب التكليف فقال تعالى: "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون" آل عمران:104 وهناك نصوص تصرح بتكليف النساء كقوله سبحانه عن نساء النبي _وهن خير قدوة تقتدي بها المرأة المسلمة عبر العصور_ "وقلن قولا معروفا" الأحزاب:32 "واذكرن ما يبلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة" الأحزاب:34 والولاية في قوله تعالى: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.." تشمل الأخوة والصداقة والتعاون على كل خير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب يشمل ضروب الإصلاح في كل نواحي الحياة والمرأة في ذلك كالرجل كما تشير الأية بشرط الإلتزام بشرع الله وتنفيذ تعاليمه..(17)
كما مارست المرأة حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث استتب الأمر للمسلمين بصورة اجتماعية أكثر منها سياسية لم تعقها طبيعتها ومسئوليتها نحو بيتها عن التوان في هذا الأمر فقامت بدور الفتوى حيث وجدنا المرأة في تاريخنا الإسلامي تقبل على تعلم الفقه ومدارسته قبل أن تجلس لمدارسته لكبار العلماء الذين تتلمذوا عليها اقتداءا بأمهات المؤمنين والصحابيات : وتمشيا مع ما تمتاز به التربية الإسلامية من الحرية في التعلم واليقظة الروحية في الإسلام وهذا بلا شك دليل افتخارهن بين النساء في جميع الأديان"(18)

وقد حفلت كتب التراجم بأسماء العديد من النساء لاحصر لهن ممن حرصن على التفقه في الدين وتبوأن فيه مكانة عظيمة أولهن نساء العهد النبوي مثل :
السيدة عائشة التي كانت تفتى وتراجع بعض الصحابة فيما يذهبون إليه وشاركها في ذلك الكثير من الصحابيات وكان الصحابة ينزلون على رأيهن(19)
وقد ذكر الغزي في الكواكب السائدة عن خديجة بنت محمد بن ابراهيم والتي سمعت على شيخ الإسلام محمد بن محممد الغذي الدمشقي من البخاري وحضرت عليه في الفقه.. وممن نقل عنها في الفقه أخت المزني صاحب الشافعي ونقل عنها الرافعي في زكاة المعدن وذكرها ابن السبكي والأسنوى في الطبقات(20)
ومن أقبلن على تعلم كتب الصحاح وكتب عنها كبار العلماء "فاطمة بنت ابراهيم بن محمود (ت711 ه) حدثت وسمع عليها محمد الواتي من كتاب التوحيد من صحيح البخاري إلى آخره وأحاديث رباعيات منتقاة من صحيح مسلم.. وكتب عنها بإذنها محمد الشافعي وأخذ عنها السبكي(21)
ومن ابرز النماج على دور الريادة للمرأة المسلمة في هذا الصدد ماذكره الخطيب البغدادي من أنه قرأ صحيح البخاري على كريمة بنت أحمد المروزية* والتي لها دور كبير في تكوين هذا العالم وكذلك ذكر ابن عساكر أثر العالمات المسلمات في تكوينه(22) وكان الشافعي يحضر مجلس علم السيدة نفيسة ويقرأ عليها الحديث ويسألها في الكثير من الأمور وهو صاحب أحد المذاهب الأربعة الكبرى المشهورة(23)
ولهذا سنجد بعد إحكام المرأة لتلك العلوم الشرعية تجلس تفنى في الفقه وتقضي في النزاعات وقد منح لها الشرع وفقهاء المسلمين على مر العصور هذا الحق مثلها مثل الرجال وقد مارسته المرأة المسلمة منذ عصر الصحابة ولم ينكر عليها أحد وإنما وجدت التشجيع والتأييد "فكان عمر يقدم الشفاء بنت عبد الله في الرأي ويرضاها وربما ولاها شيء من أمر السوق"(24)
وهذا مما جعل فقهاء المسلمين من أمثال ابن حزم وابن جرير الطبري يفتيان بجواز أن تلي المرأة في القضاء والولايات غير الإمامة العظمى. وفي عصر الحضارة الإسلامية الزاهرة كان هناك من العلماء المسلمات من مارسن هذا الدور بكل وضوح منهن:
"فاطمة بنت محمد بن يحيي فكانت تستنبط الأحكام وتتناقش مع والدها مع علمه وفضله فقال: إن فاطمة ترجع إلى نفسها في استنباط الأحكام وكان زوجها الإمام المطهر يرجع إليها فيما شكل عليه من مسائل وكان يدخل عليها فيستفتيها إذا أشكل عليه بحث في خلال تقريره الدرس لتلاميذه فترشده إلى الصواب ثم يخرج فيشرح لهم ماأشكل عليهم فيقولون ليس هذا منك بل من خلف الحجاب"(25) ومثلها كانت "أم عيسى بنت إبراهيم" (ت328 هـ) وهى عالمة فاضلة ذات دين وصلاح وكانت تفتي في الفقه(26).
*ووجدت مدرسة في الحديث تنسب إلى كريمة المروزية في مكة وكان الطلاب يأتين إليها من أماكن بعيدة وقد تتلمذ عليها كبار علماء المسلمين(27)
كما كانت فاطمة بنت محمد بن مكي تدعى ست المشايخ عالمة فاضلة فقهية وكان أبوها المتوفي (786 هـ) يثنى عليها ويأمر النساء بالرجوع إليها في أحكام الحيض والصلاة ونحوها(28)
بالإضافة إلى ذلك فهناك من تصدرت للفقه والتدريس وتفوقت على الرجال في هذا الشأن فمنهن:فاطمة بنت محمد بن أحمد السمرقندى أخذت العلم من مجموعة من العلماء وألفت مؤلفات عديدة في الفقه وعاصرت الملك العادل نور الدين الشهيد (ت569هـ) واستشارها في بعض أموره الداخلية وسألها بعض المسائل الفقهية.. وكان زوجها الكاساني ربما يهم في الفتيا فترده إلى الصواب وتعرفه وجه الخطأ فيرجع إلى قولها وكانت تفتى وكان زوجها يحترمها ويكرمها وكانت الفتوى تخرج بخط الإثنين (29)
كما كانت "أمة الواحد بنت القاضي" تفتي مع أبي على بن أبي هريرة.. وحدثت وكتب عنها الحديث"(3) وكانت "فاطمة بنت عبد الله بن المطهر وتزوجها الإمام المتوكل على الله يحيي شرف الدين وكانت تعارضه في جامع الأصول وتشاركه في معرفة المشكلات"(30)
وهذه الصورة العظيمة للمرأة المسلمة في عصر الحضارة الإسلامية هى امتداد طبيعي لملامح التفوق والنضج للمرأة المسلمة في العهد النبوي ليس فقط بروايتها للسنة وتعليمها بل لأنها كانت أيضا تجادل وتحاور الرجال وتستدرك عليهم وكانوا ربما رجعوا إليها حين إختلافهم وينزلون على رأيها وتزعمت هذا النهج السيدة عائشة "وقد ألف بدر الدين الزركشي كتابا قصره على استدارا كات عائشة رضى الله عنها قال في مقدمته : هذا كتاب أجمع فيه ماتفردت به الصديقة أو خالفت فيه سواها.. أو أنكرت فيه علماء زمانها أو رجع فيه إليها أحد من أعيان أوانها"(31)
وكذلك استدركت الصحابيات على الكثير من الصحابة منهن فاطمة بنت قيس الذين بعثوا يأخذون رأيها حين إختلافهم في أمر المعتدة والمطلقة ثلاثا(32)
وهكذا لم تكن لدى الصحابة ومن أتى بعدهم تلك الحساسية المرضية تجاه المرأة ففي ظل الإسلام وتطبيق تعاليمه السمحاء فتح الباب على مصراعيه للمرأة حتى بلغت شأنا عظيما*في كل شئون الحياة وخصوصا في العلم ووجدن كبار الصحابة يتلقون ويأخذون عنهن في كل ثقة وتقدير وأدب جم ودون استعلاء حتى أصبحت كتب السنة المشهورة تعج بمروريات لاحصر لها أتت عن طريق النساء ولاقت ثناء كبار علماء الحديث على مر العصور حتى قال الحافظ الذهبي: لم يؤثر عن إمرأة أنها كذبت في حديث(33)
وقال الشوكاني: (لم ينقل عن أحد من العلماء رد خبر امرأة لكونها امرأة فكم من سنة قد تلقتها الأمة بالقبول وهذا لاينكره من له أدنى نصيب من علم السنة"(34)

حق المشاركة السياسية للمرأة في العصر الحديث

لاشك أنه مرت على أمتنا الكثير من العصور طمست فيه هذه المعالم المضيئة للمرأة المسلمة في العهد النبوي وعصر الإزدهار الحضاري مما حدا بكثير من علماء الأمة

ومفكريها للدفاع عن هذا الحق الذي أقره الشرع وسنه الرسول وصحابته وشهد التطبيق العملي في المجتمع الإسلامي لقرون عدة وأدى الإفتئات على هذا الحق إلى رمى الإسلام بتهم هو منها براء ومن نماذج هؤلاء العلماء على سبيل المثال لا الحصر -إذا أضفنا إليهم المجددين- في العصر الحديث الذين حاولوا العودة بالمرأة إلى صورتها الصحيحة التي نعمت فيها بكامل حقوقها التي منحها لها الاسلام :
د.يوسف القرضاوي الذي يدافع عن حق المرأة في الترشيح للبرلمان ردا على المسوغات الواهية التي يسوقها البعض ولاتستند إلى الكتاب والسنة فمن بعض أقواله في هذا الصدد:
هناك من ينظر إلى زاوية "سد الذرائع" فالمرأة عندما ترشح للبرلمان ستتعرض في أثناء الدعاية الإنتخابية للإختلاط بالرجال وربما الخلوة بهم وهذا حرام "ولكن العلماء قرروا أن المبالغة في سد الذرائع كالمبالغة في فتحها وقد يترتب عليها ضياع مصالح كثيرة أكبر بكثير من المفاسد المحدقة.. كما أن ولاية النساء على بعض الرجال خارج نطاق الأسرة فلم يرد ما يمنعه بل الممنوع هو الولاية العامة للمرأة على الرجل وهذا هو المقصود في الحديث الشريف:" لن يفلح قوم ولو أمورهم امرأة" أي رئاسة الدولة.. فلامانع أن يكون للمرأة مثل ولاية الفتوى أو الإجتهاد أو التعليم أو الرواية والتحديث أو الإدارة ونحوها فهذا مما لها ولاية فيه بالإجماع وقد مارسته على توالي العصور.
حتى القضاء أجازه أبو حنيفة ..في غير الحدود والقصاص مع أن من فقهاء السلف من أجاز شهادتها في الحدود والقصاص كما ذكر ابن القيم في "الطرق الحكمية" وأجازه الطبري بصفه عامه وأجازه ابن حزم مع ظاهريته وهذا يدل على عدم وجود دليل شرعي صريح يمنع من توليها القضاء وإلا لتمسك عليه ابن حزم(35). ثم أيد هذا الحق السياسي بما ورد عن قصة ملكة سبأ وما أوتيت من سداد الرأي والحكمة فشئون السياسة مايعجز عنه كثير من الرجال وذكرها في القرآن ليس عبثا
كما ذهب د. يوسف القرضاوي إلى أن هناك قوانين أصدرها عمر كان للمرأة يد في إصدارها كقانون عدم تغييب الزوج في الجيش عن ستة أشهر وكانت معارضة امرأة له في المهور سببا في عدوله عن إصدار قانون لتحديد الصداق ثم يؤكد د.يوسف على أن تكون للمرأة المشاركة الحقيقية في مباشرة أمور السياسة بمواقف من التاريخ بالفهم الصحيح للسنة والأخذ في الاعتبار أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال(36)
كما ذهب إلى حق المشاركة السياسية أيضا د.محمد عمارة والأستاذ جمال البنا مفندين كل الشبهات التي تحول دون الوصول بالمرأة إلى هذا الحق مبرزين الصورة المثالية التي تبوأتها المرأة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم والخلافة الراشدة بما ذهب إليه فقهاء الأمة المشهورين وبممارسات عملية للمرأة لهذا الحق
فالدكتور محمد عمارة يقول: "إذا كانت بعض البيئات والمجتمعات الإسلامية تسود فيها عادات وتقاليد وأعراف تحجب المرأة عن المشاركة فيما هى أهل له وقادرة عليه من ميادين العمل العام.. فإن المنهاج الإسلامي يدعو إلى تطوير هذه العادات والتقاليد والأعراف نحو النموذج الإسلامي ... ويرفض إلباس هذه العادات والتقاليد والأعراف لبوسا إسلامية يحملها بالزور والبهتان على حقيقة الإسلام.."(37)

العمل السياسي للمرأة في نظر الإخوان المسلمون
يرى الإخوان المسلمون أن ليس ثمة نص في الشريعة الغراء يحجب مشاركة المرأة في انتخاب أعضاء المجالس النيابية وماماثلها وفي بعض الظروف تكون هذه المشاركة واجبة وضرورية(38) وعن تولى المرأة مهام عضوية المجالس النيابية وما يماثلها والوظائف العامة فإنها ترى أن ليس ما يمنع ذلك أيضا وأن الولاية العامة المتفق على جواز أن تليها المرأة هي الإمامة الكبرى(39)
أما عن القضاء فقالوا: "مادام الأمر موضع اجتهاد فالترجيح طبقا للأصول الشرعية أمر وارد ثم البقاء مصلحة المسلمين طبق ضوابطها الشرعية وطبقا لظروف المجتمع وأحواله أو وارد أيضا.."(40) فنفهم من ذلك جواز تولى المرأة للقضاء لأن هذا ماذهب إليه الفقهاء كما سبق إنطلاقا من الفهم الصحيح لكتاب الله
وبهذا يرى الإخوان المسلمون كما ذهب أحد الباحثين استنادا لوثائقهم في هذا الصدد المطبوعة والمنشورة لحق المرأة في الإنتخابات وعضوية المجالس النيابية وفي تولي الوظائف العامة (41)

المراجع :
(1) المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء : جمال البنا ص85، 86
(2) فتح الباري ج2 ص220
(3) المرجع السابق ج2 ص406، 407 وينظر في هذا الصدد إلى محمد عمارة: الإسلام هو الحل ص136: 147
(4) المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء ص59 نقلا عن ابن كثير في البداية والنهاية (بتصرف)
(5) وينظر في هذا الصدد إلى العقد الفريد:لابن عبد ربه ج2/ ص75- 283، وتاريخ الطبري: ج5 ص3025- 3226
(6) الكذاب: هو المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي تنبأ وحورب هو واتباعه حتى قتل
(7) رواه مسلم : كتاب فضائل الصحابة ج7/ ص190
(8) الرواية الكاملة في أعلام النساء: عمر رضا كحالة ج1 /382
(9) ينظر إلى البيان والتبين ج2/ ص331 ج3/ ص386 مشار إليه في حضارة العرب في صدر الإسلام" ص120
(10) أعلام النساء ج2/ ص82 مقتبس من الأمالي للفالي- الحيوان للجاحظ
(11) أعلام النساء ج1/ 151، 152
(12) مسلمات خالدات: سنية قراعة ص449 مكتب الصحافة الدولي
(13) بلاغات النساء: لطيفور ج27 / 27-29 تحقيق محمد طاهر الدين، مكتبة السندس- الكويت
(14) العقد الفريد : لابن عبدربه ج2/ ص275-283، وابن جرير الطبري ج5/ ص3025-3226
(15) المرجع السابق ص272
(16) ينظر إلى دور المرأة في التصوف الإسلامي"عبير عبد الرحمن، رسالة ماجستير كلية دار العلوم2001 ص30، 300
(17) شخصية المرأة المسلمة: خالد العك ص275
(18) التربية الإسلامية وفلاسفتها: محمد عطية الأبراشي ص136
19- ينظر في هذا الصدد إلى الفصل الأول من رسالة "دور المرأة في التصوف الإسلامي"
20- أعلام النساء ج1/341، ج5/ ص49 مقتبس من طبقات الشافعية: للأسنوي أحسن المحاضرات: السيوطي
21- المرجع السابق ج4/ ص25
22- تاريخ التربية في الشرق والغرب :محمد منير مرسي ص244 وينظر إلى تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج4/ص435
23- مسلمات خالدات ص447 :452
24- مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة: د.محمد بلتاجي ص275: 263
25- أعلام النساء ج4/ص42 مقتبس من (شتراك الذهب لابن العماد، طبقات الشافعية للسبكي)
26- المرجع السابق ج3 ص380
27- (التربية الإسلامية في الأندلس: خوليان ربيرا ص159 ترجمة د.الطاهر مكي)
*للمزيد في هذا الصدد ينظر إلى قضايا المرأة بين تقاليد الراكدة والتيارات الوافدة: محمد الغزالي، "دور المرأة في التصوف الإسلامي"
(28) أعلام النساء ج4/ ص139
(29) المرجع السابق ج4 / ص64، 95 مقتبس من (مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده، البواصر المضيئة للقرشي)
(30) نفس المرجع ص74
(31) صفة الصفوة: لابن الجوزي ج2/ص297
(32) كتاب الإجابة لإيراد مااستدركه عائشة على الصحابة ص31، 32
(33) ينظر إلى صحيح مسلم كتاب الطلاق ج4
(34) مقدمة الميزان للذهبي: تحقيق أبي الفضل ابراهيم
(35) نيل الأوطار: للشوكاني ج8/ ص22
36- من فقه الدولة في الإسلام: ص164: 166
37- المرجع السابق ص169، 162 وينظر في هذا الصدد إلى الحجاب: جمال البنا ص197: 208
38- هل الإسلام هو الحل ص158، 159 ولمزيدينظر من ص136 : 159
39- الإخوان المسلمون – المرأة المسلمة في المجتمع المسلم- الشورى وتعدد الأحزاب ص22، 23 إصدار المركز الإسلامي للدراسات والبحوث سنة 1994
40- الإخوان المسلمون –المرأة المسلمة في المجتمع المسلم ص23، 27، 28
41- المرجع السابق ص28
42- الإختلافات الفقهية لدى الإتجاهات الإسلامية المعاصرة: محمد عبد اللطيف محمود ص333، 334
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 08-07-2019, 06:55 PM
abeer yaseen abeer yaseen متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2018
المشاركات: 48
افتراضي الاسلام والعلمانية (التصور السياسي للدولة في الاسلام 6)

