عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 05-04-2008, 05:18 PM
محمــد جـاد الزغبي محمــد جـاد الزغبي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 632
افتراضي يوميات فى ضيافة الإمام الشعرواى





يوميات فى ضيافة الإمام الشعرواى

رحم الله إمامنا الجليل محمد متولى الشعراوى ووفقنا إلى أن نكون طلبة علم أمناء له نوصل المقطوع من خواطره وعلمه ..
وفي الأثر أنه ما مات عالم إلا وضاع نصف علمه ولو حرص الناس ..
ومدلول الحكمة لا تقع على العلم الذى تمكن العالم من طرحه بل على العلم الذى ظل بصدر العالم ولم يخرج لوفاته .. فكل عالم حق لا يتوقف عن ارتياد نهر المعارف مهما بلغ من علم فليس فى هذا المجال كفاية أبدا .. وكل معلومة معروفة لعالم تسحب خلفها ألف معلومة مجهولة تحفزه لاكتسابها
وهذا ما تعبر عنه الحكمة الشهيرة " من أدرك أنه علم .. فقد جهل "
وبالتالى فمدلول ضياع نصف علم العالم بوفاته مع حرص الناس ينطبق على المخبوء الذى لم يخرج ..
فنسأل الله تعالى أن نكون من التلامذة المحافظين لنقل تلك العلوم لأبنائنا وأجيال خرجت فى عالم مفتون
وكم أطالع بمزيد من الأسي السيرة الذاتية لإمام مصر الأشهر " الليث بن سعد " الذى وقف الشافعى رضي الله عنهما على قبره وهو يقول
" والله إنك لأفقه من مالك لكن أصحابك ضيعوك "
ويقول السيوطى رضي الله عنه مفسرا هذه المقولة أن أصحاب الليث لم يحسنوا حفظ فقه الإمام فضاع أكثره مع الأسف

وإنا وإن كنا بعصرنا الحديث لا نفتقر إلى الوسيلة التى تحفظ بيسر وسهولة كل كلمة تخرج من فم عالم ..
فإن الكارثة التى نقع فيها هى أن العلم موجود ومتروك فى صحراء الإهمال نهبا لوحوش الطير من أهل التغييب
ولذا فالمهمة الجسيمة التى يجب أن يتحملها كل صاحب قلم أن يلقي الضوء بشكل محبب على علم العلماء فيجذب الناس لتلك الدرر فالماس موجود ولكنه يفتقد إلى طريقة العرض المناسبة بعلبة مخملية لافتة للنظر ليتأمل المتأملون الماسة فى داخلها ..

وأحفظ جميل فكرة الموضوع لشيخى وأستاذى أحمد سعد الدين بارك الله فيه فقد صادفت فى نفسي رغبة لم أعرف كيف أترجمها عملا متواضعا بقدر إمكانياتى واعتزازى بهذا العالم الجليل
وسيكون الموضوع عبارة عن يوميات متسلسلة مع بعض من فكر الإمام الشعراوى وفقهه بعرض أرجو من الله أن يأتى ميسرا بالشكل الذى يمنح الفائدة للقارئ ويجذبه لمطالعة الأصل عند منبعه الأصلي
ولا أنسي أن أسأل الله تعالى أن يرحم شيخنا الجليل ويجزيه عنا خير الجزاء .. وإلى روحه أهدى ذات الأبيات التى كتبتها صباح وفاته عام 1998 م ..

سكن الفؤاد فلم يواصل نبضهُ
مل الحياة وبعد طول صراعِ

هجر البسيطة للرياض مغمغما
تكفي حياة الزيف والأطماعِ

رحل الإمام وكلنا كنا له
أبناء علم نرتوى ونراعى

رحل الإمام فمن يثور لضيمنا
ولمن سنشكو حرقة الأوجاعِ

رحل الإمام فمن سيكشف للورى
سحر الحديث ومنطق الإبداعِ

رحل الإمام فمن سيعلى رايةً
للحق فى زمن الهوى الخداعِ

رحل الإمام فلن نجود بدمعنا
فالدمع أرخص ضائق بوداعِ

لا داع منى أن أقول بأنكم
أهل الفصاحة والنهى .. لا داعى

إنى نويت بأن أعدد فضلكم
والفضل جاوز منطقا ليراعى

وألفتُ درسك فى الحديث كأنما
كانت دروسك من جميل طباعى

فلمن سأجلس فى الدروس وأرتوى
ولمن سأعطى بعدكم أسماعى

اليومية الأولى
أسماء الله الحسنى
,,

فى برنامج من البرامج المتعددة التى كان يتم استضافة الشيخ الشعراوى فيها ويدلى بخواطره فى القرآن والحديث .. كانت تأتى من الإمام إشارات لافتة ومتذوقة تزيد المرء شغفا للبحث خلف تلك الكنوز
والبرنامج الذى تحدث فيه الشيخ بخاطرة عن أسماء الله الحسنى كان برنامج الأحاديث القدسية الذى يتناول شرح بعض الأحاديث القدسية ويستضيف الإمام لسماع تعليقه عليها وكان من أجمل ما سمعت عن أسماء الله الحسنى قول الشيخ
" الذين تكلموا فى اسم الله الأعظم اختلفوا فيه وقالوا بأن وجود إسم الله الأعظم معناه أن هناك أسماء عظيمة ينفرد فيها اسما أعظم .. فالصفات الثابتة بحق لله عز وجل كالقادر والعزيز والباسط تجمعها كلها كلمة واحدة جامعة هى { الله عز وجل } ..
لأن كلمة الله لا مدلول لها فى صفة واحدة إلا أنها الاسم الجامع لكل صفات الكمال فيه عز وجل
ولهذا يأمرنا الله تعالى أن نبدأ كل عمل باسم الله ..
لماذا ؟!
لأننى عندما أكون بصدد عمل أحتاج فيه علما أستنجد بالعالم وعندما أكون بصدد عمل أكون فيه محتاج للعزة أستنجد بالعزيز وإذا أردت أن أعمل عملا تجتمع فيه عدة نواحى أستنجد بالله لأنه الاسم الشامل المانع لكل صفات الله سبحانه وتعالى
"

ويواصل الشيخ بكلماته التوضيحية بيان الفوارق بين الصفات التى منح الله عز وجل عباده منها وبين نفس الصفات عندما تكون مطلقة الكمال لله عز وجل ..
فالله أنعم على الإنسان بصفات كلها تحكمها النسبية والمحدودية بينما هى لله عز وجل مطلقة لا يقدحها الإستثناء
ولذلك وردتا فى القرآن الكريم إشارات التفضيل المطلق لله عز وجل فى قوله
" أحسن الخالقين " , " أرحم الراحمين " ,
فهناك من الخلق من يصنع خلقا جديدا لكنه خلق معتمد على عناصر موجودة فعلا أما خلق الله فمن عدم معدوم
وخلق الإنسان مضروب بالعيوب والفناء بينما خلق الله تاما كاملا لا عيب فيه
وخلق الإنسان جامد لا حياة فيه بينما خلق الله عز وجل منظور الحياة متحدى به إلى أبد الآبدين ولو بخلق بعوضة ..
وهكذا ..

التعديل الأخير تم بواسطة محمــد جـاد الزغبي ; 05-04-2008 الساعة 05:22 PM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 05-04-2008, 05:29 PM
سفيان الثوري سفيان الثوري متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jun 2002
الدولة: السعودية
المشاركات: 3,384
افتراضي

نسأل الله ان يتجاوز عن الشعراوي

فلم يعرف عنه دعوة للتوحيد الخالص وتنقية العقيدة من الشرك والبدع

وهو أشعري العقيدة

فيجب الحذر من كتبه

ويستفاد من علمه بالعربية

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 05-04-2008, 09:36 PM
م مصطفى م مصطفى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
الدولة: بلاد الله
المشاركات: 2,306
افتراضي

بارك الله بك على هذه الخواطر المفيدة

" قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون "

" وقل اعملوا فسيرى الله عملكم .. "

بانتظار المزيد

جزاك الله خيرا
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 06-04-2008, 10:14 AM
@ أبو عبد الرحمن @ @ أبو عبد الرحمن @ غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 3,664
افتراضي

بارك الله فيك أخي محمد
أعجبتني جدا مقدمتك لموضوعك ،،، سلمت يداك
نسأل الله أن يجعلك من خير خلف لخير سلف
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 07-04-2008, 06:22 PM
إنجى سعيد إنجى سعيد غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 2,170
افتراضي

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
بارك الله فيك
أ/ محمد جاد الزغبى
ان شاء الله تكون سلسلة من الحلقات المفيدة لشيخ عاش ومات للاسلام
ولرفعه كلمته ورايته

