عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات الأدبية > منتدى عـــــــذب الكــــــــلام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 09-01-2020, 10:22 AM
عبدالعزيز صلاح الظاهري عبدالعزيز صلاح الظاهري غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Mar 2019
المشاركات: 14
افتراضي ( نجرب ) و ( نقرر )




داخل شقة لمبنى مكون من ثلاثة أدوار جلس يعقوب ، الذي التصق رأسه بجسده مع بروز لشحمة الذقن ، كانت تهبط وترتفع مع حركات رأسه والتفاتاته ، بينما اختبأت الأذنان الصغيرتان خلف صدغيه ، واعتلى شفته العليا شارب كثيف ، كان سببًا لحجز أنفاسه ، واندفعت عيناه البارزتان و لم تعد تستظلان تحت ظل أجفانه ، بينما امتلأ الثوب المصري الذي كان يرتديه بشحوم الصدر والكرش والخصرين ، حتى ارتفع ليترك الساقين النحيفتين في العراء ، يشاهد التلفاز وبالقرب منه جلست زوجته ، كانت هزيلة ، شاحبة الوجه ، أنحل جسدهَا كثرةُ الإنجاب في محاولة الأب اليائسة لعلها تنجب له ابنًا يحمل اسمه ويعينه ،كانت النتيجة تسعة بنات أكبرهن في الثامنة والعشرين من العمر وأصغرهن في الثانية عشرعامًا يطُفْن حولهم ذهابًا وإيابًا ، انحجزن مع والديهن في تلك الشقة ، والأمل يراودهن أن يأتي لهن عريس ، أي عريس ؛ ليخرجن من هذه الشقة ، والتي رغم أنها ذات خمس غرف ، سُمح لهن بالتجول في غرفتين فقط ،فالغرف الثلاث الأخرى موزعة ، محرم عليهن دخولها غرفة نوم والديهن ، غرفة استقبال للنساء ، وغرفة استقبال أو مجلس الرجال ، رغم ان هاتين الغرفتين لا تستخدمان إلا ما ندر
وأما الصالة فهي محجوزة ؛ فأبوهن لا يغادرها ، خاصة بعد تقاعده - إلا ما ندر - و كأن قاعدته التصقت بذلك الكنب إلى الأبد ، إنهن تحت المجهر ، هنالك 22 عينًا أو كاميرا تراقبهن ، حُرمن أي خصوصية ...
لذا كثيرًا تسمع صرخاتهن نتاجًا للخصومات ، ويبدأ القرص و شد الشعر واللكمات ، والمنقذ الوحيد والذي يفض النزاعات هو الوالد الذي يحتاج إلى زمن كي يرفع تلك الكتل من الشحوم !
عندها تكون المعركة قد انتهت ، وأجهز المعتدي على الضحية ، ونفضت يدها كي تخلصها مما التصق بها لتنثره على الأرض ، لتصبح أرضية الشقة وأركانها مليئة بالشعيرات التي يتلقفها الهواء ويخبئها تحت الكراسي والطاولات ، لتظهر فجأة في أطباق الطعام أو على سطح كأس عصير أو ماء !
ليبدأ الأب بانتقاد والدتهم المسكينة ..
لذا كان الحل المثالي إشغالهن ، وذلك بتقسيمهن إلى ثلاث مجموعات ، وإدخالهن في منافسة لأفضل طبق و قالب حلوى ، و الحَكَم بالطبع هي الوالدة ، أما هو فهو من يسلم الهدية للفريق المنتصر
و رغم الإيجابيات لهذه الفكرة إلا أن سلبياتها تسلب من الوجه النضارة ومن الجسد الرشاقة ، و نتاجاً لتلك النيران التي لا تنطفئ أصبحت رائحة الشقة مزيجًا من الفانيليا و الشوكولاته و البهارات
و بما أن يوم الجمعة هو يوم عطلة كان الجميع فرِحًا ، فهم على موعد للخروج في نزهة ، و هذه النزهة وجهتها مجهولة لا يعلمها إلا الأب الذي يحكمه المزاج ، فقد يأخذهن إلى البر أو البحر أو إلى أحد الأسواق ، أو يأخذ " لفة " ثم يعود أدراجه ليلتصق بذلك الكنب ،
و بينما الجميع على أهبة الاستعداد ، إذ بجرس الشقة يرن ،
تساءل الجميع : من الذي جاء بدون سابق إنذار ؟!