لاشك ان هناك اختلافات جوهرية اشار اليها الكثير من المفكرين مثل الاستاذ جمال البنا في كتابه الملامح العامة للفكر الاسلامي ص 67 قائلا : في مجال الفكر والرؤى الحضارية فإن البون شاسع والبأس شديد.. فهناك حربا فكرية تقوم بين الطرفين لا شك في أن جوهر الخلاف بين التيارين : الإسلاميّ والعلماني -بمدارسه المختلفة- يرجع إلى (المرجعية) أو ما يعبر عنه في السياسة والقانون ﺑ (الدستور الأساسي) الذي يحدد طبيعة المجتمع وصورته ، ويضبط اجتهاد المؤسسات التشريعية والقضائية والتنفيذية
وهذا الخلاف ما يزال يفرض (لغة إقصاء الآخر) ويدفع إلى استخدام (العنف) تجاه الآخرين عن الذين لا يملكون السلطة . أما الفريق الذي يشعر بالهزيمة فإنه -غالباً- يلجأ إلى (الكيد والتشويش) ، ولن يتورع عن تفجير المجتمع إذا قدّر أن ذلك بمقدوره ويمنع الآخرين من الانتصار . وهذه الحقيقة لا يصح التغاضي عنها في أجواء التصدع التي تشهدها البلاد الإسلاميّة ، والعربية منها على وجه الخصوص ، وهذا لا يمنع من تلاقي جهود جميع القوى أو بعضها لمعالجة مسائل مصيرية تتعرض لها الأمة .
" فاذا أردنا تحليل تلك الاشكالية فاننا نجد صراحة لدي أصحاب الإتجاه التغريبي بمختلف اتجاهاته علمانيا أو ليبراليا أو ماركسيا فكرهم يقوم على أمرين:
1. القطيعة الكاملة مع الموروث الثقافي الإسلامي فكرا وعقيدة
2. الدعوة إلى التبني التام لكل قيم وتوجهات المدنية الغربية (1)
ثم هناك النظر إلى الإسلام بأنه عقيدة وليس نظاما وأنه دين مفصول عن الدولة وأن الشريعة لا تصلح للعصر الحاضر فيما يتعلق بأحكام الدنيا.. وهذه الإدعاءات ترجع لعاملين :
أولهما: الجهل بالشريعة
ثانيهما: تأثرهم بالثقافة الأوربية (2)
وكانت هذه النظرة المتطرفة فكريا عند العلمانيين هي في مراحلها الأولى.
ففي البداية كان تطبيق العلمانية في الدول الإسلامية فيه تطرف وغلو لدرجة أزاحت الإسلام عن الصدارة عمليا وفكريا وناصبته الأعداء كما نجد في تركيا أو من خلال الممارسات السياسية للدول التي تبنت المنهج الغربي
ليبراليا أو شيوعيا كما وجدنا موقف عبد الناصر من حركة الإخوان المسلمين وهنا نتساءل عن موقف الفكر الإسلامي بعلمائه البارزين من هذا التيار الذي كاد يناصب العداء من يلوح بصلاحيته كمنهج تسير علىه الحياة ؟ وهل ظل علماؤنا على نفس نهج السابقين من موقفهم الذي شهد تسامحا عاليا مع الفرق الإسلامية والفلاسفة..؟
سنجد هنا من دعي إلى التسامح الفكري المبني على أساس من السماحة النفسية والخلقية والتي حث عليها الدين ومحاولة الإلتقاء وتجميع الصف على القضايا المصيرية والمشتركة والتي لايختلف على تحقيقها أحد وممن يدعو إلى ذلك. د.يوسف القرضاوي بقوله: "إن من المطالب المهمة إشاعة التسامح الفكري بين أصحاب الإتجاهات الفكرية ولاسيما بين أهل الإعتدال منهم بحيث يحاور بعضهم بعضا ويسع بعضهم بعضا ويبحثوا عن الجوامع المشتركة ليلتقوا عندها وعن العدو المشترك ليواجهوه معا في جبهة واحدة "(3)
اما المستشار طارق البشري فقال : " أنه يجب أن لاتنصرف الجهود في بحث وجوه المفاضلة أو محاولة الجمع بين الإسلام والعلمانية والتي قام بها ساسة ومفكرون وإعلاميون لأنها لم تنجح لأنه لا تجتمع علمانية وإسلام إلا بطريق التلفيق وبطريق صرف أي منهما عن حقيقة معناه ولذا فالحل من وجهة نظره " أن ماأمكن التقريب بشأنه أمكن ومالم يمكن نظرنا في تحديد منطقة الخلاف الفكري وفي أثرها الحركي ونظرنا في إمكان حصر الأثار العملية والحركية للخلاف في أضيق نطاق
والتعاون والحوار حول القضايا المشتركة وأن تحدث توازن يبقى على الجماعة قوتها هل نضع مفردات مطالبنا الجماعية في وضع التآلف والتآزر؟ أم نبقيها هكذا في وضع التفكك والتنافر؟ وهل نبقي بأسنا بيننا بهذه الشدة ؟ أم نجمعه بأسا على من يخاصمنا ؟ هل نقدم لجيل المستقبل من شبابنا عناصر نهوض وإمكانات عز ونصر ؟ أم العكس ؟(4)
وفي سبيل تضيق هوة الخلاف فلابد من عرض الإسلام بصورة صحيحة لأن أغلب أحكام المفكرين العلمانيين تأتي من الجهل بأحكامه في أمور الحياة المتنوعة أو المعرفة السطحية والمحدودة عنه وهذا ما ذهب إليه الشهيد عبد القادر عودة فيقول: "من الإنصاف لهؤلاء أن نقول إن أغلبهم على جهلهم بالشريعة الإسلامية متدينون يؤمنون إيمانا عميقا ويؤدون عبادتهن بقدر ما يعلمون وهم على إستعداد طيب لتعلم مالايعلمون لكنهم لا يطيقون أن يرجعوا بأنفسهم إلى كتب الشريعة للألمام بما يجهلون.. لأن البحث في كتب الشريعة غير ميسر إلا لمن مرن على قراءتها طويلا"(5)
موقف رموز الفكر الاسلامي من العلمانية في مجتمعاتهم
1- محمد إقبال (باكستان)
لقد لاحظ إقبال وجود نزعة معادية حاولت أن تشكك في الدين بعامة وفي الإسلام بخاصة على أيدي بعض الفلاسفة الوضعيين والماديين في الغرب. فكان الأساس الذي أقام عليه دعوته للإصلاح الشامل والنهضة هو الإسلام محاولا تفنيد هذه الشبهات ومنها:
القول بأن الدين يتعارض مع العلم "وفي رأي إقبال أن هذا العداء الذي حدث في أوربا بين العلم والدين لا يمكن أن يحدث ولا أن يتصور بين الإسلام والعلم لأنه ليس هناك دين كالإسلام في حثه على العلم ودعوته إلى التفكير والنظر في مكوث السماوات والأرض.. فالحركة العلمية الكبرى التي نشأ منها العلم الحديث في الغرب قد نشأت من وحي الإسلام وتوجيهه(6)
كما حاول إقبال أن يثبت كيف أن الإسلام هو دين النهضة والحضارة والتقدم وأنه صالح لكل العصور وأن الحياة في نظر الإسلام هى متحركة متطورة لاتعرف الوقوف والركود قائلا : "إن حكم القرآن على الوجود بأنه خلق يزداد ويترقى بالتدريج يقتضي أن يكون لكل جيل الحق في أن يهتدي بما ورثه من آثار أسلافه من غير أن يعوقه ذلك التراث في تفكيره وحكمه وحل مشكلاته المعاصرة ... إن الدين في الإسلام هو أسمى مظاهره وليس عقيدة فحسب أو كهنوتا أو شعيرة من الشعائر بل هو وحده القادر على اعداد الإنسان العصري إعدادا خلقيا ئؤهله لتحمل التبعه العظمى التي لابد أن يتمخض عنها تقدم العلم الحديث"(7)
2- سعيد النورسي (تركيا)
كانت حركة سعيد النورسي في تركيا إبان حكم كمال أتاتورك الذي ألغى الخلافة الإسلامية وأقصى الإسلام عن كل جوانب الحياة وألزم الناس بالنظم والشرائع الغربية وفي ظل هذه الظروف طالب سعيد النورسي بتطبيق مبادئ الإسلام وأصول الشريعة فنفي وبدأ يحرر "رسائل النور" وفيها يدعو إلى التمسك بالإسلام داعيا للوسطية والإعتدال والتسامح(8)
فمن إصلاحاته التي اشتملت جوانب الحياة نقتصر منها على الإصلاح العلمي ودعوته إلى الإغتراف من العلم وأن رقي الإنسان يتحقق بترابط العلم والإيمان فماذا يفيد التفوق في علوم الإقتصاد وملايين البشر يموتون جوعا وطالب بالإجتهاد لإستخراج كنوز القرآن وإبراز عظمة الشريعة وما تحويه من مدنيه تلائم أرقى العصور الحضارية ومن هنا أصبح الإجتهاد ضرورة عقائدية تفرضها روح العصر وطالب بالإلتزام بالقرآن وعدم تقليد الغرب بطريقة عمياء لأن ذلك جعلنا نترك جوهر الإسلام وحصرنا النظر في ظاهره فقط فأسأنا الفهم وأسأنا الأدب معه وأشار إلى أن قضية الإسلام ليست قضية صراع سياسي وإنما هي صراع حضاري"(9)
3- الشيخ محمد عبده
كان من الناقدين للنزعة المادية للنموذج الغربي الحضاري مبرزا الإسلام بوسطيته والملائم للفطرة الإنسانية قائلا عن الإسلام ونموذجه الحضاري قائلا : "..الإسلام لم يدع مال قيصر بل كان من شأنه أن يحاسب قيصر على ماله ويأخذ على يده في عمله .. فكان الإسلام : كمالا للشخص وألفة في البيت ونظاما للملك امتازت به الأمم التي دخلت فيه عن سواها ممن لم يدخل فيه"(10)
.. ولاشك أن أصحاب الفكر التجديدي كانت لهم سمات شخصية انعكست على أفكارهم المستنيرة إلى نشر المحبة ونبذ الكره والتباغض بين أفراد المجتمع مهما علت الإختلافات فلا يكون ذلك سببا للتفرق الذي نهى عنه الدين وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وامتثالا لقوله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)
وفي هذا الصدد يقول دكتور ماجد عرسان الكيلاني: "الإنسان المجدد إنسان محب للإنسانية متواضع يؤمن بالحوار والإقتناع ويرفض الإنفعال والعنف ويخضع أعماله للتفكير والنقد الواعي ولا يرفض حق الآخرين في التفكير والإختيار ولا يحاول أن يفرض إختياراته عليهم .. ولا يحاول سحق خصومه وإنما يحاول إقناعه وتحويله لمناصرة أفكاره والعمل معه . صحيح أن للمجددين الحق في الوقوف ضد إعتداء الآخرين الذين ينتهكون حرماتهم ويحاولون باسم الحرية إسكاتهم وذبح حرياتهم إلا أنهم لا يستفزونهم ولا يتوعدونهم ويظلون يمدون جسور التفاهم معهم وإذا ظهروا عليهم عفوا عنهم وسامحوهم ثم فتحوا الأبواب مشرعة لمن يبدل منهم.." (11)
مراجعة أقطاب العلمانية لأفكارهم حول الاسلام
ومن دلائل صدق كلام د.ماجد الكيلاني السابق أننا وجدنا رجوع أقطاب العلمانية عن الكثير من أفكارهم التي تتعارض مع المفهوم الصحيح على الإسلام فحاولوا أن يكونوا حلقة الوصل بين التيارين وتقليص ما بينهما من فجوات ناجمة عن سوء الفهم للإسلام منهم :
دكتور زكي نجيب محمود الذي يقول في كتابه "رؤية إسلامية" : لقد أوهمنا أنفسنا وهما عجيبا قيد خطواتنا على طريق التقدم وهو أننا توهمنا أن ثمة تناقضا بين أن يكون الإنسان مسلما بعقيدته الدينية وأن يكون في الوقت نفسه ساعيا إلى ما يسعى إليه أهل الغرب من إيجاد لعلم جديد وقد كان الأمر يكون كذلك لو أن إسلامنا لم يجعل العلم وتطبيقاته ركنا أساسيا في بنائه وإني لأتصور أن الأمة الإسلامية لوكانت اليوم على مثل قوتها الأولى لكانت هى التي ملكت زمام عصرنا هذا بكل ما فيه من علوم وتقنيات
ثم هو ينبذ الفكرة القائلة بفصل الدين عن الدولة موضحا أن الإسلام يتسم بشموله وعمومه لكافة مناشط الحياه ومما يدل على ذلك ما ذكره في مقال له نشر في الأهرام سنة 1985 قائلا: "إن الذين يقولون إن العلمانية خطر على الإسلام فاتهم أنهم في كل ما ذكروه إنما يتكلمون عن ديانات أخرى غير الإسلام وأنا أطالبهم أن يذكروا لي مثلا واحدا مر في التاريخ الإسلامي على شعب مسلم قد تم فيه الفصل بين الدين والدولة بالصورة التي يذكرونها. وأنا أطلب منهم أن يصوروا لي كيف يمكن لمسلم يحيي دينه الإسلام ثم يفصل بين الدولة والدين.. وذلك لأن للإسلام طبيعته الخاصة به فهو طريقة حياة فوق أنه دين بالمعنى المفهوم عند أصحاب الديانات الأخرى "(12)
ومن العلماء البارزين الذين رجعوا عن الكثير من المفاهيم الخاطئة تحت تأثير الإنبهار بالغرب ونموذجه العلماني طه حسين والشيخ علي عبد الرازق "فطه حسين" في كتابه "الوعد الحق" تخلى عن نظريته عن حضارة البحر الأبيض المتوسط وركز على الإسلام باعتباره مذهبا ثوريا ودينا للحرية والمساواة والعدالة الإجتماعية.. وبعد قيام ثورة يوليو 1952 وأصبح حلم الوحدة العربية يراود كل العرب كتب معلنا تأييده لهذه الوحدة العربية بشرط أن يصبح القرآن الكريم كما كان في السابق قاعدة لهذه الوحدة(13)
وفي رأي أن كثيرا مما يتبنون النهج العلماني في التفكير إذا أطلعوا على المراجعات لهؤلاء الأعلام البارزين في دنيا الفكر العربي الإسلامي والذين لا يختلف عليهم أحد فسوف يرجعون عن كثير من المفاهيم المغلوطة عن دينهم أو في أقل تقدير لا يبدون استخفافهم حين القول بأنه صالح لكل زمان ومكان. فإن أبو فلا سبيل إلا استعمال الأساليب التي دعا إليها علماؤنا ومفكرينا والقائمة على الحوار والمودة والتجاوز عن نقاط الخلاف الحساسة والتعاون على ماهو مشترك لخدمة وطننا وأمتنا ونبذ العنف مهما كانت الاستفزازات والإحتساب إلى الله ثقة بقوله تعالى : (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) ومن أبلغ ما يختتم به في هذا الموضوع قول الشيخ محمد الغزالي : "إن منابع التقدم العالمي بدأت من الإنسان الحر في فطرته وفكرته فحرروا الطبائع والأفكار تفقهوا معنى الدين وتذوقوا معنى الدنيا "(14)
ثم ليعلم الجميع أن التطبيق الكامل للنظام العلماني بصورته الموجود عليها في الدول العربية بدعوى حماية حقوق الأقليات معناه التغوّل على حقوق الأغلبية وطمس لهويتها وإرثها الحضاري وهذا يولد الغبن ويثير الشقاق ويتجافى حتى مع القيم الديمقراطية التي ينادي بها الغرب وتدعو لاحترام خيارات الأغلبية..(15)
المخاوف من الإسلاميين
يواجه التيار الإسلامي إشكالية المخاوف التي عبر عنها البعض من نتائج الانتخابات بعد الثورات العربية ، ولهذا على العقلاء داخل هذا التيار وخارجه التدبر في هذه المخاوف ومعالجتها بحكمة والتي منها :
أولا : الخطاب الملتبس لبعض قادة هذا التيار. فبينما يحرص البعض على الخطاب التوافقي المُطمْئِن، ينزلق البعض الآخر إلى التحدث عن قضايا كبرى أو خلافية بين الحين والآخر. مصر تعاني من مشكلات الفقر والبطالة وتدهور الصحة والتعليم وارتفاع الديْن الداخلي والخارجي وانهيار الأخلاق، ناهيك عن استهداف قوى إقليمية ودولية، ومن هنا فالسياسة والحكمة وأولويات المرحلة واحتياجات الناس تقتضي جميعها أن يتوقف الخطاب السياسي للإسلاميين عن إثارة أي قضايا خلافية الآن، والتفرغ نهائيا لمعالجة تلك المشكلات.
ثانيا: بعض النماذج الفاشلة للإسلاميين في دول مثل السودان والجزائر وأفغانستان وباكستان تدفع الكثيرين إلى التشكيك في قدرتهم على وضع برامج إصلاحية حقيقية. ومواجهة هذه الإشكالية تتطلب قيام التيار الإسلامي بتحديد مواقفه بشكل واضح لصالح الدولة الديمقراطية بمبادئها المتعارف عليها التي لا مكان فيها للإقصاء ولا للانفراد بعملية صنع القوانين.
والبرامج السياسية لابد من أن تبدأ الآن من مطالب الثورة ومشكلات المجتمع وتنتهي عندها. وعلى الأحزاب الإسلامية طرح برامج سياسية تشتبك مع الواقع المعاش، وعليهم اختبار مقولاتهم النقدية في الواقع المعاش والكف عن الحديث عن الخير والشر "
حرية التعبير والتنظيم والتظاهر والحق في المياه الصحية وحقوق العمل والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية الأولية وحقوق القوميات المهمشة خصوصاً في التنمية وفي حكم فدرالي وفي الاعتراف بثقافاتهم بالأخص في التعليم والاعلام ، وتكفل مساءلة ومراقبة الحكام ، والرقابة البرلمانية على الأجهزة العسكرية والأمنية ، واستقلال القضاء، وحيدة أجهزة الدولة، وحرية الإعلام، ومحاكمة منتهكي حقوق الإنسان، مما يعني أن بلاداً يعاد بناؤها" إلا أنه يوجد تشابه كبير بين نظرية الحكم في الفكر السياسي الإسلامي ونظرية الديمقراطية, وأشرنا إلى أن السبب الرئيس في هذ التشابه يعود إلى حتمية الاتفاق بين العلم السليم والدين القويم ليس في علم السياسة وحدها وإنما في مختلف العلوم النظرية والتطبيقية مصداقاً لقوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنه الحق) صدق الله العظيم, إلا أن ذلك لم يمنع من وجود خلافات جوهرية عميقة بين نظرية الديمقراطية ونظرية الحكم في الفكر السياسي الإسلامي كما نتصورها, وأهم هذه الفوارق تتمثل في ما يلي:
1 - نظام الحكم في الفكر السياسي الإسلامي جمهوري شوروي (ديمقراطي) مدني حصرياً, أما الديمقراطية فيمكن لها أن تطبق على النظام الملكي (كبريطانيا) والدولة الدينية (كالدولةّ الصهيونية).
2 - نظام الحكم في الفكر السياسي الإسلامي كما تصوّرناه يقوم على أربع سلطات:
- السلطة التشريعية (وهي سلطة الشريعة الإسلامية من خلال أحكامها القطعية الدلالة في القرآن والقطعية الثبوت والدلالة في السنة)
- والسلطة النيابية (البرلمان)
– والسلطة القضائية -
والسلطة التنفيذية، بخلاف الديمقراطية التي تقوم على ثلاث سلطات فقط: هي النيابية والقضائية والتنفيذية.
3 - نظام الحكم في الفكر السياسي الإسلامي يحفظ حتى الحقوق القانونية للأقليات, فلا يفرض على الأقليات أحكامه القانونية إلا في الحدود التي وضحناها سابقاً، بخلاف الديمقراطية التي تفرض على جميع المواطنين باختلاف دياناتهم وأعرافهم وعاداتهم وتقاليدهم قانوناً موحداً، وهذا فرق خطير جداً يوضح مدى عظمة الإسلام في حماية حقوق الأقليات سواء أكانت دينية أم وثنية, كما أن هذا المبدأ حقيقة معاشة في جميع فترات التاريخ الإسلامي على مدى أربعة عشر قرناً؛ لا مجرد كلام نظري أجوف.
4 - الفرق الجوهري الرابع يتمثّل في أن نظرية الديمقراطية في جوهرها إنما جاءت استجابة لتنوّع وتعدد مراكز القوى في المجتمع بشكل أساس, ولم تنطلق مباشرة من الرغبة الصادقة في تحقيق القيم السياسية الكبرى للحكم من حرية وعدل ومساواة (وهذا ما يوضحه بجلاء مسار التطور التاريخي الدموي الطويل للديمقراطية على مستوى الفكر والممارسة واللذين هذبهما علم السياسة حتى اقتربت الديمقراطية إلى حد كبير من نظام الحكم في الفكر السياسي الإسلامي) بخلاف نظام الحكم في الفكر السياسي الإسلامي الذي انطلق من التطبيق العملي للقيم السياسية الكبرى – العدل والحرية والمساواة والحماية - مباشرة باعتبارها قيماً دينية واجبة التنفيذ مضمونة الحماية قبل أن تكون قيماً سياسية, واتجاهه نحو التطبيق العملي المباشر قبل التنظير الفكري طوال فترة قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم للجماعة المؤمنة وطوال فترة الخلفاء الراشدين
يقول علي شريعتي في كتابه مسئولية المثقف :" اننا لانريد ان نصنع أوربا ولا امريكا نحن نريد ان نصنع مجتمعا انسانيا عجزت عنه أوربا وأمريكا اللتين طالما تحدثتا عنه وتبجحتا به الا أنهما عملتا ضده دائما"(16)
المراجع :
1- الإسلام ومشروعات النهضة، ص166، 167
2- الأعمال الكاملة: عبد القادر عودة ص31، 251
3- الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد، ص226، جمال البنا: الإسلام وحرية الفكر ص144-125
4- في المسألة الإسلامية المعاصرة: ص91 طارق البشري، دار الشروق كتاب "بين الجامعة الدينية والوطنية)(الملامح العامة للفكر الإسلامي: طارق البشري ص482 ، 88)
5- الأعمال الكاملة: عبد القادر عودة ص30
6- مشروع النهضة عند إقبال ودور الدين فيه: د.عبد المقصود عبد الغني بحث مقدم في المؤتمر الدولي السادس للفلسفة الإسلامية من كتاب الإسلام ومشروعات النهضة الحديثة ص294، 245) (محمد إقبال ومنهجية في تجديد الفكر الإسلامي د.عبد المقصود عبد الغني ص81 مكتبة الزهراء القاهرة )
7- (تجديد الفكر الديني في الإسلام: محمد إقبال، ص193 ترجمة عباس محمود نقلا عن الإسلام ومشروعات النهضة ص261 :268 ) ( الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي ص20 )
8- الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي ص29
9- بديع الزمان النورسي: الملاحق ص77، 88 ترجمةإحسان قاسم، بديع الزمان النورسي: الكلمات ص761 بديع الزمان النورسي: محمد رشيد عبيد، في مؤتمر عالمي حول تجديد الفكر الإسلامي ص86، 78 نقلا عن مشروع النهضة عند النورسي، أ.د فردوس أبو المعاطي بحث في كتاب " الإسلام ومشروعات النهضة ص 543، 569
10- الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده: محمد عمارة ج3 ص223 ،307
11- التربية والتجديد وتنمية الفاعلية عند المسلم المعاصر: ماجد عرسان الكيلاني ص105: 107
12- ( زكي نجيب محمود: رؤية إسلامية، ص8 ) "(ملاك الحقيقة المطلقة" د.مراد وهبة ص64، 65 الهيئة المصرية العامة للكتاب )
13- مدخل لدراسة الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر: د.السيد رزق الحجر ص294 الإسلام بين التنوير والتزوير" ص162 محمد عمارة، بحث أضمحلال المشروع العلماني للنهضة د.السيد رزق الحجر ص177: 192 المؤتمر الدولي السادس للفلسفة الإسلامية، كلية دار العلوم
14- لإسلام والمناهج الإشتراكية: محمد الغزالي، ص27 نهضة مصر
15- ليلة علي : المواطنة بين السياق القومي والعالمي
16- د . خالد كاظم أبو دوح : علاقة الاسلاميين بالديمقراطية
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 08-07-2019, 06:57 PM
abeer yaseen abeer yaseen متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2018
المشاركات: 48
افتراضي الحرية السياسية (التصور السياسي للدولة في الاسلام 5)

