عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 12-06-2013, 08:47 PM
قطر الندي وردة قطر الندي وردة غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 19,164
Smile تنظير أسس القيم التربوية الإسلامية تحديد المراد بالقيم التربوية








تنظير أسس القيم التربوية الإسلامية تحديد المراد بالقيم التربوية

إذا كانت التربية الإسلامية تهدف (إلى رعاية الإنسان في جوانبه الجسمية والعقلية والعلمية واللغوية والوجدانية والاجتماعية والدينية، وتوجيهها نحو الصلاح والوصول بها إلى الكمال، (وإذا كانت غايتها) هي تحقيق العبودية الخالصة لله في حياة الإنسان على مستوى الفرد والجماعة والإنسانية، وقيام الإنسان بمهامه المختلفة لعمارة الكون وفق الشريعة الإلهية) (1)، فإن ذلك يعني صياغة الشخصية الإسلامية وفق نسق متكامل من العناصر التي تغذي بناء تلك الشخصية في جميع أبعادها المتفاعلة، بحيث تنهض بمهامها على الوجه الأكمل. وليست تلك العناصر سوى مجموعة القيم التي تحقق للإنسان إنسانيته ككائن حظي بالتكريم من الله عـز وجــــــــل، هذا التكريم الذي تجسد بمنحة العقل وأمانة الاستخلاف في الأرض. ‏

وما دام الله عز وجل قد جبل الإنسان بفطرة تؤهله للتشكل وفق الأهداف الخيرة، وقابلية السير في خطها المستقيم، فإن القيم التربوية الإسلامية تكون على هذا الأساس هي تلك المفاهيم والمعاني التي يولد الإنسان بموجبها ولادة ربانية، ويعيش في ظلال طاعة الله وحمل النفس على تنفيذ مراده في هذا الكون .. وإن أبلغ تعبير عن القيم التربوية الإسلامية -على ضوء ما سبق- هو ما تجسده سورة العصر التي يقول فيها الله تبارك وتعالى: (والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) (العصر : 1-3). ‏

هذه الآيات الكريمة تبرز لنا بوضوح الإطار المتكامل لحركة الإنسان وقيامه بعمارة الحياة.. إنها تبين لنا أنه لا مجال للحديث عن القيم الإسلامية إلا بالاستناد إلى الركيزة الكبرى، وهي الإيمان بالله عز وجل. فمن هذا الإيمان، الذي هو القيمة الأعلى والأسمى، تنبثق القيم الأخرى، كما ينبثق النور من الشمس.. فجماع القيم التربوية الإسلامية إنما يرتكز في الصفات والخصائص التي جاءت عقب الإيمان بالله في هذه السورة الكريمة، وهي العمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر... ‏

والسمة التي لا بد من وعيها والتشبع بها -ونحن في معرض الحديث عن التربية الإسلامية- هي أن القيم التربوية الإسلامية هي وحدها المفضية إلى النجاح والفوز، الآيلة بمعتنقها إلى بر الأمان، حتى إذا لمحنا نظاماً تربويًا يطبعه التخبط والتعثر والعقم، حكمنا على الفور: أنه ليس نظامًا إسلاميًا، حتى وإن زعم له ذلك الزاعمون، ذلك أنه (على امتداد الزمان في جميع الأعصار، وامتداد الإنسان في جميع الأدهار، ليس إلا منهج واحد رابح، وطريق واحد ناج، هو ذلك المنهج الذي ترسم السورة حدوده، هو هذا الطريق الذي تصف السورة معالمه، وكل ما وراء ذلك ضياع وخسارة) (2). ‏

وتقوم هذه الحقيقة على أساس نظري ثابت هو أنه بقدر (ما تكتمل بنية النظرية الاجتماعية، تكتمل بنية النظرية التربوية.. وبقدر ما تتصف النظرية الاجتماعية من الشمول والتكامل والاكتمال والوضوح والعمومية والقابلية للتطبيق، وبقدر ما تخلو من الغموض والتناقض والصراع بين أفكارها وقيمها، بقدر ما تكون النظرية التربوية قادرة على تمثل هذه الصفات والخصائص في معالجة القضايا التربوية المختلفة) (3). ‏

والهدف الذي تسعى إليه القيم التربوية الإسلامية، هو إحداث وإنشاء هيئة راسخة في نفس الإنسان، بحيث تتجه به نحو العمل الصالح... والعمل الصالح كما هو واضح من خلال سورة العصر وغيرها من السور والآيات، يشمل كل مكارم الأخلاق، سواء ارتبطت تلك الأخـــلاق بتهذيــب النفــــس أو شحـــذ العقــل وإطلاق طاقــاته، بما يحقق التكامل المنشود من قبيل: الصدق، والإخلاص، والعدل، والإيثار، والوفاء، وحب الخير للناس، والتعاون، والاعتدال في المأكل والمشرب والإنفاق، والحرص على الوقت من الضياع، وصلة الرحم، ومواساة الضعفاء... إلخ. ‏

ونستطيع أن نخلص من الكلام السابق إلى أنه حتى وإن ظهر لنا في بعض الأحيان بعض النظم التربوية التي تضم قيمًا شبيهة بالقيم المذكورة، فإن ذلك لا يشفع لها أن تحمل صفة القيم الإسلامية، لأنها تفتقد إلى الأساس الراسخ الذي هو الإيمان الكامل بالله عز وجل، أولاً، ولأنها تفتقد إلى الشمول والتكامل والاكتمال والوضوح والعمومية والقابلية للتطبيق، التي تضمنها كلام الدكتور محمد سيد سلطان عن النظرية الاجتماعية. ‏

تمحور القيم في الإسلام حول الكليات الخمس: ‏

سبق أن أشرت في التمهيد لهذ البحث إلى أن الإنسان -مطلق الإنسان- محكوم عليه بالخسار، وأنه لايخرج من الحكم، إلا بفضل إيمانه بالله عز وجل وتحليه بمكارم الأخلاق التي تنعكس على علاقته بربه وعلاقته بأخيه الإنسان وبظواهر الكون من حوله. والإنسان كائن اجتماعي، إضافة إلى كونه يشعر بعمق بكيانه الفردي الأصيل، ويريد الاستمرارية والبقاء، ويدافع عنه لذلك بكل ما أوتي من إمكانيات ووسائل... وأوضح مقومات هذا الإنسان عقله ونفسه ونسله.. فالعقل هو أداة الإنسان الفعالة التي يمارس بها أمانة الاستخلاف عن طريق عملية التفكير والتدبر في ملكوت السموات والأرض، بحثًا عن الطاقات المسخرة فيها من أجل إنجاز عمله الحضاري وحماية وجوده. ‏

وهنا يأتي عنصر المال كأداة ضرورية لاستمرار العمل الحضاري، وقبل ذلك لاستمرار حياة الإنسان، غير أن العناصر الضرورية السالف ذكرها (العقل، النفس، النسل، المال) لا تكتمل إلا بعنصر ضروري آخر هو الدين، بل إن الحياة الإنسانية أو الوجود الإنساني لا يقوم إلا به. ‏

وهذه العناصر الخمسة هي ما اصطلح على تسميته بالكليات الخمس، يقول أبو إسحاق الشاطبي وهو يتحدث عن تلك الكليات: (إن تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها أن تكون ضرورية، والثاني أن تكون حاجية، والثالث أن تكون تحسينية.. فأما الضرورية فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين. والحفظ لها يكون بأمرين: أحدهما ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود، والثاني ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم) (4). ‏

