عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 07-08-2002, 05:56 PM
scupecenter scupecenter غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2002
المشاركات: 96
Lightbulb الصراط؟




بسم الله الرحمن الرحيم


منقول من كتاب:
أصول منهج أهل السنة والجماعة
في الاعتقاد والعمل

لكاتبه:
عبدالرحمن بن عبدالخالق

**********
الباب الأول
مجمل الاعتقاد
الإسلام هو الدين الحق الذي بعث الله به رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل، وسيد المرسلين، وهو دين الله إلى الناس كافة. قال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} (الأعراف:158).. وقال تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً، ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (سبأ:28)..
ودين الإسـلام الذي بعث به رسولنا صلى الله عليه وسلم هو دين الله الذي ارتضاه لكافة عباده، وأرسل جميع رسله وأنبياءه بدءاً من آدم عليه السلام وختاماً بمحمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} (آل عمران:19)..
وقال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (آل عمران:85)..
وقال تعالى: {شـرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب} (الشورى:13)
ورسل الله جميعاً وأنبياؤه دعوا إلى دين الإسلام وهو توحيد الله وعبادته وحده، والاستسلام لأمره، والإيمان بالغيب الذي أخبرهم الله به، وإن اختلفت شرائعهم العملية، قال تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} (الأنبياء:92).. وقال: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} (المؤمنون:52)
وقال صلى الله عليه وسلم: [الأنبياء إخوة من علات، وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد]. (رواه مسلم) وقال جل وعلا: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} (النحل:36)
وقال: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} (الأنبياء:25)
وقد خلق الله الخلق كلهم لعبادته. الملائكة والإنس والجن. والسماوات والأرض، وكل العالمين: فالله سبحانه وتعالى، هو رب العالمين، والعالمون هم كل ما سوى الله جل وعلا.
وقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يكون من عباده من الجن والإنس مؤمن وكافر. قال تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير} (التغابن:2)
وقال تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} (هود:118-119)
والإسـلام الذي بُعث به رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم هو دين شامل كامل، وصبغة عامـة، تضبط أعمال الإنسان جميعاً، ويدخل المسلم في صراط مستقيم قد حددت جميع معالمه، وفصلت جميع أحكامه.. بدءاً من طهارة القلب بالإيمان بالله وتوحيده ونهاية بالطهارة الحسية من جميع النجاسات. قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} (المائدة:3).. وقال تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة.. الآية} (النحل:89)..
وأركان الإيمان التي يجب على كل مسلم الإقرار بها واعتقادها هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى.

الإيمان بالله سبحانه وتعالى
* توحيد الله عز وجل:
وأصل الأصول وأول واجب على المكلف: توحيد الله عز وجل بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات:56)
وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: [ليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله] (متفق عليه)
* أنواع التوحيد:
فيجب على المكلف توحيد الله عز وجل في ربوبيته، وإلهيته، وحاكميته، وأسمائه، وصفاته.
- توحيد الربوبية: فتوحيده في ربوبيته هو اعتقاد العبد الجازم وتصديقه وإقراره بأن الله هو الرب الخالق والرزاق، رب كل شيء ومليكه، له مقاليد السماوات والأرض، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا شريك له في ملكه، ولا ظهير معه ولا ند له ولا نظير قال تعالى: {له ملك السموات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} (التوبة:116)..
وقال تعالى: {تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير}.. (الملك:1) وقال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} (الزمر:67)
- توحيد الإلهية: وتوحيده في إلهيته بإفراده بالعبادة وهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
والعبودية لله تتضمن غاية الذل والخضوع مع غاية الحب والرجاء والخوف والانقياد له وهذا التوحيد هو معنى (لا إله إلا الله) أي لا معبود بحق ولا يستحق العبادة إلا الله، وهو الفارق بين أهل الإسلام وأهل الشرك والأوثان، وهو دين الرسل كافة.. قـال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبـدوا الله واجتنبوا الطاغوت} (النحل:36) {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} (الأنبياء:25)
وهذا التوحيد هو الذي جحده مشركو العرب مع إقرارهم بالله الخالق الرزاق كما قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلـق السموات والأرض ليقولن الله} (لقمان:25).. وقال تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} (الزخرف:87)
وحكى عنهم القرآن قولهم: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} (الأنعام:148) وقال تعالى عنهم: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون} (يونس:31)
غير أنهم أبـوا أن يوحدوه في عبادته وإلهيته كما في قوله تعالى عنهم: {أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب} (ص:5) فأنكروا أن تكون معبوداتهم وأصنامهم معبوداً وإلهاً واحداً هو الله لا إله إلا هو، وأصروا على إشراكهم في عبادتهم لهذه الآلهة الباطلة وحجتهم هي ما حكاه القرآن عنهم: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} (الزمر:3).. {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} (يونس:18)
ولهذا أرسل الله رسله، وأنزل كتبه ليسلم الخلق له في عبادتهم وطاعتهم ولا يشركوا معه أحداً: {إن الدين عند الله الإسلام} (آل عمران:19)
"فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركاً، ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده، وطاعته وحده.
فهـذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت، بفعل ما أمر به في ذلك الوقت" (انظر الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 3/91)
"فإقـرار المشرك بأن الله رب كل شيء، ومليكه وخالقه لا ينجيه من عذاب الله، إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله، فلا يستحق العبادة أحدٌ إلا هو، وأن محمداً رسول الله، فيجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر..
فإنه سبحانه أخبر عن المشركين كما تقدم بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله، يدعونهم ويتخذونهم شفعاء بدون إذن الله. قال تعالى: {ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم، ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، قل أتنبؤون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} (يونس:18).. فأخبر أن هؤلاء الذين اتخذوا هؤلاء شفعاء مشركون" (انظر الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 3/1056)
* توحيد الحكم:
وتوحيد الله عز وجل في حاكميته هو اعتقاد تفرده في الحكم وأنه الحاكم شرعاً لكل ما يحبه ويرضـاه، وقدراً لكل ما أوجده وقضاه كما قال سبحانه وتعالى: {إن الحكم إلا لله} (الأنعام:57) وقال: {ولا يشرك في حكمه أحداً} (الكهف:26)، وفي قراءة {ولا تشرك في حكمه أحداً} وقال سبحانه: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} (المائدة:49)، وقال سبحانه: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (المائدة:44).. {الظالمون} (المائدة:45) {الفاسقون} (المائدة:47)
قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب في فوائد سورة يوسف في قوله تعالى: {إن الحكم إلا لله}: "السابع: تقرير القاعدة الكلية أن الأمر بالتشريع من الله لا غيره" (تاريخ نجد لابن غنام ص/547)
وقال رحمه الله ردّاً على بعضهم: "أنه ذكر في {قل هو الله أحد} أنها كافية في التوحيد فوحد نفسه في الأفعال فلا خالق إلا الله، وفي الألوهية فلا يعبد إلا الله، وبالأمر والنهي فلا حكم إلا لله، فيكرر هذه الأنواع الثلاثة ثم يكفر بها كلها" (تاريخ نجد لابن غنام ص/547)
وقال في فوائد آية سورة الكهف: {ولا يشرك في حكمه أحداً}: "السادسة: كونه لا يشرك في حكمه أحداً.
السابعة: النهي عن إشراك مخلوق في حكم الله على قراءة الجزم" (تاريخ نجد لابن غنام ص/554)
قال العلامة محمد بن إبراهيم في تحكيم القوانين: "وتحكيم الشرع وحده دون كل ما سواه شقيق عبـادة الله وحده دون ما سواه".
وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: "الإشراك بالله في حكمه والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما البتة، فالذي يتبع نظاماً غير نظام الله وتشريعاً غير تشريع الله ومن كان يعبد الصنم، ويسجد للوثن لا فرق بينهم البتة فهما واحد وكلاهما مشرك بالله" (أضواء البيان 7/162)
وقال أيضاً: "ويفهم من هذه الآيات كقوله تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحداً} أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله"..
وقال بعد أن ذكر آيات كثيرة في هذا المعنى: "وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليه وسلم أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم" (أضواء البيان ص/84 من سورة الكهف)
وقال شيخنا عبدالعزيز بن باز حفظه الله:
"وكل دولة لا تحكم بشرع الله ولا تنصاع لحكم الله فهي دولةٌ جاهليةٌ، كافرةٌ، ظالمةٌ، فاسدةٌ بنص هذه الآيات المحكمات، يجب على أهل الإسلام بغضها، ومعاداتها في الله وتحرم عليهم مودتُها، وموالاتُها حتى تؤمن بالله وحده، وتحكِّم شريعته" (نقد القومية العربية 50/51)
وقال أيضاً: "وإن من أقبح السيئات وأعظم المنكرات التحاكم إلى غير شريعة الله من القوانين الوضعية والنظم البشرية وعادات الأسلاف والأجداد، وأحكام الكهنة والسحرة، والمنجمين التي وقع فيها كثير من الناس اليوم، وارتضاها بدلاً من شريعة الله التي بعث بها رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ولا ريب أن ذلك من أعظم النفاق، ومن أكبر شعائر الكفر والظلم والفسوق، وأحكام الجاهلية التي أبطلها القرآن الكريم وحذر عنها الرسـول صلى الله عليه وسلم" (فتاوى الشيخ عبدالعزيز بن باز 2/142)
وقال أيضاً: "وهذا تحذيرٌ شديدٌ من الله سبحانه لجميع العباد من الإعراض عن كتابه، وسنه رسوله صلى الله عليه وسلم، والتحاكم إلى غيرهما، وحكمٌ صريحٌ من الرب عز وجل في أن من حكم بغير شريعته بأنه كافر، وظالم، وفاسق، ومتخلق بأخلاق المنافقين وأهل الجاهلية" (فتاوى الشيخ عبدالعزيز بن باز 2/142)
قال العلامة سليمان بن سحمان رحمه الله في تعريف الطاغوت، وتفسير قوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسـولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} (النحل:36): "وأما حقيقته والمراد به فقد تعددت عبارات السلف عنه وأحسن ما قيل فيه كلام ابن القيم رحمه الله حيث قال: الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله ويتبعونه في غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم ممن أعرض عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت ومن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته. انتهى
وحاصله أن الطاغوت ثلاثـة أنواع طاغوت حكم، وطاغوت عبادة، وطاغوت طاعة ومتابعة.. والمقصود في هذه الورقة هو طاغوت الحكم فإن كثيراً من الطوائف المنتسبين إلى الإسلام قد صاروا يتحاكمون إلى عادات آبائهم".
ثم قال: "وهذا هو الطاغوت بعينه الذي أمر الله باجتنابه" (الدرر السنية 8/272)
وقال الشيخ صالح الفوزان في كتاب التوحيد: "قال الله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} في هذه الآية الكريمة أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر، وهذا الكفر تارة يكون كفراً أكبر ينقل عن الملة وتارة يكون كفراً أصغر لا يخرج من الملة، وذلك بحسب حال الحاكم فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنه مخير فيه أو استهان بحكم الله واعتقد أن غيره من القوانين والنظم الوضعية أحسن منه وأنه لا يصلح لهذا الزمان وأراد بالحكم بغير ما أنزل الله استرضاء الكفار والمنافقين فهذا كفر أكبر، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا عاص ويسمى كافراً كفراً أصغر، وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه فهذا مخطئ له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور. وهذا في الحكم في القضية الخاصة، وأما الحكم في القضايا العامة فإنه يختلف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن الحاكم إذا كان ديناً لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار. وإن كان عالماً لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار، وإذا حكم بلا عدل ولا علم أولى أن يكون من أهل النار، وهذا إذا حكم في قضية لشخص، وأما إذا حكم حكماً عاماً في دين المسلمين فجعل الحق باطلاً والباطل حقاً والسنة بدعة، والبدعة سنة، والمعروف منكراً والمنكر معروفاً، ونهى عما أمر الله به ورسوله، وأمر بما نهى عنه ورسوله فذه لون آخر يحكـم فيه رب العالمين، وإله المرسلين مالك يوم الدين الذي له الحمد في الأولى والآخرة: {له الحكم وإليه ترجعون}.. {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً}".
وقال أيضاً: "ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما يراه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله كسواليف البادية (أي عادات من سلفهم) وكانوا الأمراء المطاعين ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة وهذا هو الكفر، فإن كثيراً من الناس أسلموا ولكن لا يحكمون إلا بالعادات الجارية التي يأمر بها المطاعون. فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله منهم كفار" انتهى
وقال الشيخ محمد بن ابراهيم: "وأما الذي قيل فيه أنه كفر دون كفر إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاص وأن حكم الله هو الحق فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها، أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهذا كفر وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل. فهذا كفر ناقل عن الملة".
ففـرق رحمه الله بين الحكم الجزئي الذي لا يتكرر وبين الحكم العام الذي هو المرجع في جميع الأحكام أو غالبها وقرر أن هذا الكفر ناقل عن الملة مطلقاً وذلك لأن من نحى الشريعة الإسلامية وجعل القانون الوضعي بديلاً منها فهذا دليل على أنه يرى القانون أحسن وأصلح من الشريعة وهذا لا شك أنه كفر أكبر يخرج من الملة ويناقض التوحيد (قاله الشيخ صالح الفوزان في كتاب التوحيد ص/48-50)
* توحيد الأسماء والصفات:
وتوحيده في أسمائه وصفاته هو إفراده سبحانه وتعالى بما سمى به نفسه أو وصف نفسه به في كتابه أو على لسان رسوله بإثبات ما أثبته ونفي ما نفاه من غير تحريف ولا تعطيل ومن غيـر تكييف ولا تمثيل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله: نفياً وإثباتاً، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه.
وقد علـم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف، ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل.
وكذلك ينفون عنه ما نقاه عن نفسه، مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد، لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته كما قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} (الأعراف:180).. وقال تعالى: {إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم} الآية (فصلت:40)..
فطريقتهم تتضمن إثبـات الأسماء والصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتاً بلا تشبيه، وتنزيهاً بلا تعطيل كما قال تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} (الشورى:11)
ففي قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} رد للتشبيه والتمثيل.. وقوله: {وهو السميع البصير} رد للإلحاد والتعطيل.
والله سبحانه: بعث رسله بإثبات مفصل، ونفي مجمل، فأثبتوا لله الصفات على وجه التفصيل ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل كما قال تعالى: {فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً} (مريم:65)
قال أهل اللغة: هل تعلم له سمياً أي نظيراً يستحق مثل اسمه، ويقال: مسامياً يساميه، وهذا معنى ما يروى عن ابن عباس هل تعلـم له سمياً مثيلاً أو شبيهاً. وقال تعالى: {لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد} (الإخلاص:3-4)
وأما الإثبات المفصل: فإنه ذكـر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته كقوله: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} (البقرة:255)، وقوله: {قل هو الله أحد* الله الصمد..} السورة.. (الإخلاص:1-4) وقوله: {وهو العزيز الحكيم} (الصف:1)،{وهو الغفور الرحيم} (يونس:107) {وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد} (البروج:15).. {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم* هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير} (الحديد:3-4)
وقوله: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} (محمد:28) وقوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} (المائدة:54).. وقوله: {رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه} (البينة:8).. وقوله: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً} (النساء:93).. وقوله: {إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} (غافر:10).. وقوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} (البقرة:210).. وقوله: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين} (فصلت:11)
وقوله: {وكلم الله موسى تكليماً} (النساء:164).. وقوله: {وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجياً} (مريم:52).. وقوله: {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} (القصص:62).. وقوله: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} (يس:82)
وقوله: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم* هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون* هو الله الخـالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم} (الحشر:22-24)
إلى أمثال هـذه الآيات، والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أسماء الرب تعالى وصفاتـه، فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل، وإثبات وحدانيته بنفي المثيل، ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل فهذه طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ولهذا سمى الله نفسه بأسماء، وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به، إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم، مضافة إليهم، توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين، وتماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة، والتخصيص: اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلاً عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص.
فقد سمي الله نفسه حياً، فقال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} (البقرة:255) وسمي بعض عباده حياً، فقال: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} (الروم:19) وليس هـذا الحي مثل هذا الحي، لأن قوله الحي اسم لله مختص به..
وقوله: {يخرج الحي من الميت} اسم للحي المخلوق مختص به، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدراً مشتركاً بين المسلمين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق.
ولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دل عليه بالإضافة والاختصاص: المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى.
* علوُّ الله على خلقه واستواؤه على عرشه:
ومن صفاته عز وجل علوه على خلقه واستواؤه على عرشه فله سبحانه وتعالى العلو المطلق علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر، وهو من صفاته الذاتية التي تثبت بالعقل والنقل والفطرة..
* قال العلامة ابن أبي العـز الحنفي: "وعلوه سبحانه وتعالى كما هو ثابت بالسمع، ثابت بالعقل والفطرة" (شرح الطحاوية ص/325)
* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "القول بأن الله تعـالى فوق العالم معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.. والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة والتابعين متواترة بذلك" (درء التعارض 7/26)
* وقال أيضاً: "وإذا قيل (العلو) فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به إذ ليس فوق العالم شيء موجود إلا الله " (التدمرية ص/88)
* وقد أجمع سلف الأمة وأئمة السنة على إثبات صفة الاستواء على العرش لله عز وجل استـواءً يليق بجلاله وكماله بلا كيف كما أخبر سبحانه عن نفسه في سبع آيات: {الرحمن على العرش استوى} (طه:5).. {ثم استوى على العرش الرحمن فأسأل به خبيراً} (الفرقان:59).. {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} (الأعراف:54)..
* قال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الصابوني الشافعي: "وعلمـاء الأمة وأعيان الأئمة من السلف رحمهم الله لم يختلفوا في أن الله تعالى على عرشه، وعرشه فوق سماواته يثبتون له من ذلك ما أثبته الله تعالى، ويؤمنون به ويصدقون الرب جل جلاله في خبره، ويطلقون ما أطلقه سبحانه وتعـالى من استوائه على العرش، ويمرونه على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله" (عقيدة السلف ص/15)
* وقال القرطبي في تفسير الجامع لأحكام القرآن: "وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحـد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته، قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم -يعني في اللغة- والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة، وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها" (الجامع لأحكام القرآن 7/219)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليه سلف الأمة، من أنه سبحانه فـوق سمواته على عرشه، عليّ على خلقه، وهو معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون كما جمع بين ذلك في قوله تعالي: {هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير} (الحديد:4)..
وليس معنى قوله: {وهو معكم} أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق" (الفتاوى 3/177)
وكل ما سبق ذكره من أنواع التوحيد في الربوبية، والإلهية، والأسماء، والصفات، والحاكمية داخل في شهادة العبد {أن لا إله إلا الله}..
* تحقيق التوحيد بإخلاص الدين لله:
"ومن تحقيق التوحيد: أن يعلم أن الله تعالى أثبت له حقاً لا يشركه فيه مخلوق كالعبادة والتوكـل، والخوف، والخشية، والتقوى كما قال تعالى: {لا تجعل مع الله إلهاً آخر فتقعد مذمومـاً مخذولاً} (الإسراء:22).. وقال تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين} (الزمر:2).. وقال تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين} (الزمر:11).. وقال تعالى: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} (الزمر:64) إلى قوله: {الشاكرين}..
وكل من الرسل يقول لقومه: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} (هود:50)..
وقد قال في التوكل: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} (المائدة:23).. {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} (التوبة:51)، وقال: {قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} (الزمر:38).. وقال تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} (التوبة:59)
فقال في الاتيان: {ما آتاهم الله ورسوله}.. وقال في التوكل: {وقالوا حسبنا الله} ولم يقل: ورسوله؛ لأن الإتيان هو الإعطاء الشرعي، وذلك يتضمن الإباحة والإحلال الذي بلغه الرسول، فالحلال ما أحله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه. قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (الحشر:7)..
وأما الحسب فهو الكافي، والله وحـده كاف عبده كما قال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قـد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} (آل عمران:173) فهو وحده حسبهم كلهم، وقال تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} (الأنفال:64) أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين هو الله، فهو كافيكم كلكم.
وقال في الخوف والخشية والتقوى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} (النور:52) فأثبت الطاعة لله والرسول، وأثبت الخشية والتقوى لله وحده، كما قال نوح عليه السلام: {إني لكم نذير مبين ان اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} فجعل العبادة والتقوى لله وحده، وجعل الطاعة للرسول، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله.
وقد قال تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون} (المائدة:44).. وقال تعالى: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} (آل عمران:175).. وقال الخليل عليه السلام: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون* الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} (الأنعام:81-82)
وفي الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ قال صلى الله عليه وسلم: [إنما هو الشرك ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: {إن الشرك لظلم عظيم}] (متفق عليه)
ومن هذا الباب أن رجلاً خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من يطع الله ورسوله فقد رشـد، ومن يعصهما فقد غوى" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [بئس الخطيب أنت ، قل ومن يعص الله ورسوله فقد غوى] (رواه مسلم)
وقال: [ولا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد] (رواه أحمد وابن ماجة)
ففي الطاعة: قرن اسم الرسول باسمه بحرف الواو، وفي المشيئة: أمر أن يجعل ذلك بحرف ثم، وذاك لأن طاعة الرسول طاعة لله، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، وطاعة الله طاعة الرسول، بخلاف المشيئة فليست مشيئة أحد من العباد مشيئة لله. ولا مشيئة الله مستلزمة لمشيئة العباد، بل ما شاء الله كان، وما لم يشأ الناس، وما شاء الناس لم يكن إن لم يشأ الله. (الفتاوى 3/107-109)
"وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحقق التوحيد، ويعلمه أمته، حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت فقال: [أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده]، وقال: [لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن ما شاء الله ثم شاء محمد] ونهى عن الحلف بغير الله فقال: [من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت] (متفق عليه)
وقال: [من حلف بغير الله فقد أشرك] (رواه أبو داود والترمذي)
وقال: [لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبدالله ورسوله] (رواه البخاري)
ولهذا اتفق العلماء على أنه ليس لأحد أن يحلف بمخلوق كالكعبة ونحوها.
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السجود له، ولما سجد بعض أصحابه نهاه عن ذلك وقال: [لا يصلح السجود إلا لله]، وقال: [لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها] (رواه أحمد والترمذي والحاكم)
وقال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: [أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟] قال: لا. قال: [فلا تفعلوا] (رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيحه)
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، فقال في مرض موته: [لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبـور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا] (متفق عليه) قالت عائشة رضي الله عنها: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً.
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال قبل أن يموت بخمـس: [إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، فلا تتخذوا بيتي عيداً ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني]، ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجـد على القبور، ولا تشرع الصلاة عند القبور، بل كثير من العلماء يقول الصلاة عندها باطلة.
وذلك أن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان التعظيم للقبور بالعبـادة،ونحوها، قال الله تعالى في كتابه: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً، ولا يغوث ويعوق ونسراً} (نوح:23) قال طائفة من السلف: كانت هذه أسماء قوم صالحين، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم وعبدوها.
ولهذا اتفق العلماء على أن من سلم على النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها، لأن التقبيل والاستلام إنما يكون لأركان بيت الله الحرام، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق.
وكذلك الطـواف والصلاة والاجتماع للعبادات إنما تقصد في بيوت الله، وهي المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فلا تقصد بيوت المخلوقين فتتخذ عيداً، كما قال صلى الله عليه وسلـم: [لا تتخذوا بيتي عيداً] كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عمـلاً إلا به، ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه، وكما قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً} (النساء:48)
ولهـذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه، فأعظم آية في القرآن أية الكرسي: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} (البقرة:255).. وقال صلى الله عليه وسلـم: [من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة] (رواه أحمد وأبو داود، والحاكم)
والإله: الذي يألهه القلب عبادة له، واستعانة، ورجاء له، وخشية، وإجلالاً، وإكراماً" (الفتاوى 3/397-400)
فيجب صرف العبادة كلها لله وحده لا شريك له من صلاة وذبح، ووفاء نذر، وصوم، وحج، وطواف، ودعاء، وغير ذلك من العبادات. كما قال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} (الأنعام:162).. وقال: {ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون} (المؤمنون:117).. وقال: {وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} (غافر:60)..
فسمى الله الدعاء عبادة، فمن دعا غير الله عز وجل فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك بالله: {ومن يشرك بالله فقد حرم عليه الجنة} (المائدة:72).. {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ..
هذا ولا بد في عبادة الله عز وجل من شرطين لقبولها:
أحدهما: إخلاص الدين له.
الثاني: موافقة أمره الذي بعث به رسله، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: (اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً)، وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} قال: أخلصه وأصوبه، قالوا يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إذا كان العمل خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.
ولهذا ذم الله المشركين في القرآن على اتباع ما شرع لهم شركاؤهم من الدين مما لم يأذن به الله من عبادة غيره، وفعل ما لم يشرعه من الدين، كما قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} (الشورى:21) كما ذمهم على أنهم حرموا ما لم يحرمه الله.. والدين الحق أنه لا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه. (الفتاوى 3/124)
* إجماع سلف الأمة على إثبات صفات الله سبحانه وتعالى من غير تحريف أو تمثيل أو تشبيه:
وقد أجمع سلف الأمة وأهل السنة على إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي ما نفاه عن نفسه.
قال حافظ الشرق الخطيب البغدادي في الصفات: "ما روى منها في السنن الصحاح، مذهب السلف رضوان الله عليهم إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها.
وقد نفاها قوم ; فأبطلوا ما أثبته الله سبحانه، وحققها قوم من المثبتين، فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف.
والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودين الله بين الغالي والمقصر عنه، والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله.
فإذا كان معلوماً أن إثبات رب العالمين عز وجل إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وتكييف.
فإذا قلنا: لله تعالى يد وسمع وبصر، فإنما هي صفات أثبتها الله تعالى لنفسه، ولا نقول: إن معنى اليد: القدرة، ولا أن معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول: إنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح.
ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تبارك وتعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} (الشورى:11). وقوله عز وجل: {ولم يكن له كفواً أحد} (الإخلاص:4)" (الكلام على الصفات ص/20-23)
وقال حافظ المغرب ابن عبدالبر في التمهيد: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع، والجهمية، والمعتزلة كلها والخوارج، فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئاً منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحـق فيما قاله القائلون به بما نطق كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله" (التمهيد 7/145)
وقال الإمام الفقيه محمد بن الحسن الشيباني -صاحب أبي حنيفة-: "اتفق الفقهاء كلهم من الشرق إلى الغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل، من غير تفسير ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإنهم لم يفسروا، ولكن أفتوا بما كـان في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة لأنه وصفه بصفة لا شيء" (اللالكائي 3/342)
والمقصود بقوله (من غير تفسير) أي يخالف ظاهرها اللائق بالله تعالى، وأما توضيح المعنى فقد تواتر عن الصحابة ومن أخذ عنهم العلم من التابعين توضيح معاني القرآن بلا تفريق بين آيات الصفات، وغيرها كما هو منثور في كتب التفسير بالمأثور.
* القرآن الكريم كلام الله عز وجل حقيقة:
ومن الصفات العظيمة الكريمة لله عز وجل صفة الكلام كما أخبـر عن نفسه: {وكلم الله موسى تكليماً} (النساء:164).. {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} (الأعراف:143).. ولم يزل سبحانه متصفاً بها على الوجه اللائق بكماله وجلاله ومن كلامه القرآن الكريم..
قال ابن قدامة المقدسي: "ومن كلام الله سبحانه القرآن الكريم، وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين، بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وهو سور محكمات،وآيات بينات، وحروف وكلمات، من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، له أول وآخر، وأجزاء وأبعاض، متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف، فيه محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} (فصلت:42).. وقوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً} (الإسراء:88)" (لمعة الاعتقاد/18-19)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "مذهب سلف الأمة وأهل السنة أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، هكذا قال غير واحد من السلف، روى عن سفيان عن عمرو بن دينار -وكان من التابعين الأعيان- قال: ما زلت أسمع الناس يقولون ذلك.
والقرآن الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم هو هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون، ويكتبونه في مصاحفهم، وهو كلام الله لا كلام غيره، وإن تلاه العباد وبلغوه بحركاتهم وأصواتهم، فإن الكلام لمن قاله مبتدئاً لا لمن قاله مبلغاً مؤدياً، قال الله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه} (التوبة:6)، وهذا القرآن في المصاحف كما قال تعالى: {بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ} (البروج:21-22)، وقال تعالى: {يتلو صحفاً مطهرة* فيها كتب قيمة} (البينة:2-3)، وقال: {إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون} (الواقعة:77-87)..
والقرآن كلام الله بحروفه ونظمه ومعانيه، كل ذلك يدخل في القرآن وفي كلام الله، وإعراب الحروف هو من تمام الحروف" (الفتاوى 3/401)
* شهادة أن محمداً رسول الله:
ولا يكفي العبد أن يشهد أن لا إله إلا الله، ولا يكون بها مسلماً حتى يقرنها بشهادة (أن محمداً رسول الله)..
وأن كل ما جاء به حق وصدق وأنه يجب طاعته فيما أمر وتصديقه في كل ما أخبر وأنه {رسول الله وخاتم النبيين} (الأحزاب:40).. فلا نبي بعده صلى الله عليه وسلم، وأنه رسول الله إلى الخلق كافة كما في قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} (الأعراف:158).. وأن دينه آخر الأديان، ولا يسع أحداً ترك اتباعه.
وهاتان الشهادتان همـا أصل الإسلام وأول أركانه كما في الحديث الصحيح: [بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقـام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً] (متفق عليه) من لم يأت بهما فهو كافر بإجماع أهل الإسلام.
* مقتضى الشهادتين طاعة الله ورسوله:
"وإذا كانت الشهادتان هي أصل الدين، وفروعه وسائر دعائمه، وشعبه داخلة فيهما، فالعبادة متعلقة بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} (النساء:69)..
وقال في الآية المشروعة في خطبة الحاجة: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً* يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً} (الأحزاب:70-71)
وفي الخطبة: {من يطـع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى} (رواه مسلم)، وقال تعالى: {من يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} (النور:52).. وقال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم* ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين} (النساء:13-14)
وكذلك علق الأمـور بمحبة الله ورسوله كقوله تعالى: {أحب إليكم من الله ورسوله} (التوبة:24) وبرضا الله ورسوله كقوله: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} (التوبة:62) وتحكيم الله ورسوله كقوله: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم} (النور:48).. وقوله: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول} (النساء:61) وأمر الله تعالى عند التنازع بالرد إلى الله والرسول، فقال: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} وجعل المغانم لله والرسـول، فقال: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} (الأنفال:1) ونظائر هذا متعددة". (الفتاوى 3/341)
* الموالاة والمعاداة بمقتضى الشهادتين:
فتعليق الأمور من المحبة والبغضة، والموالاة والمعاداة، والنصرة والخذلان، والموافقة والمخالفة، والرضا والغضب، والعطاء والمنع، بما يخالف هذه الأصول المنزلة من عند الله مما هو (أخص منها) أو (أعم منها) أو (أعم من وجه وأخص من وجه)..
فالأعم: ما عليه المتفلسفة، ومن اتبعهم من ضلال المتكلمة والمتصوفة في تسويغ التدين،بغير ما جاء به محمد رسول الله، وإن عظم محمداً صلى الله عليه وسلم وجعل دينه أفضل الأديـان، وكذلك من سوغ النجاة والسعادة بعد مبعثه بغير شريعته.
والأعم من وجه والأخص من وجه: مثل الأنساب، والقبائل، والأجناس العربية، والفارسية، والرومية، والتركية، أو الأمصار والبلاد.
والأخص مطلقـاً: الانتساب إلى جنس معين من أجناس بعض شرائع الدين كالتجند للمجاهدين، والفقه للعلمـاء، والفقر والتصوف للعباد أو الانتساب إلى بعض فرق هذه الطوائف كإمام معين، أو شيخ، أو ملك أو متكلم من رؤوس المتكلمين، أو مقالة أو فعل تتميز به طائفة، أو نحو ذلك كل ذلك من أمور الجاهلية المفرقة بين الأمة، وأهلها خارجـون عن السنة والجماعـة، داخلون في البدع والفرقة، بل دين الله تعالى أن يكون رسوله محمد صلى الله عليه وسلم هو المطاع أمره، ونهيه، المتبوع في محبته ومعصيته، ورضاه، وسخطه، وعطائه، ومنعه، وموالاته، ومعاداته، ونصره، وخذلانه.
ويعطى كل شخص أو نوع من أنواع العالم من الحقوق: ما أعطاهم إياه الرسول، فالمقرب من قربه، والمقصى من أقصاه، والمتوسط من وسطه، ويحب من هذه الأمور: أعيانها، وصفاتها ما يحبه الله ورسوله منها، ويكره منها ما كرهه الله ورسوله منها، ويترك منها -لا محبوباً ولا مكروهاً- ما تركه الله ورسوله كذلك.
ويؤمـر منها بما أمر الله به ورسوله، وينهى عما نهى الله عنه ورسوله، ويباح منه ما أباحه الله ورسوله، ويعفى عما عفا الله عنه ورسوله، ويفضل منها ما فضله الله ورسوله، ويقدم ما قدمه الله ورسوله، ويؤخر ما أخره الله ورسوله، ويرد ما تنوزع منها إلى الله ورسوله، فما وضح اتبع وما اشتبه تبين فيه.
وما كان منها من الاجتهادات المتنازع فيها التي أقرها الله ورسوله كاجتهاد الصحابة في تأخير العصر عن وقتها يوم قريظة، أو فعلها في وقتها، فلم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم واحداً من الطائفتين، وكما قطـع بعضهم نخل بني النضير، وبعضهم لم يقطع، فأقر الله الأمرين، وكما ذكر الله عن داود وسليمان: أنهما حكما في الحرث ففهم الحكومة أحدهما، وأثنى على كل منهما بالعلم والحكم به، وكما قال صلى الله عليه وسلم: [إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد] (متفق عليه)
فما وسعه الله ورسوله وسع، وما عفى الله عنه ورسوله عفي عنه، وما اتفق عليه المسلمون من إيجاب، أو تحريم، أو استحباب، أو إباحة أو عفو بعضهم لبعض عما أخطأ فيه، وإقرار بعضهم لبعض فيما اجتهدوا به فهو مما أمر الله به ورسوله، فإن الله ورسوله أمر بالجماعة، ونهى عن الفرقة.. ودل على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة. (الفتاوى 3/341-344)
* درجات الدين (الإسلام، الإيمان، الإحسان):
ولا دين إلا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، والدين يتضمن الإسلام وهو أول الدرجات ثم الإيمان، ثم الإحسان، ويجمعها حديث جبريل، وسؤاله النبي صلى الله عليه وسلم: ما الإيمان. قال: [أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، وبلقائه ، ورسله، وتؤمن بالبعث].. قال: ما الإسلام؟ قال: [الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان].. قال: ما الإحسان؟ قال: [أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك] (متفق عليه)

