عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 13-07-2014, 01:58 AM
قطر الندي وردة قطر الندي وردة غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 19,267
Smile الذات بين النفي والتأكيد








الذات بين النفي والتأكيد

حين وصل الشاعر الإنجليزي أوسكار وايلد إلى أمريكا سأله الصحفيون: هل تريد أن تعلن شيئًا؟ قال: لاشيء... سوى عبقريتي!
قد يرى البعض في ذلك نوعًا من الغرور وقد يراه البعض ثقة، وقد يراه آخرون نرجسية شعراء..! وكل يخضع تفسيره لمدى إيمانه بقضية الذات..!
وليس للذات معنيان مختلف عليهما، فالمقصود بها ذات الإنسان ونفسه، التي ربما كان صراعه معها أقوى الصراعات، وانسجامه معها هو أعظم الانتصارات.\
في ثقافتنا العربية الحالية هناك نفي غريب للذات، لا يمكن تأويله أو تفسيره بشيء إلا ببضعة مفاهيم مغلوطة تسربت في العقل الجمعي واستوطنت عقلنا الواعي واللاواعي على حد سواء.
تتضمن هذه المفاهيم أن المرء يجب أن ينكر ذاته ويقلل من شأن نفسه أمام الآخرين وأمام نفسه.
ويتضمن مفهوم نفي الذات أيضًا، الإعلان دومًا وبصوت عال عن عيوب هذه الذات وفضحها أمام الآخرين.
وفي المقابل أصبح رد فعلنا الطبيعي على كلمات الإطراء والثناء، هو الارتباك والحرج، ثم النفي، بل والسعي إلى تأكيد عكس ما يقوله القائل في محاولة فجة وقليلة التهذيب – لاواعية – لوصم من يمدحنا بالكذب أو لمبالغة أو عدم الفهم، أو عدم معرفة الحقيقة: حقيقتنا!
وكأننا بهذا الفضح وهذا التقليل من قدرنا أمام الآخرين، نستجدي تعاطفهم، أو محبتهم ونتقرب إليهم بذبح معانينا الجميلة أمام أعينهم..وقص رؤوسها بأيدينا خوفًا من أن يذبحوها هم بمقصلتهم.! لنطبق المثل القائل: بيدي لا بيد عمرو..!
ومن مظاهر نفي الذات أيضًا تلك مفهوم التضحية العرجاء، التي تعززها القصص القديمة، التي تقدم الآخرين على الذات في كل شيء، وكلما كانت التضحيات أكبر ارتفع وزن الإنسان في سلم القيم والمبادئ الاجتماعية، حتى لم يعد للبعض وجود في حيز ذواتهم، بل تلاشوا وفنوا في الآخر أو الآخرين، سواء كانوا أقرباء أم بعيدين.
ولاشك أننا نلاحظ أن طريقة تعاملنا مع ذواتنا هي نفسها طريقة تعاملنا مع أطفالنا...! فأطفالنا هم مرآة ذواتنا..وعليهم نسقط كل إحباطاتنا وإخفاقاتنا ونظرتنا المتدنية لذواتنا..
لقد جعلنا من الذات عدوًا يجب أن نقمعها ولا نترك لها الفرصة لتتنفس الحرية والكبرياء والتقدير والاستحقاق..! حتى تآكل وتلاشى مفهوم الذات لدى معظمنا.

