عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 04-06-2013, 04:14 AM
عبير عبد الرحمن يس عبير عبد الرحمن يس غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 142
افتراضي حضارة ثمود قوم نبي الله صالح




حضارة الحجر ( الحضارة المعينية )

وجود سيدنا إبراهيم عليه السلام وأولاده كان سببًا مباشرًا فى ظهور أكبر وأهم الحضارات التى شهدتها شعوب الجزيرة العربية.. والتى أطلق عليها المستشرقون الحضارة المعينية. هذه الحضارة التى عدها أغلب العلماء أنها العصر الذهبى للحضارة العربية القديمة(1). وهذه الحضارة يسميها القرآن الكريم الحجر، وهناك سورة من القرآن تسمى بذلك وهى مدنية بمعنى أنها تضع الأسس الصحيحة للبناء الحضارى لأى مجتمع بعد أن تكون الأسس العقائدية قد ترسخت فى النفوس، ومن خلال السورة الكريمة يبرز لنا الخالق سبحانه نماذج لمجتمعات بلغت من الحضارة أعلاها، ولكنها انهارت بسبب الانحراف الخلقى والعقيدى، كما تمثل لنا ذلك فى قصة لوط عليه السلام وهو ابن أخ سيدنا إبراهيم وكذلك حضارة مدين قوم شعيب، بالإضافة إلى الإسهام الأكبر الذى ساهم به إبراهيم عليه السلام وأبناؤه ولقد ظلت الحضارة العربية فى رقى وازدهار إلى أن انتهت فى زمن سيدنا موسى عليه السلام بعد القصة المشهورة له مع بنى إسرائيل، وسوف نتناول كل هذه المراحل بالتفصيل لنرى الإسهامات الكبرى لأنبياء الله فى قيام كل هذه الحضارات لتكملة رسالة من سبقهم من أنبياء عليهم السلام .

فالقرآن الكريم يبين لنا «أن الأنبياء عليهم السلام لم يكونوا دعاة عبادة وتقوى ومعلمى شريعة فحسب، بل كانوا مؤسسى مدنيات وحضارات، وكانت مواقفهم وسيرهم عبرًا، وهم قدوة ونماذج تحتذى فى البطولة والصبر والتفانى فى خدمة الإنسانية.. فصارعوا الباطل وقاوموا الظلم وجاهدوا فى الله حق جهاده»(2)، و«أنه ما سقطت حضارة.. إلا فى ساحة الفساد الأخلاقى والعقيدى، والانصراف عن طريق الأنبياء والرسل»(3)، وإذا أردنا الاستدلال على صدق هذا الكلام فعلينا أولاً أن نبرز مظاهر الحضارة ودور الأنبياء فيها.

مظاهر الحضارة المعينية العربية وأهم إنجازاتها:

1- اختراع الكتابة:

يقول موسكاتى «لا ريب أن هذا الاختراع أعظم ما أسهمت به شعوب سوريا وفلسطين قديمًا فى مضمار الحضارة»، وفى موضع آخر يقول: «ومن المقطوع به أيضًا أن الأبجدية ولدت فى منطقة سوريا وفلسطين»(4) . وعن فضل الكنعانيين (وهم أهل سوريا وفلسطين) على العالم بسبب هذا الاختراع يقول محمود شاكر: «للكنعانيين فضل كبير على العالم وهو اكتشافهم الأبجدية أى الحروف الهجائية التى اقترنت باسمهم وأن هذه الأبجدية كانت مصدر الأبجديات المعتمدة فى كتابة لغات العالم(5)، وهى ظهرت بصورة تدريجية بين الأقوام العربية فقط، ويمكن اعتبارها أصل الحروف الهجائية فى الوقت الحاضر(6).

