عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات الشـــرعيـــة > منتدى الشريعة والحياة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 12-02-2018, 08:41 PM
الشيخ سيد مبارك الشيخ سيد مبارك غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2017
المشاركات: 15
افتراضي الحلقة الرابعة الغلو والانحراف الفكري المادي المعاصر الأسباب والعلاج(1) سيد مبارك




الحلقة الرابعة الغلو والانحراف الفكري المادي المعاصر
الأسباب والعلاج(1)
إنَّ الحمد لله نحمده، ونَسْتعينه ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شُرور أنفُسِنا، وسيِّئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أمَّا بعد: هذه هي الحلقة الرابعة وموضوعها خطير وهو الوجه الثاني للعملة فكما كتبنا عن الغلو و الانحراف الفكري الديني ووضحنا أسبابه وطرق علاجه نبين هنا الغلو والانحراف الفكري المادي المعاصر وأسبابه وعلاجه ولعدم التطويل نجعلها مقسمة علي أربعة أجزاء –وهذا هو الجزء الأول منها-وننشر بقيتها متتابعة ومسلسلة اليوم ، وينبغي أن نوضح أمر مهم في هذا البحث وهو أن هذه الحلول دواء مر لا مفر منه لأهل الحل والعقد ولمن يهمه الأمر وأن صدقت النيات في علاج التطرف والغلو ليستقيم حال البلاد والعباد ولا ينبغي تجاهل الانحراف الفكري المادي ومحاربته جنبناً إلي جنب مع الانحراف الفكري الديني الذي تركز عليه وسائل الإعلام الخبيثة وخطباء الفتنة وأصحاب الاجندات الخاصة ، ونقولها بكل صراحة من يريد للمسألة أن تظل عالقة ويكتفي باتهام الدين وتعاليم الشرع من نصوص الوحيين أو كتب التراث للعلماء المسلمين سلفاً وخلفاً من أهل العلم الربانيين والقول أنهم السبب في التطرف والغلو ثم هم يفتحون الباب لتطرف اكثر خطرًا وفتكاً علي الهوية من التطرف الديني وهو التطرف الفكري المادي فأقولها بكل شفافية ككاتب وداعية لا أملك غير قلمي وأحب هذا البلد بكل ذرة من قلبي وأخاف عليه "أن من يشجع هذا الفكر منافقاً وعديم الشرف والانتماء ولا يهمه ألبته استقرار البلاد والعباد ولا علاج امراضها "وحديث هؤلاء عن العلاج كلمة حق يراد بها باطل والحق أحق أن يتبع ونحن لا نكتب للترف الفكري بل لوضع أهل الحل والعقد أمام مسئولياتهم التاريخية وليشهد الله أننا قد بلغناهم و نبتغي الحق ولا ننحاز لفكر أو جماعة معينة بل الحق الصراح الذي يبينه بجلاء كتاب الله وسنة رسوله –صلي الله عليه وسلم-وبيان أن ديننا فيه الحل وأن تهاون بعض أهل العلم ممن يتولى مسئولية البيان في هذا البلد وغيرهم في بلاد الإسلام فأن الله غالب علي أمره ولكن اكثر الناس لا يعلمون .
ولا يخفي علي اللبيب أن الانحراف المادي لا يعترف بالشريعة ويري الدين مجرد طقوس لا دخل له في دنيا الناس وتجد أنصار هذا الفكر يشككون في الشريعة كميراث الرجل وحجاب المرأة وسفرها دون محرم وغير ذلك كثير.
وأصحاب هذا الانحراف لا يؤمنون بالله بل ويحاربون المؤمنون به ،فالمادية لا علاقة لها بجمع المال أو بالإقبال على الدنيا كما قد يتوهم البعض بل الفلسفة المادية تقوم أساساً علي نظرية أن المادة هي سبب الحياة الطبيعية والبشرية، ومن ثم فهي ترفض الإله بوصفه شرطاً من شروط الحياة، كما أنها ترفض الإنسان المؤمن به-عز وجل- كخالق باري ولذا فالفلسفة المادية ترد كل شيء في العالم إلي الإنسان والطبيعة.
