عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العامة > منتدى النقاش الحر والحوار الفكري البنّاء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 17-10-2019, 03:48 PM
عبدالرحمن الناصر عبدالرحمن الناصر غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Mar 2012
المشاركات: 490
افتراضي صراع الأغنياء




.




صراع الأغنياء






المتعارف عليه أن الصراع هو دائما" صراع الفقراء من أجل لقمة العيش ورفع الظلم والمناداة بأبسط حقوقهم فى الحياة صراع من أجل قليل من العدل والحياة الكريمة فى أبسط أشكالها لذلك كنا نسمع عن صراع النقابات العمالية مع أصحاب العمل من أجل العدل وحقهم فى زيادة الأجور -لكن يبدو أن هذا الصراع أبدى ولن ينتهى -

كان يغذى هذا الصراع الأحزاب الاشتراكية الشيوعية وهو فى الأساس فكر يهودى فكانوايحرضون العمال أن تطالب بأجور مرتفعة ثم يذهبون إلى أصحاب العمل ويهمسون فى اذانهم أن هذه المطالب مبالغ فيها بذلك يظل الصراع مشتعل وما ذلك إلا لأن الشيوعية فى حاجة إلى هذا الصراع ليحافظوا على تواجدهم-

لكن الواقع يقول أن الصراع الحقيقى هو صراع الأغنياء أو بمعنى أدق الأقوياء وصراعهم ليس فيما بينهم فلا يوجد أغنياء أوأقوياء يصارعون بعضهم بعضا بل دائما" ما يصارعون الأضعف منهم

سنرى ذلك فى صراعات الدول القوية إنهم لا يحاربون إلا الدول الأضعف بل وتكونت أحلاف عسكرية إنضمت إليها الدول الكبرى القوية ولا توجد أحلاف على الإطلاق للدول الضعيفة وإن وجدت فهى أشكال هيكلية لا تسمن ولا تغنى من جوع
ولأن القوى لن يقاتل قوى حتى لا يخسر الاثنين خسائر كبيرة

أما الدول الضعيفة فإن قتالها إنما هو قتال تم صناعته بمعرفة الدول الغنية القوية لإبتزاز هذه الدول وبيع الأسلحة الراكدة فى مخازنها والأسلحة تباع لكلا الطرفين وهذا الأمر منتشر على مستوى البسيطة ويغذى ثمرته الجهل والتخلف أحيانا" والصلف والغرور أحيانا" أخرى والمجنى عليه هم البسطاء والفقراء فى كلتا الدولتين المتصارعتين

وعلى المستوى المحلى عندما يكون هناك صراع بين عائلتين على الثأر وتمتلك إحدى العائلتين أسلحة أكثر وتكون أكثر تطورا" من العائلة الأخرى --- وتجد الأجهزة الأمنية أنها لا تستطيع أن تنزع هذا السلاح من العائلتين فما عليها إلا أنها تقوم بتسليح العائلة الأضعف بسلاح يوازى العائلة الأخرى وبذلك يكون هناك توازن فى القوى فيتوقف النزاع لخوف كل عائلة من الأخرى

أما على مستوى رجال الأعمال فدائما" ما يتحالف الأقوياء فيما بينهم لإسقاط الأضعف وإخراجه من السوق وهذا ما نراه فى السياسات الإحتكارية ويحدث ذلك فى ظل غياب الدولة أو فساد الأجهزة -- وفى فترة زمنية مضت قريبا" رأت أجهزة الدولة أن يتولى الوزارة والوزراء رجال الأعمال -- وإنشرحت صدور الناس -- رجال الأعمال أغنياء
وليسوا فى حاجة للسرقة والأبتزاز كما أن لديهم خبرات كبيرة فى الإدارة الاقتصادية --

ولكن خاب الظن لأن رجال الأعمال وضعوا القوانين التى تخدم مصالحهم وكانوا أكثر شراسة فى سرقة الأموال فلا يملأ عين ابن ادم إلا التراب وزوروا وزيفوا إنتخابات البرلمان ليظلوا فى السلطة -- فقامت عليهم ثورة جارفة إقتلعتهم ووضعتهم فى السجون --

