عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات الأدبية > منتدى عـــــــذب الكــــــــلام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 03-02-2018, 03:24 PM
عمرو_مصطفى عمرو_مصطفى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2011
المشاركات: 16
افتراضي سر الخاتون






اليوم ذكرى تدشين الخاتون ..
الذكرى الـ .. الـ.. لا اذكر تحديداً المهم أنها في مثل هذا اليوم ...
- هوررررراه .... هوررررراه ....
هكذا تصايح البحارة مرحبين بالخبر السعيد ....
اليوم سنتوقف عن قتل الوحوش ومواجهة المسوخ وأكلة لحوم البشر
ومضايقة طائر الرخ العملاق ...
اليوم يوم أكل وشرب ولهو ...نخب الخاتون الغالية ....
و المزيد من شراب بربور البحر الفاخر.....
- مرحى .......هوررررراه ....
هكذا انهالت شلالات بربور البحر على غير العادة في بقية أيام الخاتون
لأن اليوم .. يوم غير عادي .. ففي الإيام العادية يعمل البحار يوماً كاملاً
مقابل بربور واحد من برابير البحر وشطيرة صرصور البحر المخلوط
بصلصة بصاق البحر ...
ووقفت أتأمل في رضا طاقم الخاتون الفاتن وهو يسبح في بحر البرابير والصراصير والسنتهم تلهج بالثناء على الربان السخي سندباد ....
حميد صديقي اللدود ...والريس شهاب العجوز
ورشيد الطبيب الحاذق .. وخادمي المطيع سبع
البحار ... وحتى تنتن وتنتون ثنائي الإزعاج ... الكل سعيد ...
رشفت رشفة أخيرة من شراب بورص البحر (لأني حقيقة أتقزز من شراب بربور البحر هذا ...)
وأعلنت لهم ان الحفل حفلهم .. ثم توجهت بخطوات ثقيلة إلى قمرتي
الخاصة ...
***
هنا أعرف أن البحارة يتهامسون ..
الريس سندباد دائماً مايتركنا في أوج الأحتفال بتدشين الخاتون
ويختلي بنفسه في قمرته الخاصة ...
مسح الريس شهاب فمه بكم سترته وارتعش صوته :
- السندباد يحتفظ بذكرى مؤلمة تتعلق بالخاتون .. وهو يؤثر العزلة حتى لا يراه أحد وهو......
- شششت .....
قطع العجوز عبارته ناظراً ناحية البحار حميد الذي حدجه بنظرة نارية
ليخرس ... فتنحنح قائلاً في حرج :
- يبدو انني أكثرت اليوم من شراب بربور البحر ...
ونظر تنتن إلى تنتون وقد الهب حواسهما الفضول وعقد سبع البحر
ساعديه المكتنزين بالعضلات راسماً على وجهه الأبنوسي تعبيراً مهتماً وترك الطبيب رشيد فحص جرح أحد البحارة والذي بدأ جرحه ينزف شراب بربور البحر بدلاً من الدماء ... وتسمرت عشرات الأزواج من العيون
على وجه العجوز المتغضن الذي تثائب وتمطى ثم
أعلن انه بحاجة إلى النوم وتجشأ مرتين قبل أن ينصرف...
هنا صاح حميد في حبور مصطنع :
- فلنغني ما نحفظه من أغاني البحارة فاليوم لن يتكرر إلا بعد عام.
وهكذا انشغل البحارة في الغناء الذي لا يقل شناعة عن شراب
بربور البحر وعاد تنتن وتنتون يتنافسون على من يأكل أكبر عدد
من سحالي البحر ... وعاد رشيد لفحص جرح البحار الذي بدأ يتعفن ..
أما سبع البحر فقد ظل عاقداً ساعديه وهو ينظر واجماً إلى حيث أختفى
العجوز شهاب .....
***
فتحت الصندوق الخشبي الصغير وتناولت القلادة التذكارية
التي نقش عليها أسم الخاتون وضممتها إلى صدري ...
لماذا أجعلهم بالخارج يحتفلون وأنا بالداخل أتمزق من الألم والمرارة ... ؟
لماذا جعلت لهم يوم تدشين الخاتون عيداً ...؟
وهو بالنسبة لي جرحاً غائراً لا يلتئم ....
لماذا أتسلى بسكب الملح على الجرح الغائر ليشتعل الألم من جديد ....؟
لماذا ...؟
أنحنيت في حدة وافرغت ما بمعدتي في دلو مجاور ....
واعتدلت محتقن الوجه مشوش الرؤية فقط لأجد امامي ذلك
الشبح العملاق الذي يقف على باب القمرة ...
ـ هل سيدي مريض ..؟
- أنا بخير ...لماذا تركت الحفل يا سبع البحار ....؟
اطرق سبع البحار برأسه إلى الأرض واجماً وهو يقول :
- الحفل لا يصير حفلاً بدون سيدي ....
قلت ويدي ترتجف وهى تعتصر القلادة :
- عد يا سبع البحار .. أنه افضل بدوني ...
وضممت القلادة إلى صدري مستطرداً في إنهاك :
- وأنا أفضل بدونه ................
للحظات ظل سبع البحار جامداً في مكانه .. كنت اعرف أنه يتألم
لحالي .. لكن حاجتي للعزلة كانت اقوى من حاجتي لشفقة سبع
البحار ... واستدار العملاق الأسود ليغادر لكنه توقف فجاة وقرر
أن يسأل السؤال الملح :
- لكن .. ماسر حزن سيدي في يوم عيد الخاتون الغالية ...
