عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 18-02-2014, 07:13 PM
عبير عبد الرحمن يس عبير عبد الرحمن يس غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 142
افتراضي خصائص المجتمع الحضاري في القران الكريم




ان جهل المسلمين بالمبادئ الأساسية التي أقام عليها الاسلام نظامه في الحياة أدي بهم الي الرضا بنقيضها من الظلم والهوان والقهر وتقبل المذاهب الغربية المتعارضة مع شرع الله فكان نتيجة ذلك هو انحسار الاسلام في نطاق الشعائر التعبدية وغياب معانيه الانسانية والحضارية التي هي جوهره ولب عقيدته من عدالة في الحكم وشوري في الرأي وحرية في التعبير ومساواة أمام القانون وأدي هذا الجهل بتلك التعاليم الي تحلل المجتمعات المسلمة الي شقين :
1-شق رسمي نجد الدولة تأخذ فيه بالاسلام في أضيق الحدود وتبقي فلسفتها العامة ونظمها قائمة علي نمط النظم الغربية
2- شق علماني يفصل بين الدين والدولة
ولذلك سيتم ابراز بعض الخصائص الحضارية الاسلامية كما ذكرها الكثير من المفكرين والباحثين المسلمين نظرا لأثرها البالغ من الاعتزاز والتقدير لقيمنا الحضارية التي سبقت في انسانيتها وعدالتها ماعداها من حضارات أخري فمن هذه الخصائص التي أقام عليها الاسلام منهجه في الحياة :
1-التوحيد :
"فالتوحيد هو عقيدة الاسلام الرئيسية وتصوره النظري وأساسه السلوكي أبرزها القران في قوله تعالي : (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) يوسف : 39 ، ( وان هذه أمتكم أمة واحد وأنا ربكم فاعبدون ) الأنبياء : 92 ونتج عن هذا التوحيد وحدة الذات ووحدة القول والعمل والفكر والوجدان امتثالا لقوله تعالي: ( ياأيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون . كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون ) الصف : 2-3 . ( يقولون بأفواههم ماليس في قلوبهم ) ال عمران : 167 . وظهر التوحيد متحققا في التراث والعلم والحضارة وفي وحدة الشعوب كلها فقد استطاع الاسلام أن يسقط كل حواجز اللغة والطبقات الاجتماعية والقومية والعنصرية وأصبح العمل الصالح مقياسا وأحدا شاملا للجميع " (دراسات فلسفية : حسن حنفي ، 217 )
والاعتراف لله سبحانه بالوحدانية هو السبيل لنجاة الانسانية من المحن التي تمر بها بعد أن تحول الناس الي عبادة الشهوات والمال والمادة الي وحوش يفترس القوي منها الضعيف وكما يقول تعالي : (فان آمنوا بمثل ماآمنتم به فقد اهتدوا وان تولوا فانما هم في شقاق ) البقرة : 137
وقد حدث الاختلاف والدمار للمجتمعات السابقة نتيجة تحريف تعاليم الله (ومن الذين قالوا انا نصاري أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء الي يوم القيامة وسوف ينيئهم الله بما كانوا يصنعون ) المائدة : 14 أما الالتزام بكتاب الله واعمال أحكامه في واقع الحياة فهو السبيل للقضاء علي النزاعات والصراعات التي تفني الأخضر واليابس في المجتمعات مصداقا لقوله تعالي : (وأنزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولاتتبع أهواءهم ) المائدة :48 وحينما ابي الناس أن يستمسكوا بحبل الله انفرط عقد الوحدة التي كانت سبيلهم للفوز بعمران الدنيا وثواب الآخرة " (مستقبل الحضارة : يوسف كمال ص 181، 182 )