وهناك من يذهب إلى أن سيدنا إبراهيم عليه السلام هو الذى اكتشف الحرف واستدل عليه بالكتاب والسنة، وبالأبحاث المتخصصة العلمية فى هذا الصدد مثل دكتور على سكيف حيث يقول: بينت الآيات الكريمة المصدر الذى استوحى منه إبراهيم عليه السلام الحرف العربى فى قوله تعالى : ( هو الذي جعل الشمس ضياءا والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ماخلق الله ذلك الا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون ) يونس : 5 ، والحساب يعنى فى الآية السابقة الحرف فمنذ ذلك الوقت استعمل العرب الحروف مقام الأرقام فى كتاباتهم(7) والتى اكتشفها إبراهيم عليه السلام بوحى من اله من منازل القمر(8).

وأما الدليل من السنة عن ابن عباس قال: حينما سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم عن أول من كتب بالحروف العربية قال (إسماعيل بن إبراهيم) عليهما السلام، وهذا يعنى أنه تعلمها من أبيه عليه السلام، وهو أول من كتب بها(9) ولا نستبعد هذا الأمر لأن معظم الاكتشافات تعترف لهما بهذا الفضل إذا أضفنا إلى ذلك أيضًا العون والإلهام الإلهى، فالأنبياء هم حلقة الوصل بين السماء والأرض، وهذا ما يتفردون به عما سواهم .

وأما عن الدليل العلمى فيذكر أن النقوش التى وجدت فى شمال غرب الحجاز والتى يعود تاريخها إلى عهد إبراهيم وما بعده يستدل منها على تغيير جذرى فى أسماء الآلهة التى كانت تُعبد فى بلاد ما بين النهرين (السومرية والآكدية والبابلية.. إلخ) ثم يقول: وقد بينت سابقًا أن هذه الأسماء الجديدة إنما هى صفات للإله التوحيدى، فمن أين جاءت هذه الأسماء إلى الألواح والأوابد؟ وما مصدرها؟.
ثم يستخلص من نتائج البحث فى هذا الصدد " أن الحقبة التاريخية التى ظهر فيها إبراهيم عليه السلام فى شمال الحجاز وجنوب الأردن حاليًا، ومكان تواجد إبراهيم عليه السلام، كان محل الحضارة المعينية، وأن إبراهيم وذريته من بعده كانوا يتكلمون لغة واحدة واستعملوا الحروف التى اكتشفها إبراهيم عليه السلام(10).

ومما يؤكد أن هذه اللغة هى العربية ما رواه ابن كثير فى قصص الأنبياء، قال: قال الأموى حدثنى على بن المغيرة.. عن محمد بن الحسين عن آبائه عن النبى صلي الله عليه وسلم قال: أول من فنن لسانه بالعربية البينة: إسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة فقال له يونس: صدقت يا أبا يسار هكذا أبو جرى حدثنى(11).

2- ديانة التوحيد وبناء الكعبة:

تعود بدايات التوحيد الإلهى فى بلاد الشام إلى هجرة إبراهيم عليه السلام إليها فرارًا بدينه التوحيدى من بلاد قومه، وبقى عليه السلام محافظًا على توحيده وعلَّمه أبناءه وأحفاده.. حتى انتقلوا إلى العيش مع يوسف عليه السلام، حيث عاشوا فى مجتمع متعدد الآلهة، ومع تباعد الأجيال فقد النسل الإبراهيمى توحيده وشذوا عن عقيدة أجدادهم حتى قام موسى يدعو إلى التوحيد وتأسيس دين كونت أحكامه النواة لقيام شريعة التوراة(12).

والممارسة الفعلية لديانة التوحيد التى دعى إليها إبراهيم عليه السلام ابتدأت منذ أن أذن الله ببناء البيت ( واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا تقبّل منا انك أنت السميع العليم ) [البقرة:127]، ثم أعلن إبراهيم عليه السلام الحج الأكبر للناس قاطبة فقال تعالى: ( وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلي كل ضامر يأتين من كل فج عميق .( وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلي كل ضامر يأتين من كل فج عميق . ليشهدوا منافع ويذكروا اسم الله في أيام معلومات علي مارزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير . ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ) [الحج: 27 - 29]، وبدأ إبراهيم عليه السلام يذكّر ويعلم المقيمين والوافدين فى التجارة على وادى عرفة علوم التوحيد بعد أن كانوا قائمين على عبادة الكواكب والشمس بتلك المنطقة، وذكر عرب الجزيرة بكل أطيافهم فضل بيت الله والذى كان يعرف بالسريانى بيت إيل.. وصار من ثبت على التوحيد ومناسك الحج يعرفون بالتوحيديين حتى عهد خاتم المرسلين (13).