* الإيمان بالملائكة:
ومن أركان الإيمان: الإيمان بالملائكة، وأنهم عالم غيبي مخلوقون من نور: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} (التحريم:6)، وأنهم {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} (الأنبياء:20) عن عبادة الله عز وجل، وتمجيده، ومنهم الموكل بعمل خاص كجبريل، وهو روح القدس يرسله الله عز وجل إلى الأنبياء والرسل يوحي إليهم رسالة ربهم.
وميكائيل وهو الموكل بالقطر والنبات، وإسرافيل الموكل في نفخ الصور إيذاناً بقيام الساعة، وبعث الخلق، وملك الموت الموكل بقبض الأرواح عند الموت، ومالك الموكل بالنار، وهو خازنها، والملائكـة الموكلون بحفظ بني آدم أو حفظ أعمالهم وكتابتها، والموكلون بسؤال الميت في قبره، فيجب الإيمان بهم على سبيل العموم، وبمن خص منهم بالذكر على سبيل الخصوص.
* الإيمان برسل الله وكتبه:
ومن أركان الإيمان: الإيمان بالرسل، والكتب، وأن الرسل بشر اصطفاهم الله برسالته: {قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشراً مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده، وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله} (إبراهيم:11) وأن الله أرسلهم: {رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} (النساء:165)
وأن دعوتهم واحدة: {أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} (النحل:36) وهم كثيرون كما قال تعالى: {منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك} (غافر:78) وأولو العزم منهم خمسة كما في قوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} (الشورى:13)
فيجب التصديق بجميع الرسـل، وبما جاؤوا به ومحبتهم واتباع آخرهم وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، والإيمان بما أنزل الله عليهم من الكتب كصحف وتوراة موسى وزبور داود، وإنجيل عيسى، وأعظم هذه الكتب القرآن العظيم الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه} (المائدة:48) فهو ناسخ لها مهيمن عليها وهو كلام الله عز وجل منه بدأ وإليه يعود، كما قال تعالى: {واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته} (الكهف:27) وأنه: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} (فصلت:42) وكل هذه الأركان داخلة في قوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} (البقرة:285)

* الإيمان باليوم الآخر:
وخامس أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر. قال تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر} (البقرة:177).. ويدخل فيه التصديق بكل ما أخبر الله ورسوله عنه..
قال شيخ الإسلام في الواسطية: في بيان أصول أهل السنة والجماعة: "ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة القبر، وبعذاب القبر، وبنعيمه.
فأما الفتنة: فإن الناس يفتنون في قبورهم، فيقال للرجل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فيقول المؤمن: الله ربي والإسلام ديني، ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيي، وأما المرتاب فيقـول: هاه، هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق".
ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وأما عـذاب، إلى أن تقوم القيامة الكبرى فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً، وتدنو منهم الشمس، ويلجمهم العرق.
وتنصب الموازين، فتوزن فيها أعمال العباد: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون* ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون} (المؤمنون:102-103)
وتنشر الدواوين -وهي صحائف الأعمال- فآخـذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره، كما قال سبحانه وتعالى: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} (الإسراء:13) ويحاسب الله الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه، كما وصف ذلك في الكتاب والسنة.
وأما الكفار: فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم، وتحصى، فيوقفون عليها ويقررون بها ويجزون بها.
وفي عرصـة القيامة: الحوض المورود لمحمد صلى الله عليه وسلم، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسـل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر وعرضه شهر، ومن يشرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً.
والصراط منصوب على متن جهنم -وهو الجسر الذي بين الجنة والنار- يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من يخطف فيلقى في جهنم، فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم فمن مر على الصراط دخل الجنة.
فإذا عبروا عليه وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة.
* شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم:
وأول من يستفتح باب الجنة: محمد صلى الله عليه وسلم، وأول من يدخل الجنة من الأمم: أمته. وله صلى الله عليه وسلم في القيامة ثلاث شفاعات:
أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف، حتى يقضى بينهم بعد أن تتراجع الأنبياء: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى بن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إليه صلى الله عليه وسلم.
وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له صلى الله عليه وسلم.
وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له صلى الله عليه وسلم ولسائر النبيين عليهم السلام، والصديقين رضي الله عنهم وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها، ويخرج الله تعالى من النار أقواماً بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا فينشئ الله لها أقواماً فيدخلهم الجنة.
وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب، والثواب والعقاب والجنة والنـار، وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء، والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء، وفي العلم الموروث عن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك ما يشفي ويكفي، فمن ابتغاه وجده". (الفتاوى 3/148)
* رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة:
ويدخل في أخبار الآخرة رؤية المؤمنين ربهم عز وجل كما قال تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظـرة} (القيامة: 22-23)، وكما في الحديث المتواتر: [إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته] (متفق عليه) وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي فإن الله {ليس كمثله شيء} سبحانه وتعالى.
* الإيمان بالقضاء والقدر:
وأما سادس أركان الإيمان، فهو الإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره من الله عز وجل كما قال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} (القمر:49)
قال شيخ الإسلام في الواسطية: "وتؤمن الفرقة الناجية -أهل السنة والجماعة- بالقدر خيره وشره، والإيمان بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين:
فالدرجـة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلاً، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال.
ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق. فأول ما خلق الله القلم. قال له: اكتب. قال ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة
فما أصـاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف كما قال سبحانه وتعالى: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماوات والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} (الحج:70).. وقال: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير} (الحديد:22)
وهـذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلاً فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء: وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكاً، فيؤمر بأربع كلمات فيقال له: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، ونحو ذلك، فهذا القدر قد كان ينكره غلاة القدرية قديماً ومنكره اليوم قليل .
وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافـذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات.
فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا خالقه الله سبحانه، ولا خالق غيره ولا رب سواه.
والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر، والمصلي، والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم، وخالق قدرتهم وإرادتهم، كما قال تعالى: {لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين}" (مجموع الفتاوى 3/148-150)
* تفاوت أهل الإيمان في الإيمان:
والإيمـان المطلق اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، فيدخل فيه الدين كله كما في الصحيح: [الإيمان ثلاث وسبعون شعبة أعلاهاً كلمة لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان] وهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
قال شيخ الإسلام في الواسطية: "ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال سبحانه في آية القصاص: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف} (البقرة:178)، وقال: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل، وأقسطوا إن الله يحب المقسطين* إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} (الحجرات:9-10)، ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار كمـا تقوله المعتزلة بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة} (النساء:92) وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} (الأنفال:2)
وقوله صلى الله عليه وسلم: [لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن] (متفق عليه)، ونقول هـو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم"
* الموقف من أصحاب رسـول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته وزوجاته أمهات المؤمنين:
ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول اله صلى الله عليه وسلم، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: {والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} (الحشر:10)
وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: [لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه] (متفق عليه)
ويقبلون ما جـاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم، فيفضلون من أنفق من قبل الفتـح، وهو صلح الحديبية، وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر -وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر-: [اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم] (متفق عليه) وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة كالعشرة، وكثابت ابن قيس بن شماس، وغيرهم من الصحابة.
ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه وعن غيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي رضي الله عنهم، كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة رضي الله عنهم على تقديم عثمان في البيعة، مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي رضي الله عنهما بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا، وأربعوا بعلي، وقدم قوم علياً، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان، وإن كانت هذه المسألة مسألة عثمان وعلي ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يضلل المخالف فيها هي (مسألة الخلافة)، وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسـول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة فهو أضل من حمار أهله.
ويحبون أهل بيت رسـول الله صلى الله عليه وسلم، ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال يوم غدير خم: [أذكركم الله في أهل بيتي،أذكركم الله في أهل بيتي] (رواه الدارمي)
وقال صلى الله عليه وسلم: [إن الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، ومن قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم] (رواه مسلم)
ويتولون أزواج رسول اله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة خديجة رضي الله عنها أم أكثر أولاده وأول من آمن به وعاضده على أمره وكان لها منه المنزلة العالية.
والصديقة بنت الصديق رضي الله عنها التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: [فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام] (متفق عليه)..
ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم.. ومن طريقه النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص، وغُيِّر عن وجهه، والصحيح منه: هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون.
وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى أنه يغفر لهم من السيئات مالا يغفر لمن بعدهم لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أنهم خير القرون] [وأن المدُّ من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم]..
ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم؟!
ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر، مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح.
ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما منَّ الله به عليهم من الفضائل علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله تعالى.
* الموقف من كرامات الأولياء:
ومن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العـادات، في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة ". (الفتاوى 3/156)
"وأولياء الله الذين هم أولياؤه: هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، فقد أخبر سبحانه أن أولياءه هم المؤمنون المتقون، وقد بين المتقين في قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتي المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} (البقرة:177)
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن حال أولياء الله بما صاروا به أولياء ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [قال لله تبارك وتعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته] (رواه البخاري)
فقد ذكر في هذا الحديث أن التقرب إلى الله تعالى على درجتين إحداهما التقرب إليه بالفرائض، والثانية هي التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد أداء الفرائض.
فالأولى درجة المقتصدين الأبرار أصحاب اليمين، والثانية درجة السابقين المؤمنين كما قال تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم* على الأرائك ينظرون* تعرف في وجوههم نضرة النعيم، يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} (المطففين:22-26)
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "يمزج لأصحاب اليمين مزجاً ويشربه المقربون صرفاً".
وقد ذكر الله هذا المعنى في عدة مواضع من كتابه، فكل من آمن بالله ورسوله واتقى الله فهو من أولياء الله.
* وجوب الموالاة بين المؤمنين:
والله سبحانه قد أوجب موالاة المؤمنين بعضهم لبعض وأوجب عليهم معاداة الكافرين، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين* فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين* ويقول الذي آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهـم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين* يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يوتيه من يشاء والله واسع عليم* إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون* ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} (المائدة:51-56)
فقد أخبر سبحانه أن ولي المؤمن هو الله ورسوله وعباده المؤمنين، وهذا عام في كل مؤمن موصوف بهذه الصفة سواء كان من أهل نسبه أو بلدة أو مذهب أو طريقة أو لم يكن، وقال الله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضـهم أولياء بعض} (التوبة:71) وقال تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} الأنفال:72)" (الفتاوى 3/416-418)
* اتباع سلف الأمة:
"ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم باطناً وظاهراً، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار واتباع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: [عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة] (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه)
ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤثرون كلام الله على كلام غيره من كلام أصناف الناس ويقدمون هدي محمد صلى الله عليه وسلم على هدي كل أحد، وبهذا سموا أهل الكتاب والسنة" (الفتاوى 3/157)
والسنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها، ويذم من خالفها، هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور الاعتقادات، وأمور العبادات، وسائر أمور الديانات، وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة في أقواله وأفعاله، وما تركه من قول وعمل" (الفتاوى 3/378)
وسموا أهل الجماعة: لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسماً لنفس القوم المجتمعين، و(الإجماع) هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين.
وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين، والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة. (الفتاوى 3/157)
وإنما دين الله ما بعث به رسله، وأنزل به كتبه، وهو الصراط المستقيم هو طريق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، خير القرون وأفضل الأمة وأكرم الخلق على الله تعالى بعد النبيين. قال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} فرضي عن السابقـين الأولين رضاً مطلقاً، ورضي عن التابعين لهم بإحسان.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة: [خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم] (رواه مسلم)
وكان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول: (من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب رسـول الله صلى الله عليه وسلم أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً،قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم". (الفتاوى 3/126)
ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبيـاء لا نبي بعده، فعصم الله أمته أن تجتمع على ضلالة، وجعل فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة، ولهذا كان إجماعهم حجة كما كان الكتاب والسنة حجة، وبهذا امتاز أهل الحق من هذه الأمة والسنة والجماعة عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتـاب ويعرضون عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعما مضت عليه جماعة المسلمين.
فإن الله أمر في كتابه باتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولزوم سبيله وأمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، فقال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} (النساء:80) وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ليطاع بإذن الله} (النساء:64).. وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} (آل عمران:31).. وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} (النساء:65)
وقال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} (آل عمران:103)، وقال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء} (الأنعام:159)، وقال تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات} (آل عمران:105)، {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} (البينة:5)، وقال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (الأنعام:153) وقال تعالى في أم الكتاب: {اهدنا الصراط المستقيم* صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} (الفاتحة:6-7)
وهذا الصراط المستقيم هو دين الإسلام المحض، وهو ما في كتاب الله تعالى، وهو السنة والجماعـة فإن السنة المحضة هي دين الإسلام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم روى عنه من وجوه متعددة رواها أهل السنن والمسانيد كالإمام أحمد وأبي داود والترمذي وغيرهم أنه قال: [ستفترق هذه الأمة على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة] (رواه أحمد وابن ماجه) وفي رواية [من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي].
* أهل السنة والجماعة وسط في النحل:
وهذه الفرقة الناجية (أهل السنة) هم وسط في النحل، كما أن ملة الإسلام وسط في الملل فالمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى {الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون}.
ولا جفوا عنهم كما جفت اليهود، فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقاً وقتلوا فريقاً.
بل المؤمنون آمنوا برسل الله وعزروهم ونصروهم ووقروهم وأحبوهم، وأطاعوهم ولم يعبدوهم، ولم يتخذوهم أرباباً كما قـال تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون* ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} (آل عمران:79-80)
ومن ذلك أن المؤمنين توسطوا في (المسـيح) فلم يقولوا هو الله ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة كما تقوله النصارى، ولا كفروا، وقالوا على مريم بهتاناً عظيماً، حتى جعلوه عليه السلام ولد بغية كما زعمت اليهود، بل قالوا هذا عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروح منه.
وكذلك المؤمنون (وسط في شرائع دين الله) فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما شاء ويمحو ما شـاء ويثبت كما قالته اليهود كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} (البقرة:142).. وبقوله: {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم} (البقرة:91)
ولا جوزوا لأكابر علمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله، فيأمروا بما شاؤا وينهون عما شاؤا، كما يفعله النصارى كما ذكر الله ذلك عنهم بقوله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} (التوبة:31) قال عدي بن حاتم رضي الله عنه. قلت: يا رسول الله ما عبدوهم؟ قال: [ما عبدوهم، ولكن أحلو لهم الحرام فأطاعوهم ، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم]
والمؤمنون قالوا كما قال تعالى: {ألا له الخلق والأمر} (الأعراف:54) فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره، وقالوا: سمعنا وأطعنا فأطاعوا كل ما أمر الله به، وقالوا: {إن الله يحكم ما يريد} (المائدة:1) وأما المخلوق فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى ولو كان عظيماً..
وكذلك في صفات الله تعالى فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة، فقالوا: هو فقير ونحن أغنياء، وقالوا يد الله مغلولة، وقالوا: أنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت إلى غير ذلك.
والنصارى وصفوا المخلـوق (وهو عيسى عليه السلام) بصفات الخالق المختصة به، فقالوا إنه يخلق ويرزق، ويغفر ويرحم، ويتوب على الخلق ويثيب ويعاقب.
والمؤمنون آمنوا بالله سبحانه وتعالى وأنه سبحانه ليس له سمي ولا ند، {ولم يكن له كفوا أحد}، {وليس كمثله شيء} فإنـه رب العالمين، وخالق كل شيء، وكل ما سواه عباد له فقراء إليه {إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً* لقد أحصاهم وعدهم عداً* وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً} (مريم:93-95)
وهكذا أهل السنة والجماعة في الفرق، فهم في باب أسماء الله وآياته وصفاته وسط بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسماء الله وآياته، ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه، حتى يشبهوه بالعدم والموات، وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات.
فيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف وتمثيل.
وهم في باب خلقه وأمره وسط بين المكذبين بقدرة الله، الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء، وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمـل، فيعطلون الأمر والنهي، والثواب، والعقاب، فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} (الأنعام:148)
فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير، فيقدر أن يهدي العباد، ويقلب قلوبهم، وأنه ما شـاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن إنفاذ مراده، وأنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات.
ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل وأنه مختار، ولا يسمونه مجبوراً، إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره، والله سبحانه جعل العبد مختاراً لما يفعله فهو مختار مريد، والله خالقه وخالق اختياره، وهذا ليس له نظير، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاتـه ولا في صفاته ولا في أفعاله.
وهم في (باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد) وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية.
فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله، وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة، وأنهم لا يخلدون في النار بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ادخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته.
وهم أيضاً في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وسط بين الغالية الذين يغالون في علي رضي الله عنه، فيفضلونه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويعتقدون أنه الإمـام المعصوم دونهما، وأن الصحابة ظلموا وفسقوا وكفّروا الأمة بعدهم كذلك، وربما جعلوه نبياً أو إلهاً، وبين الجافية الذين يعتقدون كفره، وكفر عثمان رضي الله عنهما، ويستحلون دماءهما ودمـاء من تولاهما، ويستحبون سب علي وعثمان ونحوهما، ويقدحون في خلافه علي رضي اله عنه وإمامته.
وكذلك في سـائر أبواب السنة هم وسط لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. (الفتاوى 3/368-375)
وأما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء ولا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريباً من مبلغ الفرقـة الناجية فضلاً عن أن تكون بقدرها بل قد تكون الفرقة منها غاية القلة، وشعار هذه الفرق مفارقة الكتاب والسنة والإجماع فمن قال بالكتاب، والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة.
وأما تعيين هذه الفرق فقد صنف الناس فيهم مصنفات، وذكروهم في كتب المقالات، لكن الجزم بأن هذه الفرقة الموصوفة هي إحدى الثنتين والسبعين فلا بد له من دليل، فإن الله حرم القول بلا علـم عموماً، وحرم القول عليه بلا علم خصوصاً، فقال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} (الأعراف:33)
وقال تعالى: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان أنه لكم عدو مبين* إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} (البقرة:168-169).. وقال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} (الإسراء:36)
وأيضاً فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم الظن والهوى فيجعل طائفته والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له هم أهل السنة والجماعة، ويجعل من خالفها أهل البدع، وهذا ضلال مبين، فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي {لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول اله صلى الله عليه وسلم، فمن جعل شخصاً من الأشخاص غير رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة.
أهل السنة والجماعة لا إمام لهم غير النبي صلى الله عليه وسلم:
وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن يكونوا من أهل الفرقة الناجية هم أهل الحديث والسنة الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله وهم أعلم الناس بإقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزاً بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهـاء فيها (وأهل) معرفة بمعانيها واتباعاً لها تصديقاً وعملاً وحباً وموالاة لمن والاها ومعاداة لمن عاداها الذين يردون المقالات المجملة إلى ما جاء من الكتاب والحكمة فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم، بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه.
* أهل السنة يردون كل خلاف إلى كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم:
وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيـر ذلك يردونه إلى الله ورسوله، ويفسرون الألفاظ المجملة التي تنازع فيها أهل التفرق والاختلاف، فما كان من معانيـها موافقاً للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان منها مخالفاً للكتاب والسنة أبطلوه، ولا يتبعون الظن وما تهوى الأنفس، فإن اتباع الظن جهل، واتباع هوى النفس بغير هدى من الله ظلم.
وجماع الشر الجهل والظلم، قال الله تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً} (الأحزاب:72) إلى آخر السورة. وذكر التوبة لعلمه سبحانه وتعالى أنه لا بد لكل إنسان من أن يكون فيه جهل وظلم ثم يتوب الله على من يشاء، فلا يزال العبد المؤمن دائماً يتبين له من الحق ما كان جاهلاً به، ويرجع عن عمل كان ظالماً فيه.
وأدناه ظلمه لنفسه كما قال تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} (البقرة:257).. وقـال تعالى: {هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور} (الحديد:9)
* تفاوت الفرق في قربها وبعدها عن السنة:
ومما ينبغي أيضاً أن يعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة.
ومن يكون قد رد على غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنة منه فيكون محموداً فيما رده من الباطل، وقاله من الحق، لكن يكون قد جاوز العدل في رده بحيث جحد بعض الحق وقال بعض الباطـل، فيكون قد رد بدعة كبيرة ببدعة أخف منها، ورد الباطل بباطل أخف منه، وهذا حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة.
ومثل هـؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولاً يفارقون به جماعة المسلمين يوالون عليه ويعادون، كان من نوع الخطأ، والله سبحانه وتعالى يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك.
ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها: لهم مقالات قالوها باجتهاد، وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنة بخلاف من والى موافقه وعادى مخالفه وفرق بين جماعة المسلمين، وكفر وفسق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحل قتال مخالفه دون موافقه فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات (الفتاوى 3/346-349)
* متى يحكم على الرجل بالخروج من أهل السنة والجماعة:
ومن قـال بجملة ما يقوله أهل السنة والجماعة في الأصول المتقدمة فهو منهم وإن زل في فرع من فروعها أو في المسائل الدقيقة منها لاجتهاد أو تأويل، ولا يجوز الحكم عليه بأنه من الفرق الضالة ما لم يعتقد أصلاً من أصولهم.
قال شارح الطحاوية: "وهذا أمر متيقن به في طوائف كثيرة وأئمة في العلم والدين وفيهم بعض مقالات الجهمية أو المرجئة أو القدرية أو الشيعة أو الخوارج ولكن الأئمة في العلم والدين لا يكونون قائمين بجملة تلك البدعة بل بفـرع من فروعها ولهذا انتحل أهل هذه الأهواء لطوائف من السلف المشاهير" (ص/439)
وكذلك الخلاف في الاستدلال على الفروع كالنزاع الذي يقع بين علماء أهل السنة والجماعة في الإجمـاع الذي يحتج به والقياس وسائر الأصول المختلف فيها، وكنزاعهم في شروط صحة الحديث مثل حكم الحديث المرسل ومجهول الحال واشتراط اللقيا، ونحو ذلك من المسائل فإنه لا يخرج المخطئ فيها من جملة أهل السنة.
وكذا الخلاف في مسائل أحكام الفروع فإنه كثير جداً في فقهاء أهل السنة والجماعة مثل اختلافهم في طهارة الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة، ولم تغيره، وبعض نواقض الوضوء، ونحوها من مسائل الطهارة، وكثير من أحكام الصلاة، ومبطلات الصوم، وأركان الحج، وواجباتها ونحو ذلك من مسائل العبادات.
وفي باب المعامـلات من ذلك شيء كثير يذكره المصنفون في دواوين الفقه التي تذكر الخلاف على أنه خلاف بين فقهاء أهل السنة ومحدثيهم..
فكل ذلك لا يخرج المخطئ فيه من جملة أهل السنة، وإنما يخرجه أن يقول بأصل من أصول الفرق الضالة ثم يكون الحكم عليه بحسب غلظ بدعته وبعده بها عن أصول السنة وما فيه من خير وسنة من وجه آخر..
* تحريم تكفير المسلم بالخطأ والاجتهاد:
ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة، فإن الله تعالى قال: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} (البقرة:285).. وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم.
والخوارج المارقـون الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أحد الخلفاء الراشدين، واتفق عل قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفار، ولهذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم .
وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا مع أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلـم بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟ فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن تكفر الأخرى ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعـة محققة، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضاً؟ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعاً جهال بحقائق ما يختلفون فيه.
* الأصل في دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم التحريم:
والأصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض لا تحل إلا بإذن الله ورسوله، قال النبي صلى الله عليه وسلم لما خطبهم في حجة الوداع: [إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا] (رواه البخاري)
وقـال صلى الله عليه وسلم: [كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه] (رواه أبو داود وابن ماجه)
وقـال صلى الله عليه وسلم: [من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذاكم المسلم له ذمة الله، وذمة رسوله] (رواه البخاري)
وقال: [إذا التقى المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار] قيل يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: [إنه كان حريصاً على قتل صاحبه] (متفق عليه)
وقال: [لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض] (متفق عليه) وقال: [إذا قال المسلم لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما] (رواه البخاري) وهذه الأحاديث كلها في الصحاح.
وإذا كان متأولاً في القتال أو التكفير لم يكفر لذلك كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لحاطب بن أبي بلتعة: يا رسـول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [إنه قد شهد بدراً، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم] (متفق عليه)
* الافتراق سبب الضعف:
وهذا التفريق الذي حصل في الأمة من علمائها ومشايخها، وأمرائها وكبرائها هو الذي جلب تسلط الأعداء عليها، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله كما قال تعالى {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء} (المائدة:14)
فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب.
* القيام بالأمر بالمعروف سبب القوة والإجتماع:
وجماع ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} إلى قوله: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران: 103-104)
فمن الأمر بالمعروف: الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن الاختلاف والفرقـة، ومن النهي عن المنكر إقامة الحدود على من خرج من شريعة الله تعالى. وانظر تفصيل ذلك في الباب الخاص بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