وقد كان التنازع والاختلاف والبعد عن منهج الله هو السبب الرئيسي في انهيار حضارتنا الاسلامية حيث حذرنا الله من الفرقة في قوله تعالي : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) آل عمران : 103 ، ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه الا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدي الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدي من يشاء الي صراط مستقيم ) البقرة : 213
وخير ماتحمله لنا عبر التاريخ عن أثر الانحراف عن وحدانية الله وتحريف تعاليمه هو ماحدث لبني اسرائيل من عذاب علي مدار التاريخ والفترات التي شهدت ازدهار واستقرار هي التي اعترفوا فيها بذنوبهم وعودتهم لتعاليم ربهم وفي عصرنا الحديث هلك ملايين الناس ودمرت مجتمعات ومدن في الحرب العالمية الأولي والثانية حين تحكمت في الناس المذاهب الوضعية والفلسفات البشرية ومع أن الحرب قد وضعت أوزارها الا أن الانسان لازال يفتقد الاحساس بالطمأنينة والراحة ويعاني القلق وفقدان الاحساس بقيمة الحياة وذلك لأن هذه الفلسفات البشرية قطعت أي صلة بينه وبين خالقه وحاولت تدمير التوازن الفطري الذي خلق الله الانسان عليه وهو التوازن بين المادة والروح وجعلت من نفسها أربابا يعبدونها من دون الله وكما يقول تعالي : (تالله لقد أرسلنا الي أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم . وما أنزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدي ورحمة لقوم يؤمنون ) النحل : 63 ، 64
وللأسف " فنحن المسلمون اعتمدنا كلية علي الحضارة الغربية وكل ذلك أخمد فينا الشعلة الروحية التي توقظ الحضارة والتي أمدّت الحفاة العراة من بدو الصحراء الذين اتبعوا محمدا (ص) القوة لبنائها حين حولوا تعاليم القران وقيمه الي قوة محركة في العقل والسلوك وبالتالي يكون الخروج من المأزق الحضاري من وجهة نظره هو " تنقية النصوص القرآنية من غواشها الكلامية والفقهية والفلسفية " (وجهة العالم الاسلامي : مالك بن نبي ،ص56 ، عبد الحميد مكور : المشروع الحضاري لمالك بن نبي ودور العقيدة فيه ) والمقصود بعبارة مالك بن نبي أن نبتعد عن كل التفسيرات التي لحقها علماء الكلام أو الفقهاء اوالفلاسفة حيث التأويلات التي تراعي مذاهبهم فأحدث ذلك حجاب بيننا وبين القرآن بتعاليمه المباشرة فهي دعوة من مالك بأن نستقبل القران وتعاليمه بتلك النفوس والعقول التي استقبله بها المسلمون الأوائل قبل تلك التفسيرات والـتأويلات التي سببت الانقسام والتعصب في المجتمع الاسلامي
2- الوسطية (التوازن بين المادة والروح )
قال تعالي : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا )البقرة : 143 وقد روي الامام أحمد عن ابي سعيد الخدري أن النبي (ص) فسر الوسط هنا بالعدل (تفسير بن كثير ج1 ، ص191 ) والعدل التوسط بين الطرفين المتنازعين والوسط هو الخير ولقد حرص الاسلام علي التوازن والاعتدال فلم يحرم الانسان من مطالبه وحاجاته المادية ولم يغفل مطالب الروح " فمن الخطا أن نحسب الدين معرفة نظرية فاذا لم يكن للدين كبحا للهوي وامتلاكا للطبع فلا خير فيه وقد أكد القران أن تزكية النفس هي الغاية من شتي التكاليف والتزكية المنشودة هي التربية الصحيحة وهي تصفية المعدن الانساني من شوائبه وجعل الغرائز كلها تحت رقابة العقل المؤمن فلا تطغي ولا تكبح " (تراثنا الفكري في ميزان العقل والشرع : محمد الغزالي ، ص87 )