لكن دائما" للثورات عيوب كثيرة لأن الثورة هوجة وينضم إليها العابثين والمنتفعين لذلك تكون الخسائر كبيرة ---وفى النهاية تجد أن رجال الأعمال قد خرجوا من السجون منعمين وأكثر قوة مما كانوا عليه -- إن الأغنياء حتى وهم فى السجون ليسوا كالفقراء الأغنياء فى السجون يمتلكون السجن بظباطه وجنوده هم داخل السجن سجانون وليسوا سجناء الكل يعمل لخدمتهم
وأعمالهم يتم إدارتها على أكمل وجه - السجن بالنسبة إليهم فترة نقاهه واستجمام فالغنى قوى فى أى مكان طالما يملك المال فهو يملك النفوذ والسلطة ويحرك كل شيئ بأصابعه

إن قوة المال لها مفعول السحر - لذلك نجد رؤساء دول يمتلكون النفوذ والسلطان ومع ذلك لا يتورعون عن السرقة من أجل تكديس الأموال من أجل الأمان فى المستقبل فإذا ذهبت سلطة السياسة بقيت سلطة أكبر منها وهى سلطة المال ---لذلك لا ينتهى صراعهم وتكالبهم على الأموال حتى وإن أدى إلى القتل بكل صوره وأشكاله

ولكن ما هو دفاع الجهات الفقيرة عن نفسها وعن تواجدها --

على مستوى الدول لابد أن تكون هناك شفافية داخلية ثم التعاون مع الدول المجاورة والتى فى نفس وضعها فالعود محمى بحزمته ضعيف حين ينفرط --أن يتم تعاون إقتصادى -أن توجه الإستثمارات فيما بينها -أن يكون للتعاون شكل أكبر - أن توحد جهودها الدبلوماسية والعسكرية - أن تكون على علم بأن المؤمرات ستنهال عليها فلا تنخدع ولا تتورط - أن يظل العود محمى بحزمته -- إننا ننفرط وننفرط - ما هذا أليس فيكم رجل رشيد -علينا أن نوقف التصرف بشكل قبلى وعصبى - علينا أن نتحد - ديننا واحد ولغتنا واحدة وعاداتنا متقاربة إلى أقصى حد - لعن الله من يوقظ الفتنة-

وعلى المستويات المحلية الدفاع الوحيد هو المجتمعات المدنية التى تستطيع أن تحقق الاتحاد فى الإضراب عن شراء سلعة معينة لارتفاع سعرها وتستطيع أن تضبط الأسواق لكن للأسف فى دولنا لا يتم السماح بإنشاء مجتمعات مدنية -- التجار فى أوربا يعملون ألف حساب للمجتمعات المدنية -- ونحن نعمل ألف حساب لعدم إقامته ---لابد أن نفعل القوانين التى تحمى المستهلك وتضبط الأسواق -- كفانا سلبية

إن الأغنياء إنتصروا بضعف وغباء الاخرين وتفتتهم -- وطالما أن الجهل قائم فينا سيظل للأغنياء سطوتهم --- ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )

مع خالص تحيتى








.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17-10-2019, 10:07 PM
خالد الفردي خالد الفردي غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
الدولة: مصر مطروح
المشاركات: 9,244
افتراضي

البقاء للأقوى أستاذي الحبيب
نحن الآن نتعامل بقانون الغابة ..
لا عاد للمؤسسات ولا للمواثيق الدولية أي جدوى ..
__________________
إنا لله وإنا إليه راجعون
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 17-10-2019, 10:40 PM
عبدالرحمن الناصر عبدالرحمن الناصر غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Mar 2012
المشاركات: 490
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خالد الفردي مشاهدة المشاركة
البقاء للأقوى أستاذي الحبيب
نحن الآن نتعامل بقانون الغابة ..
لا عاد للمؤسسات ولا للمواثيق الدولية أي جدوى ..


دائما" ما يكون البقاء للأقوى - حتى الحق الذى لا يجد قوة تحميه يموت - وحتى فى قانون الغابة وحياتها سنجد
أن الجاموس عندما يتحد ويقف فى وجه الأسود يغلبهم - شاهدنا فى الغابة جاموسة تنتصر على أسد وتقتله لإصرارها
وعزيمتها فى الدفاع عن نفسها

إننا حتى لا نتعلم من حياة الغابة وكأننا أغبى من بهائمها --- نعم يا عزيزى ما عاد للمؤسسات ولا للمواثيق الدولية أى
جدوى - لأن المواثيق الدولية أصبحت فى يد الأقوى .