التكفير والمكفرات
أولاً: نواقض الإسلام: (ما يصير به المسلم مرتداً):
1) الشرك في عبادة الله قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء:116).. وقال: {أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار} (المائدة:72)
وصرف أي عبادة من العبادات لغير الله يعد شركاً، كالدعاء والسجود والطواف والذبح والنذر.
2) من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم كفر إجماعاً، وهـذا يمكن أن يدخل في سابقه.
3) من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر.
4) من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.
5) من أبغض شيئاً مما عمل به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو عمل به كفر إجماعاً والدليل قوله تعالى: {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فاحبط أعمالهم}..
6) من استهزأ بشيء من دين الله الرسول، أو ثواب الله أو عقابه قال تعالى: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} (التوبة:66)
7) السحر: فمن فعله أو رضي به كفر. قال تعالى: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر} (البقرة:102)
8) مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} (المائدة:51)
9) من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام فهو كافر.
10) الأعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به.
وهذه النواقض ذكرها شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب، وقد لخصها من كلام العلماء، وقال شيخ الإسلام: "وذكر -أي الشيخ أبو النجا مؤلف الإقناع- إجماع المذاهب كلها على ذلك" (انظر الإقناع باب حكم المرتد 4/297-308)
ثانياً: أنواع الكفر والشرك:
ذكر ابن القيم رحمه الله أن الكفر ينقسم إلى خمسة أقسام:
الأول: كفر تكذيب. قال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} (النمل:14)
الثاني: كفر إباء واستكبار: ككفر ابليس. قال تعالى: {فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} (المؤمنون:47)
الثالث: كفـر أعراض مثل من يعرض عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يسمعه ولا يصدقه، ولا يكذبه ولا يواليه، ولا يعاديه ولا يصغي إلى ما جاء به البتة..
الرابع: كفر الشك: حيث لا يجزم بصدقه ولا بكذبه، بل يشك في أمره.
الخامس: كفر النفاق: وهو أن يظهر بلسانه الإيمان وينطوي بقلبه التكذيب، وهذا هو النفاق الأكبر. (انظر مدارج 1/337)
وأما النفاق الأصغـر فهو مثل ما إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا ائتمن خان، وإذا خاصم فجر، أي فيه شعبة من النفاق وخصلة منه.
* وأما أنواع الشرك:
فهي أربعة أنواع كما ذكر ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب:
الأول: شرك الدعاء قال تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين}..
الثاني: شرك النية والإرادة، والقصد. قال تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط ما صنعوا فيها، وباطل ما كانوا يعملون} (هود:15)
الثالث: شرك الطاعة قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} (التوبة:31)
الرابع: شرك المحبة: قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله} (البقرة:165)

ثالثاً: حقيقة الكفر والشرك والنفاق وانقسامها إلى أكبر وأصغر:
وحقيقة الكفر والشرك والنفاق تتبين بذكر حقيقة ضده الذي هو الإيمان فكما أن الإيمان أصل له شعب فأصله التصديق، وشعبه الأعمـال الباطنة والظاهرة، ومن شعبه ما يزول الإيمان بزواله كالشهادة ومنها ما لا يزول كإماطة الأذى عن الطريق ومنها ما هو أقرب إلى هذا، وما هو أقرب إلى هذا.
كذلك الكفر أصله التكذيب، وشعبه المعاصي، فالمعاصي كلها شعب الكفر، والطاعات شعب الإيمان.
ومن المعاصي ما يكون كفـراً أكبر كالسجود لصنم، والاستهانة بالمصحف، وترك الصلاة عند من يقول بكفـر تارك الصلاة ومنها ما يكون كفراً أصغر كما سمى الرسول صلى الله عليه وسلم قتال المؤمن كفر ونحو ذلك.
وذلك كما أن النفاق منه أكبر كاعتقاد الكفـر، وإظهار الإسلام، ومنه أصغر، وهو أن يكون في الرجل شعبة من شعب النفاق كإذا حدث كذب أو يخون الأمانة، وينقض العهد، ونحو ذلك.
والرجل قد يجتمع فيه -بناء على ما تقدم- كفر وإيمان وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور بأن يكون فيه شعبة من الكفر أو الشرك أو النفاق أي الأصغر من هذه الثلاث، ويكون مسلماً موحداً.
قال ابن القيم رحمه الله: "وهذا من أعظم أصول أهل السنة وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية، ومسألة خروج أهل الكبائر من النار وتخليدهم فيها مبنية على هذا الأصل" (كتاب الصلاة لابن القيم ص/29)
ولا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمناً، ولا من قيام شعبة من شعب الكفر به أن يسمى كافراً، حتى يجمع خصالاً يكون بها مستحقاً لاسم الكفر الأكبر، كما لا يسمى مؤمنـاً الاسم المطلق حتى يستجمع خصالاً يكون بها مستحقاً ذلك الاسم، وإن كان قد يكون فيه إيمان مطلق يصير به مسلماً.
قال ابن القيم رحمه الله: ولا يمنع ذلك أن تسمى شعب الإيمان إيماناً، وشعب النفاق نفاقاً، وشعب الكفر كفراً، وقد يطلق عليه الفعل كقوله: [فمن تركها فقد كفر] و [من حلف بغير الله فقد كفـر] رواه الحاكم في صحيحه بهذا اللفظ، فمن صدر منه خله من خلال الكفر فلا يستحق اسم كافر على الإطلاق، ولا يلزم اسم فاسق إلا بغلبة ذلك عليه، وهكذا الزاني والسارق، والشارب، والمنتهب لا يسمى مؤمناً، وإن كان معه إيمان، كما أنه لا يسمى كافراً، وإن كان ما أثر به من خصال الكفر وشعبه" (كتاب الصلاة لابن القيم ص/30)
رابعاً: كفر من ترك العمل بالكلية من غير مانع:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله بقلبه ولسانه ولم يؤد واجباً ظاهراً، ولا صلاة، ولا زكاة، ولا صياماً، ولا غير ذلك من الواجبات"
ثم قـال: "ومن قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات سواء جعل فعل تلك الواجبات لازماً له أو جزءً منه -فهذا نزاع لفظي- كان مخطئاً خطئاً بيناً، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها المقالات الغليظة ما هو معروف" (مجموع الفتاوى 7/621)
هذا والفرق بين أهل السنة والخوارج في هذا الباب أن الخوارج ينفون الإيمان بزوال بعض العمل لا كله، ولهذا يكفرون صاحب الكبيرة وأهل السنة عندهـم صاحب الكبيرة ناقص الإيمان ليس بكفار كفراً ينقل عن الملة بخلاف من يترك العمل بالكلية، فإن هذا هو التولي الذي يزول معه الإيمان، ولهذا كان من شروط التوحيد الانقياد عند أهل السنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "التولي ليس هو التكذيب بل هو التولي عن الطاعة فإن الناس عليهم أن يصدقوا الرسول فيما أخبر، ويطيعون فيما أمر، وضد التصديق التكذيب، وضد الطاعـة التولي، فلهذا قال تعالى: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل وإن كان قد أتى بالقـول" (الإيمان ص/136)
ومن الخطأ الشنيع في هذا الباب أن يظن أن الكفر لا يكون إلا بالتكذيب كما هو مذهب المرجئة، ولهذا لا يكفرون تارك العمل كله لأنه غير مكذب، وكان الأئمة يشنعون على قائل هذه المقالة كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: "وقال حنبل حدثنا الحميدي قال: وأخبرت أن أناساً يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم، ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت، ويصلي مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان مقراً بالفرائض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله، وعلماء المسلمين.قال الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} الآية، وقال حنبل: سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله ورد على أمره وعلى الرسول ما جاء به عن الله" (مجموع الفتاوى 7/209)
********

الباب الثاني
أصول الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى
أولاً: حكم الدعوة إلى الله:
الدعـوة إلى الله واجب كفائي على الأمة الإسلامية جميعها لقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}. الآية (آل عمران:110)
وقوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك} (النحل:125) وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل، وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} (الحج:77-78)
ويتعين الوجوب على الإمام أولاً لقوله صلى الله عليه وسلم: [فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته] (متفق عليه) والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله أولى واجباته.
ثم أولى العلم من المسلمين الذين أخذ الله عليهم الميثاق ببيان العلم وعدم كتمانه كما قال تعالى: {وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} (آل عمران:187).. وهذا تحذير من الله لهذه الأمـة.. وقال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون* إلا الذين تابوا، وأصلحوا، وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} (البقرة:159-160)
وقال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنـزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} (البقرة:174)
وقـال صلى الله عليه وسلم: [من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار] (رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبى هريرة)
ثانياً: فضل الدعوة إلى الله:
والدعوة إلى الله فضلها عظيم فهي مهمة الرسل والأنبياء، وهم أشرف الخلق وأكرمهم على الله، وهم الذين اختارهم الله لهداية البشر، والعلماء هم ورثة الأنبياء، وقيامهم بالدعوة أعظم تشريف لهم.. قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين} (يوسف:108)
ومن فضل الدعوة إلى الله أن [من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً. ومن دعا إلى ضلالة كان له من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً] (رواه مسلم)
والدعوة إلى الله هي التي من أجلها شرّف الله أمة الإسلام جميعاً فجعلها بذلك خير أمة أخرجت للناس، لأنها حملت رسالة الله إلى العالمين، وجاهدت بها كل الأمم فهم خير الناس للناس.
ثالثاً: أهداف الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى:
* أعظم أهداف الدعوة:
إرشاد الناس إلى صراط الله المستقيم، ودينه القويم، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الجور والظلم إلى العدل والرحمة والإحسان.
والأدلة على هذا كثيرة جداً منها:
قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} (آل عمران:104)، وقوله تعالى: {وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} (المؤمنون:73)، وقوله تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صـراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} (الشورى:52-53)
قـوله تعالى: {ادع إلى ربك} (الحج:67) وقال تعالى: {قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو} (الرعد:36)
وقوله تعالى : {الر* كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} (ابراهيم:1)
وأمة الإسلام التي هي خير الأمم قد أخرجها الله لهذه الغاية فقال سبحانه وتعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (آل عمران:110)
ولم يشرع الجهاد بالكلمة والمال والسيف إلا لتحقيق هذه الغايات، وقد أجمل ربعي بن عامر رضي الله عنه مهمة أمة الإسلام في الجهاد، فقال عندما أرسله سعد بن أبي وقاص لرستم قائد الفرس، فقال له رستم: لماذا جئتم؟ فقال: إن الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. (البداية والنهاية 7/39)
فالمقصود والهدف الأعظم من الدعـوة هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور وإرشادهم إلى الحق حتى يأخذوا به وينجوا من النـار، وينجوا من غضب الله، وإخراج الكافر من ظلمة الكفر إلى النور والهدى، وإخراج الجاهل من ظلمة الجهل إلى نور العلم، والعاصي من ظلمة المعصية إلى نور الطاعة، هذا هو المقصود من الدعوة كما قال جل وعلا: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} (البقرة:257)
فالرسل بعثوا ليخرجوا من شاء الله من الظلمات إلى النور، ودعـاة الحق كذلك يقومون بالدعوة وينشطون لها لإخراج من شاء الله من الظلمات إلى النور ومن العذاب إلى المغفرة والجنة، ومن طاعة الشيطان، والهوى إلى طاعة الله ورسوله.
* الأهداف التفصيلية:
1) إيجاد الأمة الصالحة الداعية إلى الله المجاهدة في سبيله:
من أول أهداف الدعوة هو العمل لإخراج الأمة الصالحة التي تعبد الله سبحانه وتعالى. قال سبحانه وتعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (الجمعة:2) وقال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (آل عمران:164)
وقال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً} (الفتح:28)
والأمة الصالحة: هي مجموع الأفراد الصالحين، ولذلك كان من أهداف الداعي العمل لإيجاد المؤمن الصالح إن شاء الله..
2) إيجاد المؤمن الصالح:
وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: [لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم] (متفق عليه)
وقوله صلى الله عليه وسلم: [يجيء النبي ومعه الرجلان ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك..الحديث] (رواه أحمد وابن ماجه)
فهداية مؤمن ولو واحد تحقيق لهدف عظيم من أهداف الرسالات.
3) إقامة الحجة لله على الجاحدين والكافرين:
والدليل على ذلك قوله تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبوراً* ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليماً* رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً} (النساء:163-165)
4) النهي عن الفساد في الأرض:
وذلك لقـوله تعالى: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم}.. الآية (هود:116)
والنهي عن الفساد في الأرض عصمة للجميع من عقوبة الله العاجلة في الدنيا كما قال تعالى: {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} (القصص:59).. وقال: {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون }..
وكل ما نهى الله عنه فهو من الفساد في الأرض قال تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} (النحل:90).. وكل الرسل الذين أرسلهم الله نهوا أقوامهم عن الفساد والطغيان بعـد أمرهم بتوحيد الله وعبادته وطاعته.
* فنوح عليه السلام نهى قومه عن الشرك بالله وعبادة الصالحين، وهو أعظم الفساد والشر ونهاهم عن صد المؤمنين عن سبيل الله، واحتقارهم وازدرائهم...
* وهود عليه السلام نهى قومه عن الشرك والطغيان، والعتو في الأرض بإهدار الأموال في العبث والضياع كما قـال تعالى: {أتبنون بكل ريع آية تعبثون* وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون} (الشعراء:27-28)
* وصالح عليه السلام أمر قومه بعبادة الله وحده لا شريك له، ونبذ ما يعبد من دون الله ثم نهاهم عن الإفساد في الأرض بالصد عن سبيل الله، وإيثار الحياة الدنيا على الآخرة فقال لهم: {فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين} (الأعراف:74)
وقال لهم: {أتتركون في ما ههنا أَمنين* في جنات عيون* وزروع ونخل طلعها هضيم* وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين* فاتقوا الله وأطيعون* ولا تطيعوا أمر المسرفين* الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون} (الشعراء:146-152)
* وشعيب عليه السلام نهى قومه عن الشرك بالله قائلاً: {.. فأوفوا الكيل والميزان، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين* ولا تقعدوا بكل صراط توعدون، وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجاً} (الأعراف:85-86). ورسالة رسولنا الخاتمة جاءت بالأمر بكل معروف، والنهي عن كل منكر، والبعد عن كل فساد في الأرض حتى لو كان عدواناً على حرث أو زرع كما قال تعالى: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} (البقرة:204-205)
ولذلك فإن سبب ما يحصـل لأهل الأرض من فساد أحوالهم ودنياهم هو المعاصي ولذا كان من أعظم أهداف الدعوة إزالة هذا السبب.
قال العلامة سليمان بن سحمان رحمه الله: "ومن ذلك أنه إذا قيل لأهل الطاغوت ارجعوا إلى حكم الله ورسوله واتركوا أحكام الطواغيت قالوا إنا لا نفعل ذلك إلا خوفاً من أن يقتل بعضنا بعضاً فإني إذا لم أوافق صاحبي إلى التحاكم إلى شرع الرفاقة قتلني أو قتلته فالجواب أن نقول يظهر فساد هذه الشبهة الشيطانية بتقرير ثلاث مقامات:
* المقام الأول: أن الفساد الواقع في الأرض من قتل النفوس ونهب الأموال إنما هو بسبب إضاعة أوامر الله، وارتكاب نواهيه كما قال تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} (الروم:41) أخبر تعالى أن ظهور الفساد في البادية والحاضرة سببه أعمالهم وأنفسهم كما قال تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} (الأعراف:96)" (الدرر السنية 8/274)
5) عمارة الأرض بالخير والعمل الصالح:
من أهداف الدعوة إلى الله العمل، عمارة الأرض بفعل الخير، والعمل الصالح قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} (الحج:77) وقـال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} (آل عمران:104)
و (الخير): اسم جامع لكل نفع فالخلق الحسن خير، والبر والصلة والإحسان خير، وإعمار الأرض بالزرع النافع خير كما قال صلى الله عليه وسلم: [إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطـاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها] (رواه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني في الجامع 1424)
ولا شك أن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم قد استفاد منها كل العالمين حتى الذين لم يؤمنوا بالإسـلام كما قال سبحانه وتعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (الأنبياء:107) فإن تعاليم الإسلام التي جاءت بالفضيلة والإحسان، ونبذ الظلم، وإقامة العدل قد استفاد منها كثير من الأمم والشعوب، وإن لم تدخل في الإسلام، وقد أخذت كثير من دول العالم نظام الإسلام في المعاملات، فاستفادت بذلك فائدة دنيوية.. وقد جـاء الإسلام برفع الظلم عن النساء، والعبيد، والضعفاء، فاستفاد الناس من ذلك، وجعل الإسلام حقوقاً للأسرى، ونظاماً في الحروب استفاد منه الكفار أيضاً.

رابعا: أركان الدعوة إلى الله:
* أركان الدعوة إلى الله ثلاثة هي:
1) المدعو إليه: وهو دين الإسلام الذي يراد دعوة الناس إليه وهو سبيل الله، وصراطه المستقيم.
2) الداعي: هو القائم بأمر دعوة الناس.
3) المدعو: وهو من يراد دعوته وهم الناس جميعاً بوجه عام وأهل الإسلام بوجه خاص.