لم يكن هناك مفر في تلك الحالة من التحلي ببعض الغلظة
حتى تحسم الأمور....
- من أنت ...؟
قلتها بصوت هادر وبنبرة من لا يقبل الجدال ...
استدار ببطء .. قامته الفارعة تجعلني إلى جواره أبدو مثل فرخ
صغير ينهر طائراً من طيور الرخ .. كان كعادته يطرق إلى الأرض
في خضوع وحياء لا تتناسبان مع حجمه الهائل .. قال :
- أنا خادمك المطيع ...
- لست صديقي إذن ...؟
- حاشاني ان أكون ...
- إذن كيف تجاوزت كل تلك الحدود بيني وبينك ...؟
- أطلب عفوك يا سيدي ...
- غادر قمرتي وانتظر عقابي بالخارج ....
وتأملته بقلب دامي يغادر القمرة حتى غاب جسده العملاق ..
وفي ردهات عقلي المتصدعة
بدأت تدوي الكلمات ....
من أنت ....؟
كيف تجاوزت كل تلك الحدود بيني وبينك ....
من أنت ...؟
من أنت ...؟
من .......
يالا شقائي ....
لقد عادت بي الذاكرة إلى ذلك اليوم ...
الذي كان سبباً في إنقلاب حياتي رأساً على عقب ...
***
شاب يافع مفعم بالأمال والطموحات هذا هو ماكنته ....
كانت مهنتي صناعة السفن رغم كوني أكره البحر...
البحر الذي أبتلع يوماً ما والدي الريس خير الدين .. كنت أكتفي
بصناعة السفن للبحارة واشاهدهم من بعيد يذهبون بها إلى حتوفهم
ولا أجرؤ على الأقتراب من الشاطئ ...الغريب أنني كنت أرتعد
فرقاً من مغامرة البحروفي نفس الوقت أسمح لنفسي بالتسلل إلى ذلك القصرالمنيف ....
مغامرة خطورتها أضعاف أضعاف مغامرة ركوب البحر ....
أرتدي أفخر الثياب وأرجل شعري بزيت الزيتون وأحمل
باقة من أروع الورود وأتقدم بحذر.. وأقترب أكثر وأكثرمن ذلك القصر ...
قصر الخاتون .....................
***
أقترب من قصرها الذي يحيط به سور ضخم كئيب المنظر ...
لكنني اخترت موضع معين بعيد عن أعين خدمها أو رجال والدها المرعبون
سور ضخم جاثم كالكابوس بيني وبينها ....
سور ضخم .. لكنني كنت مستعداً له منذ البداية ...
اخرجت من طيات ثيابي الحبل الغليظ والخطاف ...و
هوووب ...... قابضاً على الحبل بكلتا يدي وعلى باقة الورود
باسناني .. بدأت أصعد......خفة وزني والحماس الملتهب يدفعاني
دفعاً إلى قمة السور .. وحينما وصلت جلست أستجمع أنفاسي
المتلاحقة من فرط القلق والتوتر ....ونظرت للحبل والخطاف
في إمتنان .. شكراً لكم يا أصدقائي فقط عداني بأن تظلا هنالك
حتى أعود ...
مغامرة كهذة كانت من الممكن ان تكلفني حياتي ...
شاب طائش وأحمق ومفعم بالأمال هذا هو ماكنته للأسف ...
الأن يمكنني رؤية النافذة التي تطل علي منها كل مرة ...
الأن ستخرج .. حتماً ستخرج ...
كنت جالساً على ظهر السور وقد أمدتني الأشجار الطيبة الوارفة
بأوراقها فحجبتني عن العيون ..
أتشمم باقة الورد التي أحملها من اجلها في شوق منتظراً إشراقة شمسها ....
وكفي تعتصرالقلادة التي أهدتها لي الخاتون يوم انقذتها من أيدي
اللصوص .. صحيح أنهم تكاثروا علي وكادو أن يفتكوا بي لولا أن جاء
رجال أبيها وأنقذوني !!..
لكنها أعتبرتني منقذها الوحيد
أنا السندباد صانع السفن المتواضع منقذ الخاتون العظيمة....
ومن يومها صرت مجنون الخاتون....
أتي كل مرة إلى قصرها فالتمس منها نظرة تطل بها
علي من شرفتها الخاصة تكون بمثابة أكسير الحياة الذي يبقيني حياً حتى أعود إليها من جديد...
وها قد جئت .. وها أنا ذا أنتظر ....
هنا هبت رياح عطرة لفحت وجهي فأجفلت تجاه الشرفة وقلبي يخفق بين أضلعي ....و..............................
رأيتها هنالك تطل برأسها من شرفتها.....
فتتفجر الينابيع وتفيض فتغرق بفيضها العذب السهول والوديان...
رأيتها تتشمم النسيم العليل ........
فتميد الأغصان وتشدو الطيور بأرق الألحان ......
رأيتها تبتسم ......
فتتفتح الأزهار وتورق الأشجار وتذوب الثلوج التي تغطي الأكام ...
ألوح لها بباقة الورود ..فيتورد وجهها خجلاً ...
فلا أملك إلا أن ألقي بباقة الورود تجاه شرفتها ...
وانتظر حتى تومئ برأسها علامة الإمتنان ..
وأظل جامداً تائهاً لثوان ......
قبل أن أفيق وأقرر أخيراً أنه قد حان وقت الرحيل .....
***
وحينما هبطت في ذلك اليوم من فوق السور....
والتفت لأعود أدراجي .........
وجدت أمامي جارية من جواري الخاتون تنظر إلى وعلى وجهها
علامة الخطر ..