الاعتراف بالذات نظرة تاريخية
كان الإنسان العربي قديمًا أكثر تعبيرًا عن نفسه وأكثر تصالحًا مع ذاته، ويظهر ذلك جليًا في كل الشعر الذي تركه لنا، خاصة في العصور التي كان فيها الشعر يعبر عن الفطرة بلا تصنع أو تأنق.
وقد يؤسفني أن أقول إن الشاعر في العصر الجاهلي كان أكثر وعيًا بذاته وأكثر إدراكًا لها، من كثيرين يعيشون بيننا الآن ويدعون العلم والثقافة والمعرفة.
ويتضمن ذلك الإدراك عند الشاعر قديمًا، صدق التعبير عن هذه الذات، دون النظر إلى رأي الآخرين أو «القبيلة» في ذك الوقت.
فنجد الشاعر يعبر عن فخره بنفسه بلا مواربة، ويعدد صفاته التي يعرفها جيدًا، ثم هو لا يجد حرجًا في أن يعبر عن حبه وعن حزنه وعن غضبه بشكل جلي، كذلك لا يقلل من قيمة الحكمة التي تنطلق من لسانه وكأنه أشهر حكماء العصر يطرح فيها فلسفته بطريقته الشخصية ولا ينسى تجاربه الذاتية.
وقلما تجد قصيدة قديمة لا يوجد فيها ذكر كلمة أنا أو إني بصيغة المفرد، مما يؤشر إلى حضور الذات «ذات الشاعر والإنسان» داخل وجدانه وداخل فكره وداخل كل كلمة ينطقها.
يقول ذو الإصبع العدواني وهو من شعراء العصر الجاهلي:
إني لعمرك ما بابي بذي غـلقٍ
عن الصديق ولا خيري بمنونِ
وما لساني على الأدنى بمنطلقٍ
بـــــــالمنكرات وما فتكي بمأمونِ
ويقول عنترة:
لا تسقني ماء الحياة بذلة
بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
أما أبو فراس الحمداني وهو من شعراء العصر العباسي فلم يجد غضاضة أن يقول عن نفسه:
سيذكرني قومي إذا جد جدهم
وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
معللتي بالوصل والموت دونه
إذا بت عطشانًا فلا نزل القطر
وظل الاعتراف بالذات محورا لدى أغلب الشعراء على العصور. حتى وصل إلى المتنبي الذي بلغت الأنا عنده ذروتها، ولاشك أنها سر عظمته.
ولم يكن إيمانه بذاته دافعًا له للمزيد من الإبداع والتميز والتفرد فحسب، بل خوله إلى أن يصبح أعظم شعراء العربية في كافة العصور:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأســـــــــمعت كلماتي من به صمم
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
ويقول :
وإذا أتتك مذمتي من ناقص
فهي الشـــــهادة لــــي بــــــأني كــــامل
إلى آخر تلك الأبيات التي عبر فيها عن إيمانه العميق بذاته المبدعة التي عكست حقيقة لا خيالاً، ولم تكن ادعاء بل واقعًا شهد به النقاد والقراء ومتذوقو الشعر على كافة العصور.
كذلك نلاحظ في أغلب الكتب والمؤلفات العربية القديمة، تجد ديباجة الكتاب وصفًا من المؤلف ومدحًا في كتابه ومؤلفه، وأنه أتى بشيء لم يأت به أحد من قبله، وربما نظم قصيدة هذا العالم أو الكاتب أو المؤلف يمدح فيها عمله ويعدد ميزاته. ولم يكن ذلك الأسلوب مستهجنًا أو مثار نقد، بل أسلوبًا مرعيًا وتقليديًا.
هكذا نرى أن معنى الاعتراف بالذات والاعتداد بها وما يسمى بمهارة توكيد الذات – حاليًا- حاضرة بشكل واضح عند العربي، منذ عصره الأول الجاهلي وحتى عصور متأخرة. وإن ما حدث من انكماش لهذا المعنى في العصر الحديث هو شيء طارئ لم يكن متأصلاً في ثقافته وملامح شخصيته.


أعوذ بالله من أنا!
ولا أعلم زمنًا تاريخيًا لهذا التحول، ولا انطلاق كثير من المفاهيم المغلوطة مثل: الكلمة البائسة «أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا» وكأن الذات شر ينبغي التعوذ منها وخطيئة يجب التبروء منها.
بينما لم يعلمنا القرآن إلا التعوذ من الشيطان ومن الصفات السيئة، وليس من ضمنها «الأنا».
هذه المفاهيم ألصق بعضها بالدين واكتسب قدسية كاذبة، وسرى بين الناس كمسلمات دينية وقضايا إيمانية لا تناقش.
ولكن النبي الأعظم – عليه الصلاة والسلام - يقول عن نفسه: (إنَّ أتقاكم وأعْلمكم بالله أنا). متفق عليه. وقال أيضًا: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) رواه مسلم.
ومن أقوال عمر المشهورة تعبيره عن نفسه بقوله: لست خِبًّا، ولا الخِبُّ يخدعني.
وقد قال يوسف عليه السلام: (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم). ولم ينتقده أحد.
فالاعتراف بالأنا أو المهارة والكفاءة ليست عيبًا أو قدحًا في الشخص، بل على العكس، إن إنكار الذات في هذه المواقف قد يؤدي إلى كارثة. إذ قد يتسلم الأعمال والمهمات من ليسوا أهلها فتكون النتائج وخيمة.
وهذا ما يحدث في أرض الواقع باستمرار، حيث يحجم أصحاب الكفاءات والمهارات – تواضعًا في غير مكانه أو خجلاً - من الاعتراف بمهاراتهم وقدراتهم، وخوفًا من نظرة الآخرين التي قد تصمهم بالغرور. ومن ناحية أخرى أسوأ قد لا يعرفون أصلاً ما هي مواهبهم وقدراتهم في جهل فاضح بالذات، بينما يمتلكون العديد منها.
كل ذلك نتيجة مفاهيم مغلوطة وخاطئة تجاه الذات التي لم نتعلم كيف نحترمها ونثق بها ونعترف بها أمام الآخرين.
إن الناس في هربهم من الغرور تطرفوا في الجهة المقابلة فوقعوا في حفرة تدني تقدير الذات. وفي رأيي أن يصعد أحدهم جبل الغرور خير له من أن يسقط في حفرة تدني مفهوم الذات. فعلى أقل تقدير يعرف الشخص المغرور قدراته ويعمل على إمكاناته - حتى لو لم تكن هذه النظرة حقيقية أو فيها مبالغة - فإنه يعمل وينجز ويسعى لتعزيز قيمة ذاته.
ونتيجة لهذه المشاعر المعززة والمحفزة ، فإنه دومًا يشعر بالرضا ويتجنب الصراع مع ذاته. وكأثر حتمي لكل ذلك فإنه يكتسب محبة الناس وإعجابهم، لأن الناس بطبيعتهم يعجبهم الشخص الواثق من نفسه وحتى المغرور، لأنه يمثل معنى من معاني القوة الشخصية يفتقدها أغلبهم، ولا أعني أنه سيكسب محبة مطلقة، بل لاشك أن هذه الصفة إذا كانت ظاهرة قد تجلب له بعض العداوات.
لكن مقارنة بمتدني تقدير الذات ومن ينفيها دومًا فإنه بالتأكيد لن ينجز شيئًا ذا قيمة، وإن أنجز شيئًا فسينفيه مباشرة، ويعلله بأنه مصادفة أو رمية من غير رام، أو حظ حسن.
ومن ناحية علاقاته، بينت الدراسات الحديثة أنه بمقدار محبة الإنسان لذاته يتلقى المحبة من الآخرين، وأن نظرة الناس إليه ما هي إلا انعكاس لنظرته الحقيقية لنفسه.
هذا ناهيك عن المشاعر السلبية والمحبطة التي تتبع هذه النظرة المتدنية للذات، وما تسببه من تعاسة وكآبة في حياة أي شخص.
هي ليست دعوة للغرور، لكن إن كان لابد من أحدهما فالغرور عواقبه أفضل من نفي الذات.