ومن خلال كلام الإمام الشاطبي يتبين أن الهدف من تكاليف الشريعة يتمحور حول صيانة وحفظ مجموعة من المقاصد المرتبطة بالحياة الاجتماعية والفردية للإنســان، ومن ضمن هذه المقاصد ما هو ضروري مما سبقت الإشارة إليه، وأنه بدون تحقيق المقاصد تختل حركة الحياة وتصير إلى فساد... ويتبين لنا أيضاً أن حفظ تلك المقاصد يكون أولاً بإقامة أركانها وتثبيت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود، أي رعاية الشروط التي تحمي كيانها وتحافظ عليه في صفة السلامة والكمال والتوازن.. ويكون ثانيًا بدرء الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم، أي الحيلولة دون ما من شأنه أن يعرضها (أي المقاصد) للتلف أو الضعف والنقصان. ‏

إذا عرفنا هذا، عرفنا تبعًا له أن حفظ تلك المقاصد لا يتم إلا من خلال تشبع الأفراد بنظام من القيم يتصف بالكمال. ومن خصائص الكمال، أن تكون تلك القيم ملامسة لشغاف الفطرة التي فطر الله الناس عليها، لصيقة بها، لا تنفك عنها قيد أنملة. وليس ذلك النظام إلا النظام القيمي الإسلامي، الذي هو قوام النظام التربوي في الإسلام. وهذا النظام القيمي -كما أسلفت- هو الذي يتشكل منه النظام الاجتماعي، ويقوم على أساس راسخ هو الإيمان بالله، والإقرار بالعبودية الخالصة له، إذ إن (هناك ارتباطًا بين طبيعة (النظام الاجتماعي) وطبيعة (التصور الاعتقادي)، بل هناك ما هو أكبر من الارتباط الوثيق. هناك الانبثاق الحيوي. انبثاق النظام الاجتماعي من التصور الاعتقادي، (..) هذا الانبثاق، ثم هذا التكيف، وجه من وجوه الارتباط بين التصور الاعتقادي والنظام الاجتماعي، بل منهج الحياة كله، بما فيه مشاعر الأفراد وأخلاقهم وعباداتهم وشعائرهم وتقاليدهم، وكل نشاط إنساني في هذه الأرض جميعًا) (5). ‏

على هذا الأساس، فإن القيم التربوية من تعاون وصدق في القول وإخلاص في العمل ووفاء واحترام لكرامة الإنسان، وحب الخير للناس، وتقدير لأمانة الاستخلاف، وإغاثة الملهوف... وصبر على الشدائد، وغيرها من القيم التربوية الإسلامية، لا يمكن أن تينع وتزدهر إلا في ظل الاعتقاد الصادق في الله ومراقبته بصفة دائمة. وهذا الشرط وحده هو الكفيل بضمان الحفاظ على المقاصد التي رمت إليها الشريعة الإسلامية. إن الإسلام (يعتبر القيم عماد المجتمع وسنام نظامه، بل ونظام الأمة الاجتماعي كله، ولهذا السبب فإننا لا نجد أي مفهوم للأخلاقيات الشخصية أو التقوى يخلو من العمل الاجتماعي في ظل الإسلام، وبالتالي تحتل الشريعة مكانة سامية في إطار المجتمع الإسلامي. فإذا حدث خروج عنها، اختلت الشخصية الإنسانية وتأثر الفرد ماديًا واجتماعيًا) (6) وانهار المجتمع بأكمله. ‏

ولا يفوتني وأنا أعالج هذه النقطة المهمة، الإشارة إلى أن القيم التربوية الإسلامية لا ترتبط بصلة وثيقة بالكليات الخمس التي تكتسي طابع الضرورة فحسب، بل إنها تمتد لتنسج خيوطها مع دائرتين اهتم بهما علماء أصول الشريعة ومقاصدها، وهما دائرتا الحاجيات والتحسينات. ‏

إن القيم التربوية في مفهومها الإسلامي تنشر أجنحتها على سلوك الإنسان في جوانبه الدقيقة لتضمن لها الارتقاء والتدرج في مستويات الكمال والذوق الرفيع. وإذا كان المسلمون يتفاوتون فيما بينهم في الأذواق والأشواق، فإن ذلك التفاوت يقوم على المقدار الذي يجنيه كل فرد من هؤلاء، من الشحنات والدفقات التي تهبها القيم التربوية لكل متشبع بها، أي أن ذلك التفاوت ينبني -بتعبير آخر- على حظ كل واحد من أفراد المسلمين في المسابقة والمسارعة إلى الخيرات التي يسعى المسلم أن يصل من خلالها إلى الله تعالى، فيقف بين يديه وهو على قدر كبير من الصفاء والارتقاء. ‏

ونخلص في ضوء المعطيات التي مرت بنا، إلى أن القيم التربوية الإسلامية تتمحور حول الكليات الخمس وما يتعلق بها من حاجيات وتحسينات، وأنها تتحرك في إطار العقيدة، أي في إطار التصور الشمولي الذي يمنحه الإسلام للإنسان، فهو المهماز الذي يحفز تلك القيم ويمنحها قوة الدفع.. وبدونها يظل الإنسان مثاقلاً إلى الأرض، راسفًا في أغلال الماديات. ‏

إن الإنسان هو محور الحياة في هذه الأرض، ومن ثم فهو محور ومدار النظام التربوي وما يتضمنه من نسق للقيم... والهدف من النظام التربوي كله في أي مجتمع من المجتمعات هو الارتقاء بهذا الإنسان، والارتفاع به إلى القمة، وتمكينه من القيام برسالته. ‏

سيادة القيم التربوية الإسلامية في المجتمع الإسلامي (عصر النبوة فما بعد): ‏

من المعروف أن شخصية الإنسان تخضع لعنصرين، عنصر الوراثة وعنصر البيئة، فمبقتضى هذا الأخير، إما أن تنفتح الفطرة وتجد مرتعها الخصيب الذي يضمن لها السلامة والطهر، وإما أنها على العكس من ذلك -تصطدم بشتى العوائق التي تسد دونها المنافذ وتحكم حولها طوقًا من الظلمة الدامسة. وإذا نظرنا إلى الإنسان في ظل عصر النبوة والعصور الزاهية التي عرفتها الحياة الإسلامية، وجدنا أن الفطرة التي فطر الله الناس عليها قد سعدت بإطارها الرحيب الذي أعطت فيه ثمارها.. وقدمت مباهج إبداعها.. وما ذلك الإطار الرحيب سوى نسق القيم، الذي حركت دفقاتُه العظيمة مكامن الإنسان، فراحت تعرض لنا من المشاهد الرائعة والصور الجميلة ما هو جدير بالوقوف عنده، بكل خضوع وإجلال.. ‏

ولقد سبق لنا أن عرفنا أن من أخص خصائص التصور الإسلامي للألوهية والحياة والكون والإنسان، الشمول.. ولكن الذي ينبغي التأكيد عليه أن ذلك التصور مع شموله فهو واقعي إيجابي، وهو يكره بطبيعته أن يتمثل في مجرد تصور ذهني معرفي، لأن هذا يخالف طبيعته وغايته. ‏

فإذا أتينا إلى القيمة الإيمانية، وهي الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجدنا أن هذا الإيمان هو الآصرة التي تجمع بين القلوب، والمقياس الذي يقوم عليه الحب والكره والوئام والخصام.. فإذا انفصمت هذه الرابطة لم تفد في تعويضها أواصر الدم والقربى. فالأخوة الحقة إنما تنحصر في نطاق الإيمان بالله عز وجل مصداقًا لقوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) (الحجرات : 10)، ويكون ولاء المؤمنين فيما بينهم قائمًا على رابطة الإيمان وما يقتضيه من تبعات لا تنفك عنه، قال تعالى: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض) (الأنفال : 72). ‏

إن العقيدة التي تدفع صاحبها لأن يضرب صفحًا عن العرى الكاذبة والخيوط الواهية لخليقة بأن يفيض من ينابيعها أروع القيم، التي تختلط بالمشاعر، فينطلق منها أريج لا ينقطع شذاه، هو تلك المواقف الخالدة التي لا تنفك أصداؤها تتردد في الآفاق لتعلن للعالمين أن أمثالها لا يمكن أن تحدث إلا في ظل الإسلام العظيم.. لقد انطلق تيارها ليجوب نفوس المسلمين بجميع فئاتهم من الأئمة المسلمين. ‏