لذلك كانت سياسات الاستخراب التى مازلنا إلى الان ننطقها خطأ ونقول عليها إستعمار هى فرق تسد واضرب أى
اتحادات أو وحدة حتى ولو كانت بين أصغر الدول وافقرها - لأن الاتحاد عدوى سينتشر إذا ما نجح فى أى مكان

أخى العزيز / خالد -- تشرفت الصفحة وتهللت فرحا" بإطلالتك عليها وبإضافتك الجميلة
فى كلمات بسيطة تصل إلى لب الموضوع -- هكذا يكون الرااائع الجميل / خالد الفردى
خالص تحيتى لك







.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 26-10-2019, 04:49 PM
Hamoda2020 Hamoda2020 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2019
المشاركات: 5
افتراضي

قال الله عز وجل سبحانة الحكيم

بسم الله الرحمن الرحيم

{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد : 20]

{وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى : 27]

صدق الله العظيم
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 26-10-2019, 09:03 PM
امي فضيلة امي فضيلة غير متواجد حالياً
نائب المدير العام لشؤون المنتديات
 
تاريخ التسجيل: Jun 2019
الدولة: اسبانيا
المشاركات: 625
افتراضي

حياك الله اخي الفاضل عبد الرحمن

صراع الأغنياء..؟

المال زينةُ الحياة الدنيا، قد فُطِرَ الإنسانُ على حُبِّه فهو منهومٌ في طلبه،

مطبوعٌ على الضنِّ به، كنودٌ لربِّه تلك طبيعة الإنسان يُجلِّيها لنا القرآن:

{وَتُحِبٌّونَ الـمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر: 20]، {إنَّ الإنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ *

وَإنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإنَّهُ لِـحُبِّ الـخَيرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 6 - 8]،

{قُل لَّو أَنتُم تَملِكُونَ خَزَائِنَ رَحمَةِ رَبِّي إذًا لأَمسَكتُم خَشيَةَ الإنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا} [الإسراء: 100].

وما على الإنسان أن يحبَّ المالَ وقد فطره على ذلك ربٌّه؟! وما عليه أن يحب المال

وقد جعله الله قِواماً للمعاش لا تصلح بدونه الحياة؟! بل وما عليه أن يطلبَه من حِلِّه،

ويسعى إلى كسبه، وقد أذن له بذلك ربٌّه، فقال ـ سبحانه ـ: {فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي

الأَرضِ وَابتَغُوا مِن فَضلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10]، {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرضَ ذَلُولاً فَامشُوا

فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزقِهِ وَإلَيهِ النٌّشُورُ}[الملك: 15]؟!


إنَّ الإسلامَ لم يأتِ لينتزعَ من صدور الناس هذه الفطرةَ التي فطرهم اللهُ عليها،

ولم يُرِدهم على الانسلاخِ منها وانتباذِها فليس الشرٌّ ولا الإثمُ في طلبِ المال نفسه،

ولا في حُبِّه، وليس هذا ما يخافه الإسلام على المسلم أو ينقمُه عليه.

إنما الذي يخافُه الإسلام على المسلم: أن يتعبَّده المالُ حتى يعتلقَ حُبٌّه قلبَه اعتلاقاً يجعله مَهووساً في جمعه،

ويختلبَ حواسَّه وفكرَه، فيتركَه مجذوباً لا تستهويه إلاّ بوارقُ الثراء وعدٌّ الأرصدة والأموال،

حتى يصبح لصيقاً بالرَّغام، عبداً للدرهم والدينـار فالمالُ قصــدُه أينما تـــوجَّه،

وغـايتُه كلَّما تســـبب، لا ينافس إلا عليه، ولا يهتــدي إلا إليه.