للحظات هرب الدم من عروقي ..وقررت أن أدعي العته من فوري ..
قليل من العته قد ينقذ حياتك أحياناً ...
هنا قالت لي مهدئة وقد لاحظت وجهي الممتقع :
- لا تخف يا سندباد ...لقد أتيتك سراً بأمر من الخاتون شخصياً..
ابتلعت ريقي في صعوبة قائلاً :
- بأمر من الخاتون شخصياً ..هذا مخيف في حد ذاته ...
قالت وهي تبتسم في غموض :
- وهل مقابلة الخاتون شئ مخيف ...
هززت رأسي في عنف مرتين كي أستوعب ما تقول فوجدتها
تشير إلى ماوراء السور قائلة في دلال :
- الخاتون ترغب في مقابلتك شخصياً يا سندباد ...
فهل تسمح ......................................
***
للحظات تحولت إلى صورة مجسدة للعته والبله ولابد ان مظهري كان
مثيراً للسخرية إلى جانب الشفقة طبعاً لأن الجارية الحسناءوضعت كفها
على فمها لتكتم ضحكة رقيعة لو كتب لها الانفلات .. من يدري .. ربما
أنتهى بي المطاف معلقاً على الباب الذي دخلت منه ..
الخاتون تريد لقائي !! لم نتحدث عن قرب منذ ذلك اليوم الذي نجيتها
فيه من اللصوص .. ياإلهي الذي في السماء ... لقد حانت اللحظة
الحاسمة كي أصارحها بمشاعري نحوها ..لقد حان الوقت يا سندباد
لتجني ثمرة تعبك وصبرك على تسلق الأسوار و....
- سندباد لن نقضي النهار كله ههنا والخاتون تنتظر ...
انتزعتني عبارتها من أفكاري الحالمة فقبضت على يدها قائلاً في
أنفعال :
- أين سنتقابل ..؟ في حجرتها ..
- تأدب .. ستلقاك في حديقة القصر .. هناك باب أمن يوصل إلى
الحديقة بعيداً عن أعين الخدم والحراس ...
ياإلهي الذي في السماء ..الخاتون تؤمن لي طريق الوصول
إليها ..أنها تريدك وبشدة يا سندباد .. كنت انطلق خلف الجارية
وأنا أراجع في ذهني بعض الجمل الشاعرية التي سوف ألقيها

على مسامع الخاتون فتنهار من فورها وتصارحني بـ......
- سندباد ..أين أنت ذاهب يا أحمق ..؟!
التفت إلى مصدر الصوت ..كانت الجارية تقف ورائي مكشرة
عن أنيابها فعلمت أنني تجاوزتها وسرت في اتجاه أخر ..
أشارت لي بكفها في حدة بمعنى اتبعني فقط من فضلك ..
- عفواً فلدي مشكلة في ضبط الأتجاهات...
- كدت أن تصير في مشكلة مع حراس القصر يا أبله ..
كان هناك باب بالفعل دلفنا منه ولم يعترضنا أحد من الحرس أو الخدم ...
الحقيقة أنني بدأت اتشكك في وجودهم أصلاً ..المهم اننا صرنا داخل الحديقة..
فالتفت فلم أجد الجارية إلى جواري فارتعدت فرائصي ..هل هو فخ
أم .... هنا لمحتها ....

كانت تنحني في وقار ملتقطة وردة من بين الورود التي ألقيتها إليها منذ قليل
واعتدلت في خفة وهى تتشمم الوردة وتنظر إلى مبتسمة..كانت هي الخاتون
تمشي على الأرض ...
حاولت أن اقترب في بطء من الشمس المشرقة أمامي وأنا أتحاشى
لفح حرارتها ..بيد مرتجفة اشرت إلى الوردة التي تتشممها والتي كانت
بيدي أتشممها منذ قليل ..قلت :
- هل ..هل أعجبك ...؟
ألقت الوردة جانباً في لا مبالاة وهي تقترب مني قائلة :
- جداً.....
نظرت في ارتباك إلى الوردة الملقاة .. الحقيقة هذة أغرب طريقة
للتعبير عن الأعجاب بالورود .. لعل هذا عرف سائد عند هؤلاءالأعيان
لابأس .. غداً سأتعرف على الكثير والكثير من عاداتهم .....
كانت قد صارت على بعد ذراعين مني فاغمضت عيني
وقد أذاها الوهج المشع من اتون الجمال المجسد امامي ..
عربة أبوللو التي تنثر الضياء في الأرض تجسدت أمامي في صورة
الخاتون ...
- وماذا بعد ...؟
فتحت عيني اليسرى لأبصرها قائلاً في براءة :
- بعد ماذا يا مولاتي ..؟
لمحت نظرة عاتبة في عينيها فعدت أغمض عيني مرة أخرى
واكتفيت بسماع صوتها الرقراق :
- كل هذا العناء الذي تتكبده من أجلي ..حملك للزهور وتسلقك الأسوار
لن اسمح لك أن تعرض حياتك للخطر يا من انقذت يوما ما حياتي ..
فتحت كلتا عيناي على اتساعهما صائحاً :
- هل تخافين على حياتي حقاً ..؟
- ششت ....صوتك يا ابله....قطعاً يا سندباد انت بالنسبة لي لست
كأي شخص أخر ...
ياإلهي الذي في السماء ..لو كان هذا حلماً فسوف أموت
كمداً لو أستيقظت منه الأن ..قلت لها وأنا أحاول أن أبتلع
ريقاً لا وجود له :
- هذا ليس حلماً ..؟ كل ما أسمعه حقيقي...؟
- بالطبع .. أنت لا تعرف مالذي تمثله لي ..لابد ان تحسم
أمرك معي الأن.. لن تظل هكذا طوال عمرك تلاقيني من وراء
الأسوار ..