وكان الاختلال بهذا المبدأ حيث الاصرار علي تحكم الشهوات منذ بداية الانسان علي الأرض سبيلا للفساد الذي ينتهي الي الهلاك وهذا ماحملته لنا العبرة القرآنية عن الحضارات السابقة حيث تتأرجح الحضارة في اتجاهين متتطرفين : الأول وهو سيرها في الجانب المادي فحسب والذي اذا ساد فان المدنية لاتكون الا في الآلات والمباني والترف والبذخ وتصير المادة غاية الحياة يعبدها الناس ويتصارعون عليها أما اذا ساد الجانب الثاني الروحي فان الحضارة تزوي ويقف نمو الانسان الفكري والمادي ولكن ماتلبث الضرورات الحيوية لدي الانسان أن تثور علي هذه السلبية وهذا ماحدث في أوربا حين ثورتها علي الدين فانزوي الدين وترك الحياة بلا توجيه ( مستقبل الحضارة ، ص142)
اما الاتجاه الوسط فهو الذي يمثله الاسلام حيث لا اسراف في المادة أو الروح كعامل حضارة معا وهو الوسط الملائم للفطرة فالله خلق الانسان من قبضة طين حيث نوازع الشهوة التي تصله بالمادة ونفخ فيه من روحه حيث وصلته تلك به سبحانه ولا يستطيع الانسان ان يعيش عيشا سليما باهمال أحدهما علي حساب الآخر وهذا هو الاشكال الحضاري والمأساة الانسانية التي وقعت فيها الحضارة الغربية حيث نظرت الي المادة والروح نظرة صراع وليست وسطا يؤدي الي التعاون والتكامل والوحدة في النفس الانسانية كما هي نظرة الاسلام فنجد أحاديث الرسول (ص) المتعددة الناهية عن الركون والاعتماد علي الجانب الروحي واغفال الجانب الآخر منها نهيه عن الرهبنة التي هي ضد الفطرة الانسانية ( مدارج السالكين : بن القيم ص60 ، 61 )ونهيه (ص) عن التشدد في العبادة فقال : " لا تشددوا فيشدد الله عليكم فانه كان قبلكم شددوا فشدد الله عليهم فتلك بقاياها في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ماكتبناها عليهم " رواه أبو داود وقال تعالي : (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولاتنس نصيبك من الدنيا ) القصص : 77
وفي الجانب الآخر نهي الاسلام عن حب المادة والتعلق بها لدرجة تبعد الانسان عن خالقه وعن العمل لآخرته واعتبار الدنيا هدفا في ذاتها وغاية فقال تعالي : (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان ومالحياة الدنيا الا متاع الغرور ) الحديد : 20 وقد تمثل المسلمون علي عهد الرسول وخلفائه هذه التعاليم الربانية فوازنوا بين المادة والروح في معاشهم مما هيأهم لبناء حضارتهم وتحقق وعد الله بوراثة الأرض للمؤمنين الصالحين وكما يقول د . يوسف القرضاوي : " الاسلام نظام متوازن يقوم علي الوسطية والجمع بين الثنائيات أو المتقابلات التي يحسب كثير من الناس التقاءها ضربا من المحال مثل المادية والروحية والمثالية والواقعية والربانية والانسانية والفردية والجماعية والدنيوية والأخروية والقدرية والحرية والعقل والوحي والنص والاجتهاد والثبات والتطور وهذا هو المنهج المتكامل الذي يقدمه الاسلام للبشرية رحمة للعالمين وهداية للحائرين وعدلا واخاءا وسلاما للناس أجمعين " (أمتنا بين قرنين : يوسف القرضاوي ، ص251)
3- التعددية :
حين نمعن النظر في التوجيهات القرآنية والممارسات العملية في واقع الحياة للرسول (ص) وصحابته الكرام نجد هناك اعترافا بالاختلاف مع احترام لمن يمثله دون أن يؤدي ذلك الي رمي الآخرين بالكفر والتعصب المقيت للرأي أو التسوية الدموية بين المخالفين سواء بين المسلمين بعضهم وبعض أو بينهم وبين المخالفين لهم في العقيدة فالله سبحانه يدعونا الي ضرورة وجود فئة تصلح بين المؤمنين لاسيما اذا وصل الخلاف لمرحلة الاقتتال (وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت احداهما علي الأخري فقاتلوا التي تبغي حتي تفئ الي أمر الله ) الحجرات : 9