لا يبالي من أين أخـذه، ولا كيف أنفقه، فمَطعمُه حرامٌ، ومشرَبُه حرامٌ، وملبسُه حرامٌ،

وغُذِّي بالحرام فهذا هو مَن عناه - صلى الله عليه وسلم - بدعوته المستجابةِ:

«تَعِسَ عبدُ الدينار، تعسَ عبدُ الدرهم، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتَقَش»

(1). وما أتعسه المالُ، ولكن حرصُه الشديدُ أتعسه، وغلوٌّه في حُبِّه أهلكه.

إنَّ المالَ نعمةٌ لا تعدو أن تكونَ كسائر النِّعَم، هي محلُّ للخير كما قد تكون محلاً للشرِّ،

فإن يكن أحدٌ قد فسد بماله، فلقد شقي غيرُه بعقله. وإن يكن قد بطر بالمال أقوامٌ

فلقد بطر بالعافية والفراغِ آخرون. وكُل نعمة: الشاكرُ لها قليل، والكافرُ بها كثير.

ولذا فليعلم الفقيرُ المعدمُ أنَّ ما يعانيه من الإملاق وقِلَّة ذات اليد حالٌ لا يرضاها له الإسلامُ

وإن أمرَه بالصبر عليها، فضلاً أن يحبِّب إليه حياةَ العَيلَةِ أو يدعوَه إليها.

وكيف يُظن بالإسلام هذا ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يداوم الاستعاذةَ من الفقر،

ويأمرُ بمدافعة الفاقةِ والعِوزِ كلَّ سبيل، فقال في وصيته الشهيرة:

«إنك أن تذرَ ورثتَك أغنياءَ خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس»

(2)، وهو الذي دعانا إلى الخروج من رِبقة الفقر والتحرٌّرِ

من ذِلَّة الحاجة والمسألة، فقال: «اليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى»(3).

وليعلم ـ كذلك ـ الغنيٌّ الواجد أنَّ الغِنَى الذي ينعمه وسعةَ المال التي أُوتيها

ليست منـزلةً يستكثرُها عليه الإسلام فيمقته عليها، أو يدعوه أن ينسلخَ منها،

أو ينخلعَ من ماله وقد كسبه من حِلِّه، كيف وقد قال - صلى الله عليه وسلم -:

«إنِّ هذا المالَ خضِرةٌ حلوةٌ فمن أخذه بحقِّه ووضعه في حقِّه فنِعمَ المعونةُ هو،

ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع»

(4)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «نِعمَ المالُ الصالح للرجل الصالح»(5).

أمَا إن الإسلامُ لا يَذُمٌّ الغِنَى، ولكنَّه يذمُ السَّرَفَ والتَّرَفَ فيه، وهو ـ كذلك ـ

لا يُثني على فقيرٍ, بفقره، ولكنَّه يُثني على حُسنِ ظنِّه وصبره.

فإذن ليس يلحق الغِنى ذمُّ كما لا يلحق الفقرَ ثناء، وإنما العبرةُ بثباتِ الإنسان

وتقواه وأخذِه في كلِّ حال بما يناسبها، فَلَغَنيُّ متعفِّفٌ شاكرٌ خيرٌ من فقير حسودٍ,

ساخط يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ويتسخط قضاءَ الله وقدرَه، وَلَفَقيرٌ صَابرٌ

خيرٌ مِن غنيٍ, جَاحدٍ,: لا يرى لله عليه فَضلاً، ولا يَرفعُ إليه شُكراً.

فإن تساءل أحدٌ: فأين الأحاديث في ذم المال، كقوله - صلى الله عليه وسلم -:

«ما ذئبان جائعان أُرسلا على غنم، بأفسد لهما من حرص المرء على المال والشرف لدينه»

(6)، ونحو ذلك من الأحاديث؟

فإننا نجيب عن ذلك بما أجاب به الإمام الحافظُ ابنُ عبد البر إذ قال:

«وجهُ ذلك كلِّه ـ عند أهلِ العلم والفهم ـ في المال المكتسب من الوجوه التي حرَّمها الله ولم يُبِحها،

وفي كلِّ مالٍ, لم يُطِعِ الله جامعُه في كسبه، وعصى ربه من أجله وبسببه،

واستعان به على معصية الله وغضبه، ولم يؤد حقَّ الله وفرائضَه فيه ومنه

فذلك هو المال المذموم والمكسب المشؤوم. وأمّا إذا كان المال مكتسباً من وجهٍ, مباح،

وتأدّت منه حقوقُه، وتُقرِّبَ فيه إلى الله بالإنفاق في سبيله ومرضاته فذلك المالُ محمودٌ،

ممدوحٌ كاسبُه ومنفقُه، لا خلاف في ذلك بين العلماء، ولا يخالف فيه إلاّ مَن جهل أمرَ الله\" أ. هـ.