حرية التظاهر
وهذه احدي الوسائل لممارسة الأمة حقها حين تري عجزا من ممثليها في البرلمان أو النقابات ولذلك فان القول بأن الشرعية للبرلمان هو محض خطأ لان سلطة البرلمان لازالت حتي بعد الثورات وقبل انتكاسها كانت ضعيفة في فرض ارادته علي الحكومة في الوقت الذي كان ممارسة أي ضغط مباشر من جهة الشارع كان المجلس العسكري اثناء الفترة الانتقالية التي تلت الثورة يعمل لها حساب وان اتت بصورة متعنتة الا انه في آخر الأمر كان هناك رضوخا للارادة الشعبية وهذا درس يجب أن لا نغفل عنه في تصحيح مسارنا فلابد من تكاتف جميع المؤسسات الشعبية المنتخبة في صورتها الرسمية مع القوي الشعبية في المجتمع والتي تمثل عنصر قوة لها في مواجهة الفساد الذي أحدثه النظام السابق ولاتحتكر تلك المؤسسات مع التقدير لها هذا الحق ولا تدعي العصمة لنفسها من الوقوع في المسالب سواء بقصد أو بدون وحق التظاهر السلمي وممارسته والوقوف علي متطلباته نراه يمارس بدون أي مشاكل في المجتمعات الغربية وفي أمور تجاوزت كثيرا المطلبات بمناهضة الفساد كما في مجتمعاتنا الي الحق في العيش في بيئة نظيفة ....الخ
وعلي الدولة النهي عن البطش بالمتظاهرين او الداعين لها اذا كان هناك ظلم واقع علي تلك الفئة حتي يتم استجابة الدولة لمطالبهم بل ومحاسبة المسئول عن تردي أو ضاعهم وهذا موقف الاسلام الذي عكسه قول الامام علي لأحد ولاته عن ضرورة الإسراع في قضاء الحوائجوالتي قد يماطل فيها المساعدون للوالي: " ثم أمور لا بد لك من مباشرتها منها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك ....النهي عن المن فيما هو حق الرعية خالص لها أو الرجوع عما قطعه على نفسه من وعود لهم وفي هذا يقول: " و إياك و المن على رعيتك بإحسانك أو التزيد فيما كان من فعلك ( الافتخار ) أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك فإن المن يبطل الإحسان والتزيد يذهب بنور الحق والخلف يوجب المقت عند الله و الناس، قال تعالى: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ }الصف:3
ومن دلائل المراقبة المستمرة للعمال والولاة والإحساس بعظم المسئولية ما كان من عمر بن الخطاب الذي يقول: " أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل أكنت قضيت ما عليّ ؟ قالوا: نعم. قال: لا حتى أنظر في عمله أعمل بما أمرته به أم لا (1)
ولا يتهاون عمر في عزل أي وال إذا صدر منه أي تقصير في حقوق الناس ولو ضئيل من ذلك أنه
كان رضي الله عنه إذا قدم عليه الوفد سألهم عن أميرهم : أيجيب العبد ؟ كيف صنيعه ؟ .....فإن قالوا لخصلة منها: لا ، عزله " (2)
وفي عظة لعماله من الولاة يشدد على أن يحفظوا كرامة الناس ويقيموا فيهم العدل ويقضون حوائجهم قائلاً : .......ولا تغلقوا أبوابكم دون حوائج الناس فإن فعلتم شيئاً من ذلك فقد حلت بكم العقوبة ثم يشيعهم فإذا أراد أن يرجع قال: إني لم أسلطكم على دماء المسلمين ولا على أبشارهم ولا على أعراضهم ولا على أموالهم ولكن بعثتكم لتقيموا بهم الصلاة وتقسموا فيهم فيئهم وتحكموا بينهم بالعدل ...ألا فلا تضربوا العرب فتذلوها ولا تجمّروها فتفتنوها ولا تعتلوا عليها فتخرموها (3)
ولا تخلوا موعظة من مواعظه إلى عماله من النهي المشدد عن سفك الدماء " فعن أبي خزيمة بن ثابت قال كان عمر رضي الله عنه إذا استعمل رجلاً أشهد عليه رهطاً من الأنصار وغيرهم يقول : إني لم استعملك على دماء المسلمين فذكر بمعناه "
وعلى نفس نهج عمر بن الخطاب كان عمر بن عبد العزيز فمن محاسن أفعاله في هذا الصدد ما يُروى من أن عدي بن أرطأة والى البصرة كتب إلى عمر ابن عبد العزيز يقول له : إن قبلي أناسا من العمال قد اقتطعوا من مال الله عز وجل مالا عظيماً لست أرجو استخراجه من أيديهم إلا أن أمسهم بشيء من العذاب فإن رأي أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك فعلت ........فكتب إليه عمر بن عبد العزيز:" العجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب بشر كأني لك جنة من عذاب الله وكأن رضاي عنك ينجيك من سخط الله عز وجل فانظر من قامت عليه بينة عدول فخذه بما قامت عليه البينة ومن أقر لك بشيء فخذه بما أقربه .. وايم الله لأن يلقوا الله عز وجل بخيانتهم أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم " وحدث مثل ذلك من واليه على الموصل الذي كتب إليه يقول: إني قدمت الموصل فوجدتها من أكثر البلاد سرقا و نقباً فإن أذنت لي آخذ الناس بالظنة وأضربهم على التهمة فعلت ولن يصلحهم غير ذلك فكتب إليه عمر يقول : " خذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله" (4)
وكل ذلك دلائل على تورع خلفاء المسلمين عن انتهاك حرمة الناس وكرامتهم وسفك دمائهم وأمرهم عمالهم على البلدان بألا يقعوا في هذا الإثم مهما دعت إليه الظروف ولم يعتدوا بأي مبررات تتيح تعذيب الناس لإدراكهم عظم الذنب عند الله لمن يرتكب ذلك ويعد الغزالي اهتمام الحكام بمراقبة عمالهم الأصل الثالث في الأصول العشرة لإقامة العدل في الرعية فيقول : " الأصل الثالث ألا يكتفي العبد برفع يده عن الظلم ولكن يهذب غلمانه وأصحابه وعماله ونوابه فلا يرضى لهم الظلم فإنه يُسأل عن ظلمهم كما يُسأل عن ظلم نفسه (5)
وابن المقفع يبين منافع هذه المراقبة من خوف المسيء وزيادة المحسن فيقول : " احرص الحرص كله على أن تكون خابرا أمور عمالك فإن المسيء يفرق (يخاف) من خُبرتك قبل أن تصيبه عقوبتك وإن المحسن يستبشر بعلمك قبل أن يأتيه معروفك (6) وقد قال أبو الفتح البستي : ومن حسن التدبير أن يأمن أهل الورع والسلامة خوف عقوبتك ويوطن أهل الريب والدعارة أنفسهم على نفوذ نقمتك حتى يتخيلوا في خلواتهم أن في ذلك عيونًا على صنائعهم (7)"
حرية المعارضة
" إن مبادئ الإسلام لم تر أي حق للدولة يجيز لها حظر المعارضة حيث أباح الإسلام عمل المعارضة واعتبره حقا مشروعا للجميع ولكن بشرط أن لا تحمل السلاح وتهدد أمن الشعب. والرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وأجهوا الكثير من الخصوم السياسيين والمعارضين ومع ذلك لم يقابلوا هذه المواقف والأزمات بالعنف والقسوة "(8)
والإمام على نموذج لصورة الحاكم حين يتعرض لمعارضة شديدة فالإمام لم يقاتل الخوارج بسبب الأفكار التي تبنوها أو بسبب خروجهم عليه وإنما قاتلهم بسبب عدوانهم على المسلمين واستباحتهم دمائهم وأموالهم يقول الإمام على ...وأيم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها"((9)
يقول الامام علي في رسالته للأشتر حين ولاه مصر : " أجعل لذوي الحاجات منك قسما (أي المتظلمين تتفرغ لهم فيه بشخصك للنظر في مظالمهم ) وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك وتقعد عنهم جندك وأعوانك (أي لا يتعرض لهم) من أحر اسك وشرطك حتي يكلمك متكلمهم غير متتعتع(المراد غير خائف) فإني سمعت رسول الله (ص) يقول في غير موطن (أي في مواطن كثيرة ) :"لن تقدس أمة (أي لا يطهر الله أمة )لا يؤخذ للضعيف فيها حقة من القوي غير متتعتع"
ثم أمور من أمورك لابد لك من مباشرتها:منها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك (الاعوان يحبون المماطلة في قضائها : استجلابا للمنفعة أو إظهارا للجبروت (10)
وقال الإمام عبد الرحمن بن أبي بكر الحنبلي في كتابه( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص20 "كان من عادة السلف الإنكار على الأمراء والسلاطين والصدع بالحق وقلة المبالاة بسطوتهم إيثارا لإقامة حق الله سبحانه على بقائهم واختيارهم لإعزاز الشرع على حفظ مهجهم واستسلاما للشهادة إن حصلت لهم ويجوز للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يعرض نفسه للضرب والقتل إذا كان لأمره ونهيه تأثير في رفع المنكر أو كسر جاه الفاسق أو تقوية قلوب أهل الدين" وكان الإمام على يعزز هذه الشعور في نفوس أفراد المجتمع وأنهم أعزاء أحرار فيقول مخاطبا فيهم: "أيها الناس إن آدم لم يلد عبداَ ولا آمة وإن الناس كلهم أحرار"(11)
المؤسسات التي تحفظ حقوق المستضعفين
أن النظام السياسي الإسلامي ابتكر مؤسسات تحجم دور السلطة حين تغولها بل وصلت إلى حد العصيان والتمرد عليها بشرط أن تكون بطرق سلمية بعيدا عن العنف ووجدنا من تلك المؤسسات نظام الحسبة التي يقوم بها أهل العلم لمحاسبة الحاكم والدفاع عن حقوق المستطعفين وإن لم يرتدع فكانت الدعوة للأمة للثورة عليهم وعصيانهم لخيانتهم الأمانة في حق شعوبهم
قول المؤرخ د.أحمد عزت عبد الكريم: "إن التنظيم الديواني الذي شيده محمد على والنظام الدقيق الذي أقيم كسب منه المصريون كثيرا، ولكنهم فقدوا مقابل ذلك شيئا ثمينا تكتلهم في طوائف (مهنية) وهيئات لها كيانها هو هذا القدر من الحرية والحكم الذاتي الذي كانوا يتمتعون به في تدبير أمورهم وتنسيق علاقتهم بالحاكم وذكر أنه بفضل هذه الحرية والتكتل صمد المصريون لألوان من العسف والإرهاق ..وأنه لو قامت النظم الجديدة على رعاية التكتلات الطائفية وذلك القدر من الحرية والحكم الذاتي الذي كانت الطوائف تتمتع به ولو أفسح التنظيم الجديد لهذه الطوائف والهيئات لكان ذلك أساس طيب تبني عليه الدولة نظام الحكم الذاتي والحياة النيابية والشورية بحيث لا يكون مستمدا من الغرب ونظمه وإنما يجيء نابعا من كيان الشعب وتطوره التاريخي على نحو ما عرفته النظم الأوربية في تطورها" (12)
وبأن "إضعاف طائفة العلماء ترتب عليه إلغاء القيود والضوابط التي كانت مفروضة على سلطان الحاكم من الشريعة الإسلامية وفي هذه الظروف فإن الوسائل العسكرية والإدارية الأوربية قد أمدت الحاكم بأسلحة جديدة يعزز بها سلطانة وأن الإصلاح الآخر من الغرب أفاد إنطلاق سلطة الحاكم التقليدي من عقالها سواء كان العقال إجتماعيا كالطوائف والهيئات أو تشريعيا كأحكام الشريعة الإسلامية وأفضى إلى إنهيار التعددية بالمعنى التقليدي في المجتمع(13)
ثم يستدل على صحة ما ذهب إليه بأمثلة عملية وهى أن مجلس النواب الذي تقوم وظيفته الأساسية على مراقبة الحكومة ومحاسبتها ومساءلتها –وسحب الثقة من الحكومة وإسقاطها ولكن واقعنا كان عجيبا غريبا فلم يحدث أن أسقط مجلس النواب أية حكومة ولكن الذي حدث أن الحكومة هي التي كانت لتسارع فتحل مجلس النواب(14)
فهو لا يستنكر الشعارات الغربية مثل الديمقراطية" وغيرها ولكن هى بنت أو وليدة مجتمع يتنافى ثقافته مع أمتنا ومن أجل هذا كان لها تأثير سيء حين انتقالها لمجتمعاتنا وفي هذا يقول: "الحاصل أن النظم الوافدة ومنها التنظيمات المؤسسية والقانونية ساهمت في تفكيك هذه الأواصر (وهي الهيكل الإجتماعي التقليدي الذي كان يعرف العديد من المؤسسات المتجانسة والمتماسكة في ظل أنساق فكرية عقيدية وتنظيم قانوني وقيم حاكمة للسلوك وذات علاقات تقوم على التوازن ليحد كل منها من طغيان الأخرى) فعملت المؤسسات والنظم الغريبة على إذابة شعور كل من هذه الجماعات بذاتها وشعور الفرد بارتباطه وانتمائه جرى ذلك تحت عدد من الشعارات الحداثة الترشيد الديمقراطي وكلها ذات مدلولات صحيحة ولكنها بترت من سياقها ووضعت في سياق آخر لم تتمثل مكوناته التنظيمية ولم تتفاعل معها تفاعلا يقيمها على أساس واقعي في هذه البيئة الجديدة(15)
أداب المعارضة الناجحة :
وفي الوقت نفسه من آداب المعارضة العادلة الناجحة عدم الاستقواء بالخارج والمقصود بالاستقواء بالخارج هنا هو التعامل المباشر مع رؤساء وحكومات أجنبية أو مؤسسات رسمية تابعة لتلك الدولوأن تقطع على نفسها الوسائل التي قد تجعلها ألعوبة في أيد خارجية مقابل ما تمنحه لها تلك الجهات الأجنبية من دعم مالي وإعلامي ودولي فمن صفات الشخص المعارض أن يتورع عن قبول الهدية والرشوة من بني وطنه فما بالنا بالأجنبي سواء كان على المستوى الفردي أو الجماعي كحزب أو تيار أو فئة أو أقلية...
حرية تكوين الأحزاب السياسية
في الاسلام نجد اقرار بالتعددية الحزبية باعتبارها احدي الصور المناظرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علي ان تكون قائمة علي احترام الهوية الاسلامية للدولة . وفي هذا كتب د.سليم العوا قائلا: "فخلاصة الإجتهاد الجديد في هذا الأمر أن الإسلام لا يضيق نظامه السياسي بالتعددية الحزبية وأن كل حزب لايقوم على نقض الإسلام أو هدم مبادئه هو حزب يجوز له أن يدعو إلى ما يريد في الدولة الإسلامية والفيصل بين الأحزاب وبعضها هو صندوق الإنتخاب الحر الذي يقرر الناس فيه تولية من يختارونه لقيادة شئونهم مدة محددة من الزمن ثم يرد الأمر إلى الناس مرة ثانية ليأتوا بغير هؤلاء إن شاءوا أويعيدوهم إلى موقع القيادة إن أرادوا بغير ذلك نهدر حق الأمة في الإختيار وهو الأساس الأول في التنظيم السياسي الإسلامي(16) . كما جعلها الأستاذ جمال البنا إحدى الممارسات العملية لمفهوم الحرية في الإسلام ونفهم ذلك من قوله: "أي نظام يراد له البقاء لابد أن يتقبل الحرية.. ويدخل في مضمون الحرية حرية الفكر والإعتقاد وطبع الكتب وإصدار الصحف وتأليف الأحزاب والنقابات والجمعيات والنوادي وحرية الإجتماعات العامة والمعارضة السياسية"((17)
وهذا ماأشار إليه الدكتور فهمي هويدي بقوله: "إذا جاز للأمة أن تحتمل اختلافا في أمور الدين على ذلك النحو الذي تتفاوت بصدده إجتهادات الفقهاء فيما لاحصر له من نقاط فأولى بها أن تقبل إختلافا في أمور الدنيا التي تتراوح بين بدائل وحلول للمشكلات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي تواجه الناس وبذلك تكون التعددية السياسية من نوع الإختلاف في الفروع يقول تعالى : ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) إن التعددية هي من تأسيسات نظام الحقوق التي ترى أن الحرية ضرورية إسلامية ملزمة كفلها الإسلام للإنسان حتى في نطاق العقيدة ومجالات الحياة الإنسانية الأخرى والحرية السياسية هى جزء من الحرية العامة"(18)
ودكتور يوسف القرضاوي بعد أن أكد على أهمية هذه التعددية الحزبية وضرورتها كما سبق نراه يساوي بين وجودها وبين فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي به اكتسبت الأمة الإسلامية خيريتها في قوله تعالى "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.." ويقول د.يوسف القرضاوي "إذا أردنا أن يكون لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معناها وقوتها وأثرها في عصرنا فلا يكفي أن تظل فريضة فردية محدودة الأثر محدودة القدرة ولابد من تطوير صورتها.. وقد استطاعت البشرية في عصرنا بعد صراع مرير وكفاح طويل أن تصل إلى صيغة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعويم عوج السلطان دون إراقة للدماء وتلك هى وجود قوى سياسية لاتقدر السلطة الحاكمة على القضاء عليها بسهولة وهى ما يطلق عليها الأحزاب(19) وفي موضع أخر يربط التعددية الحزبية بالتعددية المذهبية وذلك حين يقول: "تعدد الأحزاب في مجال السياسة أشبه شيء بتعدد المذاهب في مجال الفقه .. فالحزب مذهب في السياسة له فلسفة وأصوله ومناهجه المستمدة أساسا من الإسلام الرحب وأعضاء الحزب أشبه بأتباع المذهب الفقهي كل يؤيد ما يراه أولى بالصواب وأحق بالترجيح(20) ولكنه يشترط فيها الإحترام للأديان عامة وألا تستخف بمقدسات الإسلام عقيدة وشريعة وأن لا تعمل لجهة معادية.(21)
"من الحقوق الأساسية للمواطنين تأليف الأحزاب السياسية إذا لم تخالف الأمة في عقيدتها ولم تربط بدولة أجنبية في ولائها والفصل في ذلك أو في أي اتهام يوجه لحزب من الأحزاب من حق القضاء المختص كيلا تتحكم السلطة التنفيذية في هذا الحق وفي الحريات السياسية الأخرى .. وإن الثورة الإسلامية في ضوء ما تقدم أنه ليس لديها تحفظ على أي حزب منطلقة في ذلك من قناعاتها الراسخة أن الغلبة للحق والعاقبة للتقوى ضمن مناخات الحرية الكاملة". ينظر إلى بحث "من أصول العمل السياسي للحركة الإسلامية المعاصرة" (22)
حرية الفكر وحرمة التكفير
" يعني القبول باختلاف الثقافات وتنوعها وضرورة التعايش والحوار فيما بينها فأبو حنيفة نقل عنه : لاتكفر أحد بذنب ولاتنفي أحد من الايمان "
وقد جاء في رسالة " السلفية المعاصرة إلى أين " أمثلة لسماحة الصحابة إزاء الإنحرافات الفكرية حتي في امر العقيدة ":
" فلم يكفر الصحابة القدرية الذين قالوا إن الله لم يقدر ولا يقدر على تقدير الهدى والضلال على أحد. ولم يكفر الصحابة الفرق التي زعمت أن الله أجبر الخلق وأكرههم على ماهم عليه بل إنه لما قتل إمامهم غسل وكفن وصلى عليه ودفن في مقابر المسلمين."
لأن الصحابة والتابعين قد فرقوا بين الكفر العملي والإعتقادي فمن قلد المشركين في بعض الأقوال والأفعال لا تعني البراءة والردة من دين الله لا كفر الإيمان أو شرك العقائد والتوحيد عياذا بالله (23)
وقد وسعت سماحة الصحابة حتى من رموهم بالكقر كما كان من أمر الخوارج مع على كرم الله وجهه الذين انحازوا عنه بسلاحهم ورموه بالكفر ونصبوا لهم أميرا غيره ومع هذا فلم يقاتلهم حتى قتلوا آمنا فلما طالبهم بقاتله قالوا (كلنا قتله) وعندئذ فحسب قاتلهم( بل إنه لم يكفرهم وحين سئل عنهم قال: (إخواننا في الإسلام بغوا علينا(24)
فبالتعددية الفكرية أقيمت دولة الإسلام وظل ذلك فترة من الزمن ولم تتخلى عن ذلك إلا في العصور المتأخرة حين آفل نجم حضارتها ولهذا نجد عايد الجابري يستنكر أن تكون الشريعة – ( بمفهومها الشامل وليس المعنى الضيق المحصور في القصاص كما يعتقد البعض وإنما الشريعة هي الأسس والمبادئ التي أقام عليها الإسلام المجتمع سواء كان اجتماعيا اقتصاديا سياسيا فهى أسلوب حياة تفرد بها الإسلام عن غيره من النظم الأخرى ) - لم تطبق إلا في حقبة الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين لأن ذلك كما يقول : سيؤدي إلى عدمية مخيفة تتركنا بلا هوية وبدون تاريخ. ويناقض ذلك مع المنطق وأين سنضع كتب الفقه والإجتهادات والفتاوى؟ نعم لقد أغلق باب الإجتهاد -في القرن الرابع الهجري- ولكن هذا لم يمنع الفقهاء من الإجتهاد داخل المذاهب الأربعة وداخل الفقه الجعفري الشيعي ولم يمنع ذلك الإغلاق قيام فقيه وأصولي عظيم مثل ابن حزم الذي حرم التقليد وأوجب الإجتهاد على كل شخص حتى على الرجل العاص
ومثل الأصولي الكبير أبي اسحاق الشاطبي الذي عمل على إعادة تأصيل أصول الفقه والتجديد فيه وذلك بالمناداة بنقل الإجتهاد من اللفظ وأنواع دلالاته وبالقياس والتعليل.. الذي كان سائدا قبل ذلك إلى بنائه على مقاصد الشريعة وذلك باستقراء أحكام الشريعة وصيغتها في كليات ثم تطبق هذه الكليات على الجزئيات المستجدة. هذا ليس اجتهادا فقط بل هو عودة إلى إعادة تأسيس الإجتهاد بما يمكّن الفقه في الإسلام من أن يكون مسايرا للتطور وقابلا للتطبيق في كل زمان(25)
وتكاد تجمع كل المدارس الإسلامية على تنوعها من معتزلة وأشاعرة وحنبلية وشيعية وماتريدية على محاربة التقليد والدعوة لأوسع مدى للإجتهاد طالما لا يتعارض مع الأصول الإسلامية والنهي مما سببه التقليد من التعصب وإدعاء كل فريق أنه فقط عنده الحقيقة وكان ذلك سبيلا للشقاق هنا لابد من إعمال العقل وما يدعو إليه من الاقتداء بالرسول وصحابته من التسامح وسعة الصدر وعدم التعصب على المخالفين. ويقول ابن حزم في تحريم التقليد*: (فإنهم ماداموا آخذين بالقول لأن فلانا قال دون النبي صلى الله عليه وسلم فهم عاصون لله تعالى لأنهم اتبعوا مالم يأمرهم الله تعالى باتباعه" (26)
" وينبغى أن نعرف هنا أن التقليد المنهي عنه لأهل النظر والإستدلال أما العامة والتي لا تقدر على ذلك فيجوز التقليد لأي عالم دين حسنت ديانته"
فاختلاف هذه الفرق ليس على النص القطعي "وإنما في الظنيات والذي يدخل في باب التأويل الذي لا يكفر صاحبه إذا أخطأ ويؤكد هذا ما ذكره جمال الدين القاسمي في كتابه "تاريخ الجهمية والمعتزلة" من أن المعتزلة أو المرجئة وكثيرا من الفرق الإسلامية مجتهدون لهم ماللمجتهدين وذلك لعموم مفهوم الإجتهاد لغة واصطلاحا ووجودا ولأنها تستدل على دعواها بالقرآن والسنة.. فذهب كل فريق إلى ما رآه أوفق لكلام الله ورسوله وأليق بعظمته فكانوا لذلك مجتهدين وفي اجتهادهم مأجورين وإن كانوا في القرب من الحق متفاوتين (27)
والتعددية الفكرية كانت تبرز معالمها من خلال المحاورات والنقد والجدل ومن دلائلها:
أن الغزالي في (تهافت الفلاسفة) شن حملته على ابن سينا وغيره من أهل الفلسفة وتصدي ابن رشد في تهافت التهافت لإبطال حملته كان هذا كما يقول دكتور توفيق الطويل مصارعة فكر لفكر ومقارعة حجة بحجة وليس صحيحا أن حملة الغزالي هي التي أدت إلى ركود الفكر الفلسفي وإنما هو الغزو التركي ثم سقوط بغداد على يد المغول
ثم هو يوضح كيف أن الدولة الإسلامية أتاحت حرية الفكر والتقدير للعلماء والمفكرين وأنه إذا حدثت بعض المحن فإنها لم تكن وليدة سياسية منظمة في مطاردة العلماء وأحرار الفكر وإنما بسبب وشاية الحاقدين عند السلطة فإبن رشد تعرض لمحنة صدر أثناءها منشور بتحريم الفلسفة .. ولكن الخليفة قد عاد وصحبه ورضي عن الفلسفة وألغى الأمر بتحريم الإشتغال بها. كما أن الجدل في خلق القرآن لم يكن من الممكن أن ينتهي إلى اضطهاد ومحنة لو لم يتدخل الحاكم السياسي لنصرة فريق على فريق وقبل هذا كان مصرع الحلاج بسبب الأحقاد والسياسة وقد صدق نيكلسون حين قال: إن موقف المسلمسن من هؤلاء الصوفية أمثال أبي يزيد البسطامي والحلاح وابن الفارض وابن العربي –مشبعا في العادة بروح التسامح(28)
والغزالي أنكر على المتسرعين في تكفير أهل الشهادتين قائلا: "لكني أعطيك علامة صحيحة فتطردها وتعكسها لتتخذها مطمح نظرك وترعوى بسببها عن تكفير الفرق وتطويل اللسان في أهل الإسلام وإن اختلفت طرقهم ماداموا متمسكين بقوله "لاإله إلا الله محمد رسول الله صادقين بها غير متناقضين لها (29)
ومانقله ابن تيمية عن أن "الإمام أحمد بن حنبل أنه لم يكفر أهل هذه الفرق بل صلى رضى الله عنه خلف بعض الجهمية وبعض القدرية وأن أكبر ما توصف به كل تلك الفرق عند ابن تيمية هو الفسق(30) "
يقول أبو عبيد القاسم بن سلام: " وأما الآثار والمرويات بذكر الكفر والشرك ووجوبهما بالمعاصي فإن معناها عندنا: ليست تثبت على أهلها كفرا ولا شركا يزيلان الإيمان عن صاحبه وإنما وجوهها: أنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركون(31) "
وفي هذا أيضا وضع ابن تيمية قاعدة قال فيها "لايجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه ولا بدعة ابتدعها –ولودعا الناس إليها- كافرا في الباطن إلا إذا كان منافقا. فأما من كان في قلبه الإيمان بالرسول وما جاء به وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع فهذا ليس بكافرا أصلا" واستشهد .. بأن الصحابة لم يكفروا الخوارج رغم ظهور بدعتهم وقتالهم للأمة. لأن الخوارج وكما وجدنا في كتب التاريخ كانوا من أشد الناس إجتهادا في العبادة ولكنهم أخطأوا في التأويل. ومن أجل هذا لا ينبغي أن تطلق كلمة الكفر إلا من اعتنقه من قلبه وهذا الباطن لا يعلمه إلا الله "(32)
والخلاصة أن "المطلوب منا تطبيق منهج التعارف القرآني الأقرب من التسامح الي طبيعة الاسلام والتعارف هو المعرفة المتبادلة وهو الاعتراف المتبادل بالحق في الاختلاف (ولايزالون مختلفين الا من رحم ربك ولذك خلقهم )ولاخشية علي الهوية والانتماء من الانفتاح لأن الهوية المنفتحة والمتجددة هي الباقية ولا واصل بين الثوابت والمتغيرات غير منهج التعارف" (33)
"فالتعارف هو المنظور القراني لتجاوز الآثار السلبية والسيئة لحالة الاختلاف والتعدد فطريق الوحدة في التجربة الاسلامية يأتي عن طريق احترام حقائق التنوع لأن التعدد والتنوع ليسا حالات أو وقائع مضادة للمنظور الوحدوي بل عناصر تثري مفهوم الوحدة وفي المقابل فان اقصاء هذه الحقائق لايوصلنا الي الوحدة بل بالعكس يفرغها من مضمونها الحضاري ويجعلها وبالا علي الكيان المجتمعي بأسره "(34)
وضع ابن تيمية قاعدة للتسامح في حياته السلوكية والعملية ، هذه القاعدة هي مقولته المشهورة : " أحللت كل مسلم عن إيذائه لي"
بعض الأمثلة العملية لتسامح ابن تيمية :
(أ) موقف ابن تيمية من خصمه علي بن يعقوب البكري الصوفي .
كان الشيخ الصوفي البكري من أشد الصوفية على شيخ الإسلام ابن تيمية، ففي محنة الشيخ مع الصوفية سنة 707هـ حول قضية الاستغاثة طالب بعضهم بتعزير شيخ الإسلام، إلا أن الشيخ البكري طالب بقتله وسفك دمه!
وفي سنة 711هـ تجمهر بعض الغوغاء من الصوفية بزعامة الشيخ البكري وتابعوا شيخ الإسلام ابن تيمية حتى تفردوا به وضربوه
حينما تجمع الجند والناس على ابن تيمية يطالبون بنصرته وأن يشير عليهم بما يراه مناسباً للانتقام من خصمه البكري الصوفي؛ أجابهم شيخ الإسلام بما يلي :
" أنا ما أنتصر لنفسي " !!
فماج الناس والجند وأكثروا عليه وألحوا في طلب الانتقام؛ فقال لهم :
" إما أن يكون الحق لي، أو لكم، أو لله ، فإن كان الحق لي فهم في حل، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني فلا تستفتوني؛ وافعلوا ما شئتم، وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه كما يشاء ومتى يشاء".
ولما اشتد طلب الدولة للبكري وضاقت عليه الأرض بما رحبت اختفى في بيت ابن تيمية لما كان مقيماً في مصر، حتى شفع فيه ابن تيمية عند السلطان وعفا عنه!!
(ب) موقف ابن تيمية من خصومه الذين تسببوا في سجنه وطالبوا بقتله .
فبعد أن وشى به بعض العلماء وكذبوا عليه وألّبوا الحكام والأمراء عليه وتزلفوا لدى الكبراء في ابن تيمية؛ سُجن وعذب وحين تولي الحكم السلطان ناصر بن قلاوون اخرج شيخ الإسلام ابن تيمية وحدثه عن رغبته في قتل بعض العلماء والقضاة بسبب ما عملوه ضد السلطان وما أخرجه بعضهم من فتاوى بعزله وأخذ السلطان يحث ابن تيمية على إصدار فتوى بجواز قتل هؤلاء العلماء، ويذكره بأن هؤلاء العلماء هم الذين سجنوه وظلموه واضطهدوه وأنها حانت الساعة للانتقام منهم !
وأصر السلطان ناصر بن قلاوون على طلبه من شيخ الإسلام كي يخرج فتاوى في جواز قتلهم ولكن مع ذلك قام ابن تيمية بتعظيم هؤلاء العلماء والقضاة ، وأنكر أن يُنال أحد منهم بسوء، فقال للسلطان إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم من العلماء الأفاضل!)
فيرد عليه السلطان متعجبا متحيراً : لكنهم آذوك وأرادوا قتلك مرارا ؟!
فقال ابن تيمية: من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي ! وما زال ابن تيمية بالسلطان يقنعه أن يعفو عنهم ويصفح، حتى استجاب له السلطان فأصدر عفوه عنهم وخلى سبيلهم !!
فحينما تناول شيخ الإسلام طائفة الشيعة بالنقد والتحليل، لمن يمنعه العداء والرد والنقض أن ينصف ويعدل مع هؤلاء الذين يراهم على باطل، ونصوصه في ذلك أكثر من أن تحصى، لكن منها على سبيل البيان والمثال :
يقول وهو يتحدث عن طائفة الشيعة الإمامية : كثيراً منهم ليسوا منافقين ولا كفاراً، بل بعضهم له إيمان وعمل صالح، ومنهم من هو مخطئ يغفر له خطاياه، ومنهم من هو صاحب ذنب يرجى له مغفرة الله
وقال : والرافضة فيهم من هو متعبد متورع زاهد.
وقال منصفاً الشيعة : وينبغي أيضاً أن يعلم أنه ليس كل ما ينكره بعض الناس عليهم يكون باطلاً، بل من أقوالهم أقوال خالفهم فيها بعض أهل السنة ووافقهم بعضهم، والصواب مع من وافقهم ).
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن لهم جهوداً في دعوة الكفار إلى الإسلام فدخل على أيديهم خلق كثير من الكفار.
وقال عن المعتزلة : أنه مع مخالفتهم نصروا الإسلام في مواطن كثيرة وردوا على الكفار والملاحدة بحجج عقلية .
وقد عاب شيخ الإسلام على الإمام ابن فورك الأشعري تكفيره للمعتزلة وتأليب الحكام عليهم، يقول ابن تيمية عنه : ( وقصد بنيسابور القيام على المعتزلة في استتابتهم وكما كفرهم عند السلطان، ومن لم يعدل في خصومه ومنازعيه ويعذرهم بالخطأ في الاجتهاد، بل ابتدع بدعة وعادى من خالفه فيها أو كفره فإنما هو ظالم لنفسه)
وقال عن الأشاعرة مع مخالفته لهم في كثير من الأصول والفروع:
( إنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة، وهو يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم)
وكان رحمة الله يتحرج كثيراً من تكفير الأشخاص ، ينقل الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي عنه قوله : أنا لا أكفر أحداً من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم "(35)
المراجع :
1- الإدارة في التراث الإسلامي : د. محمد بن عبد الله البرعي،د. عدنان بن حمدي عابدين جـ/ 260 مكتبة الخدمات الحديثة – السعودية .
2- حياة الصحابة: الأول صـ 454 نقلاً عن الطبري جـ/33 ، الكنز جـ/ 3 / 166
3- المرجع السابق، صـ 455 ، الكنز جـ/3 / صـ 148
4- أخلاقنا الاجتماعية: مصطفى السباعي صـ58
5- التبر المسبوك في نصائح الملوك، صـ18-19
6- الأدب الصغير والأدب الكبير، صـ71
7- العقد الفريد، ج1 / ص 206 , 377 – 378 والشهب اللامعة ص 319
8- حرية المعارضة في الإسلام: الشيخ فاضل الصفار ، جريدة البنية على النت
9- الدولة في نموذج الإمام على
10- نهج البلاغة : ص 640
11-في الفقه السياسي الإسلامي: فريد عبد الخالق ص110 نقلا عن الخلافة للشيخ محمد رشيد رضا ص66
12- الفقه الإسلامي في طريق التجديد: محمد سليم العوا ص67، 68
13- في الفقه السياسي الإسلامي ص205، 113
14- الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي
15- في كتابه "دراسات تاريخية في النهضة العربية الحديثة" نقلا عن المستشار طارق البشري في بحث له بعنوان: الصيغ التقليدية والصيغ الحديثة في التعددية السياسية وكتابة الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي ص76، 77
16- بحث المستشار طارق البشري: ص3 مشار إليه في الحوار والتعدديه في الفكر الإسلامي
17- السابق نفسه ص 7، 8 بتصرف
18- من فقه الدولة في الإسلام ص147
19- الفقه الإسلامي في طريق التجديد، ص59
20- مسئولية فشل الدولة الإسلامية: جمال البنا ص35
21- الوسيط في الحضارة الإسلامية ص218، 219 وينظر الي من فقه الدولة في الإسلام ص149 بتصرف ،ص51 ، 148
22- بقلم عدنان سعد الدين في كتاب " الحركة الإسلامية رؤية مستقبلية" ص297، 298
23- معايير لمصداقية الحكم الإسلامي: جمال البنا ص49 :56 والمرجع السابق ص154
24- ) الإسلام وحرية الفكر: ص155 : 156 نقلا عن السلفية المعاصرة إلى أين. ص31ومابعدها
25- ندوة التراث والتحديات المعاصرة: د.عابد الجابري ص670، 671 وهذه الندوة نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالقاهرة 1984م ، تاريخنا المفتري عليه: يوسف القرضاوي ص73-75
26- الأحكام في أصول الأحكام: ابن حزم 6/60
27- مالايجوز الخلاف فيه بين المسلمين : عبد الجليل عيسى ص200 دار لبنان
28- توفيق الطويل: قضايا من رحاب الفلسفة والعالم ص304، 305
29- فيصل التفرقة: الغزالي ص45
30- شرعية الإختلاف: ص 256 نقلا عن الرسالة: للشافعى ص 50-53
31- ينظر الي كتاب الصلاة لابن القيم ص53،54
32- الفتاوي 7/217 نقلا عن كيف نتعامل مع التراث ص253 ولمزيد ينظر إلى ص251 :256
33- التعدد والتسامح والاعتراف : رضوان السيد
34- دراسة بعنوان : الوحدة والتنوع
35- التسامح مع الآخر ... في حياة وسلوك شيخ الإسلام ابن تيمية : كتبه : صخرة الخلاص
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 08-07-2019, 06:57 PM
abeer yaseen abeer yaseen متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2018
المشاركات: 48
افتراضي الدين والدولة (التصور السياسي للدولة في الاسلام 4)

