عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 11-07-2002, 01:49 AM
عمرو على محمد عمرو على محمد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jul 2002
المشاركات: 136
افتراضي حكم تغطية وجه المرأة




بسم الله الرحمن الرحيم .
إن الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، ثم أما بعد ،
قرأت أكثر من موضوع عن حكم تغطية المرأة لوجهها ، وكان القول بأنهم يجب ، وإن كان الصحيح أنه من قبيل السنة والإستحباب لذا نتوكل على الله ـ تعالى ـ وأناقش الأمر معكم ،
بسمه تعالى : البحث الأول: آية الجلباب: {... يدنين عليهن من جلابيبهن} (الأحزاب: 95).

1- يصرُّ المخالفون المتشددون على المرأة على أن معنى { يدنين}: يغطِّن وجوههن، وهو خلاف معنى أصل هذه الكلمة: " الإدناء" لغة، وهو التقريب، - وعلى ذلك فهو ليس نصّاً في تغطية الوجه، وأن على المخالفين أن يأتوا بما يرجِّح ما ذهبوا إليه، وذلك مما لم يفعلوا، ولن يفعلوا، إلا الطعن على من خالفهم ممن تبع سلف الأمة ومفسريهم وعلماءهم. وهذا هو الإمام الراغب الأصبهاني يقول في " المفردات":
" (دنا)، الدنو: القرب… ويقال: دانيت بين الأمرين وأدنيت أحدهما من الآخر …"، ثم ذكر الآية. وبذلك فسرها ترجمان القرآن عبد الله بن عباس فيما صح عنه، فقال:: "تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به"، كما سيأتي تخريجه.
وهذا هو الشيخ التويجري- من كبار دعاة القول بأن وجه المرأة واجب التغطية - يقول في آخر كتابه المذكور (249):
" ومن أباح السفور للنساء- (يعني: سفور الوجه فقط) - واستدل على ذلك بمثل ما استدل به الألباني، فقد فتح باب التبرُّج على مصراعيه، وجرّأ النساء على ارتكاب الأفعال الذميمة التي تفعلها السافرات الآن"
كذا قال – أصلحه الله وهداه- فإن هذا التهجم والطعن لا ينال الألبانى وحده، بل يصيب أيضاً الذين هم قدوته وسلفه من الصحابة والتابعين والمفسرين والفقهاء ، وحسبنا منها الآن مثالاً واحداً، وهو ما جاء في "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد ابن حنبل" للشيخ علاء الدين المرداوي (1/452)، قال:
" الصحيح من المذهب أن الوجه ليس من العورة".

ثم ذكر مثله في الكفين، وهو اختيار ابن قدامة المقدسي في " المغني" 1/637)، واستدل لاختياره بنهيه صلى الله عليه وسلم المحرمة عن لبس القفازين" لو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء".

وهو الذي اعتمده وجزم به في كتابه" العمدة" (66).

فما رأي الشيخ التويجري بهذا النص من هذا الإمام الحنبلي الجليل؟! أتظنُّه داعية للسفور أيضاً، وفاتحاً لباب التبرج على مصراعيه،و …؟!

ولو أن الشيخ- هداه الله- قدَّم رأيه للناس ودافع بالأدلة الشرعية الصحيحة لقلنا: مرحباً به، أم أخطأ. أما أن يسلِّط " صارمة" على من خالفه في رأيه، ويطعن به حتى على القوارير- التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق بهن- لمجرد أنهنَّ خالفنه، واتَّبعن الصحيح من "مذهبه" ! فهذه مخالفة أخرى مذهبية، فقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى:
" لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه".

البحث الثاني: يزعم كثير من المخالفين المتشددين: أن (الجلباب) المأمور به في آية الأحزاب هو معنى (الحجاب) المذكور في الآية الأخرى: { فاسألوهن من وراء حجاب} (الأحزاب: 53)، وهذا خلط عجيب، حملهم عليه علمهم بأن الآية الأولى لا دليل فيها على أن الوجه والكفين عورة، بخلاف الأخرى، فإنها في المرأة وهي في دارها، إذ إنها لا تكون عادة متجلببة ولا مختمرة فيها، فلا تبرز للسائل، خلافاً لما يفعل بعضهن اليوم ممن لا أخلاق لهن، وقد نبَّه على هذا الفرق شيخ الإسلام ابن تميمة فقال في " الفتاوى" (15/448):

" فآية الجلابيب في الأدرية عند البروز من المساكن، وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن".

قلت: فليس في أي من الآيتين ما يدل على وجوب ستر الوجه والكفين.

أما الأولى فلأن الجلباب هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها- وليس على وجهها- كما هو مذكور فيما يأتي من الكتاب (ص83)، وعلى هذا كتب اللغة قاطبة، ليس في شيء منها ذكر للوجه البتة.

وقد صح عن ابن عباس أنه قال في تفسيرها:

" تدني الجلباب إلى وجهها، ولا تضرب به".

أخرجه أبو داود في " مسائله" (ص 110)، وما خالفه إما شاذ أو ضعيف، والتفصيل في تلك المقدمة.

وأما الآية الأخرى، فلما ذكرت آنفاً.

البحث الثالث: ومن تناقضهم، أنهم- في الوقت الذي يوجبون على المرأة أن تستر وجهها- يجيزون لها أن تكشف عن عينها اليسرى وتسامح بعضهم فقال: بالعينين كلتيهما ! بناء على بعض الآثار الواهية التي منها حديث لبن عباس الآتي في الكتاب (ص 88)، وروي عنه ما يناقضه بلفظ:
" وإدناء الجلباب أن تقنّع وتشده على جبينها". وهذا نص قولنا: إنه لا يشمل الوجه. ولذلك كتمه كل المخالفين، ولم يتعرضوا له بذكر! وهو ضعيف السند، لكن له شواهد كما يأتي، ولقد صدق من قال: أهل السنة يذكرون ما عليهم، وأهل الأهواء يذكرون ما لهم ولا يذكرون ما عليهم! ومن ذلك أن الشيخ عبد القادر السندي كتم في رسالته " الحجاب" إحدى علَّتي أثر ابن عباس الأول، وهوَّن من شأن الأخرى (ص19-20) ! واغترَّ به مؤلف " يا فتاة الإسلام" فصرح (ص 252) بصحته! وكذا صححه مؤلف" فقه النظر في الإسلام" (ص65) !
وأسوأ من ذلك ما فعله المسمى ب (درويش) فيما سماه ب "فصل الخطاب" حيث غيَّر إسناده، فجعله في موضعين منه (46-82) من رواية محمد بن سيرين عن ابن عباس. وهو محض افتراء! لا أصل له من هذه الرواية، ولا أدري إذا كان هذا منه عن عمد أو سهو؟!
ويبدو لي أنهم- لشعورهم في قرارة نفوسهم بضعف حجتهم- يلجؤون إلى استعمال الرأي ولغة العواطف- أو ما يشبه الفلسفة- فيقولون: إن أجمل ما في المرأة وجهها، فمن غير المعقول أن يجوز لها أن تكشف عنه! فقيل لهم: وأجمل ما في الوجه العينان، فعمّوها إذن، ومروها أن تسترهما بجلبابها! وقيل لهم على طريق المعارضة: وأجمل ما في الرجل- بالنسبة للمرأة- وجهه، فمروا الرجال أيضاً- بفلسفتكم هذه أن يستروا وجوههم أيضاً أمام النساء، وبخاصة من كان منهم بارع الجمال، كما ورد في ترجمة أبي الحسن الواعظ المعروف بـ (المصري): "انه كان له مجلس يتكلم فيه ويعظ، وكان يحضر مجلس وعظه رجال ونساء، فكان يجعل على وجهه برقعاً تخوّفاً أن يفتتن به النساء من حسن وجهه". " تاريخ بغداد" (12/75-76).

فماذا يقول فضيلة الشيخ التويجري- ومن يجري وراءه من المتفلسفين- أمشروع ما فعله هذا المصري أم لا؟! مع علمهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجمل منه ولم يفعل فعله! فإن قلتم بشرعيته، خالفتم سنة نبيكم وضللتم، وهذا مما لا نرجوه لكم، وإن قلتم بعدمها- كما هو الظن بكم- أصبتم، وبطلت فلسفتكم، ولزمكم الرجوع عنها، والاكتفاء في ردكم عليّ بالأدلة الشرعية إن كانت عندكم فإنَّها تغنيكم عن زخرف القول، وإلا حشرتم أنفسكم في (الآرائيين) ! كما روى أحمد في " العلل" (2/246) عن حماد بن سلمة قال:
" إن أبا حنيفة استقبل الآثار والسنن يردُّها برأيه"!

البحث الرابع: الخمار والاعتجار، قوله تعالى: { وليضربن بخمرهن على جيوبهم}.

الخمار: غطاء الرأس فقط دون الوجه، واستشهدنا على ذلك بكلام بعض العلماء: كابن الأثير وابن كثير، فأبى ذلك الشيخ التويجري- ومن تبعه من المذهبيين والمقلدين- وأصر على أنه يشمل الوجه أيضاً، وكرر ذلك في غير موضع، وتشبّث في ذلك ببعض الأقوال التي لا تعدو أن تكون من باب زلة عالم، أو سبق قلم، أو في أحسن الأحوال تفسير مراد وليس تفسير لفظ، مما لا ينبغي الاعتماد عليه في محل النزاع والخلاف، وفي الوقت نفسه أعرض عن الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة، وأقوال العلماء والأئمة من المفسرين والمحدثين والفقهاء واللغويين المخالفة له، وبعضها مما جاء في كتابه هو نفسه، ولكنه مر عليها وكتم دلالتها مع الأسف الشديد.

من ذلك أنه لما ساق آية: { والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن…} (النور:60) الآية، وتكلم عليها في نحو صفحتين (161-163) بكلام مفيد، ولكنه لم يوضح لقرائه ما هو المقصود من النقول التي ذكرها في تفسير: { ثيابهن} بأنها الجلباب، ومنها قوله:

" وقال أبو صالح: تضع الجلباب، وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار. وقال سعيد بن جبير: فلا بأس أن يضعن عند غريب أو غيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق ".

وبهذا صرَّح جمع من الحنابلة وغيرهم، فذكر ابن الجوزي في " زاد المسير" (6/36) عن أبي يعلى- يعني: القاضي الحنبلي- أنه قال:

" وفي هذه الآية دلالة على أنه يباح للعجوز كشف وجهها ويديها بين يدي الرجال".

ونحوه في " أحكام القرآن" للحصاص (3/334)، وأشار إلى هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية في " تفسير سورة النور" (ص 57) ونقله التويجري (ص 167) محتجاً به، وهذا كله يدل على أن هؤلاء الأفاضل من علماء السلف والخلف يرون أن الخمار لا يستر الوجه، وإنما الرأس فقط كما هو قولنا، ومن يتأمل في بعض أجوبة الشيخ التكلفة يتأكد من أنه يرى ذلك معنا، ولكنه يجادل ويكابر ويتكتم، فانظر مثلاً جوابه عن حديث جابر الآتي في الكتاب (ص 60) وفيه:" أنه رأى امرأة سفعاء الخدين".

فأجاب الشيخ (ص 208) باحتمال أن " تلك المرأة كانت من القواعد… " ! يعني: فكشف وجهها مباح، كما صرَّح به الشيخ ابن عثيمين في" رسالته" (ص 32)، وأما التويجري، فيلغز ويعمي ولا يفصح لقرائه، فهل يصح هذا الجواب من الشيخ، وهو يصر على أن الخمار يستر الوجه أيضاً؟!

واعلم أن المقصود من ذكر آية (القواعد) هذه، إنما هو إقامة الحجة على الشيخ بما تبناه لـ (القاعد) أن تظهر بخمارها" بحضرة الرجال الأجانب" يرون وجهها، ومعنى ذلك عندهم- الشيخ تبع لهم في ذلك- أن الخمار لغة لا يستر الوجه، وهذا وحده يكفي حجة على الشيخ هداه الله تعالى، فكيف إذا انضم إلى ذلك ما سيأتي من السنة وأقوال العلماء في كل علم، فيكون الشيخ مخالفاً لإجماعهم ومتَّبعاً غير سبيلهم؟!

أقول هذا لكي أذكِّر بأن هناك قولاً آخر في تفسير: { ثيابهنَّ) وهو الخمار، وهو الأصح عن ابن عباس كما سيأتي ، وقد كتم الشيخ هذا القول كعادته فيما لا يوافق هواه، خلافاً لأهل السنة الذين يذكرون ما لهم وما عليهم كما تقدم، وإذ قد اختار هو القول الأول وهو (الجلباب)، لزمه القول بأن (الخمار) لا يستر الوجه، وهو المراد.
واختار ابن القطان الفاسي في" النظر في أحكام النظر" القول الآخر، فقال (ق 35/2):
"الثياب المذكورة هي الخمار والجلباب، رُخِّص لها أن تخرج دونهما وتبدو للرجال… وهذا قول ربيعة بن عبد الرحمن. وهذا هو الأظهر، فإن الآية إنما رخصت في وضع ثوب إن وضعته ذات زينة أمكن أن تتبرج…" إلى آخر كلامه، وهو نفيس جداً، ولولا أن المجال لا يتحمل التوسع لنقلته برمَّته،فإني لم أره لغيره.
وأما مخالفته للسنة فهي كثيرة، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:
" لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار".
وهو حديث صحيح مخرج في " الإرواء" (196) برواية جمع، منهم ابن خزيمة، وابن حبَّان في " صحيحيهما".

فهل يقول الشيخ بأنه يجب على المرأة البالغة أن تستر وجهها في الصلاة؟!
ومثله قوله صلى الله عليه وسلم في المرأة التي نذرت أن تحج حاسرة:
" ومرورها فلتركب، ولتختمر، ولتحج".
وفي الرواية:" وتغطي شعرها".

وهو صحيح أيضاً مخرج في "الأحاديث الصحيحة" (2930).
فهل يجيز الشيخ للمحرمة أن تضرب بخمارها على وجهها وهو يعلم قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تتنقب المرأة المحرمة …؟!ومثل ذلك أحاديث المسح على الخمار في الوضوء فعلاً منه صلى الله عليه وسلم وأمراً، رجالاً ونساء، فمن ذا الذي يقول بقول الشيخ المخالف للقرآن والسنة وأقوال العلماء أيضاً، كما تقدم في تفسير آية القواعد؟! ولدينا مزيد كما يأتي.
ومن ذلك قول العلامة الزبيدي في" شرح القاموس" (3/ 189) في قول أم سلمة رضي الله عنهما: إنها كانت تمسح على الخمار. أخرجه ابن أبي شبيبة في " المصنف" (1/22):
" وأرادت ب (الخمار): العمامة، لأن الرجل يغطي بها رأسه، كما أن المرأة تغطيه بخمارها". وكذا في " لسان العرب".
وفي "المعجم الوسيط" – تأليف لجنة من العلماء تحت إشراف" مجمع اللغة العربية" – ما نصه:
" الخمار: كل ما ستر ومنه خمار المرأة، وهو ثوب تغطي به رأسها، ومنه العمامة، لان الرجل يغطي بها رأسه، ويديرها تحت الحنك".
فهذه نصوص صريحة من هؤلاء العلماء على أن الخمار بالنسبة للمرأة كالعمامة بالنسبة للرجل، فكما أن العمامة عند إطلاقها لا تعني تغطية وجه الرجل، فكذلك الخمار عند إطلاقه لا يعني تغطية وجه المرأة به.
وعلى هذا جرى العلماء على اختلاف اختصاصاتهم من: المفسرين، والمحدثين، والفقهاء، واللغويين، وغيرهم، سلفاً وخلفاً، وقد تيسر لي الوقوف على كلمات أكثر من أربعين واحداً منهم، وقد أجمعت كلها على ذكر الرأس دون الوجه في تعريفهم للخمار، أفهؤلاء الأساطين- أيها الشيخ!- مخطئون- وهم القوم لا يشقى متبعهم- وأنت المصيب؟!
1- فمن المفسرين: إمامهم ابن جرير الطبري (ت310) والبغوي أبو محمد (169) والزمخشري (538) وابن العربي (553) وابن تيمية (728) وابن حيان الأندلسي (754) وغيرهم كثير كثير ممن ذكرنا هناك.
2- ومن المحدثين: ابن حزم (ت456) والباجي الأندلسي (474) وزاد هذا بياناً وردّاً على مثل الشيخ وتهوّره، فقال:
" ولا يظهر منها غير دور وجهها".
وابن الأثير (ت606) والحافظ ابن حجر العسقلاني (ت852)، ونص كلامه:
" والخمار) للمرأة كالعمامة للرجل".
وهنا لا بد لي من الوقفة- وإن طال الكلام أكثر مما رغبت- لبيان موقف للشيخ التويجري غير مشرف له في استغلاله لخطأ وقع في شرح الحافظ لحديث عائشة الآتي في الكتاب (78) في نزول آية (الخُمُر) المتقدمة، وبتره من شرح الحافظ نص كلامه المذكور لمخالفته لدعواه! فقال الحافظ في شرح قول عائشة في آخر حديثها:" فاختمرن بها" (8/490):
" أي: غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها، وترميمه من الجانب الأيسر، وهو التقنع. قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها، وتكشف ما قدامها، فأمرن بالاستتار، و (الخمار) …" إلى آخر النص.



فأقول: لقد ردّ الشيخ في كتابه (ص 221) القول الموافق لأهل العلم –كما علمت- بتفسير الحافظ المذكور: "غطين وجوههن"، وأضرب عن تمام كلامه الصريح في أنه لا يعني ما فهمه الشيخ، لأنه يناقض قوله: " وصفة ذلك …" فإن هذا لو طبَّقه الشيخ في خماره لوجد وجهه مكشوفاً غير مغطى! ويؤكد ذلك النص الذي بتره الشيخ عمداً أو تقليداً، وفيه تشبيه الحافظ خمار المرأة بعمامة الرجل، فهل يرى الشيخ أن العمامة أيضاً- كالخمار عنده- تغطي الرأس والوجه جميعاً؟! وكذلك قوله:" وهو التقنع"، ففي كتب اللغة:" تقنعّت المرأة أي: لبست القناع وهو ما تغطي به المرأة رأسها"، كما في " المعجم الوسيط" وغيره، مثل الحافظ نفسه فقد قال في " الفتح" (7/235 و 10/274):
" التقنع: تغطية الرأس" وإنما قلت: أو تقليداً. لأني أربأ بالشيخ أن يتعمد مثل هذا البتر الذي يغيّر مقصود الكلام، فقد وجدت من سبقه إليه من الفضلاء المعاصرين، ولكنه انتقل إلى رحمة الله وعفوه، فلا أريد مناقشته. عفا الله عنا وعنه.وبناءً على ما سبق فقوله: " وجوههن"، يحتما أن يكون خطأ من الناسخ، أو سبق قلم من المؤلف، أراد أن يقول: "صدورهن" فسبقه القلم! ويحتمل أن يكون أراد معنىً مجازياً أي: ما يحيط بالوجه من باب المجاورة فقد وجدت فى "الفتح" نحوه في موضع آخر من تحت حديث البراء رضي الله عنه:" أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ بالحديد …" الحديث. رواه البخاري وغيره، وهو مخرج في " الصحيحة" (2932) فقال الحافظ (6/ 25):

" قوله: "مقَنَّع" بفتح القاف والنون المشددة: وهو كناية عن تغطية وجهه بآلة الحرب"

فإنه يعني ما جاور الوجه، وإلا لم يستطع المشي فضلاً عن القتال كما هو ظاهر.

وبعد هذا، فلنعد إلى ما كان في صدده من ذكر أسماء المحدثين المفسرين للخمار بغطاء الرأس:

بدر الدين العيني (ت855) في " عمدة القاري" (19/ 92) وعلي القاري (ت1014) والصنعاني (ت 1182) والشوكاني (ت125) وأحمد محمد شاكر المصري (ت1377) وغيرهم.

3- ومن الفقهاء: أبو حنيفة (ت150) وتلميذه محمد بن الحسن (ت189) في " الموطأ) وستأتي عبارته والشافعي القرشي (ت204) والعيني (855) وتقدم قال في " البناية في شرح الهداية" (2/58):

" وهو ما تغطي به المرأة رأسها"

4- ومن اللغويين: الراغب الأصبهاني (ت502) قال في كتابه الفريد" المفردات في غريب القرآن" (ص159):

" الخمر، أصل الخمر: ستر الشيء ويقال لما يستتر به: (خمار) لكن (الخمار) صار في التعارف اسماً لما تغطي به المرأة رأسها، وجمعه (خُمُر) قال تعالى: { وليضربن بخمرهن على جيوبهن} وابن منظور (ت711) والفيروز أبادي (816) وجماعة من العلماء المؤلفين ل" المعجم الوسيط"- كما تقدم- مع نص قولهم الصريح في أنه غطاء الرأس.

من أجل هذه النقول عن هؤلاء الأئمة الفحول، لم يسع الشيخ الفاضل محمد بن صالح بن عثيمين إلا أن يخالف الشيخ في تعصبه لرأيه، ويوافق هؤلاء الأئمة فقال في رسالته (ص6):

" (الخمار):ما تخمّر به المرأة رأسها وتغطيه به ك (الغدفة) ".

قلت: فبهذه الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أئمة التفسير والحديث والفقه واللغة، ثبت قولنا: إن الخمار غطاء الرأس وبطل قول الشيخ التويجري ومقلديه، كابن خلف الذي زعم (ص 70) من " نظراته" " أن الخمار عام لمسمى الرأس والوجه لغة وشرعاً. واغترَّ به-مع الأسف- محمد بن إسماعيل الإسكندراني، فطبع في كتابه" عودة الحجاب" (3/285) عنواناً نصه:" الاختمار لغة يتضمن تغطية الوجه". ثم لم يأتيا على ذلك بأي دليل، سوى البيتين من الشعر اللذين كان الالبانى ساقهما في كتابه (ص73) مؤيداً قوله هناك: بأنه لا ينافي كون الخمار غطاء الرأس أن يستعمل أحياناً لتغطية الوجه، واستدل على ذلك ببعض الأحاديث فتجاهلوها مع الأسف ولم يحيروا جواباً!

وأزيد هنا فأقول: قد جاء في قصة جوع النبي صلى الله عليه وسلم أن أنساً رضي الله عنه قال عن أم سُلَيم:

" فأخرجت أقراصاً من شعير، ثم أخرجت خماراً لها فلفت الخبز ببعضه…" الحديث.

أخرجه البخاري (3578) ومسلم (6/ 118) وغيرهما.

والشاهد منه واضح وهو أن الخمار الذي تغطي المرأة به رأسها قد استعملته في لف الخبز وتغطيه، فهل يقول أحد: إن من معاني الخمار إذا أطلق أنه يغطي الخبز وتغطيه؟! لا أستبعد أن يقول ذلك أولئك الذين تجرؤوا على مخالفة تلك النصوص المتقدمة من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة الدالة على أن (الخمار) غطاء الرأس دون دور وجهها، فقال أولئك: ووجهها. لا لشيء، إلا لأنه قد استعمل لتغطية الوجه كالجلباب ! ولو أحياناً!

وإذا عرفت هذا فمن أخطاء التويجري- ومن لفَّ لفَّه- قوله بعد تفسيره الخمار بما تبين خطؤه (ص122):

" فالاعتجار مطابق للاختمار في المعنى".

فأقول: نعم هو كذلك بالمعنى الصحيح المتقدم للاختمار وأما بمعنى تغطية الوجه عند الإطلاق فهو باطل لغة ولا أريد أن أطيل في نقل الشواهد على ذلك من كلام العلماء، وإنما أكتفي هنا على ما قاله الإمام الفيروزأبادي في " قاموسه" والزبيدي في " تاجه" عاجلاً كلام الأول بين هلالين قال (3/383):
" (الاعتجار): لي الثوب على الرأس من غير إدارة تحت الحنك وفي بعض العبارات: هو " لف العمامة دون التلحِّي) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه دخل مكة يوم الفتح معتجراً بعمامة سوداء" المعنى: أنه لفها على رأسه ولم يتلح بها. والمعجر (كمنبر: ثوب تعتجر به) المرأة أصغر من الرداء وأكبر من المقنعة وهو ثوب تلفّه المرأة على استدارة رأسها ثم تجلبب فوقه بجلبابها، كالعجار ومنه أخذ الاعتجار بالمعنى السابق".

قلت: وهذا لا ينافي ما احتجَّ به الشيخ التويجري لدعواه بقوله (ص 161):

" قال ابن كثير: وفي حديث عبدالله بن عدي بن الخيار: جاء وهو معتجر بعمامته ما يَرى وحشي منه إلا عينيه ورجليه. الاعتجار بالعمامة: هو ن يلفّها على رأسه ويَرُدُّ طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئاً تحت ذقنه. انتهى". قلت: لا ينافي هذا ما تقدم عن العلماء باللغة من الشرح لـ (الاعتجار) لأن ما قاله ابن الأثير مصرح به في الحديث: " ما يرى منه إلا عينيه" فهو صفة كاشفة لـ (الاعتجار) وليست لازمة له كما لو قال قائل: (جاء مختمراً أو متعمماً لا يرى منه إلا عيناه) فذلك لا يعني عند من يفهم اللغة أن من لوازم الاختمار والتعمم تغطية الوجه إلا العينين. ولذلك لم يزد الحافظ في " الفتح" (7/ 369) على قوله:
" (معتجر) أي: لافّ عمامته على رأسه من غير تحنيك".
وجملة القول: إن الخمار والاعتجار عند الإطلاق إنما يعني: تغطية الرأس فمن ضمَّ إلى ذلك تغطية الوجه فهو مكابر معاند لما تقدم من الأدلة وعلى ذلك يسقط استدلال الشيخ – ومن قلده- بالأحاديث التي فيها اختمار النساء أو اعتجارهن على دعواه الباطلة شرعاً ولغة ويسلم لنا –في الوقت نفسه- استدلالنا بآية (الخمار) وحديث فاطمة الآتي على أن وجه المرأة ليس بعورة كما سيأتي بيانه هناك. والله المستعان

البحث الخامس: هل أجمع المسلمون على أن وجه المرأة عورة وأنها تمنع أن تخرج سافرة الوجه؟

ذلك ما ادَّعاه الشيخ التويجري-هداه الله وقلده فيه بعضهم- يعيد ذلك ويكرره في مواضيع كثيرة وفي صفحات عديدة متقاربة من كتابه لا يكل ولا يمل! (156و197و 217و244و245و147) يفعل هذا وهو يعلم في قرارة نفسه أن لا إجماع فيه لأنه يمر على الخلاف ولا ينقله وقد ينقله ثم يتجاهله! كما سيأتي بيانه قريباً بما لا يدع أي شك في ذلك وكلامه في ذلك مختلف لفظاً متفق معنىً وحسبي أن أنقل منه نصين فقط طلباً للاختصار:

الأول: قوله (ص197 و 217) بالحرف الواحد:

" وحكى ابن رسلان: اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه. نقله الشوكاني عنه في (نيل الأوطار) "

فأقول: إليك نص ما في " نيل الأوطار" (6/98- البابي الحلبي) تحت حديث عائشة:

" يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه":

" وفيه دليل لمن قال: إنه يجوز نظر الأجنبية. قال ابن رسلان: وهذا عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو دونه أما عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق. وحكى القاضي عياض عن العلماء: أنه لا يلزم ستر وجهها في طريقها، وعلى الرجال غض البصر للآية وقد تقدم الخلاف في أصل المسألة".
قلت: يشير إلى بحث له في الباب الذي قبل حديث عائشة المذكور آنفاً شرح فيه آية: { ولا يُبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} (النور: 31) ونقل تحتها تفسير الومخشري للزينة فيها ومنه قوله:
"فما كان ظاهراً منها كالخاتم والكحل والخضاب فلا بأس بإبدائه للأجانب…".
ثم قال الشوكاني عقبه:

" والحاصل: أن المرأة تبدي من مواضع الزينة ما تدعو الحاجة إليه الحاجة عند مزاولة الأشياء والبيع والشراء والشهادة، فيكون ذلك مستثنى من عموم النهي عن إبداء مواضع الزينة وهذا على ما يدل على أن الوجه والكفين مما يستثنى"

فتأمل أيها القارئ الكريم! هل المسألة مجمع عليها كما قال الشيخ أولاً؟! وهل كان أميناً في نقله لكلام ابن رسلان، ثم لكلام الشوكاني ثانياً؟! والذي تبنى ما دل عليه حديث عائشة الذي قويناه في الكتاب (ص 75- 60) كما تبنَّاه مجد الدين ابن تيمية رحمه الله بترجمته له بـ" باب أن المرأة عورة إلا الوجه والكفين"، أما الشيخ فضعفه بشطبة قلم –كما يقال- ولم يعرّج على الشاهد وعمل السلف وتقوية الحافظ البيهقي وغيره كما سيأتي فأغمض عينيه عن ذلك كله مكابرة وعناداً وبطراً وتورَّط به ما واحد من الكتابين المقلدين في هذه المسألة.

-والآخر من نصيبه: قوله في بعض أجوبته (ص243):

" الصواب مع المشايخ الذين يذهبون إلى أن وجه المرأة عورة لا يجوز لها كشفه عند الرجال الأجانب ودليلهم على ذلك الكتاب والسنة والإجماع"!

بطلان الإجماع الذي ادعاه:

فأقول وبالله وحده أستعين:

لم ينطق بكلمة " الإجماع" في هذه المسألة أحد من أهل العلم فيما بلغني وأحاط به علمي إلا هذا الشيخ وما حمله على ذلك إلا شدَّته وتعصبه لرأيه، وإغماضه لعينيه عن كل ما يخالفه من النصوص فإن الخلاف فيها قديم لا يخلو منه كتاب من الكتب المتخصصة في بحث الخلافيات ولو كان في قوتي متسع لألّفت رسالة خاصة أسرد فيها ما تيسّر لي من أقوالهم في هذه المسألة ولكن لا بدَّلي من أن أنقل هنا بعضها، مما يدل على بطلان الإجماع الذي ادَّعاه فأقول:

الأول: قال ابن حزم في كتابه" مراتب الإجماع" (ص29) ما نصه:

" واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما عورة هي أم لا؟"

وأقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه، ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى.

الثاني: قال ابن هبيرة الحنبلي في " الإفصاح" (1/118-حلب):

" واختلفوا في عورة المرأة الحرة وحدِّها فقال أبو حنيفة: كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين. وقد روي عنه أن قدميها عورة وقال مالك الشافع: كلها عورة إلا وجهها وكفيها وهو قول أحمد في إحدى روايتيه والرواية الأخرى: كلها عورة إلا وجهها وخاصة. وهي المشهورة واختارها الخرقي".

وفاتته رواية ثالثة وهي: أنها كلها عورة حتى ظفرها كما بأتي مع بيان رد ابن عبد البر لها قريباً.

الثالث: جاء في كتاب" الفقه على المذاهب الأربعة" تأليف لجنة من العلماء منهم الجزيري: في بحث حد عورة المرأة (1/167-الطبعة الثانية):

" أما إذا كانت بحضور رجل أجنبي أو امرأة غير مسلمة فعورتها جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين فإنهما ليسا بعورة فيحل النظر لهما عند أمن الفتنة".

ثم استثنى من ذلك مذهب الشافعية وفيه نظر ظاهر لما تقدم في " الإفصاح" وغيره مما تقدم ويأتي.

الرابع: قال ابن عبد البر في "التمهيد" (6/364) - وقد ذكر أن المرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين وأنمه قول الائمة الثلاثة وأصحابهم وقول الأوزاعي وأبي ثور-:

" على هذا أكثر أهل العلم وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة والإحرام وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها!"
ثم قال ابن عبد البر:
" قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم، لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ذلك كله منها تباشر الأرض به وأجمعوا أنها لا تصلي منتقبة ولا عليها أن تلبس القفازين في الصلاة وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك منها غير عورة وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه، وأما النظر للشهوة فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة؟! وقد روي نحو قول أبي بكر هذا عن أحمد بن حنبل…"
قلت: عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على وجه المرأة ليس بعورة وعن النووي مثله، وأنه مذهب الأئمة الثلاثة ورواية عن أحمد فبعض هذه الأقوال من هؤلاء العلماء الكبار كافية لإبطال دعوى الشيخ الإجماع فكيف بها مجتمعة؟! وإذا كان الإمام أحمد يقول فيما صح عنه: " من ادعى الإجماع فهو كاذب، وما يدريه لعل الناس اختلفوا؟!" إذا كان هذا قوله فيمن لا يدري الخلاف، فماذا كان يقول يا ترى فيمن يدري الخلاف ثم يدعي الإجماع؟!

فإن قيل: فمن أين لك أن الشيخ يعلم الخلاف المذكور ومع ذلك فهو يتجاهله ويكابر؟

فأقول: علمت ذلك من كتابه أولاً ومن رده على العلامة الألبانى ثانياً

أما الأول فإنه نقل (ص157) عن الحافظ ابن كثير: أن الجمهور فسر آية الزينة بالوجه والكفين وأعاد ذلك (ص234).