ولقد أعطى الجيل القرآني الفريد -الذي تربى في رحاب مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم - البرهان الساطع على الثبات أمام مطامع الدنيا وشهواتها وهم على قدرة على الإمساك بها. لقد انحنت جاثية عند أقدامهم ، ولكنــهم زهـــدوا فيها في إباء وشموخ، وأشاحوا عنها بوجههم حتى لا يسقطوا صرعى لغوايتها وسحرها. ‏

وأنّى ولّيت وجهك وأنت تبحث عن تجسيد للقيم السامية التي تتسنم بها النفوس القمم السامقة، وجدت ما يروع وما يعجب، في التواضع والمساواة والكرم، وفي الإخلاص ونكران الذات، والصدق، والتعاون، وغيرها من المثل العليا. ‏

وهذا التجسيد للقيم لم ينضب معينه، ولم ينحصر في عصر النبوة وحسب، ولكنه ظل يترى' ويظهر عبر عصور التاريخ الإسلامي على تفاوت فيما بينها في الإشعاع والتألق، وذلك بمقدار ما كانت تتفاوت في الاقتراب من النبع والاغتراف من خيراته وكنوزه والتزود من طاقاته، وعلى تفاوت كذلك في الكثرة. ‏

القيم التربوية عند أهل السنة والجماعة: ‏

ارتباط الأخلاق بالشرع، وبالتالي فهي ليست نسبية: ‏

رأينا من خلال المحور السابق، أن القيم التربوية الإسلامية كانت هي السائدة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الميامين رضوان الله عليهم أجمعين. ولم تزل تلك القيم تنشر ظلالها الوارفة على مجتمع المسلمين، بقدر استمدادهم منها وربط نفوسهم بها.. وواضح أن السر من وراء ذلك التجانس الكبير، الذي عرفته الحياة في ظل القيم الإسلامية، يكمن في وحدة وثبات المصدر الذي كان يستقي منه أفراد المجتمع الإسلامي. ‏

ولعل القضية التي سأناقشها في هذا المحور، ستلقي بعض الضوء على ذلك السر.. وهذه القضية تتعلق بالأخلاق أو القيم التربوية عند أهل السنة والجماعة.. على أي أساس تقوم؟... وسأقدم بين يدي هذه المسألة الأسئلة التالية: ‏

هل المعول في القيم التربوية على العقل؟ أم الدين؟ وهل العقل الفردي أو ما يسمى بالعقل الجمعي، بقادرين على بناء نسق أخلاقي يطبعه التوازن والشمول ويلائم فطرة الإنسان، وينظم حياة المجتمع البشري؟ بتعبير آخر: هل من المقبول في ضوء مصلحة الفرد والجماعة البشرية. أن تكون القيم التربوية نسبية خاضعة لاختلاف المجتمعات وما يلابسها من أوضاع وأحوال؟ أم أن نسقًا واحدًا من القيم هو الصالح للإنسان في كل الأماكن والعصور، وأن على الإنسان، حيث كان وفي أي عصر كان، أن يضبط سلوكه ويكيف حركته وفقًا لذلك النسق من القيم؟ ‏

هل المعول على العقل في بناء الأخلاق؟ كثير من الفلاسفة قد أجابوا بالإيجاب على هذا السؤال... وأحسنهم خطأ وأقربهم إلى الصواب، أو بالأحرى أبعدهم عن الشطط والمبالغة، من قال بالالتزام بالأخلاق الإنسانية. ومن هؤلاء الفيلسوف الفرنسي "برغسون" (1941)(7). ولكننا نسائل "برغسون" عن الجهة التي سيوكل إليها أمر وضع هذا النظام الأخلاقي، الذي سيطلب من الإنسانية السير على منواله؟ لا شك أن جوابه لن يعدو أن يشير إلى مجموعة كبرى من المفكرين، تجتمع على صعيد واحد، وتتداول في شؤون الأخلاق التي تهم البشرية.. وهل خليط من العقول الصادرة من كل حدب وصوب، تحمل آثــار بيئات مختلفة، لها من خطوط الاتفاق والالتقاء ما ينتهي إلى صيغة موحدة؟ وهب أن ذلك قد وقع، فهل تكون تلك الصيغة مصادفة للصواب ملائمة لفطرة البشر؟ ‏

الواقع أن المتمعن في قضية العقل البشري، وتحليلها من جميع جوانبها، لا مفر له من الوصول بكل طمأنينة وجلاء إلى الاقتناع بنقص الفكرة العقلية، وعجزها عن إرساء قواعد سليمة للقيم... وذلك للأسباب التالية: ‏

‏1) (لأن العقول -مصدر هذه الفكرة- متفاوتة في إدراكها وفي حكمها على الأشياء، وفي مقاييس الخير والشــر، فيستحسن بعضها ما لا يستحسنه الآخر، ويستقبح بعضها ما لا يستقبحه الآخر. وقد رأينا في عصرنا الحاضر ألوانًا للفكرة العقلية أوقعت الشعوب في الحيرة والاضطراب رأينا شيوعية ورأسمالية وديموقراطية وديكتاتورية، إلى غير ذلك من أنواع البرق ذي الألوان الخاطفة، وكلها يلبس الحق بالباطل، ويحاول أن يغتصب ما استطاع أن يغتصب) (8). ‏

‏2) لأن العقول في إفرازها للأفكار تقع تحت طائلة الأهواء والمصالح الشخصية التي لا يستطيع أصحابها التحرر من ضغطها.. وكم طلع المفكرون على الناس بقوانين زعموا لها من الأهداف السامية والنوايا الطيبة ما كذبته الشواهد وأثبتت عكسه تمامًا، أي إن نزعات منفعية ضيقة كانت وراء صياغة تلك القوانين. ‏

‏3) لأن العقول محدودة الإدراك، ضيقة الآفاق، لا تستطيع استطلاع مستقبل البشرية ومقتضيات التطور الإنساني، وعلاقته بطبــيعة الإنـســـان، ولذلك رأينا القـــوانين التي يصنعها البشر سرعان ما تتلاشى وتظهر عيوبها وثغراتها، مما يدل على أنها فصلت على أساس من الجهل بالإنسان ومتطلباته. ‏

‏4) حتى وإن فرضنا أن العقول قد اتفقت على نظام معين، وأن الرغبة في خير الإنسانية هي الدافعة إليه، لا الهوى، فإن نطاق تأثير ذلك النظام سيكون ضيقًا، بحيث لا يمس سوى قلوب من صدر عنهم النظام، أما الأمة فتساق إليه عنوة، ولا تتبعه بدافع احترامه وتقديره، بل إنها لا تقف عنده إلا حينما تخشى الوقوع تحت طائلته(9). ‏

‏ على ضوء هذه الحقائق والمعطيات عن طبيعة وحدود العقل البشري، أتطرق لموقف أهل السنة والجماعة من القيم التربوية (أو الأخلاق). ‏

حينما ثارت مشكلة قدرة العقل على التمييز بين الخير والشر، أو الحسن والقبيح، وما إذا كان هذان الأخيران صفتين ذاتيتين في الأشياء، أم أنهما مرهونان برأي الشرع، وقف المعتزلة موقفًا مسرفًا يمجد العقل ويحكم بأن طاقاته غير محدودة، أما أهل السنة فقد (رأوا أن العقل أضعف من ذلك، وأن استطاعته محدودة بإدراك ما يتعلق بشأنه هو، أو أقل من ذلك، وأنه منح القدرة على أن يدرك البرهان على وجود الله والنبوة العامة، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، ولم يمنح القدرة على معرفة كنه الله وصفاته، فلنؤمن بما جاء به أنبياؤه، ولنقف عند ما قالوه) (10). ‏