الأصول العامة لهذه الأركان
* الركن الأول: المدعو إليه:
1) لا يدعى إلا إلى الإسلام:
الركن الأول في الدعوة إلى الله هو دين الإسلام الذي يراد دعوة الناس إليه، وحملهم عليه ودين الإسلام هو سبيل الله وصراطه المستقيم. قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك} (النحل:125).. وقال: {اهدنا الصراط المستقيم* صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} (الفاتحة:6-7)..
وقـال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة} (يوسف:108) وقال تعالى: {وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين} (القصص:87)..
وقـال: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم* صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض} (الشورى:52-53)
فالدعوة إلى الله هي الدعوة إلى توحيده والإيمان به، والدخول في دينه وصراطه المستقيم، وشرعه القويم، وهو دين الإسلام الذي بعث به خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم..
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به، وما جاءت به رسله بتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا" (مجموع الفتاوى 15/157)
2) الإسلام هو كتاب الله وسنة رسوله، وما أجمعت عليه الأمة:
والإسلام هو ما يتضمنه كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم التي وردتنا بطريق صحيح.. فهذا هو الحق الذي لا شائبة فيه، ولا يتطرق إليه خلل.
ثم ما أجمعت عليه الأمة كلها لأن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، كما قال صلى الله عليه وسلم: [لا تجتمع أمتي على ضلالة] (رواه ابن ماجه)
وما سوى ذلك من رأي واجتهاد، فإنه يصيب ويخطئ، ولا يجوز حمل الناس على قول أحد إلا ما وافق كتاب الله وسنة رسوله.
قال شيخ الإسلام: "وليس لأحد أن يدعو إلى مقالة أو يعتقدها لكونها قول أصحابه، ولا يناجز عليها، بل لأجل أنها مما أمر الله به ورسوله، أو أخبر الله به ورسوله، لكون ذلك طاعة لله ورسوله" (مجموع الفتاوى 20/9)
وقال: "ولهذا تجد قوماً كثيرين يحبون قوماً ويبغضون قوماً لأجل أهواء لا يعرفون معناها، ولا دليلها، بل يوالون على إطلاقها، أو يعادون من غير أن تكون منقولة صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة، ومن غير أن يكونوا هم يعقلون معناها، ولا يعرفون لازمها، ومقتضاها.
وسبب هذا إطلاق أقوال ليست منصوصة، وجعلها مذاهب يدعى إليها ويوالى ويعادى عليها، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: [إن أصدق الكلام كلام الله... الخ] فدين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة نبيه، وما اتفقت عليه الأمة، فهذه الثلاثة هي أصول معصومة، وما تنازعت فيه الأمة ردوه إلي الله والرسول..
وليس لأحد أن ينصب شخصاً يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها، غير النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينصب لهم كلاماً يوالي ويعادي عليه، غير كلام النبي صلى الله عليه وسلم وما اجتمعت عليه الأمة، بل هـذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرقون به بين الأمة، يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون" (مجموع الفتاوى 20/164)
3) حقيقة الإسلام:
وحقيقة هذا الدين وهدفه هو عبادة الله وحده لا شريك له، ونبذ ما يعبد من دون الله، والاستسلام والخضوع لأوامره. قال تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} (آل عمران:19) وقال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (آل عمران:85)
وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} (النحل:36) وقال تعالى: {قل إنما يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً} (الكهف:110)، وقال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين* لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} (الأنعام:162-163)
والخلق جميعاً ومنهم الإنس والجن قد خلقوا لهذه الغاية. قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون* ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون* إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} (الذاريات:56-58)

4) الإسلام نظام شامل لكل أعمال الإنسان:
والإسلام نظام شامل كامل لتنظيم أعمال الإنسان جميعها على هذه الأرض، فهو أولاً يحدد عقيدة الإنسان، وعمله تجاه إلهه وخالقه سبحانه وتعالى. ثم عقيدته وعمله نحو أهل الإيمان ممن دخلوا في هذا الدين ثم عقيدته وعمله نحو كل مخلوقات الله التي تحيط بالإنسان في السموات والأرض...
وفي كل هذه الأمور تأتي الأحكام الشرعية التكليفية الخمسة: الوجوب والندب، والإباحة، والتحريم، والكراهة..
فلا يوجد عمل ولا اعتقاد إلا وفيه حكم من هذه الأحكام. قال تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} (النحل:89)، وقال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} (المائدة:3)
قال شارح الطحاوية: "فالواجب اتباع المرسلين، واتباع ما أنزله الله عليهم، وقد ختمهم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم، وجعل كتابه مهيمناً على ما بين يديه من كتب السماء، وأنزل الكتاب والحكمة وجعل دعوته عامة لجميع الثقلين: الجن والإنس، وباقية إلى يوم القيامة، فانقطعت به حجة العباد على الله، وقد بين الله به كل شيء، وأكمل له ولأمته الدين خبراً وأمراً، وجعل طاعته طاعة له، ومعصيته معصيةً له، وأقسم بنفسه لا يؤمنون حتى يحكموه فيما شجر بينهم" (شرح الطحاوية ص/15)
*الركن الثاني: الداعي إلى الله:
الركن الثاني من أركان الدعوة هو الداعي إلى الله والمراد به كل مسلم حمل أمانة الدعوة، ودخل في قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله وما أنا من المشركين} (يوسف:108)
والواجبات التي يجب توفرها في الداعي إلى الله هي:
1) العلم بما يدعو إليه:
الواجب الأول الذي يجب توفره في الداعي إلى الله أن يكون عالماً بما يدعو إليه، موقناً أن الذي يدعو إليه هو الإسلام. ولأن الإسلام دين متين يشمل جميع عمل الإنسان وعلاقاته بربه ثم بجميع المخلوقات، والعالم من حوله..
والعلوم التي جاء بها الدين واسعة جداً فالغيب الذي أخبرنا الله به يبدأ من بدايات الخلق إلى نهاية الدنيا، مروراً بكل الرسالات والنبوات، ووصولاً إلى أحوال المعاد والجنة والنار، ثم إن الشريعة التي فرضها الله علينا تنظم جميع أعمال المكلفين وتصرفاتهم على الأرض، وحلاً لجميع مشكلاتهم، وقضاءً لجميع أقضياتهم.. ولأن هذا العلـم من الاتساع والشمول والعمق مما لا يحيط به إلا الأفذاذ من الرجال، ولا يجمعه إلا الفحول من العلماء ولا يفقهه حق الفقه إلا الأفراد من الراسخين في العلم كان لا بد للداعي إلى الله أن لا يهجم على أمر من أمور الدين إلا بعد العلم به، ولا يفتي في مسألة إلا بعد فقه أبعادها ولا يدعـو الناس إلا بعد العلم أن ما يدعو إليه هو ما أمر به الله ورسوله ولا ينهى عن شيء إلا بعد العلـم أن ما ينهى عنه هو مما نهى الله ورسوله عنه.
ودليل هذا كله قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} فالبصيرة العلـم، وكذلك قوله: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} (النحل:125) فما لم يكن من سبيل الله لا يجوز الدعوة إليه، وما لم يعلم أنه من سبيل الله لا يجوز أن يدعو إليه.
ويجب على الداعي أن يفرق بين الأمور المقطوع بها من محكمات النصوص فيقدمها ويجعل عليها مدار دعوته، وبين المسائل الاجتهادية التي يجري فيها نزاع بين العلماء فيدعو إليها مبيناً أنها مما يسوغ فيه الخلاف، وله أن يباحث من يخالفه مباحثه مشاورة ومناصحة ولا يلزم غيره باجتهاده..
2) العمل بما يدعو إليه:
الواجب الثاني أنه يجب على الداعي أن يكون عاملاً بما يدعو الناس إليه، فإذا دعا غيره إلى خير كان أسبق الناس إليه، وإذا نهاهم عن شـر كان أبعد الناس منه، ودليل هذا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون* كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} (الصف:2-3) وقوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} (البقرة:44)
وقوله تعالى عن شعيب: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} (هود:81) وفي الحديث الصحيح: [يؤتى بالرجل يوم القيامة فتندلق أقتابه في النار، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عنه المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه] (متفق عليه)
3) احتساب أجر الدعوة إلى الله:
يجب على الداعي إلى الله أن يكون محتسباً لا يطلب على دعوته أجراً. قال تعالى: {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} (ص:86) وحتى لا يتهم في دعوته، وأنه لم يدع إلا للدنيا، ولذلك أمر الله جميع رسله أن يقولوا {وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين} (الشعراء:109).. واتباع الرسل والأنبياء يجب أن يأتسوا بهم في دعوتهم إلى الله فتكون دعوتهم إلى الله من أجل دينه، واحتساباً لله، وبهذا تجد دعوتهم القبول، وتنتفي عنهم الظنة ويكونون بعيدين عن الشبهة.

4) الصبر على الأذى:
لا بد للداعي إلى الله من التحلي بالصبر لأنه لا بد وأن يؤذى في دعوته فكل الرسل قد عودوا، وقد قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم: [ لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي] (متفق عليه) قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هادياً ونصيراً} (الفرقان:31) وقال صلى الله عليه وسلم: [أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل] (رواه ابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني في صحيح الجامع 993)
ومن أجل ذلك قرن الله الصبر مع التواصي بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالى: {والعصر* إن الإنسان لفي خسر* إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} (العصر:1-3) وقال تعالى عن لقمان وهو يعظ ابنه: {يا بني أقم الصلاة، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} (لقمان:17)
وسيأتي زيادة تفصيل في هذا كله عند الكلام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والرسل أوذوا من الكفار المعلنين للكفر، ومن أهل النفاق ومن أهل الجهل، والحمق!!
وقـد أوذي سيد البشر، وخاتم الرسل وإمام المتقين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم من المشـركين واليهود والنصارى كما لقي أيضاً من المنافقين أذى كبيراً فقد كان منهم من قال في حقه: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل)، وكـان منهم من سب زوجتـه، وآذاه في أهله ومنهم من قال: (هو أذن)، ومنهم من تآمر على قتله... الخ. كما أؤذي صلى الله عليه وسلم من بعض الجهال الحمقى من أمثال من قال له (اعدل يا محمد فوالله هذه قسمة ما أريد بها وجه الله)!! (متفق عليه)
وكذلك أوذي خيار أصحابه من بعده، وما زال الصديق والفاروق يسبان أشد السب إلى يومنا هذا..
فالداعي إلى الله لا بد وأن يؤذى، ويبتلى. فإذا كان الداعي إلى الله من أهل الصبر استمر في دعوته، وإن كان من أهل الجزع والضعف والخور، ترك الدعوة إلى الله وإن كان من أهل الحمق والجهل ربما اعتدى على من يدعوهم، وانتصر لنفسه فأفسد دعوته، وأبطل جهاده في سبيل الله.
5) الحرص على هداية من يدعوه:
الواجب الخامس الذي يجب توفره في الداعي إلى الله أن يكون حريصاً على هداية من يدعوه فإذا كان من يدعوه كافراً كان حريصاً على إيمانه ساعياً في ذلك بكل سبيل، وقد كان سيد الدعاة والمهتدين وهو نبينا صلى الله عليه وسلم ليحزن أشد الحزن حتى يكاد يقتله الغم أسفاً على نفـور الناس من دعوته..
قال تعالى معزياً ومعاتباً له: {لعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً} (الكهف:6)..
وقـد وصفه تعالى بالحرص على هداية الناس. قال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} (التوبة:128).. وقال تعالى: {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل} (النحل:37)..
والداعي إذا كان حريصاً على هداية من يدعوه سعى إلى ذلك بكل سبيل ولم يدخر وسعاً في إيصال الحق له، واستخدم معه كل وسيلة ناجعة، وأزال كل عقبة تصده عن الحق.
وأما إذا اتصف بضد ذلك أهمل في دعوة من يدعوه، ولم يكترث لهدايته أو ضلاله..
وإذا كان من تدعوه مسلماً وكنت حريصاً على أن يهتدي للحق الذي تدعوه إليه، وللمعروف الذي تأمره به، حملك هـذا على إخلاص النية، وبذل قصارى الجهد، والفرح بهداية من تدعوه، والحزن إذا لم يستجب لك.
*الركن الثالث: المدعو:
1) عالمية الرسالة:
رسالة الإسلام رسالة للعالمين قال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} (الأعراف:158).. وقال تعالى: {لأنذركم به، ومن بلغ} (الأنعام:19).. وقال تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً} (سبأ:28).. وقـال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً} (الفرقان:1) ومن أجل ذلك فالبشر جميعاً مدعون إلى هذا الدين، والناس جميعاً هم أمة الدعوة الذين أرسل إليهم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم .
2) أقسام الناس تجاه رسالة الإسلام:
جاء الإسلام بنسخ جميع الشرائع السماوية التي قبله، ووجوب دخول اليهود والنصارى في شريعة الله المنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم، واتباعه في القليل والكثير، وقد انقسم الناس بعد دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قسمين:
- قسم آمن به، واتبع ما جاء به من الهدى والنور..
- وقسم كفر بالإسلام، وجحد ما أنزل الله على رسوله..
وهذا القسم الأخير افترقوا فريقين: كفار معلنين لكفرهم، وكفار تظاهروا بالإسلام، وأضمروا الكفر، وقد سماهم القرآن بالمنافقين..
وقد أنزل الله سبحانه وتعالى الأحكام التي يجب اتباعها مع كل قسم من هذه الأقسام، ورسم رسـول الله صلى الله عليه وسلم السياسة الشرعية الواجبة في دعوة هذه الأقسام إلى الله وكيفية التعامل مع كل قسم منهم.
* قواعد نافعة في دعوة هذه الأقسام:
أولاً: الأصول الشرعية في دعوة الكفار الأصليين للإسلام:
من الكفار الأصليين من بلغته دعوة الإسلام على الوجه الصحيح، ومنهم من بلغته دعوة الإسلام بصورة مشوهة، ومنهم من لم تبلغه دعوة الإسلام..
والمقصود بالكفار الأصليين أهل الكتاب من اليهود والنصارى، والوثنيون والمجوس وغيرهم من أتباع هذه الملل الكثيرة، ومنهم من لا ينتمي لدين أصلاً.
والأصول التي يجب اتباعها مع هؤلاء جميعاً هي:
1) إبلاغ دعوة الإسلام على وجهها الصحيح بلاغاً يقطع العذر:
الأصل الأول في دعوة المسلمين إلى الإسلام أن يبلغوا هذه الدعوة على وجهها الصحيح بلاغاً يقطع العـذر كما جاءت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا تقوم الحجة عليهم إلا بهذا.. قـال تعالى: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} (المائدة:67)، وقال تعالى: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} (النور:54)
ولا يكون البلاغ مبيناً قاطعاً للعذر إلا:
إذا فهموه بلغتهم أو تمكنوا من العربية تمكناً يجعلهم يفهمون معانيها كما قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} (إبراهيم:4)
فالواجب على أمة الإسلام الذين أخرجهم الله للناس أن يبلغوهم دين الله باللسان الذي يفهمونه ثم يعلموهم العربية ليفهموا عن الله ورسوله..
ويجب أن تدحض كل حجج الكفار وشبهاتهم حول دينهم الباطل، وكل دين غير الإسلام فهو باطل كما قال تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه} (الأنبياء:18)
وقال تعالى: {قل فلله الحجة البالغة} (الأنعام:149).. وقـال تعالى: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً} (الفرقان:33)
ومن أجـل ذلك أبطل الله في القرآن كل ما احتج به الكفار على اختلاف عقائدهم في احتجاجهم لدينهم الباطل، فقد رد الله على اليهود مزاعمهم، وعلى النصارى ضلالهم وشبههم، وعلى مشركي العرب في جميـع ما عارضوا به الإسلام، وعلى ما احتجوا به على ما هم عليه من الشرك والضلال.
2) لا يبدأ مع الكافر الأصلي إلا بالتوحيد ثم الأهم فالأهم:
يجب البدء مع الكافر الأصلي الذي لم يدخل الإسلام بالتوحيد لأنه أساس الدين، وجميع الأحكام ترجع إليه، ولا يصح العمل الصالح إلا بتحقيق التوحيد لله، وجميع الأعمال الصالحة تكون باطلة إذا لم يكن فاعلها موحداً لله سبحانه وتعالى كما قال جل وعلا في عمل المشركين والكفار: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه، والله سريع الحساب} (النور:39)
وقال تعالى: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء، ذلك هو الضلال البعيد} (إبراهيم:18)
وقال تعالى: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} (الزمر:65)
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل عندما أرسله داعياً إلى أهل اليمن أن يبدأ بالتوحيد ثم بالصلاة، ثم بالزكاة فقد قال صلى الله عليه وسلم: [إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى فإذا عرفوا ذلك فأخبرهـم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا، فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم فإذا أقروا بذلك فخذ منهم، وتوق كرائم أموال الناس] (متفق عليه)
قال ابن حجر في الفتح: "بدأ بالشهادتين لأنهما أصل الدين، الذي لا يصح شيء إلا بهما، فمن كان غير موحد فالمطالبة متوجهـة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان موحداً فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار والوحدانية".
وقال: "يبدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب لأنه لو طالبهم بالجميع لأول مرة لم يأمن النفرة" (الفتح 3/357)
3) عرض الدعوة على الكفار باللين، والحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالحسنى:
في مقام عرض دعوة الإسلام على الكفار، وإن كانوا من المجرمين العتاة، والجبابرة الطغاة يجب البدء باتخاذ اللين والحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالحسنى سبيلاً إلى عرض الدعوة، والدليل على هذا وصية الله لموسى وهارون أن يعرضا الدعوة على فرعون باللين.. قال تعالى: {إذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى} (طه:43-44)
فمع طغيانه وسومه لبني إسرائيل سوء العذاب إلا أن الله أمر الرسول عليه السلام أن يكون ليناً في عرض الدعوة عليه، ولعل اللين أن ينفعه فيتذكر ويخشى.
وقال تعالى أيضاً: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (النحل:125) وقـال تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم} (العنكبوت:46)
4) وجوب رد إساءتهم وعدم السكوت على طعنهم في الدين:
والداعي يجيب الكفار المعاندين إذا ظلموا وبغوا بما يقطعهم ويعلى كلمة الحق على كلمتهم ولو بنوع من الشدة إذا أمكنه ذلك واقتضته المصلحة الشرعية. قال تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم} (العنكبوت:46).. وقال تعالى: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} (الشورى:39)
قال شيخ الإسلام مبيناً عمل الداعي مع مخالفيه: "فالإنسان يحتاج إلى معرفة المنكر وإنكاره، وقد يحتاج إلى الحجج المبينة لذلك، وإلى الجواب عما يعارض به أصحابها من الحجج، وإلى دفع أهوائهم وإرادتهم، وذلك يحتاج إلى إرادة جازمة، وقدرة على ذلك" (مجموع الفتاوى 35/338)
5) قبول الكافر أخاً في الإسلام مهما سلف منه في الكفر:
يجب أن يقبل الكافر أخاً في الدين إذا انتقل من الكفر إلى الإسلام، فلا يعير بدينه السابق، ولا بما كان عليه من الكفر والشرك، ولا يذكر بماضيه إلا أن يكون على وجه حمد الله وشكره وفضله عليه كما قال تعالى عن المشركين: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين، ونفصل الآيات لقوم يعلمون} (مجموع الفتاوى 3/231)
* قاعدتان نافعتان في دعوة المرتد:
المرتد: هو الذي يكفر بعد إسلامه، ويجب مراعاة ما يلي عند دعوته:
أولاً: لا يجوز الحكم على مسلم بالردة إلا من عالم بموجب الحكم عليه بأن يأتي بنطق أو اعتقاد أو شك أو فعل يوجب ردته بمقتضى الأدلة الشرعية، فإن تكفير المسلم من أعظم الكبائر وفي الحديث: [من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه] (متفق عليه)
وقد تقدم الكلام على المكفرات، وما يصير به المسلم مرتداً مستوفي فلينظر.
ثانياً: لا يحكم على معين وقع في مكفر أنه كافر إلا بعد إقامة الحجة الرسالية عليه، والتأكد من ارتفاع موانع الحكم عليه بالتكفير..
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وإنما المقصود هنا أن ما ثبت حكمه من البدع وغير البـدع من المنهي عنه في الكتاب والسنة، أو المخالف للكتاب والسنة إذا صدر عن شخص من الأشخاص فقد يكون على وجه يعذر فيه إما لاجتهاد أو تقليد يعذر منه، وإما لعدم قدرته كما قد قررته في غير هذا الموضع، وقررته أيضاً في أصل (التكفير والتفسيق) المبني على أصل الوعيد.
فإن نصوص الوعيد التي في الكتاب والسنة ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك لا يستلزم ثبوت موجبها في حـق المعين إلا إذا وجدت الشروط، وانتفت الموانع، لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع، هذا في عذاب الآخرة فإن المستحق للوعيد من عذاب الله ولعنته في الـدار الآخرة خالد في النار أو غير خالد، وأسماء هذا الضرب من الكفر والفسق يدخل في هذه القاعدة، سواء كان بسبب بدعة عقائدية أو عبادية، أو بسبب فجور في الدنيا وهو الفسق بالأعمال" (مجموع الفتاوى 10/372)
وقال: "التكفير هو الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هـذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقـد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها، ولم تثبت عنده، أو عارضها معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً" (مجموع الفتاوى 3/231)
* أصول في دعوة المنافق:
المنافق: هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهذه بعض الأصول الشرعية في دعوته للإسلام:
1) لا يحكم على شخص أنه منافق نفاقاً اعتقادياً إلا ببرهان لا يقبل النقض أنه يبطن الكفر، ويظهر الإسلام كذباً..
2) المنافق يدعي إلى الإسلام، ويوعظ، ويذكر بالله، وتجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة، ويغلظ عليه عند مخالفة الأمر الشرعي. قال تعالى: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً} (النساء:63) {جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} (التوبة:73)
قال ابن كثير: "قال تعالى {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك فإنه لا تخفى عليه خافية فاكتف به يا محمــد فيهم فإنه عالم بظواهرهم وبواطنهم، ولهذا قال له {فأعرض عنهم} أي لا تعنفهم على ما في قلوبهم {وعظهم} أي واتهمهم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر {وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً} أي وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم"
* الدعوة بين المسلمين:
يكون عمل الداعي إلى الله بين المسلمين في ميدانين:
1) التربية والتعليم.
2) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
* قواعد نافعة في التربية والتعليم:
1) وضوح النموذج النهائي للمدعو الذي يهدف إليه المربي:
يجب أولاً أن يتضح أمام المربي والمعلم النموذج والمثال الذي يجب أن يربى عليه، وهذا النموذج قد جاء وصفه التفصيلي في آيات كثيرة من كتاب الله سبحانه وتعالى منها أول سورة المؤمنون قال تعالى: {قد أفلح المؤمنون* الذين هم في صلاتهم خاشعون* والذين هم عن اللغو معرضون* والذين هم للزكاة فاعلـون* والذين هم لفروجهم حافظون* إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين* فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون* والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون* والذين هم على صلواتهم يحافظون} (المؤمنون:1-9)
وفي غيرها من سور القرآن كمطلع سورة البقرة، والآيات الأولى من سورة الأنفال، وسورة الحجرات بكمالها، والآيات من سـورة الإسراء من قوله تعالى: {لا تجعل مع الله إلهاً آخر فتقعد مذموماً مخذولاً} (الإسراء:22) إلى قوله: {ولا تجعل مع الله إلهاً آخر فتلقى في جهنم ملوماً مدحوراً} (الإسراء:39)
ولا شك أن القرآن قـد فصل صفات للمؤمن الصالح الذي يحبه الله ويرضاه.. وقد كان رسولنا صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الكامل والنموذج والقدوة والأسوة الذي أمر المسلمون جميعاً بالتأسي به {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} (الأحزاب:21) فهو النموذج الكامل للتأسي، وقد كان خلقه القرآن.
2) التعليم الدائم:
تجب العناية بالاستمرار في التربية والتعليم، وعدم الانقطاع من المهد إلى اللحد، والمسلم الحق هو من يزداد في دينه كل يوم علماً وعملاً وعبادة قال تعالى: {وقل رب زدني علماً} (طه:114) وعلـم الدين لا يحاط به، والقرآن لا يشبع منه العلماء، وفضل العلم خير من فضل العبادة.
3) أخذ العلم والعمل جميعاً:
يجب أخذ العلـم والعمل جميعاً، وعدم إفراد العلم عن العمل لأن هذا مدعاة لأن يقول المسلم ما لا يفعل، وأن يصبح العلـم حجة على صاحبه لا حجة له، وقد كان منهج الصحابة في التعلم أخذ العلم والعمل جميعاً فقد كان منهم من حفظ سورة البقرة في عدة أيام ليحفظ السورة ويتعلم العمل بها، كما قال ابن عمر رضي الله عنه: [كنا لا نجاوز العشر آيات من القرآن حتى نتعلمها ونتعلم العمل بها] (تفسير ابن كثير)
فتأخذ العلم والعمل جميعاً، وهذا لمن جاوز مرحلة الصغر وسنوات الحفظ الذهبية.
والعلم علمان علم نافع يولد عملاً، وينفع صاحبه في الدنيا والآخرة، وعلم غير نافع لا ينفع صاحبه في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا جاءت السنة بتقسيم العلم إلى نافع وغير نافع، والاستعاذة بالله من العلم غير النافع: [اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع] (رواه مسلم) .. وسؤال الله العلم النافع: {وقل رب زدني علماً} (طه:114)
وقال معروف الكرخي: "إذا أراد الله بعبد خيراً فتح له باب العمل وأغلق عنه باب الجدل وإذا أراد الله بعبد شراً أغلق عنه باب العمل وفتح له باب الجدل" (رواه أبو نعيم في الحلية)
4) اغتنام سني الحفظ الذهبية عند الصغير:
تعليم الصغار يجب أن يكون بالحفظ أولاً اغتناماً لسنوات الحفظ الذهبية وهي من الثالثة إلى العشرين تقريباً... وقد كان منهج التابعين وتابعيهم تحفيظ الصغير القرآن الكريم أولاً ثم السنة، ثم متون العلـوم المختلفة (المتون هي كليات العلوم وقضاياها الأساسية وكثيراً ما تكون نظماً). ثم يعتني بعد ذلك بالفهم والتعلم والتفقه فيما يكون قد حفظه.
5) تعلم الحق قبل الباطل، والتحصن بجواب الشبهة قبل ورودها:
من قواعد التعليم تعلم الحق قبل تعليم الباطل، لأن السابق إلى الذهن يتمكن منه ويستقر فيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: [ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه] (متفق عليه) والفطرة هي التوحيد. قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله..} (الروم:30)
والحق الذي جاء به الإسلام، ظاهر موافق للفطرة قريب من الفهم، إذا ألقي إلى الناس سهل عليهم تصوره، وفهمه، فيجب مراعاة ذلك عند دعوتهم..
قال شارح الطحاوية: "هو ما شرعه الله سبحانه وتعالى لعباده على ألسنة رسله، وأصول هذا الدين وفروعه موروثة عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور، يمكن كل مميز من صغير وكبير، وفصيح، وأعجمي، وذكي وبليد أن يدخل فيه بأقصر زمان، وأنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك من إنكار كلمة، أو تكذيب، أو معارضة، أو كذب على الله أو ارتياب في قول الله، أو رد لما نزل أو شك فيما نفى الله عنه الشك أو غير ذلك مما في معناه.
فقد دل الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام، وسهولة تعلمه، وأنه يتعلمه الوافد، ثم يولي في وقته، واختلاف تعليم النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الألفاظ بحسب من يتعلم، فإن كان بعيد الوطن، كضمام بن ثعلبة النجدي، ووفد عبد القيس، علمهم ما لا يسعهم جهله، مع علمه أن دينه سينتشر في الآفاق، ويرسل إليهم من يفقههم في ما يحتاجون إليه، ومن كان قريب الوطن يمكنه الاتيان كل وقت بحيث يتعلـم على التدريج، أو كان قد علم فيه أنه قد عرف ما لا بد منه أجابه بحسب حاله وحاجته، على ما تدل عليه قرينة حال السائل، كقوله: [قل آمنت بالله ثم استقم] (رواه مسلم)
وكذلك يجب تعليم جواب الشبهة المتوقع ورودها على ذهن المتعلم قبل ورودها ليتحصن منها، ولئلا تستقر الشبهة في قلبه، ويصعب بعد ذلك إزالتها.
7) التربية بالأسوة:
يجب أن تكون الدعـوة إلى الله بالأسوة الصالحة، قبل أن تكون بالتعلم، والقدوة الحسنة أبلغ في الدعوة .. فالعالم العامل المربي يدعو بسيرته وأخلاقه وأعماله أكثر مما يدعو بأقواله.. والرسول المربي صلى الله عليه وسلم قد أثر في سلوك أصحابه بأخلاقه وشمائله أعظم من تأثيره بأقواله ومواعظه..
8) الحلم بالتحلم:
هناك فارق كبير بين التعلم والتربية، فالتعليم يكون بنقل العلم بأي وسيلة من وسائل النقل، ولكن اكتساب الأخلاق لا يكون بمجرد معرفتها وتعلمها بل بوجوب التعود عليها والتخلق بها كما قال صلى الله عليه وسلم: [إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم] (رواه الدارقطني في الإفراد وصححه الألباني في صحيح الجامع 2328)
فلا بـد للمربي أن يهيء من يربيهم على التعود على أخلاق الإسلام ولا يكتفي بتلقينها وتعليمها لهم.
9) التدرج في التعليم (تعليم صغار العلم قبل كباره):
من القواعد الهامة في التربية والتعليم أن يكون التعليم متدرجاً فيبدأ بصغار العلم قبل كباره، وبسهله قبل صعبه ومشكله، قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الناس وبما كنتم تدرسون} (آل عمران:79)
قال: مربين تعلمون الناس بصغار العلم قبل كباره..
قال الإمـام محمد بن عبدالوهاب النجدي رحمه الله: "وإذا أردت البحث عن هدى الله الذي جاء من عنده فإنك تبتدئ بالأسهل فالأسهل، وأسهل ما يكون وأهمه القصص التي قص علينا عن الأنبياء وأممهم" (الدرر السنية 1/98-99)
10) التقويم المستمر:
من قواعد التربية التعليم أن يكون التقويم مستمراً ولو كان في حال الكبر، فكل من وقع منه خطأ، أو ارتكب منكراً يجب تقويمه بالتقويم المناسب فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد المعلمين والمربين لأبي ذر رضي الله عنه: [إنك امرؤ فيك جاهلية]!! لما رآه يعير رجلاً بأمه قائلاً له: [يا ابن السوداء]!! فقال: يا رسول الله على كبر سني!! فقال: [نعم] (متفق عليه)
ووعظ رسـول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل مع حبه له، موعظة غضب فيها الرسول صلى الله عليه وسلم قائلاً له: [يا معاذ أفتان أنت!!] (متفق عليه) وكذلك، وكل هذا يدل على أن الكبير في الفضل أو السن يجب تنبيهه إذا خالف شيئاً من الحق، وغضب صلى الله عليه وسلم على عمر عندما خاصم الصديق وقال: [أما أنتم بتاركي لي صاحبي] (رواه البخاري)
11) تعليم الناس ما ينفعهم ويحتاجون إليه:
قال العلامة عبدالرحمن بن حسن رحمه الله: "وقد كان شيخنا المصنف رحمه الله -يعني الإمام محمد بن عبدالوهاب- لا يحب أن يقرأ على الناس إلا ما ينفعهم في أصل دينهم وعباداتهم، ومعاملاتهم مما لا غنى لهم عن معرفته" (فتح المجيد ص/414)
وإذا سأل العامي عن أمور لا يحتاج إليها فإنه ينبغي للمعلم أن يفتح له باباً إلى ما يهمه. قال الإمام محمد بن عبدالوهاب: "وينبغي للعالم إذا سأله العامي عما يحتاج إليه، أو سأله عما غيره أهـم منه، أن يفتح له باباً إلى المهم، ولا يحقر عن التعليم من يظنه أبعد الناس عنه، ولا يستبعد فضل الله عليه" (مؤلفات الشيخ/القسم الرابع-التفسير. سورة يوسف ص/147-148)
12) تعليم الناس على قدر أفهامهم:
وينبغي للعالم أن يخاطب الناس كلاً على قدر فهمه..
قال الإمـام محمد بن عبدالوهاب: "فينبغي للمعلم أن يعلم الإنسان على قدر فهمه، وإن كان ممن يقرأ القرآن، أو عرف أنه ذكي فيعلم أصل الدين وأدلته والشرك وأدلته، ويقرأ عليه القرآن ويجتهد أن يفهم القرآن فهم قلب، وإن كان رجلاً متوسطاً ذكر له بعض هذا، وإن كان مثل غالب الناس، ضعيف الفهم، فيصرح له بحق الله على العبيد، مثل ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من حـق الله على المسلم، وحق الأرحام، وحق الوالدين، وأعظم من ذلك حق النبي صلى الله عليه وسلم" (الدرر السنية 1/98-99)
13) عدم تضييع الزمان في إبطال الشبه الواضحة البطلان:
قال الإمام محمد بن عبدالوهاب: "إن الشبهة إذا كانت واضحة البطلان لا عذر لصاحبها فإن الجـدال معه في إبطالها تضييع للزمان وإتعاب للحيوان مع أن ذلك لا يردعه عن بدعته، وكان السلف لا يخوضون مع أهـل الباطل في رد باطلهم عنهم" (مؤلفات الشيخ القسم الرابع-التفسير ص/92)
أما إذا كانت الشبهة قد أشكلت على المتعلم أو الناس واحتاجوا إلى إبطالها وجب حينئذ على أهل العلم ردهاوتفنيدها وإبطالها بالحجج الدامغة لئلا تستقر في صدورهم فتورث الشك والإضطراب أو الحيرة والارتياب.
ثانياً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الميدان الثاني من ميادين الدعوة إلى الله وهو من فروض الكفايات على الأمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب على كل أحد بعينه، بل هو على الكفاية كما دل عليه القرآن"
ولكنه واجب عيني على أولى الأمر من المسلمين وهم الأمراء العلماء كما قال شيخ الإسلام أيضاً: "ويجب على كل أولي الأمر وهم علماء كل طائفة ومشايخها أن يقوموا على عامتهم، ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر" (رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص/40-41)
والمعروف: هو كل ما يحبه الله ويرضاه ويأمر به.
والمنكر: يعم كل ما كرهه الله ونهى عنه.
وهذه أهم قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
1) لا تأمر بمعروف ولا تنه عن منكر إلا بعد العلم بما تأمر به وتنهى عنه:
لا يجوز لمن يأمر بالمعروف أن يقدم على ذلك إلا إذا علم أن ما يأمر به هو من المعروف حقاً، ولا أنه ينهى عن منكر إلا إذا علم أن ما ينهى عنه هو من المنكر.
قـال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والله سبحانه وتعالى قد أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: والأمر بالشيء مسبوق بمعرفته فمن لا يعلم المعروف لا يمكنه الأمر به.. والنهي عن المنكر مسبوق بمعرفته فمن لم يعلمه لا يمكنه النهي عنه" (التفسير الكبير 5/304)
وقال النووي رحمه الله: "ثم أنه إنما يأمر وينهى من كان عالماً بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة، والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا، والخمر ونحوها، فكل المسلمين علماء بها.
وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال، ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء".
قال شيخ الإسلام: "فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يجب أن يكون هكذا في حق نفسه، ولا يكون عمله صالحاً إن لم يكن بعلم وفقه، وكما قال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله: "من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح" وكما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: [العلم إمام العمل، والعمل تابعه] وهذا ظاهر فإن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلاً وضلالاً واتباعاً للهوى كما تقدم، وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام، فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما، ولا بد من العلم بحال المأمور والمنهي، ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والنهي بالصراط المستقيم، وهو أقرب الطرق إلى حصول المقصود". (مجموع الفتاوى 28/34)
* الإنكار في مسائل الاجتهاد:
قال النووي رحمه الله: "ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه أما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لأن على أحد المذهبين: كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين أو أكثرهم.
وعلى المذهب الآخر: المصيب واحد، والمخطئ غير متعين لنا والإثم مرفوع عنه، لكن إن ندبه -على جهة النصيحة- إلى الخروج من الخلاف، فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفـق فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف، إذا لم يلزم منه إخلال بسنة، أو وقوع في خلاف آخر.
وذكـر القاضي أبو الحسن الماوردي البصري الشافعي في كتابه (الأحكام السلطانية) خلافاً بين العلمـاء في أن من قلده السلطان الحسبة هل له أن يحمل الناس على مذهبه فيما اختلف فيه الفقهاء إذا كان المحتسب من أهل الاجتهاد، أم لا يغير ما كان على مذهب غيره.. والأصح أنه لا يغير لما ذكرناه.
ولم يـزل الخلاف في الفروع بين الصحابة والتابعين فمن بعدهم رضي الله عنهم أجمعين.. ولا ينكـر محتسب ولا غيره، وكذلك قالوا: ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصاً، أو إجماعاً أو قياساً جلياً. والله أعلم.
ومما سئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حكم إلزام ولي الأمر الناس بمذهبه في مسائل الاجتهاد التي اختلف فيها العلماء.
فأجاب:
"ليس له منع الناس من مثل ذلك، ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد وليس معه بالمنع نص من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا ما هو في معنى ذلك، لا سيما وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك، وهو مما يعمل به عامة المسلمين في عامة الأمصار.
وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل، ولا للعالم والمفتي أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل، ولهذا لما استشار الرشيد مالكاً في أن يحمل الناس على (موطئه) في مثل هذه المسائل منعه من ذلك.
قال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم. وصنف رجل كتاباً في الاختلاف فقال: لا تسمه (كتاب الاختلاف)، ولكن سمه (كتاب السعة ).
ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، وكان عمر ابن عبدالعزيز يقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالاً، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا، ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة، وكذلك قال غير مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه..
ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي رحمه الله وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه، ونظائر هذه المسائل كثيرة: مثل تنازع الناس في بيع الباقلا الأخضر في قشرية، وفي بيع المقاثي جملة واحدة، وبيع المعطاة والسلم الحال، واستعمال الماء الكثير بعد وقوع النجاسة فيه إذا لم تغيره، والتوضأ من ذلك، والقراءة بالبسملة سـراً أو جهراً، وترك ذلك وتنجيس بول ما يؤكل لحمه وروثه أو القول بطهارة ذلك، وبيع الأعيان الغائبة بالصفة وترك ذلك.." (مجموع الفتاوى 30/79-81)
2) اتخاذ إحدى مراتب الإنكار اتباعاً للحكمة والقدرة:
وذلك لقـوله صلى الله عليه وسلم: [من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان] (رواه مسلم)
فالإنكار باليد أعلى درجات الإنكار وهو للقادر على الإنكار باليد ما لم يؤدي إلى منكر أكبر منه فإن لم يستطع تحول إلى الإنكار باللسان ذماً للمنكر وأهله وبياناً لفساده وتحذيراً منه فإن لم يستطع تحول إلى الإنكـار بقلبه بغضاً للمنكر وأهله، ومفارقة لمجالسهم كما قال تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} (الأنعام:68)
ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات، بل هو ثابت لآحاد المسلمين وعليه إجماع المسلمين فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر مع تقرير المسلمين إياهم، وهذا إجماع من الأمة على ذلك وأدلة القرآن والسنة شاهدة بذلك.." أ. هـ
3) وجوب اتباع المصالح الشرعية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
ومما يجب على الآمـر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يعلم المصالح والمفاسد الشرعية التي تترتب على أمره ونهيه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد.
فإن الأمـر والنهي -وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة- فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأموراً به، بل يكون حراماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته.
لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، ولن تعوز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالاتها على الأحكام.
ومن هذا الباب ترك النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن أبي سلول وأمثاله من أئمة النفاق والفجور، لما لهم من أعوان فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، ولهذا لما خطب الناس في قضية الإفك بما خطبهم به، واعتذر عنه، وقال له سعد بن معاذ قوله الذي أحسن فيه، حمي له سعد بن عبادة، مع حسن إيمانه وصدقه - وتعصب لكلٍ منهم قبيلته حتى كادت تكون فتنة" (قاعدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص/47-48)
4) وجوب إخلاص النية والتجرد عن الهوى:
يجب على من يتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون عمله لله خالصاً، وأن يكون صواباً، وألا يتبع هواه، ويأمر أو ينهى لحظ نفسه، وذلك أن الضلال في الدين عظيم، ومن فقـد الإخلاص، ولم يتحر الصواب أوقعه الشيطان في الهوى، ومن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية: "واتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات"
فإن أهل الكتاب اتبعوا أهواءهم فضلوا. قال تعالى عنهم {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} (القصص:50)
ولذلك نهى نبينا أن يتبع أهواء أهل الكتاب، قال تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير} (البقرة:120)
فاتباع الهوى هو الذي أفسد الديانات السابقة، وأوجد الفرقة بين أهل الدين الواحد، وهو الذي خرج به من خرج عن موجب الكتاب والسنة وسماهم علماء الإسلام أهل الأهواء..
فيجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون باعثه إخلاص النية، وليحذر أن يجعل أمره ونهيه تبعاً لحبه وبغضه اللذَيْنِ يتبع فيهما هواه لا الكتاب والسنة.
قال شيخ الإسلام: "فالواجب على العبد أن ينظر في نفس حبه وبغضه ومقدار حبه وبغضه: هل هو موافق لأمر الله ورسوله؟ وهو هدى الله الذي أنزله على رسوله، بحيث يكون مأموراً بذلك الحب والبغض، لا يكون متقدماً فيه بين يدي الله ورسوله، فإنه تعالى قد قال: [لا تقدموا بين يدي الله ورسوله] ومن أحب وأبغض قبل أن يأمره الله ورسوله ففيه نوع من التقدم بين يدي الله ورسـوله، ومجرد الحب والبغض هوى، لكن المحرم اتباع حبه وبغضه بغير هدى من الله، ولهذا قال: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد} (ص:26).. فأخبر أن من اتبع هـواه أضله ذلك عن سبيل الله، وهو هداه الله الذي بعث به رسوله، وهو السبيل إليه وتحقيق ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أوجب الأعمال، وأفضلها وأحسنها، وقد قال تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} (الملك:2) وهو كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله: أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص: أن يكون لله، الصواب أن يكون على السنة، فالعمل الصالح لا بد أن يـراد به وجه الله تعالى، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه وحده، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا بريءٌ منه وهو كله للذي أشرك] (رواه مسلم)" (مجموع الفتاوى 28/132-134)
5) الرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
يجب أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر رفيقاً كما قال صلى الله عليه وسلم: [ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه] (رواه مسلم)
وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: [إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف] (رواه أحمد والبيهقي)
ولهذا قيل: [ليكن أمرك بالمعروف معروفاً ونهيك عن المنكر غير منكر] (رواه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد)
وقال شيخ الإسلام: "ولا بد في ذلك من الرفق كما قال صلى الله عليه وسلم: [ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه] (رواه مسلم).. وقال: [إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف] (رواه أحمد والبيهقي)" (مجموع الفتاوى 28/135)
6) الصبر والحلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
قال شيخ الإسلام: ولا بد أيضاً أن يكون حليماً صبوراً على الأذى، فإنه لا بد أن يحصل له أذى، فإن لم يحلـم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح كما قال لقمان لابنه: {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} (لقمان:17)
ولهذا أمر الله رسوله بالصبر، كما قال تعالى: {يا أيها المدثر} (المدثر:1) إلى قوله تعالى: {ولربك فاصبر} فجعل الصبر من مقتضيات القيام بالدعوة إلى الله.. وقال تعالى: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم}..
والآيات الداعية بوجوب الصبر في الدعوة إلى الله كثيرة جداً.
7) استعمال الهجر في إنكار المنكر بضوابطه:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحـة بحيث يفضي إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر"..
وقال: "وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة، وكل ذلك بحسب الأحوال والمصالح، وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل" (مجموع الفتاوى 28/206)
8) تنوع جهود القائمين على إنكار المنكرات:
وتنوع جهود القائمين على إنكار المنكرات بحسب علمهم وقدراتهم محمود.
وهو من قبيل تنوع عمل القائمين على فروض الكفايات في الأمة، فلو تفرغ بعض الدعاة لرد شبه أهل البدع والزيغ، وآخرون لدحض باطل الفكر العلماني اللاديني، وآخرون لرصد كيد اليهود والنصارى، وأعداء الأمة والملل الأخرى، وإبطال دسائسهم لدين الإسلام، وفضحهم وتبصير المسلمين بها، وآخرون لتتبع منكرات الأخلاق في المجتمع، وإنكاره بالوسائل المشروعة، لكان الجميع في ميـدان الجهاد في سبيل الله، وكل على ثغر من ثغور الإسلام، ولا يجوز أن ينكر بعضهم على بعض ما تصدى له من إنكار المنكر إذا لم يتجاوز حدود الشريعة.
* وسائل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى:
1) معنى الوسيلة:
الوسيلة في اللغة يدور معناها على ما يتوصل به إلى الغاية، وهي كذلك في العرف، والاستعمال الشائع.
والمقصود بوسائل الدعوة: كل طريق أو أسلوب أو آلة توصل إلى تحقيق أهداف الدعوة.