وأما الآخر فقد ذكر العلامة الألبانى في غير موضع من كتابه من قال من العلماء بخلاف إجماعه المزعوم مثل ابن جرير وابن رشد والنووي ومنهم ابن بطال الذي نقلت عنه فيما يأتي في الكتاب (ص63) أنه استدل بحديث الخثعمية أن ستر المرأة وجهها ليس فرضاً.

تأويل الشيخ لكلام العلماء وتعطيله إياه: فتجاهل الشيخ ذلك كلّه ولم يتعرض له بجواب اللهم إلا جوابه الذي يؤكد لكل القراء أنه مكابر عنيد وهو قوله (ص236):

" إن المذهب الذي نسبه الألباني لأكثر العلماء- ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية عنه- إنما هو في الصلاة إذا كانت المرأة ليست بحضرة الرجال الأجانب"!

وقلّده في هذا القول جمع ممن يمشي في ركابه كابن خلف في " نظراته"، وأخينا محمد بن إسماعيل الإسكندراني في" عودة الحجاب" (3/228) وغيرهما كثير والله المستعان.

ونظرة سريعة في قول ابن بطال المذكور يكفي في إبطال جواب الشيخ هداه الله وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الشيخ خرِّيت ماهر- ولا فخر!- في تضليل قرائه وصرفهم عن الاستفادة من أقوال علمائهم بتأويله إياها وإبطال دلالاتها الصريحة تماماً كما يفعل أهل الأهواء بتعطيلهم لنصوص الكتاب والسنة وأقوال الأئمة المتعلقة بالأسماء المتعلقة بالأسماء والصفات الإلهية وهذا شيء يعرفه الشيخ منهم فيبدو أنه قد سرت عدواهم إليه حفظه الله ولو في مجال الأحكام هداه الله.

وتأكيداً لهذا الذي ذكرت لا يسعني هنا إلا أن أذكر مذاهب الأئمة الذين افترى الشيخ عليهم بتأويله لكلامهم على خلاف مرادهم فأقول:

أولا: مذهب أبي حنيفة:

قال الإمام محمد بن الحسن في " الموطأ" (ص 205 بشرح التعليق الممجّد- هندية):

" ولا ينبغي للمرأة المحرمة أن تنتقب فإن أرادت أن تغطي وجهها فلتستدل الثوب سدلاً من فوق خمارها. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا".

وقال أبو جعفر الطحاوي في " شرح معاني الآثار" (2/392- 393):

" أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرَّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى".

ثانياً: مذهب مالك: روى عنه صاحبه عبد الرحمن بن القاسم المصري في "المدونة" (2/221) نحو قول الغمام محمد في المحرمة إذا أرادت أن تسدل على وجهها وزاد في البيان فقال:

" فإن كانت لا تريد ستراً فلا تسدل".

ونقله ابن عبد البر في " التمهيد" (15-111) وارتضاه.

وقال بعد أن ذكر تفسير ابن عباس وابن عمر لآية: {إلا ما ظهر منها} بالوجه والكفين (6/369):

" وعلى قول ابن عباس وابن عمر الفقهاء في هذا الباب. (قال (هذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها". تأمل قوله:" وغير صلاتها"!

وفي " الموطأ" رواية يحيى (2/935):

" سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله".

قال الباجي في" المنتفى شرح الموطأ" (7/252) عقب هذا النص:

" يقضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها".

ثالثاً: مذهب الشافعي:
قال في كتابه" الأم " (2/185):
" المحرمة لا تخمِّر وجهها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي…"
وقال البغوي في " شرح السنة" (9/ 23):
"فإن كانت أجنبية حرة فجمع بدنها عورة في حق الرجل لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضاً عند خوف الفتنة".
فهل هذه النصوص- أيها الشيخ! – في الصلاة؟!
رابعاً: مذهب أحمد:
روى ابنه صالح في " مسائله" (1/310) عنه قال:
" المحرمة لا تخمِّر وجهها ولا تتنقب والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها".
قلت: فقوله: " ليس به بأس" يدل على جواز السدل فبطل قول الشيخ بوجوبه كما بطل تقييده للرواية الأخرى عن الإمام الموافقة لقول الأئمة الثلاثة بأن وجهها وكفيها ليسا بعورة كما تقدم في كلام ابن هبيرة وقد أقرّها ابن تيمية في" الفتاوى" (15/371) وهو الصحيح من مذهبه كما تقدم عن" الإنصاف" وهو اختيار ابن قدامة كما تقدم في " البحث الأول" وعلل ذلك بقوله:
" ولو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما بالنقاب لأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء".
ومثل هذا التعليل ذكر في كثير ممن الكتب الفقهية وغيرهما ك" البحر الرائق" لإبن نجيم المصري (1/284) وتقدم نحوه عن الشوكاني في أول هذا" البحث الخامس" (ص27).
ومما سبق يتبين للقراء الكرام أن أقوال الأئمة الأربعة متفقة على تخيير المرأة المحرمة في السدل على وجهها وعدم إيجاب ذلك عليها خلافاً للمتشددين والمقلدين‍ هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فقد دل قول مالك في " الموطأ" وقول ابن عبد البر:"وغير صلاتها" على تأويل التويجري المذكور وكذلك تخيير الأئمة المحرمات بالسدل لأن ذلك خارج الصلاة.

فأريد الآن أن أتبيَّن لقرائنا الأفاضل علماً كتمه المذكورون- أو جهلوه وأحلاهما مر‍-: أن سلف الأئمة رحمهم الله تعالى- فيما سبق- أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها قولاً وفعلاً.
أما القول فهو:" المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوباً مَسَّه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تَلَثَّم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت".
أخرجه البيهقي في "سننه" (5/47) بسند صحيح وعزاه إليه الحافظ في " الفتح" (4/52-53) ساكتاً عليه فهو عنده فهو شاهد قوي لحديثها المتقدم في هذا " البحث الخامس" صفحة (27-28): " يا أسماء إذا بلغت المرأة المحيض… ". وكذلك يشهد له حديثها الآتي.
وأما الفعل فهو ما جاء في حديث عمرتها من التنعيم مع أخيها عبد الرحمن قالت:
" فأردفني خلفه على جمل له قالت: فجعلت أرفع خماري أحسره عن عنقي فيضرب رجلي بعلّة الراحلة قلت له:و هل ترى من أحد…".
أخرجه مسلم (4/34) والنسائي في "السنن الكبرى" (2/223- المصورة) والطيالسي أيضاً في " مسنده" (1561) لكن بلفظ:
"فجعلت أحسر عن خماري فتناولني بشيء في يده …".
فسقط منه قولها:" عنقي" ورواية مسلم أصح سنداً وأرجح متناً ولذلك لم يعزه الشيخ إلى مسلم وتبعه على ذلك بعض المقلدة- كالمدعو درويش في " فصله" (ص43) - لأنها حجة عليهم من جهة أن الخمار لا يغطي الوجه لغة كما تقدم وكونها معتمرة فلا يجوز لها أن تلثم به كما قالت آنفاً فتغطيتها لوجهها بالسدل- كما في بعض الروايات- فعلٌ منها نقول به، ولكن لا يدل على الوجوب خلافاً لزعم المخالفين

قلت: فبطل بهذا البيان تأويل الشيخ المذكور لمخالفته أقوال أئمة الفقه المصرّحة بجواز الكشف عن الوجه في الصلاة وخارجها بحضرة الرجال ولتعليل بعضهم الجواز بحاجة المرأة إلى البيع والشراء والأخذ والإعطاء وبجواز المؤاكلة أيضاً. فهذه الأقوال يحملها الشيخ على الصلاة وليس بحضرة الرجال
فما أبطله من تأويل بل تعطيل. فأنا لله وإنا إليه راجعون.

ثم إن مما يؤكد جهل الشيخ بالفقه وأقوال الفقهاء- أو على الأقل تجاهله وتحامله على العلامة الألبانى وبَطره للحق- أن من مراجع كتابه (ص 109) ابن مفلح في " الآداب الشرعية" وابن مفلح هذا من كبار علماء الحنابلة في القرن الثامن،ومن تلامذة ابن تيمية وكان يقول له:" ما أنت ابن مفلح بل أنت مفلح". وقال ابن القيم فيه:

" ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح".

إذا عرفت هذا فقد قال المفلح هذا في كتابه المذكور " الآداب الشرعية " (1/316) ما نصه:

" هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق؟

ينبني (الجواب) على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها أو يجب غض النظر عنها؟ وفي المسألة قولان قال القاضي عياض في حديث جرير رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة؟ فأمرني أن أصرف بصري. رواه مسلم. قال العلماء رحمهم الله تعالى: وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض شرعي. ذكره الشيخ محيي الدين النووي ولم يزد عليه".
يعني: غي " شرح مسلم" قبيل (كتاب السلام) وأقرَّه.
ثم ذكر المفلح قول ابن تيمية الذي يعتمد عليه التويجري في كتابه (ص170) وتجاهل أقوال جمهور العلماء وقول القاضي عياض الذي نقله المفلح وارتضاه تبعاً للنووي. ثم قال المفلح:
" فعلى هذا هل يشرع الإنكار؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف وقد تقدم الكلام فيه فأما على قولنا وقول جماعة من الشافعية وغيرهم: إن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة.
قلت: هذا ما قاله هذا الإمام الحنبلي قبل ستة قرون (ت763) تبعاً لمن اقتديت بهم من الأئمة السالفين أفلا يعلم الشيخ ومن ضلَّ –هداهم الله- أنهم رحمهم الله ينالهم القدح الذي وجهه إلي في آخر كتابه- كما تقدم- وهو قوله:

"ومن أباح السفور للنساء واستدل على ذلك بمثل ما استدل به الألباني فقد فتح باب التبرج على مصراعيه…" إلى آخر هرائه هداه الله.

البحث السادس: تعطيلهم الأحاديث الصحيحة المخالفة لهم

قد جاءت أحاديث كثيرة في كشف النساء لوجوههن وأيديهن- كما سيأتي - يبلغ مجموعها مبلغ التواتر المعنوي عند أهل العلم فلا جرم عمل بها جمهور العلماء ولن المقلدين المتعصبين قد سلَّطوا عليها أيضاً معاول التخريب والتهديم بتأويلها وتعطيلها وإبطال معانيها ودلالاتها الظاهرة البينة كما فعلوا بأقوال الأئمة كما عرفت آنفاً ولا يتسع المجال هنا لمناقشتهم في كل تأويلاتهم فإنها لكثرتها تتطلب تأليف رسالة خاصة بها لسرد الأحاديث وأقوالهم في تأويلها ثم الرد عليها فلا أقل من ذكر بعض النماذج منها تغني القارئ المنصف عن الباقي.الحديث الأول: وهو الثاني في الكتاب (ص61-62) حديث الخثعمية وفيه أنها كانت حسناء وضيئة وفيه:" فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها".
فأقول:اضرب الشيخ وقلدوه أو موافقوه في الانفصال من دلالة الحديث الصريحة على وجوه:

فتارة يقول (ص208):

" ليس فيه امرأة كانت سافرة بوجهها فيحتمل أن ابن عباس أراد حسن قوامها وقدّها و وضاءة ما ظهر من أطرافها"!
وهذا كلام ينقض أوله آخره وآخره أوله فإن " أطرافها" هي اليدان والرجلان والرأس- كما هو معلوم في اللغة- وعليه فما نفاه في أوله أثبته في آخره ولكن بطريقة اللف والدوران- مع الأسف- فإن " أطرافها" تشمل الوجه لغة ففي"القاموس":
" الأطراف من البدن: اليدان والرجلان والرأس".
فهل جَهلَ الشيخ هذه الحقيقة اللغوية- كما هو شأنه في تفسيره ل (الجلباب) و (الخمار) و (الاعتجار) –أم تناساها تمويهاً وتضليلاً؟! فإن كان الأول فهل جهل قوله صلى الله عليه وسلم:" إذا سجد العبد سجد معه سبعة أطراف: وجهه وكفاه…" الحديث، أم تناساه أيضاً؟ وسواء كان هذا أو ذاك فإنه قال هناك:" أطراف يديها"!
وتارة يقول (ص219):" وإن كان الفضل قد رأى وجهها فرؤيته لا تدل على أنها كانت مستديمة لكشفه…".
وهذه مكابرة أخرى تشبه سابقتها من حيث التجاهل فإن قول ابن عباس: "فأخذ الفضل ينظر يلتفت إليها"، وفي الرواية الأخرى:" فطفق ينظر إليها وأعجبه حسنها" يبطل قول الشيخ ومن قلده-مثل أخينا الطيب محمد بن إسماعيل (3/368) - وذلك من وجهين:
الأول: قوله:" ينظر يلتفت"، فإنه يفيد استمرار الفعل لغة كما هو معلوم.
والآخر: قوله: " فطفق" فإن معناه: استمر ينظر، كقوله تعالى: { فطفق مسحاً بالسوق والأعناق} (ص33) وقوله: { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} (الأعراف:22) ومثله في البخاري في قصة اغتسال موسى عليه السلام وحده:" فطفق بالحجر ضرباً" وفيه أيضاً في حديث الهجرة:" فطفق أبو بكر يعبد ربه".
ولذلك قال ابن بطال- كما سيأتي في الكتاب (ص36) -:
" لم يحول النبي صلى الله عليه وسلم وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لإعجابه بها…" إلخ
ثم استدل بذلك على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضاً وهذا هو الذي لا يمكن أن يفهم سواه العلماء المنزَّهون عن التعصب المذهبي ولذلك لم يستطع الحافظ ابن حجر –مع علمه الواسع ومعرفته باللغة وآدابها– إلا أن يقول ردّاً على ابن بطال:
" إنها كانت محرمة"، كما سيأتي هناك.
ولا يخفى على أهل العلم أن هذا الجواب إنما يستقيم لو كان لا يجوز للمحرمة أن تغطي وجهها بالسدل عليه، وهذا مما لا يقول به الحافظ أو غيره من العلماء فرده مردود وقد يشعر بعضهم بضعف هذا الرد فينحرف عن دلالة الحديث الظاهرة في جواز كشف وجهها إلى القول بأنه لا دليل فيه على جواز النظر إلى وجهها كما جاء في رسالة الشيخ ابن عثيمين وغيرها. فنقول: نعم لا يجوز ذلك عند خشية الفتنة ولذلك لا يجوز لها أن تنظر إلى وجه الرجل الأجنبي عنها عند الفتنة أفيجب عليه أن يستره عنها؟!
الحديث الثاني: وهو الثالث في الكتاب (ص64- 65) حديث المرأة التي قالت: "يا رسول الله ! جئت لأهب لك نفسي…" الحديث.
أقول: فمن المضحك المبكي أن الشيخ التويجري حشر هذا الحديث في جملة الأحاديث التي استدل بها على أنه يجوز للخاطب أن ينظر إلى وجه خطيبته ورقبتها (كذا) وأطراف يديها. ولما أجاب (ص 219) عن استدلالي بالحديث أوهم أنه في المخطوبة! وهو يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قد خطبها- كما ذكرت هناك عن الحافظ ابن حجر- وإنما هي عرضت نفسها عليه صلى الله عليه وسلم كما هو صريح الحديث وكان ذلك في المسجد كما في رواية الإسماعيلي وعلى مرأى من سهل بن سعد راويه والقوم الذين كان فيهم كما في رواية للبخاري وأبي يعلى والطبراني وروايتيهما أتم كما ستراها هناك.
فهل استقام في ذهن الشيخ ومقلديه جواز الخِطبة على مرأى من الأجانب؟! وهو الأمر الذي ينكرونه ويبالغون في إنكاره ولو بتحريف الكلام عن مواضعه! كقول بعضهم:
" ليس في الحديث أنها كانت سافرة الوجه…".
ذكره الأخ في " العودة" (3/368) مع أقوال أخرى لا تستحق الذكر لظهور بطلانها منها قول التويجري المذكور ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم. وهذه الكلمة حق أريد بها باطل لأن البحث في رؤية الصحابة كما لا يخفى على ذي عين!
وفي ظني أن الشيخ الفاضل محمد بن صالح بن عثيمين إنما لم يتعرض للجواب عن الحديث بشيء من هذه الأجوبة لظهور ضعفها فرأى السلامة في السكوت وترك المراء جزاه الله خيراً وإن كنت آمل منه إعادة النظر في المسألة على ضوء ما تقدم من البيان .
الحديث الثالث" وهو الخامس في الكتاب (ص66) وهو حديث فاطمة بنت قيس وأمره صلى الله عليه وسلم إياها بالانتقال إلى ابن أم مكتوم الأعمى وقال لها:" فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك" لقد بينت هناك وجه دلالة الحديث على أن الوجه ليس عورة فرد الشيخ ذلك (ص221-223) بعد كلام طويل لا طائل تحته ودس فيه ما لا أقول به ومن ذلك قوله:
" وأين النص في الحديث على وجوب ستر الرأس وحده وتحريم كشفه عند الرجال الأجانب دون الوجه والرقبة"!

فأقول: أما النص فهو في إذن لها في أن تظهر أمام الضيفان بخمارها الذي لا يغطي الوجه لولا خشية سقوطه عنها فيرون رأسها ولذلك أمرها بالانتقال إلى ابن أم مكتوم رضي الله عنه وعلل صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله:"فإنك إذا وضعت خمارك لم يركِ" والخمار غطاء الرأس عند جماهير العلماء كما تقدم تحقيقه بما لا مرد له عند من يعقل وينصف فهذا هو النص على الرأس دون الوجه. وأما قولك:" والرقبة" فهو دس رخيص لا أدري هل يمكن أن يصدر مثله من الشيخ فاضل متّق يدري ما يخرج من فيه؟! فإنه يعلم أن ذكر الرقبة ليس من موضوع البحث! وأنه لا خلاف في كونها عورة منها وأن الخمار يسترها فأعوذ بالله من الحور بعد الكور!
وأما اعتراضه على استدلالة الألبانى المذكور بقوله (ص 222):
" ولو كان الأمر كذلك لقال صلى الله عليه وسلم: فإنك إذا وضعت خمارك لم ير رأسك أولم ير شعرك".

فأقول: كفاك أيها الشيخ! جدلاً ومكابرةً! فإن النبي صلى الله عليه سلم لا يتكلم حسب هواك فإنه أفصح من نطق بالضاد وأوتي جوامع الكلام فإن (الخمار) معناه في اللغة التي كانت تفهمها فاطمة رضي الله عنها على خلاف فهمك المستعجم فلا داعي ليقول لها ما طرحته وألزمتنا به، ألا ترى أنه يستطيع أقل الناس فهماً أن يقلبه عليك فيقول لك:" ولو كان الأمر على ما ذهبت إليه أن الخمار لم ير رأسك ووجهك". فهل تلتزم هذا أيها الشيخ المسكين! أم تجيب بنحو جوابي المذكور وأن الخمار بزعمك يشمل الوجه أيضاً؟! وحينئذٍ يتبين لك ما ألزمت به غير لازم وأنك تجادل بالباطل لتضلَّ الناس بغير علم فأنك في كل كتابك وردِّك لم تأت بنص ممن الكتاب والسنة وأقوال الأئمة المتقدمين – على اختلاف اختصاصاتهم- يشهد لزعمك المذكور ولن تستطيع إلى ذلك سبيلاً البتة.

البحث السابع: استدلالهم بالأحاديث الضعيفة والآثار الواهية وإصرارهم على ذلك بعد أن وقفوا على عللها التي تمنعهم شرعاً من الاحتجاج بها لو أنصفوا ولم يتبعوا أهواءهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في"الفتاوى" (1/ 246):
" والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه ومعرفة دلالته كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله".
والشيخ كأنه قول ابن تيمية هذا فإنه لم يتثبَّت فيما نقل عن السلف ولا في دلالته بل بعضه حجة عليه وإليك بعض الأمثلة:
الحديث الأول: عن ابن عباس قال:" أمر الله النساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن… ويبدين عيناً واحدة" وسيأتي
لقد بين هناك أن للحديث علتين فأغمضوا أعينهم عنهما وتتابعوا جميعاً على الاحتجاج به وصرح السندي (ص19- 20) بصحة سنده دون أن يبين ذلك على أسلوب علماء الحديث عامله الله بما يستحق وخفي ذلك على الإسكندراني فأقره (3/ 265) ! والله المستعان! وكرره الشيخ التويجري مراراً (ص 163- 226-232) ونسب مولانا العلامة الألبانى بسبب مخالفت إياه للإلحاد ! فقال (ص233):
" وكلام الألباني في تفسير آية الأحزاب لم يَسبقه إليه أحد من الصحابة والتابعين وقد خالف ما جاء عن حبر الأمة وغيره من أكابر التابعين في تفسيرها فهو إذاً من الإلحاد في آيات الله تعالى وتحريف الكلام…". ولكني سأثبت لكل منصف أن كلام الشيخ سيحور عليه مصداق قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته:" ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله ! وليس كذلك إلا حار عليه" وقول المثل السائر:" رمتني بدائها وانسلّت" وذلك أن هناك رواية أخرى عن ابن عباس- في المصدر الذي نقل الشيخ الرواية الأولى منه وهو "الدر المنثور" – كتمها الشيخ ومقلدوه، لأنها تخالف أهواءهم ونصها في تفسير آية الإدناء:"وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها" رواه ابن جرير وابن مردويه.
وذكره ابن جرير (22/33) تحت قوله:
" وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن". وهذا وإن كان إسناده ضعيفاً فإنه أرجح من الأول لأمور:
1- أنه الأقرب إلى لفظ (الإدناء) كما تقدم في " البحث الأول ".
2- أنه الموافق لما صح عن ابن عباس من طرق سبعة عنده: أن الوجه والكفين من الزينة الظاهرة
التي يجوز كشفها وقد خرجت الطرق السبعة في " المقدمة" وبعضها صحيح-كما سيأتي في الكتاب- وهو نص في المقصود كما قال ابن القطان الفاسي في " النظر في أحكام النظر" (ق 20/2) وقواه بتوثيقه لرجاله وأشار السندي إلى أسانيده وجزم بعدم صحتها (ص18) وإن من خبثه وتدليسه أنه ساق الضعيف منها وأفاض في إعلالها وكتم الصحيح منها ! وأقره الإسكندراني (3/ 265) لجهله بهذا العلم الشريف ولذلك فقد أساء إلى نفسه وإلى قرائه بدخوله فيما لا يحسنه!
3- أنه الموافق لما رواه أبو الشعثاء: أن ابن عباس قال:
" تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به".
أخرجه أبو داود في " مسائله" (ص110) بسند صحيح جدّاَ
4- أنه المنقول عن بعض تلامذة ابن عباس رضي الله عنه كسعيد بن جبير فإنه فسر الإدناء: بوضع القناع على الخمار وقال
" لا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت بها رأسها ونحرها". وسيأتي في
وذكر نحوه أبو بكر الجصاص في" أحكام القرآن" (3/372) عن مجاهد أيضاً مقروناً مع ابن عباس:
" تغطي الحُرَّة إذا خرجت جبينها ورأسها".
ومجاهد ممن تلقى تفسير القرآن عن ابن عباس رضي الله عنه
ثم تلقاه عن مجاهد قتادة رحمهما الله تعالى فإنه من تلامذته والرواة عنه فقال في تفسير (الإدناء) "
"أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يُقَنِّعن على الحواجب".
أخرجه ابن جرير (22/23) بسند صحيح عنه.
فقوله:" يقنعن" أي: يلبسن القناع ويشددنه على الحواجب والرأس فإن القناع هو أوسع من المقنع والمقنعة ما تقنع به المرأة رأسها كما في "القاموس" وغيره وتقدم مثله عن الحافظ وغيره.
فمن العجيب الغريب حقاً أن يذكر الشيخ التويجري- ومن قلده من المحوِّشين والمقمِّشين- هذا الأثر عقب حديث ابن عباس الضعيف هذا وعقب أثر عبيدة السلماني- الآتي بيان ما فيه من العلل- ذكر هذا الأثر عقب ذلك مستشهداً به! وهو حجة عليه كما ترى ولست أدري- والله – أهذا من جهل الشيخ بلغته أو تجاهل مقصود منه؟! فإن كان الأول فهل خفي عليه أن الإمام ابن جرير ذكره مترجماً به القول الثاني المخالف لقول من قال بحديث ابن عباس الضعيف فقال عقبه (22/33):
" وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن ذكر ممن قال ذلك…"؟!
ثم ساق تحته حديث ابن عباس الذي أنا في صدد ترجيحه بهذه الأمور الأربعة وأتبعه بأثر قتادة هذا.
أفلا يحق لي بعد هذا البيان أن أقول:إن ما اتهمني الشيخ به من المخالفة للصحابة والتابعين، والإلحاد في آيات الله تعالى وتحريف الكلام… أنه وصفه هو؟! وأن ما نسبه إلى ابن عباس جازماً به كذب عليه؟! وأني أنا أسعد الناس بمتابعته رضي الله عنه في الرواية الراجحة عنه في تفسير الآية الكريمة وفي غيرها كما سيأتي في تفسير: {إلا ما ظهر منها} (ص102)
وإذا تبين ضعف حديث ابن عباس في أمر النساء بتغطية وجوههن إلا عيناً واحدة وأن الرواية الأخرى عنه المصرحة بشد الجلباب على جبينها أقوى منها- لشواهدها وموافقتها ل (الإدناء) لغة ولتفسيره- يتبين للقراء الكرام حقيقة مرّة مؤسفة: وهي أن الشيخ التويجري قد سنَّ لمن كتب في هذه المسألة سنّة سيئة وهي الاحتجاج بما لم يصح من الأحاديث مع علمه بضعفها وعلتها المبينة وإعراضه عن الإجابة عنها وعن ذكر ما يعارضها فعليه يصدق قوله صلى الله عليه وسلم- الذي وضعه في آخر كتابه (ص249) في غير موضعه فظلم الالبانى بذلك- ألا وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"… ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة…" الحديث. فقد قلده عامة من وافقوه على الاحتجاج بهذا الحديث الواهي والسكوت عليه بل إن بعضهم زاد عليهم وَقَفا ما لا علم له به فصححه وهو المدعو صالح بن إبراهيم البليهي فيما سماه " يا فتاة الإسلام" (ص 201و 252) وهذا مما لم يقله عالم من قبل ولا يمكن أن يتفوَّه به مبتدئ في هذا العلم. فهذا مؤلف كتاب " الحجاب" الأخ مصطفى العدوي من الناشئين في هذا المجال لم يسعه إلا أن يعترف بضعف إسناده (ص28و46) وإن كان كتم العلة الثانية منه وهي ضعف عبد الله بن صالح كما تقدم لكنه قد صرح بها في كتابه الآخر " أحكام النساء" (ص19) !
وإن مما يسترعي الانتباه ويلفت النظر قول الشيخ الفاضل ابن عثيمين بعد أن ساق الحديث جازماً به!:

" وتفسير الصحابي حجة بل قال بعض العلماء: إنه في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم".
فأقول: نعم ولكن أثبت العرش ثم انقش! فقد كان الواجب عليك يا فضيلة الشيخ! قبل أن تقول هذا أن تجيب عن علَّتي الحديث وتثبت صحته على أصول علم الحديث كما هو المفروض في أمثال هذه المسألة الخلافية ولا سيما وأنت في صدد الرد على مخالفك وقد ضعف حديثك هذا من قبل فإذا كنت مسَلِّماً بضعفه فلم احتججت به؟! وإن كنت ترى صحته فلماذا لم ترد عليه وتقيم الحجة على صحته؟! أليس هذا مما يتنافى مع الكلمة الطيبة التي ذكرتها في رسالتك وقد جاء فيها (ص32):
"وأنه يجب على كل باحث يتحرى العدل والإنصاف…أن يقف بين أدلة الخلاف موقف الحاكم من الخصمين؟! { يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون. كَبِرَ مَقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} (الصف: 3و2).

الحديث الثاني: من الضعيف الذي استدلوا به ولَهَجَ به الشيخ التويجري ومقلدوه:" سؤال ابن سيرين عبيدة السلماني عن آية (الإدناء)؟ فتقنَّع عبيدة بِملحفة وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين وغطّى وجهه وأخرج عينه اليسرى". أخرجه السيوطي في " الدر" ونقله التويجري (ص163- 164).
وبيان ضعفه من وجوه:
2- أنه مقطوع موقوف فلا حجة فيه لأن عبيدة السلماني تابعي اتفاقاً فلو أنه رفع حديثاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكان مرسلاً لا حجة فيه فكيف إذا كان موقوفاً عليه كهذا؟! فكيف وقد خالف تفسير ترجمان القرآن: ابن عباس ومن معه من الأصحاب؟!
أنهم اضطربوا في ضبط العين المكشوفة فيه فقيل: "اليسرى" –كما رأيت- وقيل:" اليمنى" وهو رواية الطبري (22/33) وقيل: "إحدى عينيه " وهي رواية أخرى له ومثلها في " أحكام القرآن " للحصاص (3/ 444) وغيرهما.
ذكره ابن تيمية في " الفتاوى" (15/ 371) بسياق آخر يختلف تماماً عن السياق المذكور فقال:
" وقد ذكر عبيدة السلماني وغيره: إن نساء المؤمنين كنَّ يدنين عليهن الجلابيب من فوق رؤوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن لأجل رؤية الطريق".
ونقله عنه التويجري (166) وابن عثيمين (ص13) وغيرهما وارتضوه.
وإذا عرفت هذا فاعلم أن الاضطراب عند علماء الحديث علة في الرواية تسقطها عن مرتبة الاحتجاج بها حتى ولو كان شكلياً كهذا لأنه يدل على أن الراوي لم يضبطها ولم يحفظها على أن سياق ابن تيمية المذكور ليس شكلياً كما هو ظاهر لأنه ليس في تفسير الآية وإنما هو إخبار عن واقع النساء في العصر الأول وهو بهذا المعنى صحيح ثابت في أخبار كثيرة كما سيأتي في الكتاب بعنوان:" مشروعية ستر الوجه" (ص104) ولكن ذلك لا يقتضي وجوب الستر لأنه مجرد فعل منهن ولا ينفي وجود من كانت لا تستر وجهها بل هذا ثابت أيضاً في عهده صلى الله عليه وسلم وبعده كما سيأتي وتقدم بعضها.
4-مخالفته لتفسير ابن عباس للآية كما تقدم بيانه فما خالفه مطرح بلا شك.
الحديث الثالث: عن محمد بن كعب القرظي مثل حديث ابن عباس الأول قي:" يدنين عليهن ممن جلابيبهن " قال:" تخمِّر وجهها إلا إحدى عينيها".
أخرجه ابن سعد في " الطبقات" (8/176-177): أخبرنا محمد ابن عمر عن أبي سبرة عن أبي صخر عنه.
قلت: وهذا إسناد موضوع آفته ابن سيرة قال الإمام أحمد في " العلل" (1/204):
" كان يكذب ويضع الحديث".
والراوي عنه محمد بن عمر-وهو الواقدي- قريب منه قال الحافظ في " التقريب":
" متروك" وقال أحمد:"كذاب".
ثم هو إلى ذلك مرسل، كما سيأتي
ومع هذا البلاء الذي في إسناد هذا الحديث ذكره الأخ محمد بن إسماعيل في " العودة" (3/214) ساكتاً عنه مع عزوه إياه لـ" الطبقات"!
كما سكت عنه الشيخ التويجري في غيرما موضع من كتابه (ص227 و233) مشيراً بذلك إلى تقوية الحديث الأول! والمبتدؤون في هذا العلم يعلمون أن مثل هذا الإسناد الهالك لا يصلح للتقوية ولكن هل هم على علم به أم هم قوم حطّابون نقلة؟! أحلاهما مرّ!
الحديث الرابع: عن الفضل بن عباس قال:
كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعراببي معه ابنة له حسناء فجعل يعرضها لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يتزوجها قال: فجعلت ألتفت إليها وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ برأسي فيلويه.
أخرجه أبو يعلى في " مسنده" (012/97) من طريق يونس بن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عنه.