ولقد صنعوا لأنفسهم آلهة أخري مثل عبادة المال وطغيان العلم وما أشبه لشعورهم بالضعف والنقص ولكن مهما ظهر من كيدهم وغرورهم فلن يغنيهم عن الله شيئاً كما قال تعالي:{ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ *أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ }- الطور 42:43
يقول السعدي في تفسيرها ما نصه: { فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ } أي: كيدهم في نحورهم، ومضرته عائدة إليهم، وقد فعل الله ذلك -ولله الحمد- فلم يبق الكفار من مقدورهم من المكر شيئا إلا فعلوه، فنصر الله نبيه ودينه عليهم وخذلهم وانتصر منهم.
أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ } أي: ألهم إله يدعى ويرجى نفعه، ويخاف من ضره، غير الله تعالى؟ { سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} فليس له شريك في الملك، ولا شريك في الوحدانية والعبادة، وهذا هو المقصود من الكلام الذي سيق لأجله، وهو بطلان عبادة ما سوى الله وبيان فسادها بتلك الأدلة القاطعة، وأن ما عليه المشركون هو الباطل، وأن الذي ينبغي أن يعبد ويصلى له ويسجد ويخلص له دعاء العبادة ودعاء المسألة، هو الله المألوه المعبود، كامل الأسماء والصفات، كثير النعوت الحسنة، والأفعال الجميلة، ذو الجلال والإكرام، والعز الذي لا يرام، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الكبير الحميد المجيد.اهـ -انظر " تفسير السعدي (ص(( 42)-
قلت: وفي عالمنا المعاصر الكثير من الفلسفات والأفكار الإلحادية المادية كالشيوعية التي لا تؤمن بوجود خالق وهذا انحراف عن الدين لأن هناك فئة من المسلمين في عالمنا المعاصر تؤمن بها وتدافع عنها، وهم منا ويتكلمون بألسنتنا لا يجدون حرجا ولا غضاضا في أن يكون الواحد منهم مسلما ماركسياً-نسبة لكارل هنريك ماركس مؤسس الشيوعية الحديثة، والرجل الأول فيها فالعالم يعرفه بأنه أبو الشيوعية، وأنها إليه تنسب وهناك شخصيات مهمة وذات أثر في نشأة الشيوعية والتمكين لها وأشهرها لينين، وتروتسكي، وستالين.
ولا ريب في انحراف هؤلاء الناس الذين يريدون أن يجمعوا بين الإسلام والشيوعية لأنه ببساطة لا يجتمع البتة ولا يستقيم أبداً اجتماع الكفر بالله والإيمان به كما لا يستقيم اجتماع النار بالماء فكلاهما متناقض مع الآخر كماً وكيفاً.
والحاصل أن الفلسفة المادية تُشكِّل البِنْيةَ الفكرية والنموذج المعرفي الكامن للعديد من الفلسفات الحديثة، كالماركسية والبرجماتية والداروينية والوجودية وغير ذلك، والعجيب أن هذه الفلسفة الإلحادية قد ارتبطت في عقول الكثيرين بالعقلانية والتقدُّم والتسامح... إلخ
وهذا ضلال فكري وانحراف عن الشرع وها هي بعضاً من أسبابه ومظاهره بإيجاز شديد وعلي سبيل المثال مع بيان علاجها بتحكيم الشريعة الربانية بالشرح والبيان لحاجة الأمة إلي ذلك لوضع اطروحات وآليات التصدي لها والله المستعان.
أسباب ومظاهر الغلو والانحراف المادي:
من هذه الأسباب التي نلمسها عن قرب ونري خطورتها علي المدي الطويل علي شبابنا أن لم نبادر بعلاجها بلا تسويف نصراً للدين وردعاً للمنحرفين ما يلي بإيجاز شديد:
1-ضعف الدولة في محاربة الإلحاد خوفا من الضغوط الخارجية والداخلية من النخبة تحت شماعة حرية الاعتقاد والتعبير الذي لا يحدها حد.
2-علمنة الدولة وسيطرة النخبة العلمانية علي مفاصلها.
3- ضياع عقيدة الولاء والبراء من القلوب.
4-تكريم أصحاب الانحراف ورموزهم الفكرية كمثقفين وادباء ليقتدي الشباب بهم.