أسمح لى بإضافة بسيطة
فى احدى محاضرات الشيخ محمد متولى الشعراوى بعنوان
((الدين وآثرة فى تغيير النفس البشرية))تحدث الشيخ الكريم
عن الفجوة التى أراد ان يحدثها أعداء الأسلام فى المسلمين والطرق التى استخدموها
لأنهم لم يستطيعوا ذلك لا عن طريق الحرب ولا عن طريق الضغط على الاقتصاد الاسلامى والتحكم فيه
ولكنهم توصلوا الى ان الحل لأبعاد المسلمين عن الدين هو الاسلام نفسه بمعنى
أنهم استخدموا ذلك السلاح لأبعادهم عن الدين وشعائره
فبداووا بأحداث فجوة ما بين الأسلام والمسلمين ن ولم تكن الفكرة وتنفيذها بسيطة
ولكنهم نجحوا فى ذلك عن طريق شغل عقول المسلمين بالحياة الدنيا ، بالرفاهية فى المعيسة وأنشغالهم بتحقيق الرفاهية
والحياة المثالية وبذلك أنشغلوا عن الدين
**ولقد تحدى الشيخ الشعراوى كما قال أى شخص يتلذذ حلاوة الايمان ويبعد عنه ويتركه
فيقول أتحدى ان يتذوق مسلم حلاوة الايمان ويتركه بعد فترة فأنا اتحداه بترك المنهج الأسلامى
اذا أستطاع البعد عن الايمان وتركه بعدما دخل الى قلبه .
كانت هذه ملخص محاضرة ألقاها الشيخ الشعراوى عن أحداث الفجوة بين الدين والمسلمين.
__________________


[poem font="Andalus,4,teal,bold,italic" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=1 line=0 align=center use=ex num="0,black"]

يا من لــه عزٌ الشفاعة وحده=وهو المنزه ما لــهُ شُفعاء
عــرشُ القــيــامة أنت تحت لــوائـِـهِ=والحـــوضُ أنت حــيالـهُ السًـقـاءُ[/poem]


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 08-04-2008, 04:29 AM
محمــد جـاد الزغبي محمــد جـاد الزغبي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 632
افتراضي

الإخوة الأفاضل ..
بارك الله فيكم لهذا المرور والتقدير
وكل الشكر للشقيقة إنجى على الإضافة متمنيا ألا تقطعى تلك الإضافات الثمينة لخدمة كل قارئ
شكرا جزيلا

والآن لنرى اليومية الثانية
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 08-04-2008, 04:44 AM
محمــد جـاد الزغبي محمــد جـاد الزغبي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 632
افتراضي


اليومية الثانية
قضية عمل المرأة ورأس الحربة
!


رحم الله أمامنا الجليل محمد متولى الشعراوى ..
كلما صادفت له لقاء عبر برنامج تليفزيونى أو كتاب أو حديث إذاعي أو حتى قصة من قصص المقربين منه أتمتم بالترحم عليه وأجدنى فى دهشة دائمة من تلك البديهة التى لا يمكن تفسيرها بأنها علم مكتسب وفقط ..
لأن العلم المكتسب توافر للآلاف من العلماء لكن الفهم وقضية الإدراك كانت هى الموهبة التى ميزت العالم عن العلامة والمدرك عن الفهامة ..
واليوم أسوق لكم يومية دسمة من يومياتنا فى ضيافة الإمام تحمل قضية ظلت عقودا طويلة يحملها المستشرقون كرأس حربة ـ والتعبير للإمام ـ ألا وهى قضية عمل المرأة ومجمل ما يحيط بها على اعتبار أن الإسلام ضدها وما إلى ذلك من التجنى المغرض
ولم يكن هناك قبل الشعراوى من يهتم بالرد على افتراءات المستشرقين إلا فى حدود رد الفتن إذا وصلت هذه الأفكار للناس فسألوا عنها ..
وكان داعى هذا التجاهل انحسار القضايا الإستشراقية نوعا ما فى تلك الفترة واهتمام الفقهاء بمهمتهم الأصلية فى رحاب الفقه الإسلامى
حتى أتت سنوات الصراع المذهبي فى العالم وتفجرت عقب ظهور الشيوعية ونقيضتها الرأسمالية وقيام دولة اليهود على أرض مغتصبة واتخاذ الدول الإستعمارية الجديدة مذهبا يختلف عن مذاهب الإستعمار القديم القائم على الإحتلال العسكري واستبدلوا به ما هو أخطر وهو الإحتلال الفكرى
وواكب ذلك تفجر حركات التحرر الوطنى وظهور حاجة الجماهير العربية إلى حماية قوميتها القائمة أساسا على الدين الإسلامى مما مثل خطرا أكيدا على مصالح الدول الكبري
وإلى جانب تلك المصالح ظهر اليهود وقد انضموا إلى حلف ورعاية أمريكية عقب فترة حضانة بريطانية ولبراعتهم المذهلة فى مجال الإعلام ولعداوتهم المعروفة عبر العصور للإسلام جندوا حشدهم الإعلامى والفكرى للنيل من مكانة الإسلام فى قلوب المسلمين لإدراكهم التام بمدى الخطورة التى ينطوى عليها هذا الدين إذا تمكن من قلوب معتنقيه
فظهرت العلمانية وأخواتها وعشرات المذاهب والأفكار المتناقضة تضرب ضرباتها هذه المرة فى قلب الدول الإسلامية لا سيما العربية ونجحوا فى بلبلة الكثيرين ممن يتمسكون بدينهم ويعجزون عن مواجهة تلك تلك الإنتقادات الخبيثة
ولأن الله تعالى هو خير الماكرين ..
فقد ظهرت مع تلك الهجمات طليعة منتقاة من أصحاب الفكر الإسلامى وهم الفئة التى كان الإسلام يحتاجها أشد الإحتياج لإيقاف الإجتياح الغربي بنفس الأسلوب وهو الحجة بالحجة والمنطق بالمنطق
وكان المفكرون الإسلاميون الذين تصدوا للهجمات من طراز فريد
فلم يكونوا فقهاء وعلماء شريعة كبارا وحسب بل كانوا من أهل الإطلاع على نوعية وثقافة مهاجميهم وأيضا من أهل الفكر المستنير والحافظة الحاضرة التى مكنتهم من قرع سائر الحجج الإستشراقية وردها بكيدها إلى أعدائها
وكما قال الإمام الشعراوى عن هذا الانتصار المبهر للفكر الإسلامى
" إننا ندين للمستشرقين وأعداء الإسلام من أصحاب المذاهب المنحرفة فلولا شبهاتهم لما قيض الله لدينه من يتأمل ويستنبط ويستخرج الدرر المكنونة للرد على اتهاماتهم واكتشاف المزيد من عظمة هذا الدين "
وكان ممن ظهروا ونبغوا فى مجال الرد على الشبهات الإمام محمد عبده والشيخ محمد مصطفي المراغي
وجاء الإمام الشعراوى فى الجيل التالى لهؤلاء ليصبح نسيج وحده فى هذا المجال فلم يترك شبهة أو مقولة إلا وقام بالرد عليها داخل وخارج وطنه فى قلب الغرب عبر الندوات التوضيحية المختلفة بأوربا والولايات المتحدة ليهزمهم فى عقر دارهم
وهى تلك الفترة التى واكبتها إجراءات أمنية مشددة له من الأجهزة المختصة عقب تلقيه تهديدات مختلفة من جهات مختلفة ..
ومما هو جدير بالذكر أن جهود الشعراوى ومحمد الغزالى وشلتوت ود. محمد عمارة وغيرهم من عباقرة علماء الإسلام تم تغييبها وتجاهلها عمدا فى بلادنا ونحن الأحق بالحفاظ عليها .. بينما هى ـ ويا للمفارقة ـ محط اهتمام الغرب عداوة واحتفاء


قضية المرأة ..