قلت: وهذا إسناد ضعيف رجاله ثقات ومتنه منكر وفيه علل خمس:
الأولى: عنعنة أبي إسحاق- وهو السبيعي- فإنه مدلس.
والثانية: اختلاطه فلا يحتج بحديثه إلا ما حدَّث به قبل الاختلاط مع تصريحه بالتحديث وذلك غير متوفر هنا أما الأول فَلِما يأتي وأما الآخر فَلِما تقدم.
والثالثة: لينٌ في ابنه يونس ولعل ذلك خاص في روايته عن أبيه فإنه روى عنه بعد الاختلاط كما جزم بذلك ابن نمير فيما نقله عنه الحافظ ابن رجب الحنبلي في " شرح علل الترمذي" (2/520) وانظر (2/672) منه.
والرابعة: مخالفته لابنه إسرائيل وهو ثقة وأحفظ من أبيه فقد روى هذا الحديث عن جده به إسناداً ومتناً إلا أنه لم يذكر:" وأعرابي معه ابنة له… رجاء أن يتزوجها"
أخرجه أحمد (1/213) والطبراني في " الكبير" (18/288).
قلت: وإسرائيل مقدَّم عند الاختلاف على يونس لما تقدم ولذا قال الإمام أحمد:
" حديث إسرائيل أحب إليَّ منه".
قلت: فهذه الزيادة منكرة للمخالفة المذكورة وهذا على افتراض أنها ليست من تخالط أبي إسحاق ولم يحدِّث بها فإن كان حدَّث بها فتكون شاذة لما ذكرنا من حاله ولعلِّة أخرى وهي:
الخامسة: مخالفته لجميع الثقات الذين رووا الحديث عن ابن عباس دون الزيادة وهو أربعة فيما وقفت عليه وكلهم ثقات:
1- سليمان بن يسار في " الصحيحين" وغيرهما وسيأتي تخريجه
2- الحكم بن عتيبة رواه أحمد بسند صحيح.
3- الحكم بن أبي رباح أحمد أيضاً بسند جيد.
4- مجاهد عند الطبراني في " الكبير" وإسناده جيد أيضاً.
وإن مما يؤكد شذوذها أنها لم ترد في حديث علي أيضاً عند الترمذي وصححه ويأتي تخريجه هناك.
ولا يخفى على البصير بهذا العلم الشريف أن علّة واحدة من هذه العلل الخمس كافية في تضعيف الحديث فكيف بها مجتمعة؟! فالعجب كل العجب من الحافظ ابن حجر! كيف قال في" الفتح" (4/68)
" رواه أبو يعلى بإسناد قوي"؟!
وقد وقف على هذه التقوية الشيخ عبد القادر بن حبيب السندي في رسالته" الحجاب" فتشبَّثت بها، وعقد بحثاً من صفحة (28-43/ الطبعة الخامسة) حاول فيه إثبات صحة هذا الإسناد بطرق ملتوية عجيبة ولغة ركيكة وكثير منه غير مفهوم لعجمته وما كان يبطل تصحيحه المذكور مع تناقض عجيب فقد نقل عن الحافظ أنه قال في أبي إسحاق السبيعي:" اختلط بأَخَرَة" ثم عقب عليه بقوله:
" قلت: رواية ابنه يونس لم تكن في حالة الاختلاط إن شاء الله تعالى".
وهذا – كما هو ظاهر- يعني أنه يعترف بالاختلاط كمبدأ ولكنه سرعان ما ينكل عن ذلك فيقول بعد سطور:
" ولم أقف على اختلاط أبي إسحاق ومع أنه ذكره ابن الكيال في كتابه" الكواكب النيِّرات"
كذا قال المسكين ! فَوَفَّقْ أيها القارئ الكريم!-إن استطعت – بين نفيه الوقوف واعترافه بذكر الكيال له في الكتاب المذكور وتمام اسمه " في معرفة من اختلط من الرواة الثقات" وبشهادة الحافظ باختلاطه أيضاً ! وقد ذكره آخرون: كابن الصلاح وابن كثير وغيرهم كثير وكثير وبيَّنوا – رحمهم الله – من روى عنه قبل الاختلاط فيحتج به ومم روى عنه بعده فلا يحتج به ومن هؤلاء يونس بن أبي إسحاق كما تقدم عن ابن نمير وهذا مما صرح السندي بخلافه آنفاً! وكم له من مثل هذه المخالفات – وقد أحصيت له منها في هذا الحديث وحدة ثمانية-يطول الكلام جداً بذكرها، وموضع بيانها في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (5959) ومنها زعمه أن تدليس أبي إسحاق لم يكن ضارّاً ورد على الحافظ ذكره إياه في الطبقة الثالثة، ولم يعلم بقول ابن القطان في " الوهم والإيهام" (2/208/2):" كان يدلس كثيراً"!
ولقد كان الحامل له على أن يدخل نفسه فيما لا يحسنه إنما هو الظهور بمظهر الباحث المحقق الذي جاء بما لم تستطع الأوائل ! وهو أن يقدم إلى المتشددين سلاحاً جديداً لإبطال دلالة حديث الخثعمية الصحيح على جواز الإسفار عن الوجه فقد اعترف في أول بحثه بأن فيه تقريراً على كشف الوجه خلافاً للشيخ التويجري ومقلديه بيدَ أنه علل كشفها بأنه إنما " كان لأجل النظر في حق الخاطب" كما قال (ص37) ثم أكد ذلك في مكانين آخرين (ص 38و 40)
فيقال له: لقد أصابك هوَسُ التأويل والتعطيل للأدلة الصريحة في الحديث الصحيح المتفق عليه، باعتمادك على هذه الزيادة المنكرة مع أنه ليس فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان خاطباً وإنما فيها العرض عليه صلى الله عليه وسلم لعلّه يتزوجها فلو صح هذا فهو كحديث الواهبة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم الذي حمله التويجري على الخاطب أيضاً ولا خاطب كما تقدم بيانه في الرد عليه في" البحث السادس: تعطيلهم الأحاديث الصحيحة المخالفة لهم" (ص41) فراجعه فأنه مهم.
ثم لو سلمنا بما زعم السندي فذلك لا يقتضي أن قصة بنت الاعرابي هي نفس قصة الخثعمية بل هذه غير تلك يقيناً وإلى ذلك جنح الحافظ ابن القطان في كتابه" النظر في أحكام النظر" (52/1-2) لاختلاف سياقها عن تلك فبقيت سالمة من ذاك التأويل الهدّام!
الحديث الخامس:عن أم سلمة قالت:
كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة، فأقبل ابن مكتوم- وذلك بعد أن أُمرنا بالحجاب- فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" احتجبا منه" فقلنا: يا رسول الله! أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" أفعمياوان أنتما؟! ألستما تبصرانه؟!".
أخرجه أصحاب السنن إلا ابن ماجه وغيرهم من طريق الزهري: حدثني نبهان مولى أو سلمة عنها. وهو مخرج في " الإرواء" و" الضعيفة" (5958) فمن شاء التفصيل رجع إليهما أو على الأقل إلى الأول منهما
وخلاصة التحقيق الوارد فيهما:
1- أن الحديث تفرّد به نبهان وعنه الزهري كما قال النسائي والبيهقي وابن البر وغيرهم.
2- وأن نبهان مجهول العين كما أفاده البيهقي وابن عبد البر وقريب منه قول الحافظ في" التقريب":" مقبول" فإنه يعني: أنه غير مقبول إلا عند المتابعة كما نص عليه في مقدمة" التقريب" وأن قوله في " الفتح":"إسناده قوي" غير قوي لمخالفته لقوله في" التقريب" وللقواعد الحديثية- كما هو مبين في " الضعيفة"-على أن قوله:" مقبول" وإن كان مؤيداً لضعف الحديث فهو غير مقبول لأن حقه أن يقول مكانه:" مجهول" لما تقدم من تفرد الزهري عنه وما في" تهذيبه ": أنه روى عنه أيضاً محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، فهو غير محفوظ كما حققه البيهقي وشرحه الالبانى هناك في " الضعيفة" وفيه الرد على الحافظ مفصِّلاً وعلى غيره ممن سبقه أو قلده من المقلدين كالتويجري وغيره ممن خالفوا التحقيق العلمي وأقوال الأئمة الآخرين- ومنهم الإمام أحمد رحمه الله كما يأتي- ولذلك لم يسع الحافظ إلا أن يصرح في مكانه آخر من " الفتح" بقوله (1/550):
" وهو حديث مختلف في صحته".
فهل علم الشيخ التويجري بهذا النص من الحافظ أم جهله؟‍ فأن كان الأول فلماذا اكتفى –كلما ذكر هذا الحديث- بذكر من صححه من المتساهلين والرد على من خالفه بقوله (ص154):
" ولا يلتفت إلى من قدح فيه بغير حجة معتمدة"‍!
كذا قال – هداه الله- وهو يشير بذلك إلى الرد علي الالبانى فإني كنت ضعّفت الحديث بالجهالة في " الإرواء" في المكان المشار إليه آنفاً. أهكذا يكون الرد يا فضيلة الشيخ؟! أهذا هو سبيل العلماء؟! لو
أرأيت لو أن رادّاً رد عليك كتابك الذي ترد فيه على مخالفتك أو رد على من قلدك بغير علم ولا كتاب منير فألف رسالته التي سماها:" اللباب في فريضة النقاب" بمثل قولك هذا أيكون محقّاً في رده أم جاهلاً، كذاك الدكتور-زعموا-الذي ألف في الرد عليك- أو على مقلِّدك المشار إليه- كتاباً سماه " تحريم النقاب"؟! لا شك أنه فعل فعلتك هذه أو نحوها من المكابرة والادِّعاء، أقول هذا وإن كنت لم أطلع على كتابه، ولكني وقفت على نُتَفٍ منه مردوداً عليه في" مجلة التوحيد" التي تصدرها جماعة أنصار السنة في القاهرة/ العدد السابع سنة (1411)

لقد كان المفروض- يا فضيلة الشيخ!- أن تنصح لقرائك، وتحكي حجة وخالفك وتقرع الحجة بالحجة، كما يقتضيه علم مصطلح الحديث
وفي ظني أن الشيخ قال تلك الكلمة الهزيلة لعدم علمه بمن سبق الالبانى إلى تضعيف الحديث وإعلاله بنبهان وإلا لما أجاز لنفسه أن يقولها وهو يصيب بها أئمة لهم وزنهم- حتى عند أمثاله من المقلدين الذين ليس لهم معرفة بهذا العلم الشريف- مثل الإمام أحمد- كما سبقت الإشارة إليه- ومن تبعه من العلماء الحنابلة فضلاً عن غيرهم وهذا أوان الوفاء بما أشرت:
قال الإمام أبو محمد بن قدامة المقدسي في " المغني" وأبو الفرج بن قدامة المقدسي في " الشرح الكبير"
والشيخ منصور بن يونس البهوتي في كتابه القيم" شرح منتهى الإرادات" (3/6) و" المنتهى" للشيخ محمد تقي الدين بن النجار الفتوحي، وكلهم من كبار علماء الحنابلة، فقال الشيخ منصور-وما بين الهلالين للشيخ تقي الدين، ونحوه عن المقدسيين-:

" (و) يباح (لا امرأة نظرٌ من رجل إلى غير عورة) (كما وُجِدت) لقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس:" اعتدى في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فلا يراك". وقالت عائشة:" كان رسول الله صلى الله وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المجسد ". متفق عليهما. ولأنهن لو مُنِعنَ النظر لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء لئلا ينظرن إليهم. فأما حديث نبهان عن أم سلمة قالت: (قلت: فذكر الحديث كما تقدم، ثم قال قال أحمد: نبهان روى حديثين عجيبين: هذا الحديث، والآخر:" إذا كان لإحداكن مكاتب فلتحتجب منه"، كأنه أشار إلى ضعف حديثه، إذ لم يرو إلا هذين الحديثين المخالفين للأصول. وقال ابن عبد البر: نبهان مجهول لا يعرف إلا برواية الزهري عنه هذا الحديث وحديث فاطمة صحيح فالحجة به لازمة. ثم يحتمل أن حديث نبهان خاص بأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قال أحمد وأبو داود".
وذكر الشيخ البهوتي رحمه الله نحو هذا في كتابه الآخر (2/140)، لكنه أوضح ما عزاه لأحمد من الخصوصية فقال:
" قيل لأحمد: حديث نبهان لأزواجه صلى الله عليه وسلم وحديث فاطمة لسائر الناس؟ قال:نعم".
وزاد ابنا قدامة المقدسيان:
" وإن قدر التعارض فتقديم الأحاديث الصحيحة أولى من الأخذ بحديث مفرد في إسناده مقال".

وما عزّوه لأبي داود ثابت في بعض النسخ من " سننه"، كما في نسخة " عون المعبود" قال أبو داود:
"هذا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ألا ترى إلى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم…".
وخلاصة الكلام على هذا الحديث أن الشيخ ومقلديه قد خالفوا – لضيق فقهم العلمي –الإمام أحمد ومتَّبعيه من الحنابلة الكبار وغيرهم حديثياً وفقهياً.
أما الأول، فلأنهم صححوا الحديث وهو عند أحمد وغيره ضعيف معلَّل بالجهالة، ولم يتنبه لها ابن القطان في" نظره" (66/1) فإن من عادته أن يعلَّ الحديث بمثلها بل وبالجهالة الحالية عنده كما فعل بحديث أم صبية:" اختلفت يدي ويد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضوء من إناء واحد" وهو حديث صحيح مخرج في" صحيح أبي داود" (71).
وأما الآخر، فلأنهم حملوه على عموم النساء وهو خاص بنسائه صلى الله عليه وسلم وهو الذي استحسنه الحافظ في " التلخيص" وقال:
" وبه جمع المنذري في حواشيه، واستحسنه شيخنا".
وأما غير الحنابلة، فقال القرطبي في "تفسيره":" هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل لأن راويه نبهان ممن لا يحتج بحديثه".
فما الحيلة مع الشيخ الذي يأخذ من الأقوال ما يشتهي ولو تبين خطؤها ومخالفتها لقواعد العلماء؟!
هذا، ولا بد لي من التنبيه على بعض تدليسات وتضليلات ومشاغبات الشيخ عبد القادر السندي في" حجابه" واستغلاله لزلات بعض العلماء وإعراضه عن تطبيقه لقواعدهم العلمية التي وضعوها لمن بعدهم ليلتزموها ويسلِّموا قيادة عقولهم لها لا لينحرفوا عنها إلى تقليدهم فيما خالفوا فيه قواعدهم كما فعل في ترجمة السبيعي وغيره في حديث الخثعمية (ص26) فأقول:
أولاً: كرر مرتين في صفحة واحدة (49) زعمه أن إسناد هذا الحديث صحيح! ثم أكَّد ذلك في الصفحة التي بعدها! مذكراً بالمثل المعروف: " عنزة ولو طارت" ! لأنه مجرد دعوى لم يثبتها بترجمته لرواية نبهان على الأقل وما قاله كل أئمة الجرح فيه، دون الاقتصار على نقل التوثيق دون التجهيل ويؤكد هذا ما يأتي.
ثانياً: كتم قول الحافظ في "التقريب":"مقبول" لأنه يعلم أنه يعني به أنه لين الحديث وأنه يعارض قول الحافظ في "الفتح" فيه، والذي لا وجه له في العلم كما تقدَّم.
ثالثاً: قال عقب قوله المشار إليه في " الفتح":
" ونقله العلامة المباركفوري في " تحفة الأخوذي" وأيَّده"!
وهذا كذب على المباركفوري لأنه لا يلزم من مجرد النقل التأييد- كما لا يخفى على أهل العلم – ولا سيما وأنه قد نقل قول الحافظ في" التقريب"- وإن لم يشر إليه-:" نبهان مقبول من الثالثة"، نقله هذا في أول شرحه للحديث وقول " الفتح" في آخره فإن كان هذا تأييداً فذاك تأييد أيضاً، فالمباركفوري مجرد ناقل، ولم ين في صدد البحث والتحقيق ليرجِّح قولاً على آخر بخلاف السندي، ولذلك كتم قول " التقريب" لأنه يستلزم ضعف الحديث، لعلم السندي بأنه يعني أن نبهان لين الحديث، لأنه ليس له متابع، ولذلك فهو يجري على القاعدة اليهودية المشؤومة:" الغاية تبرر الوسيلة"! ولولا ذاك لنقله أيضاً، وحاول التوفيق بينهما، ولكنه لما كان يعلم – فيما أظن- أن الجرح مقدم على التعديل- وبخاصة إذا كان التعديل يحتاج إلى تعديل –رأى أن التولي والهرب نصف الشجاعة- كما يقال في بعض البلاد- فكان منه ذلك الكتمان! والله المستعان.
رابعاً: نقل السندي ترجمة نبهان من " تهذيبَي " المزِّي والعسقلاني، وفيهما: أن ابن حبان ذكره في "الثقات" ! موهماً القراء أنهما وثّقاه أيضاً وليس كذلك، كما هو معروف عند العلماء العارفين بأسلوبهما الذي هو مجرد نقل ما قيل في المترجم جرحاً وتعديلاً، ولذلك ألّف الحافظ كتابه المتقدم:" تقريب التهذيب" فإنه مجتهد فيه غير ناقل، يقدم فيه رأيه في المترجم بأقل ما يمكن من الألفاظ، والبحث في تحقيق هذا مما لا مجال له هنا، وحسب القارئ اللبيب المنصف مثالاً على ما ذكرت، أن الحافظ الذي ذكر في " تهذيبه" توثيق ابن حبان نبهان، لم يتبنَّ ذلك في " تقريبه"، بل ليَّنه بقوله فيه:" مقبول"، يعني: عند المتابعة، وإلا فليّن الحديث عند التفرد- كما هنا- هذا اصطلاحه فيه كما نص عليه في مقدمته.
خامساً: ثم نقل السندي من " تهذيب المزّي " الحديثين اللذين تعجب من ضعفهما الإمام أحمد- كما تقدم- أحدهما هذا الحديث:" أفعمياوان أنتما؟!" وقال عقبهما:
" قلت: يرى الإمام المزّي رحمه الله – كما علمت من سياق كلامه- أنه يحتج بهذه الأحاديث (كذا) التي رواها في ترجمة نبهان، ويرى أن نبهان ثقة يحتج بحديثه، كما نقل عن النسائي بأنه أخرج حديثه الثاني من وجوه أخرى".
قلت: فيه أربعة أكاذيب على الحافظ المزّي:
الأولى: أنه يحتج بالحديثين المشار إليهما- وقوله:" الأحاديث " من مبالغته التي لا يخفى على أحد!- وذلك لأن الحافظ لم يزد على ذكرهما بإسنادهما ليبيِّن أنه ليس عند أصحاب السنن غيرهما، ونقل عقبهما تصحيح الترمذي لهما، وليقول عقبهما:" فوقع لنا بدلاً عالياً"، فاستغل السندي ذلك وعزا إلى الحافظ أنه يحتج بهما! فصنيعه هذا مثل صنيعه المذكور في (رابعاً) والرد هو الرد نفسه.
الثانية: أن المزّي يرى أن نبهان ثقة، وهذا كالذي قبله، والرد هو المشار إليه آنفاً.
الثالثة: عزوه للمزّي أنه قال:" أخرجه من وجوه أخرى".
فهذا كذب محض أو تدليس خبيث، فإنما قال المزّي:" من وجوه أخرى عن الزهري"! وكنت أود أن أقول: لعله سقط من قلمه سهواً قوله:" عن الزهري" لولا أنه كرر ذلك مرة أخرى في الصفحة نفسها،وأنه لا فائدة من نقله الجملة بتمامها، بل هي حجة عليه، لأنها صريحة الدلالة بتفرد نبهان بالحديث فليتأمل العاقل ما يفعل الهوى أو الجهل بصاحبه، وفي أي واد سحيق يرديه. نسأل الله السلامة.
الرابعة: تجاهله مخالفته لحديث مسلم عن فاطمة ببنت قيس كما بيَّنه العلماء، وأصرح منه رواية الطبراني في" الكبير" بسند صحيح عنها قالت:
" وأمرني صلى الله عليه وسلم أن أكون عند أم مكتوم، فأنه مكفوف البصر لا يراني حين أخلع خماري".
فهذه أحاديث خمسة من الأحاديث الضعيفة التي يتداولها أكثر المؤلفين في تحريم وجه المرأة وكفيّها،وهم يختلفون في الإكثار والإقلال منها حسب توسع أحدهم في الموضوع وما يتصل به، وأوسعهم في ذلك الشيخ التويجري- هداه الله- فقد سن لهم سنة سيئة، فإنه حشد في كتابه كل ما عثر عليه من الأحاديث الواهية التي يتوهم أنها تقوي حجته، ولا يشعر أنها في الواقع تَفُلُّ " صارمه" وتجعله ينبو ويكلّ عن القيام بما كان يرمي إليه! وقد بلغ عددها قرابة خمسين حديثاً مرفوعاً- أو تزيد- منها الضعيف، والمنكر جدّاً، والموضوع.
ومن المفيد أن أقدم إلى القراء الكرام نماذج منها، ليكونوا على علم بها أولاً وليعرفوا حقيقة علم الشيخ ومن سار مسيرته ثانياً دون الكلام على أسانيدها مكتفياً بالإحالة إلى كتابي الذي خرجته فيه وتكلمت عليه مفصلاً
1- " قول فاطمة رضي الله عنها لما سئلت: ما خير للنساء؟ فقالت: أن لا يرين الرجال ولا يرونهن. (ص30) ". " سلسلة الأحاديث الضعيفة"
2- " ما من امرأة تنزع خمارها في غير بيت زوجها، إلا كشفت الستر فيما بينها وبين ربها (ص31) ". " الضعيفة"
والحديث صحيح بلفظ:"ثيابها" مكان " خمارها" وهو ثابت في عدة روايات ذكرها الشيخ نفسه فلماذا ذكر الشيخ هذا اللفظ المنكر:
"خمارها"؟! ألم يعلم أنها مخالفة ليس فقط للروايات الأخرى بل ولقوله تعالى في آية النور:{ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن…} إلى أن قال:{ أو نسائهن}؟! لأن المقصود بالحديث نزع ثيابها كلها في حمام السوق- كما هو مشروح في " آداب الزفاف"- أما أن ترفع خمارها في غير بيت زوجها أمام النساء المسلمات، فلآية صريحة بذلك وسترى في الحديث التالي.
3- " عورة الرجل على الرجل… وعورة المرأة على المرأة كعورة المرأة على الرجل. (ص38) ". " الضعيفة"
ثم فسر الشيخ معناه ثم نقل (ص41) عن النووي أنه قال:
" وعورة الرجل مع الرجل ما بين السرة والركبة وكذلك المرأة مع المرأة".
وأقره الشيخ على ذلك، وأشاد به في فهرس كتابه وذلك مثل محمد كلكل الذي سمى كتابه " فقه النظر" (ص138) ! ولا فقه ولا نظر! وانظر التعليق (1) (ص128).
وهو من العجائب التي يحار المسلم الذي أنجاه الله من الجمود على المذهب كيف يقولون بأن عورة المرأة مع المرأة ما بين السرة والركبة؟! فإن هذا مع كونه مما لا أصل له في الكتاب والسنة بل هو خلاف قوله تعالى في آية النور"{ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن …} إلى قوله تعالى: { أو نسائهن}، فإن المراد مواضع الزينة، وهي: القرط والدملج والخلخال والقلادة، وهذا باتفاق علماء التفسير وهو المروي عن ابن مسعود وذكره الشيخ التويجري نفسه في كتابه (ص156).
فهذا النص القرآني صريح في أن المرأة لا يجوز لها أن تُبدي أمام المسلمة أكثر من هذه المواضع فهل الشيخ يرى أن من مواضع الزينة المذكورة في الآية: صدرها وظهرها وخصرها؟! والله، لقد احترت في هذا الشيخ الذي يجمع في ذهنه بين المتناقضات ! فيشتد على المرأة تارة فيبيح لها ما حرم الله من إبدائها لأختها المسلمة ما فوق سرتها! الأمر الذي لم يقع فيه بعض الحنفية المتهمين بالأخذ بالرأي، فلم يقولوا بقول الشيخ هذا، فلم يبيحوا الظهر والبطن، لأنها ليست بمواضع الزينة، كما في " البحر الرائق" (8/220) ومما زادني حيرة أنه بذلك خالف أيضاً رواية ابن مسعود التي عليها المفسرون، وارتضاها الشيخ (ص156) لأنها في رواية أخرى عنه توافق تشدده المذكور ! فهل هو الجهل أو التجاهل واتباع الهوى؟!
لست أدري والله! وقلَّده في الأمرين الأخ العدوي في "حجابه" و "أحكامه" (16-17)، مع علمه وهو ومقلِّده بكثرة المفاسد التي تترتب من تكشف النساء أمام النساء المسلمات بل وأمام الذمّيات أيضاً، بل وأمام الرجال المحارم أيضاً على " مذهب" التويجري!
4- " إن النساء سفهاء، إلا التي أطاعت قيِّمها. (ص68) ".
"الضعيفة" (436).
5- " هلكت الرجال إذا أطاعت النساء. (ص68 أيضاً) ".
" الضعيفة"
6- " ما من صباح إلا وملكان يناديان: ويل للرجال من النساء، وويل للنساء من الرجال. (ص70) ".
" الضعيفة" (2018).
7- " اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن إبليس طلاعٌ رصاَّد، وما هو بشيء من فخوخه بأوثق لصيده في الأتقياء من النساء. (ص71) ".
وهذا من موضوعاته! " الضعيفة" (2065).
8-" النظرة الأولى خطأ، والثانية عمد، والثالثة تدمّر. نظر المؤمن إلى محاسن المرأة سهم من سهام إبليس مسموم… الحديث. (ص137) ".
موضوع أيضاً، وتمام الحديث ضعيف. " الضعيفة" (5970).
8- " نهى أن يحدَّ الرجل النظر إلى الغلام الأمرد. (ص 139) ".
9- موضوع أيضاً." الضعيفة" (5969).
01- " من قعدت منكنَّ في بيتها، فأنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله. (ص248) ".
" الضعيفة" (2744).
هذه نماذج من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي هي بعضٌ مما سوَّد به التويجري كتابه، وهي قلّ من جلّ كما أشرت آنفاً،وتقدمت نماذج أخرى من قبل.
وإليك مثالاً آخر من نوع جديد يحاول فيه تقوية حديث لقيس بن زيد، استدل به مشروعية استتار النساء عن الرجال- وهو مما لا نزاع فيه، خلافاً لما يوهم به قرّاءه- فيه تجلبب حفصة بعدما طلقها صلى الله عليه وسلم، قال الشيخ (ص182-183) هداه الله وعلَّمه:
" رواه الطبراني، قال الهيثمي: ورجاله رجال " الصحيح". قلت: ورواه ابن سعد والحارث بن أبي أسامة بأسانيد صحيحة، وهو حديث مرسل على الصحيح، وله شاهد من حديث أنس رضي الله عنه الحاكم وغيره".
قلت: هذا تخريج الشيخ وهو على اختصاره فيه خرافات عجيبة:
أولاً: قوله: "بأسانيد صحيحة". باطل من ناحيتين:
الأولى: أنه ليس له إلا إسناد واحد.
والأخرى: أن هذا الإسناد نفسه ليس بصحيح، فقد أعلّه ابن عبد البر والحافظ بالإرسال، كما هو مذكور في الكتاب (ص86) والشيخ نفسه يقول به !
ثانياً: كيف يكون له أسانيد صحيحة وهو يقول عقبه مباشرة:
" وهو حديث مرسل على الصحيح"؟!
هذان قولان متناقضان لا يجتمعان في مخِّ أحد شمَّ شيئاً من رائحة هذا العلم الشريف، والأمر واضح جداً لا يحتاج إلى بيان.
وبناء على ما تقدم، إلا يحق لي أن أقول: فمن كان هذا حاله في الجهل بعلم الحديث، وعجزه عن معرفة الحديث الصحيح والضعيف-ولو من طريق التقليد الذي هو الجهل بعينه كما يقول العارفون- فما له ولإدخاله نفسه في زِمرة العلماء والفقهاء، بل والرد عليهم وتسفيه آرائهم؟! لا أعني نفسي- وإن كنت أرجو أن أحشر معهم- وإنما أعني جمهور العلماء من السلف والخلف والإمام الألبانى الذين تجاهل الشيخ قولهم المبطل لقوله هو، كما تقدم بيانه فيما سلف،
البحث الثامن: إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها وكفيه

وقي البحث التالي ما يؤكد ما تقدم آنفاً من جهل الشيخ- ومن جرى مجراه- بعلم الحديث، وطرق نقده تصحيحاً وتضعيفاً حسب القواعد العلمية الصحيحة، وتعصبهم على حديث النبي صلى الله عليه وسلم:" إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها وكفيها".

أقول وبالله أستعين:
لقد تهافت القوم على نقد هذا الحديث وتضعيفه، مخالفين في ذلك من قوّاه من حفاظ الحديث ونقاده: كالبيهقي في "سننه"، والمنذري في " ترغيبه"، والذهبي في " تهذيبه"، وغيرهم، وقد اختلفت أساليبهم في ذلك فمنهم من قنع بذكر طريق واحدة وتضعيفها، ومنهم من زاد على ذلك كما سنرى، ولكنهم جميعاً اتَّفقوا على نقل ما قيل في الراوي من الجرح دون التوثيق، بل إن بعضهم دلَّس وأوهم أنه ليس هناك موثّق، بل وأنه في منتهى درجة الضعف بحيث أنه لا يُستَشهَد به، وهذا كذب محض كما اتفقوا جميعاً على مخالفته قاعدة العلماء في تقوية الحديث بالطرق والآثار السلفية، الأمر الذي أكد لي أنهم في هذا العلم، ولئن كان فيهم من هو على شيء من المعرفة به، فقد جار على السنَّة، وحاد عن الحق اتباعاً للآباء والمذاهب.
وبيان ذلك من ثلاثة وجوه:

الأول:أن مع كون الامام الالبانى قد خرَّج الحديث في كتابه هذا من حديث عائشة، وأسماء بنت عميس وقتادة، ومبيناً علة إسناده الأوَّلين، وإرسال الثالث، فأن جمهوركم كتم هذه الحقيقة، وأوهموا قراءهم أنه إنما استدلل بحديث عائشة وَحدهُ فقط، وأنه ما بيّن ضعف سنده وليس كذلك كما هو الكتاب مسطور، ويأتي بيانه الآن ومن أولئك الجمهور: الشيخ التويجري، وابن عُثيمين، والشنقيطي في " الأضواء" (6/ 197)، وغيرهم ولقد كان الواجب عليهم- لو أنصفوا- أن يبيِّنوا نقطة الخلاف بينه وبينهم وأن لا يوهمهم خلاف الواقع! فيحملوا وزر ممن يصرِّح كمؤلفة " حجابك أختي المسلمة"، فقد قالت (ص33):" أما الفئة التي أجازت كشف مقلّدة للتويجري في هذا النفي (ص 236) ويبدو من تعريفها للحديث المرسل أنها لا تَفقه شيئاً من علم المصطلح البتة!
الثاني: أنه لا يجوز لهم أن يقتصروا على تقل أقوال الجارحين للراوي دون أقوال المخالفين لهم، ولا سيما وهو في صدد الرد على مخالفيهم، فإنه ينافي الأمانة العلمية المنوطة بهم كما هو ظاهر،وقد توليَّ كِبرَ هذا الكتمان الشيخ عبد القادر السندي-هداه الله فإنه أضاف إليه أنه أوهم القراء أن الكتمان ممن صنيع الذهبي وهو منه بريء، كما أنه لم يذكر من الأحاديث الثلاثة- تبعاً للشنقيطي والتويجري وابن عثيمين – إلا حديث عائشة! فقال بعد أن ذكر انقطاعه المعروف (ص 13-14):
" قلت: في إسناده علَّة أخرى قادحة، وهي أن سعيد بن بشير منكر الحديث قال الإمام الذهبي…".
ثم سوّد ستة أسطر كلها من عبارات الجرح وعلق عليها عازياً:
"ميزان الاعتدال للإمام الذهبي 128/2"!
فأقول: إذا رجع القراء إلى هذا المصدر الذي منه نقل السندي تلك العبارات وجد العجب العجاب والجرأة الغريبة في التدليس والتضليل فإنه ترك من " الميزان " ما يختلُّ به ميزان النقد والاعتدال فيه! وإليك بعضاً مما ترك هداه الله!
1- وقال أبو حاتم:" محلُّه الصدق".
2- وقال شعبة:" صدوق اللسان".
3- وقال ابن الجوزي:" قد وثقه شعبة ودحيم".
4- وقال أبو حاتم:" يحوِّل من (كتاب الضعفاء) ".
5- قال ابن عدي:" لا أرى بما يروي بأساً…".
هذه الأقوال كلها مما كتمه الشيخ السندي- هداه الله- عن قرائه، وهي كلها في"الميزان" الذي نقل منه ما تقدم من الجرح، فعل ذلك ليتسنى له أن يختم تلك العبارات الجارحة بقوله:
" هذه الرواية لا تصلح أن تكون صالحة للمتابعات والشواهد… فيكون إسناد هذا الحديث ضعيفاً جدّاً".
هذا هو بيت القصيد- كما يقال- من كتمانه لعبارات التوثيق هذه لأنها تَحول بينه وبين التضعيف الشديد الذي تبناه في نفسه سلفاً، ثم أخذ من كلام الذهبي ما يوافقه، ولم يكتف بما يبق من التدليس والتزوير، بل زاد- ضغثاً على إبّالة- فقال عقب قوله الآنف:
" راجع المراجع الآتية:" الكامل" لابن عدي … وغيرها من كتب الرجال حتى تقف على الرجل، والله المستعان".
قلت: وذكر مع " الكامل" سبعة مصادر أخرى، فإذا رجع القراء إلى بعضها وجدوا خلاف ما يعنيه من التضعيف الشديد، فمنها:
1-:" التاريخ الكبير" للبخاري، قال (2/1/460):
" يتكلمون في حفظه".
زاد فيه ابن عساكر في " التاريخ" (7/215- المصورة)، " والتهذيب":
" وهو محتمل".
2- " الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم، فإذا رجعت إليه وجدت فيه:
أولاً: عن ابن عيينة:"كان حافظاً".
ثانياً: عن أبي زرعة الدمشقي قال: سألت دحيماً: ما كان قول من أدركت في سعيد بن بشير؟ فقال:
" يوثقونه، وكان حافظاً".
ثالثاً: قال أبي وأبو زرعة:
" محله الصدق عندنا".
رابعاً: سمعت أبي ينكر على من أدخله في "كتاب الضعفاء"، وقال: " يحوَّل منه".
3- "الكامل" لابن عدي، ختم ترجمته بقوله (3/376):
" ولا أرى بما يروي الوليد بن مسلم عنه بأساً، ولعله يَهِمُ في الشيء بعد الشيء ويغلط، والغالب على حديثه الاستقامة، والغالب عليه الصدق".
4- " الضعفاء" لابن الجوزي قال فيه (1/325) - بعد أن حكى أقوال مضعِّفيه-:
" وقد وثَّقه شعبة ودحيم".
قلت: وهناك مصادر أخرى أشار إليها السندي بقوله:" وغيرها" ومنها:
5- " تهذيب التهذيب" قال فيه: قال البراز:
" وهو عندنا صالح، ليس به بأس".
6- "الكاشف " للذهبي، قال:
" قال البخاري: يتكلمون في حفظه، وهو محتمل. وقال دحيم: ثقة، كان مشيختنا يوثِّقونه".
ولم يذكر الذهبي شيئاً من أقوال مَن جرحه، فهذا معناه أنه مقبول عنده، ويؤيده أه أورده في كتابه:" معرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد" (ص112/144):
" وثقه شعبة وغيره، وقال البخاري: يتكلمون في حفظه، وقال النسائي: ضعيف".
قلت: فهذه النصوص من هؤلاء الأئمة- ومن المصادر التي أحال السندي القراء إليها- يؤكد بكل وضوح أنه كان يدلس على القراء لأنها لا تدل على أن سعيداً هذا ضعيف جدّاَ لا يصلح للاستشهاد به، بل هي إن لم تدل على أنه وسط يستدل بحديثه، فهي على الأقل تدل على أنه يعتبر ويتقوّى به، وهذا ما صرّح به الزيلعي، فقال في" نصب الراية" (1/74) - بعد أن ذكر بعض ما قيل فيه مما تقدم-:"وأقلّ أحوال مثل هذا أن يستشهد به".
قلت: وهذا مطابق تماماً لما جري عليه الفاضل العلامة الالبانى عليه في " الحجاب" من تقوية حديثه، وأنه صالح للاستشهاد به، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
والخلاصة: أنني لا أريد مما سبق إلا بيان ما فعله المشايخ- وبخاصة السندي منهم، فضلاً عمّن قلدهم وألّف في تضعيف الحديث-من كتمان الأقوال الموثّقة لسعيد والمقوّية لحاله، وأنه صالح الاستشهاد به. والله الموفق.