- ممكن نلتقي في قبو القصر لو كان يتسع للـ........
هنا قاطعتني في حنق :
- سندباد ..
ثم تهدج صوتها فجاة مكملة :
ـ ألم تفهم بعد يا أحمق ...؟
يالاحماقتي ..الأن أفهم ..الأن أفهم ...أقتربت منها وانا
أتردد في إمساك يديها البلوريتين خشية أن تتحطم بين
أناملي وتتحول إلى شظايا و فتات ..
الأن أتكلم .. الأن أقولها بصوت ملتهب ملتاع ملتـ.....
حقيقة لا أجد الأن لفظاً أخر يسعفني على نفس المنوال
.. المهم أنني قلتها اخيراً :
- هل تقبلين الزواج مني أيتها الخاتون ؟
***
أنت...
من أنت ..؟
صانع السفن !! يريد الزواج من الخاتون ....!!
أنت ...
من انت ...؟
لقد تجاوزت كل الحدود ...
أنت ...
مسكين أنت ....
أنت ...
أمجنون أنت ...
كان لابد لي أن أعرف هذا
كان لابد لي أن امنعك من جنونك منذ البداية ...
كنت أشعر بقدماي تغوصان في الأرض العشبية ..وأنني
أتضائل ..أتضائل ..وهي تتعاظم وتتعاظم .. وتزداد قامتها طولاً
وتزداد كلماتها قسوة ..ترى هل جننت فعلاً ... وفي لحظة ...
أدركت أنني كنت جاثياً أمامها وأرفع طرفي إليها في عليائها
لهذا شعرت أنها إزدادت طولاً ..كنت مصدوماً .. وكان سيل
الكلام مازال ينهمر ...
- أنت لم تفهم يا أحمق .. انت كنت سبباً في إنقاذ حياتي لذا
شعرت نحوك بالإمتنان وأن جميلك لا يقدر بمال ..لكنني فوجئت
بك تجن وتتسلق أسواري وتلقي إلي بالورود .. كنت أخشى عليك من الحراس
والخدم لو لمحك أحدهم لقطعت رأسك وزين بها أحد أبواب القصر
لهذا طلبت مقابلتك كي أطلب منك ألا تكرر فعلتك ثانية .. حرصاً
على حياتك .. لكنك يا مسكين ذهبت بعيداً جدأ ..وأردت ان تلمس الشمس
براحتيك ..
الأن أحترق بنيرانك أيتها الشمس ..ومن أعماقي أصرخ : أريد ظلاً
وماء ..ظلاً وماء ...
كانت تتصارع بداخلي الأفكار .. هل رحت ضحية لحماقاتي .. أم رحت
ضحية لشرنقة الغدر ....
.. أنا الفراشة الحمقاء التي تنجذب لجذوة من لهب تحسبها
ضياء ..فتهوي محترقة أجنحتها صرعى...... لسراب ....
دسست يدي في جيبي وأخرجت القلادة ..التي كانت مكافأة لي ليس
إلا ..كان من الممكن أن تكون صرة من الدنانير تدس في كفي
وينتهى الموضوع ...لكن لا ...
رفعت القلادة إليها وانا اتحاشي النظر تجاهها
كنت أنظر إلى وردة مسكينة ملقاة هنالك ..ألقتها يد بلورية ..
- تلك القلادة .. لم أعد أستحقها الأن ...
- أعرف أنك لا تستحقها .. لكن أحتفظ بها حتى تذكرك بهذا اليوم
أنظر إليها يا سندباد كلما اختليت بنفسك ..ستذكرك بحقيقتك يا صانع
السفن ..وليكن هذا درساً قاسياً ربما يكون سبباً في قلب حياتك رأساً
على عقب.
أعتصرت القلادة وانا أضمها إلى صدرى ..ورفعت طرفي إليها
شاحباً كالأموات ..وقلت في سخرية مريرة :
- أعدك انني سأحاول ألا أبيعها لأول صائغ يقابلني
وسأظل اتذكرك دائماً أيتها الخاتون الغالية ....
- مرجانة .....
هكذا صاحت في حدة فخرجت الجارية الشمطاء من وراء إحدى
الأشجار كان يبدو عليها الإستمتاع ..الأن افهم سر ابتسامتها
الغامضة ..قلت لها من بين أسناني :
- ظهرت يا بومة .....
ابتسمت لي في مقت قبل أن تنحني للخاتون قائلة :
- مولاتي ...
- أصحبي صانع السفن إلى الخارج حتى لا يقع في أيدي من
لا يرحم ...
قلت في إحباط وأنا اجول ببصري في المكان :
- حقيقة كنت أود أن أرى واحداً من هؤلاء الذين لا يرحمون
أخشى ان يكون قد حدث لهم مكروه ......
أشارت الخاتون إلى الجارية بمعنى أن وقتنا قد أنتهى ..ولم
تنسى أن تبتسم لي في رقة قبل أن تستدير عائدة إلى القصر..!!
وظللت أراقبها وهى تذوب داخل ردهات القصر ..لعلها تكون
المرة الأخيرة ....
أشارت لي الجارية دميمة الوجه كي أتبعها فهممت أن أتبعها
لكنني توقفت فجأة وقد عرض لي خاطر غريب ..فاستوقفت الجارية
مستفهما إياها:
- باذنجانة ..أأ.. أقصد مرجانة ..ممكن سؤال عارض ...؟
هزت رأسها في ملل بمعنى : أسأل ..فقلت لها في شرود :
- هل الأخ الزميل على بابا يعلم أنك تعملين ههنا .....؟
................................................