نعود مع الشيخ فى البرنامج الشهير " لقاء الإيمان " الذى كان يعده ويقدمه الإعلامى فوزى ناصف ويستضيف فيه الشيخ الشعراوى ليطرح أمامه قضايا شرعية مختلفة متركزة حول الشبهات التى تثيرها الجهات المعادية فى الداخل والخارج
وسأركز فى طرح فكرتين عبقريتين استنبطهما الإمام الراجل وتعد من فرائد ما أتى فى مجال التفسير ومعالجة الواقع المعاصر بالفهم الإسلامى السليم وهما فكرتان لخصتا قضية المرأة تماما
قام الإعلامى فوزى ناصف بسؤال الشيخ مستوضحا عن قوله بشأن قصة شعيب عليه السلام كيف استنبط منهما الإمام أن الأصل ألا تعمل المرأة عملا خارجيا بينما الاستثناء الضرورى وحده هو الذى يعطيها العذر فى ذلك

فقال الإمام
{ أنا أول من أثار قضية عمل المرأة من خلال استنباط معانى قصة شعيب وابنتيه عليه السلام .. المرأة التى صنعوا منها ومن قضيتها رأس حربة ليثيروا بها القلاقل حول الدين الإسلامى ..
فالله عز وجل عندما يقص القصة لا يكون هذا بغرض التسلية بل يكون بقصد أخذ العبرة والعلم فلما تعرض لهذه القصة جل سبحانه قال تعالى
[وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ] {القصص:23}
هذه الآية المنفردة والتى تعبر العين عليها فى ثوان أعطتنا قضية المرأة وحكم خروجها عبر الاستنباطات التالية
أولا ..
ففي قوله وأبونا شيخ كبير علة وعذر قدمتها الفتاة وبالتالى أصبحت هناك قاعدة وهى ألا تخرج المرأة بغير علة من بيتها ولولا هذا ما ردا على استفسار موسي عليه السلام بشرح السبب وإعلان العلة وهى غياب العائل
ثانيا ..
قوله عز وجل لا نسقي حتى يصدر الرعاء معناها أن العلة إن أجبرت المرأة على الخروج فليس معنى هذا أن تتحرر من كامل حرصها بتوافر العلة ولكن تتخذ سبل الحيطة والحذر ولا تشارك الرجال أماكنهم صيانة لأنوثتها ولولا هذا ما أتت الفتاتان تزودان أى تهشان الغنم عن الماء حتى ينتهى التزاحم والتلاصق حول البئر
ثالثا ..
وتستمر الحكمة القرآنية فى قوله عز وجل فسقي لهما .. وهذا يعطينا حكما ثالثا على أن المرأة إذا خرجت للمجتمع فى غياب العائل فعلى المجتمع أن يخف رجاله لكفاية حاجتها
رابعا ..
خروج المرأة للضرورة يجب ألا يكون انتهازا للفرصة بمعنى أن المرأة عندما تضطر لذلك فيجب أن يكون شعورها مستمرا بتمنى العودة لبيتها حال وجود الفرصة وهذا ما حدث عندما قالت كبراهما يا أبت استأجره .. ففي هذه العبارة دليل على أن خروجها لم يكن إلا رغما وحال توفر فرصة العودة لبيتها قامت بتنبيه والدها ولو أن الخروج كان فى نفسها هدفا لما نبهته
}

وهكذا أتى الشيخ الشعراوى بتلخيص بديع لقضية أثارت جدلا متعمدا على غير ذى واقع ولخص الأمر لمن أراد الإلتزام
وسأله الإعلامى فوزى ناصف اسمح لى أن أسألك ما هو مقياس الضرورة ؟!
فقال الشيخ بعد ضحكة خفيفة
{ الضرورة مقياسها أنها تموت جوعا لو لم تطبقها .. ولكى يكون الكلام صريحا إنك عندما تخلص النية لتطبيق شرع الله ومنهجه يوفقك الله حتما إلى اتمامه فليس الأمر أمر التماس أعذار أو انتهاز فرص }
فعقب الإعلامى قائلا هل نعتبر هذا رأيا للشيخ الشعراوى ..
وهنا أتى الشيخ باستنباطه الثانى الذى لا يقل روعة عندما
أجاب
{ أى رأى يا رجل إنه ليس رأيا إنه قرآن للمرأة عمل وواجب لو أنها حرصت عليه أمام زوجها ومنزلها وأبنائها لما وجدت وقتا لتأكل وتشرب وهكذا رأينا أمهاتنا فى بلاد الفلاحين عندما ينتهى عمل المنزل تبدو منهكة القوى ..
وليس الدليل القرآنى على أن الخروج للعمل هو واجب الرجل وحده قاصر على قصة شعيب .. فأمامنا قصة سيدنا آدم عند خروجه من الجنة ونزوله للأرض عقب مخالفته لربه قال له عز وجل
[فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى] {طه:117}
ومع التأمل فى الآية الكريمة نجد أن الخطاب بالمثنى فلا يخرجنكما وبالرغم من هذا فقد ختم الآية بخطاب آدم منفردا قائلا له فتشقي .. فلماذا ؟
هذا الخطاب متعمد لأن واجب الخروج للشقاء هو واجب الرجل وحده أما المرأة فمهمتها الداخل وهى مهمة لو أبصرتم لا تقل إن لم تزد أهمية ويكفي أنها ستتعامل مع من لا عقل له
}

انتهى كلام الشيخ
وسبحان الله كم من مرة نمر على الآيات ولا تلفت أنظارنا كوامن أسرارها البديعة .. وليس هذا بمنته عن القرآن فهو الذى أتى معجزة الزمان إلى آبد الآبدين لا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء

وبعد وفاة الإمام الراحل بأقل من عامين طالعتنا الأنباء بعدة أخبار كم أتمنى لو تأملها المتأملون ليدرسوا ويروا بأعينهم كيف أن شرع الله تعالى هو الأنسب للبشر وكيف جاء الحق على لسان أعدائنا
فالذين صدعوا رءوسنا بالحضارة الغربية والمدنية والتقدم بمفاهيمهم التى يرونها لتلك المعانى لم نسمع لهم صوتا على ما جاءت به الأنباء من أوربا عن تشكل أغلبية الرأى العام هناك تحت لواء النداء بالعودة للطبيعة والبساطة والخروج من غابات الأسمنت ومنح الفرصة لغذاء الروح وتشكلت بالفعل عشرات الجماعات التى قامت برحلات متكررة فى فصول العام تخرج بها إلى الغابات وتعيش معيشة الإنسان البدائي بعد أن ملكوا أمر الدنيا لقرن واحد فدمروا الأرض بالموت البطئ عبر مختلف السموم الأدخنة والإختراعات الترفيهية التى تجنى وبالا على الطبيعة
وجاءت الأنباء أيضا من روسيا مهد الشيوعية
التى قالت بأن الدين أفيون الشعوب أن علماءها المتفوقون فى مجال فسيولوجيا المخ والأعصاب انتهت أبحاث أكبرهم وهو البروفيسور أنوكى إلى أن وظائف المخ الرهيبة التى تم اكتشافها وضعت أمام العلماء حقيقة أن المخ يتكون من نصفين مختلفين فى الوظيفة فالأيمن للعقائد والفنون والأنشطة الذهنية بينما الأيسر للأنشطة العضلية والمادية وخرج فلاسفة أوربا بعد هذا الإكتشاف بنتيجة أن الأمراض النفسية التى تعصف بالعالم الغربي وتؤدى إلى مختلف أنواع جرائم المجتمع والإنتحار والشذوذ ناتجها تعطل وظائف النصف الأيمن مع الاهتمام الساحق بوظائف الجزء الأيسر فكان من الطبيعى أن تنهار بنية المجتمع الغربي بهذا الشكل
ووقف أحد مفكريهم يقول ـ ويا للسخرية ـ إننا نحسد الحضارات الشرقية بالرغم من تخلفها التكنولوجى لأنهم استثمروا النصف الأيمن بوجود العقيدة التى مثلت حاجز الحصانة بينهم وبين هذا الانهيار
بينما نحن فى الشرق ـ على حد قول المفكر د. مصطفي محمود ـ لا أصبحنا نمثل أنفسنا كشرقيين ولا حتى أدركناهم فى تقدمهم المادى بل أصبحنا كائنات مشوهة تحت تأثير التبعية للغرب وثقافته التى احترفت التضليل المنظم
ومن الولايات المتحدة الأمريكية وعقب حوادث العنف والقتل والتحرش التى ضج بها المجتمع الأمريكى بنسبة خرافية حوالى 70 % من النساء يتعرضن للاعتداءات المختلفة التى تكون من نتيجتها إخضاع الضحايا الأحياء لإعادة تأهيل نفسي فقد أجرت إحدى المؤسسات الصحفية استفتاء على هامش هذه القضية فجاءت النسبة الساحقة من النساء مؤيدة لوجهة النظر القائلة بأن مبادئ ومذاهب حرية المرأة ما هى إلا مؤامرة على الشعب الأمريكى ؟!