الدين هو من أشد العوامل استقرارا للمجتمع وتقدمه وهنا سنتكلم عن العامل الديني في صورته المؤسسية الرسمية وكذلك علي مستوي الافراد والمجتمعات
" الطريق الي الديمقراطية في العالم الاسلامي السني يمر عبر استقلال المؤسسة الدينية وانفصالها عن الحكام واختيار قادتها وزعمائها بواسطة الأمة أو عامة رجال الدين وليس بتعيينهم من قبل الحكام كما هو الحال في المرجعية الدينية الشيعية المنتخبة من الأمة أو الجامعات والمعاهد العلمية المستقلة "(1)
وخير مثال الازهر حين كان مستقلا ودوره حين تحول الي مؤسسة تابعة للدولة ففقد دوره الهام الذي كان يلعبه في المجتمع حين لم يكن للحكام سلطة علي رجال الدين ولذا كانوا يقودون الناس حين يلجأون اليهم لرفع ظلم الحكام عنهم
" فالرؤية الاسلامية تجاه الفئة الدينية لاتسمح لرجال الاستبداد بأن يكون لهم موقع مهم بين الناس ولا تسمح لرجال الاستبداد السياسي أن يستفيدوا من موقع رجال الدين بين الناس فالله سبحانه "
"ان القران لم يخاطب عدوا بشدة مخاطبته لأتباع هذا الدين فعندما يتطرق الي بلعم بن باعوراء وهو مثال لأولئك الذي حرفوا الشعور الديني لصالح الفئة الحاكمة (فمثله كمثل الكلب )
وموسي عليه السلام وقف ضد الأقطاب الثلاثة :
1-قارون أكبر رأسمالي في زمانه
2-بلعم بن باعوراء ممثل لأكبر شخصية دينية انحرافية
3-فرعون الذي بيدة القدره السياسية لذلك العصر
أنها حركة ثورية لمواجهة وضع طبقي فاسد يسوغ لبعض الطبقات استغلال الطبقات الأخري والقضاء علي الطواغيت الذين يبررون شتي أنواع العنصرية والتمييز(2)
ولأهمية العامل الديني في المجتمعات كان الشيخ محمد عبده يري أن الخروج من مشكلة التخلف يكمن في التوفيق بين العقل والنقل فمشكلة الأمة تكمن في التطبيق وليست في النظرية ولكن مفهوم العقل عنده يختلف عن المفهوم الغربي الذي ألهه فالنظر الي الانسان من خلال البعد المادي فقط حيث القضاء علي فكرة القيم والدين والاله زادت من معاناة الانسانية ...ولهذا دعي الي تحويل المنهج النظري الي واقع عملي من خلال الدعوة للتعليم والتربية ومراجعة أحوال الشريعة من منظور العقل في اطار النقل وتقويم متطلباتها بين النصوص والمقاصد وأيضا استخدام التراث في شحذ الهمم والقوي الباطنة للأمة لتستيقظ من غفوتها وتعيد أمجادها بعد أن تخلص عقيدتها مما أصابها من شوائب وبدع جعلت أهلها خارج دائرة الزمان بالاضافة لاحياء العقول لتحقيق المتطلبات الدينية من استخلاف الانسان في الأرض(3)
ومن وجهة نظر مالك بن نبي للخروج من هذه الوأدة الحضارية التي نعيشها يكون بوسائل منها :
المؤخاة بين أفراد المجتمع الاسلامي والتي هي الأساس التي قام عليها مجتمع المهاجرين والأنصار والمؤخاة تقوم علي فعل ديناميكي أي أنه يدعو الي نشر المحبة والتعاون والخير فيما بين الناس جميعا وأن تقوم ألوان النشاط الدالة علي يقظة الضمير الاسلامي في مختلف قطاعات الحياة الاجتماعية علي أساس دراسة علمية للعوامل السلبية وأسباب العطل الضارب بطنبه في حياتنا
فطريق النهضة يمكن أن نختصره في أنه استعادة روح الحضارة التي أقامها المسلمون من قبل والبناء عليها والاضافة اليها وتحويل الأفكار الي عمل وواقع اجتماعي وكثيرا ما كرر مالك أن التغيير يبدأ من النفس ولذلك كان يقول : " غير نفسك تغير التاريخ " ثم كان يردد الآية : ( ان الله لايغير مابقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم ) الرعد : 11 أي أن الحضارة هي حضارة أفكار تقتضي الاعتماد علي الذات وضرورة العمل علي تقريب المسافة مابين مواطن اتخاذ القرار في المجتمع واجتهادات المفكرين فنحن نملك وسائل التغيير في كافة مجالات الحياة ولكن تنقصنا الارادة القوية والتضحيات الشجاعة وتحمل ماقد يترتب علي قرار التغيير من آثار سلبية(4)