وفي لحظة وجدت نفسي خارج أسوار القصر أمشي متثاقل الخطوات
لا أرى شيئاً تقريباً ..حقيقة لن أندهش لوكنت أصبت بالعمى ..
وحينما أدركت انني أبتعدت عن القصر بالقدر الكافي ......
ردد السهل المنبسط صرختي.......
طويلة ..مدوية .. ملتاعة ...
***
الموج لا يكف عن لطم الصخرة التي وقفت عليها شارداً ..
لم يعد للحياة معنى أو قيمة أو حتى مذاق .. أشعر بخواء ..
لا حاضر ولا مستقبل فقط ماضي أسود كئيب ..
عجلة الزمن توقفت بالنسبة إليك .. ساعتها تبدأ تفكر في
الشئ الغامض الكامن وراء الحياة ..الشئ الذي نخشاه
جميعاً ونفر منه في أوقات .. وفي أوقات أخرى يغريك
ويجذبك إليه كي تجربه ..
وفي لحظة...تجد نفسك قد تخلصت من رهاب البحر ..
أنها لحظة واحدة لكنها تكفيك كي .................
أليس الموت رائعاً ......................؟
***
واقفاً على حافة الصخرة الصماء أتأمل أمواج البحر المتلاطمة
أوقن أن الموت ليس مجرد قرار نتخذه في لحظة يأس ...
ليس مجرد إخفاقة رأس وينتهي عذابك ..
والحاجز الديني يقف حائلاً بينك وبين رغبة الموت النابعة من
وحي الشيطان ....
هنا رأيت أبشع كوابيسي يتحقق ... رأيت البحر الذي وددت
أن أقفز إليه منذ لحظات يخرج إلي بنفسه..جبل من ماء يرتفع لعنان
السماء ويستعد ليهوي على الصخرة التي أقف عليها ....
كنت فاغراً فمي في بلاهة وعاجزاً عن الحركة حينما غمرت
الموجة العاتية عالمي كله ... ولم أعد أرى شيئاً ..
وللحظات شعرت انني أنتقلت للبرزخ .. وحينما انقشعت الموجة
كنت منطرحاً على الصخرة الصلدة مبلبلاً ومبتلاً ..
أسعل فيخرج الماء المالح من فمي وأنفي ..
وحينما بدأت أستعيد توازني وأعرف من أنا وماذا حدث لي
أنتفضت واقفاً كالملسوع وأنا أرمق البحر في رعب ..ياإلهي
مالذي أتي بي ههنا ..إنه البحر يا ابله ..البحر الذي ابتلع أباك
يوماً ما ..أبتعد ..أبتعد يا أحمق ..
كانت نوبة عاتية من نوبات رهاب البحر تجتاحني ...
وكنت أتراجع بظهري في عنف وأنا موشك على فقدان الوعي
أنفاسي تتلاحق وصدري يعلو ويهبط و... هنا ارتطم ظهري
بجسم ما وسمعت من يئن خلفي فقفزت مترين للأمام في لوعة
ثم أستدرت في حدة لأرى الـ......
- أحترس أيها الشاب ...
- عفواً يا أبت ....
كان عجوزاً أشيب اللحية والحاجبين ويرتدي ثياب الصيد
ويحمل صنارة وجراب من الشبك ويتأملني في تشكك ...
- هل أنت من هواة السباحة بالملابس الكاملة أيها الشاب
مما كنت تفر مذعوراً هكذا..؟
نظرت إلي ثيابي المبتلة في حرج ثم إلى العجوز قائلاً في
ارتباك محاولاً إنهاء الحوار سريعاً :
- أنها جنية البحر يا أبت .. دعتني وكادت أن تغرقني لكنني نجوت
والحمد لله ..
قلتها ثم أستدرت في سرعة عائدأ من حيث أتيت فسمعته يصيح
من خلفي:
- أنني أصطاد هنا منذ عشر سنوات ولم أرى يوماً ما أية جنية ...
توقفت مفكراً ثم استدرت إليه قائلاً :
- يبدو انها تفضل الشباب ..جرب أن تصبغ .. فستخرج لك الجنية
من فورها ..
ابتسم لي مجاملاً ثم رأيته يطيل النظر إلي متفحصاً فبدأت أتوتر
كان كمن يستعيد ذكرى قد مضت :
- تبدو لي مألوفاً أيها الشاب ..ألم نتقابل من قبل …؟
- بلى يا أبت ...أنا الشاب الذي صدمك منذ قليل ....
لم يبتسم هذة المرة بل برقت عيناه كمن تذكر فجأة :
- نعم تذكرت ....
- الحمد لله ...
قلتها ثم استدرت كي أنصرف بسرعة من أمام ذلك العجوز
الفضولي وسمعته من خلفي يسترسل في حماس:
ـ إنك تذكرني بأحد البحارة العظام ..كنت أعمل في خدمته
لكنه مات رحمه الله ومن يومها تركت ركوب البحر وقررت أن
أصير مجرد صياد و...
قاطعته وأنا استدير إليه في حدة :
- كان اسمه خير الدين ..؟
لمحت دهشة في عينيه وهو يقول :
- هل تعرفه ؟!! ..لحظة إن الشبه بينكما مريب ..و..
ثم قطع عبارته ليصرخ فجأة :
- أنت سندباد ابن الريس خير الدين ...