هل " يتجاهلوه " أم يفتحوا الباب ؟
و لكن الأب اتخذ القرار ، وتوجَّه مسرعًا على غير عادته تسبقه كرشته الى الباب
فتح الباب فاذا به ابن عمه فجذبه و ضمه ورحب به وأدخله ،
جلس يعقوب مواجهًا لابن عمه ، و قد وضع يديه على ركبتيه و قدم رأسه أملاً أن ينطق ابن عمه ، فقد انتهت المقدمات ، شعر ابن عمه بالحرج فتململ ، ثم قام من محله و قال : أعتقد أنني أتيت في وقت غير مناسب ..
لا .. لا .. إنني فقط مشغول ،في الحقيقة انني خائف ..
والآن ادخل في الموضوع .. لماذا هذه الزيارة ؟ و ما وراءها ؟
فنحن لا تجمعنا - مع قلة الأفراح - إلا المصائب .. هاتِ و أخرج ما في جعبتك
فابتسم ابن عمه و قال :
" بالمختصر .. أنا جاي أخطب ابنتك ليلى و سحر لابنيّ "
عندها استرخى يعقوب ، و مدَّ ظهره ليلامس الكنب ، و بدأ بالترحيب بابن عمه و قد ظهر الابتهاج على محيَّاه ..
حاول يعقوب جاهدًا أن يخبِّئ فرحته بما سمعه ، و لكن النضارة التي ظهرت على وجهه فجأة بعد العبوس ، إضافة إلى تلك الابتسامة العريضة التي خرجت من الأعماق لتنفجر وتظهر على محياه ، فضحته ..
فحاول أن يخبئها ، فكانت النكتة والدعابة هي الحل ، فسأل :
ماذا عن أبنائك الثلاثة ؟ تعال شيل الخمسة بمهر واحد ...
فتبسم ابن عمه وقال :
" أولاً دعنا نجرب الاثنتين وبعدها نقرر "
ضحك يعقوب ، و كانت هذه الضحكة مصطنعة ما لبثت أن تلاشت وحل مكانها العبوس ، فابن عمه لم يوفق في الرد على نكتته أو دعابته ، فرده اقترن بمفردتين :
( نجرب ) و ( نقرر ) فهما مفردتان تُستخدمان عند البيع و الشراء ، و بناته لسن للبيع ولا للشراء ، هنَّ أغلى ما عنده ،
و نتاجًا لذلك رفع رأسه في شموخ ، و نطق لسانه بهذه الجملة ..
على كل حال نشاور صاحبات الشأن ، واللي فيه خير يجيبه ربنا
وليثبت له أن هذا الأمر بالنسبة له عادي حاول تغيير الموضوع ، فقال مبتسمًا - بينما كانت إحدى يديه تتحرك وتعمل لا إراديًّا في التقاط أشياء من على الكنب –
ماذا عن برنامجك اليومي بعد التقاعد ؟
ظهرت على وجه ابن عمه مسحة حزن اختلطت بغمٍّ ، وقال: تقول برنامجاً ! أية برنامج ؟ .
ان حياة ابن عمك اصبحت جحيم بعدما تزوجت ابنتي ذلك اللعين ..
أخذ نفسًا عميقًا ، ثم تابع :
أنت تعلم أن مولودي الأول أنثى ، ومن يوم طفولتها حتى بلوغها 22 عامًا هي من تودعني عند خروجي ، وهي من تستقبلني عند عودتي بأجمل ابتسامة ، بينما الأم والأولاد في غفلة عني و لا أراهم إلا لأخذ الأذن مني بالخروج وما يتبع هذا السؤال بالطلب المعهود : هات ..
لقد قدمتها لعريسها رغم علمي أنه سيسلبها مني ، و لكن ما العمل فهذه سنَّة الحياة ،
وبعد انتهاء مراسيم الزواج وانتقالها إلى منزل زوجها ، ظللت أسبوعاً لا أخرج من البيت خوفاً من أن تأتي وأنا خارج المنزل ، و لكن لم يحدث ذلك ، و عندما كنت أحاول زيارتها أو الاتصال بها تمنعني زوجتي وتقول : اتركهم .. إنهم عرسان ..
وعندما انقضى الأسبوع لم أستطع التحمُّل ، ذهبت بدون زوجتي والتي أحسست أنها فرحت بخروجها ..
وتساءلت : أين ما يقال عن حنان الأمهات ؟
المهم لم أشعر إلا وقدماي تحملاني إلى شقتها ، وبعد أن وقفت على الباب مدة سبعة دقائق قضيتها في حالة نفسية لا أعلم كيف أصفها ، خرج (عنترة) عابس الوجه ، اللسان يرحب بدون مشاركة من العينان ، وقادني إلى صالون الرجال !