مؤامرة ؟!
وإن كانوا هم أهل وأصحاب هذه المذاهب والتى صدروها لنا فى علب الأفكار المستوردة ولا زالت ذيولهم حتى الآن تنادى بهذه الأفكار ومع ذلك يعتبرون أنفسهم ضحايا فما الذى نوصف به نحن إذا ؟!
والسؤال الأكثر أهمية إن كان العالم الغربي بأوربا وأمريكا تراجع عن سائر مذاهبه وبدأ فى إعادة هيكلة نفسه بل ونقل العدوى لليابان أيضا فما بالنا نحن فى مجتمعاتنا لا زلنا نجد من يقف وينادى ويكرر بأسلوب بالغ السخافة والحماقة نفس القضايا التى جعلت مجتمعاتنا أشبه بملهاة مضحكة فالنساء يعلمون والشباب القوى القادر على العمل يقضي وقته فى المقاهى وتحت تأثير هذا الخراب الإجتماعى وتحت تأثير وجود المرأة بالشارع بهذا الانتشار وانتشار ثقافة التحرر أصبح الشباب بطبيعة الحال عازفا عن الزواج وهو الأمر الطبيعى لأن المرأة أصبحت فى متناول يده وتحت نظره كل يوم
فظهرت ابتكارات العلاقات الفاسدة كعقود الزواج العرفي وغيرها تحت تأثير واحد فقط هو إلحاح الشهوة من الطرفين
وظهر أيضا زواج المسيار الذى أفتى الفقهاء بجوازه نعم لكن هل يمكن إنكار أنه ابتذال لمكانة المرأة ووضعها الذى نظمه الإسلام فى إطار تنظيم إجتماعى متكامل ؟!!
نسأل الله عز وجل أن نكون ممن قال فيهم
[رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ] {النور:37}
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 14-04-2008, 02:41 AM
محمــد جـاد الزغبي محمــد جـاد الزغبي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 632
افتراضي

اليومية الثالثة
سؤالك خاطئ
؟!


رحم الله الإمام ..
كان من أنبغ ما تعلمت منه كيفية السؤال وأهميته لطالب العلم .. فالذى يتجاهله الكثيرون أن طالب العلم إذا هَم ببدء طريقه فلن يكون هذا بالجلوس فى حلقة درس أو مطالعة كتاب بل يلزم له أولا أن يتخذ المؤهلات الكافية ليكتسب فقط صفة تلميذ وهو الأمر الذى هان الآن فهان العلم على الناس كما هانت عليهم العلماء
وكمثال يحضرنى يوضح المعنى ما قاله المصارع الشهير ممدوح فرج عندما سألوه كيف خرج مصارعا فحكى تجربته فى هذا المجال الرياضي العنيف بادئا بقوله " إننى قضيت عدة سنوات مضنية .. فقط لأتعلم كيفية السقوط السليم على الحلبة "
ومن أوليات المبادئ التى يجب على طالب العلم أن تتوافر فيه كيفية إلقاء السؤال وانتقاء موضعه بدقة لأنه من الحماقة أن يكثر سؤالك فيما تستطيع أن تدركه بشيئ من التركيز وطالب العلم الحقيقي ليس المعيار فيه كثرة سؤاله بل المعيار الحقيقي الجدية مع الكثرة وهى التى قصدها صاحب القول المأثور " بلغت العلم بلسان سؤول وقلب عقول "
ودونما شك أن انتقاء موضع السؤال بعد التفكير فيه يكفل تمهيد الطريق أمام اكتساب العلم من بابه الذهبي فيخرج الطالب من حلبته عالما .. أما من دخل باب العلم دونما إجادة لتلك المزية فسيخرج كالحمار يحمل أسفارا ..
ولست أعنى بالعلم هنا المؤهلات الجامعية أو غيرها
بل أعنى العلم فى المطلق لأن الجامعات الآن بسائر بلاد العرب أصبحت طريقا يدخل منه الأميون ليخرجوا جهلاء
والفارق واضح طبعا فالأمية هى عدم المعرفة أما الجهل فليس كما يظنه البعض بمعنى عدم العلم بل هو المعرفة الخاطئة ..
والمقصود بإجادة فن السؤال ألا تنفرج شفتاك بالسؤال فى أمر ــ بالذات لمعلمك ــ ما لم تكن قد بذلت جهدك للوصول إلى إجابته وهذا يجلب لطالب العلم فائدتين عظيمتين ..
أولهما ..
أن الطالب سيكون كله أذنا وبصرا أثناء إلقاء الدرس من معلمه حتى لا يفوته بإهماله نقطة يسأل عنها فيما بعد ويكون المدرس قد شرحها قبلا .. أما السؤال ممن هم خارج إطار حلقة الدروس وأعنى بهم الأشخاص العادية التى يعن لها الاستفهام عن أمور اشتبهت عليها فلا يجب أن يسارع بالسؤال أيضا بل يحاول الوصول إليه ما استطاع بطريق المطالعة وسؤال الأقران فهذا إن لم يجلب له إجابة سيعطيه إحاطة عامة بموضوع السؤال مما يجعل سؤاله أكثر دقة وتركيزا عندما يتقدم به إلى عالم متخصص أو ذو شأن
ثانيهما ..
تفادى الحرج الناجم عن خفة العقل وذلك عندما يكون المرء متخيلا أن سؤاله هذا معضلة .. فيتضح له فيما بعد أن هذه المسألة أثيرت من قبل ألف مرة وكررها العلماء عشرات المرات وكانت الإجابات فى متناول يده فلم يبحث عنها .. وبالتالى سيكون من خفة العقل أن تضيع وقت عالم فى سبيل مسألة يستطيع أى شخص مثقف أو مطالع نقلها إليك وفى هذه الحالة تدخر سؤال العالم لما هو أثقل
وتلك المسألة هى التى نراها بأعيننا عشرات المرات فى البرامج التى تستضيف العلماء فى مختلف التخصصات فتجد أسئلة المشاهدين أو حتى المذيعين بالغة السطحية على نحو يثير الحسرة على الفرص الضائعة باستضافة علماء لم نحسن استثمارهم مثلا ما كان يحدث فى برنامج فتاوى وأحكام الذى كان يذيعه التليفزيون المصري ويستضيف فيه الشيخ الدكتور عطية صقر رحمه الله فتجد مداخلات الأسئلة من المشاهدين كلها من الغث دون السمين حتى أننا اعتدنا أن نسمع من الشيخ عبارة يكررها دوما عندما إجابته على أى سؤال " قلنا ألف مرة من قبل ... "
وكانت العبارة المأثورة للشيخ الشعراوى رحمه الله تلك التى كان يبدأ بها الرد على أسئلة المستشرقين والعلمانيين ومن شاكلهم فيقول فى بداية إجابته
" سؤالك خاطئ فى تركيبه ومعناه ... ثم يوضح له الشبهة والرد عليها "
وكانت معظم الشبهات التى تثيرها هذه الجهات طعنا وتشكيكا فى الدين الإسلامى تأتى من عدم خبرة المستشرقين بكوامن وأسرار اللغة العربية التى يتسع رداؤها لمحيطات لا نهاية لها من المعانى والمقاصد ..
وهذا على الرغم من دراستهم التامة والطويلة للفقه الإسلامى واللغة العربية وآدابها طبقا لمذهب المستشرقين وهو ضرب الإسلام من داخله عن طريق إثارة شبهات فى القرآن والسنة يتم اكتشافها عن طريق دراستهما دراسة وافية
وبالفعل درس المستشرقون الحضارة الإسلامية تشريعا ولغة عبر قرون وأجاد علماؤهم تلك الدراسة من الناحية الأكاديمية لكن ما فاتهم أن اللغة العربية ساحرة بشكل لم تتخيله عقولهم وما كانت لغة القرآن الكريم لتكون مرتعا سهلا لكل عابث .. ففشلت سائر شبهاتهم فشلا ذريعا بل ومهينا بالغ الإهانة .. وذلك عندما كشفها العلماء المسلمون وعلى رأسهم الشعراوى وإذا بهم يكشفون مدى غباء الأسئلة والشبهات التى أثاروها ومعظمها أتى عن جهل بمدارك اللغة بالرغم من دراستهم المستفيضة وهذا يعود من باب أولى إلى أن تشرب اللغة العربية والقدرة على إدراك كوامنها يأتى بشرطين متلازمين لا غنى عن أحدهما بالآخر .. وهما ..
الأول ..
أن تبدأ بدراسة اللغة من خلال المتون كما كانت تتم دراستها قديما فى الأزهر الشريف وبعض البلاد العربية وهذا النداء هو الذى ينادى به الآن العالم العراقي الجليل الأستاذ الدكتور أحمد الكبيسي الذي فضح أسلوب تدريس اللغة العربية فى المدارس الآن وأنه أسلوب من المستحيل أن يخرج متحدثا عاديا بها فما بالنا بالعلماء إذا !
الثانى ..
موهبة فطرية وهى منحة من الله عز وجل لا يمكن أن تتأتى لصاحب نية سيئة ــ حتى لو كان مسلما ــ ألا وهى التذوق الجمالى للبديع العربي وهذا أمر لا علاقة له بالدراسة وإن استفاضت .. وإنما هى موهبة تجلب آهات الإعجاب من قلب المتذوق للغة العربية انبهارا وتأثرا .. بل أزعم أن هذا التذوق الجمالى يتوافر بالفعل لدى من ليس لهم علم باللغة ومع ذلك يسبب نفس المؤثر مما يدفع المتذوق للسؤال عن المعنى واللهاث خلفه ..
وهناك من النابهين من تحققت فيه معجزة الحديث الفصيح السليم نطقا وكتابة دون أن يعرف شيئا من قواعد النحو والصرف بل يتحدث بها بطلاقة مقتدرة تحت تأثير القراءة والتدبر فحسب
ولست بحاجة لبيان مدى أهمية إتقان اللغة لكل مسلم إلى الحد الذى دفع الدكتور الكبيسي للقول الصريح بأن الإسلام لا يتم إلا بها فمن المستحيل إدراك الفقه الصحيح للدين دون إتقانها وضرب مثلا من آلاف الأمثلة لمدى ما تفعله الدلالات اللغوية بالأحكام فى قوله تعالى [وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] .. فلو أن الله تعالى قال بالأبوين وليس بالوالدين لاختلف الحكم الفقهى اختلافا تاما لأن الفارق بين الأب والوالد فارق متسع فصفة الوالد تكتسب بمجرد الإنجاب بينما صفة الأب لا تقال إلا لمن تولى التربية والتأهيل .. وبهذا الأمر فلو أن لفظ الأبوين كان هو المستخدم فى الآية لما أصبح عقوق الوالدين كبيرة من أكبر الكبائر إلا بشرط كفالة الأولاد وإحسان تربيتهم أولا .. وكان هذا كفيلا بإسقاط التكليف من أساسه
أيضا من أقواله ــ بارك الله بعمره وعلمه ــ فى تفسيره اللغوى للقرآن وإيضاحه لأهمية الدلالات اللغوية قوله فى الآية الكريمة
[يَعِظُكُمَ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] {النور:17}
وهى الآية الكريمة التى نزلت لتنهى المؤمنين عن ذكر أمر حديث الإفك والخوض فيه ويقول عنها الكبيسي ..
أن كلمة أبدا الواردة بقلب الآية لم تأت ـ وما كان لها أن تأتى ـ زائدة أو مجرد توكيد عادى وهذا يعود إلى طبيعة معنى كلمة أبدا والتى تعنى زمنا مطلقا متصلا لا انقطاع فيه ..
ووجود هذه الكلمة فى الآية يغير الحكم تماما عما لو كانت غير موجودة بها فلو أنها كانت غير موجودة لكان أمر النهى عن حديث الإفك والعودة له مقصور على زمن النبي عليه الصلاة والسلام وزمن من حضر الحادثة فقط فلو كان أحد من حضور الحادثة عاد إلى هذا الحديث يخرج بمقتضي تلك العودة من الإسلام عملا بالآية الكريمة أما لو عاد للحديث من أتى بعد هذا العصر فليس عليه شيئ
أما الآية بصورتها التى نزلت بها محتوية كلمة أبدا فقد حكمت بالخروج من الإسلام على أى مسلم يعود باتهام للسيدة عائشة رضي الله عنها من أى نوع إلى يوم القيامة ..