إن الأصل (في الأخلاق الإسلامية على مذهب أهل السنة، يرجع إلى سلطة خارجية قاهرة هي سلطة الدين، وأساس هذا الدين القرآن الواجب تعليمه وتعلمه.. والصلة بين الدين الإسلامي والأخلاق، عظيمة تبلغ حد التوحيد بينهما) (11). ‏

إن هذا الموقف الذي استقر عليه أهل السنة والجماعة، وهذا الفهم العميق، وهذا النظر البعيد الذي يدل على فقه صحيح لمسألة الأخلاق -كيف لا وقد استقوه من رسول الله صلى الله عليه و سلم - هو ما وصلت إليه عقول الفلاسفة بعد لأي، وبعد مخاض مرير عاشته البشرية ولا تزال، بل بعد أزمات ضربتها في الصميم ومزقت أوصالها، تلك الأزمات التي لم تكن إلا حصيلة لاطمئنان البشرية وركونها لما تمليه العقول المختلطة بالأهواء والثقة العمياء فيه. فلقد وجدنا في العصور الأخيرة كثيرًا من الأصوات تنـــادي بضرورة ارتباط الأخـــلاق بالديـــن، وإلا فلن نكون إلا أمام شبح فارغ يضر ولا ينفع. ‏

وضرورة ارتباط الأخلاق بالدين قائمة على أساسين: الأساس الأول يتعلق بصحة ومصداقية الأخلاق الصادرة من الدين وملاءمتها للفطرة، والأساس الثاني يتعلق بالشحنة القوية التي تتحرك بها الأخلاق عبر النفوس، والتي تستمد قوامها من مبادئ الدين. ‏

وضرورة ارتباط الأخلاق بالدين تنبثق من شيء آخر، ذلك (أن الدين لا يقف عند الدعوة إلى مكارم الأخلاق وتمجيدها، إنه هو الذي يرسي قواعدها ويحدد معالمها ويضبط مقاييسها الكلية، ويضع الأمثلة للكثير من جزئيات السلوك، ثم يغري بالاستقامة، ويحذر من الانحراف، ويضع الأجزية مثوبة وعقوبة على كلا السلوكين نصب العين) (12). ‏

أما الأخــلاق النظـــرية التي يضــعها الفـــلاسفة، فهي تولـد باردة لا تجدي فتيلاً في تحريك النفوس وبعث الحرارة فيها، بل إنها تزيدها صقيعاً على صقيع.. لأنها تقوم على أساس واه لا يكاد يثبت أمام عوادي الزمن وصروف الحياة. قال الفيلسوف الألماني"فيخته": الأخلاق من غير دين عبث.. وقال الزعيم الهندي "غاندي": (إن الدين ومكارم الأخلاق هما شيء واحد، لا يقبلان الانفصال، ولا يفترقان عن بعضهما البعض، فهما وحدة لا تتجزأ. إن الدين كالروح للأخلاق، والأخلاق كالجوارح للروح، وبعبارة أخرى: إن الدين يغذي الأخلاق وينميها وينعشها، كما أن الماء يغذي الزرع وينميه) (13). ‏

إن حقيقة ارتباط الأخلاق بالدين قد أصبحت حاضرة -ويزداد الوثوق واليقين بها يومًا بعد يوم- في أذهان العقلاء من الغربيين، الذين توصولوا إلى أنه بدون الدين لا يمكن أن تكون هناك أخلاق، وبدون أخلاق لا يمكن أن يكون هناك قانون(14). ‏

وهذه النتيجة، تثبت لنا تهافت فكرة طالما روج لها أصحاب الفكر العلماني اللاديني، وهي فكرة الضمير، ونشأة هذا الضمير في معزل عن أجواء الدين التربوية.. وبعبارة أخرى، فإن الأبحاث والتجارب التي يزخز بها الواقع نفسه تعطي البرهان القاطع على خرافة الضمير بلا دين، (ذلك أن الإنسان يكاد لا يعطي شيئاً إلا يأخذ في مقابله شيئاً، نقداً أو نسيئة، فنفسه تتطلع دائمًا إلى الجزاء العادل على ما قدم.. وقد حاول الفلاسفة الماديون أن يشبعوا هذا الجانب بالأجزية الأخلاقية المجردة عن الدين، وعن طريق ما أسموه "الضمير" الذي يجزي فاعل الخير ومؤدي الواجب بالسرور والرضا والارتياح، الذي يحسه الإنسان بين جنبيه. ولكنهم حاروا كيف يجزى من يضحي بنفسه ويبذل روحه ويموت شهيداً في سبيل الحق؟ إنه لا مجال لرضى النفس وراحتها بعد الموت عند هؤلاء الماديين، والموت عندهم فناء محض. إن الإيمان بالله وبجزاء الآخرة هو الذي يحل هذه العقدة) (15). ‏

وخلاصة القول في هذه القضية: إن الموقف الإسلامي الصحيح كما يمثله أهل السنة والجماعة، يمثل ضرورة قصوى بالنسبة للمجال التربوي الذي ينشد الوحدة، هذه الوحدة التي لا تزال البشرية تفتقدها حتى الآن، بسبب بعدها عن هدي الإسلام ومبادئه السمحة. ‏

‏ إن الإطار الثابت الذي تقدمه التربية الإسلامية بفضل ربطها بين الأخلاق ودين الله القويم، هو الخلاص النهائي من الأزمة التي تصيب التربية في العالم، وتصيب معها نظام الحياة بأكمله. ‏

بــدايـة الصــراع

لقد ظلت القيم الإسلامية تهيمن على حياة المسلمين منذ عصر النــــبوة وعبر العــصور التــاريخية المخـــتلفة، ولكن بمقادير متفــاوتة، كما سبقت الإشارة، إذ بقدر ما كان المسلمون يتشبثون بالينابيع الصافية لدينهم الحنيف، بقدر ما كانت آثارذلك تظهر على سلوكهم، وتعبر عن نفسها أبلغ تعبير فيما كانوا يحققونه من عطاءات ثرية للحضارة الإنسانية في الميادين الإنسانية الخلقية، وكذا في مجال الإبداع العلمي. وظلت منارات الإسلام ترسل إشعاعاتها حتى في بعض الظروف التي تميزت بالضعف والارتخاء، إلى أن جاءت الضربة القوية من جانب الاستعمار، الذي بدأت طلائعه السوداء تخيم على ربوع العالم الإسلامي، فبدأت القيم الإسلامية في التلاشي، وبدأ كيان المجتمع الإسلامي في الانحلال. ‏

وإذا كانت المعاول التي استخدمها الاستعمار (التنصير، البعثات الدراسية إلى الخارج، وسائل الإعلام، نشر المدارس الأجنبية في البلدان الإسلامية، الاستشراق) قد تضافرت في الإجهاز على الكيان الإسلامي وعلى الشخصية الإسلامية، فإن حركة الاستشراق الماكرة قد كان لها الدور الفعال في بث السموم ونشر الأباطيل التي تفعل فعلها المدمر في عقل المسلم ونفسه، وتحوله إلى جسم مشلول أو مقطوع الصلة بأمته وكيانه الحضاري الأصيل، بل أكثر من ذلك تجعله يتحول إلى عنصر هدم وتدمير في بناء الأمة، بحيث يتنكر لها ويناصبها العداء. ‏