2) حكم الوسيلة في الدعوة إلى الله:
الوسائل تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1) وسيلة منصوص عليها؛ فهذه لا خلاف في مشروعية استعمالها لتحقيق هدف من أهداف الدعوة.
2) وسيلة منصوص على تحريمها فهذه لا خلاف في عدم مشروعية استعمالها لتحقيق هدف من أهداف الدعوة، وكل ما حرمه الله سبحانه وتعالى فلا يجوز استخدامه في الدعوة إلى الله، ولو أدى إلى نفع المسلمين، وذلك كالقصص المكذوب، والحكايات الملفقة والأحاديث الموضوعة للمبالغة في الترغيب والترهيب، فإن هذه الأساليب وإن كانت تفيد أحياناً في توبة بعض العصاة، وهداية بعض الناس إلا أن هذا من الكذب الذي حرم الله أصله، وكذلك العبادات المبتدعة كالسماع الصوفي، والمعازف ونحو ذلك مما حرمته الشريعة.
3) وسيلة دلت الشريعة على إباحتها بالنظر إلى ذاتها إما بنص أو باستصحاب البراءة الأصلية، فهذه يجوز استعمالها لتحقيق هدف من أهداف الدعوة.
قال شيخنا عبدالعزيز بن باز حفظه الله: "ونظراً إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدامة وإلى الإلحاد، وإنكار رب العباد، وإنكار الرسالات، وإنكار الآخرة، وانتشار الدعوة النصرانية في الكثير من البلدان، وغير ذلك من الدعوات المضللة، نظراً إلى هذا فإن الدعوة إلى الله عز وجل اليوم أصبحت فرضاً عاماً وواجباً على جميع العلماء، وعلى جميع الحكام الذين يدينون بالإسـلام، فرض عليهم أن يبلغوا دين الله حسب الطاقة والإمكان بالكتابة، والخطابة، والإذاعـة، وبكل وسيلة استطاعوا، وأن لا يتقاعسوا عن ذلك أو يتكلوا على زيد أو عمرو، فإن الحاجة بل الضرورة ماسة اليوم إلى التعاون والاشتراك والتكاتف في هذا الأمر العظيم أكثر مما كان قبل ذلك لأن أعداء الله قد تكاتفوا وتعاونوا بكل وسيلة للصد عن سبيل الله عز وجل، فوجب على أهل الإسلام أن يقابلوا هذا النشاط المضل، وهذا النشاط الملحد بنشاط إسلامي وبدعوة إسلامية على شتى المستويات، وبجميع الوسائل وبجميع الطرق الممكنة، وهذا من باب أداء ما أوجب الله على عباده من الدعوة إلى سبيله" (الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ص/18)
ويقول شيخنا محمد الصالح العثيمين: " ليس للوسائل حد شرعي فكل ما أدى إلى المقصود فهو مقصـود، ما لم يكن منهياً عنه بعينه، فإن كان منهياً عنه بعينه فلا نقر به، فلو قال: أنا أريد أن أدعو شخصاً بالغناء والموسيقا لأنه يطرب لها ويستأنس بها وربما يكون هذا جذباً له فادعوه بالموسيقا والغناء هل نبيح له ذلك؟ لا لا يجوز أبداً، لكن إذا كانت وسيلة لم ينه عنها ولها أثر فهذه لا بأس بها فالوسائل غير المقاصد وليس من اللازم أن ينص الشرع على كل وسيلة بعينها، يقول هذه جائزة وهذه غير جائزة، لأن الوسائل لا حصر لها، ولا حد لها، فكل ما كان وسيلة لخير فهو خير" (لقاء الباب المفتوح 15/49-50)
(3) حكم الوسائل التي تختلط فيها المصالح والمفاسد:
الوسائل التي تختلط فيها المصالح والمفاسد. كتولي الولايات في ظل الحكومات المعاصرة، والدخول إلى المجالس النيابية في ظل الأنظمة المسماة بالديمقراطية، والدخول إلى الاتحادات والنقابات العمالية والمهنية، ينظر فيها فإن ترجحت مصلحتها فهي مشروعة، وإن ترجحت مفسدتها فهي غير مشروعة .
قـال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا تزاحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعـرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالاتها على الأحكام" (مجموع الفتاوى)
ولا يجوز تحريم وسيلة من الوسائل بدعوى أنها لم تكن موجودة في العصر الأول، فإن هذا ليس دليلاً على التحريم، فإن مجرد الترك لا يكون دليلاً على التحريم ما لم يكن مقصوداً من باب القربة مع قيام الداعي للفعل، ولا يخفى أن ترك السلف لهذه الوسائل الحادثة في هذا العصر سببه أنها لم تكن موجودة في زمانهم.
4) أعظم الوسائل في الدعوة إلى الله:
1) التعليم: قال تعالى: {ويعلمهم الكتاب والحكمة}، فأعظم ما يدخل في التعليم تعليم الكتاب والسنة..
أ ) حفظ القرآن الكريم، وتعلمه، وتعليمه:
أعظم وسيلة للدعوة إلى الله هي تعلم القرآن وتعليمه، ونشره، فهو الكتاب المعجز الذي لا يمحـوه الماء وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن البشـر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة ]!! (متفق عليه)
فكثرة اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم إنما مرده إلى هذا القرآن الذي يقطع العذر، ويدمغ الباطل، ينفذ إلى القلوب ويدمع العين ويحيي موات القلوب، وينير البصائر.. قال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله} (الشورى:52)
فالعناية بكتاب الله حفظاً وفقهاً وتعليماً، ونشراً وترجمة لمعانيه من أكبرأسباب الهداية ونشر الإسلام في العالمين..
وقد أمرنا الله أن نجاهد به الكفار فقال تعالى: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً* فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً} (الفرقان:51-52)
ب) إعلاء منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمة، ونشر كتب السنة:
الوسيلة الثانية من الوسائل العظمى في الدعوة إلى الله هي تعليم الأمة حق الرسول صلى الله عليه وسلم، وإعـلاء منزلته في الأمة، ونشر كتب السنة، ورفعه ليكون هو الأسوة والقدوة لكل مسلم.
ولا يجوز أن يخلو بيت مسلم من أصل من الأصول الصحيحة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصة صحيحي البخاري ومسلم اللذين هما أصح كتابين بعد كتاب الله سبحانه وتعالى..
فالعناية بنشر صحيح السنة وتعليهما، والتفقه فيها، وتدريس سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعله ماثلاً في العيان أمام كل مسلم ليأتسي به في حركاته وسكناته في إيمانه ويقينه وصبره، وجهاده، وعبادته، بل في سمته، وهديه، ومخرجه ومدخله..
هذه العناية بالسنة علماً ونشراً هي من أبلغ وسائل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى
ج) استغلال الولايات العامة وأعظمها:
الإمام الذي يتولى أمور المسلمين فإن الإمامة أعظم وسيلة يتحقق بها.. والدعوة.. والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من أعظم الوسائل التي ينتشر بها الدين، ويتحقق بها أهداف الرسالة، كما قال عثمان بن عفان [: [إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن]..
ومن أجل ذلك جعل الله الخلافة في الأرض لمن يقوم بهذه المهمة فقال جل وعلا: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة،وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} (الحج:41)
د) تجنيد الأمة بطاقاتها للدعوة إلى الله كل فيما يناسبه:
قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (آل عمران:110) وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون* وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهـداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} (الحج:77-78)
وقال صلى الله عليه وسلم: [بلغوا عني ولو آية] (رواه البخاري) وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: [نضر الله امرءاً سمع منا شيئاً فبلغه كمـا سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع] (رواه أحمد والترمذي وابن حبان وصححه الألباني في الجامع 6764)
فيجب أن تهب الأمة بكاملها كل على قدر طاقته لنشر الدين، وإبلاغ رسالة الله للعالمين، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
هـ) منصب الإمامة العلمية في الأمة وسيلة عظيمة:
الوسيلة الرابعة العظيمة في الدعوة إلى الله هي إيجاد العلماء العاملين المربين إذ هم حياة الأمة، ونورها وقادتها وأولو الأمر فيها، فالعناية بوجود هؤلاء العلماء من أعظم ما ينفع أمة الإسلام.
والطريق إلى وجودهم يبدأ بتعليم النابهين والأذكياء من أطفال المسلمين بدءً بحفظ القرآن الكريم، ومتون علوم الإسلام ثم تهيئة الجو المناسب، لتفقههم، وزكاة نفوسهم، وتفرغهم لعمل الدعوة والتعليم، والتوجيه، وقد عز سلفنا الصالح رضوان الله عليهم عندما كان للعلماء فيهم مكانتهم فقد كانت الشعوب والعامة تسير في ركابهم، وتأتمر بأمرهم المستند إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم..
وترى أن سلطانهم أعـز من سلطان الملوك، وهذا عبدالله بن المبارك -رحمه الله- يدخل بغـداد فينجفل الناس إليه وتقول امرأة لهارون الرشيد وقد رأت خروج بغداد كلها لاستقباله: "ذا والله الملك لا ملك هارون" (البداية والنهاية 10/178)
و) إحياء مهمة المسجد:
ومن الوسائل الناجحة في الدعوة إلى الله إحياء مهمة المسجد، وذلك بالحث على الجمع والجماعات، والجلوس لقـراءة القرآن ومدارسته، وتعلم العلم وذكر الله سبحانه، كما كان الشأن في مسجد رسـول الله صلى الله عليه وسلم ثم في المساجد التي أشرق فيها نور الإسلام، وأخرجت أجيالاً من العلماء والدعاة في العصور الزاهرة، كمساجد بغداد أيام العباسيين التي قيل فيها: "من أراد أن يرى عز الإسلام فليصل الجمعة ببغداد"!!
وقد حـزر من يصلون الجمعة فيها أيام المنصور فكانوا نحواً من خمسة آلاف ألف. أي خمسة ملايين..
إن مثل هذا المشهد وحده يملأ قلب المسلم عزاً بالإسلام، ويكسر قلوب أعداء الله كما قال الله في شأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: {ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار} (الفتح:21)...
وقد خرج الحرم المكي والمسجد النبوي، والأزهر، والزيتونة على الدوام آلاف الآلاف من حملة العلم الشرعي الذين كانوا نور الأمة وعزها، ومجدها.
ز) استعمال الخدمات الاجتماعية في المجتمع:
ومنها القيام على إخراج الزكاة، والصدقات، والاهتمام بأعمال البر، وعمل الخير إلى جانب كونها في ذاتها قربة عظيمة إلى الله، وأداءً للحق الواجب في مال الله فهي من أعظم أسباب نشر الإسلام، والدعوة إلى الله وتثبيت المسلمين، وتأليف القلوب على الإسلام..