الثالث: أنهم جهلوا أو تجاهلوا أن سعيد بن بشير هذا لم يتفرد بمتن هذا الحديث، بل قد تابعه عليه ثقة حافظ عند أبي داود في " المراسيل" (310/437) بسنده الصحيح عن هشام عن قتادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكره نحوه.
وهشام هذا هو ابن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة ثبت من رجال الشيخين.
قلت: فهذه متابعة قوية من هشام لسعيد تدل على أن سعيداً قد حفظ متن الحديث وأخطأ في إسناده إلى عائشة لمخالفة هشام إياه، فإنه لم يجاوز به قتادة، فيكون إسناده مرسلاً صحيحاً، لأن قتادة تابعي جليل، قال الحافظ في " التقريب":
" ثقة ثبت".
وحينئذ يجرى فيه حكم الحديث المرسل إذا كان له شواهد وهذا ما سيأتي بيانه، ومن جهل بعض المتعلقين بهذا العلم، أنه بعد أن ضعَّف رواية سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة تضعيفاً شديداً عاد يعتمد عليها ليضرب بها رواية قتادة هذه الصحيحة المرسلة، فقال:
" فإن قتادة قد روى الحديث عن خالد بن دريك عن عائشة، فلا يمتنع أن يكون أسقط خالداً وعائشة، فذكر الحديث مرسلاً، إذ أن قتادة مدلس"! كذا قال العدوي في " حجابه" (71) وتبعه العنبري في كتيبه (ص25).
فتأمّل كيف جزم برواية قتادة عن خالد… بعد أن ضعفها جدّاً، فتأول بها رواية هشام عن قتادة الصحيحة؟! أليس هذا من قبيل اللعب على الحبلين أو الكيل بكيلين؟!
أما الالبانى، فقد رجح رواية هذه المرسلة لقوة إسنادها اتباعاً لعلم الحديث، وإن كنا نعتقد أن ذلك لا يوهن من حجته شيئاً لأن كلاً من الرواية المرسلة والمسندة تؤيد الأخرى متناً، ويشهد لهما الحديث الثالث عن أسماء بنت عميس المذكور وقلد صنع فيه العدوي ما صنع السندي في حديث عائشة! فقد أعلن (ص 70) أن ضعفه شديد، ثم بيَّن له ثلاث علل ليس فيها ما يؤيد المذكور:
الأولى: ابن لهيعة. وكان الالبانى ذكرها في " الحجاب" وبين أنه يستشهد به، وهو الذي عليه العمل عند الحفاظ كابن تيمية رحمه الله، كما سيأتي
الثانية: عياض بن عبد الله. فذكر اختلاف العلماء فيه، وأن أكثرهم ضعفه، وهذا كما ترى لا يعني أنه شديد الضعف بل هو كابن لهيعة، كما يدل على ذلك قول الحافظ في " التقريب": " فيه لين". ولذلك تحاشاه العدوي!
الثالثة: قول الراوي:" أظنه عن أسماء …". قال:" هذا يوهن السند"!
فأقول: كلا، لأن المراد: الظن الراجح، وهو مما يجب العمل به-كما هو مقرر في علم الأصول- على أن القول المذكور إنما جاء في الرواية البيهقي فقط، خلافاً لرواية الطبراني في "المعجم الأوسط"، والطريق واحدة، خلافاً لروايته في "المعجم الكبير" من طريق أخرى عن ابن لهيعة.
ثم هب أن هذا القول في الرواية، فمن أين لك أنها تعني الضعف الشديد زعمته؟! إذ المعنى المتبادر أنه يظن- أعني: الراوي- أن الحديث عن أسماء أو غيرها من الصحابة، وأسوأ الاحتمالات أنه لا يدري هل هو مسند عن صحابي أو مرسل؟! فهل ذلك يجعل الإسناد ضعيفاً جداً؟! أم هي الأهواء التي تُعمي وتُصم؟! ولعله مما يؤيد ما ذكرته من الظن الراجح أن عبيد بن رفاعة الراوي عن أسماء معروف بروايته عنها من غير هذه الطريق في " السنن الأربعة" و "المسانيد" وغيرها، وله فيها حديث كان الالبانى قد أ خرجه في" سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (1252) وغيره.
ثم جاء من بعد العدوي من قلَّده في زعمه بشدة في العلّتين الأوليين دون الثالثة، وكأنه بدا له أنه لا قيمة لها، وأنها ليست بعلّة مطلقاً، ولكنه زعم علة أخرى هو فيه أبطل من مقلده، فزعم أن عبيد بن رفاعة مجهول لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي، ذاك هو العنبري إذ قال في كتيبه (ص16):
" ولا يخفى أن توثيقهما رخو لا يعتمد عليه".
كذا قال أصلحه الله فإن الرخاوة التي زعمها ليست على الإطلاق وإنما في توثيق من لا يعرف إلا برواية الواحد والإثنين كما حققه في غير هذا الموضع، وعبيد هذا ليس كذلك فقد روى عنه جمعة من الثقات كما ترى في التهذيب ووثقه الذهبي في التلخيص، وصحح له الترمذي والحاكم، ثم هو إلى ذلك تابعي ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بل قيل بصحبته، فالعجب بهؤلاء الناشئين المغرورين بأنفسهم وجرأتهم وتسرعهم في إصدار الأحكام على الرواة وغيرهم بما لم يسبقوا إليه من الحفاظ والنقاد!الأمر الذي يذكرنا بالمثل المعروف:" تزبّب قبل أن يتحصرم"! على أنه لو سلمنا بجهالة عبيد هذا، فذلك لا يمنع من الاستشهاد به، كما سيأتي في كلام ابن تيمية

ومن ذلك أن المومئ إليه انتقد علي الحلبي لأنه استشهد في تقوية حديث عائشة بقول الحافظ في "التلخيص": وله شاهد أخرجه البيهقي…" وذكر إسناده بحديث أسماء وسقوط الحافظ عليه، فقال الحلبى عقبه (39):
" كأنه يحسنه به، كما هو معروف من منهجه رحمه الله تعالى، إذ لا يورد شاهداً إلا لما ينجبِرُ عنده، و إلا فماذا يفيده الشاهد إذا كان غير نافعه؟!".
فانتقده المومى إليه بما خلاصته (ص16): أن المحدثِّين الأقدمين منهم والمعاصرين ما زالوا يذكرون الحديث الضعيف أو الموضوع، ويوردون شواهده التي لا تزيده إلا وهناً على وهن، ولم يقل أحد: إنهم بذلك يحسِّنون الحديث! ثم ذكر ستة أمثلة على ذلك: أحدهما من" اللآلي " للسيوطي، والأخرى من " الضعيفة" و" الإرواء"! ثم أجاب عن سؤال طرحه هو، خلاصته: أن إيراد المحدِّثين للطرق الضعيفة إنما هو من اجل التنبيه على ضعفها!
قلت: وهذا انتقاد باطل يدل على جهل بالغ بهذا العلم الشريف وأصوله، فإن تقوية الحديث بكثرة الطرق- بشرط أن لا يشتد ضعفها- أمر معروف وسبيل مطروق عند علماء الحديث، لا حاجة للاستدلال له، وهو الحديث الحسن لغيره الذي يكثر الترمذي من ذكره في " سننه"، وتحدث عنه في "العلل" الذي في آخره (10/457)، وكتبي طافحة بهذا النوع من الحديث والتذكير به، ولا سيّما " الصحيحة" منها، وكذلك النقل عن كتب التراجم، وتفريقهم بين الراوي الضعيف، والأمثلة التي ذكرها تختلف كل الاختلاف من ناحيتين:
إحداهما: أنها- أعني: الأمثلة- شديدة الضعف، فلا تصلح للشهادة.
والأخرى: أن الذين أوردوها أتبعوها ببيان شدة ضعفها، فأين هذا من صنيع الحافظ رحمه الله تعالى الذي رده المومى إليه؟! فأن الحافظ لم يتبيّن ضعفه، ولو فعل لم يصح تشبيهه بتلك الأمثلة لأنه ليس شديد الضعف. وأما جوابه المذكور، فهو مما يؤكد جهله بهذا العلم لأنه لم يبين سبب التنبيه على الضعف يسيراً، وتعددت طرقه، تقوى الحديث، ووجب العمل به، كحديثنا هذا، وإلا كان غريباً لم يجر العمل به، بل ولا روايته إلا ببيان ضعفه، وهذا ما أخل به جماهير المؤلفين، فأنهم يتساهلون برواية الأحاديث الضعيفة دون بيان ضعفها، كما فعل التويجري في الأمثلة العشرة المتقدمة، وتجاهل هو وغيره هذا الحديث بطرقه، من جهة أخرى، والسندي والعدوي وغيرهما يعرفون هذا جيداً، ولذلك زعموا شدة ضعف طرقه، وقلدهم في ذلك المومى إليه- كما تقدم –دون أن يتنبه إلى ما يرميان إليه من الزعم المذكور!
ثم استدركت فقلت: بلى إنه قد تنبه لذلك، وتابعهم عليه قصداً فإنه لما تكلم على إسناد حديث قتادة المرسل قال (ص23):
" الحق أن الإسناد إلى قتادة صحيح نظيف جداً، وصواب أن المرسل إذا اعتضد بسند ضعيف، فإنه يصير صحيحاً محتجاً به، هذا حق لا جدال فيه، ولكن فات أولئك الذين يعتمدون هذا الكلام أن مراسيل قتادة ضعيفة لا تقوم بها حجة أبداً"!
ثم سود أكثر من صفحة بالنقل عن بعض اللائمة أنه لا يحتج بمرسل قتادة، وأنه بمنزلة الريح.
فأقول – والله المستعان على نابتة هذا الزمان-:
عدم الاحتجاج بمرسل قتادة ليس موضع خلاف، وإنما هو: هل يتقوى بالمسند الضعيف أم لا؟ هذا هو الموضوع، فنحن نرى تبعاً للبيهقي وغيره أن يتقوى، وهو صحيح قول المومى إليه:" وصواب…" إلخ، ولكنه حداثته لم يثبت عليه، فنقده بقوله:" ولكن فات أولئك.."! ولذلك رد بقلة أدب وجهل بالغ على البيهقي تقويته لمرسل خالد بن دريك الذي كان الالبانى نفله عنه في "الكتاب" (ص59)، فقال هذا الحدَث (ص25):
" فليس قوياً، لأن المرسل ضعيف…".
فأقول: لم يفت الالبانى –والحمد لله- ما زعمت، فإنه لم يحتج بمرسل قتادة، وإنما انضم إليه من الشواهد، كما كان ذكر في "الجلباب" (ص58-59)، وإنما أنت الذي فاتك" صوابك" الذي قوَّى مرسل خالد بن دريك بقول الصحابة- يعني: ابن عباس وابن عمر وأبا هريرة وغيرهم، كما تقدم (ص34 و 49-51) و (ص59) من " الجلباب" –فلم ترفع إلى ذلك رأساً، واستكبرت وقلت دون أدنى خجل:" هو معارض بقول من مضى الصحابة أيضاً؟،وقد سلف قول ابن مسعود رضي الله عنه"!
فأقول: هذه المعارضة تدلنا على أنك متطفِّل في هذا العلم، وأنك تعرف بما لا تعرف، فمن هم الصحابة الذين تعارض بقولهم قول الصحابة الذين أشار إليهم البيهقي؟! إنهم لا وجود لهم إلا في مخيِّلتك! فالمعارضة باطلة.
وأما قول ابن مسعود فقد سبق الجواب عنه ، ثم هو فرد خالفه جماعة، فإن صحَّحت المعارضة به فلا بد من مرجّح، وهو الحديث الذي عمل به مخالفوه، فبه يترجَّح قولهم على قول ابن مسعود، وتسقط المعارضة به، ويسلم قول البيهقي ومن تابعه،وهم جمهور الصحابة والأئمة، كما تقدم بيانه لا تجده في مكان آخر.

وتقوية المرسل بالشواهد أمر معروف لدى العلماء ولو كان النوع الذي لا يحتج به، كما قال أحمد:" ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح"- كما في " جامع التحصيل" للعلائي (102) - فالحسن:" لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" ببعض ما قوينا نحن به حديث قتادة، فقال في كتابه:" أحكام القرآن" عقب هذا المرسل:
" وهذا وإن كان منقطعاً (يعني: مرسلاً) فأن أكثر أهل العلم يقول به، ويقول: الفرق بين النكاح والسفاح الشهود، وهو ثابت عن ابن عباس وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم".
قال البيهقي:
" أكَّد الشافعي رضي الله عنه مرسل الحسن بشيئين:
أحدهما: أن أكثر أهل العلم يقول به.
والثاني: أنه ثابت عن ابن عباس من قوله".
قلت: وهذا الذي به الإمام الشافعي حديث الحسن المرسل يصدق تماماً على مرسل قتادة، فإنه قد عمل به أكثر العلماء- ومنهم الإمام أحمد في رواية كما تقدم-وهو في الوقت نفسه عن ابن عباس من قوله من طرق عنه صحيحة كما تقدم هنا، وفي " الكتاب" أيضاً، وأكدته في " البحث الخامس"، و من "البحث السابع".
وهناك مقوٍّ ثالث لحديثنا هذا يزداد به قوة على قوة، وهو أن له شاهدين مسندين من حدي عائشة وأسماء بنت عميس كما تقدم أيضاً.
ومقوٍّ رابع، وهو قول أو عمل رواته به، عائشة وأسماء بنت عميس، وقتادة.
1- أما عائشة، فقد صح عنها أنها قالت في المحرمة:
" تسدل الثوب على وجهها إن شاءت".وتقدم تخريجه (ص37)، وبه قال الأئمة الأربعة وغيرهم.2- 2-وأما أسماء، فقد صح: أن قيس بن أبي حازم دخل مع أبيه على أبي بكر رضي الله عنه وعنده أسماء، فرأياها امرأة بيضاء موشومة اليدين، .وفد عارض هذا الأثر بعض من لا علم عنده من المقلِّدة بآية (الضرب بالخُمُر)، زاعماً بأنها تعني تغطية الوجه، وقد سبق إبطال ذلك بما لا مَزِيدَ عليه.كما زعم أن كشف يديها كان للذبِّ بها عن أبي بكر، هذه ضرورة!كذا قال المسكين! كأنه لا يعلم أنها لم تكن محرمة يحرم عليها القفازان! وأن الذبَّ المذكور يمكن أن يكون باليد الواحدة، فأين الضرورة المجوِّزة للكشف عن اليدين كلتيهما، والضرورة- لو كانت – فهي تقدَّر بقدرها كما يقول العلماء، ولقد ورث هذا وأمثاله من مقلدِّيهم تسليط سيف التعطيل على النصوص، وإبطال دلالاتها الصريحة، دفاعاً عن معاني مزعومة لا حقيقة لها! فهل من معتبر؟!
3- وأما قتادة، فقد قال في تفسير آية:{ يُدنين عليهِّن من جلابيبهنّ}:
"أخذ الله عليهن أن يُقَنِّعنَ على الحواجب".والمعنى: يشددن جلابيبهن على جباههنَّ، وليس على وجوههن كما فسره الإمام ابن جرير، وتقدم بيان ذلك.فأقول: هذه الحقائق لهذا الحديث قد تجاهلها أولئك المشايخ ومقلدوهم، فخالفوا بذلك جماهير العلماء من السلف والخلف، تفريعاً في قولهم وعملهم بنص الحديث، وخالفوا علماء الحديث تأصيلاً، وهو تقوية الحديث بالطرق والشواهد فإن هذا من أصولهم التي يتفرَّع منها تقوية بعض الأحاديث التي ليس لها سند صحيح يحتج به، فمن كان جاهلاً بهذا الأصل وبطرق الحديث والشواهد وقع فيه هؤلاء من تضعيف هذا الحديث الصحيح! قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في " مجموع الفتاوى" (18/25-26):" والضعيف نوعان: 6- ضعيف لا يمتنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي، وضعيف ضعفاً يوجب تركه، وهو الواهي.وقد يكون الرجل عندهم ضعيفاً لكثرة الغلط في حديثه، ويكون الغالب عليه الصحة، (فيروون حديثه) لأجل الاعتبار به والاعتضاد به، فإنَّ تعدد الطرق وكثرتها يقوي بعضها بعضاً، حتى قد يحصل العلم بها، ولو كان الناقلون فُجَّاراً فساقاً، فكيف إذا كانوا علماء عدولاً، ولكن كثر في حديثهم الغلط؟! وهذا مثل عبد الله بن لهيعة، فإنه من كبار علماء المسلمين، وكان قاضياً في مصر، كثير الحديث، ولكن احترقت كتبه، فصار يحدث من حفظه، فوقع في حديثه غلط كبير، مع أن الغالب على حديثه الصحة، قال أحمد: قد أكتب حديث الرجل للاعتبار به، مثل ابن لهيعة".ولقد أبان ابن تيمية رحمه الله في كلمة أخرى عن السبب في تقوية الحديث الضعيف بالطرق، والشرط في ذلك، ووجوب التمسك بهذه القاعدة، فقال (13/347):" والمراسيل إذا تعددت طرقها، وخلت عن الموطأة قصداً، أو (كان) الاتفاق بغير قصد، كانت صحيحة قطعاً، فإن النقل إما أن يكون صدقاً مطابقاً للخبر، وإما أن يكون كذباً تعمّد صاحبه الكذب أو أخطأ فيه، فمتى سلم من الكذب العمد والخطأ كان صدقاً بلا ريب.وإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات (قلت: كحديثنا هذا)، وقد علم أن المخبرين لم يتواطأ على اختلاقه، وعلم أن مثل ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاقاً بلا قصد، علم أنه صحيح، مثل شخص يحدث عن واقعة جرت، ويذكر تفاصيل ما فيها من الأقوال والأفعال، ويأتيني شخص قد عُلم أنه لم يواطئ الأول، فيذكر ما ذكره الأول من تفاصيل الأقوال والأفعال، فيعلم قطعاً أن تلك الواقعة حق في الجملة، فإنه لو كان كل منهما كذبها عمداً أو خطأً، لم يتفق في العادة أن يأتي كل منهما بتلك التفاصيل التي تمنع العادة اتفاق الاثنين عليها بلا مواطأة من أحدهما لصاحبه. قال: وبهذه الطريق يعلم صدق عامة ما تتعدى جهاته المختلفة على هذا الوجه من المنقولات وإن لم يكن أحدهما كافياً إما لإرساله وإما لضعف ناقله. قال: وهذا الأصل ينبغي أن يعرف فإنه أصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي وما يُنقل من أقوال الناس وأفعالهم و غير ذلك.

ولهذا، إذا روي الحديث الذي يأتي فيه ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجهين مع العلم بأن أحدهما لم يأخذه عن الآخر، جزم بأنه حق لاسيما إذا علم أن نقلته ليسوا ممن يتعمد الكذب وإنما يخاف على أحدهما النسيان أو الغلط.

وذكر نحو هذا المقطع الأخير من كلامه رحمه الله الحافظ العلائي في" جامع التحصيل" (38) وزاد:

"فإنه يرتقي بمجموعهما إلى درجة الحسن لأنه يزول عنه حينئذ ما يخاف من سوء حظ الرواد ويعتضد كل منهما بالآخر". ونحوه في مقدمة ابن الصلاح ومختصرها لابن كثير ثم قال ابن تيمية رحمه الله تعالى (352)

" وفي مثل هذا يُنتفع برواية المجهول والسيئ الحفظ وبالحديث المرسل ونحو ذلك ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث، ويقولون: إنه يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره، ثم ذكر قول أحمد: قد أكتب حديث الرجل لأعتبره، وضرب عليه مثلاً ابن لهيعة كما تقدم في كلامه السابق (ص96).

ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية مثالاً للمرسل الذي تَقوى بجريان العمل به وهو حديث محمد ابن الحنفية قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فمن أسلم قُبل منه ومن أبى ضُرِبَت عليه الجزية على أن لا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة.

أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة والطحاوي في المشكل (2/ 415- 416) والبيهقي (9/ 192و284-285) وقال: هذا مرسل وإجماع المسلمين عليه يؤكده. وقال ابن تيمية (32/ 188-189): وقد عمل بهذا المرسل عوام أهل العلم والمرسل في أحد قولي العلماء حجة كمذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وفي الأخرى حجة إذا عضده قول جمهور أهل العلم وظاهر القرآن أو أرسل من وجه آخر وهذا قول الشافعي فمثل هذا المرسل حجة باتفاق العلماء، قلت: ومرسل قتادة هذا الذي نحن في صدد الكلام عليه وبيان صحته، قد توفرت فيه هذه الشروط كلها وزيادة كما تقدم بيانه فينبغي أن يكون حجة باتفاق لا خلاف فيه، لولا العصبية المذهبية والأهواء الشخصية والجهل بهذا الأصل العظيم الذي أشاد به شيخ الإسلام ابن تيمية وعلماء الحديث وحفاظه،وأنقذوا به مئات الأحاديث من الضعف الذي يقتضيه مفردات أسانيدها، ومن أمثلة ذلك حديث صلاة التسابيح، فإنه قد تبين بعد تتبع طرقه أنه ليس له إسناد ثابت ولكنه صحيح بمجموع طرقه، وقد صححه أو على الأقل حسنه جمع من الحفاظ كالآجري وابن منده والخطيب وأبي بكر السمعاني، والمنذري، وابن الصلاح والنووي، والسبكي، وغيرهم، ومنهم البيهقي، فقد ساقه في " شعب الإيمان " (1/ 247) بإسناد ضعيف من حديث أبي رافع ثم قال:
" وكان عبد الله بن المبارك يفعلها، وتداولها الصالحون بعضهم من بعض، وفيه تقوية للحديث المرفوع. وبالله التوفيق"
وسبقه إلى هذا الحاكم، فقال في " المستدرك" (1/319):
" ومما يستدل به على صحة هذا الحديث استعمال الأئمة من أتباع التابعين إلى عصرنا هذا إياه، ومواظبتهم عليه، وتعليمه الناس، منهم عبد الله بن المبارك…".
ثم ساق إسناده بذلك إلى ابن المبارك، وقال عقبه:
" رواته عن ابن المبارك ثقات، ولا يتّهم عبد الله أن يُعَلِّم ما لم يصح ووافقه الذهبي.
قلت: ومن كلام هؤلاء الأئمة الأعلام في إثبات هذا الأصل العظيم – ألا وهو تقوية الحديث بالطرق والشواهد- وتطبيقهم إياه في النماذج المذكورة، فهو أكبر دليل على جهل هؤلاء المُضَعِّفين لهذا الحديث، فأكنهم لا يعلمون- أو يريدون أن لا يعلموا- وما يعرف عند العلماء بالحديث الحسن أو الصحيح لغيره، وما يعرف عند العلماء بالحديث الحسن أو الصحيح لغيره، وما مثلهم في ذلك- كما قال بعضهم- إلا كمثل قاض رفعت إليه قضية تحتاج إلى شهادة رجل وامرأتين، فشهدت امرأة فردَّها، لأن شهادتها على النصف من شهادة الرجل، فجاءت أخرى فشهدت بمثل شهادة الأولى، فردها أيضاً بنفس التعليل! هذا هو مثل هؤلاء. والله المستعان.

وهذه آفة أكثر الكتّاب اليوم الذين استسهلوا هذا العلم، فانطلقوا يصححون ويضعفون دون أن يعرفوا أصوله وقواعده، فقد رأيت أحدهم جاء إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس في مالٍ زكاةٌ حتى يحول عليه الحول". فضعفه من طرقه الأربعة، وهو يعلم أن الحافظ ابن حجر وغيره قد قوَّاه، كما يعلم أن عمل الخلفاء الراشدين عليه، فلم يعبأ بذلك كله، مع أنه فاته طريق صحيح لم يتعرض لذكره، كنت أشرت إليه في تخريج الحديث في "الإرواء" (3/254/787)، وهو في " صحيح أبي داود" (1403)، فكان عليه أن يبحث عنه، وإلا سلّم لأهل العلم والاختصاص بحثهم وعلمهم.

ومن الغريب أن هذا وأمثاله من المعاصرين أشد النقمة على بعض الطلبة حين يجتهدون في بعض المسائل الفقهية- وليسوا أهلاً للاجتهاد- ثم ينسى هؤلاء الناقمون أنفسهم حين يقعون في مثل الذي أنكروا بتصحيحهم وتضعيفهم للأحاديث، وهم ليسوا من أهل الاجتهاد فيه! { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} (الصف: 2و3).

البحث التاسع: تفسير آية الزينة:{... إلا ما ظهر منها}.

بعد أن أثبتنا صحة هذا الحديث على منهج أهل الحديث وقواعد علمائه أولاً، وبتصريح بعضهم بقوته ثانياً، ودون مخالف لهم يذكر ثالثاً، أريد أن أبين لقرائنا الكرام أنه يصلح حينئذٍ أن يكون مبيناً لقوله تعالى: { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}، فقوله صلى الله عليه وسلم فيه: " لم يصلح أن يرى منها" بيان لقوله تعالى: { إلا ما ظهر منها}، أي: وجهها وكفيها، فالمنهي في الآية هو المنهي في الحديث، والمستثنى فيها هو المستثنى في الحديث، وصدق الله العظيم القائل: { وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نُزِّل إليهم} (النحل: 44)، ومن هنا يظهر دقة فهم ترجمان القرآن ومن معه من الصحابة الكرام، حين فسروا الاستثناء فيها بالوجه والكفين، ولقد كان هذا خافياً حين ألّفنا الكتاب، ثم تبيَّنا ذلك في الطبعة الجديدة (ص51- 65) وههنا. فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

وبهذه المناسبة لا بد لي من سرد أسماء الصحابة المشار إليهم، مه ذكر بعض مخرجيها ومن صحح بعضها، ليعلم القراء جهل من خالفها، أو أنكر شيئاً منها، أو ضلل من تمسك بها!

1- عائشة رضي الله عنها. عبد الرزاق، وابن أبي حاتم " الدر المنثور "، و ابن أبي شيبة، والبيهقي، وصححه ابن حزم.

2- عبد الله بن عباس رضي الله عنه. ابن أبي شيبة،والطحاوي، والبيهقي، وصححه ابن حزم أيضاً، وله عنه كما سبق (ص 49- 51) سبعة طرق.

3- عبد الله بن عمر رضي الله عنه. ابن أبي شيبة، وصححه ابن حزم.

4- أنس بن مالك رضي الله عنه. وصله ابن المنذر، وعقله البيهقي.

5- أبو هريرة رضي الله عنه. ابن عبد البر في " التمهيد".

6- المسور بن مخرمة رضي الله عنه. ابن جرير الطبري.

أعلم أنى قد أطلت كثيرا ـ ولكن ليس دون داع ـ فقد أثارنى كتاب الشيخ التويجرى هذا وافترئه على الالبانى مما جعل الكثير من العلماء حتى وأنا أتحدث معهم يصرون على القول بوجوب تغطية الوجه والكفين ، ووجدته أيضا تسلل إلى منتدانا الصالح ذلك ، أرجو من أخوتى الذين كتبوا فى هذا الموضوع أن يقرأوا موضوعى بعناية ، وإن طال بهم الوقت فى قرآته وأنا أعلم ذلك ، لكن عفواً على الإطالة .
ثبت المراجع :
الكتب الستة فى الحديث ، وفتح البارى والتقريب وتهذيب التهذيب للعسقلانى ، وحجاب المرأة المسلمة والجلباب للألبانى ، والمغنى والعمدة للمقدسى ، والانصاف للمرداوى و سلسلة الاحاديث الضعيفة والصحيحة والإرواء للألبانى ، والمسائل لأبى داود وفصل الخطاب لدرويش ، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادى وتاريخ ابن عساكر وأحكام القرآن للشافعى والكيا الهراسى والجصاص وابن العربى وصديق خان ، والعلل لأحمد ، والنظر فى أحكام النظر لابن القطان الفاسى ، وشرح القاموس للزبيدى ، والمصنف لابن أبى شيبه وتفسير الطبرى وابن كثير والبيضاوى والألوسى والشوكانى ، وفتاوى ابن تيمية ونيل الأوطار للشوكانى وسبل السلام للصنعانى ، والأضواء للشنقيطى ، وميزان الاعتدال للذهبى ، والضعفاء لابن الجوزى والتاريخ الكبير للبخارى ، والمستدرك للحاكم ومراتب الاجماع لابن حزم والتمهيد لابن عبد البر وموطأ مالك برواية الإمام محمد بن الحسن ورواية يحيى ، والمدونة لمالك والأم للشافعى والبحر الرائق لابن نجيم المصرى ومسند البيهقى ، وشلرح مسلم للنووى ، والآداب الشرعية للمفلح والطبقات لابن سعد وشرح علل الترمذى لابن رجب الحنبلى والوهم والإيهام لابن القطان وتهذيب المزى وتحفة الأحوذى شرح الترمذى للمباركفورى ، وغيرها من المراجع التى نسيت أن أثبتها .
غفر الله لنا وجعل موعدنا الجنة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
اللهم صل على محمد وآل محمد وأصحابه ومن تبع سنته إلى يوم الدين .
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 11-07-2002, 03:58 AM
يونكس يونكس غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Nov 2001
المشاركات: 111
افتراضي

يرفع
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 11-07-2002, 12:13 PM
zahco zahco غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Mar 2002
المشاركات: 8,371
افتراضي

بارك الله فيك أخي الكريم / عمرو
على هذا البحث القيم الطيب والذي أدعوا الله أن يجازيك عنا خير الجزاء وأن يزيدك من علومه .
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 11-07-2002, 01:44 PM
عمرو على محمد عمرو على محمد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jul 2002
المشاركات: 136
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله والصلاة والسلام على النبى محمد وآله ، ثم أما بعد ،
أخى فى الله يونكس : استعجم على فهم كلمة يرفع ، فلها أكثر من معنى لعمر الله ، أرجو التوضيح .
أخى فى الله زاهكو : شكراً لكم وغفر الله لنا وجمعنا فى الجنة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
اللهم صل على محمد وآل محمد وأصحابه ومن تبع سنته إلى يوم الدين .
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 11-07-2002, 03:14 PM
Smart Smart غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2002
المشاركات: 404
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
اخي عمرو على محمد: جزاك الله خيرا...
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 11-07-2002, 04:43 PM
zahco zahco غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Mar 2002
المشاركات: 8,371
افتراضي

أخي عمرو بالنيابة عن أخي / يونكس أجيبك على سؤالك فكلمة ( يرفع ) أي الموضوع جاء بعده مواضيع ونزل تحتهم وما رأه أخي يونكس من وجود فائدة في الموضوع فأحب أن يرفعه ليتصدر قائمة المواضيع .