أما اذا حدث الخلاف بين المسلمين والمخالفين لهم في العقيدة فانه سبحانه دعانا الي السلم ان هم دعوا اليه وتركوا مهاجمة المسلمين والاعتداء عليهم فقال تعالي : (وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل علي الله ) الأنفال : 61 (لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين ) الممتحنة . واعمالا لهذه الآية وجدنا الرحمة والرأفة هي منهج سلكه المسلمون في تعاملهم مع اعدائهم حتي في وقت الحرب فقال (ص) : " من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة " ( بن القيم : زاد المعاد ج2ص 90 ) وهذا أبو بكر يوصي أسامة بن زيد قائلا : " ....لاتخونوا ولاتغدروا ولاتمثلوا ولاتقتلوا طفلا صغيرا ولاشيخا كبيرا ولاامرأة ولاتقطعوا شجرا مثمرا ...وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له ..." (تاريخ الطبري : للطبري ج2 ص 463 )
وديننا يعلمنا أن الاختلاف والتنوع بين الناس بعضهم وبعض هو أمر طبيعي بل هو من سنن الفطرة التي فطر الله الناس عليها وأقر بها وأوجد الشرع منافذ وآليات لعدم وصول هذه الاختلافات الي حد البغي والتنازع الدموي فقال تعالي : (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين . الا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) هود 118 ، 119 فالاختلاف له صور ايجابية منها أنه يؤدي الي التعاون والتلاحم بين الناس فقال تعالي : (ياأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم ) الحجرات : 13
صور من التعددية في عصر الحضارة الاسلامية (ينظر الي بحثي التعددية السياسية في الاسلام : منتدي قصة الاسلام قسم المكتبة )
التعامل مع أهل الذمة :
لقد كشفت البرديات المنسوبة للقرن الأول الهجري بعض عدالة ولاة أمور المسلمين مع أهل الذمة وكل من خالفهم في العقيدة : من حفظ حقوقهم وأموالهم وأعراضهم والاستعانة بهم في أعمال الديوان وفي ادارة شئون البلاد حيث تم استعمال بعض أهل الذمة كعمال يحكمون باسم الدولة في العديد من الأقاليم في مصر والشام ففي ولاية عبد العزيز بن مروان كان والي الصعيد من أقباط مصر ويدعي بطرس وكان حاكم مريوط من أهل الذمة ويدعي تاوفاس وكان حاكم الفيوم يدعي شنودة (تاريخ وآثار مصر الاسلامية : الهيئة العامة للاستعلامات بالقاهرة ، ص765 ) وقد وجد من الأقباط من شغل مناصب قيادية في الدولة الاسلامية ومن أبرزهم العامل " بسيل" زمن الوالي الأموي قرة بن شريك العبسي حيث أسند الي بسيل مهمة حكم منطقة في صعيد مصر (أهل الذمة في الاسلام د . ترتون مشار اليه في بحث النزعة الانسانية في الحضارة الاسلامية : كتاب الاسلام وحوار الحضارات ، دار الهاني )
أما بالنسبة للجزية فانها كانت تجبي من أهل الذمة الذين يمارسون أعمالا خاصة بهم مثلهم في ذلك مثل المسلمين الذين يدفعون زكاة أموالهم حيث ينتفع الجميع من الخدمات التي تقام بهذه الأموال وأعفي منها المساكين وممن لاقدرة لهم علي العمل ومن ذوي العاهات ومن الرهبان (فهمي هويدي : مواطنون لاذميون ، ادوارد غالي : معاملة غير المسلمين في المجتمع الاسلامي )