لقد وجه الدارسون للإسلام والحضارة الإسلامية من المستشرقين، جهودهم إلى تمهيد نفوس المسلمين لقبول واستقبال الهيمنة الأوروبية بكامل الرضا والاطمئنان، والإقرار لها بالولاء .ومعنى ذلك، بل وسيلة ذلك هي إضعاف القيم الإسلامية عن طريق تقديم شروح وتأويلات تعسفية ومشوشة لمفاهيم الإسلام وقواعده، وصولاً بشباب المسلمين إلى مرحلة الشك واهتزاز اليقين بتعاليم الإسلام وقداستها، فـ "رينان" على سبيل المثال يصور عقيدة التوحيد في صورة قاتمة، تجعل منها عامل قلق وحيرة، وهي التي توحد القلوب والمشاعر، وتصنع التماسك بين الأفراد. ‏

إن السموم الناقعة التي دأب المستشرقون - ويعمل تلامذتهم الآن في ديار المسلمين- على نفثها، قد آتت أكلها وأعطت ثمارها المرة في صفوف أجيال الشباب الإسلامي.. وأخطر وسيلة اتخذت لذلك، قنوات التعليم التي يمارس من خلالها المعلمون والأساتذة المستلبون أثرهم السحري، فيخرج على أيديهم أجيال فارغة الفؤاد، بليدة الإحساس، يصدق عليها بحق قول المفكر والشاعر الإسلامي الكبير "محمد إقبال" رحمه الله: (إن الشباب المثقف فارغ الأكواب، ظمآن الشفتين، مصقول الوجه، مظلم الروح، مستنير العقل، كليل البصر، ضعيف اليقين، كثير اليأس، لم يشاهد في هذا العالم شيئاً، هؤلاء الشبان أشباه الرجال ولا رجال، ينكرون نفوسهم، ويؤمنون بغيرهم(...) إن المدرسة قد نزعت منهم العاطفة الدينية وأصبحوا في خبر كان، أجهل الناس لنفوسهم وأبعدهم من شخصياتهم، شغفتهم الحضارة الغربية، فيمدون أكفهم إلى الأجانب ليتصدقوا عليهم بخبز شعير، ويبيعون أرواحـــهم في ذلك (...) إن الإفـــرنج قد قتلوه من غير حرب وضرب، عقول وقحة، وقلوب قاسية، وعيـــون لا تعف عن المحـــارم، وقـــلوب لا تذوب بالقــــــوارع، كل ما عنـــــدهم من عـــــلم وفن وديـن وسيــــاسة وعقل وقلــب، يطــوف حــول الماديــــات، قلوبهم لا تتــلقى الخواطر المتجددة، أفكارهم لا تساوي شيئًا، حياتهم جامدة واقفة متعطلة) (16). ‏

هذه هي الوضعية الأليمة المحزنة التي آلت إليها نتيجة الصراع بين حضارة الإسلام، بل بين مسلمين لم يحفظوا حضارتهم ولم يراعوا ميثاق وعهد ربهم، وبين حضارة الغرب... ولكن لسوء حظ هذا الغرب الشارد، فخزائن الإسلام لم تنفد، وجذوة الإسلام لا يكاد يخبو أوارها، حتى تعيد الكرة من جديد، فتينع وتتوهج لاستعادة الحياة الإسلامية، على أساس القيم الإسلامية.. فما هي هذه القيم التربوية، وما مقابلاتها في المجتمع المعاصر؟ ‏

لا شك أن التصور الذي يحمله الإنسان، ونظام القيم الذي يرتبط به، يترك أثره في سلوكه سلبًا أو إيجابًا، وينعكس ذلك الأثر -بطبيعة الحال- على سير المجتمع وبناء الحضارة برمته.. فما هي آثار القيم الإسلامية في بناء الشخصية وبناء المجتمع؟ سأسلك في الإجابة على السؤال الطريقة التالية: ‏
أ- بيان آثار القيم التربوية الإسلامية في الشخصية الإنسانية. ‏
ب- بيان ذلك الأثر في بناء المجتمع. ‏
‏(أ) آثار القيم التربوية الإسلامية في الشخصية الإنسانية: ‏
تعريف الشخصية: عرف بعضهم الشخصية: (بأنها وحدة متكاملة الصفات والمميزات، الجسمية والعقلية والاجتماعية والمزاجية التي تبدو في التعامل الاجتماعي للفرد، والتي تميزه عن غيره من الأفراد تمييزًا واضحًا، فهي تشمل دوافع الفرد وعواطفه وميوله واهتماماته وسماته الخلقية وآراءه ومعتقداته، كما تشمل عاداته الاجتماعية وذكاءه ومواهبه الخاصة ومعلوماته وما يتخذه من أهداف ومثل وقيم اجتماعية)(1). وقد عرفت مجلة علم النفس (المجلد الأول، العدد الأول) الشخصية Personnality‏، بأنها: (نظام متكامل من مجموعة من الخصائص الجسمية والوجدانية النزوعية والإدراكية التي تعين هوية الفرد وتميزه عن غيره من الأفراد تمييزًا بينًا) (2). ‏

بتأملنا هذين التعريفين يتبين لنا أنهما يرتكزان على البعد الذاتي الفردي الذي يجعل كل فرد من الأفراد في إطار مجتمع معين يتميز عن غيره من الأفراد في مجموعة من السمات والخصائص المتصلة بمختلف جوانب الشخصية.. والذي أريد أن أبينه هنا في حديثي عن أثر القيم التربوية في بناء الشخصية، هو تلك الخصائص العامة التي يصنعها الإسلام بطبيعة الفلسفة التي يقدمها للإنسان، والقيم والتي يدخلها إلى بنائه النفسي، بحيث كل فرد من أفراد المسلمين مهما تكن خصائصه، الوراثية الجسمية، البيولوجية والفيزيولوجية، فإنه يأخذ حظه من الآثار التي تولدها التربية الإسلامية في شخصيته، والتي يصبح بفضلها كائنًا يجمعه قاسم مشترك مع غيره من الأفراد داخل نفس المجتمع. ‏

إن أول شيء تثمره القيم التربوية الإسلامية في البناء الشخصي للإنسان المسلم هو تقوية صلته بالله عز وجل، إلى الدرجة التي تجعله يراقبه في السر والعلن، في كل حركاته وسكناته، فهو لا يقدم على شيء إلا وهو يراعي حرمة الله ويرجو له وقارًا.. ومعنى ذلك أن المسلم في علاقته بربه، يستشعر الخشية والخوف منه، في نفس الوقت الذي يتوجه إليه بالرجاء.. وذلك الخوف وهذا الرجاء يملآن قلبه بشعور عارم من التحرر من جميع المخاوف، لأنه يشعر بقوة أن الله وحده هو مالك أمره ومقرر مصيره، وإليه يرجع الأمر كله، هو الذي يملك تبارك اسمه أن يضره وأن ينفعه، أما غيره فأسباب عرضية ليس لهـــا من الأمر شيء. وهكذا فإن المســـلم الذي يتشـــبع بقيم الإسلام يتحــرر من الشعور بالخوف على الحياة، أو الخوف على الرزق، أو الخوف على المكانة والمـركز، فالحياة بيـــد الله، ليس لمخلوق قـــدرة على أن ينقص هذه الحياة ساعة أو بعض ساعة: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) (التوبة : 51)(3). ‏

وهنا، نؤكد على أن هذه الثمار الطيبة للقيمة الإيمانية، رد قاطع على من يخوضون في الأمور بغير علم ولا كتاب منير، فيدعون أن أسلوب الدين الإسلامي في زرع الخوف من الله ومن الحساب في الآخرة يتعارض مع بناء الشخصية الحرة النامية المستقلة. فهؤلاء الأشخاص ينكرون ضرورة توفر عنصر الخوف في التربية، لارتباط ذلك بطبيعة الإنسان. (وإذا كان لا بد من الخوف، فليكن ممن بيده ملكوت كل شيء، ولنسد أبواب الخوف بعد ذلك) (4). ‏