حج بنى إسرائيل لبيت الله (الكعبة) بيت إيل:

تحتفظ ذاكرة العرب بحقيقة علم وإدراك بنى إسرائيل لعظمة بيت الله والتى يستنكرها أئمتهم وجهدوا أنفسهم لطمس هذه الحقيقة، فينقل لنا الفاكهى هذا الخبر: «حدثنا حسين بن حسن المروزى... عن ابن أبى مليكة قال: قال ابن الزبير رضى الله عنهما إن هذا البيت كان يحجه من بنى إسرائيل سبعمائة ألف، يضعون نعالهم بالتنعيم ثم يدخلون حفاة تعظيمًا له»(14)، ويضيف الشاعر بقوله: «وروى أبو ذر الخشنى فى مناسكه عن عبد الله بن الزبير رضى الله عنه قال: حج البيت ألف نبى من بنى إسرائيل لم يدخلوا مكة حتى وضعوا نعالهم بذى طوى»(15)، وهذا الكلام أورده ابن حجر(16) منقولاً عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ، حيث ثبت أن اليهود كانوا عربًا يسكنون الجزيرة لحقب مختلفة بل منهم من كان ساكنًا على مقربة من مكة، وهم الكنعانيون كما نقرأ من هذا الخبر» ..... فأهل التوراة هم اليهود وأهل الإنجيل هم النصارى وقد كانت النصرانية فى الجاهلية فى ربيعة وعنان وبعض قضاعة، واليهودية فى حمير وبنى كنانة وبنى الحارث بن كعب وكندة.. وعبادة الأوثان والزندقة فى قريش(17)، وذو طوى اسم ورد ذكر خلع النعال به، يقول تعالى: ( اذ رأي نارا فقال لأهله امكثوا اني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد علي النار هدي . فلما آتاها نودي ياموسي . اني أنا ربك فاخلع نعليك انك بالواد المقدذس طوي . وأنا اخترتك فاستمع لما يوحي ) طه : 10 - 13 ، فجرتْ سنة فى بنى إسرائيل خلع النعال به لتجلى الرب لموسى عليه السلام ببطن الوادى. وذو طوى هو موقع قرب ميقات مسجد التنعيم، والمعروف اليوم بمسجد العمرة، وهو المكان الذى تحرم منه حجاج بيت الله من أهل مكة إلى اليوم... وذو طوى هو أحد حدود مكة كما عبر ابن الأثير «..طوى بضم الطاء وفتح الواو: موضع عند باب الكعبة...»(18).

وبجوار مسجد التنعيم قسم رسول الله جيشه قبل دخول مكة كما نقل الأرزقى «.. عن زيد بن أسلم قال بكة الكعبة والمسجد مبارك للناس ومكة ذو الطوى وهو بطن مكة الذى ذكره الله عز وجل فى سورة الفتح»(19)، ووادى ذى طوى منعوت فى القرآن الكريم بالمقدس، والتى كان يسميها العرب بنى إسرائيل بقدس أو قادس وهو ما سوف يتضح بالدلائل.

والخلاصة: أن بيت الله الكعبة هو الذى يدعى فى التوراة بيت إيل(20) وما من شك فى أن اليهود يعلمون ويخفون حقيقة أن إبراهيم عليه السلام مرتبط بالكعبة المشرفة ارتباطًا وثيقًا، ولا يوجد فى الكون بيت الله ظاهر ومنصوص عليه غير الذى تحج إليه شعوب العالم المسلمة اليوم، والتى كانت تحج إليه قبل البعثة، فقال تعالى عن سيدنا إبراهيم ودعائه: ( ربنا اني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ) [إبراهيم: 37]. وقد اختزل فى التوراة إلى مقطعين فقط(21).