شبهات لغوية


ونعود إلى حديثنا عن الإمام الشعراوى رحمه الله ومعاركه مع أصحاب الشبهات لنلتقي اليوم مع تفسيرين بديعين لشبهتين من أشد الشبهات التى أتى بها المستشرقون على القرآن زاعمين فيه التناقض فما وجدوا عند الشيخ غير السخرية من حماقة الأسئلة وذلك بعد أن وضحها إيضاحا كاملا
الشبهة الأولى ..
كيف يقول الله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى] {النَّجم:3} وهذا معناه أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يأتى بشيئ من عنده بل كل ما يأتى به من عند الله عز وجل .. ومع ذلك فقد عاتب الله عز وجل رسوله عليه الصلاة والسلام عدة مرات وعدل له أحكاما قد اتخذها مما يعنى أن منطوق الآية يخالف واقع الحدث
فقال الشيخ ـ جزاه الله عنا خير الجزاء ـ
{ هذا فهم خاطئ لآيات الكتاب العزيز .. لأن السائلين غفلوا عن منطوق الآية الكريمة والتى استخدمت كلمة الهوى
فما هو معنى كلمة الهوى ..
الهوى هو الميل و الإختيار .. فلو عدنا للمسائل التى عدل فيها الله عز وجل أحكام رسول الله عليه الصلاة والسلام وكلها معروفة حصرا أنها وقائع نزل حكم الله تعالى فيها تاليا على حدوث الحدث .. فكانت الواقعة تحدث أولا فلا يكون فيها حكم من الله عز وجل فيجتهد رسول الله عليه الصلاة والسلام .. وما دام حكم الله لم يكن موجودا بالمسألة حال حدوثها فهذا ينفي قطعيا ورود الهوى على رسول الله عليه الصلاة والسلام لأن الهوى يكون بين أمرين وحكمين قائمين فتميل لأحدهما وتترك الآخر أما فى صدد مسائل العتاب فلم يكن هناك من الأصل حكم حتى يميل عنه رسول الله عليه الصلاة والسلام لغيره
}

الشبهة الثانية


يقول الله عز وجل فى كتابه العزيز [إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ] {القصص:56}
ويقول فى موضع آخر [وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] {الشُّورى:52}
فكيف يتم نفي الفعل مرة وإثباته مرة على فاعل واحد .. ومعنى السؤال كيف ينفي الله عز وجل عن الرسول عليه الصلاة والسلام فعل الهداية مرة ثم يثبته مرة أخرى ..
فقال الشيخ معقبا ومجيبا
{ هذا جهل آخر باللغة العربية ودلالاتها .. لأن الهداية نوعان
هداية مطلقة وهداية دلالة .. ولإيضاح الفارق فأنت عندما ترشد شخصا غريبا إلى مكان معين فتصف له الطريق الصحيح .. هنا تكون هدايتك هداية دلالة أى تدله على الطريق الصحيح لكن لا سلطان لك فى سلوك هذا الطريق من عدمه فمن الممكن أن يستجيب لك فيسلكه ومن الممكن ألا يهتدى فلا يسلكه
ولذلك قال عز وجل
[وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ العَذَابِ الهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] {فصِّلت:17}
ومعنى الآية أن الله تعالى أرشدهم للطريق الصحيح فاستحبوا الطريق الضال على هداية الله عز وجل للطريق الصحيح فلو كانت الهداية بمعنى واحد وهى الهداية المطلقة لما عقبت الآية الكريمة بقوله عز وجل فاستحبوا العمى
أما الهداية المطلقة فهى إن عدنا للمثال السابق ستكون الإرشاد مع المعونة وهذا إن اصطحبت السائل عن الطريق لطريقه بعد أن دللته عليه فأوصلته مأربه
فإذا عدنا للآيات الكريمة موضع السؤال سنجد أن الله عز وجل استخدم الهداية المطلقة فى الآية الأولى فخفف عن رسول الله عليه الصلاة والسلام عبء شعوره بالمسئولية لكفر الكافرين فقال إنك لا تهدى من أحببت
فالهداية هنا هى الدخول الفعلى لطريق الهداية والصواب وهذا مرجعه لله عز وجل وحده ..
أما الآية الثانية والتى اقترن فيها لفظ الهداية بلفظ الصراط فهى هداية دلالة ومعنى الآية أنك يا محمد ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ تهدى وترشد الناس لطريق ربهم لكن ليس معنى هذا أنك مسئول عن ولوجهم هذا الطريق
وهداية الدلالة هى التى يختص بها الله عز وجل رسله وعباده الصالحين لأنها هداية التبليغ والإرشاد والتبيان فقط
}

فرحم الله هذا العالم الجليل
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 15-04-2008, 03:51 AM
إنجى سعيد إنجى سعيد غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 2,170
افتراضي

التوكل والتواكل
من كتاب الفضيلة والرذيلة


التوكل للقلب فلا تنقل عمل القلب إلى القدم أم اليد التوكل على الله يقتضي أن يعلم الإنسان أن لكل جارحة في الإنسان مهمة إيمانية تقف بالفكر عندما شرع الله... فالأذن تسمع فإن سمعت أمرا من الحق فهي تنفذ الأمر, و إن سمعت الذي يلحدون بآيات الله فهي تعرض عنهم.. و اللسان يتكلم لذلك لا تقل به إلا الكلمة الطيبة .. فلكل جارحة عمل , و عمل جارحة القلب هو اليقين و التوكل و حيث إن التوكل على الله هو عمل القلب.. فإياك أن تنقل عمل القلب إلى عمل الجوارح, فتنقل التوكل إلى الجوارح فلا تعمل ...إن السعي للقدم, و العمل لليد و التوكل للقلب فلا تنقل عمل القلب إلى القدم أم اليد, لذلك فالتوكل الحقيقي هو أن الجوارح تجعل القلوب تتوكل فكم من عامل يعمل لا توكل فتكون نتيجة عمله إحباطاً. إننا نجد أن الزارع الذي لا يتوكل على الله و تنمو زراعته بشكل جيد و متميز قد تهب عليه عاصفة فيصاب الزرع بالهلاك و يكون الإحباط هو النتيجة. إنك أيها المؤمن عليك أن إهمال الأسباب, و إياك أيضا أن تقتنك الأسباب..إنك إن أهملت الأسباب فأنت غير متوكل بل متواكل , فالتوكل عمل القلب, و أنت تنقل عمل القلب إلى الجوارح إن الجوارح عليها أن تعمل, و القلوب عليها أن تتوكل, و إذا قال واحد: أنا لا أعمل بل أتوكل على الله.. قل له: هيا لنرى كيف يكون التوكل, و أحضر له طبق طعام يحبه, و عندما يمد يده إلى الطعام قل له: لا اترك الطعام يقفز من الطبق إلى فمك..إن هذا لفهم كاذب للتوكل!!!.