ح) استغلال المواسم التي يكثر فيها الإقبال على الخير:
مثل شهر رمضان فإنه شهر مبارك، وإذا كان الله سبحانه قد أوجب فيه الصوم، فإن هذا الشهـر وما يكتنفه من أسباب الخير هو من أعظم شهور السنة بركة في الدعوة إلى الله وهداية العصاة، ففيه تصفد مردة الشياطين، وتفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، ويقرأ القرآن آناء الله وأطراف النهار، ويجود فيه المسلمون الصالحون بصدقاتهم، ويشغل الصالحون نهارهم بالصوم وليلهم بالعبادة.. وكل ذلك يدفع في النهاية إلى توبة كثير من العصاة، وهذا الشهر فرصة عظيمة، يجب أن يغتنمها الدعاة في الدعوة إلى الله، وقد يكسبون من المهتدين مالا يحصلون على مثله طيلة العام..
ط) الحج والدعوة إلى الله:
والحـج من الوسائل العظمى في الدعوة إلى الله، فهو جمع لجمهور عظيم من المسلمين من كل فج عميق إلى مكان واحد يؤدون عبادة واحدة، ويذكرون الله بأذكار هي كليات الإسلام وأصوله: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)
وهـذه التلبية تضمنت غاية الدين وهدفه وعقيدته العظمى، ولا شك أن من فهم هذه التلبية وعلم معناها واعتقدها، وعمل بمقتضاها فهم أصل الإسلام الأصيل: [من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة] (رواه أحمد، وابن حبان في صحيحه، وأبو نعيم في الحلية وصححه الألباني في الجامع 6433)
وقد كان الحج وما زال من أعظم الوسائل في التعريف بالإسلام وتوحيد الأمة، وجمع الكلمة، ونشر الدين كما قال تعالى: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم} (الحج:27-28) وتعلم الإسلام، والتفقه في الدين، وجمع كلمة المسلمين من أعظم منافع الحج.
ي) تكوين العمل الدعوي المنظم:
وهي الجماعات الدعوية، وجماعة الدعوة وسيلة عظيمة للدعوة إلى الله فهي من باب التعاون على البر والتقوى، ولا شك أن الدعوة إلى الله ونشر دينه، وإعلاء كلمته سبحانه وتعالى من أعظم البر والتقوى فإذا قامت هذه الجماعة الدعوية على الكتاب والسنة، والنصح لكل مسلم، وأن تقول الحق لا تخاف في الله لومة لائم، ونظمت صفوفها، ووحدت كلمتها، وجعلت جهادها نصراً للدين، وإعلاءً لكلمة الله في الأرض، وأعزها الله ونصرها كما قال تعالى: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} (الحج:40)
ولا شك أن جهود جماعة مؤتلفة في الدعوة إلى الله خير من جهود أعدادهم متفرقين...
وللجماعات الدعوية أن تستعمل أساليب الإدارة الحديثة لتطوير كفاءة النظام فيها، وتحقيق انتشارها، واتساع رقعة نفوذها في المجتمع وقدرتها على التأثير فيه وتغييره نحو الإسلام.
س) المؤسسات التعليمية:
المؤسسات التعليمية وسيلة عظيمة في الدعوة إلى الله (فالكتّاب الصغير، ومركز تحفيظ القرآن، والمدرسة، والجامعة، والمعهد، والمجلة، والصحف الإسلامية) هذه المؤسسات التعليمية إذا تيسر فيها المنهج الدراسي الجيد لدراسة الإسلام، والمعلمون المخلصون العالمون المربون، والنظام الجيد، فإن هذا -إن شاء الله- يخرج أجيالاً من حملة الدين وعلماء الملة، وقادة الأمة...
ل) الآلات الإعلامية:
مكن الله بالعلم الحديث الإنسان من استخدام آلات ووسائل بالغة التأثير يمكن للإنسان بواسطتها أن يسمع الألوف المؤلفة في وقت واحد، وأن يقرأ الملايين من الناس مقالة رجل واحد في وقت واحد.. فجهاز التلفاز الذي يستطيع أن يراه أكثر من مائة مليون في وقت واحد بل عدة مئات من الملايين، والصحف السيارة التي تطبع في أماكن عديدة من العالم في وقت واحد، وجهاز المذياع الذي تسمع منه الرسالة الواحدة في كل أرجاء الدنيا في وقت واحد!! إن هذه الآلات الضخمة أصبحت بالغة الفائدة.. ولا مجال لمقارنتها مع الوسائل القديمة حيث كان يعتمد الخطيب أو المتكلم على صوته أو مكبر للصوت يسمع بضعة مئات أو آلاف من الناس.
أما اليوم فيستطيع نصف سكان الأرض وأكثر من ذلك أن يسمعوا رجلاً واحداً يخطبهم أو يعظهم أو يذكرهم، أو ينشر الشر والفساد بينهم.
وهذه الآلات الخطيرة أصبحت في الحرب الإعلامية تفعل فعل الأسلحة الخطيرة، وقد شبه التلفزيون بالقنبلة الذرية.. فإن خطره في كـل بيت، بل ويدخل إلى الغرف المغلقة، ويهجم على العوائق وذوات الخدور، فالرسالة الإعلامية الفاسدة تدمر الرجال والنساء والأطفال..
ولا سبيل إلى مقاومة هذا الشر العظيم إلا بما يماثل ذلك من استخدام هذه الآلات.. فكما لا يمكن مقاومة عـدو يستعمل سلاحاً فتاكاً إلا بمثل سلاحه.. فكذلك في الحرب العقائدية لا بد من وسائل تكافئ وسائل الخصوم، وإلا كانت الهزيمة والضياع.
م) الوسائل في الدعوة إلى الله كثيرة جداً:
ولا شك أن الوسائل التي يمكن أن يبلغ بها دين الله، وينشر بواسطتها الخير كثيرة جداً..
وأخيراً فإن الوسائل الدعوية كثيرة جداً، فالاتصال الفردي وسيلة عظيمة، وقد كان أول وسيلة دعا بها رسـول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل خيار أصحابه في الإسلام عن طريقها فقد آمن أبو بكر رضي الله عنه، وعلي رضي الله عنه، والسيدة خديجة رضي الله عنها، وزيـد بن حارثـة رضي الله عنه، لما عرض النبي عليهم الإسلام، قبل أن يسمعوا خطبة أو يحضروا درساً، وآمن بدعوة أبي بكر (الفردية) عدد كبير جداً من الصحابة. (وهذا في الاتصال الفردي)
ومن الوسائل الإفـادة من العلاقات الاجتماعية كالدعوة إلى الطعام، واستخدام الولاء القبلي كما فعله سعد بن عبادة، وأسيد بن خضير، فقد دعا كل منهما قبيلته -وهو شيخها- فدخلوا جميعاً في ليلة واحدة في الإسلام .
ومن الوسائل النافعة حمل الدعوة مع التجارة فقد دخل بدعوة التجار المسلمين أمم وشعوب كثيرة، وكذلك السياحة، والمراسلات، والمناظرات، واستغلال المناسبات الاجتماعية كحفلات الزواج، والجنائز.. هذا عدا عن الدروس العلمية، والخطابة، وإنشاء الشعر والأدب..
والخلاصة: أنه يمكن لكل أحد أن يدعو إلى الله وأن يبلغ الحق وينشر الخير حتى ولو كان ممن لا يستطيع أن يحفظ العلم ويؤديه كما سمعه، فإنه يستطيع أن ينشر الكتاب، والشريط ويدل على الخير.
والمقصود أن الوسائل لا حصر لها فإنها تتجرد وتتغير ويجوز استعمال كل وسيلة غير محرمة أو راجحة المفسدة كما تقدم. والله أعلم.
********

الباب الثالث
الجهاد في سبيل الله
1) تعريفه:
هو بذل الوسع واستفراغ الجهد في القتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الله بالنفس والمال واللسان، وهو فريضة قائمة وسنة ماضية مع كل إمام، براً كان أو جائراً لا يبطله ظلم جائر أو عجز عادل إلى قيام الساعة.
قال تعالى: {انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} (التوبة:41) وقال صلى الله عليه وسلم: [جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم] (رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح على شرط مسلم)
قال الإمام الطحاوي: "والحج، والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين، برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما" (الشرح/437)
وقال العلامة عبدالرحمن بن حسن: "ومعلوم أن الدين لا يقوم إلا بالجهاد، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالجهاد مع كل بر وفاجر تفويتاً لأدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما وارتكاباً لأخف الضررين لدفع أعلاهما فإن ما يدفع بالجهاد من فساد الدين أعظم من فجور الفاجـر لأن بالجهاد يظهر الدين ويقوى العمل به وبأحكامه ويندفع الشرك وأهله" (الدرر السنية 7/98)
2) فضله:
وهو دليل صدق الإيمان وسبيل الفوز بجنة الرضوان وذروة سنام الإسلام، وأفضل فرائضه بعد الخمسة الأركان..قال تعالى: {إنما المؤمنون الذي آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} (الحجرات:15) وقال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} (آل عمران:142) وفي الحديث: [رأس الأمر الإسلام، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله] (رواه الترمذي وابن ماجه)
وعن بشير بن الخصاصية رضي الله عنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبايعه على الإسلام فاشترط علي: تشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتصلي الخمس، وتصوم رمضان، وتؤدي الزكاة، وتحج البيت، وتجاهد في سبيل الله. قلت يا رسول الله: أما اثنتان فلا أطيقهما (فذكر الصدقة والجهاد) فقال صلى الله عليه وسلم: [لا صدقة ولا جهاد فبم تدخل الجنة؟!]) (رواه أحمد 5/224 والطبراني 2/44، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي 2/80)
3) حكمه:
وجنس الجهاد فرض على الأعيان..
قال ابن القيـم: "التحقيق أن جنس الجهاد فرض عين إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع" (زاد المعاد 3/72)
4) أنواع الجهاد:
وأنواعه كثيرة.. قال شيخ الإسلام: "الجهاد منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب والدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة، فيجب بغاية ما يمكن" (الفتاوى المصرية 4/508)
5) أقسام الجهاد:
وينقسم الجهاد في سبيل الله إلى:
أ ) جهاد الطلب: وهو قصد أعداء الإسلام في أرضهم بقصد إعلاء كلمة الله والأصل فيه أنه فرض كفاية على عموم أهل الإسلام، وفرض عين على من يحضر إذا تقابل الصفان، وكذا على من استنفره الإمام.
قال الخرقي في مختصره وابن قدامة في شرحه: "الجهاد فرض على الكفاية.. فرض الكفاية الذي إن لم يقم به من يكفي أثم الناس كلهم، وإن قام به من يكفي سقط عن سائر الناس، فالخطاب في ابتدائه يتناول الجميع كفرض الأعيـان ثم يختلفان في أن فرض الكفاية يسقط بفعل بعض الناس له وفرض الأعيان لا يسقط عن أحد بفعل غيره" (المغني 10/364)
وقال: "ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع: أحدها إذا التقى الزحفان.. الثالث إذا استنفر الإمام قوماً لزمهم"
وقال ابن جرير الطبري: "هو على كل واحد حتى يقوم به من في قيامه كفاية، فيسقط فرض ذلك حينئذ عن باقي المسلمين... وعلى هذا عامة العلماء المسلمين" (التفسير 4/269)
ب ) جهاد الدفع: وهو رد عدوان أعداء الله عن أرض الإسلام، والأصل فيه أنه فرض على الأعيان..
قال ابن قدامة: "إذا جاء العدو صار الجهاد عليهم فرض عين، فوجب على الجميع، فلم يجز التخلف عنه" (المغني 10/390)
وقال ابن عطية: "الذي استقر عليه الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمـد صلى الله عليه وسلم فرض كفاية فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العـدو بساحة الإسلام فهو حينئذ فرض عين" (تفسير القرطبي 3/38)
وقال شيخ الإسلام: "من عجز عن الجهاد ببدنه، وقدر على الجهاد بماله وجب عليه الجهاد بماله وهو نص أحمـد في رواية... فيجب على الموسرين النفقة في سبيل الله، وعلى هذا فيجب على النساء الجهاد بأموالهن إن كان فيها فضل، وكذلك في أموال الصغار إن اجتمع إليها... فأما إن هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعاً" (الفتاوى المصرية 4/507)
6) الجهاد موكول إلى الإمام:
وأمره موكول إلى الإمام فلا يفتأت عليه، ولا يتقدم فيه بين يديه.
قال ابن قدامـة في المغني: "وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك" (10/373)
وقال في المقنع: "ولا يجوز الغزو إلا بإذن الأمير إلا أن يفاجأهم عدو يخافون كَلَبَه" (1/497)
فإن عدم الإمام أو عطل فريضة الجهاد وجب على من استطاع القيام به من أهل الشوكة والقدرة القيام به إذ الخطاب فيه لكل مسلم..
قال ابن حـزم: "قال تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} وهذا خطاب متوجه إلى كل مسلم فكل أحد مأمور بالجهاد وإن لم يكن معه أحد" (المحلى 7/351)
وقال العلامة عبدالرحمن بن حسن: "ولا ريب أن فرض الجهاد باق إلى يوم القيامة، والمخاطب به المؤمنون، فإذا كان هناك طائفة مجتمعة لها منعة وجب عليها أن تجاهد في سبيل الله بما تقدر عليه لا يسقط عنها فرضه بحال، ولا عن جميع الطوائف" (الدرر السنية 7/98)
فإن كان للمسلمين إمام قائم بالجهاد فلا قتال إلا بعد إذنه إلا أن يخشى الفوات.
قال ابن قدامة: "لا يخرجون إلا بإذن الأمير لأن أمر الحرب موكول إليه.. فينبغي أن يرجع إلى رأيه لأنه أحـوط للمسلمين إلا أن يتعذر استئذانه لمفاجأة عدوهم لهم فلا يجب استئذانه لأن المصلحة تتعين في قتالهم والخروج إليهم لتعين الفساد في تركهم" (المغني 10/390)
قال الإمام أحمد: "إن كانوا يخافون على أنفسهم وذراريهم فلا بأس أن يقاتلوا من قبل أن يأذن الأمير، ولكن لا يقاتلوا إذا لم يخافوا على أنفسهم وذراريهم إلا أن يأذن الإمام" (مسائل الإمام أحمد رواية عبدالله 286)
7) كل من قام بالجهاد وجب نصره:
وكل من قام بإزاء العدو واجتهد في قتاله فقد جاهد ووجب نصره..
قال العلامة عبدالرحمن بن حسن: "كل من قام بإزاء العدو وعاداه واجتهد في دفعه فقد جاهد ولا بد، وكل طائفة تصادم عدو الله فلا بد أن يكون لها أئمة ترجع إلى أقوالهم وتدبيرهم، وأحق الناس بالإمامة من أقام الدين الأمثل فالأمثل فإن تابعه الناس أدوا الواجب، وحصل التعاون على البر والتقوى وقوي أمر الجهاد، وإن لم يتابعوه أثموا إثماً كبيراً بخذلانهم الإسلام، وأما القائم به فكلما قلت أعوانه وأنصاره صار أعظم لأجره كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.." (الدرر السنية 7/98)
وقال ابن قدامة: "فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد لأن مصلحته تفوت بتأخيره وإن حصلت غنيمة قسمها أهلها على موجب الشرع" (المغني 10/375)
8) رد عدوان الكفار عن ديار الإسلام من أوجب الواجبات:
فإن عُدم الإمامُ، أو تركَ الجهاد ودفع هجوم الأعداء، أو قُتل أمير الحرب وجب على المجاهدين تأمير أحدهم والقتال معه..
قال ابن قدامة: "إن بعث الإمام جيشاً وأمر عليهم أميراً فقتل أو مات فللجيش أن يؤمروا أحدهم كما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في جيش مؤتة" (المغني 10/374)
وهذا الجهاد من أوجب الواجبات على أهل الإسلام، ولا يشترط له ما يشترط لجهاد الطلب..
قال شيخ الإسلام: "وأما قتال الدفع وهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعاً فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر، وبين طلبه في بلاده" (الفتاوى المصرية 4/508)
ولجهاد الدفع صورتان.. قال شيخ الإسلام: "وقتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيراً لا طاقة للمسلمين به لكن يخافون إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين، فهنا صـرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا، ونظيره أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتلة أقل من النصف فإن انصرفوا استولوا على الحريم فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب لا يجوز الانصراف فيه بحال" (الفتاوى المصرية 4/509)
9) أرض الإسلام جميعاً بمنزلة الدار الواحدة:
وأرض الإسلام كلها بمنزلة الدار الواحدة وإن تفرقت دولهم..
قال شيخ الإسلام: "وإذا دخل العـدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليها بلا إذن والد ولا غريم" (الفتاوى المصرية 4/509)
فإذا دهم العدو وجب على من كان بجهته دفعه وعلى من وراءهم مددهم حتى يتحقق النصر والظفر، وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة..
قال الجصاص: "معلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة" (أحكام القرآن 4/312)
وقال ابن حزم: "إلا أن ينزل العدو بقوم من المسلمين ففرض على كل من يمكنه إعانتهم أن يقصدهم مغيثاً لهم" (المحلى 7/292)
وقال الخطيب الشربيني في الإقناع: "الحال الثاني من حال الكفار أن يدخلوا بلدة لنا فيلزم أهلها الدفع بالممكن منهم ويكون الجهاد حينئذ فرض عين" (ص/510)
10) التخذيل عن الجهاد من أعظم المحرمات:
ويحرم تخذيل أهل الإسلام عن الجهاد خاصة جهاد الدفع بل هو من أعظم المحرمات وأشد الموبقات..
قال ابن حزم: "ولا إثم بعد الكفر أعظم من إثم من نهى عن جهاد الكفار، وأمر بإسلام حريم المسلمين إليهم" (7/300)
وللمجاهد الحمل على الجماعة وحده وإن غلب على ظنه أنه مقتول:
قال الإمام الشافعي في الأم: "ولا أرى ضيقاً على الرجل أن يحمل على الجماعة حاسراً أو يبادر الرجل، وإن كان الأغلب أنه مقتول" (4/178)
11) لا يشترط للقيام بالجهاد وجود الإمام العام:
ولا خلاف بين أهل السنة في عدم اشتراط وجود الإمـام للقيام بفريضة الجهاد طلباً ودفعاً وإنما يشترط ذلك الرافضة وحدهم دون سائر أهل الإسلام..
قال صديق خان: "الأدلة على وجوب الجهاد من الكتاب والسنة وردت غير مقيدة بكون السلطان أو أمير الجيش عادلاً بل هذه فريضة من فرائض الدين أوجبها الله على عباده المسلمين من غير تقيد بزمان أو مكان أو شخص أو عدل أو جور" (الروضة/333)
وقال العلامة عبدالرحمن بن حسن: "بأي كتاب أم بأي حجة أن الجهاد لا يجب إلا مع إمام متبع، هذا من الفرية في الدين، والعدول عن سبيل المؤمنين، والأدلة على بطلان هذا القول أشهر من أن تذكر من ذلك عموم الأمر بالجهاد والترغيب فيه والوعيد في تركه"
وقال أيضاً: "وكل من قام بالجهاد في سبيل الله فقد أطاع الله وأدى ما فرضه الله ولا يكون الإمام إلا بالجهاد لا أنه لا يكون جهاد إلا بالإمام" (الدرر السنية 7/97)
وقال ابن حزم: "يغزى أهل الكفر مع كل فاسق من الأمراء وغير فاسق ومع المتغلب والمحارب كما يغزى مع الإمام ويغزوهم المرؤ وحده إن قدر أيضاً" (المحلى 10/99)
وقال شارح الطحاوية عند قول الطحاوي: "والحج والجهاد ماضيان... الخ"
"يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على الرافضة حيث قالوا لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الرضى من آل محمد" (ص/437)
والجهاد موكول إلى الإمام ويشترط فيه إذنه إذا كان موجوداً قائماً بأمر الجهاد، ولم يتعين الجهاد، ولم يخش فوات مصلحة.
فإن عُدم الإمام، أو تُرك الجهاد، أو خُشي فوات مصلحة، أو وقوع مفسدة، أو تعين على طائفة لم يشترط إذنه بل يقيم المجاهدون أميراً منهم ويجاهدون معه كما سبق ذكره وقال الماوردي: "فرض الجهاد على الكفاية يتولاه الإمام ما لم يتعين" (الإقناع ص/175)
12) المجاهدون في سبيل الله هم أفضل أهل الإسلام:
والمجاهدون في سبيل الله من المؤمنين هم أفضل أهل الإسلام كما قال صلى الله عليه وسلم: [أفضل الناس مؤمن يجاهـد في سبيل الله بنفسه وماله] (متفق عليه) وهم من الطائفة المنصورة كما جاء في الحديث: [لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق...] (رواه مسلم)
قال الإمام أحمد وسئل عن هذه الطائفة فقال: "هم أهل المغرب (الشام) إنهم هم الذين يقاتلون الروم، كل من قاتل المشركين فهو على الحق" (مسائل أحمد رواية ابن هاني 2/192)
وقال عن المجاهدين: "ليس يعدل لقاء العدو شيء ومباشرة القتال بنفسه أفضل الأعمال، والذين يقاتلون العدو هم الذين يدفعون عن الإسلام، وعن حريمهم فأي عمل أفضل منه؟
الناس آمنون وهم خائفون قد بذلوا مهج أنفسهم" (المغني 10/368)
********

الباب الرابع
الأمة والإمامة
1) أمة الإسلام واحدة:
المسلمون كافة أمة واحدة من دون الأمم وإن تفرقت دولهم، وتباعدت أوطانهم، تربطهم العقيدة الإسلامية [المسلم أخو المسلم] (متفق عليه)، وتجمعهم الأخوة الإيمانية: {إنما المؤمنون أخوة} (الحجرات:10)، وهم في الحقوق والحرمات سواء [المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم] (رواه أبو داود وابن ماجه) لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، إلا بالإيمان والعمل الصالح {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.. [كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ] (رواه الترمذي وصححه الألباني في الجامع 6706)
2) وجوب الموالاة والتناصر:
ويجب عليهم التناصر والتناصح والإجتماع، ويحرم عليهم التباغض والغش والافتراق. قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} (آل عمران:103) وقال: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} (الأنفال:46)
وقال صلى الله عليه وسلم: [الدين النصيحة] (رواه مسلم) [انصر أخاك] (رواه البخاري) [لا تباغضوا ولا تدابروا] (رواه مسلم).. والعمل على جمع وحدتهم ولم شملهم وإصلاح ذات بينهم من أعظم الواجبات..
قال العلامة السعدي: "إن السعي والدعوة إلى جمع المسلمين وإلى إصلاح ذات بينهم هو أفضل الأعمال وأنه أفضل من استغراق الزمان بالصوم والصلاة، ومن أعظم وأجل الجهـاد في سبيل الله وعلى المسلمين أن لا يجعلوا الاختلاف بينهم في الأقوال والمذاهب في الملك والسياسة حائلاً يحول بينهم وبين الأخوة الدينية والرابطة الإيمانية، بل تجعل الخلافات كلها والأغراض الجزئية تبعاً لهذا الأصل الكبير" (السياسة الشرعية ص/13)
3) من المسلم؟!
والمسلم هو من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولم يأت بما ينقض ذلك. قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم: [من شهد أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم له ما للمسلم وعليه ما على المسلم] (رواه البخاري)
وقد يجتمع في المسلم خير وشر، وسنة وبدعة، وطاعة ومعصية فيبقى له من الولاء والحب بقدر ما معه من الطاعة والخير، ويبغض ويعادى بقدر ما معه من المعصية والشر..
قال شيخ الإسلام: "وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة، وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع له من هذا وهذا... هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم" (مجموع الفتاوى 28/209)
4) حكم الفرق المنسوبة للإسلام:
ويدخل في عموم أهل الإسلام الثنتان والسبعون فرقة. قال شيخ الإسلام: "فإنه ما من فرقة إلا وفيها خلق كثير ليسوا كفاراً بل مؤمنين فيهم ضلال وذنب يستحقون به الوعيد كما يستحقه عصاة المؤمنين، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخرجهم من الإسلام بل جعلهم أمته ولم يقل أنهم يخلدون في النار، فهذا أصل عظيم ينبغي مراعاته" (منهاج السنة 5/241)
ولا يخرج المسلم من الإسلام إلا بالدليل القطعي.
قال شيخ الإسلام: "وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بتيقن لم يزل ذلك عنه بالشك بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة" (مجموع الفتاوى 12/466)
ولا يلـزم إذا كان القول كفراً أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل، فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين كثبوت الوعـيد في الآخرة في حقه وذلك له شروط وموانع وإذا لم يكونوا كفاراً لم يكونوا منافقين فيكونون من المؤمنين فيستغفر لهم ويترحم عليهم.." (منهاج السنة 5/241)
5) وجوب نصب الإمام العام:
الإمامة: ويجب على أهل الحل والعقد اختيار الإمام، وعقد البيعة له، نيابة عن أهل الإسلام لسياسة الدنيا وحراسة الدين، وهو وكيل عن الأمة بعد البيعة، ويحرم غصب الأمة حقها في اختيار الإمام، ومن غلب بالقوة حتى استقر له الأمر في الحكم فهو إمام ويجب عليه أن يقيم فيهم الكتاب والسنة، ويعدل بينهم في الحكم، وينصف في القسم ويوصل الحقوق ويوقع الحدود، ويؤمن السبل، ويحمي البيضة ويجاهد الأعداء" (كشاف القناع للبهوتي 6/158-160، ومطالب أولي النهي ص/263-266)
6) واجب الأمة نحو الإمام:
"وإذا قام الإمام بحقوق الأمة وجب له حقان الطاعة والنصرة" (كشاف القناع للبهوتي 6/158-160)
ويحرم الخروج على العدل إجماعاً.. وإن جار حرم الخروج على القول الصحيح.. وفي الحديث: [ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق] (رواه أحمد والحاكم وصححه الألباني في الجامع 7520).. و[إنما الطاعة في المعروف] (متفق عليه) فإن كان الإمام عدلاً وجبت طاعته فيما لم يعلم أنه معصية، وإن كان غير عدل فتجب طاعته فيما يعلم أنه طاعة لله ورسوله كالجهاد في سبيل الله ونحوه. (فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 29/196)
ويجب الخروج إذا كفر إجماعاً إذا تحققت القدرة والاستطاعة، وأمن من وقوع مفسدة أكبر.. قـال الحافظ ابن حجر: "إنه ينعزل بالكفر إجماعاً فيجب على كل مسلم القيام في ذلك فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة" (فتح الباري)
ودليلهم قـوله تعالى: {وأولي الأمر منكم} (النساء:59) والكافر ليس من المسلمين، وقوله صلى الله عليه وسلم: [لا ما أقاموا فيكم الصلاة ].. و[إلا أن تروا كفراً بواحاً] (فتح الباري)
وفرض على الأمة أن يكون لها إمام واحد.. قال شيخ الإسلام: "فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها، وعجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود ويستوفي الحقوق" (مجموع الفتاوى 34/176)
وإن كان إمام عامة والأمة عليه مجتمعة فيجب على كل مسلم اعتقاد إمامته وطاعته. سئل الإمام أحمد عن حديث: [من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية] (رواه أحمد وابن أبي عاصم) فقال: (تدري ما الإمام؟ الإمام الذي يجمع المسلمون عليه كلهم يقول هذا الإمام فهذا معناه) (السنة للخلال 1/81)
وإن لم يكن كذلك فإنما يطاع في حدود دولته وسلطانه وهذا في زمن الفتنة والافتراق.
7) النصح للإمام المسلم:
ويجب على الرعية مناصحة الإمـام وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بالعلم والحكمة، ويجب الإسرار إليه بالنصيحة فيما لم يظهره من المعاصي وفيما كان ضرره قاصراً عليه، فإن كان معلناً بالمنكر فبحسب المصلحة والمفسدة.
قال النووي في قـول كعب بن عجرة لعبد الرحمن ابن الحكم: "انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً ..
قـال النووي: "هذا كلام يتضمن إنكار المنكر والإنكار على ولاة الأمر إذا خالفوا السنة" (شرح النووي لصحيح مسلم)
وقد رأى عمارة بن رؤيبة رضي الله عنه بشر بن مروان رافعاً يديه فقال: (قبح الله هاتين اليدين)، وروى مسـلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري: خرجت مخاصراً مروان حتى أتينا المصلى.. فإذا مروان ينازعني يده كأنه يجرني نحو المنبر، وأنا أجره نحو الصـلاة فلما رأيت ذلك منه قلت: أين الابتداء بالصلاة؟ لا يا أبا سعيد قد ترك ما تعلم. قلت: كلا والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم (ثلاث مرات ثم انصرف) (رواه مسلم)
قال النووي: "وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان المنكر عليه والياً وفيه أن الإنكار عليه يكون باليد لمن أمكنة ولا يجزى عن اليد اللسان مع إمكان اليد" (شرح النووي لصحيح مسلم)
وقال في قول أبي سعيد الخدري وقد رأى رجـلاً ينكر على مروان: "فقال أبو سعيد أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان] (رواه مسلم)
قال النووي: "يحتمل أن أبا سعيد كان حاضراً، ولكنه خاف على نفسه أو غيره حصول فتنة بسبب إنكاره فسقـط عنه الإنكار، ولم يخف ذلك الرجل شيئاً لاعتضاده بظهور عشيرته أو غير ذلك أو أنه خاف وخاطر بنفسه، وذلك جائز في مثل هذا بل مستحب.. وأما قوله صلى الله عليه وسلم (فليغيره) فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة والإجماع وهو أيضاً من النصيحة التي هي الدين.."
قال العلماء: ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات، بل ذلك جائز لآحاد المسلمين..
قال إمام الحرمين: "والدليل عليه إجماع المسلمين فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر مع تقرير المسلمين إياهم" (شرح النووي لصحيح مسلم 2/24)
قال القاضي عياض: "هذا الحديث أصل في صفة التغيير فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولاً كان أو فعلاً فيكسر آلات الباطل بنفسه ويريق المسكر بنفسه أو يأمر من يفعله وينزع الغصوب ويردها إلى أصحابها بنفسه أو بأمره إذا أمكنه، ويرفق في التغيير جهده ولا يسقط الإنكار إذا بلغ الإمام فلم ينكره.." (شرح النووي لصحيح مسلم 2 /25)
قال العلامة حمد بن ناصر بن معمر: "المسألة الأولى في المنكر الذي يجب إنكاره هل يسقط الإنكار إذا بلغ الأمير، أو لا؟ فاعلم أن انكار المنكر يجب بحسب الاستطاعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [من رأي منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان]. (رواه مسلم)
وحينئذ إذا وقع المنكر وبلغ الأمير فلم يغيره لم يسقط إنكاره بل ينكره بحسب الاستطاعة لكن إن خاف حصول منكر أعظم سقط الإنكار وأنكر بقلبه" (مجموع الرسائل والمسائل النجدية 2/41)
وقد أنكر شيخ الإسـلام على من يدع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالجهاد في سبيل الله معللاً تركه القيام بالأمر والنهي لما يترتب عليه من أذى بعض الناس والانتقام منهم فينتشر الفساد. وقال: "حتى يستولي الكفار والفجار على الصالحين الأبرار فلا ينظر المصلحة الراجحة في ذلك وقد قال تعالى: {ويسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل} (البقرة:217) يقول سبحانه وإن كان قتل النفـوس فيه شر فالفتنة الحاصلة بالكفر، وظهور أهله أعظم من ذلك فيدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما" (جامع الرسائل ص/142)
قال القرطبي في تفسيره: "أجمع المسلمـون فيما ذكر ابن عبدالبر أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللـوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره فإن لم يقدر فبلسانه... ونقل عن ابن العربي أن من رجـا زواله (أي المنكر) وخاف على نفسه من تغييره الضرب، أو القتل جاز له عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر (الخطر)" (الجامع لأحكام القرآن 4/48)
قال القرطبي: "وهذه الآية تدل على جواز الأمـر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوف القتل وقال تعالى: {وأمر المعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك} (لقمـان:17) وهذا إشارة إلى الإذاية" (الجامع لأحكام القرآن 4/48)
8) إذا عجز الإمام عن بعض الولايات:
ما كان من فروض الكفايات مما هو مناط بالسلطان كالجهاد وغيره من الولايات إذا عجز السلطان عن القيام بها أو شغل عنها وجب على من استطاع القيام بها أن يقوم بها تداركاً لمصلحة الأمة وأداء لما فرض الله عليها..
قال الطحاوي في فوائد قصة جيش مؤتة: "وفي هذا الحديث ما كان من خالد رضي الله عنه بلا تولية لما رأى من الحاجـة إلى ذلك ففي هذا ما قد دل على أن ما حدث من أمور المسلمين مما شغل إمامهم عن التولية عليه أنه جائـز لمن يتولى على القيام بذلك القيام به، بل عليه القيام به، وعلى الناس السمع والطاعة فيه، وقد امتثل ذلك علي بن أبي طالب عليه السلام في صلاة العيد لما حصر عثمان رضي الله عنه عنها ومنعها فصلى عن الناس" (المشكل 13/168)
لكن يجب أن يراعى في القيام بذلك أن يكون من ذي شوكه عالم بأحكام الشريعة قادر على تحقيق مقاصد الولاية التي عجز عنها السلطان من دون أن يعقب ذلك فساد أعظم من فوات مصلحة الولاية نفسها.
**********