وفقنا الله إلى ما فيه الخير والرضاء
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 11-07-2002, 05:23 PM
عمرو على محمد عمرو على محمد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jul 2002
المشاركات: 136
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وبعد ،
شكرا أخى سمارت وغفر الله لنا وحشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .
وشكرا أخى فى الله سيدى زاهكو على توضيحكم ، إن هذا الموضوع الذى أثارنى لكتابته أن رأيت موضوعين على منتدانا هذا يقولان بوجوب تغطية الوجه وكثير من المشايخ يقولون بهذا ، رغم عدم صحته لما وضحنا بالدليل الظاهر الواضح ومن عدة أيام جائتنا أمرأة فى المسجد وهى تبكى وتستفتى عن تغطية الوجه وأن زوجها قال إن لم تغطى وجهها فهى سافرة وسوف يطلقها وأفتاها شيخى بالوجوب بينما قلت أنا بالجواز فقط ، وأن زوجها خاطئ فى طلبه وفتواه ، واختلفت مع شيخى الذى قال لى أكتب ماتريد فى وريقات وأتنى بها فكتبت وأتيته بها فصعد على المنبر وقال أنه لن يفتى بوجوب تغطية الوجه ثانيا ونصح العلماء بذلك ، فحمدت الله على التيسير على نساء الأمة فيما لا يطيقه بعضهن ، وإن الدين لمتين ولن يشاده أحد إلا وغلبه الدين .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
اللهم صل على محمد وآل محمد وأصحابه ومن تبع سنته إلى يوم الدين .
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 11-07-2002, 07:54 PM
برق1 برق1 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2002
المشاركات: 796
افتراضي

-------------------------------------------بسم الله الرحمن الرحيم ------------------------------------------

أستاذي عمرو علي محمد :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

فهذه مداخلة في الموضوع رجوت أن توضّح شيئا مما وقع في النفس مما رأيته من غرابة أسلوبك في تناول بحث الشيخ التويجري رحمه الله , وهو من عرف بجهده المشكور في الذب عن دين الله , وردّ أباطيل أهل الملل الباطلة

أوّلا :

أرى في لهجة مقالك عن الحجاب حماسا أدّى إلى النيل من علماء لهم قدرهم , حتى جعلت نيّاتهم محل تهمة , ووصمتهم باتباع الهوى , ول أدري أي هوى يتّبعه من حرص على ستر المسلمات بناء على نصوص الكتاب والسنة وأقوال العلماء , فإن كان الحرص على ستر المسلمات اتباع للهوى فماذا يكون الحرص على كشف سترهن والهجوم على من أراد لهن الستر هجوما فيه التشفّي والجدل والقذف بعبارات غير محمودة لم يعهد عن العلماء الربانيين إطلاقها على مخالفيبهم من أهل السنة والجماعة !
فقد أطلقت عبارات كثيرة من مثل :

(( المتشددون ))
(( على المخالفين أن يأتوا بما يرجِّح ما ذهبوا إليه، وذلك مما لم يفعلوا، ولن يفعلوا، إلا الطعن على من خالفهم ممن تبع سلف الأمة ومفسريهم وعلماءهم ))
(( ولقد صدق من قال: أهل السنة يذكرون ما عليهم، وأهل الأهواء يذكرون ما لهم ولا يذكرون ما عليهم! ))
(( فماذا يقول فضيلة الشيخ التويجري- ومن يجري وراءه من المتفلسفين-))
(( وأسوأ من ذلك ما فعله المسمى ب (درويش) فيما سماه ب "فصل الخطاب" حيث غيَّر إسناده، فجعله في موضعين منه (46-82) من رواية محمد بن سيرين عن ابن عباس. وهو محض افتراء! ))
(( ويبدو لي أنهم- لشعورهم في قرارة نفوسهم بضعف حجتهم- يلجؤون إلى استعمال الرأي ولغة العواطف- أو ما يشبه الفلسفة-
ولكنه يجادل ويكابر ويتكتم، ))

إلى غير هذا من العبارات التي جدت بها على أناس أخذوا برأي خالف رأيك و الدليل الصحيح معهم
بينما استكثرت أن تترحم عليه وقد لقي ربه رحمه الله , وأسأل الله ألا يكون هذا لشيء الغلّ في صدرك
حفظني الله وإياك من الغل



قلت في طرحك السابق :

(( وهنا لا بد لي من الوقفة- وإن طال الكلام أكثر مما رغبت- لبيان موقف للشيخ التويجري غير مشرف له في استغلاله لخطأ وقع في شرح الحافظ لحديث عائشة الآتي في الكتاب (78) في نزول آية (الخُمُر) المتقدمة، وبتره من شرح الحافظ نص كلامه المذكور لمخالفته لدعواه! فقال الحافظ في شرح قول عائشة في آخر حديثها:" فاختمرن بها" (8/490):
" أي: غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها، وترميمه من الجانب الأيسر، وهو التقنع. قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها، وتكشف ما قدامها، فأمرن بالاستتار، و (الخمار) …" إلى آخر النص.
فأقول: لقد ردّ الشيخ في كتابه (ص 221) القول الموافق لأهل العلم –كما علمت- بتفسير الحافظ المذكور: "غطين وجوههن"، وأضرب عن تمام كلامه الصريح في أنه لا يعني ما فهمه الشيخ، لأنه يناقض قوله: " وصفة ذلك …" فإن هذا لو طبَّقه الشيخ في خماره لوجد وجهه مكشوفاً غير مغطى! ويؤكد ذلك النص الذي بتره الشيخ عمداً أو تقليداً، وفيه تشبيه الحافظ خمار المرأة بعمامة الرجل، فهل يرى الشيخ أن العمامة أيضاً- كالخمار عنده- تغطي الرأس والوجه جميعاً؟! وكذلك قوله:" وهو التقنع"، ففي كتب اللغة:" تقنعّت المرأة أي: لبست القناع وهو ما تغطي به المرأة رأسها"، كما في " المعجم الوسيط" وغيره، مثل الحافظ نفسه فقد قال في " الفتح" (7/235 و 10/274):
" التقنع: تغطية الرأس" )) انتهى كلامك

وفي هذا دليل عليك فانظر ما نقله عن الفراء مؤيدا له ,فالخمار كما حكمت أنت غطاء للرأس وعليه فكلام الفرء أنهن يغطّين رؤوسهن على ماانحدر منها للخلف دون أن يغطين ما كان من أمام وهو الوجه بناء على أن الخمار للرأس والرأس جزء منه الوجه , فلمّا فرض الحجاب أمرن بتغطية الأمام وهو الوجه , وما حوله من العنق واللحي وغيره

ولو أردنا اتهامك كما تجود أنت بالتهم على من خالفك لقلنا إنك تأخذ ما يوافق رأيك , وتغض الطرف عما يخالفك بل تزعم عدم وجوده

لقد قلت
(( وكذلك قوله:" وهو التقنع"، ففي كتب اللغة:" تقنعّت المرأة أي: لبست القناع وهو ما تغطي به المرأة رأسها"، كما في " المعجم الوسيط" وغيره، مثل الحافظ نفسه فقد قال في " الفتح" (7/235 و 10/274): ))
فما رأيك بقول صاحب لسان العرب : (( والقناع والمقنعة : ما تتقنع به المرأة من ثوب تغطي رأسها ومحاسنها , وألقى على وجهه قناع الحياء , على المثل ....... )) تأمّل قوله : ومحاسنها , ثم انظر ما بعدها أيضا .

أليس ما ذكرته من كلام علماء اللغة من باب ذكر بعض المعنى , فهذا ابن منظور حجة عليك ينقل من كلام العرب الفصيح

وقلت أيضا :

(( وبناءً على ما سبق فقوله: " وجوههن"، يحتمل أن يكون خطأ من الناسخ، أو سبق قلم من المؤلف، أراد أن يقول: "صدورهن" فسبقه القلم! ويحتمل أن يكون أراد معنىً مجازياً أي: ما يحيط بالوجه من باب المجاورة ))

أليس هذا توجيه مستكره للنص ليوافق رأيك ؟ حتى صرت تبحث عن صوارف متباعدة لا رابط بينها لأن المهم عندك ثني النص ليكون في صفّك بدل أن كان في صفّ مخالفك !
جعلت لبطلان قوله (( وجوههن )) ثلاثة احتمالات :

أحدها : أنه خطأ الناسخ
ثانيها : أنه سبق قلم منه رحمه الله
ثالثها : أنه من باب المجاز !

وهذه الاحتمالات التي وضعتها من العجب العجاب , أفلا تدري أنّ مخالفك يستطيع توظيفها أو أحدها لينقض عليك كل قول احتججت به , فما هي إلا ذريعة عاجز عن مواجهة النص ,

أليس نقلك عن الألباني دليلا عليك عندما قلت :

(( ثم لم يأتيا على ذلك بأي دليل، سوى البيتين من الشعر اللذين كان الالبانى ساقهما في كتابه (ص73) مؤيداً قوله هناك: بأنه لا ينافي كون الخمار غطاء الرأس أن يستعمل أحياناً لتغطية الوجه، واستدل على ذلك ببعض الأحاديث))
فما دام يطلق أحيانا لتغطية الوجه فهو يلغي كا محاولاتك إثبات أن الخمار للوجه , هذا مع أنني أوردت لك من اللسان ما يدل على شموله عند العرب غير الرأس

هذا مع وجوب التنبّه إلى أن معنى الخمار الغالب على غطاء الرأس معنى لغوي وأنت تعلم أن هناك معنى اصطلاحي فقهي يجدّ للفظة فتصرفها عن جمودها على معناها الأول , كالزكاة مثلا : هي في اللغة تعني النماء , ولكنها في الاصطلاح الشرعي الذي طرأ عليها صارت تعني المال المخصوص يدفع إلى طوائف مخصوصة , ومثله الخمار فمعناه اللغوي : غطاء الرأس وقد يطلق على غبيره كما رأيت في اللسان , ولكن الشرع نقل المعنى عند فرض الحجاب إلى شمول الخمار للوجه والعنق مع الرأس , وأنت تقرّ ببهذا النقل للمعنى بكونك ترى أن الحجاب هو مدّ للخمار ليشمل الجيب وهذا أبعد من الوجه عن الرأس .

و قلت أيضا :

(( البحث الخامس: هل أجمع المسلمون على أن وجه المرأة عورة وأنها تمنع أن تخرج سافرة الوجه؟

ذلك ما ادَّعاه الشيخ التويجري-هداه الله وقلده فيه بعضهم- يعيد ذلك ويكرره في مواضيع كثيرة وفي صفحات عديدة متقاربة من كتابه لا يكل ولا يمل! (156و197و 217و244و245و147) يفعل هذا وهو يعلم في قرارة نفسه أن لا إجماع فيه لأنه يمر على الخلاف ولا ينقله وقد ينقله ثم يتجاهله! كما سيأتي بيانه قريباً بما لا يدع أي شك في ذلك وكلامه في ذلك مختلف لفظاً متفق معنىً وحسبي أن أنقل منه نصين فقط طلباً للاختصار:

الأول: قوله (ص197 و 217) بالحرف الواحد:

" وحكى ابن رسلان: اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه. نقله الشوكاني عنه في (نيل الأوطار) "

فأقول: إليك نص ما في " نيل الأوطار" (6/98- البابي الحلبي) تحت حديث عائشة:

" يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه":

" وفيه دليل لمن قال: إنه يجوز نظر الأجنبية. قال ابن رسلان: وهذا عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو دونه أما عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق. ))

فتأمل أيها القارئ الكريم! هل المسألة مجمع عليها كما قال الشيخ أولاً؟! وهل كان أميناً في نقله لكلام ابن رسلان، ثم لكلام الشوكاني ثانياً؟! والذي تبنى ما دل عليه حديث عائشة الذي قويناه في الكتاب (ص 75- 60) كما تبنَّاه مجد الدين ابن تيمية رحمه الله بترجمته له بـ" باب أن المرأة عورة إلا الوجه والكفين"، أما الشيخ فضعفه بشطبة قلم –كما يقال- ولم يعرّج على الشاهد وعمل السلف وتقوية الحافظ البيهقي وغيره كما سيأتي فأغمض عينيه عن ذلك كله مكابرة وعناداً وبطراً وتورَّط به ما واحد من الكتابين المقلدين في هذه المسألة. )) انتهى كلامك

وأقول نعم كان التويجري أمينا

فقد ذكر أن ابن رسلان حكى اتفاق المسلمين على ذلك الأمر ! وها أنت أدنت نفسك بنقل نص كلام ابن رسلان الذي أثبت أن التويجري لم يحرّف أو يبتر من تصّه شيئا !
ولكنك حاولت نقل كلام طويل للشوكاني , في محاولة لإثبات عدم نزاهة التويجري رحمه الله , بينما التويجري زيادة في أمانة النقل ذكر أن الشوكاني هو الذي روى القول عن ابن رسلان , حرصا على عدم اتدليس بحذف الواسطة بينه وبين ابن رسلان !
وأنت حاولت أن توهم القارئ أن التويجري زعم الإجماع , لينصرف ذهن القرئ أن المراد إجماع العلماء على المسألة بينما التويجري رحمه الله نقل عن ابن رسلان بقوله : ((" وحكى ابن رسلان: اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه. نقله الشوكاني عنه في (نيل الأوطار) "
وقد أوردت أنت عبارة ابن رسلان من الفتح فوجدناها طبق ما قاله رحمه الله , وهذه هي عين الأمانة منه , فلم حمّلت عبارته معاني لم تحتملها ؟

ولكي لا تأخذك العجلة في النقد ومحاولة إبطال مدلولية النصوص , فاعلم أن هذا ورد في شرح الإقـناع على مذهب الشافعية قال : ( ووجّهه الإمام – تعني حرمة النظر إلى عموم جسد المرأة الأجنبية - باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه , وبأن النظر مظنة للفتنة ومحرك للشهوة )) انتهى كلامه ,
وانظرأنه عزا هذا للإمام !

وكذلك قد ورد هذا القول في نيل الأوطار شرح المنتقى !

فهل يحسن أن تتجرّأ على الشيخ التويجري بقولك : (( فتأمل أيها القارئ الكريم! هل المسألة مجمع عليها كما قال الشيخ أولاً؟! وهل كان أميناً في نقله لكلام ابن رسلان )) رغم علمك أن الشيخ بعبارته لم يحكي الإجماع الذي صرفت أنت الذهن إليه على أنه إجماع العلماء , والعبارة واضحة أمامك , فما دمت قلت هذه التهمة في حق التويجري فهاهو نقل العالِمَين الجليلين مطابق تماما لنقله فقل فيهما ما جدت به عليه من الذمّ والتجريح !
وفيما تطلب من التويجري أمانة النقل وذكر الرأي المخالف

فلم تلتزم أنت أمانة البحث العلمي عندما نقلت عن ابن تيمية تبنيه لحديث عائشة , وعندما أكثرت من النقل عنه موهما القارئ أن ابن تيمية لا يرى وجوب تغطية الوجه ! ومحاولا إيهام القارئ أن القول بوجوب تغطية الوجه قول متأخرين ليس لهم باع في الحديث أو الفقه , بينما هو الصحيح من قولي العلماء , كما حكى هذا ابن تيمية بقوله : (( ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصحّ القولين )) يعني الوجه والكفّين كما سيأتي

وهو أيضا ما قال به ابن مسعود وأخذ به ابن عباس بعد نزول آية الحجاب , ولا تجد صحابيا غيرهما قال بعدم تغطية الوجه


قال ابن تيمية في الفتاوى :

(( وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين : زينة ظاهرة وزينة غير ظاهرة , ويجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم , وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب , يرى الرجل وجهها ويديها , وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفّين , وكان حينئذ يجوز النظر إليها ؛ لأنه يجوز لها إظهاره , ثمّ لمّا أنزل الله آية الحجاب بقوله : { ياأيها النبيّ قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدلين عليهن من جلابيبهنّ ) حجب النساء عن الرجال ........... ))

ثم قال : (( والجلباب هو الملاءة وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء , وتسميه العامة الإزار , وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها ... .. قال : وفي الصحيح أن المرأة { لا تنتقب ولا تلبس القفّازين } فإذا كنّ مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب ؛ كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهرها للأجانب ؛ فما بقي يحلّ للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة , فابن مسعود ذكر آخر الأمرين , وابن عباس ذكر أوّل الأمرين ....... ))

إلى أن قال : (( وعكس ذلك الوجه واليدان والقدمان , ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصحّ القولين , بخلاف ما كان قبل النسخ , بل لا تبدي إلا الثياب ))

وقال أيضا في موضع آخر : (( وأمّا وجهها ويداها وقدماها فهي إنما نهيت عن إبداء ذلك للأجانب ولم تنه عن إبدائه للنساء , ولا لذوي المحارم )) انتهى كلام ابن تيمية

فأنت تطالب غيرك بأمانة نقل رأي المخالفين عندما قلت : (( أنه لا يجوز لهم أن يقتصروا على تقل أقوال الجارحين للراوي دون أقوال المخالفين لهم، ولا سيما وهو في صدد الرد على مخالفيهم، فإنه ينافي الأمانة العلمية المنوطة بهم ... ))

ولم تلتزم ما طلبت كما بيّنت من قول ابن تيمية

وإليك مثالا آخر على انتقائك من كلام السلف ما يؤيد رأيك , وسكوتك عمّا ينقضه ويبطله :

ذكرت تفسير ابن عباس رضي الله عنه لقوله تعالى : { ... إلا ما ظهر منها } بقوله (( الوجه واليدان من الزينة الظاهرة )) وأغفلت تفسير ابن مسعود رضي الله عنه لها بأن الزينة الظاهرة (( الثياب الظاهرة ))

ولاحظ هنا أن ابن تيمية عدّ تأويل ابن عباس لقوله تعالى : { إلا ماظهر منها } بأنه الوجه والكفين , عدّه منسوخا بآية الحجاب وعليه فلا حجة فيه , قال ابن تيميّة : (( فابن مسعود ذكر آخر الأمرين , وابن عباس ذكر أوّل الأمرين )) ويعني بهذا كما تعلم أن ابن عباس فسر الآية بما عليه الناس قبل نزول الحجاب , بينما جاء كلام ابن مسعود رضي الله عنه بعد فرض الحجاب

إذا فقد استدللت أنت بقول ابن عباس الذي نسخته آية الحجاب بدليل ورود قول ابن مسعود

ولعلك تعلم أن قول ابن مسعود ناقل عن الأصل والناقل عن الأصل مقدّم عند علماء الأصول , فالأصل كشف الوجه فجاء عن الصحابي ما ينقل عن هذا الأصل فيؤخذ به , خاصة أنك رأيت كيف جمع ابن تيمية بين القولين بأن الأول قيل قبل فرض الحجاب والثاني بعده
فالقاعدة الأصولية , ومسألة الجمع تدلان على اعتماد قول ابن مسعود

بل زد على هذا أن ابن عباس فسّر قوله تعالى : (( يدنين عليهن من جلابيبهن )) بقوله : (( أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهنّ في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب , ويبدين عينا واحدة )) انتهى

وهذا مما يؤكد أن قوله السابق كان قبل هذه الآية التي فرضت الحجاب

والشيخ التويجري لم يضعّـف حديث عائشة الآنف بشطبة قلم كما قلت أنت: (( أما الشيخ فضعفه بشطبة قلم )) بل ضعّفه لاجتماع تلك العلل في سنده ومتنه ,

وبذكر حديث عائشة هذا عن أسماء فليس لك فيه حجة , فلو استطعت إبطال العلل التي اجتمعت عليه سندا ومتنا , فلن تستطيع ردّ أنه منسوخ بآية الحجاب

وقد تكلّمت عن سعيد بن بشر , ولم تستطع نفي ما بيّنه التويجري من تضعيف العلماء له , فذهبت إلى تقوية آخرين له , وأنت قبل هذا تؤكد على أن الحديث إذا اضطرب لم يصيح الاستدلال به ! فما بالك تتساهل هنا في قبول رواية من ضعّفه علماء ثقات ؟
كأحمد والنسائي ابن المديني وابن معين


ثمّ إنك لم تعرّج على علة المتن , وأنت تعلم أن الحديث كما يعل في سنده فكذلك يعلّ في متنه
فأسماء بنت إبي بكر رضي الله عنهما التي ذكر الحديث أنها دخلت على رسول الله صلى الله بأثواب رقاق قد كان عمرها عند الهجرة ثمان وعشرين سنة , فليست حديثة السنّ , وكونها تدخل بالثياب الرقاق التي تشف عن جسمها , وهي الحرّة التقيّة أمر منكر , فما كانت الحرائر تفعله , فكيف بأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ؟
فالحديث فيه علل عدّة أطلت أنت الكلام في واحدة منها محاولا نفيها , ولم تأت بما يشفي بل كان مدار حجتك على أمرين : أنك جزمت بأن قول ( أظنه ) تعني ظن الرجحان ! وليس لك دليل على هذا الزعم بل لو تمعّنت في العبارة متجرّدا لتأكد لك أنها تعني ظنّ الشك , فما الحاجة به إلى هذا القول


ومما يؤخذ عليك أيضا أنك أوردت عن عائشة رضي الله عنها قولها :


(( فأردفني خلفه على جمل له قالت: فجعلت أرفع خماري أحسره عن عنقي فيضرب رجلي بعلّة الراحلة قلت له:و هل ترى من أحد…)).
لأنه يوافق رأيك
وتركت ماروى عنها أحمد وأبو داود وابن ماجة أنها قالت : (( كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع الرسول صلى الله عليه وسلم , فإذا جاؤونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها من رأسها فإذا جاوزنا كشفناه ))
لأنه يسقط استدلالك بالسبق لصراحة دلالته على شمول الوجه بالخمار

فعلت هذا وأنت الذي حرصت على إيراد سند آخر لحديث عائشة عن أسماء في محاولتك الحميمة لتقوية سنده

ومما احتججت به , قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأل عن نظرة الفجأة : ( اصرف بصرك )
وليس لك في هذا الحديث حجة فلن تستطيع إثبات أن المراد بالنظر هنا نظر الوجه , وإلا لكنت فسّرت كل أحاديث وآية غض البصر بأنها تعني غضّه عن الوجه ! وهذا محال

ومما يدل على أن المراد بالحديث مجرّد النظر إلى جسد المرأة , قوله صلى الله عليه وسلّم : (( ......من نظر إلى محاسن امرأة ثم غض بصره .... الحديث ))

وقد أطلت في ذكر كلام العلماء عن كشف وجه المرأة في الإحرام وكذلك القواعد وجعلت منه دليلا على كشف الوجة !
وليتك تمعّنت في الحكمة من اختلاف العلماء في جواز تغطية المرأة وجهها في الإحرام , قال ابن تيمية : (( ووجه المرأة فيه قولان في مذهب أحمد وغيره , قيل إنه كرأس الرجل فلا يغطى , وقيل إنه كيديه فلا يغطى بالنقاب والبرقع ونحو ذلك مما صنع على قدره , وهذا هو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه إلا عن القفّازين والنقاب .
وكنّ النساء يدنين على وجوههن ما يسسترها من الرجال من غير وضع ما يجافيها عن الوجه , فعلم أن وجهها كيدي الرجل ويديها , وذلك أن المرأة كلها عورة كما تقدّم , فلها أن تغطي وجهها ويديها , ولكن بغير اللباس المصنوع بقدر العضو .... )) انتهى

لاحظ كيف أنه عدّ جواز تغطية وجه المرأة حال الإحرام مبنيّا على أن المرأة كلها عورة , رغم ورود النهي عن تغطيته بالنقاب

هذا ولو تمعنت في كلامك كله لوجدت فيه دلائل واضحة على أنك أوردت نصوصهم لتشهد لك وهي تقوم بعكس ما أردت , ولهذا أمثاة منها قول أبي يعلى رحمه الله تعالى : (( وفي هذه الآية دلالة على أنه يباح للعجوز كشف وجهها ويديها بين يدي الرجال ))
سقته مستدلاً به على أن الأفاضل من علماء السلف والخلف يرون أن الخمار لا يستر الوجه، وإنما الرأس فقط ! بينما هو دليل على أن أبا يعلى يرى هنا تغطية الوجه بدليل أنه جعل كشفه رخصة للعجائز

أستاذي الفاضل : والله ما أنا بعالم ولا طالب علم شرعي ولكنني رأيت ذلك التحامل منك على معارضيك , وقذفهم بسوء القول , مع تلك السقطات التي كانت منك , فأحببت تنبيهك إلى أمور قد تكون خفيت عليك , وأقوال قد تكون فاتتك , فمن زعم العصمة عن هذا فقد ركب شططا


وأودّ الختام بالتذكير أستاذي الكريم بمسألة قد يغفل عنها البعض , حيث إن تغطية الوجه هو قول فضلاء من أمة محمد صلى الله عليه وسلّم بدءا من جيل الصحابة رضي الله عنهم وانتهاءا بكبار علماء العصر , مرورا نعلماء السلف الأجلاّء فليس من الحكمة أن نهاجم هذا القول وننزع عنه صفة القوّة ناهيك عن أن نقول عنه ما قلته يا أستاذي عندما قلت : (( فمن ذا الذي يقول بقول الشيخ المخالف للقرآن والسنة وأقوال العلماء أيضاً )) !

ولو سألتك طالبا تجرّدك في الإجابة :

هل ترى أن الأخذ بهذا القول أدعى لستر المرأة في عصرنا الذي كثر فيه الباطل واستحكمت الشهوات , ورقّ فيه دين الناس بفعل ما تكاثر على قلوبهم من مثيرات الشهوات والصوارف عن العبادات من كل حدب وفج , من الأرض والفضاء ؟ أو الأخذ بالقول الآخر ؟

أستاذي :
أليس من الحكمة أن نشغل أنفسنا بما هو أنفع من أن نحاول نقض رأي محكم له أدلّته وهو مما يعين على العفاف , بدل أن نشتغل بنقضه وإثبات الرأي الآخر الذي قال من أفتوا به بأنه إذا خيفت الفتنة وجب تركه وتغطية الوجه ؟
جعلني الله وإياك والمسلمين من أهل العفاف الساعين في صيانته المقبول عند الله سعيهم , ورحم الله علمائنا المتقدّمين منهم والمتأخرين

ثمّ إنّ من حسن الخلق ألاّ يجعل الرجل همّه وجهده في الهجوم على الآراء المعتبرة لمخالفيه , مع علمه أن شريعة الله تسع اجتهاده واجتهاد غيره ,
فكيف بك وقد أظهرت كمدا وضيقا من كون هذا الرأي قد وصل إلى (منتداكم ) على حدّ تعبيرك , وكأن ما قد طرح في منتداكم الكريم دعوة إلى أحد نواقض الإسلام

فإن كان الأمر كما ذكرت من التحزّب ولاعتداد بالرأي فلماذا اجتهدت في نشر رأيك في منتديات غيركم , وليتك اكتفيت بهذه المعاملة غير العادلة في حرّية نشر الفكر , بل زدت عليها هجوما واتهاما بالهوى وتنقّصا وتهكّما ونزع صفة الأمانة العلمية من علماء أجلاء لمجرّد أنهم رأوا غير ماترى ,
هذا محال في القياس شنيع !
ولا يفوتني أن أذكر للإخوة الكرام أني لا أنازع العلم أهله وأقدّر لأستاذي الفاضل عمرو مكانه , فما أنا إلا متشرّف بخدمته والتتلمذ عليه , بارك الله في علمه ووقته ونفع به أمة محمد صلى الله عليه وسلم
أسأل الله أن يجمع قلوبنا على الحق وأن يعصمنا من الفرقة والغل والشحناء , وأن يهبنا التجرّد للحق غير التعصّب لشيخ أو التحزّب على رأي آمين

وصلى الله وسلّم على نبينا محمد
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 11-07-2002, 08:38 PM
برق1 برق1 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2002
المشاركات: 796
افتراضي


شيخي الفاضل عمرو محمد:

تمعّن في تعقيبك الأخير :

قلت :

(( إن هذا الموضوع الذى أثارنى لكتابته أن رأيت موضوعين على
منتدانا هذا يقولان بوجوب تغطية الوجه وكثير من المشايخ يقولون
بهذا ، رغم عدم صحته ))

سبحان الله !

دفعك لكتابة هذا الهجوم الشديد والتقريع اللاذع أن رأيت موضوعين في
منتدانا عن وجوب تغطية الوجه ! وكأنه قد حصلت جريمة !

وأدهى من هذا أن قلت : (( وكثير من المشايخ يقولون بهذا , وهو خطأ )) !
أهكذا بكل سهولة يصبح قول ( المشايخ ) خطأ ؟ كيف وهو قول
معتبر لدى
علماء السلف والخلف ؟! وقد قال عنه ابن تيمية :
((... أصح القولين )) كما في النص في الرد السابق
وحكم بهذا كثيرون غيره

أرجو ألا يدفعنا التعصب للرأي إلى محاولة نسف كلام السلف
والخلف بالطريقة التي تعاملت بها مع نصوصهم في مقالك المصدّر
وكما بيّنت في كلامي السابق

أستاذي الكريم :

أحب أن أخبرك أني لست بعالم ولم أطلب العلم الشرعي على شيخ ولكنني
رأيت أنّ إيرادك على العلماء بيلك الطريقة مرفوض أدبا وعلما
ومما أعتب عليك فيه أن تعرض على العامة تلك التوجيهات التي كان
الأولى أن تحاور بها العلماء الراسخين الذين يرون تغطية الوجه بدل
أن تلجأ إلى نشر هذا بين العامّة الذين لا يعلمون في تأويل النصوص
وتخريج الأسانيد ومعرفة العلل وتتبع الناسخ والمنسوخ , ولا يحيطون
بأقوال أهل العلم في المسألة وتو جيههم للنصوص

فقد كان الأولى أن تفتي من استفتاك بما ترى في مسألة الحجاب , دون اللجوء
إلى الهجوم الشرس على علماء قالوا برأي لم يعجبك محاولا إسقاطهم
بما استطعت من كيل التهم والتحقير والتسفيه ! لتجرّ الناس بما آتاك الله من
جلد على النقل والكتابة والجدل إلى أن يتّبعوك , وكأن تغطية الوجه فتنة في
الأرض وفساد عريض !

أستاذي الفاضل :

أفت برأيك الذي رأيت , وأسأل الله أن يجزيك أجر اجتهادك , ولكن ثق
أن الدليل مع من يرون وجوب تغطية الوجه كما بيّنت في
الرد السابق , فلا تسفّه أو تخطّئ قول العلماء المعتبرين بعرض ما يروق
لك من الأدلة وتلميعها واطّراح ما يستند عليه من قالوا بتغطية الوجه من أدلة النقل
والعقل والقياس عن طريق تشويهها أو كتمانها

أسأل الله أن يعصمني وإياك من الزلل
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 11-07-2002, 11:46 PM
يزيد السني يزيد السني غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jul 2002
المشاركات: 66
افتراضي

[c]حكم السفور والحجاب ونكاح الشغار [/c]
[c]رسالة تبحث في مسائل الحجاب والسفور [/c]
[c]للعلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله [/c]

بسم الله الرحمن الرحيم من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من المسلمين سلك الله بي وبهم سبيل الاستقامة، وأعاذني وإياهم من أسباب الخزي والندامة آمين.

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أما بعد: فلا يخفى عليكم أيها المسلمون ما عمت به البلوى في كثير من البلدان؛ من تبرج الكثير من النساء وسفورهن، وعدم تحجبهن من الرجال، وإبداء الكثير من زينتهن التي حرم الله عليهن إبداءها، ولا شك أن ذلك من المنكرات العظيمة، والمعاصي الظاهرة، ومن أعظم أسباب حلول العقوبات، ونزول النقمات؛ لما يترتب على التبرج والسفور من ظهور الفواحش، وارتكاب الجرائم، وقلة الحياء، وعموم الفساد.