" ان المجتمع المتطلع الي حياة آمنة مستقرة لايقبل أن تتصادم مؤسساته قيميا ولايتواني في اصلاح الدوافع والقيم التي تحرك مؤسساته والنموذج الماليزي يحكي واقع هذا الطموح فالنظام الاعلامي والاتصالي الماليزي لايسمح بالبث الفضائي المفتوح ويشترط لاستقبال القنوات التلفزيونية داخل الأسر عبر "الكايبل " أن تخضع المواد الاعلامية للمواصفات القيمية والأخلاقية التي حددها النظام وهذا رد علي من يشكك في قدرة البيئة المسلمة والمحافظة علي حماية أبنائها من المواد المتعارضة مع قيمهم وتوجههم وهذا يؤدي الي توافق قيم المؤسسة الاعلامية مع قيم المؤسسة الأمنية أمّا أن تدعو المؤسسة الاعلامية الي ماتجرّمه المؤسسة الأمنية ويسوق الاعلامي لما ينهك رجل الأمن ويقلقه فان المجتمع هو الخاسر والخسارة ليست يسيرة عندما يفقد الأمن في أي من مكونات الأمن الشامل الدين أو الروح أو العقول أو العرض أو الأموال "(5)
" ما يحدث بالفعل هو حصول خلط شديد في الأذهان بين ما كان من الأمور ذات اعتبارات دينية محضة (حفظ الدين على أصوله المستقرة، تمكين المسلمين من العبادة الصحيحة ومن أسبابها، رعاية من كان من غير أهل الملة وهو موجود في محيط الجماعة المسلمة...) وما كان من الأمور يرجع إلى التدبير وتصريف شؤون الحياة العامة في المدينة الإسلامية. وهذه الأمور جميعها هي مما تقرر الشأن فيه عند رسولنا صلى الله عليه وسلم مما كان الفصل فيه واضحا بين ما كان من الأمور يتعلق بالدين (وهي ثابتة من جهة أولى، مطلقة من جهة المبادئ والكليات وتستدعي الاجتهاد من جهة الجزئيات مما لم يكن فيه تعارض صارخ مع نصوص قطعية الدلالة مع العلم أن هذه النصوص محدودة معلومة وهذا من جهة ثانية) وبين ما كان من شؤون العباد يتعلق بشؤون الدنيا وهذه أمور متبدلة بطبيعتها، تتغير بتغير العصور والأزمنة
أي أن الإسلام، دينا وفكرا، يقوم في أساسه على التمييز والفصل بين ما كان متصلا بالدين مما لا يكون الاجتهاد فيه فهو من القطعيات، وما كان يتعلق بالدين مما يستدعي بطبيعته الاجتهاد والتنقيب طلبا للمصلحة، وما كان، أخيرا، راجعا إلى الأمور الدنيوية وعماده التوافق والتراضي والاستفادة من التاريخ ومن تجارب الأمم."(6)

" ان عطالة الانتقال الديمقراطي في العالم العربي والاسلامي عامة لا علاقة لها بنظام الثقافة أو الدين علي مايعن للكثير قوله انما يعود الأمر الي ممانعة الخارج المتحالف مع مراكز التسلط في الداخل فالأطراف الدولية ليس لها مصلحة في أي عملية ديمقراطية جادة لأنها ستأتي بقوي اجتماعية وسياسية غير منسجمة مع مصالح ورهانات الخارج "(7)
الشريعة الاسلامية هي مرجعية الدولة

" من الأمور البديهية في الإسلام أن اليهود والمسيحيين في أرض الإسلام الخضوع لأحكام دينهم متى أرادوا ذلك من دون فرض لأحكام عقيدة الإسلام عليهم وفي المقابل عليهم احترام حق الأغلبية المسلمة متى أرادت تطبيق الشريعة وهذا ما خلص إليه علماؤنا انطلاقا من تعاليم الكتاب والسنة والممارسة العملية لذلك في تاريخنا الإسلامي وشهادة الكثير من الرموز المسيحية لما لمسوه من عدالة للإسلام لم يوجد لها نظير في أي نظام آخر"(8)

"ويرد على الخائفين من الشيوع الإسلامي أو اعتباره يهدد أمن القبطي "بأن المجتمع كان أشد تمسكا بالإسلام في بدايات القرن ولم يعرف الأحداث المؤسفة في العصر الحديث إلا بتقلص دور الإسلام** في مناشط الحياة" (9)
وأيضا التسامح الذى عاش فيه المسيحيون والمسلمون حين كانت السيطرة للإسلام في العصور التي شهدت إقامة دولته
يقول لوك : "لاأحد يخشي القوانين سوى أولئك الذين يؤذون جيرانهم ويسيئون الي السلام المدني " ويقول لوك أيضا ان الحاكم ينبغي عليه ألا يتسامح مع الأراء المضادة للمجتمع الانساني أو مع القواعد الأخلاقية الضرورية للمحافظة علي المجتمع المدني " وهذا موقف أحد أبرز دعاة الليبرالية نسوقه الي الليبراليين في بلادنا الذين يدعو بعضهم الي حرية بلا ضابط وهذا يتعارض مع مجتمعات محافظة كمجتمعاتنا وأن الخطأ الذي وقع فيه المجتمع الغربي هو انحراف عن المسار الذي رسمه لوك مما ولد العديد من المشكلات التي يعاني منها المجتمع الغربي حين الافراط في الحرية الفردية بلا ضابط
وأمامنا نموذج لدولة اسلامية متقدمة اقتصاديا ومع ذلك تحترم هويتها الاسلامية دون الانتقاص من حقوق الأقليات فيها وهي ماليزيا " أن ماليزيا دولة مدنية وهذا لايتعارض مع كونها دولة إسلامية، فالدولة الإسلامية ليست كالدولة الدينية الكنسية ، لأن الدولة الدينية يكون الحكم فيها لهيئة كبار العلماء وليس لسلطة برلمان مدنى منتخب، وهو ما لاينطبق على الحكومة الماليزية فماليزيا بلد إسلامي بكل المقاييس ، تنتشر المساجد،وينتشر الحجاب بين النساء ، ووسائل الإعلام لا تتوانى عن تقديم البرامج الدينية المظهرة لانتماء الدولة الديني (10)
لامركزية الدولة

وكان في عصر الحضارة الاسلامية ودولة الخلفاء الراشدين لكل اقليم مؤسساته فكان هناك لامركزية في الدولة حتي يكتفي الناس بها في اقامة مصالحهم دون ارهاقهم بالسفر للعاصمة وكانت الممارسات في مؤسسات الدولة بعيد عن اذلال الناس وكان هناك توفر الكفاية للناس في عيشهم بما يؤدي بهم للوصول لدرجة العز والتمكين
فنهضة الأمة كما يقول الرافعي لاتتوفر الا بمبدأ ثابت يعمل عمله في نفوس أهلها وهذا يقوم علي أربعة أركان : ارادة قوية ، خلق عزيز ، استهانة بالحياة ، صبغة خاصة بالأمة (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة )
تطبيق الحدود
كان تطبيق الحدود في دولة الرشد لايقام الابعد اعمار البلدان واقامة العدل بين الناس حتي يقطعون عليهم مبررات سبل الفساد فاذا حدث حينئذ تعدي أحد لحدود الله وحقوق الناس كان العقاب جزاء وفاقا فالدولة عليها مسئولية العيش الكريم للأفراد تصل لدرجة رفاهيتهم يقول الامام علي لابنه محمد بن الحنفية : يابني اني أخاف عليك الفقر فاستعذ بالله منه فان الفقر منغصة للدين مدهشة للعقل داعية للمقت " وكان يقول "ان الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء فما جاع فقير الا بما متع به غني والله تعالي سائلهم يوم القيامة عن ذلك "(11)
فماذا نقول عن بعض الدعاة الذين يحسنون الفقر ويدعون الامة للرضي به والصبر عليه خدمة للمكتنزين الذين ينهبون الحقوق أو ضعفا واستثقالا عن مواجهتم دفاعا عن حقوق المستضعفين
وقد أسقط عمر بن الخطاب الحدود في عام المجاعة لأنه حين تعجز الدولة لأي سبب كان عن توفير المتطلبات الواجبة تجاه مواطنيها فمن الظلم ان تطبق عليهم الحدود حينذاك
أما سفلة الناس فقد كانت الأحكام وتطبيقها السريع مخوفا لهم وزاجرا عن اقتراف السوء
وكان هناك احتمال الدولة لهفوات أهل الأعمال الحرفيين علي عكس التعامل مع المسئولين فقد كان هناك الانصاف للناس دائما وأخذ حقوقهم من المتعدين عليها خاصة اذا كانت من اي مسئول وقد أنشئ نظام المظالم للنظر في شكاوي الناس من ذوي السلطة ومراقبة موظفي الدولة وتصفح أحوال ما وكل اليهم من مهام وفي تظلم الموظفين من رؤسائهم والاشراف علي الأوقاف العامة والخاصة لأنها أكثر تعرضا لطمع الطامعين فهي أحوج من غيرها للمراقبة الشديدة اضافة الي تنفيذ الأحكام التي عجز القضاء العادي عن تنفيذها
الخلفاء الراشدين كانوا أورع الناس عن سفك الدماء الا بحقها الذي حدده الشرع فكان منهجهم قائم علي تقديس حياة الناس ودرء الحدود بالشبهات فلم يكن هناك حتي ممارسات للتعذيب مع العاصين أو المعارضين مما وجدنا أبشع صوره في الحكم الاستبدادي في بلادنا وممارسات التعذيب والقتل الممنهج في أقسام الشرطة وأمن الدولة
فيروي أن "عمر بن عبد العزيز قد غضب من أحد عماله وصاحب له والذي يشير اليه بأنه لا يصلح الناس الا السيف فقال تعرضان لي بدماء المسلمين ؟ ماأحد من الناس الا ودماؤكما أهون علي من دمه "
والحدود وان كانت قليلة تكاد لاتتجاوز أصابع اليد الواحدة فهي لها ضوابط كثيرة قبل تنفيذها ....وقد يجد كل منصف أنها اكثر ردعا لمن يقدم علي ارتكاب الجريمة دون وجه حق او مبرر لفعلته من فقر وغيره فهناك عقوبة اخري تسمي في الاسلام التعزير
اما مانراه في حاضرنا فهو امتلاء السجون بأناس ربما يتعلمون من خلالها الجرائم أكثر من ذي قبل والمدهش ان دولة مثل الصين وجدت مخرجا لعقوبة السجن ربما لعدم توفرها بالصورة المناسبة الي ماهنالك بان سمحت لمن عليهم عقوبات بالسفر لاحدي الدول النامية ليمتهنوا اي عمل فيها ولهم الخضوع لأحكام تلك الدولة ...ولن يسمح لهم بالعودة الا اذا تاكدت سفارتهم من حسن سلوكهم دون وجود مشكلات سببوها للدولة المضيفة لهم
إحترام الرموز الدينية والفكرية للأقباط للشريعة الإسلامية
لعل مما يؤكد التعددية في أي مجتمع متحضر هو إحترام كل طرف لعقيدة الآخر ويتجلى هذا المظهر الداعم للوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحين في مصر بصورة عكسته الكثير من كتابات الرموز المسيحية وهذا موقف نابع من التجارب التاريخية والممارسات الواقعية للتسامح الذي تمتع به المسيحيون في ظل الإسلام مقارنة بحكم المسيحيين أنفسهم ولقد حاول السلطان العثماني سليم الأول أن يوحد الدين في مصر ردا على توحيد الدين في أسبانيا واستئصال الإسلام من أرضها ولكن شيخ الإسلام رفض هذا العمل وأبى ألا أن تكون حرية الإعتقاد على منهجها الإسلامي السمح "(12)