لقد تحولت إلى ضيف ، وبدأ بالترحيب بي وكأنني جئت لرؤيته أو لآخذ أخباره !
عندها لم أستطع الانتظار ، سألته مبتسمًا :
أين العروسة ؟
لاحظت أن تقاطيع وجهه لم تتأثر أو تتبدل استجابة لابتسامتي له ،
لقد اختفت جميع تلك الابتسامات وتلك النكات وما رافقها من ضحكات هيسترية، والأدب يوم جاءني خاطبًا ويوم أن كان يسرح ويمرح في منزلي " أيام الملكة "!
وقف وقال : دقائق
عندها أحسست وكأنني إنسان أهبل ضعيف ، لأنني ابتسمت لصاحب ذلك الوجه القبيح !
جلست منتظراً لمدة ثلث ساعة ..
جاءت بعدها ابنتي وخلفها - بل ملتصق بها - صاحب الوجه القبيح
لقد رأيت في عينيها الجميلتين الحزن ، رغم محاولتها إخفاءه بتلك الابتسامة !
وقد سترت رأسها ورقبتها بالوشاح ، ولبست فستانًا طويلاً ذا أكمام ، وغطت ما تبقى من وجهها بالمساحيق ؛ لتُخفي عني آثار المعارك الدامية التي كانت تدار !
بينما انتصب هو ، والتصق بها رافع الرأس بشموخ ..
كانت تحت الرقابة ..
كانت ابتسامتها المصطنعة أكثر من الجُمل .. بل المفردات التي تنطقها .
لقد رأيت في عينيها عدم الرضا وهي تحاول مستميتة متابعة حديث زوجها الذي يحاول اختيار الكلمات المنمقة ، متظاهرًا أن كل شيء على ما يرام ..
وعندما شعرت أنني مصدر إزعاج لابنتي استأذنت و خرجت ..
عندها علمت أن زوجتي كانت محقة ، وكان تهربها من زيارة ابنتها عين الصواب ،
فجأة توقف - محاولاً عدم إظهار انكساره – لكن الدموع لم تسمح له فقد اندفعت كسيل جارف حطَّم السدَّ الذي أمامه لتسيل على الخدين ، ليحتجز الشارب جزءًا منها ، بينما أكملت الروافد الأخرى المسير لتحط رحالها على ملابسه وتختفي تاركة علاماتها
شارك هذه العملية الأنف ليزيده انكسارًا وإحراجًا ، بينما راحت الأهداب تتأرجح طلوعًا ونزولا نتيجة لاصطدام الدموع و اندفاعها فطأطأ رأسه ، وتابع وقد تغيرت نبرة صوته :
لقد حطمني هذا الزواج .. لقد أذلني ..
إن ابنتي في كل زيارة تأتي إلينا - وهذا عندما يسمح لها ذلك الزعيم - نرى الآثار والأضرار ، وهي تحاول التفسير والتعليل لما نراه على جسدها ..
فتخبرنا مرة بأنها ارتطمت بأحد أبواب المطبخ أو الدولاب
سكت قليلاً ثم قال : إنني أعتقد أن الله يعاقبني ، فقد كنت فظًّا غليظًا مع والدتها ، ولكن هذه الغلظة لم يتبعها تصلُّب وغرور !
عندها أيقن يعقوب أن تلك المفردات ( نجرب ) و ( نقرر ) التي تسللت من فِي ابن عمه الكبير لم يكن خلفها رسالة تفاخر أو غرور ؛ لذا شعر بالارتياح
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
القومية الايرانية... والثورة السورية... وحرب الولاء لمن...؟ سلمان العراقي منتدى العلوم والتكنولوجيا 1 20-09-2012 11:31 PM
السلفيون وحرب الفتاوي زيد عبدالباقي منتدى العلوم والتكنولوجيا 1 18-11-2010 07:24 PM
أولادنا...وحرب البطاطس..؟؟!! عاشقة الازهار منتدى النقاش الحر والحوار الفكري البنّاء 16 21-10-2010 02:00 PM
رنة جوال يجن من يسمعها حمل وجرب حسون70 منتدى العلوم والتكنولوجيا 1 29-12-2009 08:29 AM
نغمة غير عادية وجرب بنفسك سلامه82 منتدى العلوم والتكنولوجيا 1 17-12-2009 10:06 AM


الساعة الآن 05:55 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com