الباب الخامس
الموقف من العلماء
1) من هم العلماء:
العلماء هم: "العارفون بشرع الله، المتفقهون في دينه العاملون بعلمهم على هدى وبصيرة (يسيرون مع الحق أين سارت ركائبة، ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه، إذ بدا لهم الدليل بأخذته. طاروا إليه زرافات ووحـداناً، وإذا دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أمر انتدبوا إليه ولا يسألونه عما قال برهاناً ونصوصه أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدمـوا عليها قول أحد من الناس أو يعارضوها برأي أو قياس" (أعلام الموقعين 1/6-7)
أعلى الله منزلتهم في كتابه الكريم فقـال: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} (المجادلة:11)
وقال: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} (الزمر:9) واستشهد بهم سبحانه في أجل مشهود عليه، وهو توحيده، فقال: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط..} (آل عمران:18)
قال ابن القيم: وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه:
أحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر.
والثاني: اقتران شهادتهم بشهادته.
والثالث: اقترانها بشهادة ملائكته.
والرابع: أن في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول. (مفتاح دار السعادة 1/64)
2) العلماء هم خير البرية:
وهم خير البرية لأنهم أشد الناس خشية لله تعالى، قال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} (فاطر:28).. وقال: {أولئك هم خير البرية} {ذلك لمن خشي ربه} (البينة:7-8)
قال ابن جماعة الكناني: "فاقتضت الآيتان أن العلماء هم الذين يخشون الله، وأن الذين يخشون الله تعالى هم خير البرية، فينتج أن العلماء هم خير البرية" (تذكرة السامع والمتكلم ص/6)
3) وجوب طاعتهم، ومحبتهم وتوقيرهم:
وطاعتهم أفرض على الناس من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} (النساء:59)
قال طائفة من السلف: "أولو الأمر هم العلماء"..
قال ابن القيم: "والتحقيق أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلمـاء" (الإعلام 1/10) وهم ورثة الأنبياء كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم (رواه الترمذي)
وفي فضلهم قال صلى الله عليه وسلم: [فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم وإن الله عز وجل وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير] (رواه الترمذي)
ولهـذا كان حبهم وذكرهم بالجميل من سلامة المعتقد، قال الإمام الطحاوي في عقيدته: "وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل" (شرح الطحاوية ص/554)
والواجب توقيرهم ومعرفة حقهم استجابة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: [ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا حقه] (رواه أحمد والترمذي) وهم أولى الناس بالموالاة وأحقهم بالمحبة في الله بعد الأنبياء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فيجب بعد موالاة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن خصوصاً العلماء الذين هم ورثة الأنبياء الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر" (رفع الملام عن الأئمة الأعلام/19)
4) الأئمة الأربعة رحمهم الله من أجلة العلماء:
ومن أئمة العلم والفضل: الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة -رحمهم الله وأجزل مثوبتهم-، وقد كانوا مع جلالة قدرهم وسعة علمهم ينهون الناس عن تقليدهم، وقد أمروا إذا رأوا دليلاً في الكتاب والسنة يعارض قولهم أن يأخذوا بما دل عليه الكتاب والسنة، ويدعو أقوالهم.
قال شيخ الإسـلام: "وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقاً يقيناً على وجوب اتباع الرسـول، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له من عذر في تركه، وجميع الأعذار ثلاثة أصناف:
أحدها: عدم اعتقاد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.
والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.
وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة (المصدر السابق ص/10-11)

5) لا يجب على أحد من المسلمين تقليد عالم بعينه:
ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء -الأئمة الأربعة أو غيرهم- في كل ما يقـول، وعلى المسلم إذا نزلت به نازلة أن يستفتي من يعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله امتثالاً لقوله تعالى: {فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (النحل:43)
قال شيخ الإسـلام: "وإذا نزلت بالمسلم نازلة فإنه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص معين من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين من العلماء في كل ما يوجبه ويخبر به، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتباع شخص لمذهب بعينه لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته إنما هو مما يسوغ له، ليس هو مما يجب على كل أحد إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق، بل كل أحد عليه أن يتقي الله ما استطاع، ويطلب علم ما أمر الله به ورسوله، فيفعل المأمور ويترك المحظور" (مجموع الفتاوى 20/208-209)
وقال الإمام أبو عمر بن عبدالبر: "والواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب والسنة، والإجماع، والقياس على الأصول منها. فإذا استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا بالكتاب والسنة، فإذا لم يبن ذلك وجب التوقف ولم يجز القطع إلا بيقين، فإذا اضطر أحد إلى استعمال شيء من ذلك في خاصة نفسه جاز له ما يجوز لعامة من التقليد" إلى أن قال: "هذا حال من لا يمعن النظر، وأما المفتون فغير جائز عند أحد ممن ذكرنا قوله لا أن يفتي ولا يقضي حتى يتبين له وجه ما يعني به من الكتاب والسنة والإجماع أو ما كان في معنى هذه الأوجه" (جامع بيان العلم وفضله 2/80-81)
6) الشروط التي تجب على المسلم عند اتباع مذهب معين:
وإنما يسوغ للمرء اتباع مذهب أحد الأئمة بثلاثة شروط:
الأول: أن يعتقد أن لا عصمة لأحد من الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. قال شيخ الإسلام: "واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصوماً في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قـال غير واحد من الأئمة كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الأئمة الأربعة رضي الله عنهم قد نهوا الناس عن تقليدهم، وذلك هو الواجب عليهم، فقال أبو حنيفة: هذا رأيي فمن جاء برأي خير منه قبلناه، ومالك كان يقول: إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة.. والشافعي كان يقول: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط.. والإمام أحمد كان يقول: لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكاً ولا الشافعي، ولا الثوري، وتعلموا كما تعلمنا" (مجموع الفتاوى 20/120-212)
الثاني: أن يجعل الحق طلبته فمتى استبان له أن القول الراجح بالأدلة في مسألة ما خلاف ما عليه مذهبه أخذ بالراجح دون تردد. قال الإمام الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. (إعلام الموقعين 2/263)
الثالث: ألا يعقد عليه ولاء ولا براء فلا يخص بالموالاة أتباع مذهبه، ولا يعادي أحداً لأجل أنه لم يلتزم المذهب الذي يتبعه، ويقول الشيخ عبدالعزيز بن باز: "ولا يجوز التفرق والاختلاف، ولا الدعوة إلى حزب فلان، ورأي فلان، وقول علان، وإنما الواجب أن تكون الدعوة واحدة إلى الله ورسوله إلى كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام لا إلى مذهب فلان أو دعوة علان يجب على المسلمين أن تكون طريقتهم واحـدة وهدفهم واحداً، وهو اتباع كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام". (العلم وأخلاق أهله ص/17)
7) ليس الاجتهاد واجباً على كل أحد في الأمة:
ولا يجب الاجتهاد على كل أحد.. قال الخطيب البغدادي: "أما من يسوغ له التقليد فهو العامي الذي لا يعرف طرق الأحكام الشرعية، فيجوز له أن يقلد عالماً، ويعمل بقوله" إلى أن قال: "وحكى عن بعض المعتزلة أنه قال: لا يجوز للعامي العمل بقول العالم حتى يعرف علة الحكم، وإذا سأل العالـم فإنما يسأله أن يعرفه طريق الحكم، فإذا عرفه وقف عليه وعمل به، وهذا غلط لأنه لا سبيل للعامي إلى الوقوف على ذلك إلا بعد أن يتفقه سنين كثيرة ويخالط الفقهاء المدة الطويلة، ويتحقق طرق القياس ويعـلم ما يصححه وما يفسده، وما يجب تقديمه على غيره من الأدلة. وفي تكليف العامة بذلك تكليف ما لا يطيقونه ولا سبيل لهم إليه " (الفقيه والمتفقه ص/68-69)
وقال شيخ الإسلام: "والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة والتقليد جائز في الجملة لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد، فأما القادر على الاجتهاد فهل يجوز له التقليد؟ هذا فيه خلاف، والصحيح أنه يجوز حيث عجز عن الاجتهاد: أما لتكافؤ الأدلة، وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد، وإما لعدم ظهور دليل له، فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب ما عجز عنه وانتقل إلى بدله وهو التقليد، كما لو عجز عن الطهارة بالماء" (مجموع الفتاوى 20/203-204)
وقـال أيضاً: "كذلك المسائل الفروعية: من غالية المتكلمة والمتفقهة من يوجب النظر والاجتهاد فيها على كل أحد حتى على العامة! وهذا ضعيف لأنه لو كان طلب علمها واجباً على الأعيان فإنما يجب مع القدرة، والقدرة على معرفتها من الأدلة المفصلة تتعذر أو تتعسر على أكثر العامة، وبإزائهم من أتباع المذاهب يوجب التقليد فيها على جميع من بعد الأئمة: علمائها وعوامهم!" (مجموع الفتاوى 20/203)
8) اجتناب زلة العالم:
ولما كان العلماء غير معصومين عن الخطأ والوهم، فإن الواجب اجتناب زلاتهم، وعدم الاقتداء بهم فيها، وقد حذر السلف من زلة العالم..
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق، وأئمة مضلون) (أخرجه الدارمي بسند صحيح 1/71)
وقال معاذ بن جبل: (وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم) (أخرجه أبو داود بسند صحيح)
وقال ابن عباس: (ويل للأتباع من زلة العالم. قيل: وكيف؟ قال: يقول العالم الشيء برأيه، فيلقى من هو أعلم منه برسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره فيرجع، ويقضي الأتباع بما حكم) (أخرجه ابن عبدالبر في الجامع بسند حسن 2/212)
9) أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله:
وقد أجمع أهل العلم على تحريم تلقط الرخص المترتبة على زلات العلماء، قال سليمان التيمي: "لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله، وعلق ابن عبد البر على ذلك بقوله: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً" (جامع بيان العلم 2/91-92)
وقال الأوزاعي: "من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام" (سير أعلام النبلاء 7/125)
وقال ابن القيم: "المصنفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله، وبيان زلة العالم ليبينوا بذلك فساد التقليد، وأن العالم قد يزل ولا بد، إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما يقوله، وينزل قـوله منزلة قول المعصوم، فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض، وحرموه وذموا أهله، وهـو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم فهم يقلدون العالم فيما زل فيه، وفيما لم يزل فيه، وليس لهـم تمييز بين ذلك، فيأخذون الدين بالخطأ ولا بد فيحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله، ويشرعون ما لم يشرع، ولا بد لهم من ذلك إذ كانت العصمة منتفية عمن قلدوه فالخطأ واقع منه ولا بد" (أعلام الموقعين)
10) يجوز التشنيع على العلماء بزلاتهم:
ولا يشنع على العلمـاء بزلاتهم، بل هم مأجورون على اجتهادهم، وإن لم يصب العالم الحق فقد قال صلى الله عليه وسـلم: [إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد] (متفق عليه)
وقال شيخ الإسلام: "فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلاً، أو لتعديه حدود الله بسلوك السبل التي نهى عنها، أو لاتباع هواه بغير هدى من الله فهو الظالم لنفسه، وهو من أهل الوعيـد، بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطناً وظاهراً الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله، فهذا مغفور له خطؤه كما قال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} إلى قوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنـا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} (البقرة:286) وقد ثبت في صحيح مسلم أن الله تعالى قال: [قد فعلت]..
وكذلك ثبت فيه من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأ بحرف من هاتين الآيتين ومن سورة الفاتحة إلا أعطي ذلك" (مجموع الفتاوى 3/318-319)
وقال في موضع آخر: "وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية". (مجموع الفتاوى 3/229)
والخبر المنقول عن العالم يجب التأكد أولاً من صحة النقل، وثانياً من صحة فهم الدلالة وينبغي أن يعرض ذلك الخبر على أقـواله وأفعاله السابقة واللاحقة فإن خالف ذلك الخبر المعروف من سيرته، وقوله كانت هذه قرينة مهمة في رد الخبر أو حمله على المعروف من حاله..
قال الإمام ابن القيم: "والكلمة الواحدة يقولها اثنان يريد بها أحدهما أعظم الباطل، ويريد بها الآخر محض الحق، والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، وما يدعو إليه ويناظر عنه" (مدارج السالكين 3/521)
11) الموقف من العالم العامل إذا تلبس ببدعة:
وتلبس العالـم ببدعة، لا تبلغ به الكفر المخرج من الملة - غير مانع من الانتفاع بعلمه الموافق للسنة، ويحذر من بدعته، ولا تهدر حسناته لأجلها، فإن العدل والإنصاف يقتضيان ذلك، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } (المائدة:8) وقال أيضاً: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} (هود:85)
وقد يجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وطاعة وفجور، وسنة وبدعة فيستحق من الثواب والموالاة بقدر ما فيه من الخير، ومن العقاب والمعاداة بقدر ما فيه من الشر..
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ثم الناس في الحب والبغض والموالاة والمعاداة هم أيضاً مجتهدون، يصيبون تارة، ويخطئون تارة. وكثير من الناس إذا علم من الرجل ما يحبه أحب الرجل مطلقاً، وأعرض عن سيئاته، وإذا علم منه ما يبغضه أبغضه مطلقاً، وأعرض عن حسناته، وأهل السنة والجماعة يقولون ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، وهو أن المؤمن يستحق وعد الله وفضله والثواب على حسناته، ويستحق العقاب على سيئاته، وأن الشخص الواحد يجتمع فيه ما يثاب عليه، وما يعاقب عليه، وما يحمد عليه، وما يذم عليه، وما يحب منه وما يبغض منه" (مجموع الفتاوى 11/15-16)
وقال الإمام الذهبي: "ثم إن الكبير من العلماء إذا كثر صوابه وعلم تحريه للحق واتسع علمه وظهـر ذكاؤه وعرف صلاحه وورعه واتباعه: يغفر له زللـه، ولا نضلله ولا نطرحه وننسى محاسنه. نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك" (سير أعلام النبلاء 5/279)
12) الموقف من مصنفات العلماء الذين جمعوا بين حق وباطل، وسنة وبدعة:
ويعتبر هذا المعيار في الحكم على تصانيف أولئك العلماء، فيشار إلى ما فيها من الفوائد العلمية النافعة وينبه على ما فيها من الاعتقادات البدعية، وهكذا صنع شيخ الإسلام في حكمه على مصنفات أبي عبدالرحمن السلمي شيخ الصوفية ومؤرخهم المتوفي سنة (412) فقال:
"وهو في نفسه رجل من أهل الخير والدين والصلاح والفضل، وما يرويه من الآثار فيه من الصحيح شيء كثير، ويروي أحياناً أخباراً ضعيفة بل موضوعة، يعلم العلماء أنها كذب"
إلى أن يقول: "وكذلك ما يأثره أبو عبدالرحمن عن بعض المتكلمين في الطريق أو ينتصر له من الأقوال والأفعال والأحوال فيه من الهدى والعلم شيء كثير، وفيه أحياناً من الخطأ أشياء وبعض ذلك يكون عن اجتهـاد سائغ، وبعضه باطل قطعاً، مثل ما ذكر في حقائق التفسير قطعة كبيرة عن جعفر الصادق وغيره من الآثار الموضوعة، وذكر عن بعض طائفة أنواعاً من الإشارات التي بعضها أمثال حسنة واستدلالات مناسبة، وبعضها من نوع الباطل واللغو، فالذي جمعه الشيخ أبو عبدالرحمن ونحوه في تاريخ (أهل الصفة) وأخبار زهاد السلف وطبقات الصوفية يستفاد منه فوائد جليلة، ويجتنب منه ما فيه من الروايات الباطلة، ويتوقف فيما فيه من الروايات الضعيفة، وهكذا كثير من أهل الروايات ومن أهل الآراء والأذواق من الفقهاء والزهاد والمتكلمين وغيرهم: يوجد فيما يأثرونه عمن قبلهم وفيما يذكرونه معتقدين له شيء كثير، وأمر عظيم من الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، ويوجد أحياناً عندهم من جنس الروايات الباطلة أو الضعيفة، ومن جنس الآراء والأذواق الفاسدة أو المحتملة شيء كثير، ومن له في الأمة لسان صدق عام بحيث يثني عليه ويحمد في جماهير أجناس الأمة، فهؤلاء هم أئمة الهدى ومصابيح الدجى، وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم، وعامته من موارد الاجتهاد التي يعذرون فيها وهم الذين يتبعون العلم والعدل فهم بعداء عن الجهل والظلم وعن اتباع الظن وما تهوى الأنفس" (المجموع 11/42-43)
13) وجوب تحذير العامة وطالب العلم المبتدئ من الكتب التي احتوت على بعض البدع:
ويلـزم التنبيه على ضرورة أن يحرص الخطاب الدعوي الموجه إلى العامة على توجيههم نحو كتب علماء أهل السنة والجماعة المصفاة من البدع والاعتقادات الزائغة، فلا ينصحون مثلاً بقراءة كتاب (الإحياء) للغزالي لما فيه من بيان حسن لأعمال القلوب، ولا (كشاف) الزمخشري لاحتوائه على جمل عجيبة من أسرار الإعجاز البياني للقرآن الكريم، وذلك أن العامة تقصر فهومهم عن التمييز بين الحق والباطل والغث والسمين في هذين الكتابين وأضرابهما، فالمفاسـد المترتبة على قراءة العامة لهذه الكتب أعظم من المصالح المتحصلة من وراء ذلك، وقد تقرر أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
14) واجب العلماء نحو أمتهم:
ونظراً لأمانة العلم التي حملها العلماء فإن الواجب عليهم أن يقوموا بمهمتهم في قيادة الأمة من خلال تبليغ العلم الذي أئتمنهم الله على نشره وأخذ عليهم ألا يكتموه، لا سيما في الفترة التي تموج فيها فتن الشبهات والشهوات تواجه فيها الأمة حرباً ضروساً يشنها عليها خصوم الإسلام من الخارج والداخل، وإن تنحى العلماء عن تولي هذه المهمة القيادية يفسح المجال للأدعياء ليتصدوا لأمور لا قبل لهم بها فيضلون ويضلون.
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله: "فأهل العلم رعاة، وهداة، فعليهم أن يعنوا برعيتهم، الشعوب رعية لهم، فعليهم أن يعنوا بهذه الرعيـة، وأن يخافوا الله فيها، وأن يرشدوها إلى أسباب النجاة، ويحذروها من أسباب الهلاك، وأن يغرسوا فيما بينهم حب الله ورسوله والاستقامة على دين الله والشوق إلى الله وإلى جنته وكرامته، والحذر من النار، فالنار بئس المصير،يجب الحذر منها والتحذير منها، وأولى الناس بهذا الأمر هم العلماء، وطلاب العلم.
هكذا يكون حالهم أبداً، وهكذا تكون أخلاقهم أبداً، مسارعة إلى مرضاة الله وابتعاداً عن معاصي الله، ودعوة إلى الله، وإرشاداً إليه، ووقوفاً عند حدوده، وأخذاً بالأحوط دائماً، وبعداً عما حرم الله، وعما كرهه الله، حتى يتأسى بهم إخوانهم من المؤمنين، وحتى يتأثر بهم المسلمون أينما كانوا". (العلم وأخلاقه ص/22-23)
*********

الباب السادس
الاعتصام ونبذ الفرقة
* انقسام الناس إلى مؤمن وكافر:
قال الله سبحانه وتعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير} (التغابن:2).. وقال تعالى: {ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} (هود:119)
وقال تعالى: {والله يدعو إلى دار السلام، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} (يونس:25) وقال تعالى: {وربك يخلق من يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون} (القصص:68)
وهذه الآيات جميعها وغيرها كثير في القرآن تبين أن الله جلت قدرته قد شاء أن يكون من عباده مؤمن وكافـر، وأن تقع الفرقة والاختلاف بينهم بسبب ذلك وأن للجنة أهلها، وللنار أهلها حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
* تفرق أهل الإيمان في الدين، ورجوع بعضهم إلى الكفر:
وكما أن الله سبحانه وتعالى شـاء أن يكون من عباده مؤمن وكافر، فإنه سبحانه وتعالى شاء أن يقع الاختلاف والتفرق بين أهل الإيمان وورثة الدين، وأن يرتد بعضهم إلى الكفر بعد دخوله في الإيمان. قال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} (البقرة:213)
فأخبر سبحانه أنه لم يختلف في الكتاب إلا أهله بعد أن وضحت الحجة وظهر البيان، وأن خلاف بعضهم للحق إنما كان بسبب البغي.. قال تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس، ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات، ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} (البقرة:253)
فبين سبحانه وتعالى أن من اتباع الرسل من آمن ومنهم من كفر، وأنهم اقتتلوا بسبب ذلك..
وهكذا الذي وقع في الأمم السابقة أخبر سبحانه أنه يكون في أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} (آل عمران:103)
* الخلاف كله شر:
ولا شك أن الخلاف كله شر سواء كان في أصول الدين أو فروعه في المسائل الكبار أو الصغار في مسائل الاعتقاد الذي ينبني عليها عمل أو التي لا ينبني عليها عمل، أو في المسائل العملية غير الاعتقادية..
وكم من مسألة من مسائل العمل، ومن فروع الدين وقع بسببها فتن عظيمة وبلاء عظيم في المسلمين بل وقتال وسفك دمـاء، والفتن الأولى بين الصحابة رضوان الله عليهم وحرب الجمل وصفين لم تكن حول قضايا عقائدية، ولا أصول من أصول الدين، ولكن على خلاف في حكم تقديم أو تأخير المطالبة بدم عثمان رضي الله عنه الذي كان الجميع متفقاً على وجوب الأخذ بثأره وقتل قاتليه.
* الخلاف درجات:
ولكن الخلاف درجات، فهناك خلاف يخرج فريقاً من المختلفين من الإسلام، ويحل قتالهم ودماءهم وهناك خلاف دون ذلك.
1) الخلاف المخرج من ملة الإسلام:
وأعظم الخلاف هو الذي يخرج صاحبه من ملة الإسلام، ويلحقه بالكفار، ويوجب على أهل الإسلام قتاله.. وذلك كجحود المرتدين للزكاة، ومنعهم إعطاءها لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قاتلهم أبو بكر الصديق قتال الكفار وسماهم بالمرتدين علماً أنهم لم ينفوا الشهادتين ولا الصلاة.
2) خلاف البدعة غير المكفرة:
ويلي ذلك خلاف البدعة غير المكفرة مع إيجاب قتل قائليها وحربهم كخلاف الخوارج الذين قالوا بكفر مرتكب الكبيرة، واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم فقاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه والخلفاء من بعده، وقد جاء في شأنهم أحاديث كثيرة تبين أصل بدعتهم ووجوب قتالهم.
والخلاف الواقع بين أهل السنة والجماعة والفرق إنما هو في هذا الباب والذي قبله فقد قاموا على الدوام برد المقالات والعقائد والأهواء المخالفة للكتاب والسنة، وإجماع الأمة.
كالذي انتحلته فرق الخوارج، والرافضة، والجهمية، والقدرية، والمرجئة، وما تفرع من هذه الفرق.
3) القول الاجتهادي المخالف للقرآن والحديث:
وهناك الأقوال الاجتهادية المخالفة لصريح القرآن وصحيح السنة، وقد يصدر هذا من بعض المجتهدين والأئمة لأسباب كثيرة جداً منها: النسيان، والغفلة عن النص، ومنها تأويله بغير معناه الحقيقي، أو معارضته بما يظنه أقوى منه، أو ظنه أنه منسوخ.. إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة وقد يقع العالم المجتهد في مخالفة النص بزلة من الزلات فإن العصمة منفية إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم..
وهذا الخلاف يعذر قائله إذا كان مجتهداً متحرياً للحق ويؤجر أجراً واحداً، ولا يجوز لأحد استبانت له السنة، وعرف الحق أن يقلده فيه..