فإن قيل: لو كان في الغِنى خيرٌ لاختار له الله أفضلَ عبادِه رسولَه - صلى الله عليه وسلم -

ولكنه عاش فقيراً مسكيناً. قلنا: أمّا هذا فوَهمٌ فلم يعش - صلى الله عليه وسلم -

فقيراً ولا مسكيناً بالمعنى الذي يفهمه الناس للمسكنة مِن الحاجة إلى الناس وهوانِ النفس،

بل كان عائلاً في أول حياته فأغناه الله، ومنَّ عليه بذلك فقال: {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغنَى} [الضحى: 8]،

وجمع الله له بين مقامَيِ الصبرِ والشكر، وكيف يصحٌّ هذا الزعم، وهو الذي

كان يعطي عطاءَ مَن لا يخشى الفقر، ويثيب على الهدية بخيرٍ, منها، وأنَّى يكون له الفقرُ

وهو الذي كان يستعيذ بالله منه. وأمّا أنه لم يكن من أصحاب الثراء فنعم!

ولكن لله في ذلك الحكمةُ البالغة فإنّه ـ سبحانه ـ لم يختر نبيّه - صلى الله عليه وسلم - صاحبَ ثراء،

بل ولا زعيمَ قبيلة، ولا رئيسَ عشيرة، ولا صاحبَ جاه كيلا تلتبس قيمةٌ واحدة من قيم

هذه الأرض بهذه الدعوة الربانية النازلة من السماء، ولكي لا تزدان هذه الدعوة بزينة

من حلي الأرض ليست من حقيقتها في شيء، ولكي لا يدخلها طامعٌ ولا يتنـزَّه عنها متعفف.

وإننا حين نستجلي موقفَ الإسلام من المال، وحين نستبينُ منزلةَ الغِنى والفقر فيه

فليس خوفاً على الأغنياء أن ينخلعوا من أموالهم ويتخفّفوا من ثرواتهم، ولا خشيةً على الفقراء

أن يستمسكوا بغَرزِ الفقرِ لا يبغون عنه حولاً فما على الناس من خوفٍ, في هذا الباب أبداً،

وإنما الخوف عليهم من ضدِّه، ولكننا نستذكر ذلك لقصدين:

أمّا الأول: فهو تبرئة الإسلام مما أُلصق به، أو ظُنَّ أنه من شِرعته من المزاعم الباطلة،

ومن ضروب ذلك: توهٌّمُ النٌّفرة بين طلب المال والسعي للآخرة، وتوهٌّمُ التناقضِ

بين الغنى والزهد، وظنٌّ التلازم بين الثراء والفجور.

وكم يلد الجهلُ للإسلام من تُهمةٍ, تتدثَّر بدثاره وتلبس لَبُوسَه وهو منها براء!

والجهل بأحكام الشريعة والفهمُ المغلوطُ لحِكَمِها يُري صاحبَه أنَّ كلَّ مشهدٍ, في واقع المسلمين

هو ظلُّ لشريعة الإسلام يُحسَبُ عليها، حتى أصبحت صورتُه باهتةً شائهةً مُرقَّعة.

وأمَّا القصدُ الثاني: فهو رسالةٌ إلى كلِّ غنيٍ, متعفِّفٍ, طاهرِ اليد لم يكتسب مالَه إلا من حِلِّه،

رسالةٌ نُشعِره فيها وبها عظيمَ نعمةِ الله عليه فقد فضّلَه وبَوّأَه منـزلةً حُرِمَها كثيرون،

فعليه أن يَستتمَّ هذه النعمةَ بالشكر، ولا ينبغي له ـ وهو في غمرة النعيم ورغدِ العيش ـ

أن ينساها أو يتغافلَ عنها، وإلاَّ فإنّ نسيانَها أجدرُ أن يستجرَّه إلى نكرانها،

وإن تغافلَ عن شكرِها فذلك أولى به أن يزدريَها.