وهذا جعل الكثير من المفكرين المسيحيين على نفس المستوى من السماحة وسعة الأفق والوعي الحقيقي بحقيقة الخطاب الإسلامي وكان من نتائجه أن أتي موقفهم من الشريعة الإسلامية ايجابيا نابعا من الدراسة العميقة لها حتي في ظل حكم الاستعمار ومن دلائل ذلك:
ما ذكره الأستاذ جمال البنا أن مجلة الدعوة في عددها الصادر في فبراير سنة 1977 وجهت سؤالين إلى عدد من أقطاب الطائفة المسيحية على اختلاف مذاهبها هما (باختصار) هل ترى في تطبيق الشريعة الإسلامية ما يمس حقوق المسيحيين أويضايقهم؟ من خلال دراستكم للتاريخ ماذا ترون في حكم الإسلام بالنسبة للأقليات من ناحية العبادة والأموال والأعراض؟
أجاب الكاردينال أصطفانوس بطريرك الأقباط الكاثوليك قائلا : " الذي يشذ عن نظام الله وتعاليمه بعد أن تكفل له أسباب العيش ومستلزماته يجب أن تطبق عليه حدود شريعة الله ليرتدع ويكون عبرة لغيره وحتى لا تعم الفوضى ... وليس في تطبيقها أبدا ما يمس حقوق المسيحيين أو يضايقهم "كما أجاب عن السؤال الثاني بقوله: "إن الذي يحترم الشريعة الإسلامية يحترم جميع الأديان وكل دين يدعو إلى المحبة والإخاء وأي إنسان يسير على تعاليم دينه لايمكن أن يبغض أحد أو يلقى بغضا من أحد ولقد وجدت الديانات الأخرى والمسيحية بالذات في كل العصور والتي كان الحكم الإسلامي فيها قائما بصورته الصادقة مالم تلقه في ظل أي نظام آخر من حيث الأمان والإطمئنان في دينها ومالها وعرضها وحريتها
أما الأنباغريغوريوس أسقف البحث العلمي والدراسات العليا اللاهوتية بالكنيسة القبطية وممثل الأقباط الأرثوذكس فقد أجاب عن السؤال الأول بقوله.. "إن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في مصر أمر لاإعتراض عليه فالشرائع السماوية نور وهداية للبشر .. ورغم أن الديانات المسيحية ليس في نصوصها قطع يد السارق أو قتل القاتل إلا أننا كمسيحيين لانعارض في تطبيق حدود الشريعة الإسلامية في مصر إذا كانت هذه رغبة إخواننا المسلمين وفي نظري أن هذا لن يتحقق كما يجب إلا إذا ضمنا للقضاء سيادته الكاملة التي تعطي له حرية التحقيق الشامل والنقض للجريمة وأسبابها"
ويجيب عن السؤال الثاني بقوله : "لقد لقيت الأقليات غير المسلمة والمسيحيون بالذات في ظل الحكم الذي كانت تتجلى فيه روح الإسلام السمحة كل حرية وسلام وأمن في دينها ومالها وعرضها"
أما القس برسوم شحاته وكيل الطائفة الإنجيلية في مصر فكان رده على السؤال الأول "أن الأديان كافة تحرم الجريمة والنفس الإنسانية يجب أن تعالج من الوقوع في الجريمة وقبل الوقوع بكل وسائل الإصلاح والتربية الجادة القائمة على إحياء القيم الروحية وسريانها في النفوس والإرتباط بالشرائع السماوية في إرشادها وهديها أما النفوس المتحجرة والقلوب القاسية التي لا يجدى معها النصح والإرشاد والتوجيه فهذه تعتبر شاذة وجرثومة في جسم المجتمع يجب إنقاذه منها.. وهنا لابد من تطبيق حدود الشريعة الإسلامية* لتحقيق العدالة والسلام والحب في المجتمع.. مع ضرورة أن تعود للقضاء سيادته وحرمته التي تعطيه الحرية الكاملة في البحث والتقصي عن كل حادثة أو جريمة"(13)

(1) وينقل الدكتور لويس عوض عن الجبرتي أن بونابرت في مصر عرض على المصريين نظاما للتوريث مأخوذا عن القانون الفرنسي فعارضه أعضاء الديوان بالإجماع "بمن فيهم الأقباط ونصاري الشوام الذين قالوا إن المسلمين يقسمون لنا" (14)
وفي 1936 أعد الدكتور شفيق شحاته وهو قبطي وكان أستاذا جليلا في القانون المدنى أعد رسالة الدكتوراة عن ( النظرية العامة للإلتزامات في الشريعة الإسلامية) وكتب فيها يقول: " أن بالشريعة الإسلامية كنوزا من الأفكار والأراء والتصورات القانونية ....وفي الواقع قد ظهر هذا التفكير في أبهى صوره ولاتزال أثار هذا التفكير من أنفس ما يدخر الشرق من التراث العلمي فمن العقوق أن يهمل هذا التراث.. والذي لايمكن أن يكون غيره ملائما مثله في بلاد كانت مهدا له ومرتقا (15)
وللدكتور سليمان مرقص دراسة عن فضل بعض نظم الشريعة الإسلامية على مايقابلها من نظم القوانين الحديثةنشرت في مجلة مصر القضائية سنة 1937 العدد 154
فالحذر من الإسلام السياسي أو كراهيته ليس مصدره كما يذهب طارق البشري إلى اختلاف الدين بقدر ماهو اختلاف الجذور الثقافية والتأثر بالفكر الوافد وحضارته" فالحذر من الإسلام السياسي أو كراهيته ليس مصدره كما يذهب طارق البشري إلى اختلاف الدين بقدر ماهو اختلاف الجذور الثقافية والتأثر بالفكر الوافد وحضارته"(16)

وهذا واقع لايخفى على العيان فمن المسلمين من هم أشد وأنكى معارضة لتطبيق الشريعة لايضاهيهم في ذلك من هم على غير ملتهم الذين قد يلتمس لهم العذر لما يشاهدوه من ممارسات هي لا تمت إلى الإسلام الصحيح وتعاليمه السمحاء بصلة أو لجهلهم بالشريعة وأحكامها وأنها جاءت محتضنة
وفي كتاب آخر يبدد طارق البشري المخاوف التي يبديها كلا الطرفين من الآخر من مثل الادعاء " بأن الشيوع الإسلامي يهدد أمن القبطي أو يتصور الإسلامي أن وجود القبطي هو ما يعوق تحقق دينه في المجتمع قائلا: إن هذا موقف أدعو الله أن يعيذنا منه" ويحمّل الوصول إلى هذه النقطة الحرجة عند كلا الطرفين على المثقفين وذلك بقوله : "المثقفون سامحهم الله وهم أهل علم بالأوضاع الإجتماعية والسياسية لايستخدمون معرفتهم في رؤية هذه الظواهر وفي تشخيصها وفهمها بأساليب البحث العلمي التي يتنادون بها وإنما يلجئون إلى مالا يتقنون ولايعرفون من مناقشة هذه الأمور من النواحي الفقهية فيضلون ويخطئون ويضرون. والغريب أنهم واجههوا هذه الظواهر من أصحاب الأقلام الذين تكلموا في الفقه بغير إحاطه وبعض هذه الأقلام لم يعرف من الناحية الفقهية الدينية أن يميز بين الثابت والمتغير ولابين الأصول والفروع فأوغل فيما يمس أصلا وثوابت" "نحن نريد أن نوفق لا أن نثير الخلاف والتوفيق يعنى أن يحتفظ الكل بجوهر ما يؤمن به"(17)
ثم يذكر "أن المجتمع كان أشد تمسكا بالإسلام في بدايات القرن ولم يعرف الأحداث المؤسفة في العصر الحديث إلا بتقلص دور الإسلام في مناشط الحياة" والدليل أن فترة خكم عبد الناصر لم تمثل أى تواجد للأقباط على الساحة السياسية في المستوى القيادي وهذا بشهادة دكتور ميلاد حنا فهذه الفترة تعرض التيار الإسلامي لأبشع وأقصى أنواع التعذيب ويعلق طارق البشري" بأن هذا يكشف أن ضرب التيار الإسلامي ليس مصدر آمن للأقلية الدينية غير المسلمة وإنما مصدر الأمن يتحقق بنظام الحكم أي بالديمقراطية بإقرار مبادئ المساواة والمشاركة" (18)

المراجع :
1-الاستبداد الديني والتعصب –رؤية ومعالجة قرآنية
2- دين ضد دين ، علي شريعتي
3- الاسلام ومشروعات النهضة الحديثة ص532،453 محمد عمارة : تجديد الفكر الاسلامي ص70
4- شروط النهضة ص44 مشار اليه في بحث د. عبد الحميد مدكور في كتابالاسلام ومشروعات النهضة ) (كتاب الاسلام في عصر العولمة : مبحث العولمة والعالمية بين المنظور الاسلامي والغربي : السيد الشاهد ، 57 )
5- الأمن الاعلامي : د . ياسر الشهدي
6- التحدي السياسي المشترك بين الاسلام والعلمانية
7- الاستفادة من تجارب الدول الاسلامية غير العربية ، مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان ، المسلم غير العربي اصلاح ديني أم اصلاح سياسي : د . رفيق عبد السلام ، ص 236
8- من فقه الدولة في الإسلام: يوسف القرضاوي ص163:198 "من أين نبدأ" : عبد المتعال الصعيدي ص76 -77 مشار إليه فيه "بين الجامعة الدينية والجامعة الوطنية في الفكر السياسي الإسلامي" طارق البشري "تاريخ وآثار مصر الإسلامية ": الهيئة العامة للإستعلامات ص765
9- طارق البشري: الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي ص36
10- ماليزيا الإسلامية نموذج التقدم والتسامح تجاه الأقليات الأهرام اليومى: سارة عبدالعليم ، المجتمع الماليزي.. وتحديات المجتمع العرقي: رضا صمدي اسلام ويب
11- نهج البلاغة ص753 ،755
12- هذا ديننا" محمد العشماوي
13- موقفنا من العلمانية القومية الإشتراكية ص93 :95
14- تاريخ الفكر المصري الحديث.. الفكر السياسي والإجتماعي د.لويس عوض كتاب الهلال ص87، 88 والمرجع السابق ص69
15- النظرية العامة للإلتزامات في الشريعة الإسلامية: شفيق شحاته ص59، 67 سنة 1936
16- بين الجامعة الدينية والوطنية: طارق البشري ، ص62
17- طارق البشري: الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي ص36 : 37
18- بين الجامعة الدينية والوطنية ص63
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 08-07-2019, 06:58 PM
abeer yaseen abeer yaseen متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2018
المشاركات: 48
افتراضي المساواة في تولي الوظائف العامة ( التصور السياسي للدولة في الاسلام 3)

المساواة في تولي الوظائف العامة
فالمساواة في تولي الوظائف العامة والتي معيارها في الاسلام هو أن يوسد الأمر لأهله قال النبي صلى الله عليه وسلم "من ولى أمر المسلمين شيئا فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" رواه الحاكم في صحيحه. وقال عمر بن الخطاب: "من ولى أمر المسلمين شيئا فولي رجلا لمودة أو قرابة بينها فقد خان الله ورسوله والمسلمين"

تولي منصب رئاسة الوزراء او وزير
الدكتور فتحي عثمان يقول في هذه المسألة: "إذا كان تولى الذمي لمنصب وزارة التنفيذ قد وسع الماوردي فضلا عن أنه حدث في واقع التاريخ الإسلامي فكم كان من الواجب أن يدفعنا ذلك لتقرير حق الذمي في الإنتخاب والترشيح دون تردد
وعن ادارة وزارة كالتعليم يذكر أن " هارون الرشيد وضع جميع المدارس تحت مراقبة "حنا بن ماسويه" ولم يكن ينظر إلى البلد الذي عاش فيه العالم ولا إلى الدين الذي ولد فيه بل لم يكن ينظر إلا إلى مكانته من العلم والمعرفة“(1)
ويشير د.فتحي عثمان إلى أن منصب رئاسة الوزراء لا يتصور أن يكون من غير المسيحيين في أية دولة علمانية ديمقراطية غربية. (2)

العمل كحكام للاقاليم ( محافظ المدينة )
عدالة ولاة أمور المسلمين في القرن الأول الهجري مع كل من خالفهم في العقيدة من حفظ حقوقهم وأموالهم وأعراضهم والإستعانة بهم في أعمال الديوان وفي إدارة شئون البلاد حيث تم استعمال بعض أهل الذمة كعمال يحكمون باسم الدولة في العديد من الأقاليم في مصر والشام "فقد ذكر ساويرس بن المقفع" . "أن والى إقليم الصعيد في عهد الخليفة الأموي عبد العزيز بن مروان كان يدعى "بطرس" وكان حاكم مدينة مريوط في الصعيد من أهل الذمة أيضا ويدعى (ناقوس) وكان حاكم الفيوم يدعى "شنودة"(3)
ومن الحكام على الأقاليم أيضا حاكم يدعى"متياس" كان هرقل قد ولاه أعمال المنطقة الشمالية في مصر ثم بعد فتح مصر استبقاه المسلمون على حكم نفس المنطقة نظرا لخبرته في شئونها . وقد حملت لنا البرديات العربية أسماء حكام أقاليم مسيحيين في عهد الوليد بن عبد الملك والذي ولى "قرة بن شريك العبسى" حكم مصر على الصلاة والخراج الذي حفظ حقوق الرعية سواء كانوا أهل ذمة أو مسلمين والبرديات* تعكس لنا خطابات من هذا الوالي إلى حكام الأقاليم تحمل توجيهات ونصائح وفض منازعات بين بعض أهل الذمة فمن البرديات التي تكشف إسناد مهمة حكم منطقة في صعيد مصر لأحد أهل الذمة ويدعى" بسيل" برديه عربية محفوظة حاليا في معهد البرديات بجامعة هايدبرج بألمانيا مؤرخة في شهر ربيع الأول سنة 91هـ / 710 م وفيها "بسم الله الرحمن الرحيم" من قرة بن شريك إلى بسيل صاحب إشقوة... (فإن أهل أرضك) وهى تعني أن بسيل من أهالى نفس المنطقة وأنه أسند إليه مهمة قيادة هذه المنطقة وحكمها. وفي عهد شريك أيضا سجلت إحدى البرديات خطاب بينه وبين "ذكريا" وكان حاكم أو مسئول عن قرية أشمون يطلب منه شريك الحكم في قضية رد دين لأحد أهل الذمة قائلا في ختامها ما يدل على حرص الوالي شريك على تحري الدقة وتجنب الظلم في إصدار الأحكام بقوله: "فما كان له من حق فاستخرجه له ولا يظلمن عندك "ويبدأها بقوله "بسم الله الرحمن الرحيم" من قرة بن شريك إلى زكريا صاحب أشموه العليا** فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو.."(4)

حق الإنتخاب والترشيح
أجاز علماء المسلمين ولاية غيرهم انطلاقا من حق المواطنة الذي سبق ذكره وقاعدة (لهما مالنا وعليهم وما علينا) وأن النهي عن ولاية غير المسلمين التي قررتها آيات الكتاب ووردت بها السنة كلها محصورة مقيدة حيث يكون المنهي عن ولايتهم في حالة اعتداء حربي على الملة والأمة ويخطئ من ظن أن النهي عن المخالف في الدين مطلقا"(5) وهذا ما ذهب إليه أيضا الشيخ محمد الغزالي "فالايات جميعا واردة في المعتدين على الإسلام والمحاربين لأهله وتنفير أفراد الأمة من خصومها واجب يتجدد في كل عصر"(6)
أما الدكتور فتحي عثمان فإنه يقول في هذه المسألة: "إذا كان تولى الذمي لمنصب وزارة التنفيذ قد وسع الماوردي فضلا عن أنه حدث في واقع التاريخ الإسلامي فكم كان من الواجب أن يدفعنا ذلك لتقرير حق الذمي في الإنتخاب والترشيح دون تردد
الشيخ محمد مصطفي شلبي في كتابه "الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية" يقول: "إن الأحكام لم تكن محض أوامر ونواة تعبيرية قصد بها إخضاع المكلفين بها ولكنها جاءت لتحقيق مصالحهم فتجلب لهم المنافع وتدفع عنهم المضار.. فحيثما وجدت المصلحة فثم وجه الله" ووجه المصلحة والمفسدة ظاهرة في المسألة التي نحن بصددها فالمصلحة في توكيد الوحدة الوطنية لا في الإساءة إليها
ثم إن العرف السياسي أثبت للأقباط الحقوق السياسية.. دون تفرقه لسبب الدين وكتب المذاهب المختلفة تفيض بذكر العرف تقعيدا وتفريعا عليه فتكلم فيه فقهاء مثل القرافي وابن العربي والسرخي وابن عابدين وجاء في قواعدهم: "والعادة محكمة" والمعروف عرفا كالمشروط شرطا" والتعيين بالعرف كالتعين بالنص"(7)
كما أن القلة التي تعترض على هذا الحق لا تعتمد كما يقول أستاذ فهمي هويدي على دليل قطعي يفيد المنع من الكتاب والسنة وهي من السياسات الجزئية القابلة للنظر والإجتهاد وكما يقول الزركشي: "أعلم أن الله لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة بل جعلها ظنية قصدا للتوسعة على المكلفين فلا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل القاطع(8). وذكر رشيد رضا في تفسير المنار "أن السلف لم يحرموا شيئا إلا بدليل قطعي أو نص قرآن"(9) وتعريف السياسة في الإسلام كما يقول ابن عقيل: "ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول ولانزل به وحي(10) . فلايجوز شرعا أن يزعم أحد أن ثمة تناقض بين تطبيق الشريعة وماتتطلبه الوحدة الوطنيه من حماية واجبة(11)
دكتور يوسف القرضاوي ردا على فتوى في جواز اعطاء الصوت الانتخابي لمسيحي ولايخرج عما ذهب إليه علماء وفقهاء المسلمين بأنهم أجازو أن يعطي المسلم صوته لغير المسلم مزيلا اللبس حول من يشكك في ذلك معتمدا على سوء الفهم لبعض الأيات والجهل بأسباب نزولها وملابستها ومؤكدا على ضرورة المودة والألفة ونبذ الدعوات التي تفرق الأمة ولاتخدم إلا أعداءها. يريدون أن يمزقوها شر ممزق وكل بلد يخترعون له من الوسائل والآليات ما يفرق بين أبنائه ففي بعض الأقطار يثيرون قضية سنة وشيعة وفي بعضها يثيرون قضية عرب وبربر أو عرب وأكراد.. ومسلمين وغير مسلمين وإذا لم يجدوا شيئا من هذا سيبتكرون شيئا يفرق بين الأخ وأخيه "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"الأنفال:30 (12)
في هذه القضية* قال الشيخ عبد المتعال الصعيدي: " أنه بفتح باب الإجتهاد يمكننا التوفيق بين الحكم الديني والحكم القومي لأنه لا يلزم أن يكون هناك خلاف بينهما ..إن الإسلام ينظر إلى أبناء الوطن الواحد من مسلمين وغير مسلمين على هذا الأساس لهم مالنا وعليهم ماعلينا وفي هذا الأساس تجتمع الحكومة الإسلامية والحكومة القومية"
من كل ما سبق يتضح أن علماء المسلمين في العصر الحديث وعبر مدار تاريخنا الإسلامي ومنذ بدايته الأولى قرروا حق غير المسلمين في الإنتخاب والترشيح للمجالس النيابية أو ماشابه وأحقبة إعطاء أصوات المسلمين لهم إذا كانت فيهم من الصفات الخلقية ولايعرف عنهم اثارة الفتنة أو الطعن في دين الاغلبية بأي صورة كانت فلا يكون التفاضل في هذا الشأن بين المسلم وغيره على أساس الدين وإنما السيرة الحسنة وبمقدار القدرة على تلبية مطالب الناس ورفع الظلم عنهم وقد شهد تاريخنا الإسلامي القديم والحديث تطبيقا لهذه الأسس النظرية
المراجع :

1- من روائع حضارتنا: مصطفي السباعي مشار إليه في تاريخنا المفتري عليه ص193، 194
2- عبقرية الإسلام في أصول الحكم: د.منير العجلاتي ص439، 440 مشار اليه في بحث : د.فتحي عثمان "مراجعة الأحكام الفقهية الخاصة بوضع غير المسلمين" ، "مواطنون لاذميون" فهمي هويدي
*لمزيد في هذا الصدد ينظر إلى كتاب في الفقه السياسي الإسلامي " للأستاذ فريد عبد الخالق حيث ذكر أمثلة عديدة على عدم المساواة في القوانين الوضعية والدساتير العربية. بخلاف ما أقرته الشريعة الإسلامية من أحكام تقرر المساواة دون خوف عليها ص238 : 246
3- تاريخ وآثار مصر الإسلامية: الهيئة العامة للإستعلامات ، ص 765
4- د.أرلف جروهات: أوراق البردي العربية بدار الكتب المصرية ترجمة د.حسن إبراهيم ط دار الكتب ج3/ ص15
5 - تفسير المنار: ج6 ص354، 355، ج4 ص68 نقلا عن في الفقه السياسي الإسلامي: فريد عبد الخالق ص169
6- التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام : الشيخ محمد الغزالي ص40 مشار إليه فى مواطنون لاذميون: فهمي هويدي
7- في الفقه السياسي الإسلامي: فريد عبد الخالق ص171
8- بحث "مراجعة الأحكام الفقهية الخاصة بوضع غير المسلمين" فتحي عثمان مجلة الآمان بيروت نقلا عن المرجع السابق
9- ينظر: إلى الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية" : محمد مصطفي شلبي ص92: 94 5. الإختلافات الفقهية: د.أبوالفتح البيانوني ص23
10. تفسير المنار" ج10 ص324 7. الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: ابن القيم ص31، 41
11- في الفقه السياسي الإسلامي ص187 :191
12- 1. الشافعي حياته وعصره، آراؤه وفقهه: محمد أبوزهرة ص178
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 08-07-2019, 06:59 PM
abeer yaseen abeer yaseen متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2018
المشاركات: 48
افتراضي تداول السلطة(التصور السياسي للدولة في الاسلام ج2)