مهارة توكيد الذات
قد يعتقد البعض أن الثقة بالنفس أو تقدير الذات أو إدراك الذات، هي معان فطرية ومواهب خاصة تولد مع شخص ويحرم منها آخر. لكن الصحيح أنها مهارة يمكن اكتسابها وتعلمها.
وأبناؤنا وبناتنا في المدارس أولى الناس بتعلمها باكرًا، حتى يسيروا في حياتهم بشكل سليم بلا تعثر أو إخفاق أو مشكلات.
وهي أولى مهارات الحياة بالتعلم، بل والأساس الذي تقوم عليه جميع المهارات الأخرى، من إدارة الوقت إلى تحديد الأهداف إلى غيرها من مهارات أساسية وفرعية.
وهي مهارة متاحة للجميع منثورة في الكتب، وفي الدورات التثقيفية والتطويرية وفي عالم الشبكة العنكبية الرحب.
وتدور فكرتها بإيجاز حول تغيير نمط التفكير في النظر إلى النفس، عبر اتباع سلوكات معينة لفظية وعملية.
ومن هذه السلوكات التوقف فورًا عن أي أسلوب يؤدي إلى التقليل من النفس. مثل المقارنة بينها وبين الآخرين، كذلك الامتناع تمامًا عن إطلاق أي كلمات خارجية أو داخلية فيها معان سلبية حول الذات، أو فيها وصف متدن للذات.
وفي المقابل ينبغي البحث عن كل ما يعزز القيمة الذاتية لدى الشخص، بدءًا من الكلمات المحفزة والإيجابية حول الذات خارجيًا وداخليًا. مرورًا بالأفعال التي تزيد من قوة إدراك هذه الذات، مثل حضور الدورات التطويرية، وقراءة الكتب التي ترفع مستوى الوعي وتساعد على اكتشاف القدرات والمواهب.
أيضًا ممارسات الهوايات المحببة، وجعلها جزءًا رئيسيًا في الحياة يرفع من مستوى تقدير الذات.
كذلك اكتشف أن العطاء للآخرين، خاصة المعنوي مثل المشاركة ونقل المعرفة بالتعليم والتدريب أكبر معزز للقيمة الذاتية.
وغيرها كثير من الأساليب السهلة والمتاحة للجميع للوصول إلى مرحلة توكيد الذات.
وقد تختصر كل الطرق السابقة بمصادقة أشخاص إيجابيين منجزين ينمو معهم المرء ذاتيًا، والبعد تمامًا عن أي أشخاص متشائمين أو محبطين تتراجع معهم حياة المرء إلى الوراء.
إن الذات هي الصديق الذي يجب أن نصادقه، وهي الشخص الذي يجب أن نحبه، لنعيش تجربة الحياة بسعادة ورضا وإنجاز، وعندها سنقول بلا خجل ولا مواربة وبصوت عال:
وإني لنجم تهتدي بي صحبتي
إذا حال من دون النجوم سحاب



مجلة المعرفة




م / ن




رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التربية على المواطنة بين الخطاب و الممارسة قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 26-04-2014 10:37 PM
إرشاد الموهوبين والمتفوقين قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 14-04-2014 10:39 PM
المسلمون واقتدائهم باليهود والنصاري (في الانحراف الفكري ) عبير عبد الرحمن يس منتدى العلوم والتكنولوجيا 1 24-02-2014 04:58 AM
إدارة الذات الإسلامية جمانة3 منتدى النقاش الحر والحوار الفكري البنّاء 0 29-09-2012 06:07 PM
تناقضات الذات .. ديم الفرح منتدى العلوم والتكنولوجيا 1 24-08-2011 06:49 PM


الساعة الآن 08:36 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com