- هل تعرف اسمي ..؟
هنا وثب ناحيتي فأجفلت في رعب لكنه أحتضنني في
حرارة وهو يصيح :
- بالطبع أعرفك ..لكنك كنت صغيراً جداً ..ألا تذكر عمك
شهاب ..؟
قلت في حرارة مصطنعة وأنا أتخلص من ذراعية قبل أن
ألفظ أنفاسي الأخيرة :
- حقاً أنت عم شهاب ؟! ...
- هل تذكرتني الأن ..؟
- لا ..أنني أتسائل فقط ...
لكمني في كتفي مداعباً وهو يقول :
- لقد ورثت روح الدعابة من أبيك رحمه الله..
صحت وأنا أمسك كتفي في ألم..ثم نظرت إليه غل :
- الحقيقة أنا تشرفت بلقائك..وإن شاء الله سيكون لنا لقاءات
أخرى أما الأن فـ.....
هنا قاطعني بلهجة لا تقبل النقاش :
- مستحيل أن اتركك.. أنت مبتل تماماً .. لابد أن تأتي معي
إلى كوخي الصغير ..
وأشار قريباً وهو يكمل في حماس :
- إنه قريب من هنا .. هيا قبل أن تتصلب أطرافك ..
كان لقاءً حميمياً بيني وبين المدفأة التي في كوخ العجوز شهاب
وقد أستبدلت ثيابي المبتلة بقميص مهلهل من قمصانه..فبدا مظهري
كالمعاتيه .. سألته وأنا أنظر للقميص في تحسر :
- هل هذا قميص فرحك يا عم شهاب ..؟
ناولني صحن به شئ يؤكل وهو يجيب مبتسماً :
- أنا لم أتزوج أبداً يا فتى ...
قبضت حفنة من الطعام الذي لا ادري كنهه قائلاً :
- بحار لا يتزوج .. هذا غريب ..
قلتها ثم دسست حفنة الطعام في فمي وبدأت ألوكها و.. فجأة تصلبت
وتوقفت عن المضغ ثم لفظت ما أكلته في الصحن متقززاً ..
نظر لي العجوز متشككاً .. ثم تناول مني الصحن وذاق منه حفنة
ثم هز رأسه في تفهم :
- لقد تعفن .. لقد طهوته منذ أربعة أيام فقط .. أم لعلها ستة ...تباً
إن ذاكرتي لم تعد كما كانت ...يالا الخسارة كنت أريدك أن تجربه
طازجاً .. أنه مصنوع من ديدان البحر ...
حاولت أن أقاوم شعوري بالغثيان وأنا أقول له مجاملاً :
- لا عليك .. أنا لا أحتاج لطعام حقيقة ...
هنا أشرق وجهه قائلاً :
- إذن لتشرب شيئاً ..
وقبل أن أعترض وجدت كوباً به سائل مريب في يدي فنظرت
إليه في قلق فأشار لي مشجعاً بمعنى أشرب وستدعو لي ..
قربت الكوب إلى فمي ورشفت منه رشفة وتذوقتها في حذر
كانت لا بأس بها فهززت رأسي في رضا :
- إنه جيد ..ما أسم هذا الشراب
قال في فخر :
- هذا شراب البحارة المخضرمين .. بربور البحر ..
سمعت عنه...؟ سندباد لماذا أصفر وجهك هكذا ..أنت
لست على مايرام ..يبدو أنك أصبت بالبرد يا بني ..
***
كانت تلك بداية علاقتي الوطيدة بالريس شهاب .. وجدت فيه
شيئاً من رائحة والدي .. كنت اتمنى أن أجلس مع شخص مثله
عارك الحياة لأبث له همومي وأحزاني بالأضافة إلى سماع
حكايات أبي الشيقة مع البحر .. لقد عرف عني الكثير والكثير
وعرفت منه الكثير والكثير .. وقد صدم حين عرف قصتي مع
الخاتون ..وعاب علي تسلق الأسوار وخلافه وأن هذا لا يليق
بمن كان أبوه الريس خير الدين مثال التدين والأخلاق النبيلة
حتى شعرت بالخجل من نفسي ومن تصرفاتي الطائشة ولما
لمس مني الندم أخذ يسري عني ويخبرني أن البحارة يقابلون
خلال رحلاتهم جميع أشكال وأصناف النساء والخاتون ليست
أخر النساء ...قلت له في بساطة:
ـ كل هذا جيد.. لكنني لست بحاراً أيها الشهاب ..
هنا صارحني بما كان يحلم به والدي .. وهو أن يصير ولده الوحيد
يوماً ما بحاراً لا يشق له غبار .. أسطورة يتحاكى بها الناس
على مر العصور ..
لقد سار حلم والدي مشرقاً وسرت مغرباً .. لابد أنه الأن يلعن
اليوم الذي أنجبني فيه ويتمنى لو يعود من البرزخ فقط
ليبصق في وجهي ويرجع ثانية...... ياللعار ...
هنا قال العجوز وهو يبصق في النار التي في المدفأة :
- يمكننا أن نتدارك الأمر .. ونحقق حلم والدك ...
- وكيف أتغلب على رهاب البحر ...؟
- دع هذا لعمك الشهاب .. فقط نحتاج إلى سفينة ....
كان هذا هو الشئ الوحيد الذي أجيده .. لذا بدأت جدياً
في التنفيذ .. أيام طويلة من العمل المضني في جمع الأخشاب
وتوفير الخامات والعمالة المطلوبة لتنفيذ ذلك الحلم ....
سفينتي الموعودة والتي سيتحدد بها مستقبلي مع البحر ..