5-محاربة العلماء الثقات في دعوتهم وكشفهم لفساد أفكار النخبة المثقفة بحجة التطرف والتخلف وافساد الشباب عن وسطية الإسلام وسماحته.
6-محاربة الملتزمين ووضع العراقيل لهم والسخرية من مظهرهم كالجلباب والحجاب واللحية والنقاب لتنفير الناس من طريقهم.
7-كثرة الدارسين في الخارج وعودتهم الي الوطن بأفكار وتقاليد لا تناسب ديننا ولا مجتمعاتنا الشرقية ومحاولتهم لغربلة اخلاقنا بحجة التطور والتقدم.
8-الفساد في الوسط الإعلامي وتأثيره علي القرارات المصيرية للأمة.
9-ضعف الوازع الديني والردع التربوي منذ الصغر.
10-فساد المنظومة التعليمية ومناهجها التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
وما ذكرناه هنا من أسباب ومظاهر وغيرها مما لم نذكره معلومة للقاصي والداني ويهمنا بيان علاج هذه الأسباب وغيرها ووضع آليات التنفيذ لمن بيده الحل والعقد لردع واقتلاع جذور هذا الخطر الإلحادي المادي الذي أفسد شبابنا ومازال وانحرفوا عن طريق الرشاد لطريق مظلم باهت لا نهاية له وسيتخبط في جوانبه كالمخمور بسكرات الهوى وفقه الضلالة إن لم نأخذ بيده ونضيء له شمعة يبصر بها نور الهدي وطريق الحق المبين.
ونطرح هنا العلاج والدواء الشرعي لمسألة الغلو والتطرف الفكري المادي وها هي بعض اطروحتنا لعلاج هذا المرض الخبيث مع الشرح والبيان المستفيض ليمت من مات عن بينة ويحيا من حي عن بينة ونبدأ ونقول بحول الله وقوته من طرق علاج الغلو والانحراف المادي بتحكيم الشريعة ما يلي:
1-من العلاج زيادة الحس الديني وحب الوطن والفخر بالانتماء إليه لدي أهله من المسلمين بكل وسيلة سواء دعوية أو إعلامية أو غير ذلك.
ونقصد بالحس الديني وحب الوطن المسؤولية العامة التي يقوم بها كل واحد منا تجاه بلده ومجتمعه، ويدل علي هذه المسؤولية قول النبي-صلي الله عليه وسلم--صلي الله عليه وسلم-"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل راع في بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ( 1)
فالمسلم السوي يدرك أن حبه لوطنه وأهله ينطلق من هذه المسئولية ومدي تحمله للأمانة علي المستوي الفردي والجماعي و لا يخفي أن هذه المسئولية لا تنحصر في شخص بعينه بل الجميع مسؤول وكلما أدرك الفرد في كل موقع من مواقع الحياة في وطنه أهمية الانتماء قام بواجباته ومسئولياته علي أكمل وجه يحثه في ذلك شريعة الله تعالي السمحة التي توجهه لحب الوطن والدفاع عنه فكما يستفيد هو ومن يهتم بأمرهم بمجهود ومسؤوليات غيره الذين اثبتوا حسهم الديني وانتمائهم وحبهم لوطنهم عليه هو أيضاً أن يحسن أداء رسالته ومسئولياته علي اكمل وجه وأثبات انتمائه كي يستحق حقوقه هو الآخر ويعينه علي ذلك أن حب الوطن غريزة متأصلة في النفوس السوية ولله الحمد والمنة..
ولهذا فالحديث عن الانتماء للوطن وعدم الطعن فيه يرتبط قطعا بفهم الفرد لمسئولياته وأثبات ذلك في كل موقع يتولى فيه المسئولية والوعي بهذه المعادلة البسيطة والتوجيه النبوي الشريف يكون الطعن في الوطن والتخلي عن المسئوليات أو التقصير فيها دليل علي غياب الوعي والفهم والادراك بهذه المعادلة وسوف يكون الفرد عالة علي مجتمعة وأهله لغياب الوعي الوطني عنده والذي يرتقي به في علاقته بالوطن من جهة وبدينه وطاعة رسوله-صلي الله عليه وسلم-وطاعته من طاعة الله تعالي من جهة أخري.