الطــــاعة



هذه عدالة من الخالق سبحانه و تعالى فهو سبحانه لم يكلف واحدا أن يفعل فعلا .. بسم الله و الحمدلله و الصلاة و السلام على رسول الله. قال الله تبارك و تعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)) هناك حيثيات توجب هذا الأمر من الله تبارك و تعالى لعباده فنحن – و لله المثل الأعلى- نلحظ بعد صدور حكم من قاض في المحكمة أنه يصدر حيثيات لهذا الحكم, و هذه الحيثيات هي التبرير القانوني للحكم سواء كان بالعقوبة أو البراءة. إذن... فالقاضي يحكم بناء على حدوث وقائع مطابقة لمواد القانون. و على هذا فحيثيات أي حكم هي التبريرات القانونية التي تدل على سند هذا الحكم. و قول الحق سبحانه و تعالى (( و أطيعوا الله و أطيعوا الرسول)) فيه تلحظ أن الحق سبحانه لم يقل ( يا أيها الناس أطيعوا الله و أطيعوا الرسول) و لكنه سبحانه و تعالى قال: (( يا أيها الذي آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول)). إذن...فالحق سبحانه و تعالى لم يكلف مطلق الناس بأن يطيعوه و إنما كلف مطلق الناس أن يؤمنوا به. إذن..فحيثية الطاعة لله, و للرسول صلى الله عليه و سلم , و هذه عدالة من الخالق سبحانه و تعالى فهو سبحانه لم يكلف واحدا أن يفعل فعلا إلا إذا كان قد آمن به تعالى, و آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم مبلغا و مشرعا, و لذلك نجد كل تكليف من الله تعالى يبدأ بقوله سبحانه و تعالى (( أيها الذي آمنوا)) إذن فحيثية طاعة الله تعالى , و طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي الإيمان. و لذلك نقول دائما : إياكم أن تقبلوا على أحكام الله بالبحث في عللها أولا, ثم الإيمان بها ثانيا, و لكن أقبلوا على أحكام الله أولا و اسمعوا و أطيعوا و اخضعوا و اخشعوا ثم من بعد ذلك لا مانع من أن يقوم العقل بالتدبر والتأمل ليفهم شيئا من الحكمة التي من أجلها تم تحريم هذا الشيء أو ذاك . أقول بعض الحكمة و ليس كل الحكمة , و ذلك أن حكمة الله لا تتناهى و لا تدرك و لا يحاط بها. و هناك فرق بين أمر البشر للبشر و أمر الله تعالى للمؤمنين به, فإن أمر الله للبشر تسبقه العلة و هي أن الإنسان قد آمن به, أما أمر البشر للبشر فمنهم من يقول مثلا: أقنعني حتى أفعل ما تأمرني به, لأن عقلك ليس أكبر من عقلي, و لست بأقدر على الفهم مني و الإنسان لا يصنع شيئا صادرا إليه من بشر إلا إذا اقتنع به, و أن تكون التجارب قد أثبتت لك أن من يأمرك بهذا الأمر, أنه لا يغشك فتأخذ كلامه مصدقا, أما المساوي لك فأنت لا تأخذ كلامه على أنه واجب التنفيذ بأنه الإله الواحد الذي خلقك و أوجدك, و منحك مقومات حياتك و هو سبحانه الغني عنك, و عن الكون كله.
__________________


[poem font="Andalus,4,teal,bold,italic" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=1 line=0 align=center use=ex num="0,black"]

يا من لــه عزٌ الشفاعة وحده=وهو المنزه ما لــهُ شُفعاء
عــرشُ القــيــامة أنت تحت لــوائـِـهِ=والحـــوضُ أنت حــيالـهُ السًـقـاءُ[/poem]



التعديل الأخير تم بواسطة engy saied ; 15-04-2008 الساعة 03:54 AM
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 26-04-2008, 02:05 AM
إنجى سعيد إنجى سعيد غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 2,170
افتراضي

الشعر ومعاني الآيات

ويتحدث إمام الدعاة فضيلة الشيخ الشعراوي في مذكراته التي نشرتها صحيفة الأهرام عن تسابق أعضاء جمعية الأدباء في تحويل معاني الآيات القرآنية إلى قصائد شعر. كان من بينها ما أعجب بها رفقاء الشيخ الشعراوي أشد الإعجاب إلى حد طبعها على نفقتهم وتوزيعها. يقول إمام الدعاة ومن أبيات الشعر التي اعتز بها، ما قلته في تلك الآونة في معنى الرزق ورؤية الناس له. فقد قلت:

تحرى إلى الرزق أسبابه

فإنـك تجـهل عنـوانه

ورزقـك يعرف عنوانك


وعندما سمع سيدنا الشيخ الذي كان يدرس لنا التفسير هذه الأبيات قال لي: يا ولد هذه لها قصة عندنا في الأدب. فسألته: ما هي القصة: فقال: قصة شخص اسمه عروة بن أذينة.. وكان شاعرا بالمدينة وضاقت به الحال، فتذكر صداقته مع هشام بن عبد الملك.. أيام أن كان أمير المدينة قبل أن يصبح الخليفة. فذهب إلى الشام ليعرض تأزم حالته عليه لعله يجد فرجا لكربه. ولما وصل إليه استأذن على هشام ودخل. فسأله هشام كيف حالك يا عروة؟. فرد: والله إن الحال قد ضاقت بي.. فقال لي هشام: ألست أنت القائل:

لقد علمت وما الإشراق من خلقي***إن الذي هـو رزقي سوف يأتيني


واستطرد هشام متسائلا: فما الذي جعلك تأتي إلى الشام وتطلب مني.. فأحرج عروة الذي قال لهشام: جزاك الله عني خيرا يا أمير المؤمنين.. لقد ذكرت مني ناسيا، ونبهت مني غافلا.. ثم خرج..

وبعدها غضب هشام من نفسه لأنه رد عروة مكسور الخاطر.. وطلب القائم على خزائن بيت المال وأعد لعروة هدية كبيرة وحملوها على الجمال.. وقام بها حراس ليلحقوا بعروة في الطريق.. وكلما وصلوا إلى مرحلة يقال لهم: كان هنا ومضى. وتكرر ذلك مع كل المراحل إلى أن وصل الحراس إلى المدينة.. فطرق قائد الركب الباب وفتح له عروة.. وقال له: أنا رسول أمير المؤمنين هشام.. فرد عروة: وماذا أفعل لرسول أمير المؤمنين وقد ردني وفعل بي ما قد عرفتم ؟..

فقال قائد الحراس: تمهل يا أخي.. إن أمير المؤمنين أراد أن يتحفك بهدايا ثمينة وخاف أن تخرج وحدك بها.. فتطاردك اللصوص، فتركك تعود إلى المدينة وأرسل إليك الهدايا معنا.. ورد عروة: سوف أقبلها ولكن قل لأمير المؤمنين لقد قلت بيتا ونسيت الآخر.. فسأله قائد الحراس:

ما هو ؟.. فقال عروة:

أسعى له فيعييني تطلبه*** ولو قعدت أتاني يعينني


مع الشعراء


وللشيخ الشعراوي ذكريات مع الشعراء والأدباء، شهدت معارك أدبية ساخنة، وكان للشيخ فيها مواقف لا تنسى.