‏(وليس هذا ما يقرره المؤمنون بالدين فحسب، بل هذا ما يعترف به المنصفون من المتدينين والمنكرين على السواء. فمن الملحدين من يرى الدين خرافة، ولكن الخرافة لا تستقيم بدونه (...) ويقول الأديب الفرنسي الشهير "فولتير" ساخرًا: لم تشككون في الله، ولولاه لخانتني زوجتي وسرقني خادمي! ويقول ثالث: إني لا أعتقد في وجود جهنم، ولكن أعتقد أن الفكرة عنها قد باعدت بين كثير من الناس، وبين ارتكاب الشر) (5). ‏

إن من الآثار الواضحة لصلة الإنسان بربه، ذلك التركيز لفكر الإنسان وجهوده وطاقاته حول محور واحد هو الولاء لله ولرسوله وملة الإسلام، فهذا التركيز هو الدرع الواقي من التشتت والانشطار الذي يضرب الذات بعنف في غياب الإيمان بالله. وتزداد المسألة وضوحًا إذا أخذنا بعين الاعتبار خصائص مرحلة الشباب، التي يفيض فيها الأفراد حيوية وعنفوانًا، مما يولد لديهم ميلاً جارفًا إلى الاندفاع والانفعال والمجازفة، ومن هنا فهؤلاء الشباب في حاجة إلى كثير من التروي والتحلي بالصبر والاتزان في اتخاذ المواقف(6). ‏

وإذا كانت القيم التربوية الإسلامية وعلى رأسها القيمة الإيمانية، تترك أثرها في النفس والجسم، طمأنينة وسكينة، فإنها في ترابط عضوي مع تلك الآثار، تخلف أثرها الواضح في عقل الإنسان المسلم بفضل ذلك النسيج المحكم من الحقائق والتشريعات وأنماط السلوك التي يتصل بها كيان المسلم. يقول د. عماد الدين خليل مشيرًا إلى ذلك التحول النوعي الذي طرأ على عقل المسلم لدى اتصاله بالقرآن: إن (نسيج القرآن الكريم نفسه، ومعطياته المعجزة، من بدئها حتى منتهاها، في مجال العقيدة والتشريع والسلوك والحقائق العلمية، تمثل نسقًا من المعطيات المعرفية كانت كفيلة، بمجرد التعامل المخلص الذكي المتبصر معها، أن تهز عقل الإنسان وأن تفجر ينابيعه وطاقاته، وأن تخلق في تركيبه خاصية التشوق المعرفي لكل ما يحيط به من مظـــاهر ووقائـــع وأشياء) (7). ‏

وفي صدد تحليل العلاقة بين العقائد والأمزجة العقلية للناس، يصنف د. محمد سلامة العقائد إلى عقائد دينية وغير دينية، كل منها يؤدي إلى تشكيل نمط معين من الأمزجة، ثم يخص العقيدة الإسلامية بالتحليل قائلاً: (فالعقيدة الدينية الإسلامية مثلاً، يصاحبها المزاج المتفائل، الذي يعترف للفرد بكل حقوقه في الحياة، ويطالبه بالسعي لتأكيد الذات. ولهذا فهو مزاج يدفع للنشاط والعمل، كما يطالب الشخص بالسعي نحو المعرفة لإدراك الكون من حوله، وتحديد دوره ووظيفته في هذا الكون. وهكذا فالوعي في العقيدة الدينية وعي شمولي، يقوم على إدراك الذات والوعي بالكون كله. وهو في نفس الوقت وعي تقدمي يطالب بالتغيير والإصلاح عن طريق الفهم والبحث والابتكار والاختراع، ولذا فالإنسان في العقيدة الإسلامية طاقة حيوية مؤثرة، وليس كمًا سلبيًا) (8). ‏

وهذه الخصائص الشخصية الممتازة، هي وحدها التي تفسر سر ذلك الانطلاق الهائل الذي حققه الإنسان المسلم في كل ميدان من ميادين الحياة العلمية والإنتاجية، وتفسر لنا مدى الالتزام بمبدأ الإتقان في العمل، والحرص على اجتناب قبائح النفس ورذائل السلوك. ‏

إن أثر القيم الإسلامية في الشخصية لا يخص، كما سبقت الإشارة إليه، جانبًا من جوانب النفس دون الأخرى، بل إنه ليهيمن عليها حتى لا يدع دقيقة من دقائقها، إن تلك القيم الشاملة لا تجعل المسلم صدقًا في معاملاته وممارساته الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والتجارية، متعاونًا فيها على البر والتقوى، عفيفًا معتدلاً في تعامله معها وحسب، ولكنها لتنفذ إلى أعماق نفسه فتغرس فيها رهافة في الحس وشفافية في الذوق والضمير.. ( قال البخاري في سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) (الحجرات : 2): كاد الخيران أن يهلكا: أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم ركب تميم في السنة التاسعة للهجرة. وقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤمر عليهم رجلاً منهم، فأشار أحدهما بتأمير الأقرع بن حابس، وأشار الآخر بتأمير القعقاع بن معبد، وفي بعض الروايات أن أبا بكر قال لعمر: ما أردت إلا خلافي! قال عمر: ما أردت خلافك! وارتفعت أصواتهما، فنزلت الآيات.. فلما أخذا ذلك الدرس وعياه، ولم يعـودا يتحدثان في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الســــــــرار أو أخا الســـرار) (9). (وقـــد روي أن أبـــا بكر وعمر بعد أن انتهــيـــــا وأعلنا تأدبهما في القـــول مع رســـول الله صلى الله عليه و سلم نزل قول الله سبحــــــانه: (إن الذين يغضون أصواتهم...) (الحجرات : 3). فهكذا تتجاوب السماء معهم رقة كما تتجاوب معهم زجرًا لتصقلهم صقلاً كريمًا، وتطهرهم من كل ما يمس الذوق الرفيع أو يصدم الشعور النبيل)(10). ‏

وهكذا يتضح لنا الأثر البناء الذي تتركه القيم التربوية الإسلامية في الشخصية الإسلامية الإنسانية، بحيث تصوغها صياغة ربانية تمس كل موطن من مواطنها، وتهز كل وتر من أوتارها، لينخرط الإنسان بكل كيانه وطاقاته في رفع البناء الذي أمره الله برفعه، على هدى من الله. ‏

‏(ب) أثرالقيم التربوية في بناء المجتمع والحضارة: ‏

لقد رأينا في المحور السابق كيف أن القيم التربوية الإسلامية قد صنعت من الأفراد الذين تشبعوا بها كائنات فذة، تحمل من عناصر القوة والحيوية ما استطاعوا بفضله أن يواجهوا تبعات الحياة ومشاق السير في دروبها الوعرة... فإذا كان المجتمع ليس في حقيقته سوى مجموعة الأفراد الذين يتألف منهم، فمعنى ذلك أننا بإزاء مجتمع متماسك البنيان، راسخ الأركان، سائر إلى الأمام، مضطرد النمو، لأن الإسلام يعتمد في بنائه للمجتمع على أفراد أقوياء النفوس ممتلئين بالعزم والقدرة على الثبات. فكلما كان الطابع الغالب على المجتمع طابع هؤلاء الأفراد الأفذاذ، كلما كانت شبكته الاجتماعية شبكة متينة الإحكام. ‏

ومن هنا نخلص إلى الحقيقة التي يقررها القرآن في قضية التغيير الحضاري، وهي أن الإنسان هو الأساس في ذلك التغيير، مصداقًا لقوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعــــــد : 11).. فسنة البناء والتغيير تمر من خلال جهد البشر وتفاعلاتهم. وحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائرالجسد بالسهر والحمى) (11). هذا الحديث يعرض لنا صورة المجتمع الإسلامي في غاية التضامن والترابط والتساند، حتى لكأنهم كالجسد الواحد الذي يتأثر مجموعه بتأثر أي عضو فيه. ‏