حرية الفكر
أحد مظاهر التعددية " حرية الفكر عن طريق اجتهادات الأمة كلها بجميع فرقها فتعدد النظر ووحدة العمل أحد الدروس الفقهية القديمة وضرورة الحوار بين الحركة الاسلامية والعلمانية لأنه مالم يحدث الحوار والتوحد سيظل الشقاق في الأمة ويظهر العنف ...بالاضافة الي حرية تكوين الجمعيات الثقافية والسياسية والاجتماعية المستقلة التي تطرح جميع الموضوعات دون خوف " (دراسات فلسفية : حسن حنفي ص222 )
وفي عصر الحضارة الاسلامية عجت البيئة الاسلامية بمختلف التيارات الفكرية فوجدنا الفرق الاسلامية والتعددية المذهبية حيث مذاهب أهل السنة الأربعة والمذهب الشيعي بل وتعددية داخل المذهب نفسه وكان هناك شرعية للاختلاف وأدوات لادارته من خلال الحوارات والمناظرات وتحاشي كل فريق تكفير الآخر وذلك لأنهم مجمعون علي أصول الدين والاختلاف في التأويل أو في الفروع وهي الحدود المسموح بها لأقصي درجة في الدين كما أنهم دعوا الي ضرورة الاجتهاد ونبذ التقليد ... الخ من تلك الآليات التي سمحت بالتعددية الاسلامية في الظهور مؤسسة علي موقف واضح للكتاب والسنة في تلك القضية (شرعية الاختلاف بين المسلمين : عمران سميح نزال ص187 )
وبناءا علي ماسبق " فليس هناك مبرر للخوف من سوءات الدولة الدينية فهي منتفية من الاسلام لأنه عقلاني الطبيعة يقيم فكرته علي الفطرة السليمة لا اللاهوت والاسلام كفل حقوق غير المسلمين بتقريره حرية الاعتقاد وليس فيه حساسية للآخرين وهو يسعهم تحت مظلة " لهم مالنا وعليهم ماعلينا " وهو علي كل حال أفضل من العلمانية التي تضعهم تحت رحمة الأغلبية النزقة ...أما اذا آثروا التقوقع فان الاسلام يكفل لهم فوق ماتكفله القوانين الأوروبية من حقوق للأقليات " (المشروع الحضاري : جمال البنا ص75، 76 وينظر للمؤلف نفسه " التعددية في مجتمع اسلامي "
وعلينا أن نقارن هذا الوضع للأقليات علي المستوي النظري والعملي في تاريخ الحضارة الاسلامية وعصر الاذدهار الأوروبي الحالي والذي شهد مذابح مروعة للمسلمين في البوسنة والهرسك وماحدث قديما للمسلمين في الأندلس حين طردوا وذبحوا ومن بقي أجبر علي التنصير بالاضافة الي ماحدث للمسلمين في الحقبة الاستعمارية لاسيما الجزائر ابان الثورة علي الاستعمار الفرنسي
فمبادئ الاسلام أسست علي المساواة والرحمة في التعامل مع الناس جميعا علي شتي مللهم ولقد خسر العالم كثيرا يوم أن انهارت الحضارة الاسلامية وغابت معها اعمال تلك القيم علي مسرح الحياة
والخلاصة في مفهوم التعددية في البيئة الاسلامية هي كما يقول د. محمد عمارة : " ان التعددية في الشرائع ومن ثم في الحضارات وفي اللغات والقوميات والأجناس وفي القبائل والأمم والشعوب هذه التعددية بالنص القراني وفي التصور الاسلامي سنة الهية وقضاء تكويني لا تبديل له ولا تحويل واقامة العلاقات بين فرقاء هذه التعددية بالمعروف ووفق مايتعارف عليه الناس والتعارف أي التفاعل في المعروف هو التكليف الالهي باقامة العلاقات مع الآخرين " (الاسلام وضرورة التغيير : محمد عمارة ص187 )
4- الحرية :