وكان العجوز شهاب يبذل جهداً مضاعفاً كي يقنعني
بركوب البحر.. وفي النهاية أضطر أن يجمع لي خمسة
من البحارة الضخام حملوني مثل الجوال وأنا أوزع فيهم
ركلاتي ولكماتي ولما تمكنوا من تقييد حركتي أستعضت
عن ذلك بالسباب ... وطرحت طرحاً في أحد القوارب
وبدأ البحارة يجدفون وبدأ القارب يبتعد عن الشاطئ ...
كانت لحظات صراخ وعويل ونحيب ..وسباب ...ألخ
كانت لحظات صعبة ومريرة .
***
كان حلمي يقترب من نهايتة .. قمت ببيع منزلي لأكمل
صناعة السفينة ....
كان الشهاب يقول أن البحار لابد له من دار يعود إليها ..
لكنني كنت قد فقدت كل شئ يربطني باليابسة ...
كما ان والدي لم يعد من البحر كما يزعم العجوز النصاب..
فهل أعود أنا......
ووقفت أتأمل هيكل السفينة التي صارت رفيقة دربي فيما بعد
سينحصر عالمي في تلك السفينة .. عالم صغير يطفو على
سطح الماء وهذا العالم ملك لي ... هنا شعرت بقبضة قوية توضع
على كتفي وسمعت صوتاً مألوفاً من خلفي :
- فيما شرودك يا سندباد ...؟
تمزقت تأملاتي في كل صوب والتفت لأرى من المزعج الأتي ..
ساعتها لم أتمالك نفسي من الفرحة ...
- حميد!! ...أية رياح عفنة ألقت بك ...؟
وأمام الهيكل الضخم تعانقنا أنا وصديقي الحميم حميد ..
لقد عاد من رحلة بحرية مع والده الريس علي .. كان مشدوهاً
لا يكاد يصدق أنني قررت ركوب البحر وأبدى إعجابه وفرحه
بذلك بالرغم من كم الأسئلة المحيرة التي يود أن أجيبه عليها ..
صاح وهو يلكم ذراعي مداعباً :
- تغيرت كثيراً في الفترة التي تركتك فيها ..ما السر ياترى ..؟
أبتسمت بركن فمي قائلاً :
- قصة طويلة .. سأحكيها لك فيما بعد ..
هنا سألني السؤال الذي كنت أخشاه :
- ماذا فعلت مع الخاتون ..؟
هذة هى الضريبة الفادحة للصداقة .. صديقك يعرف أكثر مما ينبغي
وحينما تقرر أنك نسيت يعود ليذكرك بكل فظاظة ...
نظرت إلى الأفق في شرود قائلاً :
- أنت قلت أنني تغيرت .. وأنا أظن أنني نضجت ..فلم أعد أفكر
إلا بشئ واحد .. تلك السفينة التي تراها .. هي كل شئ بالنسبة لي..
نظر حميد إلي في شك .. ثم نظر إلى هيكل السفينة نظرة
فاحصة ثم التفت إلي فجأة قائلاً :
- هل علمت من الذي جاء معنا على ظهر سفينة والدي ؟
قلت في سخرية:
- من.. الخليفة.. ؟
- لا ..أنه الأمير جعفر ..ابن عم الخاتون ...
قالها بلهجة خاصة وهو يتفرس في ملامحي ليرى مدى تأثري...
عقدت ساعدي أمام صدري ويممت وجهي ناحية البحر قائلاً :
- يبدو أنه دفع كثيراً جداً لوالدك ..
- سندباد أنت لا تفهم .. الأمير جعفر جاء لإتمام زواجه
من إبنة عمه الخاتون سيتم الزواج بقصره المنيف في وسط المدينة....
لماذا تعود الأن يا وجه البومة لتغرس خنجراً في صدري..
ليتك لم تعد ..
نظرت إليه وأنا أشعر بكل خلجة من خلجاتي تنتفض :
- أنت الذي لا يفهم .. أنا لم أعد أفكر إلا في تلك السفينة
قال في خبث مداعباً :
- يبدو أنك فشلت معها يا صديقي ...هه..؟
- لن أرد عليك ..
وتركته وتوجهت ناحية الهيكل وتناولت قدوماً وبدأت أهوي
به في غل ..هذا المسمار لم يدق جيداً ..هه..هه .. وهذا ايضاً ..
- سندباد لا تغضب مني يا صديقي .. بل أنا سعيد انك تخلصت
من جنونك وكنت فقط أختبرك ...
توقفت عن الدق والتفت إليه بوجه أحمر كالطماطم صائحاً :
- وهل نجحت في إختبارك اللعين ..؟
- بالتأكيد هذا هو السندباد الذي أعرفه ...
وصمت هنيهة قبل ان يشير إلى السفينة قائلاً في انبهار :
- ستكون سفينة رائعة ..
- بلى ....
- أي أسم ستطلقه عليها ..؟
قلت في شمم:
- الخاتون ....
هنا اطبقت فمي وانا أحدج حميد بنظرة جانبية ..كان ينظر
إلي في حدة رافعاً حاجبه الأيمن.. فقلت له في براءة وأنا
أضم اناملي كمن يتحسس ثوباُ من حرير :
- الأسم فيه لمسة شاعرية لا تنكر ...أليس كذلك ..؟
***
كانت الأيام تترى ..وجاء يوم تدشين الخاتون ....
لم تعد أمواج البحر تقلقني .. لقد قال لي الشهاب مرة
حاول أن تصادق الأمواج وتفهم لغتها وتسمع مناجاتها ..