وحتى لا يصيب التخلخل ذلك البنيان، فإن هناك جهازًا دقيقًا يحرسه داخل كل فرد مسلم، إنه جهاز المحاسبة للنفس.. هناك النفس اللوامة التي أقسم بها العزيز الجبار، لعلوها وعظم شأنها، ولضرورتها في استمرار الحياة سليمة، واستمرار مجراها هادئًا صافيًا من الأكدار.. فالكدورات التي ترين على المجتمع وتهز بناءه، إنما مصدرها النفوس التي تأصلت فيها أدواء الأنانية والأثرة، والكذب والحسد والخيانة.. فإذا ما خلصت النفوس من تلك العلل والأمراض، فإن أفراد المجتمع يكونون متعاونين على البر والتقوى، أي على كل ما تصلح به الحياة وتسعد به النفوس، من جلب للمصالح والمنافع والخيرات التي تخدم المجتمع في حركته نحو تحقيق أهدافه.. فسياسة الأمة وتسيير دواليبها وأجهزتـــها في ميــادين التعليم والقضاء والزراعة والتجارة والصناعة، لا مفر لها من الاعتماد على رصيد القيم التربوية. ‏

إن المجتمع المسلم لا يتألف من أفراد متقوقعين على أنفسهم، مستغرقين في ذواتهم، لأنهم يدركون أن ذلك يتنافى مع الغاية من الوجود التي لا تتحقق بغير التعاون واستشعار آصرة الأخوة. لقد حدد الإسلام العلاقات بين أفراد المجتمع، وأرسى قواعدها بإحكام، بحيث تؤدي إلى أمن المجتمع واستقراره وطمأنينته. ‏

ويمكننا أن نقول: إن كل الآداب والأخلاق والتشريعات التي جاءت في القرآن الكريم ذات صبغة اجتماعية واضحة، وإن الهدف منها تنظيم الحياة في المجتمع الإسلامي على أساس مبادئ العدل والمساواة والحق التي جاء بها الإسلام(12). إن مجتمعًا تسري في أوصاله مثل تلك القيم، لا يمكن أن يتسرب إليه الوهن والاختلال، لأن أفراده لا يكتفون بالوقوف عند حدودهم، فذلك حد أدنى، بل إنهم ليتجاوزون ذلك إلى تقديم العون إلى بعضهم بعضًا، وتفريج كرب بعضهم بعضًا، عملاً بما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. ومَنْ فرّجَ عن مؤمنٍ كربةً مِنْ كربِ الدنيا، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة) (13). ‏

والحقيقة التي ينبغي أن تظل حاضرة في الأذهان، هي أن المنهج التربوي الإسلامي كيان مترابط الأجزاء، تتشابك فيه العقيدة مع العبادات، وهذه مع الأخلاق، والكل يعطينا تلك الثمرة الطيبة التي هي الإنسان المسلم، وبالنتيجة المجتمع الإسلامي الفاضل. وعلى سبيل المثال، فالصلاة هي إحدى الوسائل التي يجسد بها المسلم قيمة العبودية لله عز وجل، يرغب الإسلام في إقامتها مع الجماعة ويرفع درجاتها إلى سبع وعشرين درجة، تأكيدًا لروابط المسلمين وتعزيزاً للتعارف فيما بينهم.. والزكاة عبادة اجتماعية، لا يخفى دورها في دعم بنيان المجتمع الاجتماعي والاقتصادي، من خلال ما تزود به بيت مال المسلمين، ومن خلال معاني المحبة والتكافل التي تشيعها بين الأغنياء والفقراء، وقس على ذلك بقية الفرائض. ‏

وإذا كان نظام القيم الإسلامي له ذلك الأثر العظيم في بناء الشخصية والمجتمع، فمن الطبيعي أن يكون له أثره في البناء الحضاري الشامل، وأساس ذلك النظام القيمي الإسلامي يستأصل نزعات الشر من النفوس، المتمثلة في الظلم والجبروت والتسلط على رقاب الناس والسعي إلى استعبادهم وإذلالهم لإشباع النزوات الفردية المريضة. ‏

والخلاصة من كل سبق، أن المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية، لا يزالان قائمين ما دامت قيم الإسلام سائدة.. وكلما ضعفت وتلاشت، كلما كان ذلك إيذانًا بالانحلال وانفكاك عرى المجتمع والحضارة... إن تمثل النظام القيمي الإسلامي يمكن أن نجمله في كلمة واحدة تجمل معانيه وتجسد غايته، وهي كلمة العبودية لله عز وجل، وإن لحظات الصعود (في التاريخ الإسلامي الطويل، كانت تبدأ مع ساعات الإحساس الكامل بهذه العبودية لله، وتحولها إلى حركة كاملة، تحكم الفرد المسلم والمجتمع المسلم، وإن حالات (الهبوط) فيه كانت تتزامن مع فقد الإحساس، ولو إلى حين) (14). ‏

أثر القيم المادية في بناء الشخصية والمجتمع والحضارة

‏(أ) أثرها في بناء الشخصية الإنسانية: ‏

إذا كان نظام القيم التربوية في الإسلام يجمع شتات الإنسان ويركز طاقاته وإمكانياته حول مركز واحد هو الولاء لله عز وجل وابتغاء وجهه الكريم، فإن نظام القيم التربوية المادية يعصف بقوى الإنسان ويذهب بها طرائق قددًا، ويلحق بها تشوهات مريعة يتحول معها الإنسان إلى كائن مستلب، غريب عن نفسه وغريب عن الكون الذي يحيط به... فيصيبه الدوار والغثيان، ويشعر بالعبثية وانعدام معنى الحياة. إن الشخصية الإنسانية في ظل القيم المادية، وقد فقدت صلتها بخالق الوجود، تنجرف مع تيار التطور والتغير دون ضوابط ولا قيود، (وذلك لأن أداة الاختيار والتمييز في هذه الشخصية من عقل وضمير وإرادة ، فلت زمامها وفقدت السيطرة على نفسها، شأنها شأن الساعة التي أصابها خلل جعل عقاربها تتحرك بسرعة في كل اتجاه، فلم تعد صالحة لمعرفة الزمن، وهكذا فقدت هذه الشخصية القدرة على الاختيار السوي، فاندمجت تأخذ من هنا وهناك أي فكرة أو أي شيء دون قاعدة أو مبدأ) (15). ‏

وعندما يجد الإنسان نفسه وحيدًا، مقفرًا قلبه من نور السماء، فإنه يشعر بالخواء القاتل الذي يسحقه بغير رحمة، وعندها لابد أن يفعل أي شيء يوهمه بالإشباع والاطمئنان، ولن يجد أمامه غير الارتماء في أحضان الملذات يكرع منها كالكلب المسعور. ‏

وقد تأثرت نظرية التربية بذلك، فأصبحت ترى غايتها في إحداث التجـــانس في الرغبـــات بين أفـــراد المجتــمع الواحد. أما إذا تجانـــست فلا سؤال ولا استفهام بعد ذلك في خيرها أو شرها. وعلى المستوى الجمــــاعي، وجدت العصبية القومية حجتـــها لتبــــريـــر استكبارها على شعوب الدنيا واستعمارها للضعيف منها، فالإرادة القومية تعلو ولا يعلى عليها، وكل ما تمارسه حق لكونه إرادة قومية(16). ‏

والواقع أن بذل الجهد من طرف المنظرين الغربيين لإحداث التجانس بين الرغبات المتضاربة، هو ضرب من العبث وطلب المحال، فالرغبات الفردية التي لا يشدها أصل غير اللهاث وراء الإشباع المادي، لا يمكن أن تتجانس، لأن ذلك يتعارض مع الإشباع المادي نفسه. إن الإنسان المادي يمضي في تيار الشهوات إلى أن يسقط صريع المرض النفسي القاتل، الذي لم يزده الترف ووفرة المتاع المادي إلا تفاقمًا، لأنه كائن لا انتماء له بالمعنى الحقيقي للانتماء. ‏