لقد كان للحرية احتفاء خاص في الاسلام عكسته آيات القران المتعددة في اشاراتها الي حرية الاعتقاد والفكر والمعارضة وأن من يمارس هذا الحق هو آمن علي حياته وممتلكاته فالجزاء عند الله في الآخرة وكذلك كانت سنة الرسول (ص) فالحرية هي من حقوق الانسان التي لايجوز المساس بها ونقيضها هي العبودية التي تعني استعباد الناس واذلالهم وفي هذا يقول عمرمنكرا علي من يأخذ هذا المنحي السيئ في معاملة الناس " متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا "
ولكن هذه الحرية ليست مطلقة فهي مقيدة بشرط عدم الطغي علي حق الآخرين ولضمان الحرية تشرع القوانين والأنظمة وتنزل الشرائع والديانات وقد وضع الاسلام في ذلك قاعدة عامة تحكم العلاقات بين الناس تتمثل في أنه " لا ضررولا ضرار " (رواه بن ماجه ) فأنت بينك وبين نفسك لاتتدخل الشريعة في عقوبتك علي ماتفعل من مخالفة لأمر الله وانما تؤخر عقابك الي يوم الدين ولكنك حين تجاهر بالمعصية تعاقبك علي ذلك في الدنيا والآخرة (أخلاقنا الاجتماعية : مصطفي السباعي ص 53 ، 54 ، الانسان والقيم في التصور الاسلامي ص 185،186 )
وقد أسفرت نتائج بحوث المؤنمرات الاسلامية علي أن الحرية هي مبدأ اسلامي أصيل وأنه لايمكن لغيابها صنع أي نهضة منشودة " فالحرية أساس لابد منه للصلاح والتجديد والنهضة والحرية تنبع من مبدأ التوحيد الذي يظهر عقل المؤمن من الوهم ويطلق ارادته من القيد ويحرر ذاته من عبودية كل موجود " ( الفكر الاسلامي والنهضة : د. محمود عكاشة من كتاب الاسلام ومشروعات النهضة ) " وقد أكرمه الله بنعمة الحرية في كل التصرفات التي تحقق له الأمن من الخوف والجوع ولم يحجر علي حريته الابمقدار مايردعه عن العدوان علي غيره " (الطريق السوي الي وحدة المسلمين : محمد المجذوب )
وللحرية في الاسلام أبعاد متعددة منها حرية الفكر وحرية الاعتقاد ومن الغريب أن هذه الفكرة رغم صراحة القران وتشديده وتكراره لها بعبارات قاطعة لم تجد تجاوبا لأنها تخالف ماذهب اليه السدنة الذين نصبوا أنفسهم قضاة علي الناس وحكاما في شئون ايمانهم ونجحوا في ايجاد رأي عام يستبعد حرية الاعتقاد حتي أصبحت شيئا يعاذ منه ويتعجب له فالايمان القصري لاقيمة له لأنه يتجرد من النية فالقران يقرر في كثير من آياته التي لا حصر لها حرية الاعتقاد وأن الأنبياء أنفسهم لاسلطان لهم علي قلوب الناس وفي هذا يقول تعالي : (وان كان كبر عليك اعراضهم فان استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم علي الهدي فلا تكونن من الجاهلين ) الأنعام : 35 ، ( وان كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون ) يونس : 41 ، (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين ) يونس : 99 ( القران الكريم رؤية تربوية : د . سعيد اسماعيل علي ص196 وينظر في هذا الصدد الي كتاب : كلا لفقهاء التقليد ثم كلا لأدعياء التنوير : جمال البنا ، دار الفكر الاسلامي وطبائع الاستبداد للكواكبي وكتاب الحرية لكل من جما البنا وخالد محمد خالد وكتاب الديمقراطية في الاسلام : عباس العقاد )
وقد أكد الكثير من المفكرين والباحثين أن غياب الحرية علي كافة مستوياتها هي أكبر معوق يعترض صياغة أي مشروع حضاري وقد عقدت المؤتمرات وألفت الكتب ايمانا بأهمية هذه القضية ودورها الحاسم والضروري لنهضة أي أمة ولنا في واقعنا المعاصر أكبر شاهد علي أثر غياب الحرية من عدم نهضة مجتمعاتنا علي الرغم من الحصول علي الاستقلال منذ مايقرب من نصف قرن وما ذلك الا بسبب الاستبداد الذي هو من أبشع صور كبت الحريات حيث يتولي زمرة من المفسدين الحكم ولا تجد لها رادعا يحجمها عن مفاسدها مادامت الأفواه مكممة وهذا مخالف لمنهج الاسلام ولسيرة الأنبياء والمرسلين الذين هم قادة الاصلاح والعمران والحضارة للبشرية عبر مسيرتها