يقول الشيخ: حدث أيام الجماعة الأدبية التي كنت أرأسها حوالي عام 1928.. والتي كانت تضم معي أصدقاء العمر الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي ـ أطال الله عمره ـ والمرحوم محمد فهمي عبد اللطيف وكامل أبو العينين وعبد الرحمن عثمان رحمه الله.. حدث أن كانوا على صلة صداقة مع شاعر مشهور وقتها بطول اللسان والافتراء على أي إنسان اسمه عبد الحميد الديب، صاحب قصيدة "دع الشكوى وهات الكأس واسكر".. والذي لم يسلم أحد من لسانه.. والذي كان يعيش على هجاء خلق الله إلى أن يمنحوه مالا.. وجاءت ذات ليلة سيرتي أمامه.. وقال له الأصدقاء أعضاء الجماعة الأدبية عن كل ما أقرضته من قصائد شعرية.. فرد وقال: الشيخ الشعراوي شاعر كويس.. ولكن لا يصح أن يوصف بأنه شاعر.. ولما سألوه: لماذا؟.. قال: إن المفترض في شعر الشاعر أن يكون مجودا في كل غرض.. وهو لم يقل شعرا في غرضين بالذات ولما حكوا لي عن هذا الذي قاله الشاعر محجوب عبد الحميد الديب.. قلت لهم: أما أنني لم أقل شعرا في الغزل.. فأرجو أن تبلغوه بأنني أقرضت الشعر في الغزل أيضا.. لكنه غزل متورع.. وانقلوا إليه الأبيات عني.. والتي قلت فيها:

مــن لم يحركه الجمال فناقـص تكوينه*****وسوى خلق الله من يهوي ويسمح دينه

سبحان من خلق الجمال والانهزام لسطوته*****ولهذا يأمرنا بغض الطرف عنه لرحمته

مـن شاء يطلبه فلا إلا بطــهر شريعته*****وبذا يدوم لنـا التمتــع ها هنا وبجنته

وأما عن الهجاء فقلت لأصدقائي: إنني لا أجد موضوعا أتناوله إلا أن أهجو عبد الحميد الديب نفسه.. ولن أشهر به.. ولكن فليأت إلينا.. ويجلس معنا.. وأقول له أنني سوف أهجوك بكذا وكذا.. ثم أخيره بعد ذلك أن يعلن هجائي له أو لا يعلنه.. وقد تحداني وقدم إلى منزلي بباب الخلق وسألني: ما الذي سوف تقوله في عبد الحميد الديب يا ابن الشعراوي؟ فقلت له: والله لن أقول شعري في هجائك لأحد إلى أن تقوله أنت وأنا أقطع بأنك لن تكرر على مسامع الناس هجائي لك.. وبالفعل ما سمعه عبد الحميد الديب مني في هجائه لم يستطع ـ كما توقعت ـ أن يكرره على مسامع أحد.. ولذلك كنت الوحيد من شلة الأدباء الذي سلم من لسانه بعدها. لأنه خاف مني وعلم قوتي في شعر الهجاء أيضا.. ومن هنا ترسخ يقيني بأن التصدي للبطش والقوة لا يكون إلا بامتلاك نفس السلاح.. سلاح القوة ولكن بغير بطش..
__________________


[poem font="Andalus,4,teal,bold,italic" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=1 line=0 align=center use=ex num="0,black"]

يا من لــه عزٌ الشفاعة وحده=وهو المنزه ما لــهُ شُفعاء
عــرشُ القــيــامة أنت تحت لــوائـِـهِ=والحـــوضُ أنت حــيالـهُ السًـقـاءُ[/poem]



التعديل الأخير تم بواسطة engy saied ; 26-04-2008 الساعة 02:10 AM
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 18-05-2008, 07:26 PM
محمــد جـاد الزغبي محمــد جـاد الزغبي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 632
افتراضي