فاتقوا الله أيها المسلمون، وخذوا على أيدي سفهائكم، وامنعوا نساءكم مما حرّم الله عليهن، وألزموهن التحجب والتستر، واحذروا غضب الله سبحانه وعظيم عقوبته، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمّهم الله بعقابه

وقد قال سبحانه في كتابه الكريم: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ وفي المسند وغيره، عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية، ثم قال:

والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان

وقد أمر الله سبحانه في كتابه الكريم بتحجب النساء ولزومهن البيوت، وحذر من التبرج والخضوع بالقول للرجال؛ صيانة لهن عن الفساد، وتحذيرا لهن من أسباب الفتنة، فقال تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

نهى سبحانه في هذه الآيات نساء النبي الكريم أمهات المؤمنين، وهن من خير النساء وأطهرهن عن الخضوع بالقول للرجال، وهو: تليين القول وترقيقه؛ لئلا يطمع فيهن من في قلبه مرض شهوة الزنا، ويظن أنهن يوافقنه على ذلك، وأمر بلزومهن البيوت، ونهاهن عن تبرج الجاهلية، وهو: إظهار الزينة والمحاسن، كالرأس، والوجه، والعنق، والصدر، والذراع، والساق، ونحو ذلك من الزينة؛ لما في ذلك من الفساد العظيم، والفتنة الكبيرة، وتحريك قلوب الرجال إلى تعاطي أسباب الزنا.

وإذا كان الله سبحانه يحذر أمهات المؤمنين من هذه الأشياء المنكرة مع صلاحهن وإيمانهن وطهارتهن، فغيرهن أولى بالتحذير والإنكار، والخوف عليهن من أسباب الفتنة، عصمنا الله وإياكم من مضلات الفتن.

ويدل على عموم الحكم لهن ولغيرهن قوله سبحانه في هذه الآية: وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

فإن هذه الأوامر أحكام عامة لنساء النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن.

وقال الله عز وجل: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ فهذه الآية الكريمة نص واضح في وجوب تحجب النساء عن الرجال وتسترهن منهم، وقد أوضح الله سبحانه في هذه الآية أن التحجب أطهر لقلوب الرجال والنساء، وأبعد عن الفاحشة وأسبابها، وأشار سبحانه إلى أن السفور وعدم التحجب خبث ونجاسة، وأن التحجب طهارة وسلامة.

فيا معشر المسلمين، تأدبوا بتأديب الله، وامتثلوا أمر الله، وألزموا نساءكم بالتحجب الذي هو سبب الطهارة، ووسيلة النجاة والسلامة.

وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا

والجلابيب: جمع جلباب، والجلباب: هو ما تضعه المرأة على رأسها للتحجب والتستر به، أمر الله سبحانه جميع نساء المؤمنين بإدناء جلابيبهن على محاسنهن من الشعور والوجه وغير ذلك؛ حتى يعرفن بالعفة فلا يفتتن ولا يفتن غيرهن فيؤذيهن.

قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة

وقال محمد بن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن قول الله عز وجل: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى.

ثم أخبر الله سبحانه أنه غفور رحيم عما سلف من التقصير في ذلك قبل النهي والتحذير منه سبحانه.

وقال تعالى: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

يخبر سبحانه أن القواعد من النساء - وهن: العجائز اللاتي لا يرجون نكاحا - لا جناح عليهن أن يضعن ثيابهن عن وجوههن وأيديهن إذا كن غير متبرجات بزينة؛ فعلم بذلك أن المتبرجة بالزينة ليس لها أن تضع ثوبها عن وجهها ويديها، وغير ذلك من زينتها، وأن عليها جناحا في ذلك ولو كانت عجوزا؛ لأن كل ساقطة لها لاقطة، ولأن التبرج يفضي إلى الفتنة بالمتبرجة ولو كانت عجوزا، فكيف يكون الحال بالشابة والجميلة إذا تبرجت؟! ولا شك أن إثمها أعظم، والجناح عليها أشد، والفتنة بها أكبر، وشرط سبحانه في حق العجوز أن لا تكون ممن يرجو النكاح؛ وما ذاك - والله أعلم- إلا لأن رجاءها النكاح يدعوها إلى التجمل والتبرج بالزينة طمعا في الأزواج، فنهيت عن وضع ثيابها عن محاسنها؛ صيانة لها ولغيرها من الفتنة.

ثم ختم الآية سبحانه بتحريض القواعد على الاستعفاف، وأوضح أنه خير لهن إن لم يتبرجن، فظهر بذلك فضل التحجب والتستر بالثياب - ولو من العجائز- وأنه خير لهن من وضع الثياب، فوجب أن يكون التحجب والاستعفاف عن إظهار الزينة خير للشابات من باب أولى، وأبعد لهن عن أسباب الفتنة.

وقال تعالى : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

أمر الله سبحانه في هاتين الآيتين الكريمتين المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار وحفظ الفروج، وما ذاك إلا لعظم فاحشة الزنا، وما يترتب عليها من الفساد الكبير بين المسلمين؛ ولأن إطلاق البصر من وسائل مرض القلب ووقوع الفاحشة، وغض البصر من أسباب السلامة من ذلك، ولهذا قال سبحانه: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ

فغض البصر وحفظ الفرج أزكى للمؤمن في الدنيا والآخرة، وإطلاق البصر والفرج من أعظم أسباب العطب والعذاب في الدنيا والآخرة، نسأل الله العافية من ذلك، وأخبر عز وجل أنه خبير بما يصنعه الناس، وأنه لا يخفى عليه خافية، وفي ذلك تحذير للمؤمنين من ركوب ما حرم الله عليهم، والإعراض عما شرع الله لهم، وتذكير لهم بأن الله سبحانه يراهم ويعلم أفعالهم الطيبة وغيرها، كما قال تعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ وقال تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ

فالواجب على العبد أن يحذر ربه، وأن يستحي منه أن يراه على معصيته، أو يفقده من طاعته التي أوجب عليه، ثم قال سبحانه: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ فأمر المؤمنات بغض البصر وحفظ الفرج، كما أمر المؤمنين بذلك؛ صيانة لهن من أسباب الفتنة، وتحريضا لهن على أسباب العفة والسلامة، ثم قال سبحانه: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا

قال ابن مسعود رضي الله عنه: مَا ظَهَرَ مِنْهَا يعني بذلك: ما ظهر من اللباس، فإن ذلك معفو عنه، ومراده بذلك رضي الله عنه: الملابس التي ليس فيها تبرج وفتنة.

وأما ما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسر إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا بالوجه والكفين، فهو محمول على حالة النساء قبل نزول آية الحجاب، وأما بعد ذلك فقد أوجب الله عليهن ستر الجميع، كما سبق في الآيات الكريمات من سورة الأحزاب وغيرها.

ويدل على أن ابن عباس أراد ذلك: ما رواه علي ابن أبي طلحة عنه أنه قال: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة)، وقد نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم والتحقيق، وهو الحق الذي لا ريب فيه.

وأما ما رواه أبو داود في سننه عن عائشة رضي الله عنها: أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه - فهو حديث ضعيف الإسناد لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه من رواية خالد بن دريك، عن عائشة، وهو لم يسمع منها، فهو منقطع؛ ولهذا قال أبو داود بعد روايته لهذا الحديث: هذا مرسل، خالد لم يدرك عائشة.. ولأن في إسناده سعيد بن بشير وهو ضعيف لا يحتج بروايته.. وفيه علة أخرى ثالثة، وهي: عنعنة قتادة عن خالد بن دريك وهو مدلس.

ومعلوم ما يترتب على ظهور الوجه والكفين من الفساد والفتنة، وقد تقدم قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ولم يستثن شيئا، وهي آية محكمة، فوجب الأخذ بها، والتعويل عليها، وحمل ما سواها عليها، والحكم فيها عام في نساء النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن من نساء المؤمنين، وتقدم في سورة النور ما يرشد إلى ذلك، وهو ما ذكره الله سبحانه في حق القواعد، وتحريم وضعهن الثياب إلا بشرطين:

أحدهما: كونهن لا يرجون النكاح.

الثاني: عدم التبرج بالزينة.

وسبق الكلام على ذلك، وأن الآية المذكورة حجة ظاهرة وبرهان قاطع على تحريم سفور النساء وتبرجهن بالزينة .

ولا يخفى ما وقع فيه النساء اليوم من التوسع في التبرج وإبداء المحاسن، فوجب سد الذرائع وحسم الوسائل المفضية إلى الفساد وظهور الفواحش.

ومن أعظم أسباب الفساد خلوة الرجال بالنساء، وسفرهم بهن من دون محرم ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم ولا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم وقال صلى الله عليه وسلم: لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما وقال صلى الله عليه وسلم: لا يبيتن رجل عند امرأة إلا أن يكون زوجا أو ذا محرم رواه مسلم في صحيحه.

فاتقوا الله أيها المسلمون، وخذوا على أيدي نسائكم، وامنعوهن مما حرم الله عليهن من السفور والتبرج، وإظهار المحاسن، والتشبه بأعداء الله من اليهود والنصارى، وسائر الكفرة ومن تشبه بهم، واعلموا أن السكوت عنهن مشاركة لهن في الإثم، وتعرض لغضب الله وعموم عقابه، عافانا الله وإياكم من شر ذلك.

ومن أعظم الواجبات تحذير الرجال من الخلوة بالنساء، والدخول عليهن، والسفر بهن بدون محرم؛ لأن ذلك من وسائل الفتنة والفساد، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء وقال صلى الله عليه وسلم: إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء وقال صلى الله عليه وسلم: رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة وقال صلى الله عليه وسلم: صنفان من أهل النار لم أرهما بعد نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ورجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس

وهذا تحذير شديد من التبرج والسفور، ولبس الرقيق والقصير من الثياب، والميل عن الحق والعفة، وإمالة الناس إلى الباطل، وتحذير شديد من ظلم الناس والتعدي عليهم، ووعيد لمن فعل ذلك بحرمان دخول الجنة، نسأل الله العافية من ذلك.

ومن أعظم الفساد تشبه الكثير من النساء بنساء الكفار من اليهود والنصارى، ومن تشبه بهم في لبس القصير والرقيق من الثياب وإبداء الشعور والمحاسن، وقد قال صلى الله عليه وسلم: من تشبه بقوم فهو منهم ومعلوم ما يترتب على هذا التشبه وهذه الملابس القصيرة- التي تجعل المرأة شبه عارية- من الفساد والفتنة، ورقة الدين وقلة الحياء.

فالواجب الحذر من ذلك غاية الحذر، ومنع النساء منه، والشدة في ذلك؛ لأن عاقبته وخيمة، وفساده عظيم، ولا يجوز التساهل في ذلك مع البنات الصغار؛ لأن تربيتهن عليه يفضي إلى اعتيادهن له وكراهتهن لما سواه إذا كبرن، فيقع بذلك الفساد والمحذور، والفتنة المخوفة التي وقع فيها الكبيرات من النساء.

فاتقوا الله عباد الله، واحذروا ما حرم الله عليكم، وتعاونوا على البر والتقوى، وتواصوا بالحق والصبر عليه، واعلموا أن الله سبحانه سائلكم عن ذلك، ومجازيكم على أعمالكم، وهو سبحانه مع الصابرين، ومع المتقين والمحسنين، فاصبروا وصابروا، واتقوا الله، وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين.

ولا ريب أن الواجب على ولاة الأمور- من الأمراء والقضاة والعلماء ورؤساء الهيئات وأعضاء الهيئات- أكبر من الواجب على غيرهم، والخطر عليهم أشد، والفتنة في سكوت من سكت منهم عظيمة، ولكن ليس إنكار المنكر خاصا بهم، بل الواجب على جميع المسلمين- ولا سيما أعيانهم، وكبارهم، وبالأخص أولياء النساء وأزواجهن- إنكار هذا المنكر، والغلظة فيه، والشدة على من تساهل في ذلك؛ لعل الله سبحانه يرفع عنا ما نزل من البلاء، ويهدينا ونساءنا إلى سواء السبيل.

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما بعث الله من نبي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويهتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل وأسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح ولاة أمرنا، ويقمع بهم الفساد، وينصر بهم الحق، ويصلح لهم البطانة، وأن يوفقنا وإياكم وإياهم وسائر المسلمين لما فيه صلاح العباد والبلاد، في المعاش والمعاد، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

http://www.binbaz.org.sa/Display.asp?f=shg00001
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 11-07-2002, 11:48 PM
يزيد السني يزيد السني غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jul 2002
المشاركات: 66
افتراضي

س : أنا طبيب حصلت علي بعثة إلى خارج المملكة لإكمال دراستي ، ولكن زوجتي عارضتني بسبب أنها بلاد كفر وكيف تحافظ على الحجاب ، وهل كشف الوجه محرم خاصة وأنه أساسي للدخول إلى أي بلد ؟

ج : الواجب التستر والحجاب على المؤمنة؛ لأن ظهور وجهها أو شيء من بدنها فتنة ، قال تعالى في كتابه العظيم : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ فبين سبحانه أن الحجاب أطهر للقلوب ، وعدم الحجاب خطر على قلوب الجميع ، ويقول الله جل وعلا : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ الآية والجلباب ما تضعه المرأة على رأسها وبدنها حتى تستر به وجهها وبدنها زيادة على الملابس العادية ، قال سبحانه : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ الآية ، فالواجب ستر الوجه وغيره من المرأة عن الأجنبي ، وهو من ليس محرما لها ، لعموم الآيات المذكورات؛ ولأنه فتنة ومن أوضح الزينة فيها ، لكن لا مانع من اتخاذ النقاب وهو الذي فيه نقب للعين أو للعينين فقط ، فإذا كانت تتستر وتحتجب عن المؤمن فعن الكافر من باب أولى ، ولو استنكروا ذلك فهم قد يستنكرونه ثم يعرفونه بعدما يبين لهم أن هذا هو الشرع في الإسلام .
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 11-07-2002, 11:49 PM
يزيد السني يزيد السني غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jul 2002
المشاركات: 66
افتراضي

س : أنا طبيب حصلت علي بعثة إلى خارج المملكة لإكمال دراستي ، ولكن زوجتي عارضتني بسبب أنها بلاد كفر وكيف تحافظ على الحجاب ، وهل كشف الوجه محرم خاصة وأنه أساسي للدخول إلى أي بلد ؟

ج : الواجب التستر والحجاب على المؤمنة؛ لأن ظهور وجهها أو شيء من بدنها فتنة ، قال تعالى في كتابه العظيم : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ فبين سبحانه أن الحجاب أطهر للقلوب ، وعدم الحجاب خطر على قلوب الجميع ، ويقول الله جل وعلا : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ الآية والجلباب ما تضعه المرأة على رأسها وبدنها حتى تستر به وجهها وبدنها زيادة على الملابس العادية ، قال سبحانه : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ الآية ، فالواجب ستر الوجه وغيره من المرأة عن الأجنبي ، وهو من ليس محرما لها ، لعموم الآيات المذكورات؛ ولأنه فتنة ومن أوضح الزينة فيها ، لكن لا مانع من اتخاذ النقاب وهو الذي فيه نقب للعين أو للعينين فقط ، فإذا كانت تتستر وتحتجب عن المؤمن فعن الكافر من باب أولى ، ولو استنكروا ذلك فهم قد يستنكرونه ثم يعرفونه بعدما يبين لهم أن هذا هو الشرع في الإسلام .

http://www.binbaz.org.sa/last_resault.asp?hID=2491
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 12-07-2002, 12:48 AM
عمرو على محمد عمرو على محمد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jul 2002
المشاركات: 136
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله والصلاة والسلام على محمد رسول الله ، وبعد ،
أخى فى الله واستاذى برق1 أشكر لك اهتمامك وغفر الله لنا جميعا ً :
1ـ جزاك الله خيراً على قولكم أستاذ ، وما أنا باستاذك ( إن العلم إلا لله ) ولست أهلا ولا مستحقا للقب .
2ـ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
3ـ التويجرى ذب كثيرا عن الدين وأنا أعرف ولكنه أخطأ فى تلك المسألة وأنا لم أتناوله إلا فى هذا الأمر ، أى لم انتقد الرجل بشكل عام .وموضوع الحرص على ستر المسلمات لا يدفعنا بالتشديد عليهم فيما لم يوجبه الله مجرد القول بالحرص على المصلحة ، فإن فى الشريعة ما يغنى عن أى ترقيع لها لأنها كاملة ( اليوم أكملت لكم دينكم ) إذا الموضوع بالدليل .ووصفى للبعض بالمتفلسفين حقيقة حيث لا يزال البعض يعملون العقل والقياس فى أمور تتطلب الدليل والدليل فقط ومنهم من يقول كيف لا يكون الوجه عورة وهو محال الجمال والفتنة وما إلى ذلك ، فى حين كان من المفروض أن يأتوا بالدليل .
4ـ والله لم أكن أعرف من لقى الله منهم ، وأنت تعرف أنا لا أبخل أبداً بالدعاء فهو مخ العبادة وسلاح المؤمن ، فاللهم اغفر لهم ولنا آمين .على فكرة أنا لم أنتقدهم لأنهم خالفونى فى الرأى ، لأننى ببساطة لا شئ ، ولكن لأنهم خالفوا الإجماع .ـ اللهجة التى استشعرت أنت بها كانت نتيجة التشدد المبالغ فيه فى أحكام الشريعة والبتى يجب التيسير فيها طالما التيسير مباح ( يسروا ولا تعسروا )
5ـ أخى فى الله ماذا فى قول الفراء ، الرجل يقول كانوا يسترن ما خلفهن ويدعن ما أمامهم أى يسترن ظهورهن ولا يسترن صدورهن وقال الفراء لذلك أمرن بالاستتار ، فماذا أمرهم الله بان يسترنه فى الآية ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) والجيوب مواضع الصدر وما حواليها ، إذا الموضوع واضح ولا إشكال فيه .فالفراء لم يتكلم عن الوجه البته .
6ـ ماذا عن لسان العرب ، الرجل عرف القناع بأنه ( والقناع والمقنعة : ما تتقنع به المرأة من ثوب تغطي رأسها ومحاسنها ) إلى هنا ينتهى التعرف وهو موافق لما أولردناه من التعريفات فى الكتب الأخرى أما قوله ( وألقى على وجهه قناع الحياء , على المثل ....... )) فهو كما قال الرجل على نحو المثل وليس داخلا فى التعريف ، مثلا هب أنى قلت تعريف البنت ( بأنها المؤنث لأب منه صلبا وعلى سبيل المثل تقال الكلمة بنت شفة ) فهل يجوز الإحتجاج بأن الشفة أب للكلمة أو أن الكلمة الصادرة من الشفة مؤنثة ، هو قال أن على سبيل المثل يقال ألقى على وجهه قناع الحياء ، ولو كان القناع معروفا بأنه يرتدى للوجه لما قال ( على وجهه ) لقال ألقى قناع الحياء أو لبسه ولكنه تحديده للوجه مثل أى شئ يلقى على الوجه ولا يكون ذلك شريطة أن ذلك الشئ مصنوع للوجه يعنى مثلا لو قلت ( استوسد حذائه ) هل معناه أن الحذاء أصلا مصنوع للنوم ، كلام ابن منظور لا حجة فيه علينا ، وأنا لم أكتم دليلا وأصرح بدليل كما اتضح .
7ـ موضوع قولى عن الحافظ ذلك الكلام لاأن الموضوع واضح ، هب أنى أتكللم الآن عن صلاة الضحى فقلت فى أول كلامى وأعلموا أنها سنة وفى موضع بعده بقليل قلت ولا شك فى الإجماع بوجوبها ، ماذا تقول ، لأنك تحترمنى لن تقول أنى أخرف أو جاهل ستقول أحد الإحتمالات التى قلتها أنا ، فالحافظ العسقلانى قال فى كلامه ( "غطين وجوههن) ثم قال بعدها مباشرة ( غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها، وترميمه من الجانب الأيسر، وهو التقنع. قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها، وتكشف ما قدامها، فأمرن بالاستتار،) أى قال يغطين وجوههن وصفة التغطية كما قال الفراء وصفة ذلك ، ولكننا وضحنا أن معنى كلام الفراء لا محل فيه لستر الوجه ، ألا يعد ذلك تناقضاً ويقول الحافظ أيضا ( " والخمار) للمرأة كالعمامة للرجل".) والعمامة لا تستر الوجه ، ألا ترى كلام الحافظ العسقلانى مناقضا لبعضه ، لذا قلت ربما يكون خطئا فى النسخ أو حتى وهما ـ لا يكاد يسلم منه كتاب ـ من الشيخ ، أنا لم أقل ما قلت دفاعا عن نفسى ـ كما حسبت أخى الفاضل ـ ولكن دفاعا عن الحافظ نفسه ، حيث كيف يبدأ كلامه بحكم ويشرحه بما ينافى الحكم الذى قاله ، لابد من خطأ ، ولا يمكن أن أقول أنه أخطأ فى ثلاث جمل وأصاب فى واحدة ـ فهذا طعن كبير للغاية على الحافظ العسقلانى ـ إذا الخطأ ـ منه أو من الناسخ ـ كان فى جملة واحدة وهى ( يغطين رؤوسهن ) .
8ـ أنا لم أفتر على التويجرى ، هو قال أن الأمر مجمع عليه بدليل كذا ، إذا الإجماع حكاه رجل واحد وهو ابن راسلان ( " وحكى ابن رسلان: اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه. نقله الشوكاني عنه في (نيل الأوطار) ") إذا كان الأجدر أن يقول وابن راسلان يقول بإجماع الأمة على ذلك ، لا أن يطلق القول أن الأمر مجمع عليه ويحكى قول ابن راسلان ، لأنه إن كان راسلان قال هذا الإجماع المزعوم فما رأيكم فى الأقوال التى أسلفناها عن المفسرين والفقهاء واللغويين والمحدثين ، أى إجماع هذا وكل هؤلاء العلماء من السلف والخلف قالوا بضده ، أنا لم أقل أن الرجل زور فى نيل الأوطار بل هو نقل العبارة صحيحة ولكنه أوحى للقارئ بلإجماع ولم يورد الأدلة والأقوال الأخرى ، الرجل أوهم القارئ بلإجماع وترك عشرات الأقول لقول واحد ، الذى أخذته عليه سوء الاستدلال بقول الرجل ، فإن ابن راسلان حكى عن إجماع غير موجود فعلا كما وضحنا من عشرات الأقوال المخالفة لتغطية الوجه ، وبدل من أن يوضح الشيخ ذلك حكى قول ابن راسلان وعمى على الأدلة الأخرى .ومعروف عند أهل العلم أننى إن أردت أن أقول اإجماع لا أنقله عن واحد من المفروض أن أتأكد من مصادر كثيرة أ، الجميع يقولون بنفس القول ، ولكنه حكى الإحماع عن واحد وترك كل العلماء ، أين الإجماع فى تلك الحالة .وتقول أن الشيخ لم يقصد إجماع الأمة كما حاولت أنا أن أصرف الذهن إلى ذلك ، فما معنى نقله لقول ابن راسلان دون تعليق عليه ، الأمر لا يحتاج ذكاء الرجل يقول الأمر ويتركه أى إقرار بما فيه ، فى حين كان واجبا من باب الأمانة العلمية أن يورد الأقوال الأخرى ليثبت خطأ قول ابن راسلان ، إلا أنه لم يفعل ذلك .
9ـ موضوع النص الذى أوردته على أن الشافعية قالوا بستر وجه المرأة فما رأيك فى أقوال هؤلاء الشافعية :
ثالثاً: مذهب الشافعي:
قال في كتابه" الأم " (2/185):
" المحرمة لا تخمِّر وجهها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي…"
وقال البغوي في " شرح السنة" (9/ 23):
"فإن كانت أجنبية حرة فجمع بدنها عورة في حق الرجل لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضاً عند خوف الفتنة".
عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على وجه المرأة ليس بعورة وعن النووي مثله، وأنه مذهب الأئمة الثلاثة ورواية عن أحمد .
أنت قلت نص من الشافعية وأنا قلت نصوصاً ، فكيف يمكن الجمع بينهما ، فى تلك الحالة يقول المحققين من اصطلاحيين الفقه أنه يكون رأيان فى المدرسة الفقهية الواحدة ـ وهذا نراه كثيرا فى متأخرى المالكية ومحدثيها والشافعية فى القديم والحديث وروايات أحمد وهكذا ـ إذا يمكن الجمع بين قولك وقولى ـ وكلاهما من كتب الشافعية المعتمدة ـ أن هذان رأيان ، ولكن روايتى عن الشافعية أقوى لأنها من أكثر من مصدر إذا روايتان عن الشافعية أو رأيان أحدهما أقوى من الآخر ـ وهو الذى أوردته لتعدد مصادره ـ لا إشكال إذا ، خاصة أنى لم أدع فى بحثى أن الجميع ينكرون تغطية الوجه ويقولون باستحبابه فقط ، وإلا لما كنت كتبت البحث أصلا ، وقد قلت بنفسى أن الستر للوجه إحدى روايتى مذهب أحمد .
10ـ موضوع ابن تيمية ما الإشكال فيه الرجل ذكر موضوع حديث عائشة فعلا وتبناه كما قلت أيضا ، وابن تيمية حنبلى المذهب وربما يكون مع القائلين بوجوب التغطية ـ فهى إحدى روايتى الحنابلة ـ بل إنه مجتهد أيضا وكثيرا ما خالف الحنابلة ، وقوله تأويل أيضا واجتهاد وتفسير ، أما عن مسئلة إعراضى عن الكلام عن ذلك الأمر ، فإنى كنت أبحث عن حديث عائشة ، وأنا أعلم رأى ابن تيمية ولكننى لم أورد رأى ابن تيمية فى الموضوع ولكنى أردت رأيه فى الحديث فقط لأن معرض الكلام عن الحديث .وليس معنى كلام ابن تيمية أنى خاطئ وليس معنى كلامى أنه خاطئ لأنه هكذا أمور الفقه ، الأمر واقف على الدليل ، والأدلة التى أوردتها كثيرة جدا فى البحث على جواز كشف الوجه .
11ـ موضوع أبى يعلى أنت تركت المهم وتمسكت بقول الرجل ، هل رأيت ما كتبت قبلها عن الدليل على أن الخمار لا يشمل الوجه شرعاً( وقال أبو صالح: تضع الجلباب، وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار. وقال سعيد بن جبير: فلا بأس أن يضعن عند غريب أو غيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق ".) قول أيى يعلى ليس حجة على والدليل أنى أوردته ، بالإضافة أنى لم أقل أنه من مؤيدى قولى ، فأكون قد ناقضت نفسى وحججت على نفسى ـ كما قلت ـ بل أوردت قوله لأقول حتى المخالفين فهم من كلمة الخمار أنه يجوز كشف الوجه واليدين ، كل ما أردته هو معنى كلمة الخمار من كلامهم ـ بما فيهم أبى يعلى ـ أما هو فليس حجة على لأنى صرحت أولا أنه من الحنابلة من الرأى الذى يقول بعدم جواز الكشف ، إذا أنا أوردت القول لموضوع الخمار فقط ولتوضيح معناه لأن معرض الكلام نفسه والبحث بشكل عام ليس على القواعد الائى يئسن من المحيض ، وأنا أعلم أن أبا يعلى يقول بوجوب تغطية الوجه وأنا أوردت قوله لمسألة الخمار فقط .
12ـ لم أغفل رأى ابن مسعود وقلت أن الشيخ التويجرى استدل به ، وقلت أنه قول واحد فى مواجهة طائفة من الأقوال المعاكسة لذلك القول ، فإن وجب علينا الترجيح فأيهما نرجح فى رأيك الجمع أم الفرد ـ وكلهم أفاضل ـ .وذلك قولى بالنص ( وأما قول ابن مسعود فقد سبق الجواب عنه ، ثم هو فرد خالفه جماعة، فإن صحَّحت المعارضة به فلا بد من مرجّح، وهو الحديث الذي عمل به مخالفوه، فبه يترجَّح قولهم على قول ابن مسعود، وتسقط المعارضة به، ويسلم قول البيهقي ومن تابعه،وهم جمهور الصحابة والأئمة، كما تقدم بيانه لا تجده في مكان آخر) .
13ـ ابن عباس أيضا ناقل عن النص ، واستسهال موضوع النسخ هذا لا يعجب أكثر أهل العلم ، خاصة أننى وضحت المقصود باآيتين المذكورتين فراجع البحث هذه واحدة ، أما رواية ابن عباس التفسيرية فقد أوردنا أيضا رواية تفسيرية أصح سندا ومتنا فى البحث فما رأيكم ، خاصة أن الروايات فى موضوع العين مضطربة سندا ومتنا ، الحقيقة هذه النقطة أنا أجبت عنها باستفاضة فى البحث فلئن أجبتك فستجعلنى أكتب البحث ثانيا ، ارجع للبحث بهدوء وانظر فى مرويات ابن عباس فى التفسير وتعليقنا عليها ، وكلامنا عن موضوع روايات الإسدال وإظهار العين .
14ـ موضوع الحديث سعيد ابن بشير ضعفه علماء ووثقه علماء ، والقاعدة تقول أن الجرح مقدم على التعديل ، ولكن التقديم يعطى معنى الإختمال فطالما أن للحديث طرق أخرى والرجلب لم يجمع على ضعفه إذا الطرق تقوى بعضها بعضا ولا إشكال فى ذلك ، والطرق الأخرى تلك قوية جدا وذاك نص كلامى لأنى مضطر للإعادة ( أن سعيد بن بشير هذا لم يتفرد بمتن هذا الحديث، بل قد تابعه عليه ثقة حافظ عند أبي داود في " المراسيل" (310/437) بسنده الصحيح عن هشام عن قتادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكره نحوه.
وهشام هذا هو ابن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة ثبت من رجال الشيخين.
قلت: فهذه متابعة قوية من هشام لسعيد تدل على أن سعيداً قد حفظ متن الحديث وأخطأ في إسناده إلى عائشة لمخالفة هشام إياه، فإنه لم يجاوز به قتادة، فيكون إسناده مرسلاً صحيحاً، لأن قتادة تابعي جليل، قال الحافظ في " التقريب":
" ثقة ثبت".) إذا المسألة ليست سعيد بن بشير فقط ، ما رأيك فى هذا ،وهذا أنا قد قلته فى البحث ،إذا انا لم أعب عليه أن ضعف طريقا من طرق الحديث ـ فهذا وارد ـ ولكنى عبت أنه ضعف الحديث كله ـ مرة واحدة ـ ولم ينتبه للشواهد والطرق والمراسيل الأخرى ، موضوع علة المتن هذه فلا علة فيه ، أسماء كانت تدخل على النبى ـ أى ليس غريبا ـ وهو معصوم ، ناهيك عن القرابة فى موضوع أنه زوج أختها ، إلا أن النبى علمها خلقا رفيعا حتى مع كونه نبيا ومعصوما من الفتنة ، ولو قلنا بهذا لكان كل خطأ فعله صخابى وصوبه له النبى حديث معلول متنا لأنه ما كان ينبغى للصحابى أن يخطأ ، وهذا ما لا نقوله فالصحابة عدول نعم ولكنهم يصيبون ويخطئون ، مع التماس العذر كل العذر لأسماء لأن الموقف كان مع النبى وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم وفى قراءة تفسير لابن مسعود لقوله تعالى ( وأزواجه أمهاتهم ) زاد على وجه التفسير وهو والدهم ، إذا لا إشكال فى خروجها بثوب رقراق ، وربما ـ من ناحية أخرى ـ أنها لم تعلم بوجود النبى لأن القول ( خرجت عليه ) ربما يحتمل المفاجأة .
15ـ موضوع الحديث فأنت قلت أن فيه علل كثيرة أنا لم أتكلم سوى على موضوع الظن ، إلا أننى فى البحث أوردت العلل ورددت عليها فارجع إلى هناك ،وموضوع النسخ بالحجاب قلت أنه لا يعجب أهل العلم فكل رأى مخالف يقال منسوخ هذا ليس علمى عند المحققين بل يجب وجود دليل مجمع على صحته بالنسخ وإلا كان تأويلا وتعطيلا إضافة إلا توضيحنا أن حديث الحجاب خاص بالديار فقط وبهذا قال ابن تيمية نفسه بينمت آية الجلباب هى عن الخروج من الدور فلا نسخ كل منهما عن موضوع ، وموضوع الظن ، فقلت فيه ( الثالثة: قول الراوي:" أظنه عن أسماء …". قال:" هذا يوهن السند"!
فأقول: كلا، لأن المراد: الظن الراجح، وهو مما يجب العمل به-كما هو مقرر في علم الأصول- على أن القول المذكور إنما جاء في الرواية البيهقي فقط، خلافاً لرواية الطبراني في "المعجم الأوسط"، والطريق واحدة، خلافاً لروايته في "المعجم الكبير" من طريق أخرى عن ابن لهيعة.
ثم هب أن هذا القول في الرواية، فمن أين لك أنها تعني الضعف الشديد زعمته؟! إذ المعنى المتبادر أنه يظن- أعني: الراوي- أن الحديث عن أسماء أو غيرها من الصحابة، وأسوأ الاحتمالات أنه لا يدري هل هو مسند عن صحابي أو مرسل؟! فهل ذلك يجعل الإسناد ضعيفاً جداً؟! أم هي الأهواء التي تُعمي وتُصم؟! ولعله مما يؤيد ما ذكرته من الظن الراجح أن عبيد بن رفاعة الراوي عن أسماء معروف بروايته عنها من غير هذه الطريق في " السنن الأربعة" و "المسانيد" وغيرها، وله فيها حديث كان الالبانى قد أ خرجه في" سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (1252) وغيره
) إذا حتى وإن لم يعجبك كلامنا فى الظن ـ وهو صحيح ـ فإن للحديث طريق آخر بدون الظن كما قرأت ، إذا يزول الإشكال ، أرجو أن تراجع بحثى جيدا فى هذه النقطة وستجده على عكس ما قلت قد أفاض فى الأمر وشرحه شرحاً وافياً .
16ـ حديث أحمد الذى ذكرته ، لا يدل على أن الخمار يشمل الوجه فهن أسدلنه على الوجه فليس ضروريا أن يكون أصلا للوجه ، فإذا قلت أنى أسدلت ستارا على وجهى فهل هذا معناه أن الستار مخصوص لسدل الوجه وستره ، ثم إن كلمة الخمار لم ترد فى الحديث بل ( الجلباب ) وهو أصلا لستر الجسم كما تقدم أى أخذوا ثوبا ووضعوه على رؤوسهن ووجوهن وهذا يوضح الأمر أكثر .( الجلباب هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها)
17ـ بقد قلت فى موضوع الفجأة ولكن تفسيره من حديث محاسن المرأة ، أنت تعلم الحجاب بالله عليك ما محاسن المرأة إن لم يكن الوجه ، لو أفترضنا بوجوب الستر فكيف تكون الصورة إمرأة ترتدى ثوبا واسعا لا يصف ولا يشف وليس بقصير بل كلما كان طويلا كان أفضل والعين اليسرى أو اليمنى أو كلتيهما ظاهرتين ـ على اضطراب المتن المشار إليه ـ ففيم غض البصر ، وأين المحاسن بالله عليك ، وأين الفجأة ، وماذا سيرى الرجل فى الفجأة ليغض عنه النظر ، يجب أن يكون هناك شيئا يرى ويطلق عليه المحاسن حتى يكون للأمر بالغض مبرر وعلى هذا حديث الفجأة والحديث الذى أوردته مشكورا عن محاسن المرأة والذى وضح الأمر أكثر .
18ـ موضوع أنى أطلت فى الكلام عن القواعد والإحرام فيجب عليك الرجوع ثانيا إلى البحث حتى لا تظلمنى فأنا حين تكلمت عنهم كان من أجل الأستدلال على أمور أخرى مثل حكم الخمار وغيرها ، وقد تكلمت عن حكم تغطية الوجه فى غير حالتى القواعد والإحرام ، وإلا ففيم البحث من أصله ، أرجوك راجع كتاباتى جيدا ـ أخى فى الله ـ .
19ـ أنت رأيت تحاملى على معارضينى ـ وهم ليسوا لى بمعارضين فالأمر ليس شخصيا كما ترى ـ عسى بعد أن تقرأ جوابى هذا ألا ترى تحاملا، وموضوع أنى أقذفهم بسوء القول ، فلأنهم قالوا بأشياء غريبة يثور عليها العقل ولا صدر من عالم فتارة يوردون دليلا مبتورا وتارة يتجاهلون دليلا وتارة يضعفون حديثا لضعف أحد طرقه وتارة يقولون بإجماع غير موجود ، وأنا أصر على أن خطأ العالم يسبب خطأ أمة ومعروف أن عقاب العالم بالأمر يكون أقوى من عقاب الجاهل به ، وأنت لم تعرف كيف ردوا على مخالفيهم لدرجة أن يوصف الإمام الألبانى بأنه ملحد ويحرف كلام الله ، هل يريدون أن نرتد كالأمم الفاسدة من قبلنا وننقلب يكفر بعضنا بعضا ، وللعلم أنا لم أدرس شيئا على الشيخ الألبانى أو على علاقة به قبل وفاته ولكنى لا أدافع عن أشخاص أنا أدافع عن حق ، حتى شيخى الذى كنت أدرس عليه العلم كان يفتى بأن تغطية المرأة لوجهها واجب ، أى أن كل شئ يقول [انى المفروض أن أتبع معلمى على الأقل ، لكنى حين وجدت غير ذلك دافعت عنه ، حتى شيخى أقنعته عن طريق هذا البحث ، بل وأعلن هذا على المنبر ، أقول لك ذلك لأنى شعرت أنك حسبت أنى أتحاما من أجل مصلحة شخصية أو شيخ ما أدافع عنه ، وحسبنا الله ونعم الوكل .
20ـ موضوع الصفوة هذا ، أقول أن أغلب الأمة والصفوة على ما قلته وهذا أثبته فى بحثى أى أن القائلين بالوجوب أقلية صغيرة وهذا وضح فى استعراضنا للمذاهب الفقهية وأقوال المفسرين والمحدثين واللغويين أى على العكس لو قلنا بالعكس لنزعنا صفة القوة عن أغلبية علماء الإسلام الذين قالوا بالاستحباب والسنة فقط .
21ـ جوابا على سؤالك الذى دعوتنى فيه بالتجرد أقول لك بالله عليك لو أنك تحاول إقناع امرأة سافرة بالحجاب أمن السهل أن تقول لها الحجاب كما قلنا أم الحجاب بستر الوجه والكفين ، أنت تريد من النقيض إلى النقيض ، انقلاب بمقياس 180 درجة وهذا صعب إن لم يكن مستحيل ، ولكن الحجاب الصحيح الذى ذكرناه يكون أدعى إللا الهداية والتفكير فحين تستجيب المرأة وتثوب إلى الله نبدا فى القول بأنها إن كانت تريد الدرجات العلى وأن تكون فى مقام الصديقات والصالحات وأمهات المؤمنين فهناك ستر الوجه ، ولكن التنفير بأنه إما الحجاب بستر الوجه وإلا فلا حجاب هو ليس بصحيح ، ثم كم المشاكل التى تواجهها المرأة المنتقبة ، عندنا فى مصر مثلا مشكلة الطالبات التى تسترن وجوههن فى الامتحان يجب على المراقب التأكد من الشخصية التى أمامه عن طريق رقم الجلوس الذى فيه صورتها فترفض البنت ـ معسرة على نفسها ـ أن ينظر المراقب لوجهها ليتأكد من أنها هى نفس الطالبة وليس غيرها ، هذا إن وافقت على أن تصور أصلا ، لم كل هذا التشدد ( إن الدين لمتين ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ) نحن لم نقل أنه ـ ستر الوجه والكفين ـ حرام والعياذ بالله وإنما قلنا أنه فضيلة عليا ومن الأعمال الصالحات التى تتقرب بها المرأة المسلمة إلى الله عز وجل ومبالغة وزيادة فى العفة ، ولكن لا يعنى هذا وجوبه والحكم على عدم مشروعية حجاب أى امرأة لا تستر وجهها وكفيها .
21ـ قولك أنه رأى محكم وله أدلته فيه نظر وخاصة بعدما أوردناه فى بحثنا والذى عليه الغالبيية الكبرى من العلماء كما وضح ، والذى فعلته أنا أكثر مدعاة للعفة لأنه يجعل النساء يقبلن على الحجاب أكثر ناهيك عن أنه قول الجماعة الأكثرية من العلماء كما أشرنا، وسبق أن قلت أن الموضوع موضوع دليل ، لأن الغاية لا تبرر الوسيلة ، فلا صحة فى أن نقول يجب أن تستر المرأة وجهها وكفيها من أجل العفة ، طالما أن القول ضعيف أصلا ، وموضوع العفة قلت لك أن قولى أكثر ترغيبا فى الحجاب وأكثر مدعاة له وهذا ما أثبتته التجربة الفعلية يا أخى .
22ـ رغم طعنكم على أخلاقى لأنى كنت أرد على أدلة المخالفين لى ـ أعلم أنه ليس قصدك والله ـ إلا انه ليس عيبا أن أرد على الأدلة المخالفة وأنت تقرأ كتب فقه الإختلاف أو الفقه المقارن وتعرف ذلك وموضوع الكمد والضيق لأن المنتدى قد يطلع عليه الغير ويقولون ويطعنون على الإسلام بأقوالنا وهم أرباب الفسق والدعارة وهذا ما قصدته فقط ، والله العالم بالنيات، وهم ـ كما تعرف ـ لا يملون من اظهار الإسلام فى صورة متخلفة رجاله بالجلابيب والسراويل القصيرة ونساؤه خيام سوداء ولغتهم بالناقة والشبر ، وهم ـ هؤلاء المعارضون ـ لا يعرفون شيئا عن أى شئ لذلك يجب أن نوضح الواجب من المستحب .
23ـ موضوع حرية الفكر وهذا أنا لم اتهجم عليهم لأنهم خالفونى ولكن لأنهم قالوا أشياء غريبة ضد اللغة والتفسير وعلم الحديث وقد وضحتها فى البحث وفى ردى عليك من نقطتين أو ثلاثة فاتوا ، مشكلتنا هى تأليه العلماء أحيانا ، أى لا نصدق أن عالما أخطا ، مرة تحدثت مع أخ عن فتوى لمولانا الراحل الشيخ الشعراوى وقلت أن فيها خطأ معين ، لم يكن الجواب منه علميا على الإطلاق بل قال ( يا شيخ معقول الشعراوى يغلط فى الفقه ) .
24ـ اطرائك لى كثير وتهجمك أيضا مما يعنى دبلوماسية خرافية ـ مزاح و الله ـ عموما كما قلت أنا لست بأستاذك وحاشاك أن تكون خادما لى فى العلم فأنت رجل متعلم جيدا كما لمست أنا .
25ـ الدعاء الأخير التعريض فيه لى أنا واضح جدا رغم أنى أوضحت أنى ليس لى فى الموضوع مصلحة وجميع المشايخ الذين أعرفهم كانوا ضدى فى رأيي وليس لى أى علاقة بالألبانى، عموما أنا لم أكن متعصبا وأوردت الأدلة ، وعموما أخى فى الله ـ برق 1 ـ آآآمين .
25ـ أخيرا أشكرك على إثرائك للحوار وغفر الله نا ما تقدم من ذنوبنا وما تأخر ، الله ارض عنا واهدنا واهد بنا واجعلنا سببا لمن اهتدى ، وعلمنا ما جهلنا وانفعنا يارب بما علمنا واجعل موعدنا الجنة مع المصطفى وآله وأصحابه .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
الله صل على محمد وآل محمد وأصحابه ومن تبع سنته إلى يوم الدين .
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 12-07-2002, 01:20 AM
عمرو على محمد عمرو على محمد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jul 2002
المشاركات: 136
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،
موضوع محاورتى للعلماء الذى قلته أنت يحدث فعلا وربما لم تقرأ ردى جيدا فأنا كما قلت حاورت ـ أول من حاورت ـ شيخى ومن بعده حاورت الكثيرين والحمد لله وضحت لهم المسألة والجميع قال بما قلت ولم يعترض غير واحد ، موضوع أسلوبى الذى لا تزال تصر عليه ، لو رأيت أسلوب الشيخ التويجرى لعرفت الفارق ، الشيخ الذى كفر الإمام الألبانى لأنه خالفه ، بينما وقع هو فى أخطاء لا يقع فيها طالب فى علوم الحديث والمصطلح أو علوم الفقه ، وحين يحدث هذا من عالم فهى كارثة على كل المستويات ويجب الوقوف لها بحزم كما فعلت .
وأخى يزيد السنى يبدوا أنك لم تقرأ موضوعى جيدا ، وما أورده العلامة بن باز موجود فى موضوعى وتم الرد .
الله اغفر لنا وارحمنا .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
اللهم صل على محمد وآله وأصحابه ومن تبع سنته إلى يوم الدين .
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 12-07-2002, 06:48 AM
أبو عمرو 2 أبو عمرو 2 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2002
المشاركات: 667
افتراضي