فانطلاقا من احترام الاسلام لعقل الانسان والذي جاء مرارا وتكرارا في آيات القران الكريم ( افلا تعقلون ) (افلا تبصرون ) ( افلاتتفكرون ) (ياأولي الألباب ) ....الخ جعل للانسان الحق في النقد والمعارضة لما أودعه الله في كل انسان من قدرة علي التمييز وجعل له عقلا يلهمه ويهديه وتفاوت العقول يقتضي بداهة تفاوت الآراء وكان هذا نهج الأنبياء وان لنستطيع أن نقول ان رسل الله جميعا بدأوا زعماء معارضة وقادة مقاومة فكانوا صورة للثائر المنقذ الذي جاء ليقول لا وليقود الجماهير ضد الظلم والجهل والانحطاط (القران الكريم رؤية تربوية ص212 )
ومن الحقائق التاريخية أنه في ظل اعمال هذا المبدأ في عصور حضارتنا الاسلامية وجدنا بروز لشخصيات من ملل ونحل شتي وجدت في ظل الاسلام وتعاليمه وسماحته ما أتاح لها بلوغ أقصي درجات الرقي العقلي بالمقارنة بنظم أخري حيث ان اعتقاد الانسان بأنه متحرر من كل هيمنة سوي هيمنة الله يجعله يقبل علي الله عبر انجاز الخلافة علي الأرض فيباشر هذه الأرض بالفعل انشاءا أو تعميرا واستثمارا وفعلا عميق الأثر لأنه يهدف الي غاية بعيدة هي الله اذ الفاعلية تستمد زخمها من الهدف المقصود بعدا وقربا كما أن تكريم الله للانسان علي نحو ماذكر في القران الكريم من شأنه أن ينشئ في المؤمن عزة وقوة وأملا تشع فيه الأمن والطمأنينة وتدفعه الي التعمير في الأرض سعيا الي النعيم في حياة الخلود وأين هذا من الاتجاه الذي يصور الانسان علي أن من بدايته صدفة عمياء لا غاية له ....فانه تصور يفضي لا محالة الي ضروب من اليأس والخوف والقلق وهذا من شأنه أن يبذر في الأداء الحضاري بذور خلل وتحلل وفساد ( عقيدة تكريم الانسان وآثارها التربوية : عبد المجيد النجار ، ص 134، 135 )
5- العالمية الاسلامية
الاسلام لايقوم منهجه علي صراع الحضارات وانما علي التلاقي الحضاري والتفاعل الحضاري وسنة التدافع الكونية للامم ولكي نقف علي التعددية الحضارية في الاسلام لابد ان نبرز معالم هذه المفاهيم والمصطلحات السابقة في ضوء السياق التاريخي للاسلام وحضارته ولهذا سيكون تناول هذا الموضوع عبر هذه المحاور والتي سأتناولها لاحقا وهي :
1- عالمية الاسلام وخصوصيته الحضارية
2- موقف الاسلام في بدايته الاولي من الحضارات السابقة
3- اسس التعامل مع الآخر
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
العدل والظلم ( 1 ) : آيات الظلم في القرآن الكريم ( 13 ) : عبدالله سعد اللحيدان منتدى الشريعة والحياة 2 17-04-2014 06:45 PM
العدل والظلم ( 1 ) : آيات الظلم في القرآن الكريم ( 9 ) : عبدالله سعد اللحيدان منتدى الشريعة والحياة 2 17-04-2014 06:34 PM
العدل والظلم ( 1 ) : آيات الظلم في القرآن الكريم ( 8 ) : عبدالله سعد اللحيدان منتدى الشريعة والحياة 4 17-04-2014 06:31 PM
دليل مواقع القران الكريم . بندر ابراهيم منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 07-01-2012 02:03 PM
بنك المعلومات.... عاشقة الازهار منتدى النقاش الحر والحوار الفكري البنّاء 4 16-12-2009 04:12 PM


الساعة الآن 07:30 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com