اليومية الرابعة ..
لا يأمر الله بغير الخير

يحلو للكثيرين تحت تأثير الزحم والمعارك التى تنتشر فى شتى ربوع الأرض ضد الإسلام أن يقولوا باليأس والإنهيار وهو فهم خاطئ وهمة ساقطة ..
وهم يظنون أن كتابات المفكرين والأئمة حول الانهيار الذى أصبح والمجد الذى كان أمرا يزيد المرء يأسا بينما القصد الرئيسي من تلك الكاتبات هو تحفيز الهمم لا تثبيطها ..
فالأمة الإسلامية أمة لا تموت بفضل الحق الذى جبلت عليه من خالق السموات والأرض
واليأس الذى يدفع بالمسلم لترك أدواته والانخراط فى التحسر دون إيجابية .. مسلم لم يفقه شيئا من دروس التاريخ وعبره
فلا زال فى الأمة رجال وسيظلون كما أخبرنا الرسول عليه الصلاة والسلام فى الحديث الصحيح " لا تزال طائفة من أمتى ظاهرة على الحق لا يضرهم من خذلهم ".
وإن كنا نحن الآن نتحسر على كبار رجالنا من الأئمة المتقدمين ومن الأئمة المتأخرين الذين توفاهم الله فى القرن الماضي فليس معنى هذا أن الأماكن ظلت خاوية على عروشها بل ما زالت فى شتى أقطار الأرض أئمة لا يقلون أثرا عن السابقين وما غيبهم عنا إلا ظهور الجيل السابق لهم ظهورا كبيرا طغى عليهم
ففي مصر مثلا
التى فقدت الشعراوى والغزالى وعبد الحليم محمود والذهبي ومحمود شلتوت وأحمد شاكر ومحمد عمرو عبد اللطيف .. لا زال فيها كبار علماء الأزهر تلك الجامعة التى لا تخبو جذوتها قط إلا لفترة مؤقتة عند فساد قيادتها ولكن تعود بأكثر مما كانت عليه من التألق بعد ذلك وتاريخ الأزهر موجود وشاهد على هذا
فعندما خبت جذوة الأزهر فى عهد الملك فؤاد بسبب تواطؤ شيخه مع السلطة تمكن المراغي رحمه الله من إعادة الأمور إلى نصابها .. وكذلك عندما تولى الشيخ عبد الرحمن تاج الأزهر فى عهد الثورة خبت الجذوة أيضا حتى أعادها الشيخ الدكتور عبد الحليم محمود بمواقفه التى كانت تهز العالم الإسلامى هزا لا سيما فى فضح الأسلوب الكنسي فى التنصير بمصر
وفى العصر الحالى
وبالرغم من سيطرة الدولة بعد وفاة شيخ الأزهر السابق الإمام جاد الحق على جاد الحق على مقدرات الجامعة ووجود شيخ الجامع الأزهر الحالى فى موقعه بغير استحقاق من وجهة نظر غالبية علماء الأزهر ..
إلا أن هذا لم يعنى خبو الجذوة .. فجبهة علماء الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية لا زالوا قائمين على أمور التوجيه والتوعية وبياناتهم المناوئة للمواقف السلبية فى الدولة لا تتوقف قط حتى مع الضغط الإعلامى لتغييبها ولم تستطع الدولة أن تفعل فعل الأنظمة السابقة فى التكتم الإعلامى نظرا لوجود السموات المفتوحة التى أخرجت بيانات العلماء واعتراضاتهم والأمور على شفا الإنقلاب بعد أن كسبت جبهة علماء الأزهر أسماع الناس بالإضافة لكوادر الشباب من تلاميذ عمالقة الأزهر والذين يمثلون بحق ذخيرة إستراتيجية تنبئ بأن دور الأزهر يزيد ولا يخبو
فلا زال هناك الدكتور محمد المسير والدكتور محمد عبد المقصود والشيخ محمود عاشور والدكتور عبد الله سمك والدكتور عمر عبد العزيز والدكتور عبد المهدى عبد القادر والدكتور صبري عبد الرءوف والدكتور محمد عمارة
بالإضافة لصف طويل من كبار العلماء والدعاة من خارج الأزهر
منهم الإمام أبو إسحق الحوينى محدث العصر والدكتور محمد سعيد عبد العظيم والدكتور المراكبي والدكتور وجدى غنيم والشيخ محمد حسان والشيخ محمد عبد الملك الزغبي والشيخ الشاب صاحب الحضور الطاغى والثقافة اللامعة أحمد النقيب
وكل واحد من هؤلاء له شعبيته وحضوره وتأثيره الذى يمتد للملايين ولا يقف واحد منهم ساكنا أبدا تجاه أى قضية تستلزم حضوره ويحفرون فى الإعلام أبوابا بعيدة عن سيطرة أنظمة الحكم فيدكون الشبهات دكا
وبالطبع هؤلاء أمثلة لعلماء لا يمكن حصر عددهم ولهم طلبتهم ومستمعيهم على نحو يجعل الصورة على غير ما هى واضحة تماما نظرا لأن إعلام الدولة أو الإعلام المأجور فضائيا لا يؤثر بذات القدر الذى تؤثر به كلمات هؤلاء الأعلام
والناظر لتاريخ الإسلامية يتوصل إلى حقيقة غائبة لابد أن تعود
وهى أن عصرنا الحالى بكل كبواته لا يعد العصر الأكثر صعوبة على الإسلام والمسلمين فكم من حادثات الدهر مرت بتلك الأمة وقامت بعد طول الزمن .. وحسبنا كارثة التتار الذين أسقطوا الخلافة وأسقطوا سائر أقطار العرب حتى وصلوا إلى مصر فردتهم وشاء الله أن يبعث الحضارة من جديد ..
وكذلك عندما استمرت الحروب الصليبية ستة قرون .. وانتهت على يد المسلمين بعد كل هذه المدة العميقة
والذى يراجع تاريخ الكبوة الإسلامية الحالية لن يجدها اضمحلت وزادت إلا فى النصف الثانى من القرن العشرين وهذا لا يعنى أنها طرقت زمنا طويلا فى عمر الحضارات لا سيما إن وضعنا بأذهاننا الصحوة الغير تقليدية التى بدأت مع بدايات القرن الحادى والعشرين
كل ما يجب علينا الإنتباه له هو أن طريقنا الفاصل نحو النهوض لا يكون إلا بالعلم ورعاية العلماء وطلبة العلم وتحفيزهم كما ينادى المفكرون الآن لأن العلماء وأهل العلم هم على حد قول الإمام الحوينى كحرس الحدود والمرابطين على ثغور الإسلام يجب أن يكفل المجتمع تفرغهم لدورهم خاصة فى ظل الحرب المستعرة تجاه الوعى ورسالة التوعية
وهذا ما يشدد عليه الفقهاء والعلماء والمفكرون الربانيون لأنهم أدركوا تماما مدى التغييب الذى عانت منه الجماهير والشباب بصفة خاصة فدفعتهم لمهاوى التردى المتعددة خلف مختلف الطوائف والاتجاهات من الشيعية إلى العلمانية
ولأن العلم تراكمى ويلزم له الإدراك المسبق لعظمة التاريخ فى حياة الأمة الإسلامية ويلزم له أيضا التبصر بعظمة اللغة العربية ومدى ما أفرزته من معجزات تركها لنا أباطرتها القدامى .. لذا فقد أصبح لازما أن نعرف شيئا عن علم وتاريخ السابقين كيف اكتسبوه وكيف أتاحوه للأجيال التالية
فالناظر إلى أسلوب التعليم الأزهرى القديم الذى أخرج النوابغ يجد عجبا من القدرات التى تميز بها طلبته ويجد إجابة منطقية لهذا النبوغ الذى تميز به خريجوه حتى أن جيلا واحدا من الأزهر ضم الشعراوى ومحمود شلتوت والباقورى وغيرهم
فقد كان الأزهر قبل اعتماده جامعة على النظم الحديثة فى الستينيات يعتمد على أن الطالب يأتى للأزهر بعد إتمامه لحفظ القرآن الكريم فليلتحق حرا بشتى حلقات الدروس التى تدرس الفقه بمختلف مذاهبه مع الحديث بمختلف علومه وكانت المدة المتاحة لأنبغ الطلاب كى يحصل على شهادة العالمية هى عشرين عاما قابلة للزيادة ومنهم من ظل يدرس ولا يشبع من الدراسة أربعين عاما كاملة
وهذا يفسر لنا بالطبع ما نراه من علماء الأزهر من حافظة حاضرة ودراية واسعة بمختلف علوم الشريعة لا يتلعثم منهم واحد فى إجابة أو شرح أو تخفي عنه مقولة لإمام سابق أو متقدم بعد أن أصبحت المراجع الكبري فى الفقه ذات اللغة بالغة الصعوبة أشبه بالجريدة العادية بالنسبة له
وكان نبوغهم فى العربية أمر لا مجال للتجاوز عنه .. والنبوغ المطلق فى مجال اللغة والذى قد يقضي المرء عمره دون أن يبلغه كان فى الأزهر ـ ولا زال ـ أحد الشروط الرئيسية ليكتسب العالم الأزهرى صفته واعتباره
ورحم الله الإمام السيوطى حيث كان يتتلمذ على يد شيخه الكافياجى فى اللغة فجاءه ذات مرة فإذا بشيخه يسأله عن إعراب جملة بسيطة وهى " زيدٌ قائم "
فقال السيوطى وقد أخذته عزته كعالم له وزنه " يا شيخنا هذا أمر تركناه لصغار طلبة اعلم "
فقال شيخه مبتسما " فى زيد قائم مائة وعشرة وجه للإعراب "
فتزلزل كيان الإمام السيوطى الذى كان قد بلغ قدره فى ذلك الوقت كعالم ذو شأن ومع ذلك فهو يجهل هذه الوجوه الإعرابية التى يتحدث عنها شيخه بشأن جملة من كلمتين لا تحتوى إلا على مبتدأ وخبر فلم يترك شيخه حتى أملاها عليه جميعا
واستمر علماء الأزهر على هذا التبحر فى العلوم بالذات علوم اللغة وكان لهذا أبلغ الأثر فيما بعد عندما تعرضت البلاد للإحتلال الفرنسي ثم البريطانى
فقد جعل الأزهر همه الرئيسي الاستمرار فى تغذية طلبته لأسرار علوم الفقه واللغة ضاربين عرض الحائط بالنداءات التى ظهرت تنتقد هذا الإتجاه من علماء الأزهر وتدعوهم للتركيز على المقاومة المسلحة فحسب ودعوة الشباب لذلك
وأثبتت الأحداث أن علماء الأزهر على حق عندما استمروا فى رسالتهم التنويرية فلم يتغير اللسان المصري مقدار خردلة للفرنسية أو الإنجليزية فى تلك العصور بالرغم من أن سائر البلاد التى وقعت تحت الإحتلال الأوربي تمرست فيها اللغات الأوربية حتى خرجت بعض أجيالهم تنطق الفرنسية والإنجليزية كأنها لغتها الأم ونسيت العربية تماما

وهذا الأمر هو الذى تحدث عنه إمام العصر الإمام محمد متولى الشعراوى رحمه الله عندما شرح دور الأزهر فى تعميق العلم والحضارة فى عهود الإحتلال وما بعدها
وهذا يؤكد على المعنى الذى تحدثنا عنه سابقا من أن بداية الحرية والإصلاح تكون بالعلم والتبصير لا بالسلاح

لا يأمر الله إلا بالخير

وعودة إلى الإمام الشعراوى مع تفسير جديد بديع لإحدى كلمات القرآن الكريم تمر عليها العيون مستخرجة فهما خاطئ الدلالة لمراد الآية فى قوله تعالى
[وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا] {الإسراء:16}
حيث درج القراء على أن مدلول أمرنا مترفيها يحمل أمرا من الله تعالى لمترفي القرى الظالمة بالفساد فى الأرض وهو تفسير بينه الشعراوى على أنه تفسير متجنى قاصر عن إدراك المعنى الأصلي
فالله عز وجل لو أنه بالفعل أمر المترفين بالفساد والإفساد فعلام يكون العقاب ؟!
هذا بالإضافة إلى أن الله تعالى لا يأمر إلا بخير فكيف يتصور معه أن يأمر بأشر الشر
وبين الشيخ رحمه الله أن هناك فصلا واجبا بين كلمة أمرنا وبين الفسق ..
فالله عز وجل أمر مترفي القرية بالتقوى وهذا هو معنى الآية فخالفوا أمر الله تعالى ففسقوا فحق عليهم العذاب .. ولذلك أتت الآية بالنص البديع أمرنا مترفيها ثم تلتها بتعبير ففسقوا .. ولو كان الأمر أمرا من الله تعالى بالفسق لما جاء التعبير بقوله ففسقوا لأن السياق يقتضي أن يبين الأمر عندئذ فتجئ الآية أمرنا مترفيها بالفسق ففسقوا ..
وهو ما لم يحدث دلالة على أن أمر الله عز وجل جاء للمترفين على شاكلة أوامر الله تعالى فى القرآن الكريم دائما بالخير وكانت النتيجة هى مخالفة الأمر فجاء العقاب باستحقاق العذاب
فرحم الله شيخنا الجليل وجزاه عنا خيرا
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
سؤال للعقلاء وفقط العقلاء الخبير منتدى العلوم والتكنولوجيا 75 24-09-2002 07:35 PM
هل الدفاع عن منهج اهل السنة والجماع امير خطاب منتدى العلوم والتكنولوجيا 5 09-09-2002 12:10 AM
من الشيخ الجزائري إلى عموم الشيعة التابعي منتدى العلوم والتكنولوجيا 27 07-09-2002 12:03 PM
شاهد هذه الوثيقة الخطيرة جدا حفيد الفاروق منتدى العلوم والتكنولوجيا 10 28-08-2002 12:54 AM
كـتاب الـحـج للشيخ سليمان العلوان القوي بالله منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 07-02-2002 08:33 PM


الساعة الآن 10:44 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com