والنبي-صلي الله عليه وسلم- عندما هاجر إلي المدينة، تاركًا مكة مكرهًا بسبب قومه،، وبينما هو على مشارف مكة وقف يخاطب مكة وهو يقول "ما أطيبك من بلد، وما أحبك إليَّ، ولولا أن قومك أخرجوني منك، ما سكنت غيرك" (2 )
وهذا دليل من السنة علي حب الوطن وقطعا حب الدين مقدم علي حب الوطن كما لا يخفي ولكن لا يعني هذا الطعن فيه وكراهيته فلم يفعل النبي-صلي الله عليه وسلم- ذلك وهو الأسوة الحسنة لنا كما قال تعالي:{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا }(3 )
ونحن كأمة نعاني من ضعف الكثير منا في حسهم الديني وانتمائهم للوطن بل تجد البعض يطعن فيه إلا من رحم ربي وأذكر هنا أصناف من هؤلاء المتمردين في دنيا الناس علي سبيل المثال:
أ-منهم خطباء الفتنة الذين يحرضون العامة لتفتيت وحدة المجتمع:
تحريض خطباء الفتنة ومن يطلق عليهم النخبة في أي مجتمع إسلامي من المثقفين والفنانين والسياسيين والعلمانيين والإلحاديين وأصحاب الاجندات الخاصة وهم في كل عصر ومصر وهم فئة من شرار الخلق تهوي الوقيعة لضرب وحدة الأمة بإلهاب مشاعر الناس بالنـزعات الفكرية والمذهبية والخلافات السياسية والتشكيك في الثوابت الدينية وما اشبه هذا وتفرق ولا تجمع وتخرب ولا تبني، وهم من حذرنا منهم النبي-صلي الله عليه وسلم –كما في حديث حذيفة بن اليمان- رضي الله عنه-" قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -يكون دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قلت يا رسول الله صفهم لنا قال هم قوم من جلدتنا يتكلمون بألسنتنا قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك قال فالزم جماعة المسلمين وإمامهم فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت كذلك" (4 )
-يقول سعيد بن ناصر الغامدي في كتابه الرائع" الانحراف العقدي في أداب الحداثة" ما مختصره وبتصرف: فالإضلال والإفساد غايتهم ومسلكهم ومنهجهم مستخدمين في ذلك وسائل الشهوات والشبهات، ومع ذلك يزعمون ويدعون أنهم يريدون الإصلاح والنهضة والتقدم {وَإذا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا في الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ }(5 )..ثم أضاف- رحمه الله-:
أن الخبرة الإسلامية في مواجهة أرباب التضليل والإفساد خبرة طويلة مريرة، بيد أن اشدها مرارة و واقساها وطأة هي ما تمر به الامة في هذه الأزمنة، أثر ما يسمى ب ( الصدمة الحضارية ) التي انتجت اجيالا من أبناء المسلمين، انسلخت من دينها وقيمها، وراحت تلث خلف سراب المذاهب المادية، والعقائد الجاهلية المعاصرة، وأصحابها يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون، ويغرونهم، ويمكنون لهم – بحكم غلبتهم ونفوذهم – في شتى الميادين. اهـ (6 )
قلت: وهؤلاء الخارجين عن المنهج القويم الحاقدون علي الوطن والمحاربين لله ورسوله-صلي الله عليه وسلم- الذين يشيعون في الأرض فسادا بكثرة الاختلافات والجدال الممقوت وجمع الأنصار ممن انخدعوا بقولهم وقد يؤدي ذلك لسفك الدماء من أجل انتصار زائف بوحي من الشيطان الرجيم ليهلك الحرث والنسل فيختلط الغث بالسمين ويتخبط الجميع بلا عقل ولا حكمة وهذا التشدد والعنف والخروج عن الوسطية والاعتدال آخره خسران وضلال وخذلان وكفر والعياذ بالله تعالي كما قال تعالي:{ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا }( 7)
ب-ومنهم بعض وسائل الأعلام الفاسدة التي تنفيذ أيديولوجيات أصحابها:
من اخطر ما يشيع الفتن ويساهم في ضعف الانتماء في أي مجتمع من المجتمعات المسلمة وسائل الإعلام المحسوبة عليه ذات الاتجاهات المنحرفة سواء المسموعة أو المرئية أو المكتوبة التي تكبر المسائل والمشاكل وكأنما الوطن علي شفا الهاوية من القائمين عليها بلا حسيب ولا رقيب من دين أو قانون بحجة حرية الإعلام وحرية الفكر وتستضيف أصحاب الشطحات واهل الهوي من خطباء الفتنة الذي سبق ذكرهم أنفاً حتي لو كانت المادة الإعلامية تخالف جوهر عقيدة التوحيد وتضربها في الصميم، وكان من الواجب لأثبات انتماء أفرادها والتي تنبع من مسئوليهم الدينية والاجتماعية أن يبثوا الأمل ويدعوا للأفضل للناس وما يجمعهم ويربطهم بوطنهم ويصحح لهم دينهم ويصلح لهم دنياهم ويعيدهم للصواب والحق وليس ما ينفرهم منه ويبعدهم عنه فيهلكوا انفسهم بالمحرمات والكبائر ويصبح الكثير في غربة –إلا من رحم ربي-وهم علي أرضهم وبين أهاليهم وعشيرتهم فيكونوا كما قال النبي-صلي الله عليه وسلم- "بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء"( 8).