بارك الله فيك ياعمرو ونفع بك .
والسألة خلافية من قديم وكلام الجمهور معك فيما أوردت .
وتغطية الوجه فيما أعلم أفضل إلا أنها تكون واجبة متى خشيت المرأة الفتنة .
وأنا ممن يلزم زوجي بتغطية الوجه إتباع للأفضل .
والرد على المخالف لا يعتبر إنتقاص منه أو وقوع في عرضه كما قرر سلفنا الصالح ، والحق أحب إلينا من الرجال .
والله أعلم .
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 12-07-2002, 05:00 PM
عمرو على محمد عمرو على محمد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jul 2002
المشاركات: 136
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله وكفى وسلاما على أعظم من مشى على ظهر الأرض وتشرفت السماء به الذى اصطفى ، وبعد ،
بارك الله فيك أخى أبو عمرو2 نعم اللبموضوع خلافى ولكن ليس بشدة ، فالمخالفين فيه قليل كما أوضحت فى بحثى وجماهير العلماء والفقهاء والمفسرين والمحدثين على ما قلناه ، وأنا لم أنكر أن تغطية الوجه أفضل بل أنا قلت بالنص أنها من درجات الصديقات والصالحات وأمهات المؤمنين ، ولكنى أرفض القول بالوجوب أى أن أى حجاب بدون ستر الوجه والكفين هو حجاب باطل كما يقول المتشددون الغير عارفين بالعلوم الشرعية ، كيف نبطل حجاب ملايين نساء الأمة على هذا النحو من التشدد ، معك فى أن الرد على المخالف لا يعد انتقاص منه ، ولكن أحيانا يأتى المخالف بما لا يتوقع من خرق للعلوم السلفية وأخطاء غريبة وأولية للغاية يعرفها الطلبة فى المرحلة الثانية من الأزهر عندنا فى مصر ، عموما هدانا الله للحق والصواب وغفر لنا زلاتنا آمين .
والسلام ليكم ورحمة الله وبركاته .
اللهم صل على محمد وآل محمد وأصحابه ومن تبع سنته إلى يوم الدين .
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 12-07-2002, 06:07 PM
zahco zahco غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Mar 2002
المشاركات: 8,371
افتراضي

الحمد لله رب العالمين حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها الحوار لا زال طيباً وتشم منه رائحة العلم بين المتحاورين فبارك الله في الطرفين .
جزاكم الله عنا كل خير
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 13-07-2002, 03:55 PM
برق1 برق1 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2002
المشاركات: 796
افتراضي

----------------------------------------- بسم الله الرحمن الرحيم ---------------------------------------

أستاذي الفاضل عمرو محمد :

لي بعض التعليقات على تعقيبك علي وعلى الأخ الكريم يزيد , عسى أن يكون فيها بعض الإيضاحات والفائدة :


أبدأ بقولك عن كلام ابن حجر رحمه الله في الفتح بأنه : (( يحتمل أن يكون خطأ من الناسخ، أو سبق قلم من المؤلف، أراد أن يقول: "صدورهن" فسبقه القلم! ويحتمل أن يكون أراد معنىً مجازياً أي: ما يحيط بالوجه من باب المجاورة ))

فسأذكر كلامك أوّلا في أول الموضوع , ثمّ أذكر تعقيبك الآخر الذي أصررت فيه على رأيك , ثمّ أبيّن لك المسألة :

قلت في أوّل موضوع ردّا على التويجري رحمه الله :

(( لقد ردّ الشيخ في كتابه (ص 221) القول الموافق لأهل العلم بتفسير الحافظ المذكور: "غطين وجوههن"، وأضرب عن تمام كلامه الصريح في أنه لا يعني ما فهمه الشيخ، لأنه يناقض قوله: " وصفة ذلك …" فإن هذا لو طبَّقه الشيخ في خماره لوجد وجهه مكشوفاً غير مغطى! ويؤكد ذلك النص الذي بتره الشيخ عمداً أو تقليداً، وفيه تشبيه الحافظ خمار المرأة بعمامة الرجل، فهل يرى الشيخ أن العمامة أيضاً- كالخمار عنده- تغطي الرأس والوجه جميعاً؟! وكذلك قوله:" وهو التقنع"، ففي كتب اللغة:" تقنعّت المرأة أي: لبست القناع وهو ما تغطي به المرأة رأسها"، كما في " المعجم الوسيط" وغيره، مثل الحافظ نفسه فقد قال في " الفتح" (7/235 و 10/274):
" التقنع: تغطية الرأس" وإنما قلت: أو تقليداً. لأني أربأ بالشيخ أن يتعمد مثل هذا البتر الذي يغيّر مقصود الكلام، فقد وجدت من سبقه إليه من الفضلاء المعاصرين، ولكنه انتقل إلى رحمة الله وعفوه، فلا أريد مناقشته. عفا الله عنا وعنه.وبناءً على ما سبق فقوله: " وجوههن"، يحتمل أن يكون خطأ من الناسخ، أو سبق قلم من المؤلف، أراد أن يقول: "صدورهن" فسبقه القلم! ويحتمل أن يكون أراد معنىً مجازياً أي: ما يحيط بالوجه من باب المجاورة فقد وجدت فى "الفتح" نحوه في موضع آخر من تحت حديث البراء رضي الله عنه:" أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ بالحديد …" الحديث. رواه البخاري وغيره، وهو مخرج في " الصحيحة" (2932) فقال الحافظ (6/ 25):

" قوله: "مقَنَّع" بفتح القاف والنون المشددة: وهو كناية عن تغطية وجهه بآلة الحرب"

فإنه يعني ما جاور الوجه، وإلا لم يستطع المشي فضلاً عن القتال كما هو ظاهر. )) انتهى كلامك الأول

وقد رددت أنا عليك بما مفاده أنك استخدمت هذه الاحتمالات الثلاثة في محاولة لإلغاء حجّيّة نص ابن حجرالظاهرة المؤيّدة للتويجري متحرّجاً من ظهور الحجة عليك , فقمت بتأويل غير محمود للنص , يمكن لأي أحد عجز عن الحجة أن يأخذ به ليبطل أي نص خالفه

فرددت عليّ أنت مصرّا على تخطئة أو صرف العبارة عن ظاهرها بالتأويل المجازي فقلت :

(( قولى عن الحافظ ذلك الكلام لان الموضوع واضح ، هب أنى أتكللم الآن عن صلاة الضحى فقلت فى أول كلامى وأعلموا أنها سنة وفى موضع بعده بقليل قلت ولا شك فى الإجماع بوجوبها ، ماذا تقول ، لأنك تحترمنى لن تقول أنى أخرف أو جاهل ستقول أحد الإحتمالات التى قلتها أنا ، فالحافظ العسقلانى قال فى كلامه ( "غطين وجوههن) ثم قال بعدها مباشرة ( غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها، وترميمه من الجانب الأيسر، وهو التقنع. قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها، وتكشف ما قدامها، فأمرن بالاستتار،) أى قال يغطين وجوههن وصفة التغطية كما قال الفراء وصفة ذلك ، ولكننا وضحنا أن معنى كلام الفراء لا محل فيه لستر الوجه ، ألا يعد ذلك تناقضاً ويقول الحافظ أيضا ( " والخمار) للمرأة كالعمامة للرجل".) والعمامة لا تستر الوجه ، ألا ترى كلام الحافظ العسقلانى مناقضا لبعضه ، لذا قلت ربما يكون خطئا فى النسخ أو حتى وهما ـ لا يكاد يسلم منه كتاب ـ من الشيخ ، أنا لم أقل ما قلت دفاعا عن نفسى ـ كما حسبت أخى الفاضل ـ ولكن دفاعا عن الحافظ نفسه ، حيث كيف يبدأ كلامه بحكم ويشرحه بما ينافى الحكم الذى قاله ، لابد من خطأ ، ولا يمكن أن أقول أنه أخطأ فى ثلاث جمل وأصاب فى واحدة ـ فهذا طعن كبير للغاية على الحافظ العسقلانى ـ إذا الخطأ ـ منه أو من الناسخ ـ كان فى جملة واحدة وهى ( يغطين رؤوسهن ) )) انتهى كلامك .

فإليك مسألتين :

المسألة الأولى :

في بيان صحّة عبارة ابن حجر (( غطين وجوههن )) وأنه قصد بها ظاهرها غير ساه أو مخطئ :

فقد ورد في الفتح نفسه قوله رحمه الله شارحا لفظة التقنّع عند البخاري رحمه الله : ((قوله: (باب التقنع) بقاف ونون ثقيلة، وهو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره.)) فكما ترى فقد نص ابن حجر على تغطية الوجه هنا أيضا بتفصيل يدلّ على صراحة قصده مما يدلّ دلالة قاطعة على أنه لم يكن في عبارته الأولى ساهيا أو مريداً المجاز أو أن الناسخ أخطأ كتابتها

يضاف إلى هذا أنك وقد زعمت أن التويجري بتر عبارة الحافظ عمداً لأن باقيها يخالف رأيه فلم تنقلها لنا أنت في ردّك عليه بل أوّلتها دون أن تذكرها لنا , وبعد ردّي عليك بخصوصها عقّبت علي أنت وجئت بالعبارة لكن نقلك لها لم يكن دقيقا , لذلك فات القارئ الوقوف على العبارة الصحيحة لابن حجر ليعرف هل تأويلك لها صحيح أو غير ذلك .

فعبارته الدقيقة هي : (( قوله: (فاختمرن) أي غطين وجوههن؛ وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر وهو التقنع ))
ولو أردت شرح العبارة فانتبه إلى أنّ الحافظ قال بأنها تضع الخمار على الرأس ثمّ ترميه من جانب الرأس الأيمن حتى يصل إلى العاتق الأيسر , وبهذا فلا يمكن أن يتمّ هذا إلا إذا مرّ الخمار على الوجه , الخمار على الرأس كما هو واضح في العبارة

وهذا ظاهر عند التطبيق العملي

ولكن مع هذا فإليك أيضاً نصّ آخر للحافظ نفسه يؤكّد لك أن فهم التويجري للعبارة هو الصواب
قال الحافظ في كتاب اللباس باب التقنّع : (( قوله: (باب التقنع) – يعني البخاري رحمه الله - بقاف ونون ثقيلة، وهو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره )) فهذا التفصيل الدقيق بكلمة أكثر يدلّك على أنه كان يقصد بعباراته كلّها الوجه لاغيره , فهو إذاً يرى وجوب تغطية الوجه كما قرّر التويجري , وإنما قال ( أكثر ) هنا لأجل أن تبقي المرأة عينها اليسرى لترى الطريق .


إذاًً فالعبارة صريحة صحيحة , وفهم التويجري لها هو الحقّ , وهو لم يكتم باقي النص لكونه يخالف رأيه كما زعمت , فباقي النص شاهد له كما بيّنت لك الآن , فقد شرحت لك كلام الحافظ بكلامه الآخر و أدقّ مراتب الشرح أن يُشرح كلام الرجل بكلامه .
ولهذا فلا يصلح أن تفنّد عبارة الحافظ وتزعم أن الناسخ أخطأ كتابتها أو أنها سهو من الحافظ أو أنّ مراده مجازي ! وتجعل التويجري موضع تهمة منكرة بقولك : (( وهنا لا بد لي من الوقفة- وإن طال الكلام أكثر مما رغبت- لبيان موقف للشيخ التويجري غير مشرف له في استغلاله لخطأ وقع في شرح الحافظ لحديث عائشة الآتي في الكتاب (78) في نزول آية (الخُمُر) المتقدمة، وبتره من شرح الحافظ نص كلامه المذكور لمخالفته لدعواه!)) . دون أن تتحقق جيّداً ! وأنت الذي عبت على الآخرين عجلتهم وتعدّيهم بقولك : (( وهذه آفة أكثر الكتّاب اليوم الذين استسهلوا هذا العلم، فانطلقوا يصححون ويضعفون دون أن يعرفوا أصوله وقواعده، ))
وهذا يذكّرني بقولك عن التويجري بأنه قد كفّر الألباني رحمه الله ! وهي عجلة منك في تفسير قول التويجري !

والمسألة الثانية :

في بيان المعنى الواسع عند العلماء لكلمة ( التّقنّع ) عكس ما قصرتها عليه أنت :

فقد احتججت بها على التويجري وجعلت ورودها في نص ابن حجر دليلا على أن الحافظ لايريد برمي الخمار تغطية الوجه
عندما قلت : (( وكذلك قوله:" وهو التقنع"، ففي كتب اللغة:" تقنعّت المرأة أي: لبست القناع وهو ما تغطي به المرأة رأسها"، كما في " المعجم الوسيط" وغيره، مثل الحافظ نفسه فقد قال في " الفتح" (7/235 و 10/274):" التقنع: تغطية الرأس" ))

فقد ردّ عليك الحافظ ابن حجر نفسه عندما قال : (( { مقَنَّع } بفتح القاف والنون المشددة: وهو كناية عن تغطية وجهه بآلة الحرب )) فلم تقبل بكلامه هذا وذهبت إلى تأويله بالمجاز فقلت : (( فإنه يعني ما جاور الوجه، وإلا لم يستطع المشي فضلاً عن القتال كما هو ظاهر. ))

فهذا نصّه الآخر بيطل تأويلك للنص الأوّل بالمجاز وجعلك المقصود ما جاور الوجه , قال الحافظ : (( قوله: (باب التقنع) – يعني البخاري رحمه الله - بقاف ونون ثقيلة، وهو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره ))

فإن لم تقنع أيضا فاقرأ في فيض القدير شرح الجامع الصغير للإمام المناوي قوله رحمه الله :
(( تغطية الرأس بالنهار فقه : أي من نتائج الفهم لكلام العلماء الحكماء فإن عندهم أن التقنع نهاراً محبوب مطلوب وبالليل ريبة أي تهمة يستراب منها فإن من وجد إنساناً متقنعاً ليلاً إنما يظن به أنه لص أو يريد الفجور بامرأة أو نحو ذلك وإلا لما غطى وجهه وستر أمره ومحصول ذلك أنه نهاراً حسن وليلاً مذموم )) انتهى

تأمّل كيف شرح التقنّع بأنه تغطية الوجه .

كلّ هذه النصوص صريحة بأنّ القناع يغطّي الوجه كما هو معروف عند عامة الناس اليوم
فورود لفظ التقنّع إذا دليل للقائلين بوجوب ستر الوجه , وليس للقائلين بعدمه .

وانظر في سبب تسمية الشاعر الجاهلي ( المقنّع ) بالمقنّع , فهو يغطّي وجهه بالقناع , ولغة الجاهليين حجة مالم يصرفها عن أصلها صارف شرعي

تنبيه :

العرب يطلقون كلمة ( الرأس ) يريدون بها كل ماحملته الرقبة , وعليه فالوجه جزء من الرأس, تأمّل قولهم قطع رأسه , فأوّل ماينصرف الذهن إلى كل ماحملت الرقبة , وقولهم رأيته بأم رأسي يعنون العين وهي في الوجه فهذا معناها المطلق عندهم مالم تذكر قرينة مخصّصة , حاليّة كانت أو لفظيّة, فلا يحسن أن نقصر النص على معنى من معاني الكلمة ونترك المعاني الأخرى مالم تقم قرينة مانعة .

--------------------------------------------------------------

وعن قولي ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما , قلت في تعقيبك علي :

((13ـ ابن عباس أيضا ناقل عن النص )) انتهى

لم أفهم مرادك بكلمة ( النص ) هنا ! فقد ذكرت أنا سابقا : ( كلام ابن مسعود ناقل عن الأصل ) ولم أقل : ( ناقل عن النص )

فلعلك أخطأت في قراءة ماكتبته أنا في ردّي , لذلك أعيده بوضوح أكثر :

أقول : إن ابن عباس وابن مسعود اختلف تفسيرهما لقوله تعالى : { إلا ما ظهر منها ... الآية ) فقال بن عباس : (( الوجه والكفان من الزينة الظاهرة )) و فسرها ابن مسعود بأنها (( الثياب الظاهرة )) فهذان صحابيان قد اختلفا في تفسير الآية

فكيف يكون الجمع بين القولين ؟

جمع العلماء بينهما بالقاعدة الآتية : أن كلام ابن عباس جاء وفق الأصل الذي عليه المسلمون وهو جواز كشف المرأة قبل فرض الحجاب , بينما كلام ابن مسعود نقل عن هذا الأصل بجعله الزينة الظاهرة تعني الثياب لا الوجه والكفين , والقاعدة عند الأصوليين أن الناقل عن الأصل مقدّم , كقولهم : المثبت مقدّم على النافي , والسبب أنّ كلامه هذا دلّ على اطلاعه على علم أو حكم قد استجد لم يكن لدى الآخر , قد نقل الشيء عن الأصل المتعارف عليه إلى حال جديدة وهي هنا فرض الحجاب , وعليه فيكون ابن عباس قال كلامه قبل نزول آية الحجاب بناء على الأصل , وهو جواز الكشف, وابن مسعود قال كلامه بعد نزولها بناء على حكم قد استجد نقل عن الأصل إلى حال جديدة هي منع الكشف ( الحجاب )

ومما لا يترك شكًا في صحّة هذا الجمع , أنّ ابن عباس رضي الله عنه قد فسّر قوله تعالى : { يدنين عليهن من جلابيبهن ... الآية } بقوله : (( أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهنّ في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب , ويبدين عينا واحدة )) انتهى . فهذا منه صريح بوجوب تغطية الوجه , مما يدلّك على أن كلامه السابق قبل فرض الحجاب , وقوله هذا يقطع الحجة على كل أحد أراد العمل بقوله الأول .

وهذا النسخ ظاهر لا يحتاج مزيد بحث

وأمّا قولك في تعقيبك على هذه المسألة السابقة : (( واستسهال موضوع النسخ هذا لا يعجب أكثر أهل العلم ))
فلم أقل أنا بالنسخ حتى تنصحني بتلك العبارة

بل الذين قالوا به خلق كثير من كبار العلماء

منهم ابن تيمية رحمه الله عندما جزم بالنسخ فقال : (( فإذا كنّ مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب ؛ كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهرها للأجانب ؛ فما بقي يحلّ للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة , فابن مسعود ذكر آخر الأمرين , وابن عباس ذكر أوّل الأمرين ....... )) انتهى , ويعني بأوّل الأمرين ماكان قبل الحجاب , وبآخر الأمرين ما كان بعد نزول آية الحجاب
وبمناسبة ذكر شيخ الإسلام ابن تيميّة فإني أعتب عليك قولك عنه في تعقيبك الأخير : ((وربما يكون مع القائلين بوجوب التغطية )) مع أنّي أوردت لك عدداً من أقواله بنصّها , صريحة برأيه وجوب تغطية الوجه , بل وصرّح كما نقلت لك بأن القول بالوجوب هو أصح قولي العلماء
ولعل ما يخفف عنّي الضيق بهذا قناعتي أنك لم تقصد التشكيك بأمانتي في النقل بل تقصد مجرّد الشك في دقّة نقلي عنه , فبإمكانك التأكد

وقال بالوجوب كذلك أئمة كبار سلفا وخلفا

وممن أخذ به من المعاصرين ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله , وغيرهما جمع كبير .

بل لا حاجة بنا لقول ما سبق وابن عباس نسخ كلامه بنفسه ففسّر قوله تعالى : (( يدنين عليهن من جلابيبهن )) بقوله : (( أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهنّ في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب , ويبد ين عينا واحدة )) انتهى

فهذا حبر الأمّة نفسه نسخ السابق من كلامه باللاحق , فالسابق فسّر آية قبل آية الحجاب , وهذا اللاحق فسّر به آية الحجاب المتأخرة

-----------------------------------------------

وحول المقصود بالخمار

أحبّ أن أنبّه إلى مسألة خفيت عليك وعلى كل من احتج بأن معنى الخمار عند العرب , وفي معاجم اللغة , يراد به غطاء الرأس , فأقول :
لا إشكال في أن العرب يستعملون الخمار لغطاء الرأس في الغالب , ولكن هذا المعنى اللغوي الذي حكته معاجم اللغة عن العرب منذ الجاهلية , وأنت تعلم أن هناك معنى اصطلاحي شرعيّ يجدّ للفظة فيصرفها عن جمودها على معناها الأول , كالزكاة مثلا , أو التعزير , فالزكاة في اللغة تعني النماء , ولم يكن العرب يعرفون هذا المعنى الشرعي إلاّ بعد أن فرضت الزكاة, فصارت في الاصطلاح الشرعي الذي طرأ عليها تعني (( المال المخصوص يدفع في وقت مخصوص إلى طوائف مخصوصة )) , ومثله الخمار فمعناه اللغوي : غطاء الرأس وقد يطلق على غيره كما بيّنت سابقا من لسان العرب عندما قال : (( رأس المرأة ومحاسنها )) , ولكن الشرع نقل المعنى عند فرض الحجاب إلى شمول الخمار للوجه والعنق , والآية في هذا واضحة : { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } أي : على النساء المؤمنات أن يجعلن الخمار يشمل شيئا أكثر من أجسادهن بدل أن كان مقصوراًً على الرأس , وأنت تقرّ بهذا النقل للمعنى بكونك ترى أن الحجاب هو مدّ للخمار ليشمل الجيب والعنق , وهذا أبعد من الوجه عن الرأس ! فلماذا ينقلون معنى الخمار عن غطاء الرأس ليشمل العنق ويمنعون غيرهم عن نقله إلى ماهو أقرب للرأس وهو الوجه , احتجاجا منهم بالمعنى اللغوي ؟!