وكنت أعتقد أنه عجوزاً مخرفاً لا أكثر ..
لكنني مع الوقت أدركت مدى صدق عبارته ...
هل جربت مرة أن تعطي أذنك لموج البحر وتدعه يلقي
إليك بأسراره ...؟ هل جربت إحساس من عاد إلى دياره
بعد غياب سنين طوال ليكتشف أنه
ينتمي إلى تلك الديار ولا شئ سواها ... كانت دياري
ههنا منذ الأبد ولم أعرف لي دياراً سواها .. هنا حيث
تتلاحم قبة السماء مع البحر اللجي ..في عناق سرمدي
هنا حيث تعطيك الطبيعة قبلة الحياة والأمل ...
هنا حيث تهدر الأمواج مبتهجة وتقرر أن تغني لك أغنية....
***

كان حميد هو أول أسم يضم إلى سجل سفيتني بعد الريس شهاب دون أن أعرض عليه ..أو حتى يفكر
هو في عرضي الذي لم أعرضه .. كان موجوداً معي
هنالك قبل الأزل ... وبقية الطاقم أستعان بهم الشهاب
من الحانات المكتظة بالبحارة الباحثين عن عمل ..
البحارة قذري الثياب خشني الطباع شديدي البأس ..
وعليك أن تحكم سيطرتك عليهم حتى لا ينقلبوا عليك
في عرض البحر في أي لحظة ..
عليك أن تكون حازماً صلباً كالصخر...
عليك ان تكون مرناً ذكياً عارفاً ببواطن الأمور ...
كان يوم تدشين السفينة الخاتون يوماً حافلاً .. لا ينسى ....
كان هناك مجموعة من الشيوخ ممن أنتهت صلاحيتهم
أصر الشهاب على إنضمامهم إلينا (لأنهم أصدقاء قدامى )
وكذلك كي نحقق لهم رغبة أخيرة ..وهي أن يموتوا وهم بحارة ...
لذا صممت وقتها على أن نصطحب معنا طبيباً ماهراً
وفي نفس الوقت يصلح أن يكون حانوتيا حاذقاً ..
من هنا برز لنا السيد رشيد وانضم إلى الفريق ...
كان يوم تدشين السفينة الخاتون يوماً حافلاً ...لاينسى ...
كان يوم تدشين السفينة الخاتون هو نفسه يوم زواج
الخاتون الغالية بالأميرجعفر ....
كنت أقف هنالك مستنداً على حافة سفينتي وأنا أشيع البر
بنظراتي وهو يبتعد وصخب البحارة وهدير الموج يفعم أذني ..
وقلت لنفسي كل منا معه خاتونه التي لن تفارقه فلماذا نحزن ..؟
لماذا نكتئب ..؟ لنبتسم ولنتحلى بالروح السمحة ...
ومن قلبي تمنيت للأمير جعفر أن يخسف به وبقصره الأرض
قبل أن تصل إليه الخاتون ..
لكن السؤال الحائر الذي يتردد بداخلي حيناً بعد حين
ولا اجد له إجابة ...ظل يلح علي هذة المرة ....
لماذا الأوغاد دائماً أسمهم جعفر ....؟
هل يعرف أحدكم إجابة ....؟
***
فجأة أرتجت الخاتون .. ووجدت نفسي متكوماً في قعر
القمرة .. وفي لحظة تلاشت ذكريات الماضي وعدت للحاضر..
أقتحم حميد القمرة وعلى وجهه علامات الخطر ..صاح وهو يعينني
على النهوض من سقطتي:
- لقد انتهى الحفل يا سندباد ..شئ ما يضرب الخاتون من أسفل القاع ..
قلت في سخرية وأنا انفض تراباً وهمياً عن ثيابي :
- مرحى لقد عدنا لحياتنا الطبيعية ...غيروا الدفة عكس أتجاه الضربات..
هزة أخرى أكثر عنفاً هذة المرة ..أي شئ رهيب يفعل بنا هذا ؟
صحت في حزم :
- أريد منظار البحر حالاً ...
انطلق حميد لتنفيذ الأوامر على حين قمت أنا بلف حزامي الذي
يحمل كافة أسلحتي ومعداتي الخفيفة حول خصري
حسنأً كله تمام..و.. هزة أخرى ..تباً لك يا من بالأعماق ..
جذبت نفس عميق ثم تقدمت في أعتداد مغادراً القمرة و..
هنا لمحت سبع البحار واقفاً على باب القمرة كتمثال من الأبنوس..
- سبع البحار لماذا تقف هكذا ..؟
- أنتظر عقابك لي يا سيدي ...
هنا أرتجت السفينة فوجدتني أحتضن سبع البحار رغماً عني ..
سبع البحار لقد نسيت أمرك تماماً ..
كنت مازلت متعلقاً به حينما رفعت إليه طرفي ..كانت رأسي
عند معدته تقريباً ...أبتلعت ريقي في صعوبة ثم قلت له في أنهاك:
- لو كتب لنا عمر يا سبع البحار.. ونجونا ..
ذكرني حينها كي أعاقبك .......................
***
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الصندوق عمرو_مصطفى منتدى عـــــــذب الكــــــــلام 6 03-02-2018 03:08 PM
يلا شوت حصري مشاهدة مباراة مصر وبوركينا فاسو بث مباشر يوتيوب اون لاين إبراهيم أ منتدى الكرة العربية والعالمية 0 01-02-2017 04:08 PM
الخاتون مس بيل محمد الشاهد منتدى العلوم والتكنولوجيا 26 27-06-2011 11:41 PM


الساعة الآن 09:54 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com