3- اكتشاف أول صك للنقود:

هذه الحضارة العربية كان لها الفضل فى اكتشاف أول صك للنقود فى العالم القديم سبق الصك اليونانى للنقود بأكثر من ألف عام، وهذا ما تشير إليه الآيات فى زمن يوسف بشكل واضح فى قوله تعالى: ( وشروه بثمن بخس دراهم معدودات وكانوا فيه من الزاهدين ) يوسف : 20 ويستدل على ذلك بما عثر عليه من نقود كانت موجودة فى هذه الحضارة، كما يذهب إلى ذلك د . على سكيف الذى يقول أيضًا : " بأن العلماء والباحثين الغربيين اعتبروا أن اليونانيين هم أول شعب يكتشف صك النقود فى العالم القديم عام 680 قبل الميلاد. لكى لا يحتكر العرب هذا الاكتشاف، إضافة إلى اكتشاف الحرف رغم عثورهم على بعض النقوش (المعينية) فيها نصوص تفيد وجود النقد والتعامل به فى معاملات البيع والشراء منهم نيلسن الذى يقول: «مما يؤكد وجود نقود فى الحضارة المعينية والقتبانية ورود ذكر بعضها مع أسماء ملوك معينيين وقتبانيين فى تدوين عقود زراعية أو ضرائب وقد ذكرت حين الإشارة إلى دفع أو تحديد غرامات ولكن ورود أسمائها فى تلك العقود وفى الأوامر الملكية لأولئك الملوك لا يدل على أنها سُكتْ فى أيامهم وضربت فى عهدهم، فقد يجوز أن تكون قد ضربت قبل أيامهم بأمد طويل، وأنها كانت مستعملة قبل أيامهم فى الأسواق ولذلك أشير إليها فى تلك الكتابات»(22).

ومما يؤكد أيضًا أن النقود هى اكتشاف الحضارة العربية أن البحاثة الغربيين الذىن اعتبروا اليونانيين هم أول شعب اكتشف سك النقود عام 680 ق.م أدى بهم ذلك إلى الوقوع فى أخطاء تاريخية وهو معرفة التاريخ الحقيقى للدولة المعينية والسبئية، واستنتاجهم بأن هذه الدولة يجب أن تعاصر الحقبة التى تلت تاريخ اكتشاف النقود من قبل اليونانيين، وبالتالى جعلوها فى النصف الثانى للألف الأول قبل الميلاد، ونسوا وتناسوا المعلومات التى استخلصوها من النقوش والأوابد التى تعود إلى الحضارة المعينية والحضارة السبئية والتى تأرخ «آخر ملك معينى عاصر أول مكرب سبأى» والأكثرية منهم حددوا تاريخ نشأة دولة سبأ فى أواخر الألف الثانى ق. م وعلى هذا تكون الحضارة المعينية التى ثبت علميًا وبالاكتشافات الأثرية وجود النقود فيها كانت فى النصف الأول للألف الثانى قبل الميلاد(23)

دور أنبياء الله فى بناء الاقتصاد القوى لهذه الحضارة :

لقد كان للأنبياء فى هذه الحقبة التاريخية فى مسيرة الحضارة الإنسانية دور بالغ الأثر فى نهضتها سواء كان بالأثر الفعلى الملموس أو بالقواعد النظرية الداعية إلى الكسب المشروع ونبذ الاستغلال وإيفاء الكيل، كما وجدنا ذلك عند قوم شعيب ونبى الله إبراهيم ويوسف الذى -بحسن تخطيطه، وإدارته للأزمة الطاحنة من مجاعة تهدد البلاد. أثر فى الازدهار الحضارى والنشاط التجارى فعم الرخاء والعدل فى البلاد- ففلاسفة الحضارة والتاريخ يجمعون على ضرورة الصفوة لقيام الحضارات وأنه ما من حضارة تقوم إلا كان لصفوة من أبناء أمتها دور عظيم فى نشأتها»(24)، ونحن لا نرى العكس ولكن نرى أن الأنبياء والرسل والسائرين على منهجهم ودربهم هم أولى بالبيان والاقتداء بهم وهم خير من خدموا الإنسانية والتاريخ(25)، ومن دلائل ذلك فى هذه الحقبة التاريخية :
دور سيدنا إبراهيم عليه السلام فى تنشيط التجارة:

«أيام وصول سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى منطقة مكة كانت الخطوط التجارية تمر بعرفة وليس ببطن الوادى حيث بيت الله وذلك لانعدام الماء والزرع والناس منه، فكان أول من سكن الوادى وهو على هذه الحال إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر، ومع ظهور ماء زمزم بدأ الوضع يتغير ودلت الطير ركاب القوافل إلى التغيرات بالوادى، كما نقل التراث العربى، «فلما رأت الطير الماء حلقت عليه فمر ركب من اليمن يريد السفر فلما رأوا الطير قالوا ما حلقت الطير إلا على ماء(26)،.. وما إن أعلن إبراهيم الحج وبدأ الناس يلبون دعوته حتى اتخذ بعض الناس بطن الوادى سكنًا، مما مهد قيام نقطة خدمات للقوافل والحجاج فتمصر بطن الوادى مع الوقت حتى غدا محطة إستراتيجية غاية فى الأهمية(27)، فصارت أهم الغلات تنتقل على ظهور الإبل من اليمن مارة بمدن كثيرة لتصل إلى مكة أو ينبع، ثم من هناك يثرب وتدمر وفينيقيا أو فلسطين ثم إلى القبط(28).

وهكذا تحول بطن الوادى تدريجيًا إلى ممر تجارى بعد أن تحولت إليه خطوط القوافل المجاورة لتوفر المياه وتكاثر الناس فيه بالمقارنة مع زمن ما قبل دخول إبراهيم عليه السلام فيه ( واذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره الي عذاب النار وبئس المصير ) [البقرة: 621]. فصار ينتقل إليه من ثمرات البلدان على ظهور الإبل للمتاجرة(29).

دور نبى الله يوسف عليه السلام فى التخطيط المحكم:

لقد رزق الله سيدنا إبراهيم ولدين: إسماعيل عليه السلام من زوجته هاجر عليها السلام، وإسحاق من زوجته سارة عليها السلام، وذلك بعد تقدم سنه، وفى هذا يقول الله تعالى على لسان إبراهيم ( الحمد لله الذي وهب لي علي الكبر اسماعيل واسحق ان رب لسميع الدعاء ) [إبراهيم: 93]، ثم أنجب إسحاق يعقوب عليه السلام وبنوه الاثنى عشر قرب خطوط قوافل وكان يمتهن الرعى فقط، ولم يكن بعيدًا عن مكة «ألقى إخوة يوسف أخاهم فى جب على طريق السيارة (قوافل الإبل) وحمل مع التجار إلى مصر قريب من مكة، من جهة الجنوب على جبال السراة»(30). وبيع هناك بثمن بخس، ولقد مكن الله ليوسف عليه السلام بعد أن عاش محنا شتى فقال تعالى: ( وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسي أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكّنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون ) [يوسف: 12، 22]. ومعنى: (مكّنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث ) أى جعلنا له مثوى كريمًا فى قلب العزيز ومنزلة وجعلنا له تصرفًا بالأمر والنهى فى ملكه فى أرض مصر ووجاهة ومحبة فى قلوبهم، لتكون عاقبة ذلك تعليمه الرؤى التى ستقع من الملك وتقضى بيوسف إلى الرياسة والحكم، ( والله غالب علي أمره ) أى لا يمنع عما يشاء ولا ينازع فيما يريد ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة وسنن التمكين ( ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما ) حيث هما من لوزام التمكين الذى من سنته كما تبين الآيات التى بين أيدينا الصبر على الابتلاء والمجاهدة(31).