4) اختلاف الأقوال الاجتهادية في الأمور العارية عن الدليل:
والخلاف الرابع وهو أخف أنواع الخلاف هو اختلاف آراء المجتهدين فيما لا نص فيه من أمور الدين، وهذا الخلاف يقع لاختلاف الفهوم، والعقول، والاطلاع، والنظر، وليس هذا من الخلاف المذموم، ما لم يقع به فرقة في الدين، وتباغض وتشاجر بين المسلمين..
* واجب المسلم إزاء الخلاف:
1) الاعتصام بالكتاب والسنة وإجماع الأمة:
وواجب كل مسلم إزاء الخلاف أن يعتصم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة فهذه هي الأصول التي لا يتطرق إليها الخلل، ولا يعتورها النقص، قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} (آل عمران:103) وحبل الله كتابه، وسنة نبيه، والجماعة عصمة من الافتراق، ومن شذ شذ في النار.
2) وجوب الرد إلى الكتاب الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم:
إذا وقـع خلاف بين المسلمين وجب عليهم أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى كلام الله وكلام رسـوله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} (الشورى:10).. وقال تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً} (النساء:59)
3) وجوب الرضا بحكم الله وحكم رسوله:
يجب على المؤمن أن يرضى بحكم الله وحكم رسوله، ولا يخرج عن ذلك إلا كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم...} (النساء:65)
4) وجوب مجانبة الهوى والبغي:
أعظم الأسباب الموجبة لمخالفة أمر الله وأمر رسوله هو الهوى والبغي، فالهوى يعمي ويصم عن الحق. قال تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} (ص:26)
فذكر سبحانه وتعالى أن الهوى يصد ويضل صاحبه عن سبيل الله، وقال تعالى ذاكراً سبب ترك الكفار للحق: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} (النجم:23).. وقالوا: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدي من الله} (القصص:50)
وأما البغي وهو العدوان والظلم والتحاسد والتباغض فقد ذكر الله سبحانه أنه كان سبب الفرقة في اتباع الأنبياء. قال تعالى: {وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم} (البقرة:213)، وبغياً هنا مفعول لأجله أي لأجل البغي.
5) إقرار المخالف في الأمور الاجتهادية إذا لم يظهر رجحان الرأي الآخر:
يجب إقرار المخالف في الأمور الاجتهادية إذا لم يترجح الرأي الآخر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمـل باجتهادهم كمسائل في العبادات، والمناكح، والمواريث، والعطاء، والسياسة، وغير ذلك" (الفتاوى 19/122-123)
وقال أيضاً: "وقد تنازع الصحابة في مسائل علمية اعتقادية كسماع الميت صوت الحي، وتعذيب الميت ببكاء أهله، ورؤية محمد صلى الله عليه وسلم ربه قبل الموت، مع بقاء الجماعة والألفة" (الفتاوى 19/122-123)
6) لا إنكار فيما يسوغ فيه الاجتهاد مما لا يخالف نصاً من كتاب أو سنة وإجماع:
وقد سئل شيخ الإسلام رحمه الله عمن ولى أمراً من أمور المسلمين ومذهبه لا يجوز (شركة الأبدان) فهل يجوز له منع الناس:
"ليس له منع الناس من مثل ذلك، ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد وليس معه بالمنع نص من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا ما هو في معنى ذلك، لا سيماً وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك، وهو مما يعمل به عامة المسلمين في عامة الأمصار.
وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل، ولا للعالم والمفتي أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل، ولهذا لما استشار الرشيد مالكاً أن يحمل الناس على (موطئه) في مثل هذه المسائل منعه من ذلك.
قال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم. وصنف رجل كتاباً في الاختلاف فقال: لا تسمه (كتاب الاختلاف)، ولكن سمه (كتاب السعة).
ولهذا كان بعض العلماء يقـول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، وكان عمر بن عبدالعزيز يقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالاً، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا، ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة، وكذلك قال غير مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه..
ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي رحمه الله وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه، ونظائر هذه المسائل كثيرة: مثل تنازع الناس في بيع الباقلا الأخضر في قشرية، وفي بيع المقاثي جملة واحدة، وبيع المعطاة والسلم الحال، واستعمال الماء الكثير بعد وقوع النجاسة فيه إذا لم تغيره، والتوضؤ من ذلك، والقراءة بالبسملة سـراً أو جهراً، وترك ذلك وتنجيس بول ما يؤكل لحمه وروثه أو القول بطهارة ذلك، وبيع الأعيان الغائبة بالصفة وترك ذلك.." (مجموع الفتاوى 30/79-81)
********

الباب السابع
أدب طلب العلم ومنهج الطلب
أولاً: فضل العلم:
قال تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم..} الآية (آل عمران:18)
وقد تقدم ما فيها من الدلالة على فضل العلماء وما فضلوا إلا لفضل العلم في صدورهم .. وعن معاوية رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين] (متفق عليه)
وعن عثمان رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [خيركم من تعلم القرآن وعلمه] (متفق عليه) وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم: [لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها] (متفق عليه)
وقال ابن القيم رحمه الله: "وهو تركة الأنبياء وتراثهم وأهله عصبتهم ووراثهم وهو حياة القلوب ونور البصائر، وشفاء الصدور، ولذة الأرواح، وأنس المستوحشين، ودليل المتحيرين وهو الميزان الذي توزن به الأقوال والأعمال والأحوال، وهو الحاكم المفرق بين الشك واليقين والغي والرشاد والهدى والضلال" (مدارج السالكين)
وقال: "وهو حجة الله في أرضه بين عباده وقائدهم ودليلهم إلى جنته ومدنيهم من كرامته" (المصدر السابق 2/471)
وكفى بمن هذا شأنه فضلاً وشرفاً.

ثانياً: العلم المحمود والعلم المذموم:
العلم المحمود هو العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم، الكتاب والسنة، وما يحتاج إليه لفهم الكتاب والسنة..
قال الله تعالى: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب} (سبأ:5)
قال ابن القيم رحمه الله: "فهذا نص صريح في أن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يحصل بالوحي فيا عجباً كيف يحصل الهدى بغيره من الآراء والعقول المختلفة والأقوال المضطربة؟ ولكن من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً" (الرسالة التبوكية ص/54)
وقال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}.. الآية (النساء:59)
قال ابن القيم: ".. أن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته" (أعلام الموقعين 1/50)
وقال تعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} (النحل:64)
وفي الحديث: [تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه] (رواه مالك بلاغاً والحاكم موصولاً وهو صحيح)
وعن العرباض بن سارية مرفوعاً: [عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار] (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه)
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر] (رواه أبو داود والترمذي)
قال شيخ الإسـلام ابن تيمية رحمه الله: "لكن جماع الخير أن يستعين بالله سبحانه في تلقي العلـم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه هو الذي يستحق أن يسمى علماً وما سواه إما أن يكون علماً فلا يكون نافعاً، وإما أن لا يكون علماً وإن سمي به، ولئن كان علماً نافعاً فلا بد يكون من ميراث محمد صلى الله عليه وسلم ما يغنى عنه مما هو مثله، وخير منه، ولتكن همته فهم مقاصد الرسـول في أمره ونهيه وسائر كلامه فإذا اطمئن قلبه أن هذا هو مراد الرسول فلا يعدل عنه" (مجموع الفتاوى)

قال الإمام الذهبي رحمه الله:
العلم قال الله قــال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه
والعلم المذموم هو كل ما يؤدي إلى مخالفة ما جاء عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. كالفلسفة وعلم الكلام والتصوف المخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، والرأي المخالف للسنة.
قال الإمام أحمد: "وقد روى غير واحد ممن مضى من سلفنا رحمهم الله أنهم كانوا يقولون القرآن كلام الله عز وجل وليس بمخلوق وهو الذي أذهب إليه ولست بصاحب كلام ولا أرى الكلام في شيء من هنا إلا ما كان في كتاب الله عز وجل أو في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة أو عن التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود" (السنة لعبدالله بن أحمد 1/139)
وقد أطبق علماء السلف على التحذير من علم الكلام، ومن الرأي المذموم المخالف لما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن النسك في غير هدي النبوة..
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فمحمد صلى الله عليه وسلم أرسل إلى كل أحد من الإنس والجن: كتابيهم وغير كتابيهم، في كل ما يتعلق بدينه من الأمور الباطنة والظاهرة في عقائده وحقائقه وطرائقه وشرائعه فلا عقيدة إلا عقيدته، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا طريقة إلا طريقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا يصل أحد من الخلق إلى الله تعالى وإلى رضوانه وجنته وكرامته، وولايته إلا بمتابعته باطناً وظاهراً في الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة في أقوال القلب وعقائده وأحوال القلب وحقائقه وأقوال اللسان وأعمال الجوارح" (مجموع الفتاوى 10/431)
فالعلم المذموم هو كل ما جانب هدي سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم في كل أمور الدين، وجماع العلوم المذمومة التي اشتغل بها المنتسبون إلى العلم -أعاذنا الله منها- ترجع إلى ثلاثة علوم: الفلسفة والكلام، وعلم التصوف الطرقي البدعي، وعلم الرأي المخالف للسنة.
فالأول أدى إلى مخالفة ما جاء عن الرسـول في أمور التصديق والغيب والإيمان، والثاني أدى إلى مخالفته في العبادة والنسك وعمل القلب والجوارح، والثالث أدى إلى مخالفته في الأحكام والشرائع.

ثالثاً: آداب الطلب:
1) العقل والدين:
قال الإمام الشعبي: "إنما كان يطلب العلم من اجتمعت فيه خصلتان العقل والنسك، فإن كان عاقلاً، ولم يكن ناسكاً قال هذا أمر لا يناله إلا النساك فلن أطلبه وإن كان ناسكاً، ولم يكن عاقلاً قال هذا أمر لا يناله إلا العقلاء فلن أطلبه -يقول الشعبي- فلقد رهبت أن يكون يطلبه اليوم من ليس فيه واحدة منهما لا عقل ولا نسك" (سير أعلام النبلاء 4/207)
2) الإخلاص لله:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله: [من تعلم علماً مما يبتغي به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة] (رواه أبو داود)
3)حسن السمت والتزام الخلق الطيب:
قـال الذهبي رحمه الله: "ينبغي للعالم أن يتكلم بنية وحسن قصد فإن أعجبه كلامه فليصمت وإن أعجبه الصمت فلينطق، ولا يفتر عن محاسبة نفسه فإنها تحب الظهور والثناء" (السير 5/228)
قال عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب رحمهم الله: "ومن علامة إخلاص طالب العلم أن يكون صموتاً عما لا يعنيه، متذللاً لربه، متواضعاً لعباده، متورعاً متأدباً لا يبالي ظهر الحق على لسانه أو لسان غيره، ولا ينتصر لنفسه ولا يفتخر ولا يحقد ولا يحسد ولا يميل به الهوى ولا يركن إلى زينة الدنيا" (مجموع الرسائل والمسائل النجدية 4/406)
وعلى طالب العلم أن يتخلق بمكارم الأخلاق فإنه ليس كأحد من الناس إذ كان من ورثة الأنبياء.
قال الإمام الآجري عن حامل القرآن: "مقبلاً على شأنه، مهموماً بإصلاح ما أفسد من أمره حافظاً للسانه مميزاً لكلامه إن تكلم تكلم بعلم إذا رأى الكلام صواباً وإذا سكت سكت بعلم إذا رأى السكوت صواباً قليل الخوض فيما لا يعنيه، يخاف من لسانه أشد مما يخاف من عدوه"
وقال: "باسط الوجه طيب الكلام لا يمدح نفسه بما فيه، فكيف بما ليس فيه، يحذر نفسه أن تغلبه على ما تهوى مما يسخط مولاه، لا يغتاب أحداً ولا يحقر أحداً، ولا يسب أحداً ولا يشمت بمصيبة، ولا يبغي على أحد، ولا يحسده ولا يسيء الظن بأحد إلا لمن يستحق"
وقال: "ولا يجهل فإن جهل عليه حلم، ولا يظلم وإن ظلم عفى لا يبغي فإن بغي عليه صبر، يكظم غيظه ليرضي ربه، ويغيظ عدوه متواضع في نفسه إذا قيل له الحق قبله من صغير أو كبير يطلب الرفعة من الله لا من المخلوقين ماقت للكبر خائف على نفسه منه" (أخلاق حملة القرآن للآجري دار الكتب العلمية الطبعة الأولى ص/78)
قال الإمام مالك: "حق على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية والعلم حسن لمن رزق خيره وهو قسم من الله تعالى" (السير 8/108)
ومن أدب العلم الورع عن القول بغير علم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى: "أدركت عشرين ومئة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار إذا سئل أحدهم عن شيء ود أن أخاه كفاه" (السير 4/263)
* منهج الطلب:
1) القرآن الكريم أولاً:
يبدأ الطالب بتعلم ترتيل القرآن وتجويده وحفظه ويستمر معه هذا حتى ينهى حفظه ويحافظ على تعاهده والعناية به في جميع مراحل العلم.
2) التدرج، والبدء بالكليات قبل الجزئيات:
وينبغي لطالب العلم أن يتدرج في الطلب فيحفظ أولاً مختصراً من كل فن، ويضبطه على شيخ متقن، ولا يشتغل بالمطولات، وتفاريق المصنفات قبل ضبط واتقان أصل الفن، ولا ينتقل من مختصر إلى آخر بلا سبب.
وكذا في كل فن لا يتوثب على المطولات والخلاف العالي قبل المختصرات والمسائل السهلة..
قـال العلامة عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن: "وأما كيفية الطلب ففي حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن فقال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب... الحديث" فيه بيان كيفيته والبداءة بالأهم فالأهم من واجبات الإيمان وأركان الإسـلام، وينتقل درجة درجة من الأعلى إلى ما دونه ثم بعد ذلك يتعلم ما يجب من الحقوق بخلاف ما يفعله بعض الطلبة من الاشتغال بالفروع والذيول، وفي كلام شيخ الإسـلام قدس الله روحه من ضيع الأصول حرم الوصول ومن ترك الدليل ضل السبيل" (مجموع الرسائل والمسائل النجدية 3/290)
3) اختيار الشيخ المربي والرفيق الصالح:
ويختار الشيخ المربي ذي اللسان الورع والخلق الحسن ويعامله معاملة حسنة فيحسن السؤال ويحسن الإنصات، ويحرص على المذاكرة والحضور.
ويختار الرفيق الصالح الحريص على العلم، ويتجنب اللعاب البحاث عن الخلاف والقيل والقال، المنشغل بما لا يعنيه.

4) العناية بكتب أهل السنة:
ويعتني بالكتب لا سيما التفاسير الموثوقة، ومصنفات أهل السنة في الاعتقاد، وكتب السنة والآثار السلفية، والفقه المبني على الدليل.
ويكون له عناية خاصة بكتب الإمامين ابن تيمية وابن القيم والمجدد محمد بن عبدالوهاب، وعلماء الدعـوة السلفية، وكتب المحققين، أهل العلم بالسنة والأثر كابن عبدالبر، والذهبي، وابن كثير، وابن رجب وابن حجر، والشوكاني، ومحمد الأمين الشنقيطي، وأمثالهم من المتقدمين والمتأخرين رحمهم الله أجمعين، مع العناية بمصنفات علوم العربية.
* منهج دراسة العلوم الإسلامية:
1) منهج دراسة التوحيد:
فيبدأ بالثلاثة أصول، والقواعد الأربعة، فكشف الشبهات، فكتاب التوحيد مع فتح المجيد .
ثم يقرأ تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد والواسطية، والحموية لشيخ الإسلام، ثم يقرأ التدمرية له، فمختصر الصواعق المرسلة لابن القيم، وشرح العقيدة الطحاوية.
ثم يكون متأهلاً إن شاء الله لمطولات هذا الباب كأجزاء العقيدة من مجموع فتاوى ابن تيمية ومنهاج السنة النبوية ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية ونحوها.
2) منهج دراسة الفقه:
بعد أن يتعلم المبتديء فروضه العينية في العبادات من الكتب المبينة لوصف عبادة النبي صلى الله عليه وسلم.
يبدأ الطالب لعلم الفقه في التفقه على مذهب الحنابلة مثلاً، فيقرأ مختصر ابن قدامة (عمدة الفقه) ابتداءً، ثم يطالع بعده الروض المربع شرح زاد المستنقع، فإذا أتقنه طالع الكافي لابن قدامة، فالمغني له..
قال الإمام الذهبي: "ولكن شأن طالب العلم أن يدرس أولاً مصنفاً في الفقه فإذا حفظه بحثه وطالع الشروح فإن كان ذكياً، فقيه النفس، ورأى حجج الأئمة فليراقب الله وليحتط لدينه..." (سير أعلام النبلاء 8/90)
ثم يتأهل -إن كان ذكياً نابهاً- بعد ذلك للبحث والاستدلال في الفقـه، وليحرص طالب علم الفقه أثناء الطلب على معرفة الدليل ولو في الجملة ويوطن نفسه على ترك التعصب، وعلى التجرد للدليل الصحيح وإن خالف مذهبه.
وليحفظ مع المسائل أدلتها من السنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وليجتهد أن يعتصم في كل باب من أبواب العلم بأصل مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم" (مجموع الفتاوى 10/664)
ودراسة الفقه على المذهب لا غنى للطالب عنها، إذ لا يمكنه التعرف على دقائق الفقه وفروعه، ولا تحصيل ملكه الاستدلال على المسائل، ولا الدربة على إلحاق الوقائع بالنصوص، وتعليل الأحكام، ومعرفة القياس وطرق الفقهاء في استنباط الفتوى من دلالات الألفاظ، والترجيح في مسائل الخلاف لا يمكنه ذلك بعيداً عن دراسة المذاهب المشهورة المخدومة.
لكن يجب على طالب علم الفقه أن يعود قلبه التجرد للدليل، ولا يجوز له اعتقاد أنه متعبد لله بما في مذهبه عزائمه ورخصه، وان خالف الدليل، ويتعصب له، فإن ذلك محرم عند الأئمة جميعاً.
قال الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله: "وإذا تفقه الرجل في مذهب من المذاهب الأربعة ثم رأى حديثاً يخالف مذهبه فاتبع الدليل وترك مذهبه كان مستحباً بل واجباً عليه إذا تبين له الدليل، ولا يكون بذلك مخالفاً لإمامه الذي اتبعه، فإن الأئمة كلهم متفقون على هذا الأصل أبو حنيفة ومالك الشافعي، وأحمد رضي الله عنهم أجمعين، قال الإمام مالك: "كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وقال الشافعي لأصحابه: "إذا صح الحديث عندكم فاضربوا بقولي عرض الحائط". وفي لفظ إذا صح الحديث عندكم فهو مذهبي، وقال الإمام أحمد رحمه الله: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان...
وأما إذا لم يكن عند الرجل دليل في المسألة يخالف القول الذي نص عليه العلماء أصحاب المذاهب فنرجو أنه يجوز له العمل به لأن رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا، وهم إنما أخذوا الأدلة من أقوال الصحابة فمن بعدهم ولكن لا ينبغي الجزم بأن هذا شرع الله ورسوله حتى يتبين الدليل الذي لا معارض له في المسألة، وهذا عمل سلف الأمة وأئمتها قديماً وحديثاً والذي ننكره هو التعصب للمذاهب، وترك اتباع الدليل" (الدرر السنية 4/7)
وقال العلامة عبدالرحمن أبا بطين: "فإن كان له فهم قوي وإدراك بحيث إذا نظر المسائل الخلافية ورأى أدلة كل من المختلفين، وكان فيه ذكاء وفطنه يدرك به الراجح من المرجوح فيما يراه عمل بما ترجح عنده فإذا كان طالب العلم متمذهباً بأحد المذاهب الأربعة ثم رأى دليلاً مخالفاً لمذهب إمامـه، وذلك الدليل قد أخذ به بعض أئمة المذاهب، ولم يعلم له معارضاً فخالف مذهبه وتبع ذلك الإمـام الذي أخذ بالدليل كان مصيباً بل هذا هو الواجب عليه" (مجموع الرسائل والمسائل النجدية 2/152)
3) منهج دراسة التفسير:
يبدأ بتفسير السعدي (تيسير الكريم المنان)، ثم بعده تفسير ابن كثير، ففتح القدير للشوكاني، وأضواء البيان للشنقيطي، ثم يقرأ في التفاسير المطولة كابن جرير الطبري.

4) منهج دراسة الحديث:
يبدأ بالأربعين النووية ورياض الصالحين، ثم بلوغ المرام ثم الصحيحين والكتب الستة، ثم يطالع شروح الحديث.
ويقرأ في مصطلح الحديث اختصار علوم الحديث لابن كثير، فالنخبة لابن حجر، فتدريب الراوي للسيوطي، ويدرس طرق التخريج، والحكم على الأسانيد مع التدريب على ذلك عملياً على يد شيخ متقن..
5) منهج دراسة أصول الفقه:
يقرأ الورقات للجويني فشرح لها، فروضة الناظر، ثم شرح الكوكب المنير لابن النجار، ويقرأ بعد ذلك، الموافقات للشاطبي، وفي القواعد الفقهية كتاب السعدي..
6) منهج دراسة السيرة:
يقرأ في السيرة: الفصول في سيرة الرسول لابن كثير، ثم سيرة ابن هشام، وزاد المعاد لابن القيم..
7) منهج دراسة التاريخ:
ويقرأ في التاريخ: البداية والنهاية، والعواصم من القواصم لابن العربي، ثم سير أعلام النبلاء للذهبي.
* ويقرأ في علم الدعوة الأصول العلمية للدعوة السلفية لعبدالرحمن بن عبدالخالق ورسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية.
* ويقرأ في النحو: شرح متن الآجرمية ومتممة ابن الأهدل ثم قطر الندى، ثم شذور الذهب في معرفة كلام العرب، فشرح الألفية لابن عقيل
* ويقرأ في البلاغة: البلاغة الواضحة للجارم، ثم تلخيص المفتاح للقزويني.
8) منهج دراسة الزهد والسلوك:
يبدأ الطالب بقراءة الجواب الكافي، ثم مقدمة إغاثة اللهفان من وساوس الشيطان، ثم مدارج السالكين وكلها لابن القيم، ورسالة في أعمال القلوب لابن تيمية (التحفة العراقية في الأعمال القلبية) ، ويقرأ (أخلاق حملة القرآن) للآجري.
ويطالع في صفة الصفوة لابن الجوزي، وتراجم السلف في الأجزاء المروية في الزهد والرقائق ككتاب الزهد لهناد ولوكيع بن الجراح، والإمام أحمد بن حنبل.

* جماع أمر الطلب:
وإذا حصل الطالب جل ما في الكتب المتقدمة أو نحوها مما يتضمن ما فيها من المعارف، تأهل إن شاء الله لتعليم الناس وإفتائهم في عامة ما يحتاجونه من أمور الدين والتأليف في ذلك.
فإن تعاهد الإطلاع على المطولات، ومارس الفقه والاستنباط، وباحث أهل العلم والفتوى وأمعن النظر في فن الخلاف تأهل إن شاء الله للفتوى في النوازل والتصنيف في دقيق العلم، والإمامـة في الدين على قدر ما يؤتى من التقوى، ويجتهد في التحصيل على قدر ما يوهب من استعداد الذهن وذكاء العقل.
هذا وإن أعظم سبب في تحصيل المقصود هو التقوى، قال الإمام عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن عبدالوهاب: "وأما السبب في تحصيله فلا أعلم سبباً أعظم وأنفع وأقرب في تحصيل المقصود من التقوى قال تعالى: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به كان خيراً لهم وأشد تثبيتاً} (النساء:66)
وفي الأثر: (من عمل بما علم ورثة الله علم ما لم يعلم)
قال الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نـــور ونور الله لا يؤتاه عــاصي
ومن الأسباب الموجبة لتحصيله، الحرص والاجتهاد. قال تعالى: {ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم} ومنها إصلاح النية، وإرادة وجه الله والدار الآخرة، فإن النية عليها مدار الأعمال ولا يتم أمر ولا تحصل بركته إلا بصلاح القصد والنية" (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية 3/290)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد أوعبت الأمة في كل فن من فنون العلم إيعاباً فمن نور الله قلبه هداه بما يبلغه من ذلك ومن أعماه لم تزده كثرة الكتب إلا حيرة وضلالاً" (مجموع الفتاوى 10/66)
***********
******
أخوكم في الله سكوب سنتر
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 21-05-2003, 03:59 PM
ali 999 ali 999 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2002
المشاركات: 1,349
افتراضي

جزاك اله خير ورايت الرفع لقيمة الموضوع
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 21-05-2003, 10:36 PM
نواف2002 نواف2002 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2001
المشاركات: 7,023
افتراضي

بارك الله فيك اخي الكريم وفي نقلك الطيب وجعل مانقلت لنا في موازين حسناتك
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 21-05-2003, 10:51 PM
شوق23 شوق23 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jul 2002
المشاركات: 4,093
افتراضي

جزاك الله خيرا وجعلها في ميزان حسناتك اخي الكريم

تحياتي

اختك في الله
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:52 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com