وهذا كلّه يضاف إلى كون العرب يطلقون كلمة الرأس ويريدون بها عموم ما حملت الرقبة من من جهات الرأس كالهام والناصية والوجه واللحي , فلو فُسّر الخمار عند الفقهاء على أنه غطاء الرأس , فلا تثريب على من عدّ الرأس كل ما حملت الرقبة , كما بيّنت تحت عنوان ( تنبيه ) أعلاه

ومما يدلّك على أن بعض أحياء العرب تستعمل الخمار في تغطية الوجه صيانة للمرأة قول ابن منظور تحت كلمة ( نصيف ) : (( والنصيف الخمار ..... إلى أن قال : ومنه قول النابغة يصف امرأة :
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه **** فتناولته واتقتنا باليد
قال أبو سعيد : النصيف ثوب تتجلل به المرأة فوق ثيابها كلها, سمي نصيفا لأنه نَصَف بين الناس وبينها فحجز أبصارهم عنها, قال : والدليل على صحة ما قاله قول النابغة : سقط النصيف , لأن النصيف إذا جعل خمارا فسقط فليس لسترها وجهها مع كشفها شعرها معنى . وقيل : نصيف المرأة معجرها )) انتهى

-------------------------------------------------

وإني بعد هذا سائلك :

هل تجد بعد تفسير ابن عباس لآية الحجاب بتغطية الوجه , وبعد تفسير ابن مسعود لقوله تعالى : { إلا ماظهر منها }
بأنها الثياب الظاهرة , هل تجد بعد هذين الصحابيين صحابياً آخر يقول بعدم تغطية الوجه ؟

وهل يبقى لأحد قول بعد قول الصحابة ؟

هذا مع أن الأدلّة الصحيحة التي لا مقدح فيها هي أدلّة القائلين بتغطية الوجه
وهم علماء أئمّة كثيرون , كابن تيميّة وابن حجر وابن القيّم , وابن كثير وأحمد في أصح الروايتين والنووي وأبو عبيدة , وغيرهم
أمّا من علماء العصر ف خلق كثير منهم ابن باز وبن عثيمين

وكما رأيت عبارة نيل الأوطار وهو من كتب الشافعيّة

بل حتى في شرح الموطّأ برواية الإمام محمَّد بن الحَسَن : كتاب الحج , باب ما يُكره للمحرم أن يلبس من الثياب
قال الإمام مالك :
(( ولا ينبغي للمرأة – يعني حال الإحرام - أن تتنقَّب فإن أرادت أن تغطي وجهها فلتَسْدِلْ الثوب سدلاً من فوق خمارها على وجهها، وتُجافيه عن وجهها ))
قال الشارح في بيان سبب تغطية الوجه في حال الإحرام: (( لمقابلة غير مَحرَم وغير ذلك )) انتهى
ولو لم يكن يرى تغطية الوجه لما جعل مقابلة المحرمة للرجال الأجانب سببا لتغطيته .

فهل يبقى بعد كل هذا محلاّ لقولك :

(( أقول أن أغلب الأمة والصفوة على ما قلته وهذا أثبته فى بحثى أى أن القائلين بالوجوب أقلية صغيرة وهذا وضح فى استعراضنا للمذاهب الفقهية وأقوال المفسرين والمحدثين واللغويين أى على العكس لو قلنا بالعكس لنزعنا صفة القوة عن أغلبية علماء الإسلام الذين قالوا بالاستحباب والسنة فقط ))

وقولك : (( ..... لأن الغاية لا تبرر الوسيلة ، فلا صحة فى أن نقول يجب أن تستر المرأة وجهها وكفيها من أجل العفة ، طالما أن القول ضعيف أصلا )) انتهى

مع أنك أنت جعلت الغاية تبرّر الوسيلة في أكثر من موضع دون أن تشعر , من ذلك قولك : (( وموضوع الكمد والضيق لأن المنتدى قد يطلع عليه الغير ويقولون ويطعنون على الإسلام بأقوالنا وهم أرباب الفسق والدعارة وهذا ما قصدته فقط ، والله العالم بالنيات، وهم ـ كما تعرف ـ لا يملون من اظهار الإسلام فى صورة متخلفة رجاله بالجلابيب والسراويل القصيرة ونساؤه خيام سوداء ولغتهم بالناقة والشبر ، وهم ـ هؤلاء المعارضون ـ لا يعرفون شيئا عن أى شئ لذلك يجب أن نوضح الواجب من المستحب )) انتهى
إذاً فضيقك ليس إلا لما قد يقوله الكفّار عنا , ولعمر الله لن يرضو عنّا حتى لو مشت نساءنا عرايا لا قدّر الله , أمّا من رغب في الإسلام من نسائهم فقد رأينا أنهنّ صرن أحرص على تغطية الوجه من كثيرات من بنات المسلمين , والله المستعان

ولا يفوتني أن أشكر الأخ الفاضل أبا عمرو2 على تعليقه الكريم , الذي أنتعتني قراءته فكررتها , فجزاه الله خيراً, هذا ولا أخفيه أني قد عجبت من جزمه بالحكم أن تغطية الوجه مستحبّة ناسفا النصوص الصحيحة وكلام العلماء
و أحبّ أن أبيّن معنى مصطلح الجمهور الوارد في كلامه :
فالجمهور مصطلح يعني في أصله اتفاق رأي ثلاثة من الأئمّة الأربعة ( مالك , وأحمد , والشافعي , وأبي حنيفة )

اللهم اجمع اللهم قلوبنا على الحق , واعصمنا بحبلك , واحفظ نساءنا ونساء المسلمين من كل سوء

وصلى الله وسلّم على نبينا محمد
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 13-07-2002, 04:27 PM
عمرو على محمد عمرو على محمد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jul 2002
المشاركات: 136
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وبعد ،
أخى فى الله الفاضل برق 1 ، أشكر لك تحمسك ، ومقدر دفاعك عن معتقدك ورغبتك فى ستر نساء الأمة .
والله العظيم يا أخى الفاضل أنا فى هذه الأيام مشغول من قمة رأسى حتى أخمص قدمى ، لذا فملاحظاتى على ردك لن أوردها مجتمعة ، بل نقطة نقطة ، موضوع الحافظ العسقلانى ، العبارة التى عندى كما قلتها إذا أنا لم أحذفها لأعمى عليكم ، وحتى العبارة التى أوردتها لا تشهد لقولك فالعبارة كما أرودتها تقول ( فعبارته الدقيقة هي : (( قوله: (فاختمرن) أي غطين وجوههن؛ وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر وهو التقنع )) ) والعاتق لغة هو ( مابين المنكب والعنق ) كذا فى المعجم الوجيز ، إذا الحافظ يقصد أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن إلى اليسار على منكبها لتغطى عنقها ، لأنه لو أراد ستر الوجه لقال من أذنها اليمين إلى اليسار مثلا أو قال حتى ترميه من الجانب الأيمن لأذنها اليسرى ، ولكن من اليمين
إلى المنكب فهذا معناه إسدال الخمار من اليمين إلى اليسار لستر العنق ـ بمناسبة العنق لعلك قرأت قول التويجرى بجواز نظر الخطيب لرقبة خطيبته ولا حول ولا وقوة إلا بالله ـ لأنك تعلم أن الوجه غير مواز بأى حال من الأحوال مع لعاتق ولكن العاتق أسفل منه فدل ذلك على شتر الرقبة والجيب ، ولله الحمد .وذلك يتضح بالتجريب العملى كما قلت إذا الفى الخمار من اليمين إلى الكتف الايسر ستجده ستر العنق . وموضوع أكثر الوجه هذا لا يدل على بروز العين وإلا لقال أغلب أو معظم لأنه لا مقارنة بين مساحة الوجه وحجم العين اليسرى أو اليمنى ليقول( أكثر) فهى شئ ضئيل جدا ـ على الرغم من الاضطراب الشديد فى هذا الموضوع كما وضحنا ـ ثم ماهو تعريف الوجه ( هو ما يواجهك من الرأس ) أى كل ما إذا نظرت لك وواجهنى من رأسك فهو وجهك من منبت شعرك فى أعلى الرأس إلى منتهى اللحية أو الرقبة ، لأن كل هذا يواجهنى فى النظر ، ماذا على المرأة أن تستر ، يجب ستر منبت الشعر وشد الحجاب على الجبين حتى الحاجبين وستر العنق هنا تجد أكثر الوجه مستور العنق بأكملها وثلث الوجه الأعلى ، هنا يجوز القول بأكثرية الستر لأن هناك وجه مقارنة بين المستور والمكشوف يصل إلى الثلث والثلثين ، ولكن موضوع العين لا يصلح تعبير( أكثر) هذا فى التعبير عنه ، الوجه كله مستور عدا عين واحدة ـ أو الاثنين حسب اضطراب المتن المشار إليه ـ كيف يقال للمستور( أكثر) ، بل هو الكل تقريبا ، عدا شئ لا يذكر من الوجه ، والحمد لله .
الآن أنا مضطر أن أترك الجهاز وسأكمل فى وقت لاحق ، وتذكر يا برق 1 أن الموضوع خلافى ، وأنى أتكلم بالدليل ، أرجوك بلاش تهجم ، وغفر الله لنا وجزانا خيرا وجعل موعدنا الجنة .
والسلام ليكم ورحمة الله وبركاته .
اللهم صل على محمد وآل محمد وأصحابه ومن تبع سنته إلى يوم الدين .
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 13-07-2002, 05:14 PM
يونكس يونكس غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Nov 2001
المشاركات: 111
افتراضي

اخوي عمرو انا اقصد بها ان يرفع الموضوع و يصبح في اوئل المواضيع في منتدى الشريعه


اتمنى انك يكون اتوضح سوء الفهم
رد مع اقتباس
  #21  
قديم 13-07-2002, 10:45 PM
عمرو على محمد عمرو على محمد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jul 2002
المشاركات: 136
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله وكفى وصلاة وسلاما على نبيه الذى اصطفى ، وبعد ،
شكرا لك أخى يونكس وجزيت خيرا .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
اللهم صل على محمد وآله وصحبه ومن تبع سنته إلى يوم الدين .
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 16-07-2002, 05:09 AM
أبو عمرو 2 أبو عمرو 2 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2002
المشاركات: 667
افتراضي

للرفع
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 17-07-2002, 08:10 PM
امير خطاب امير خطاب غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jun 2002
المشاركات: 621
افتراضي

((وجوب ستر الوجه والكفين ))
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسل رسله بالهدى ، لإخراج الناس من ظلمات الشرك والجهل وأسباب الردى . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الفضل والرحمة والإحسان ، هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ، خاتم الرسل وإمام الأنبياء وجميع الأتقياء ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أولي العلم النافع والعمل الصالح والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة أولئك هم خير من اهتدى وهدى .
أما بعد .. أيها القراء الكرام فإن الباعث على تحرير هذه الرسالة المختصرة في هذا الموضوع الذي تمس الحاجة إلى المشاركة في إيضاح القول فيه .. وتبيانه هو ما تم لي الإطلاع عليه من كتابة بعض الإخوة المعاصرين فيما يتعلق بالحجاب والسفور ، حيث صرح الكاتب المذكور – هداه الله – جازماً بأن الشريعة الإسلامية بكافة تعاليمها لا تأمر بتغطية الوجه والكفين من المرأة عند الرجال الأجانب ، فرأيت أن في هذا التصريح ؛ فتنة ظاهرة وخطراً عظيماً على مجتمعات الأمة الإسلامية ومن ثم لزم البيان والإيضاح للقول الحق في هذه المسألة مقترناً بأدلته ، براءة للذمة وإعلاماً للأمة ؛ ونصراً للحق ونصحاً للخلق فأقول :
إن كشف المرأة ووجهها وكفيها أمام الرجال الأجانب حرام لا يجوز لأدلة صريحة صحيحة نقلية وعقلية وعرفية .
فأما الأدلة النقلية من الكتاب والسنة فهي كثيرة وقد خصصت لها مؤلفات قديمة وحديثة خاصة وغير خاصة نذكر من تلك الأدلة ما يلي :
(1) قول الله عز وجل : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } أي مما لا يمكن إخفاؤه من الثياب الظاهرة من جلباب ومقنعة ونحوهما ، أو ما ظهر بدون قصد بل بسبب أمير غير اختياري كهبوب الرياح أو حمل متاع ونحوهما مما يعفي عن المرأة إذا انكشف وجهها وكفاها بسببه .
 ولقد ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه بإسناد في غاية الصحة أن المراد بقوله تعالى: { إلا ما ظهر منها } إنه الثياب .
(2) قوله تعالى : { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين } الآية .
 قال : ابن كثير ، قال محمد بن سيرين سألت عبيده السلماني عن قول الله عز وجل : { يدنين عليهن من جلابيبهن } أي يغطين رؤوسهن ووجوههن ليعلم أنهن حرائر ، والمراد بالجلابيب الأردية ، قال : ابن قتيبة .
 وقال ابن الجوزي في معنى الآية { يدنين عليهن من جلابيبهن } أي يغطين رؤوسهن ووجوههن ليعلم أنهن حرائر ، والمراد بالجلابيب الأردية ، قاله : ابن قتيبة.
 وقال : أبو حيان في البحر المحيط قوله تعالى :
{ يدنين عليهن من جلابيبهن } شامل لجميع أجسادهن أو المراد بقوله : {عليهن} أي وجوههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه .
 وقال : أبو السعود ، الجلباب ثوب أوسع من الخمار ، ودون الرداء تلويه المرأة على رأسها ، وتبقى منه ما ترسله على صدرها ، ومعنى الآية أي يغطين بها وجوههن وأبدانهن إذا برزن لداعية من الدواعي .
 وعن الإمام السدي قال : تغطي إحدى عينيها وجبهتها ، والشق الآخر إلا العين .
وعليه نقول :
انظروا يا أخوة الإسلام أقوال علماء التفسير من سلفنا الصالح الذين نور الله بصائرهم لرؤية الحق وملأ قلوبهم إيماناً ومعرفة بكتاب ربهم الذي أنزله الله بصائر وهدى وشفاء ، بخلاف دعاة السفور الذين صادموا أوامر الله القيمة ، وتوجيهاته الرحيمة التي تحرص على شرف المرأة وكرامتها ، وصونها بالحجاب عن أعين الذئاب من البشر أصحاب الأعين الخائنة والنوايا السيئة الذين أن يتمتعوا بالحرام ولو بنظرة واحدة ولا مانع لديهم أن يبذلوا فى سبيل الحصول عليها زخرفاً من القول وكثيراً من المال ومغامرة فى نشر الفساد والضلال مرددين قول شاعرهم :
قلنا : اسمحوا لى أن أفوز بنظرة
ودعوا القيامة بعد ذاك تقوم
ثم لنتأمل سويا قول الحق تبارك وتعالى : ( وإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء حجاب ، ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ) الآية فإن الآية ترشد إلى التباعد عن أسباب الفتنة ، وتسدل الحجاب المنيع والحصن لئلا يتحقق لمرضى القلوب وهواة الرذيلة شيء من مآربهم السيئة التي تحطم العفاف وتسبب العقوبة العاجلة والآجلة ولا يشك منصف أن الوجه والكفين محل الفتنة فالواجب سترهما . كما ترشد الآية أيضاً إلى تطهر القلوب للرجال والنساء ، وهى لا تحصل إلا بسد ذرائع الزنا وقفل طرائقه التي من أعظمها لقاء المرأة والتمتع بمشاهدة وجهها المكشوف وعينيها الكحيلتين وحاجبيها المزججين وبنانها ذات الأسورة والخضاب .
 فاتقوا الله يا دعاة السفور ، واتقوا يوماً أعده الله للبعث والنشور ، فيه يبعثر ما فى القبور ويحصل ما فى الصدور .
(3) ما ثبت عن عائشة رضى الله عنها " أنها خمرت وجهها لما سمعت صوت صفوان بن المعطل السلمي ، وقالت إنه كان يعرفها قبل الحجاب " . فدل ذلك على أن النساء بعد نزول آية الحجاب لا يعرفن بسبب تخمير وجوههن .
(4) ما ثبت في السنن وغيرها عنها رضي الله عنها أنها قالت : " كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها ، فإذا جاوزونا كشفنا " وما ذلك إلا لعلمهن بالحكم الشرعي وهو أن الوجه عورة يجب ستره عن الأجانب .
(5) وما جاء في سنن الترمذي وغيره من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المرأة عورة " وهو دليل صريح على أن جميع أجزاء المرأة عورة في حق الرجال الأجانب سواء في ذلك وجهها وغيره من أعضائها بل إن وجهها وكفيها أولى بالستر لأنها محل الرغبة من الرجال ومحل الفتنة من النساء وعليه فمن زعم أن للمرأة حقاً في كشف وجهها وكفيها أمام الأجانب من الرجال فقد جانب الحق والصواب ، فإن كان من أهل النظر والاجتهاد وخطؤه معفو عنه فيه ، غير أنه لا يجور أن يتابع على قوله وأما إن كان ممن ليسوا كذلك فإنه لا يلتفت إلى شيء من أقواله ، وتعليلاته لأن الحق أحق أن يتبع .
 ولقد فقه الإمام الكبير أحمد بن حنبل رحمه الله مدلول حديث ابن مسعود السابق فقال : " ظفر المرأة عورة " فإذا خرجت من بيتها فلا تبين منها شيئاً ولا خفها ، فإن الخف يصف القدم وأحب لديَّ أن تجعل لكمها زراً عند يدها حتى لا يبين منها شيء " . ولقد فهم مثل فقه الإمام أحمد من حديث ابن مسعود ونظائره من النصوص كثير من العلماء والأئمة عبر تاريخ زمانهم أن جميع بدن المرأة الحرة عورة بدون استثناء لوجهها وكفيها .
 وأما الدليل العقلي : فإن مما لا شك فيه عند العقلاء المنصفين أن الفتنة في كشف وجه المرأة وكفيها وأسورة بنانها أعظم من كشف القدم الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإرخاء ذيول النساء فيه ذراعاً ، وذلك لئلا تنكشف أقدامهن .
 وأما الدليل العرفي فإن كل إنسان منصف يعرف أن محل رغبة الرجال في النساء إنما تكون في الوجه غالباً وكثيراً ، ولا ينفي ذلك وقوع الافتتان بغيره منهن حتى بأصواتهن بل بأصوات زينتهن .
كما في سورة النور حيث قال الله – عز وجل – { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } الآية . فإذا علم ذلك واتضح فإنه يجب على الذي صرح بجواز كشف المرأة وجهها وكفيها أما الرجال الأجانب أن يتقي الله ربه ويرجع عن هذه الفتوى ويتلمس الرشد من أهل التخصص في علوم الشريعة السائرين على طريق أهل السنة والجماعة ، أهل الفهم الصحيح لمقاصد الشرع الكريم وأهدافه الجليلة في التحليل والتحريم وأسباب الصلاح والفساد وسد الذرائع .
ورحم الله الإمام ابن القيم حيث قال : " ومن صفات الطبيب الحاذق أن يكون على خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها ، وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان ، فإن انفعال البدن وطبيعته عن النفس والقلب أمر مشهود . والطبيب إذا كان عارفاً بأمراض القلب والروح وعلاجهما كان هو الطبيب الكامل ، والذي لا خبرة له بذلك وإن كان حاذقاً في علاج الطبيعة وأحوال البدن نصف طبيب ، وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه وتقوية روحه وقواه بفعل الخير والإحسان ، والإقبال على الله والدار الآخرة ؛ فليس بطبيب بل متطبب قاصر " .
وخلاصة المسألة أنه لا محيص من استعمال المرأة الحرة اللباس الشرعي الذي من أساسياته النقاب على الوجه إلا العين ، والقفازان للكفين ، أو ما يقوم مقامها ويؤدي وظيفتها ، وذلك عند الاختلاط بالأجانب لا سيما هذا الزمان الذي قل فيه الأخيار وكثر فيه الأشرار .
ألا وإن كل من دعا إلى كشف وجه المرأة وكفيها أمام الأجانب متذرعاً بما لا يسوغ ذلك شرعاً فإنه سن سنة يحمل وزرها ووزر من يعمل بها لا ينقص من أوزارهم شيء ، ومن تاب إلى الله وأناب تاب الله عليه وبدل سيئاته حسنات .
وإنه ليطيب لي أن أذيل هذا التوجيه بأمرين هامين وقصة صحيحة ذات عظة وعبرة .
أما الأمر الأول فهو بيان ما يستفاد من أدلة الحجاب من أحكام وهي كما يلي:
(1) فرضية الحجاب الشرعي أمر محتم على كافة نساء المؤمنين لا هوادة فيه ولا مساومة على إلغائه ، أو التقليل من شأنه وأهميته .
(2) بيان أن نساء النبي الطاهرات وبناته الكريمات هن الأسوة الحسنة والقدوة الرشيدة لكافة النساء المسلمات في تطبيق مسألة الحجاب .
(3) بيان أ ن الجلباب الشرعي هو الذي يكون ساتراً للزينة والثياب وجميع البدن بما في ذلك الوجه والكفان .
(4) إن فرض الحجاب على المرأة المسلمة فيه تكريم لها وتشريف لجنابها ، وصيان لعرضها وذويها بل للمجتمع كله من ظهور أسباب الفتنة والفساد فيه ، وانتشار الرذيلة بين أفراده وذويه .
(5) التحذير الشديد للمرأة المسلمة من استعمال ما يلفت الرجال إليها أو يستميل قلوبهم أو يثير بواعث الافتتان بها وذلك كاستعمال الروائح الطيبة والتجمل المغري اللهم إلا إذا كانت عند زوجها أو محارمها في حدود الشرع الشريف .
(6) إنه لا محظور في الأطفال والغلمان ومن في حكمهم على النساء لعدم حصول شيء من فتنة أو خطر من جانبهم كما هو صريح القرآن .
(7) وجوب التوبة إلى الله عموماً ومن التقصير في شأن الحجاب خصوصاً ، رجاء الرضا والرحمة لقول الله تعالى { وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } .
شروط حجاب المرأة
الأمر الثاني : بيان ما يشترط في الحجاب كي يكون مؤدياً للغرض الشرعي وفيما يلي ذكر الضروري من الشروط :
(1) أن يكون الحجاب ساتراً لجميع بدن المرأة لقول الله عز وجل { يدنين عليهن من جلابيبهن } وقد علمت مما سبق تدوينه أن الجلباب هو الثوب السابغ الساتر لجميع البدن ، وأن معنى الإدناء هو الإرخاء والسدل كما تقدم .
(2) أن يكون الثوب كثيفاً غير شفاف ولا رقيق لأن الشفاف الرقيق لا يتحقق منه الغرض من الحجاب الذي هو الستر لجميع بدن المرأة وزينتها الظاهرة والخفية وعليه فإن ما يستعمله اليوم معظم النساء اللاتي يرتدين الحجاب ، مما يسمى بالعباءة أو الملاءة الشفافة التي تصف البشرة ، ويرى الناظر ما وراءها لا يعد حجاباً شرعياً ، وليس الحامل عليه إلا زيادة الإغراء بالمحاسن والمفاتن ، ولكي يقال إنهن محجبات ، ونعوذ بالله من الخداع الذي يعود ضرره على عشاقه ومحبيه .
(3) أن لا يكون الحجاب ذا زينة في ذاته بحيث يكون ملوناً جذاباً يلفت الأنظار ويمرض القلوب وقد سبق معنا معنى ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وإذا كان الأمر كذلك فكل حجاب لا يمنع ظهور الزينة عن الأجانب فليس بحجاب شرعي .
(4) أن يكون فضفاضاًَ فإن الضَّيق يجسم العورة ويظهرها أمَامَ الرجال الأجانب وحينئذ يصطدم بالغرض المنشود من فرضية الحجاب ، ويمكن القول أن من جملة اللباس الضيق ما يسمى بالبنطلون والذي لا يوضع عليه ما يستوعب ستره ، أضف إلى اعتباره مجسماً للعورة ؛ ما فيه من تشبه وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم " الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل " رواه أبو داود والنسائي .
(5) كما يشترط في الحجاب أيضاً أن لا يكون معطراً فإن في تطييبه إثارة لشهوات الرجال وفتنة لهم رغم أنوفهم فتحمل صانعة ذلك وزرها ووزر من استجاب لدعوتها العملية إلى هذا النوع من الزنا ، وفي الحديث الذي رواه أصحاب السنن وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا " يعني زانية ، وفي رواية أخرى " إن المرأة إذا استعطرت فمرت على القوم ليجدوا ريحها فهي زانية " .
هذه يا إخوتنا من المسلمين والمسلمات شروط ضرورية في الحجاب ليتحقق منه الغرض المقصود فلنتق الله بامتثال أمره واجتناب نهيه ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن في ذلك سعادة الدارين .
وأما القصة ذات العبرة والعظة فهي ما جاء في ترجمة عبيد بن عمير المكي في ثقات العجلي قال : كانت امرأة جميلة بمكة كان لها زوج فنظرت يوماً إلى وجهها في المرآة فقالت لزوجها : أترى أحداً يرى هذا الوجه ولا يفتتن به . قال : نعم . قالت : من ؟ . قال : عبيد بن عمير . قالت : فأذن لي فيه لأفتنه . قال : قد أذنت لك فأتته فاستفتته فخلا معها في ناحية من المسجد الحرام . قال : فأسفرت عن مثل فلقة القمر . فقال لها : " يا أمة الله اتقي الله " .
أورد هذه القصة صاحب الحلية في ثقات الإمام العجلي في ترجمة عبيد بن عمير المكي . وأوردها الألباني في كتابه الحجاب مستدلاً بها على النقاب .
قلت : وإنه ليستفاد من إنكار هذا العالم الجليل على تلك المرأة حين أسفرت عن وجهها عنده أن التابعين الكرام كانوا يرون سفور المرأة بكشفها لوجهها أمام الرجال الأجانب منكراً عظيماً يجب تغييره وبذل الجهد في إزالته ، وحقاً إن الأمر كذلك فإن الناظر إلى وجه المرأة وكفيها – يعني التي لا يحل له النظر إليها ليتمتع بأعظم الأعضاء فتنة لها وشرها ضرراً عليه . ألا فليع المفتون بجواز كشف وجه المرأة وكفيها أمام الرجال الأجانب لا سيما الكثير من رجال زماننا الذي سيطرت على قلوبهم و عقولهم المغريات المحرمة ، فأصيبوا بمرض الشبهات والشهوات ، وليتق الله المقلدون والمقلدات الداعون بأفعالهم وأقوالهم إلى كشف العورات ، والنظر إلى وجوه المومسات ابتغاء الفتن المنكودات والمضلات ، هذا ما أحببت إيضاحه والتنبيه عليه تذكيراً وتبصرة لكل مريد للحق محب للفضيلة وكاره للباطل مبغض للرذيلة وما توفيقي إلا بالله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه .
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 23-07-2002, 08:01 AM
أبو عمرو 2 أبو عمرو 2 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2002
المشاركات: 667
افتراضي

يرفع للفائدة .
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 23-07-2002, 05:31 PM
الريس 12 الريس 12 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2002
المشاركات: 158
افتراضي

حكم كشف المرأة لوجهها و كفيها
سمعت قبل شهور تسجيل صوتي للعلامة الألباني رحمه الله يقول بعدم وجوب ستر المرأة لوجهها و كفيها و قد أثارني موضوع قدمه أحد الأخوة الأفاضل حول وجوب ستر المرأة للوجه و الكفين مما أثارني للبحث عن فتوى الشيخ رحمه الله و عرضها نصاً و صوتاً .

يسأل سائل العلامة الألباني ـ رحمه الله ـ هل يحل للمرأة أن تكشف وجهها و كفيها للأجانب هذا السؤال ؟

نص رد الشيخ :

هناك خلاف بين الفقهاء بالنسبة لعضوين اثنين من المرأة و هما الوجه والكفين فقط هل يجوز للمرأة أن تكشف عنهما أم لا

مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين أن ذلك ليس عورة و معنى أنه ليس عورة أو هو عورة : الذي يقول عورة حرام أن تكشف عن كفيها حرام أن تكشف عن قرط وجهها ـ( أو قال الشيخ كلمة نحو قرط) ـ

الذي يقول ليس عورة يعني ليس حراماً يعني هو جائز لكن الذي ثبت في السنة الصحيح أن صون الوجه و الكفين ليس من العورة هذا صحيح و لكن الأفضل سترهما لذلك قال عليه الصلاة والسلام لا تنتقب المرأة المحرمة و لا تلبس القفازين معناه أن غير المرأة المحرمة تلبس القفازين و تنتقب و هذا يدل على شرعية تغطية المرأة لوجهها و كفيها

و لكن ليس هناك دليل على أن ذلك من الواجب عليها بحيث يقال أنه تحرم عليها أن تكشف عن كفيها كما يحرم أن تكشف عن ذراعيها و أنها يحرم أن تكشف عن وجهها كما يحرم أن تكشف عن عنقها لا يوجد مثل هذا الدليل إطلاقاً في الكتاب و لا في السنة فلا جرم و لا غرابة أن يكون جماهير العلماء من الصحابة و التابعين و الأئمة المجتهدين قالوا بأن وجه المرأة ليس بعورة هذا من جهة ، و من جهة أخرى إذا درسنا تاريخ الصحابيات أزواج الصحابة رضي الله عنهم في خروجهن من بيوتهن و انطلاقهن مع أزواجهن في الغزوات و اشتراكهن في مداوات الجرحى و إسقاء العطشى و نحو ذلك من المصالح التي يتطلبها واقع الحرب فذلك لا يتجاوب مطلقا مع القول بتحريم تغطية الوجه و لبس القفازين و لي أنا كتاب معروف و من أراد البحث و التفصيل و معرفة أدلة الفريقين و ما لها و ما عليها فباستطاعته أن يعود إليها و إذا كان عندك حجة من كتاب الله أو من حديث رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم تبطل هذا الكلام الذي عليه علماء المذاهب و الجمهور من السلف فنحن نحب أن نسمعه

ثم يقول السائل ما ملخصه أنه يعلم عن الجمهور في هذه المسألة خلاف ما يعلمه العلامة الألباني رحمه الله من رأي الجمهور في هذه المسألة

فيقول أنا جئتك بالدليل الذي يقطع الخلاف ثم يستطرد ـ رحمه الله ـ فيقول ما الفائدة من هذه المناقشة أنت بتقول الآن الجمهور يقولون بخلاف جمهوري أنا ما الفائدة الآن من مثل هذا الكلام و الكتاب ليس بين أيديك و كتابي ليس بين يدي أنا نقلت هناك بالجزء و الصفحة عن الإمام النووي و عن ابن رشد الأندلسي أن جمهور العلماء يقولون بأن وجه المرأة ليس بعورة فأنت ما مصدرك عندما تعكس فتقول بأن جمهور العلماء يقولون بأن ذلك عورة

أنا أتيت بشيء عملي لا يمكن لامرأة مسلمة أبداً أن تكون عادلة يعني اجتماعية كما يقولون اليوم في حدود الشرع و هي متقفذة يا أخي امرأة تريد أن تتعاطى شيئاً تريد أن تشترى شيئاً من السوق كيف تشترى و هي متقفذة عمليا كيف يمكن للمرأة أن ترى هذا الثوب مثلاً هو خفيف هو رقيق هو كذا هذه خيالات لأن الصحابة لما عاشوا و نقلت إلينا روايات منهن من رئي وجهها منهن من رئي يداها

و يذكر رحمه الله إحدى هذه الروايات 000000000

ثم يعقب ـ
أنا أدري أن الذين ألّفوا في أن وجه المرأة عورة و كفيها عورة هؤلاء أخطئوا مرتين


أولاً : ليس عندهم دليل نقل إطلاقاً من كتاب الله و من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثانياً : أتوا بروايات لا سنام لها و لا فصام

و أشهر من كتب في هذا الموضوع هو الشيخ السويفي ـ أو قال الشيخ أسم نحوه ـ و له كتاب الصارم هذا المسلول ولا ايش سماه
الشاهد : هو مديد روايات لا تصح إطلاقاً لا أريد الخوض في التفاصيل لكن عندنا هناك روايات موجودة في السيرة تقوم الحجة على الذين يتعصبون و يقولون كشف المرأة لوجهها حرام أنا أقول قولكم حرام حرام ذلك بأن القول بدون كتاب الله و بدون حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما هي آراء

هنا انتهى النقل
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:20 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com