ثم ليذكر نعمةً أُخرى هي من تمام هذه النعمةِ وكمالها، ليذكر نعمةَ الله عليه

إذ وفَّقه للرزق الحلال يستطيب به مطعَمه، فكثَّرَه الله له، وبارَكَ له فيه، وحماه ـ

بفضله ورحمته ـ أن يستهويَه كسبٌ خبيثٌ، فلم ينهزم لإغرائه كما انهزمت أمامَه القلوبُ المنخوبةُ

التي وَثِقت في الدنيا أكثرَ من الآخرة، فاستأكلت من هذا المالِ الخبيث، ونمَّت ثراءَه به،

ونبتَ لحمُها من سُحتِه، فليس شيءٌ أولى بها بعد ذلك إلاَّ النار، كما قال - صلى الله عليه وسلم -

: «كلٌّ لحم نبت من سُحتٍ, فالنار أولى به»(7 فهذا بابٌ عظيمٌ مُشرعٌ إلى النار،

ولكنَّ الله - تعالى - نجَّاه منه، ولولا فضلُ الله عليه ورحمتُه لتكبكبَ فيها مع الهالكين.

غير أنَّ شكرَ هذه النعمةِ الواجب لا تقوم به تمتمةُ اللسان بكلمات الحمد والشكر،

وإنما يقوم بشكرِها حقَّاً عملُه فيها وبها بأن يتقيَ اللهَ في إنفاق ماله كما كان يتقيه

في كسبه، فيؤدي حقَّ الله فيه بلا مَنٍّ, ولا أذى، ويبذلُه في مرضاته لا يؤودُه عن ذلك

شحُّ ولا بخل، ولا يضعُه في حرامٍ,، ولا يُفضي به إلى تَرَفٍ, ولا سَرَف، ولا ينحرفُ به عن الغاية.

إنَّ من أخطر الوساوس وأخبثِ الحيل التي يتسلل بها الشيطان إلى قلب الغني ليثنيه عن الخير،

ويعطفه عن التسبب إلى الصلاح ـ أن يقذفَ في رُوعه: أنَّ هذا الثراءَ العريضَ

الذي يملكه قد باعد بينه وبين الزهد والتعبد، وقارَب بينه وبين الغفلة والإخلاد إلى الأرض،

فتستحيل هذه الوساوس عُقَداً في نفسه، تمُدٌّ له في الغفلة، وكأنها حالٌ طبيعية لازمةٌ لكل غنيٍّ,

مثلِه، وتُضلٌّه عن كثيرٍ, من أبواب الخير فلا يرى منها إلا ما لا يناسب حالَه لكثرة

شــواغله كنوافل الصــلاة والصيام، فيستسلم لخدرِ هذه الوساوس،

ويفرِّط في استعمال جاهه وثرائه فـي مرضاة الله.

ولو استشعر الغَنيٌّ أنه في منـزلةٍ, هي من أوسعِ المنازل وأقربِها لوجوه الخير كُلِّها

أو أكثرِها لأَعظَمَ تفريطَه في اغتنامها، وَلَتحسَّر على تضييعها وهي قريبة بين يديه

فإنَّ أمامه من أبوابِ الخير والبر والإحسان ونصرةِ الإسلام ما لا يغنى أحدٌ فيها غَناءه،

ولا يبلي أحدٌ فيها بلاءَه، فإنَّ بلاءَه فيها يغني غَنَاءَ الآلاف ممن يعيشون حياة الكفاف،

ولو وَلَجَها لسبق بالأجر أولئك المنقطعين للعبادة الذين كان يحسَبُ أنّهم سابقون بالأجر

لا يُدركهم أحدٌ، فضلاً أن يسبقهم فهل يسعه وهو يرى سِعةَ

طرقِ الأجر بين يديه أن يفرِّطَ فيها أو يزدريَها؟!