المرحلة الثانية من تمكين الله سبحانه ليوسف فى الأرض يوضحها قوله تعالى: ( وقال الملك اتوني به أستخلصه لنفسي قال انك اليوم لدينا مكين أمين . قال اجعلني علي خزائن الأرض اني حفيظ عليم . وكذلك مكّنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولانضيع أجر المحسنين ) [يوسف 45- 65]، فقال الملك ليوسف إنك ذو مكانة ومنزلة عندنا فى الملك ومؤتمن على كل شىء ولا تخف ظلمًا فعند ذلك قال يوسف للملك: ( اجعلني علي خزائن الأرض اني حفيظ عليم ) أى ولنى خزائن أرضك إنى علام بوجوه التصرف والتدبير؛ ولذلك ازدهر اقتصاد مصر فى عصره عليه السلام، وعلى يده ولحسن تصرفه وتخطيطه حقق ازدهارًا لعل مصر لم تعرف له مثيلاً منذ ذلك الوقت(32)، وسادها العدل بعد الظلم والوفرة بعد سنين القحط والاحتياج(33).

وعن هذا الدور الاقتصادى الذى خص به سيدنا يوسف فى ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التى كادت تعصف بالبلاد يقول الشيخ متولى الشعراوى فى تفسيره لقوله تعالى عن يوسف: ( اجعلني علي خزائن الأرض ) أى اجعلنى أتولى الاقتصاد وقوله: ( اني حفيظ عليم ) أى عندى من الخصال ما يتطلبه العمل، وكان هذا الطلب تأكيدًا لثقة يوسف فى أن رؤياه ستتحقق فى سبع سنين رخاء وسبع سنين جدبًا، وأنها محتاجة لحكمة وإدارة فى سنى الخصب تتضمن ألا يحدث إسراف فى الاستهلاك وفى سنوات الشدة تضمن أن كل محتاج، إنسانًا كان أو حيوانًا سيصل إليه طعامه.. وهذه تحتاج إلى علم يعطيك حكمة التصرف وأمانة تعطيك العدل بين الناس وخبرة تضع كل شىء فى موضعه تمامًا، لذلك طلب يوسف عليه السلام أن يكون على خزائن الأرض لأنه حفيظ عليم(34). فقوله تعالى: ( قال اجعلني علي خزائن الأرض اني حفيظ عليم ) [يوسف: 55] هو كما يبدو من سياق الآيات نظام تخزين مركزى للمنتجات الزراعية وطريقة تخزينها لحمايتها من التلف استعدادًا لسبع سنين من القحط.. ونظام التخرين هذا وضعه الصديق يوسف عليه السلام فأحدث طفرة فى اقتصاد القرية والمنطقة وهو نظام لم يكن معمولاً به من قبل وإلا فلماذا لم يخطر ببال أحد التخزين رغم التكرار الطبيعى لتأخر الأمطار الموسمية..

وعبارة (حفيظ عليم) هى مضمون نشاط يوسف عليه السلام اللوجستى والإدارى فأول ما يجب على يوسف عليه السلام القيام به هو تصميم وتنفيذ البنية التحتية الضرورية...وذلك باستصلاح مزيد من الأراضى الزراعية (تزرعون سبع سنين دأبا) وإدخالها فى مكنة الإنتاج، ومن ثم أنشأ نظامًا إداريًا لتدوين الحصص ووضع نظامًا استثماريًا للمنتجات لإقناع المزارعين بالمشاركة فى المشروع ولضمان حقوقهم فى هذه الشركة التكافلية، ثم وضع نظام توزيع وسن قوانين الكيل، ثم جاءت سنوات الجفاف فسقط الناس القاطنون بالمنطقة المحيطة بقرية يوسف عليه السلام فى ضنك الجفاف ومن ضمنهم يعقوب عليه السلام وأبناؤه مما يدل على أن يوسف عليه السلام كان يسكن فى محيط تأثير الأمطار الموسمية لموقع سكن أبيه يعقوب عليه السلام مما يعنى أن مصر وقرية يوسف عليه السلام قريبة جغرافيًا من مضارب يعقوب عليه السلام.
المهم أن شركة يوسف التكافلية لم تنقذ قريته أيام القحط فحسب، بل غدت قريته ومصرها مقصد الناس للتزود بالحبوب والمقايضة (35).