تداول السلطة
يقول علي بن أبي طالب في كتاب له الي معاوية "أنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمرو عثمان علي ما بايعوهم عليه.....وأنما الشوري للمهاجرين والأنصار فان اجتمعوا علي رجل وسموه اماما كان ذلك لله رضا "(1)
" الصراع بين الحركات الاسلامية وأعدائها يرتبط بالصراع علي السلطة الذي يتمحور حول مسألتين رئيسيتين هما :
تداول السلطة
علاقة الدولة ومؤسساتها بالمجتمع ونشوء حركة اسلامية ديمقراطية تعمل مع الحركات الاجتماعية والسياسية الأخري في التوصل الي الحلول المطلوبة لاقامة نظام مجتمعي يضمن المساواة والعدالة والحريات الفردية لجميع المواطنين أمرا ليس صعبا "(2)

التجربة الإيرانية وثيقة الصلة بخصوصية المذهب الشيعي. إذاً نحن نتكلم عن عشرة بالمائة من المسلمين فقط. هم مرتبطون بمفهوم ولاية الفقيه، وهذا ما لا يعرفه أهل السنة .. في تجربة إيران الديموقراطية لم تحقق النجاح الذي تمنيناه لها، نعم هناك انتخابات نزيهة تجري في إيران. ولكنها تجري في حلقاتها الأخيرة وليس في حلقاتها الأولى؛ لأنها تحجب حق كثير من الناس ممن يختلفون مع السلطة دينياً وفكرياً من حق الترشح (3)
الخيانة السياسية في المنظور الاسلامي وكيف نتجنبها

هي باختصار تولية اهل الثقة علي اهل الكفاءة ولقد حفلت السنة بالعديد من الاحاديث النبوية التي تحذر من ذلك منها :
ماروي عن الرسول صلي الله عليه وسلم في النهي عن ذلك: " من ولَّى ذا قرابة محاباة وهو يجد خيرًا منه لم يجد رائحة الجنة "(4). وعن يزيد بن أبي سفيان قال: قال أبو بكر رضي الله عنه حين بعثني إلى الشام : يا يزيد إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة ذلك أكثر ما أخاف عليك فقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم من ولى من أمر المسلمين شيئًا فأمّر عليهم أحدًا محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلا حتى يدخله جهنم"(5)
من هنا ندرك خطأ ماوقع فيه الاخوان الذين كان يمكن لهم ان يساهموا في دعم مرشح رئاسي ذو قبول شعبي ومرجعية اسلامية مثل حازم ابو اسماعيل ولكنهم لجاوا الي اشخاص وان كانوا ذوي قامة فكرية ودينية سامقة الا انهم ليس لهم ظهير شعبي ولايعرفهم حتي اكثر الناس فكان ردهم هو رفض معظمهم لتلك الدعوي . هل كان موقف الاخوان هذا من قبيل ان لاتستأثر شخصية ما علي الناس مادامت خارج التنظيم الله اعلم النتيجة كانت أن ترشح واحد من داخل التنظيم الاخواني لم يكن معروفا قبل ترشحه للرئاسة هو د. محمد مرسي .
وتلك كانت من أخطاء مابعد الثورة التي وقع فيها الاخوان المسلمون
هل يعني ذلك عدم ترشح أحد من تيار بعينه ذو مرجعية اسلامية يري في نفسه القدرة علي تولي هذا الامر له كثير من الاتباع يؤيدونه سلفا . هل هناك تناقض بين الطموح السياسي للشخصية الاسلامية لمعالجو والقعها المتردي وبين مرجعيتها الاسلامية في صورتها النظرية والعملية في هذا الصدد . وما معني قول يوسف عليه السلام للملك اجعلني علي خزائن الأرض اني حفيظ عليم ( قلنا يوسف كان نبيا واثقا من نفسه بالكفاية والأمانة ....ويري الأمور والأعمال والولايات في أيدي من ليسوا أهلا لها ويجوز مثل هذا اليوم ...وعن هذا قال بعض أصحاب الشافعي اذا كان القضاء في يد من لايصلح له وجب ان يخطبه من يصلح له وكان ذلك فرضا عليه

أعتقد أنّ لكل فرد الحق في ترشيح نفسه لكن ان ينافس علي هذا الأمر من يرونه الكثيرون من اصحاب الوعي السياسي في المجتمع احق منه ولكونه يتمتع بنفوذ حزبي او سلطة مادية يعارك من هو احق منه فهذا هو الذي يتناقض مع مفهوم حديث رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم وغيره من الاحاديث الكريمة في هذا الشان ومنها :
"عن أبي موسى قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي فقال أحدالرجلين: يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل وقال الآخر مثل ذلك: فقال: إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله ولا أحد حرص عليه " (6)
عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بن عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة أكلت إليها وأن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها(7)
واقتداء بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم صار عمر رضى الله عنه فحين طلب منه أن يولي الحكم لابنه رفض فمما رواه عنه ابنه عمر قال: "حضرتُ أبي حين أصيب فأثنوا عليه وقالوا : جزاك الله خيرا فقال: راغب وراهب قالوا: استخلف . فقال: أتحمل أمركم حيا وميتا لوددت أن حظيمنها الكفاف لا على ولا لى، فإن أستخلف فقد أستخلف من هو خير مني يعني أبا بكر وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عبد الله: فعرفت أنه حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مستخلف. ((8)
عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم
وفي كتاب " السياسة الشرعية بين الراعي والرعية " لابن تيمية حديث للرسول صلى الله عليه وسلم يقول فيه " من ولى من أمر المسلمين شيئاً وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله "(9)وفي هذا المعني روي البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قول النبيصلى الله عليه وسلم:"إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل يا رسول الله وما إضاعتها، قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة".
"فيجب على كل من ولي أمرا من أمور المسلمين من هؤلاء وغيرهم أن يستعمل .. في كل موضع أصلح من يقدر عليه : فإن عدل عن الحق الأصلح إلى غيره لأجل قرابة بينهما أو ولاء من مثل صداقة أو موافقة في بلد أو مذهب وطريقة أو جنس كالعربية أو الفارسية أو التركية أو الرومية أو الرشوة بأخذها من مال أو منفعة أو غير ذلك من الأسباب أو لضغن في قلبه يُكِنُّه للأحَّق أو عداوة بينهما فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ودخل فيما نهى(10) عنه في قوله تعالى📷يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ورسوله وتخونوا أمانتكم وأنتم تعلمون) الأنفال:27
من هنا اذا اردنا ان نسقط هذا علي واقعنا بما يحقق العدل السياسي في صورته الاسلامية
فهذا يقتضي التغاضي عن الديمقراطية الغربية في هذه الزاوية التي تفترض ان كل حزب عليه ان يشكل الحكومة من الموالين له لأنه يتعارض مع المنظور الاسلامي الصحيح الذي يري وجوب تولي افضل الكفاءات في مواقع المسئوليات المتعلقة بشئون الشعب خاصة اذا علمنا ان
" التعامل مع الحوادث السياسية والاجتماعية والاقتصادية لا تحكمه -من وجهة النظر الإسلاميّة- نصوص محددة في الأعم الغالب ، وإنما تضبطه قواعد مستمدة من أحكام الإسلام ومقاصده ، مثل :
-درء المفاسد مقدم على جلب المصالح
- يُحْتَمل أخف الضررين لاتقاء أشدهما .
-تفويت أصغر المصلحتين لتحصيل أكبرهما .
-الضرورات تبيح المحظورات .. إلخ .
وهذا يفرض على العاملين في الحقل السياسي فكرة البدائل بضوابط الشرع ، ونظرية البدائل تطرح مجموعة حلول ، وتطالب باختيار الأفضل من وجهة نظر صاحب القرار ".(11)
وبالتالي لو افترضنا ان هناك شخصية عرفت بكفاحها وجهادها في سبيل الدفاع عن حقوق الناس في اي موقع كانت مع انتمائها لحزب آخر فمن العدل توليه مسئولية الحكم فيما هو معروف بكفاحه فيه حتي ولو لم ينتمي للحزب الفائز ذو المرجعية الاسلامية ويصير غض الطرف عنه وتولي آخر لأنه ينتمي لحزبنا الفائز هو من قبيل ضرب العدالة السياسية التي ارستها تعاليم الدين في هذا الشان والارتكان لاقرار مانظنه عداله هي من صنع البشر وان اخذت مسمي الديمقراطية التي وان كانت فيها ايجابيات اثبتت الممارسة العملية لها في الشعوب الاوربية مدي مأسدته لمجتمعاتها من تحضر مدني نتمي ان نري مناظرا له في مجتمعاتا الا ان هذا ليس معناه المطابقة التامة لها في كل جوانبها التي منها مايتعارض مع مبادئنا الاسلامية في تحقيق العدالة السياسية بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب ايا كان انتماؤه الحزبي . " فقيمة العدل تترجم الي كل السياسات التي تتناول العلاقات بين الحاكم والمحكوم والأغلبية والأقلية والرجل والمرأة والعلاقة مع الخارج "
وأجلى معاني العدل، كما ذكر صاحب التحرير والتنوير الشيخ ابن عاشور المساواة، بما يجعل تحقيق هذه القيمة في العلاقات بين البشرية مقصدا أسني من مقاصد الإسلام"(12)
والجاحظ في " أخلاق الملوك " جعل تولية الحاكم على شعبه من لا يرضونه من الأسباب التي ينهار بها ملكه حيث يذكر أن من أخلاق الملوك استقصاء أحوال الرعية " وقالت الحكماء أسرع الخصال في هدم السلطان وأعظمها وأسرعها في افساده وتفريق الجميع عنه اظهار المحاباة لقوم دون قوم ....وقديما قيل المحاباة مفسدة ...وقيل من زوال السلطان تقريب من ينبغي ان يباعد ومباعدة من ينبغي أن يقرّب(13)
اذا لو كان هناك رموز اثبتت نضالها وكفائتها في الدفاع عن حقوق الآخرين وتمني الكثير من اصحاب الوعي ان تتحمل مسئولية تولية مركز سياسي لاسيما في المجال الذي خبرته حتي وان لم تنتمي لفصيل سياسي فائز سواء كان اسلاميا ام لا صار من العبث وزرع الاحباط في نفوس المقهورين عدم وضعها في مركز المسئولية عن هذا الشعب او القطاع لاسيما المستضعفين منهم
نعم قد "يوجد تشابه كبير بين نظرية الحكم في الفكر السياسي الإسلامي ونظرية الديمقراطية هذ التشابه يعود إلى حتمية الاتفاق بين العلم السليم والدين القويم ...إلا أن ذلك لم يمنع من وجود خلافات جوهرية عميقة بين نظرية الديمقراطية ونظرية الحكم في الفكر السياسي الإسلامي وأهم هذه الفوارق يتمثّل في أن نظرية الديمقراطية في جوهرها إنما جاءت استجابة لتنوّع وتعدد مراكز القوى في المجتمع بشكل أساس, ولم تنطلق مباشرة من الرغبة الصادقة في تحقيق القيم السياسية الكبرى للحكم من حرية وعدل ومساواة بخلاف نظام الحكم في الفكر السياسي الإسلامي الذي انطلق من التطبيق العملي للقيم السياسية الكبرى – العدل والحرية والمساواة والحماية – مباشرة باعتبارها قيماً دينية واجبة التنفيذ مضمونة الحماية قبل أن تكون قيماً سياسية, واتجاهه نحو التطبيق العملي المباشر قبل التنظير الفكري طوال فترة قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم للجماعة المؤمنة وطوال فترة الخلفاء الراشدين"(14)
وللاسف حين استعمل الاسلاميون الديمقراطية بعد تمكنهم من السلطة بالصورة التي عليها في محيطها الغربي لم يراعوا التحديات العصيبة التي تواجهها مجتمعاتهم والتي لم تتخلص من انظمة الحكم المستبدة بعد حيث كانت الممارسة الديمقراطية للحكم بعد الانتخابات الشرعية احدي اهم العوامل في عودة الدولة العميقة المستبدة الظالمة التي ابقت علي النظام الفاسد التي قامت الثورة عليه واكتفت بالتخلص من رأس النظام
وبالتالي اذا اردنا تصحيح مسارنا الثوري لتعبئة الشعب ومساهمته في مواجهة عودة النظام القديم فليس من الضروري ان تكون ديمقراطيتنا التي نتمناها لاسيما في تلك المرحلة نسخة مطابقة للديمقراطية الغربية مع الاعتراف كما اوضحنا سابقا بأنها تلتقي معها في الكثير مما نتمناه لمجتمعاتنا وتبعد عنها في أمور تراها تتعارض مع تعاليم الكتاب والسنة وايضا طبيعة المعركة التي تخوضها الثورة الآن حيث يصبح من العبث تشبث فريق ما بعودة السلطة مما يضعف من تكوين جبهة قوية متحدة في مواجهة الانقلاب .
واذا كان من ذوي التيار السياسي الاسلامي من يأخذ من الممارسة الغربية للديمقراطية سبيلا حصريا يدافع به عن احقيته في ان لايتولي المقاليد السياسية المتنوعة للدولة الا لمن ينتمون له وليس لأحد منازعته حريته التي يقرها العلمانيون انفسهم في الخارج ويرون فيها هي المثل العليا لتحقيق العدل
الا اننا كشعوب حين تحتكم لتعاليمها الاسلامية بمقاصدها الشرعية تجد ان هناك درجة ترافق العدل تسمي الاحسان هي وغيرها مايجعل لأمتنا لها صبغتها الخاصة في تحقيق العدل والرحمة الانسانية لكل مجتمعات تصل اليها نور الاسلام وهذا ماوضحه الغزالي بصورة عامة بقوله : " ...
واعلم ارشدك الله تعالي ان الله تعالي أمر بالعدل ثم علم سبحانه ان ليس كل النفوس تصلح علي العدل بل تطلب الاحسان وهو فوق العدل فقال : ( ان الله يأمر بالعدل والاحسان ) فلو وسع الخلق العدل ماقرن الله به الاحسان فمن لم يصلح حتي يزداد علي العدل كيف يصلح اذا لم يبلغ به العدل والعدل ميزان الله في الأرض فمن أزال ميزان الله فقد تعرض لسخط الله" .(15)
وفي تلك اللحظة الراهنة التي تمر بها مجتمعاتنا علينا ان لاننسي انه لتحقيق العدالة السياسية المنشودة يجب الانتصار في المعركة الشرسة التي نخوضها ضد الديكتاتورية العسكرية التي هي امتداد لدول استعمرتنا في الأمس وتري في بقائنا تحت نير تلك الانظمة الحاكمة هي ضمانة لبقاء مصالحها فنحن شعوب مستعمرة (بفتح الميم ) ولكن بثوب جديد هي ان من يستعمروننا هم من بني جلدتنا ولائهم ليس لمصلحة شعوبهم وانما للخارج الذي يمدهم بالشرعية التي يفتقدوها في الداخل ويدافع عن بقائهم
ومن اجل تغيير هذا الواقع المزري لشعوبنا نحن في امس الحاجة لتحقيق المشاركة العامة مع الكفاءات من الاطياف الأخري خاصة في مواجهة التحديات الشديدة التي تواجهها مجتمعاتنا مع تلك الأنظمة التي حكمتها لعقود ضاعت خلالها كرامة وحرية الانسان وصار يعيش في فقر مدقع في الوقت الذي تتجمع فيه الثروات في ايدي حفنة ممن يحكمونه . وهي لن تألوا جهدا في سبيل الحفاظ علي تلك المصالح حتي ولو افنت الكثير من افراد شعوبها وزجت بهم الي المعتقلات كما هو ماثل امامنا.
وبعد ان تتحرر مجتمعاتنا من الأنظمة المستبدة علي الجميع المشاركة دون تميز في تطهير المجتمع من الفساد الذي تغلل في مواقعه ومؤسساته المتنوعة حتي نصل الي المرحلة التي يصبح المناخ فيها مواتيا في اعادة تشكيل وجدان وفكر الانسان فيها ويصبح اكثر وعيا بحقوقه وواجباته "لا مفر بعد الثورة من أن تختار الأحزاب الإسلامية بين تقديم المكاسب الحزبية أو تقديم المصلحة الوطنية وأهداف الثورة، وكل خيار يدفع باتجاه مختلف وتترتب عليه استحقاقات ومقاربات وأولويات مختلفة. وفي كل الحالات تحتاج الحركة الإسلامية بعد الثورة أن تتحول من تنظيم مغلق إلى تيار وطني مفتوح وجامع يعمل على الحفاظ على روحية الثورة والإجماع الشعبي إلى نهاية المرحلة الانتقالية."(16)