__________________
اللهمَّ أسألُك خشيتَك في الغيبِ والشهادةِ،

وأسألُك كلمةَ الإخلاصِ في الرضا والغضبِ،

وأسألُك القصدَ في الفقرِ والغنى، وأسألُك نعيمًا لا ينفدُ وأسألُك قرةَ عينٍ لا تنقطعُ،

وأسألُك الرضا بالقضاءِ، وأسألُك بَرْدَ العيْشِ بعدَ الموتِ، وأسألُك لذَّةَ النظرِ إلى وجهِك،

والشوقَ إلى لقائِك، في غيرِ ضرَّاءَ مضرةٍ،

ولا فتنةٍ مضلَّةٍ اللهمَّ زيِّنا بزينةِ الإيمانِ، واجعلْنا هداةً مُهتدينَ
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 27-10-2019, 03:08 PM
عبدالرحمن الناصر عبدالرحمن الناصر غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Mar 2012
المشاركات: 490
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Hamoda2020 مشاهدة المشاركة
قال الله عز وجل سبحانة الحكيم

بسم الله الرحمن الرحيم

{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد : 20]

{وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى : 27]

صدق الله العظيم


صدق الله العظيم --- شكرا" حموده على مشاركتك وحضورك للموضوع
مع خالص تحيتى






.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 27-10-2019, 03:22 PM
عبدالرحمن الناصر عبدالرحمن الناصر غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Mar 2012
المشاركات: 490
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة امي فضيلة مشاهدة المشاركة
حياك الله اخي الفاضل عبد الرحمن

صراع الأغنياء..؟


إنَّ الإسلامَ لم يأتِ لينتزعَ من صدور الناس هذه الفطرةَ التي فطرهم اللهُ عليها،

ولم يُرِدهم على الانسلاخِ منها وانتباذِها فليس الشرٌّ ولا الإثمُ في طلبِ المال نفسه،

ولا في حُبِّه، وليس هذا ما يخافه الإسلام على المسلم أو ينقمُه عليه.

إنما الذي يخافُه الإسلام على المسلم: أن يتعبَّده المالُ حتى يعتلقَ حُبٌّه قلبَه اعتلاقاً يجعله مَهووساً في جمعه،

ويختلبَ حواسَّه وفكرَه، فيتركَه مجذوباً لا تستهويه إلاّ بوارقُ الثراء وعدٌّ الأرصدة والأموال،

حتى يصبح لصيقاً بالرَّغام، عبداً للدرهم والدينـار فالمالُ قصــدُه أينما تـــوجَّه،

وغـايتُه كلَّما تســـبب، لا ينافس إلا عليه، ولا يهتــدي إلا إليه.

لا يبالي من أين أخـذه، ولا كيف أنفقه، فمَطعمُه حرامٌ، ومشرَبُه حرامٌ، وملبسُه حرامٌ،

وغُذِّي بالحرام فهذا هو مَن عناه - صلى الله عليه وسلم - بدعوته المستجابةِ:

«تَعِسَ عبدُ الدينار، تعسَ عبدُ الدرهم، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتَقَش»




الأستاذة القديرة / امى فضيلة
الموضوع الأساسى يقصد هذه الفقرة التى أوردتها فى تعقيبك القيم -ويدور حولها
لكن الأستاذة الفاضلة - ماشاء الله عليها قد وضعت تعقيبا" هو فى حقيقته موضوع كامل متكامل وقد أثرته ودعمته
بالحجج من القرءان والسنة -- إن هذا التعقيب أعتبره موضوع أساسى يضاف إليه الموضوع الذى أوردناه

الأستاذة ملكة المنتديات / امى فضيله
خالص تحيتى لك مع وافر دعائى لك بالصحة والعافية والشفاء العاجل والتام







.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
صراع الفكر والوجود الإنساني عبدالله حسين أحمد منتدى الثقافة العامة 0 14-08-2018 11:43 PM
جنوب السودان، بداية صراع طائفي ! عادل محمد عايش الأسطل سياسة وأحداث 0 21-12-2013 12:54 AM
صراع هويات أم صراع مصالح و سلطة إيهاب عزت منتدى العلوم والتكنولوجيا 2 25-06-2012 10:57 PM
صراع الدين والدولة في إسرائيل samarah منتدى العلوم والتكنولوجيا 3 15-07-2010 01:01 AM
الإنتخابات الإيرانية ... صراع الأجنحة و مستقبل التغيير نعيم الزايدي منتدى العلوم والتكنولوجيا 3 22-11-2009 08:23 AM


الساعة الآن 03:19 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com