وإذا كانت الرؤية الإسلامية للحياة ونظام القيم المنبثق منها، يؤديان بطبيعتهما إلى إقامة الانسجام والتكامل بين الإنسان والكون، بحيث يسيران بإيقاع متوازن، جنبًا إلى جنب، نحو تحقيق مراد الله في الوجود، فإن الرؤية المادية (ونظامها) القيمي يقودان حتمًا إلى ارتطام الإنسان بالكون، إذ العلاقة بينهما تصور في إطار المنظور المادي، في صورة الصراع الرهيب.. وكأن كلا منهما قد وضع في استقلال عن الآخر... وأن ما يجري بينهما خلال عصور التاريخ هو عملية سطو وعداء لا علاقة توافق وإخاء. لقد كان لهذا التصور الغريب عن حقيقة وجود الإنسان في هذا الكون، أثره المدمر على موقف الإنسان من العمل وما يتمخض عنه من إنتاج، وقد تمثل ذلك الأثر في تخريب الإنسان ما تفتقت عنه عبقريته العقلية، وما أنتجته يداه، فأصبح (كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا) (النحل : 92). ‏

لقد أصبحت فكرة الصراع هي التي تحكم حركة الإنسان المادي، الصراع مع كل شيء، مع نفسه، ومع الكون، ومع الآخرين، ولا مفر له من ذلك ما دام سجين النظرة المادية. ‏

ولا ننس، ونحن بصدد أثر القيم التربوية المادية في الشخصية الإنسانية ، أن الإنسان المادي بعد أن أرقته ليالي العذاب ورحلة المعاناة والشقاء، بدأ يتحسس الطريق التي تعيد إليه نفسه الضائعة ومعناه المستلب... ولكن لسوء حظه أنه كثيرًا ما يسقط في شراك الأدعياء والدجالين الذين يقذفون به في دوامة الشقاء من جديد، ولكن في أشكال جديدة تخلب الأنظار. وفي أحسن الأحوال فإن الغربيين قد انتهوا إلى دين (لا يمتد ظله إلى أكثر من الأخيلة والأحاسيس النفسية المجردة، فلا هو يملك سلطانًا على ما وراء ذلك، ولا هم يريدون أن يملك أي سلطان خارج حدوده النفسية هذه، ولكنهم اعتمدوه قيمة روحية قد تساعد في تخفيف الآلام النفسية التي يتعرض لها الإنسان الأوروبي، خلال مغامراته واندماجه وسط أمواج عاتية من الإباحية واللذة المطلقة) (17). ‏

ب- أثر القيم التربوية المادية في بناء المجتمع والحضارة: ‏

إن ذلك التفكك الذي عاناه، ويعانيه الإنسان الغربي على مستوى نفسه التي أرهقها الشرود عن الصراط المستقيم، كان لا بد أن ينعكس على جهاز المجتمع أو التنظيم الاجتماعي بالتهلهل والتحلل، حيث إن المجتمع لا يعدو أن يكون أشتاتًا من النـــاس الذين لا تجمعهم وحدة، ولا ينتظم عقدهم خيط واحد، إن كل الأمراض والنواقص النفسية من انحلال وتهالك على الملذات المحرمة والحسد، وسوداوية النفس، تنتهي بخنق المجتمع وامتصاص طاقاته، ووقف تطلعاته نحو الأفضل. ‏

لقد ضربت النظرة المادية نفس الإنسان الغربي وتركتها صفصفًا مهجورة من قيم الخير والاستقامة، وخرّبت بذلك المجتمع وقوّضت دعائمه وجففت منابع الخير والصلاح فيه، فقد ظهر بعد قرن كامل من الصراع المرير، أن الإنسان بطبيعته عاجز تمامًا عن إيجاد القيم المجردة عن المصالح الذاتية، لأن حبه لمصلحته حجب عنه حقيقة نفسه، وحال بينه وبين فهمها في شموليتها، وبالتالي بينه وبين وضع نظام القيم التي تستجيب لتلك الشمولية. وكان من نتائج الفرويدية تقويض دعائم الأسرة ونسق ضوابطها، بسبب الفوضى الجنسية التي طبعت علاقات الأفراد، ومن خلال الانحرافات التي أغرقت الناس في مستنقع الأمراض الجنسية، وألقت بهم في جحيم من القلق والأمراض النفسية لا يطاق، أما البرجماتية فقد كان من نتائجها حدوث خلل في الحياة الاجتماعية، وهو أمر مترتب لا محالة على نظرتها التي تحقق المصلحة دون التفات إلى القيم الروحية ومبادئ الحق والعدل(18). ‏

وهكذا فإن النظرة المادية، قد فجرت في الإنسان طاقاته في إنتاج وتكديس المنتجات المادية، في نفس الوقت الذي ألقته في أتون التنافس المحموم على تلك المنتجات، فجعلت بعض الناس فريسة ونهبًا لبعضهم الآخر، ينهشه بغير رحمة، ويحوله من شريــك إلـــى أداة(19). ‏

وليس في هذه النتيجة تناقض مع ما قلناه سابقًا من أن القيم المادية كفيلة بامتصاص طاقات الإنسان وتوهين قواه، لأن العبرة بالمآل، فالكارثة وإن لم تحل بالشكل النهائي، فإنها ستحيق بالمجتمع الغربي ولو بعد حين، وفقًا لسنن الله في النفس والمجتمع، قال تعـالى: (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدًا) (الكهف : 85).. فالبناء الاجتماعي الغربي وإن كان يبدو قائمًا، محتفظًا ببعض بريقه الذي يسلب الأعين المسطحة، فهو يحتوي في جوفه على جراثيم الموت والانهيار. ‏

ونخلص من هذا الحديث عن أثر القيم التربوية المادية في المجتمع، إلى الحديث عن أثرها في البناء الحضاري.. فكما سبقت الإشارة، فإن تلك الشروخ التي أحدثتها أمراض النفس في الكيان الاجتماعي لن يظل أثرها محصورًا في نطاق معين، بل إنها لتبتلع كل العناصر والمقومات التي تقوم عليها الحضارة. ولقد أجمع عقلاء الغرب على أن الذي سيذهب بالحضارة إلى حتفها هو العامل المادي، الذي هو أبعد ما يكون وحده كافيًا لتفسير الوجود الإنساني، وتقويم نجاح المسيرة الإنسانية أو إخفاقها. ‏

وبعد، فإن بعض هؤلاء العقلاء قد أدركوا بنفاذ، بعد التأمل في تجربة الغرب المريرة، أنها لم تفصل على حجم الإنسان ولم تراع أشواقه وتطلعاته، إنها انطلقت منذ بدايتها انطلاقة خاطئة، زجت بها في ظلمات، بعضها فوق بعض، فكانت النتيجة هي الحيرة والتمزق، والارتداد إلى أسفل سافلين، ليصبح الإنسان مجردًا من إنسانيته،ومن التكريم الذي أسبغه الله تعالى عليه. ‏


القيم الإسلامية التربوية والمجتمع المعاصر
عبدالمجيد بن مسعود


م / ن



رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
غرس القيم الإسلامية في نفوس الأبناء بما يتناسب مع المرحلة العمرية قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 09-11-2012 01:48 AM
هام :ادارة المخاطر في المصارف الإسلامية samarah منتدى العلوم والتكنولوجيا 2 16-04-2012 11:37 PM
الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية عبد الغفار1 منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 08-01-2011 07:37 AM
غرس القيم الإسلامية في نفوس الأبناء بما يتناسب مع المرحلة العمرية قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 2 23-09-2010 10:29 PM
الأهداف التربوية في ظل النظريات المعاصرة قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 2 07-12-2009 08:14 PM


الساعة الآن 08:38 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com