وتكون تلك الفترة الانتقالية لمجتمعاتنا تمثل فرصة مواتية لترسيخ قواعد الديمقراطية وبروز قيادات من كل الأطياف السياسية وفي كل موقع قادرة علي التعبير عنها وحل مشكلاتها هنا يصير المناخ مناسبا لأن يستقل كل حزب بكوادره وافكاره لينافس بها في انتخابات حرة نزيهة علي الأسس التي نراها في مجتمعات تحترم انسانها ولاتري في التحكيم لجهات خارجية متخصصة للاشراف عليها اي حرج والتي كانت تدّعيها انظمتنا المستبدة لكي تستطيع تزوير تلك الانتخابات دون رقيب او حسيب .
وخاصة اذا صارت المشاركة السياسية الحقيقية لحكم البلاد وادارة قطاعاته المتنوعة في تلك المرحلة المستقرة لايخشي فيها اعادة مكائد الدولة الفاسدة والاضطرار لمهادنتها او الضعف في التعامل معها كما حدث في السابق . بالاضافة الي رغبة الاحزاب نفسها وحريتها في عدم المشاركة او التحالف الحزبي قبل الانتخابات مع اي حزب آخر مقابل لقناعتها الايديولوجية ورؤيتها للنهوض بالبلاد
وأخيرا فان " ما لا يفعله جناح من إسلاميي مصر (وفعله الكثيرون من الديمقراطيين الجدد في جنوب آسيا وأمريكا اللاتينية وتركيا وماليزيا وغيرها) هو عملية المواءمة بين متطلبات ومرجعيات مجتمعاتهم وبين الديمقراطية دون تسفيه الديمقراطية والترويج لها على غير حقيقتها.. ويكفي هنا الإطلاع على المواءمات التي أنتجت الدساتير والأنظمة والقوانين الانتخابية في أمريكا اللاتينية والهند، أو على فهم رؤية مهاتير محمد وأنور إبراهيم في ماليزيا أو أردوغان وأوغلوا في تركيا في شأن العلاقة بين الإسلام والديمقراطية.. هذه المواءمات ليست نقلا مباشرا من الغرب وإنما إعمال للعقل وأخذ لما يوافق مجتمعاتهم والإضافة عليها وهذا هو الأهم..(18)
مراقبة المسئولين في الدولة ومحاسبتهم ولايستثني منه أحد حتي الرئيس
ضرورة وجود آلية مستقلة يقع عليها عبء مساءلة ومراقبة الحكام ، والرقابة البرلمانية التي تكون أراؤها ملزمة للحاكم وعلي الأجهزة العسكرية والأمنية
وقد أجمع علماء الأمة على ضرورة الاستفادة مما وصلت إليه الأنظمة الغربية من ممارسات نستطيع بها إقامة العدل في مجتمعاتنا وخاصة مساءلة الحاكم ومحاسبته خاصة أن هذه الدول قد سبقتنا كثيرا في هذا المضمار كما أننا لا نجد في شرعنا غضاضة في الاستفادة مما وصل اليه الغرب مادام يحقق مصالح الناس ويمنع الظلم
وفي الحضارة الاسلامية كانت هناك سلطة أهل الحل والعقد ، والتي وضحها الإمام أحمد بن حنبل "رضي الله عنه"،بمجموعة مُعينة من الناس تختارهم الأمة من وجوهها المطاعين، ذوي عدالة وعلم بالأمر العام، وخصوصًا العلماء المشهورين ورؤساء الناس.
وهذه الجماعة، كما يقول ابن حنبل "تتبع الناس فيما ينوبون فيه عنهم من أمور، تتعلق بإقامة مقصود الإمامة، ورعاية أمور الأمة ومصالحها العامة"، والتي من بين أهمها اختيار إمام الأمة، أو رئيس الدولة بالمعنى المعاصر، ولذلك، فإنه من المسميات الأخرى لأهل الحل والعقد، مصطلح أهل الاختيار.
ففي الإسلام، على رئيس الدولة أخذ موافقة أهل الحل والعقد قبل اتخاذ اي قرار يتم فرضه علي الشعب ولهم الرقابة على الحاكم وعزله عند الحاجة، ومناقشة وإقرار الالتزامات التي تمس مصالح العامة، وهي كلها أجزاء أصيلة من الوظائف الرقابيَّة والتشريعيَّة لنائب الشعب في البرلمانات المعاصرة-
فأهل الحل والعقد في زماننا هم الذين تضمهم المجالس النيابية عن اختيار حر نزيه بحيث يكونون محل ثقة الأمة وأهلا للحسبة على الحاكم والحكومة لمنع هذا العدوان "والصحافة هي أحد أهم مفردات منظومة المحتسبين الذين يعاونون نواب الأمة الذين تنتظمهم الهيئة التشريعية".. وهكذا فولاية الأمة متمثلة في مجالسها النيابية ومؤسساتها الدستورية هي المخولة لمحاسبة الحاكم وكل مسئول عن أي شأن من شئون الأمة(19)
وأهل الحل والعقد في الإسلام من أهل العلم الإستقلالي بشريعة الأمة ومصالحها السياسية والإجتماعية والقضائية والإدرية والمالية ومن أهل العدالة والرأي والحكمة وهم قلما يوجدون إلا في الأمم الحرة" وليس ضروريا أن يسمى بهذا الإسم من يعهد إليهم بالوظائف والإختصاصات التي كانت منوطة بأهل الحل والعقد تاريخنا(20)
وهذا البعد الرقابي اشار اليه ابن الاثير حيث ان رئيس الدولة هو المسئول عن كل مايحدث في ولايتحمل المسئولية وزرائه فقط قائلا : " واجعل في كل كورة من عملك أمينًا يخبرك أخبار عمالك ويكتب إليك بسيرتهم و أعمالهم حتى كأنك مع كل عامل في عمله معاين لأموره كلها...واستعمل الحزم في كل ما أردت و باشره بعد عون الله عز وجل بالقوة و أكثر في استخارة ربك في جميع أمورك "
"وتحفظ من الاعوان فإن أحدا منهم بسط يده الي خيانة اجتمعت به عليه (أي أتفقت عليها أخبار الرقباء) عندك أخبار عيونك أكتفيت بذلك شاهدا فبسطت عليه العقوبة في بدنة وأخذتة بما أصاب من عمله ثم نصبتة بمقام المذلة ووسمته بالخيانة وقلدتة عار التهمة"(21)
استقلال القضاء فلا يحق للرئيس التدخل في تعيينهم

التفاضل بين البشر والمساواة بين الناس علي أساس التقوي هو شأن يتحقق أمام الله في الأخرة لابين الناس في الدنيا فالحق والواجب وسائر أمور المعاملات لاعلاقة لها باسلام المرء أو كفره وهذه هي المساواة القانونية في الاسلام انطلاقا من أن الكرامة في الاسلام هي لبني آدم(22)
وكانت للقاضي سلطة مستقلة يحكم بها علي الخليفة نفسه أو مسئوليه ولا ننسي القصة المشهورة لعلي بن ابي طالب واليهودي الذي اتهمه علي بأنه أخذ درعه ولما لم يستطع علي أن يقدم بينة تم تبرئة اليهودي من جهة القاضي شريح هذا وعلي بن ابي طالب أمير المؤمنين وكان هذاالموقف سببا في أن أسلم اليهودي والذي اعترف بأنه سرق درع علي رضي الله عنه
ويذكر أن الشيخ عبد القادر الكيلاني وقف علي منبره محاسبا (المقتفي لأمر الله ) ومنكرا عليه تولية يحي بن سعيد المشهور بابن المزاحم الظالم القضاء فقال مخاطبا له : وليت علي المسلمين أظلم الظالمين فما جوابك غدا عند رب العالمين أرحم الراحمين فارتعد الخليفة وعزل المذكور لوقته"(23)

وقد روي النباهي في تاريخ قضاة الاندلس ما يستفاد منه أن الخليفة نفسه كان يمكن التظلم منه وكان عليه عندئذ أن يخضع كأي فرد من أفراد المجتمع للاجراءات القضائية المقررة مثلما حدث مع الخليفة المنصور العباسي حين وصل الي المدينة حاجا فتظلم منه الحمالون فكتب اليه محمد بن عمران قاضي المدينة وقتئذ رسالة يطلب اليه فيها الحضور مع المتظلمين وفي اليوم المحدد للنظر في القضية ....قضي القاضي لخصوم الخليفة فلم يغضب بل قال للقاضي جزاك الله عن دينك وعن نفسك وعن خليفتك أحسن الجزاء (24)
"ويدخل في اختصاصات محكمة المظالم المسائل المتعلقة بأمن الدولة والأفراد في دائرة القانون والسياسة الشرعية ولقد أصدرت عدة قوانين منها قانون الكسب الحرام من أين لك هذا واصدار قانون لضمان حماية المال العام وصيانته "(25)
"وكان يعهد الي كبار القضاة بالنظر في المظالم وهم من ذوي الكفاءة والأهلية لا من ذوي القرابة والمحسوبية والجهالة وكانت له صلاحيات تفوق القضاء العادي وكانت محكمة المظالم واسعة الاختصاص وهي أقرب الي القضاء الاداري "
وكان القضاة الورعون أمثال أبو حنيفة يتورعون عن تولي هذا المنصب اذا عجزوا عن القيام بتلك المسئولية فيروي "أن المنصور استدعي أبا حنيفة وعرض عليه تولية هذا المنصب الخطير فامتنع وأعرض قائلا : ان هذا دعاني للقضاء فأعلمته أن البينة علي من ادعي واليمين علي من أنكر ولكنه لا يصلح للقضاء الا رجل يكون له نفس يحكم عليك وعلي ولدك وقوادك وليست تلك النفس ليانك لتدعوني فما ترجع نفسي حتي أفارقك "(26)
" أستدعى المنصور أبى حنيفه و عرض عليه تولى هذا المنصب الخطير فأمتننع و أعرض قائلاً : أنى لا أصلح و أنى لأعلم أن البينه على المدعى و اليمين على من أنكر و لكنه لا يصلح للقضاء إلا رجل يكون له نفس يحكم بها عليك و على ولدك و قوادك و ليس تلك النفس لى أنك لتدعونى فما ترجع نفسى حتى أفارقك"(27)
و وفي رواية أخري لتلك الحادثة ذكر عن الربيع ابن يونس قوله: رأيت أمير المؤمنين ينازل ابى حنيفه فى أمر القضاء و هو يقول له أتقى الله و لا تدع أمانتك الا من يخاف الله و الله ما أنا بمأمون الرضى فكيف أكون مأمون الغضب؟ و لو أتجه الحكم عليك ثم هددتنى أن تغرقنى فى الفرات او الى الحكم لأخترت أن أغرق لك حاشيه يحتاجون الى من يكرمهم لك فلا أصلح لذلك فقال له المنصور كذبت إنك تصلح فقال: قد حكمت على نفسك كيف يحل لك أن تولى قاضياً على أمانتك كذاباً .(28)
سرعة التقاضي
يقول الامام علي في رسالته للأشتر النخعي ثم أمور لابد لك من مباشرتها : منها اصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك (الاعوان الذين يحبون المماطلة في قضائها : استجلابا للمنفعة أو اظهارا للجبروت )(29)

وكانت الشرطة تابعة لسلطة القاضي بما يضمن سرعة اعطاء ذوي الحقوق حقوقهم وليس كما وجدنا في الأنظمة الاستبدادية فكم هي الأحكام التي يصدرها القضاة لصالح المظلومين ونراها لاتنفذ لأن القاضي لايملك سلطة تنفيذ الأحكام فهي تابعة للداخلية ويتحكم فيها ويتدخل بابطاله هذا الجهاز ارضاءا أو نفاقا للحاكم
"عن صالح ابن حبير قال: ربما كلمت عمر ابن عبد العزيز فى الشىء فيغضب ....فيقول لى بعد ذلك لا يمنعك يا صالح ما ترى منّا أن تراجعنا فى الأمر إذا رأيت(30)
يقول علي رضي اله عنه :"إنة من أستثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ماهو أملك به مني "

نستنتج أنه لا بد من سلطة مستقلة يخضع أمامها الحاكم لمحاسبته و مسائلته و تكون تلك الجهه قضائيه يتم أنتخابها من الأمة

المراجع :
1- نهج البلاغه ص 542
2- مفهوم الدولة الاسلامية وحي منزل أم ايديولوجيا جامدة : برهان غليون ، محمد سليم العوا
3- نواف القديمي وحوار مع فهمي هويدي حول موضوع المشاركة السياسية وقبول تداول السلطة عند الاسلاميين
4- كنز العمال ج6 / ص 39 رقم 14752 ابن عساكر عن أبي بكر
5- (أخرجه الإمام أحمد في مسند أبي بكر الصديق ج1 / ص 6 و الحاكم في المستدرك ج4/ ص 93
6- (كتاب الإمارة صحيح مسلم باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها- الجامع الصغير: ج 1/ ص 454
7- " صحيح مسلم باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها 13/1652
8- صحيح مسلم باب الاستخلاف وتركه 11/1823
9- رواه الحاكمفتح الباري، جـ/ 13 كتاب الأحكام ومسلم جـ/ 12 كتاب الإمارةوروى بعضهم أنه من قول عمر لابن عمر وروى ذلك عنه
10- دراسات تربوية في الأحاديث النبوية : محمد لقمان صـ316 وما بعدها
11- عليكم بفقه التثبيت وفقه الدعوة : صلاح الدين النكدلي
12- )فتح الباري، جـ/ 13 كتاب الأحكام ومسلم جـ/ 12 كتاب الإمارة
13-دراسات تربوية في الأحاديث النبوية : محمد لقمان صـ316 وما بعدها ، علم النفس في التراث الإسلامي، ج1 / ص 14- نقلاً عن التاج في أخلاق الملوك للجاحظ
15-- حسام عبدالغفار: الربيع العربي والأحكام الشرعية؟
16- الغزالي : أيها الولد
17- مصير الثورات وخيرات الاسلاميين : سهيل الغنوش
18- ( الإسلاميون والديمقراطية : عبدالفتاح ماضي – أكاديمي مستق أخبار الحياة، 13 ديسمبر 2011)
19- في الفقه السياسي الإسلامي: فريد عبد الخالق
20- (في الفقه السياسي الإسلامي: فريد عبد الخالق ص110 نقلا عن الخلافة للشيخ محمد رشيد رضا ص66 ) ، (الفقه الإسلامي في طريق التجديد: محمد سليم العوا ص67، 68 )
21- نهج البلاغة ص 634
22- (حقوق الانسان في الاسلام)
23- قلائد الجواهر ص8 ،نقلا عن الاسلام بين العلماء والحكام
24- (تارخ قضاة الاندلس :النباهي نقلا عن : النظم القضائية والادارية في الاسلام )
25- (المرجع السابق)
26- (المناقب للمكي ، ج1ص215 )
27- المناقب للمكى ص 215
28- (تاريخ بغداد ص 328)
29- (نهج البلاغة : ص640 )
30- المرجع السابق ص 176
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 08-07-2019, 07:00 PM
abeer yaseen abeer yaseen متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2018
المشاركات: 48
افتراضي التصور السياسي للدولة في الاسلام (1)

سنبتدأ بالاسئلة التي طرحت علي التيار الاسلامي في هذا الصدد ثم نعرج الي التصور الذي نحلم به لصورة الدولة فيما بعد عصور الاستبداد الطويلة التي تركت اثارها المدمرة علي مناحي الحياة المختلفة وضاعت فيها حرية وكرامة الانسان
فمن تلك الأسئلة القول بأنه " على كافة الإسلاميين التفكير جليا في أمور ثلاثة:

- دور الإسلاميين في الحياة السياسية، والمخاوف التي يبديها الكثير من القوى السياسية من الإسلاميين، وموقف الإسلاميين من الديمقراطية كنظام سياسي.
يقول علي شريعتي في كتابه مسئولية المثقف :" اننا لانريد ان نصنع أوربا ولا امريكا نحن نريد ان نصنع مجتمعا انسانيا عجزت عنه أوربا وأمريكا اللتين طالما تحدثتا عنه وتبجحتا به الا أنهما عملتا ضده دائما"
هناك ضرورة ملحة لوضع تصورات مقبولة اجتماعياً"
وسياسياً سواء على المستوى الداخليأو المستوى الخارجيللعديد من القضايا الشائكة بالنسبة لأصحاب هذا التيار منها؛ الاتفاقات الدولية. خاصة اتفاقات كامب ديفيد،والسياحة،وهموم الأقباط وهواجسهم،وقلق العلمانيين وتخوفهم وغير ذلك،كل ذلك مع التأكيد على حقيقة لايمكن إغفالها،وهيأنه لايمكن التعامل مع كل ما سبق وغيره بخطاب العموميات،أو بالإحالة إلى شعار الإسلام هو الحل أوغيره من الشعارات."(1)
-كيف ستكون العلاقة المستقبلية بين حزبكم السياسي وجماعتكم الدعوية ، ومتى ستقننون وضع الأخيرة
-الديمقراطية نظام لإدارة الشأن السياسي ومنهج لاختيار الحكام ومحاسبتهم وآلية لصنع القرار.
كيف ستضمنون بانه لن يتم اتخاذ الديمقراطية مطية للوصول إلى قمة السلطة وأنهم لن ينقلبوا عليها بعد ذلك.
وظيفة الدولة
تحقيق التنمية والتقدم في كل المجالات
فالدولة في الاسلام مهمتها تحقيق التنمية والرفاه الاجتماعي والدفاع عن حدود الدولة والبعد الرقابي تلك أسس نستخلصهامن النماذج العملية لدول الاسلام في عصوره الحضارية (2)
قال ابن حزم : " يأخذ السلطان الناس بالعمارة وكثرة الغراس ويقطعهم الاقطاعات في الارض الموات ويجعل لكل احد ملك ماعمره ويعينه علي ذلك فيه لترخص الاسعار ويعيش الناس والحيوان ويعظم الاجر ويكثر الاغنياء وماتجب فيه الزكاة "(3)
ومما ذكره ابن الأثير في ذلك ناصحًا الملك "........فاستعمل عليهم ذا الرأي و التدبير والتجربة و الخبرة بالعمل و العلم و بالسياسة و العفاف ووسع عليهم في الرزق فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت و أُسند إليك ولا يشغلك عنه شاغل ولا يصرفك عنه صارف فإنك متى آثرته وقمت فيه بالواجب استدعيت به زيادة النعمة من ربك وحسن الأحدوثة في عملك وأحرزت به المحبة من رعيتك وأعنت على الصلاح وفشت العمارة بناحيتك وظهر الخصب في كورك وكثر خراجك وتوفرت أموالك وقويت بذلك على ارتباط جندك وإرضاء العامة بإفاضة العطاء فيهم من نفسك وكنت محمود السياسة مرضي العدل في ذلك عند عدوك وكنت في أمورك كلها ذا عدل وآلة وقوة وعدة فنافس في ذلك ولا تقدم عليه شيئًا تحمد فيه مغبة أمرك"
وكانت دولة الراشدين سخية بمالها علي مواطنيها فما ان تجمع الزكاة حتي توزع علي الفئات الضعيفة في المجتمع بسرعة وكرامة ودون تلكأ " فكان الامام علي يقول للولاة أنهم ملزمون بأن يعيشوا عيشة جمهور الناس جاعلا من نفسه أول من يلزمها القيام بذلك فيقول " أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في خشونة العيش "
ولهذا كان الناس يثقون بالدولة ويؤدون الزكاة برضي لأنهم يعلمون أنها ستذهب سريعا الي مستحقيها حيث كانت المساواة في الأعطيات بين الناس دون تفرقة عنصرية أو دينية ...الخ من تلك التي يفترق فيها الناس الموجودون علي وطن واحد
وكان الخلفاء الراشدين بعيدين عن أخذ الضرائب من الرعية لأنهم رأوا أنه باقامة العدل ومحاربة الظلم والفساد سيكون اعمار المدن دون حاجة لارهاق الناس بالضرائب التي وجدناها فيما بعد تمارس بصورة بشعة وتفنن في جمعها وضاعت كرامة الناس وغابت الانسانية وعم الفقر والخراب

فكان العمران واستصلاح الأراضي أساس الحكم ولذلك مانتشر الاسلام في أرض الا وعم الاصلاح والحضارة فيها ولهذا سموا فاتحين ودخل الناس في دين الله أفواجا مقارنة بما فعله الاستعمار الغربي من خراب واستعباد للناس في أي أرض وطئها وفي الاسلام لاسيما عصر الحضارة الاسلامية وجدنا الاهتمام بالفلاحين وباصلاح المياه ومايعن بها وكف الأذي عنهم وحل مشاكلهم وتقدير مايؤخذ منهم بحكم الشرع والعدل
وكان هناك مبدأ أن الأرض لمن استصلحها فاذا كان هناك أرض موات واستطاع أحد اصلاحها بزراعتها فهي له وليس للدولة أن تتعرض له

المراجع :
1- د . خالد كاظم أبو دوح : علاقة الاسلاميين بالديمقراطية
2- النظام السياسي الاسلامي في التصور القراني : عبد الغني عباس
3- بدائع السلك في طبائع الملك : لابن الأزرق
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
العلاقات الإنسانية في العمل الإشرافي التربوي «مدير المدرسة ـ المشرف التربوي» . قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 1 31-10-2013 01:19 PM
العلاقات الإنسانية في الإدارات والمؤسسات التربوية قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 10-10-2012 11:14 PM
المنظمات الدولية khaldoon_ps سياسة وأحداث 28 02-03-2010 04:01 PM
الوعي السياسي بين التفكير والتحليل والعمل نسيم الاقصى منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 10-11-2009 01:11 AM
النظام السياسي والسياسة العامة مراقب سياسي4 منتدى العلوم والتكنولوجيا 5 23-07-2009 02:46 PM


الساعة الآن 02:52 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com