«ومن تمكين يوسف فى الأرض تستخلص أهم سنن التمكين للمؤمنين، لعل أولها الصبر والثبات ثم العلم والحكمة، وفضل الله من قبل ومن بعد(36)، فسنن الله أن يأتى التمكين بعد الابتلاء كما حدث ليوسف وكما سنرى عند بنى إسرائيل (37)، فكان موسى عليه السلام يفقه سنن الله فى وراثة الأرض ولذلك كان يقول لقومه : ( استعينوا بالله واصبروا ان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ) [الأعراف: 821]. فسنن الوراثة من خلال هذه الآيات ثلاث: الاستعانة بالله والصبر، وأنها تكون لعبادة الله. ولله الأمر من قبل ومن بعد، وكان موسى يخاطب قومه بفقه هذه السنن التى لم تتبدل ومازالت حتى اليوم، فهى عوامل النصر والتمكين والظفر والعزة(38).

موقع مصر يوسف عليه السلام :

هناك كثير من الباحثين الغربيين والعرب ذهبوا وبالدلائل التى سنتعرض لبعضها، إلى أن مصر التى ذكرت فى قصة سيدنا يوسف وموسى ليست هى المعروفة الآن أى ليست مصر الإفريقية، وإنما هى المصر الذى ساهم فى إنشائه نبى الله إبراهيم والذى يقع فى شبه الجزيرة العربية، ومن دلائل ذلك :
البحثً المتعمقً الذي ضرب بجذوره فى أعماق التاريخ من خلال الدراسة التفصيلية لكتب التراث والحضارات والخرائط وما كشفت عنه الأرض من آثار وما سجله كبار العلماء سواء كانوا عربًا أو غربيين وكلاهما من المتخصصين فى هذا الشأن، مثل د. زاهى حواس عالم الآثار المصرى المعروف..إلخ، بالإضافة إلى الفهم الواعى لآيات القرآن الكريم... وأثبتت كل هذه الدلائل التحريف الذى مارسه كتاب التوراة وانطلى على العالم أجمع ومنها نحن المسلمين لأننا تلقينا عنهم دون تمحيص وكأنها حقائق دامغة لا تقبل المناقشة، وكان من نتيجة ذلك ما نعيشه من مأساة صنعها لنا اليهود فى فلسطين كتطبيق عملى لهذا التزوير والتحريف من قبل أحبارهم.

فمن إشارة القرآن تلمس الباحثون العرب موقع مصر يوسف قال تعالى : ( يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات ثمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع الي الناس لعلهم يعلمون . قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فزروه في سنبله الا قليلا مما تأكلون . ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ماقدمتم لهن الا قليلا مما تحصدون . ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ) [يوسف: 46 - 49].

هذه الآيات توضح أن القرية التى سكنها يوسف عليه السلام كانت زراعية وهى فى منطقة يمكن أن تيبس وتبور بها الزراعة نتيجة لشح المياه لمدة تطول لسبع سنين، وهذا لا يمكن أن يكون بمنطقة مفترض أن يكون بها نهر النيل وجداوله، وفروعه كمصدر لا ينضب للمياه، فهذا يعنى أن قرية يوسف ومصرها كانت تعتمد على مياه الأمطار الموسمية والتى يمكن لها أن تتأخر أو تنقطع بضع سنين... ولقد التفت إلى هذه الحقيقة أحد المسيحيين المتصهينين والذى أثبت حسب ظنه وجود تناقض فى القرآن الكريم حين مر على قوله تعالى : ( عام فيه يغاث الناس ) فزعم أن محمدًا صلي الله عليه وسلم ، يظن أن مصر تروى بماء الأمطار بينما كما هو معروف فهى تروى بماء النيل المنحدر من بحيرات فكتوريا فخطأ خاتم المرسلين بحسب التفسير القائم للآية وأخذ يسخر من المسلمين لقبولهم هذا التناقض الفاضح، وما ذلك إلا لأننا استعنا فى تفسير القرآن الكريم بالروايات الإسرائيلية فوضعنا نحن المسلمين فى زاوية لا نحسد عليها، وكان الأجدر بنا المبادرة بالوقوف عند هذه الآية ونظيراتها منذ زمن بعيد والتى تشير إلى أن مصر ليست هى القبط (بلاد وادى النيل) كما كان يُعتقد فى الماضى البعيد والحاضر المعاصر، ومن ثم تعديل المسار فى ضوء هدى الآيات (39).