-يقول الشاطبي في شرح الحديث في إشارة لمعني الغربة في عصر البعثة وهي لا تختلف كثيرا كما لا يخفي عن الغربة التي يعيشها بعض أهل الغلو والإلحاد من المسلمين في القرن الواحد والعشرين فقال ما مختصره: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الله تعالى على حين فترة من الرسل، وفي جاهلية جهلاء، لا تعرف من الحق رسما، ولا تقيم به في مقاطع الحقوق حكما، بل كانت تنتحل ما وجدت عليه آباءها، وما استحسنه أسلافها، من الآراء المنحرفة، والنحل المخترعة، والمذاهب المبتدعة.
فحين قام فيهم صلى الله عليه وسلم بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فسرعان ما عارضوا معروفه بالنكر، وغيروا في وجه صوابه بالإفك، ونسبوا إليه إذ خالفهم في الشرعة ونابذهم في النحلة كل محال، ورموه بأنواع البهتان، فتارة يرمونه بالكذب وهو الصادق المصدوق، الذي لم يجربوا عليه قط خبرا بخلاف مخبره، وآونة يتهمونه بالسحر وفي علمهم أنه لم يكن من أهله ولا ممن يدعيه، وكرة يقولون: إنه مجنون مع تحققهم بكمال عقله وبراءته من مس الشيطان وخبله.اهـ ( 9)
ج-ومنهم الذين يقدمون المصلحة الشخصية علي المصلحة العامة للأمة:
وهذا من ضعف الانتماء للوطن فلا يفكر المسلم ولا يجهد نفسه إلا ليقضي مصلحته وأن كانت تتعارض مع مصلحة الجماعة ومثال علي ذلك كمن يبيح لنفسه بيع الخمور التي لا تحرمها القوانين الوضعية المستوردة ولا تجرم التعامل بها بل أن عائداتها تدخل في الموازنة العامة للدولة وينسي الجميع بجهل أو بنية وقصد تحذير النبي-صلي الله عليه وسلم- كما في حديث جابر رضي الله عنه قال" إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة والخنـزير والأصنام»، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لا، هو حرام»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه " (10 )
وكفي بقول الله تعالي زجرا عن هذا الانحراف والمنكر البغيض:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }(11 )
وقس على ذلك كل مصلحة فردية تضر جماعة المسلمين ولن تجد إلا التهاون والهروب عند الحديث عن أنكار الذات والنظرة للمصلحة العامة وسبب ذلك كما لا يخفي الافراط في إرضاء النفس والغلو الذي يؤدي بنا إلي الهلكة .
-ومثال آخر فيه انحراف بالفكر عن جوهر الدين وتقديم المصلحة الشخصية علي مصلحة الأمة وهو الهروب من التجنيد واعرف شخصيا شباباً أصابوا انفسهم بعاهة مستديمة في أيديهم وأصابعهم وخصوصاً اليد اليمني للهروب من التجنيد الإجباري بالعجز عن استعمال السلاح فقد صار التجنيد مكروها رغم الثواب العظيم في المرابطة في الثغور وحراسة الحدود وهذه مشكلة قومية فينبغي لأولياء الأمور حل أسباب تجنب الشباب للتجنيد ومعالجتها دون تراخي أو تسويف لتحبيبهم وتأهيلهم لها نفسياً ودينياً.
وفي المرابطة أحاديث كثيرة في فضلها أذكر منها:
-عن سهل رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال" رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها " (12)
-وعن سلمان رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال" رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان " ( 13(
والأحاديث في ذلك كثيرة والهروب من التجنيد في الجيش الوطني الإسلامي هروب من المسؤولية وجبن لا يليق بالمسلم وانحراف عن الدين ومعصية للرسول-صلي الله عليه وسلم- والحاصل أن الهروب من التجنيد كما هو مشاهد من المصائب الكبرى في مجتمعاتنا الإسلامية نراها رؤية عين ونعيشها بحلوها ومرها بسبب ضعف الانتماء للوطن والبعد عن الدين والجهل بالشريعة والغلو فيها والانحراف عنها نسأل الله العفو والعافية.
ونكتفي في هذا الجزء من الحلقة الرابعة بما ذكرنا ولنا جزء ثاني من الحلقة الرابعة أن شاء الله والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي النبي الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين

--------------------------
(1 ) –أخرجه البخاري (برقم/893)- باب الجمعة في القرى والمدن
( 2) - انظر صحيح الجامع برقم/ 5536 - 1769- لمحمد ناصر الدين الالباني- نشر المكتب الإسلامي-دمشق- الطبعة الثالثة سنة1408ه-1988م
( 3) - الأحزاب:21
( 4) - أخرجه البخاري (برقم/ 7084)-ب باب: كيف الأمر إذا لم تكن جماعة
(5 ) -البقرة :12،11
(6 ) - الانحراف العقدي في آدب الحداثة وفكره (1/ ص2 )-د.سعيد بن ناصر الغامدي-طبع دار الأندلس للنشر والتوزيع-جدة-الطبعة الاولي سنة :1424هـ-2003م
(7 ) - الكهف الآيات من 103-106
(8 ) - والمقصود بالغربة ما ثبت عنه-صلي الله عليه وسلم والحديث أخرجه مسلم -(برقم/145)- باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا، وأنه يأرز بين المسجدين
(9 ) - انظر كتاب" الاعتصام" للشاطبي(1/23)- تحقيق: سليم بن عيد الهلالي-نشر دار ابن عفان، السعودية -الطبعة: الأولى، 1412هـ - 1992م
(10 ) - أخرجه البخاري في الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه " (برقم/ 2236)- باب بيع الميتة والأصنام -تحقيق/ محمد زهير بن ناصر الناصر-نشر دار طوق النجاة /بيروت-لبنان-الطبعة: الأولى، 1422هـ( )
(11 )-المائدة:90
( 12) - أخرجه البخاري (برقم/ 2892)- باب فضل رباط يوم في سبيل الله
( 13) -أخرجه مسلم (برقم/ 1913)- باب فضل الرباط في سبيل الله عز وجل
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الحل الإسلامي لمحاربة التطرف والغلو- تابع الحلقة الثالثة الغلو والانحراف الفكري الدين الشيخ سيد مبارك منتدى الشريعة والحياة 0 10-02-2018 08:13 PM
الحل الإسلامي لمحاربة التطرف والغلو- الحلقة (3)-الجزء الأولسيد مبارك الشيخ سيد مبارك منتدى الشريعة والحياة 0 09-02-2018 10:22 AM
حقيقة الغلو وانحرافات الفكر المادي المعاصر(2) سيد مبارك الشيخ سيد مبارك منتدى الشريعة والحياة 0 07-02-2018 09:04 PM
موسوعة الإمام ابن تيمية ( بي دي اف ) - أكثر من (200) كتاب مصور إسلام إبراهيم منتدى الشريعة والحياة 2 01-11-2017 07:36 PM
ثورات في توقيت خاطئ مراد خديمو منتدى العلوم والتكنولوجيا 7 14-07-2011 01:48 PM


الساعة الآن 02:52 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com