وفى هذا الصدد يقول د. على سكيف: «الحقائق التاريخية التى تظهر لأول مرة أعلنها بعد الاطلاع على المعلومات التى حصلت عليها من الألواح والأوابد المستخرجة من باطن الأرض من منطقة (الأردن وفلسطين والمملكة العربية السعودية)، وقد ظن الذى كان قصدهم عنصريًا يهوديًا بأن ما سيحصلون عليه من معلومات مدفونة تحت هذه الأراضى سيساعدهم فى تحقيق حلمهم الزائف (فانقلب السحر على الساحر) إذ جاءت كافة المعلومات تؤيد ما جاء فى آيات القرآن الكريم وتصحح ما جاء فى التوراة الذى هو بين أيدى الناس الآن، كما أن هذه المعلومات الإلهية هى تأييد ما جاء فى قصة يوسف عن موقع مصر التى دخلها إبراهيم وبيع فيها يوسف وولد وعاش فيها موسى عليه السلام(40)».

ثم نقل عن صاحب المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام (41)، قوله: «إن موقع مصر (إبراهيم ويوسف وموسى، أشار إليه كل من العالمين أشرادى ونكلر اللذين قالا: قد أثارت معنى مصرن) (معين مصران) جدلاً شديدًا بين العلماء ولا سيما علماء التوراة، فذهب بعضهم إلى أن مصر (مصرايم) الواردة فى التوراة ليست مصر المعروفة التى يرويها نهر النيل بل أريد بها (معين مصران) وهو موقع تمثله معان فى الأردن فى الزمن الحاضر، وأن لفظة (برعو) التى ترد فى التوارة أيضًا والتى تقابلها لفظة فرعون فى عربيتنا لم يرد بها فراعنة مصر بل حكام (معين مصران).. وأن القصص الواردة فى التوراة عن فرعون هو قصص يخص هذه المقاطعة العربية وملكها العربى، فقالت هذه الجمهرة: إن ما ورد فى النصوص الآشورية لا يعنى أيضًا مصر الفرعونية بل مصر العربية (42)، وربما هذا يذكرنا بالغاية من سرقة هذه النقوش من المتحف العراقى بعد الغزو الأمريكى له(43). بالإضافة إلى أن التوراة لم تكتب باللغة الهيروغليفية وإنما كتبت بكتابة عرفتها شعوب الجزيرة العربية (44).

دور نبى الله شعيب(45) ونصائحه لقومه أهل مدين بالكسب المشروع :

يمثل نبى الله شعيب امتداد سلسلة الأنبياء السابقين الذين جاءوا حاملين لواء التوحيد فى يد والعمران والحضارة فى اليد الأخرى، حيث أتى فى مرحلة تحول الإنسان فى مجتمعه إلى صورة بشعة فضاعت إنسانيته وانتزعت الرحمة من قلبه وتحول المجتمع إلى غابة يأكل القوى فيها الضعيف، وحين تشوه الصورة الإنسانية بهذه الدرجة نتيجة التكالب المادى على متع الحياة يبعث الله الأنبياء فى محاولة لتصحيح هذا الاعوجاج والانحراف عن الفطرة السليمة، وحين يتأبى الإنسان على الطاعة ويستكبر ويصر على العصيان، يكون العقاب الإلهى هو الحل الأمثل لتطهير البشرية من هذا النوع من البشر، ليستخلفهم أناسًا هم أجدر بالعيش والعمران، وهذه سنة الله فى الأرض، وهذا ما حدث مع نبى الله شعيب.

موقع مدين:

أهل مدين قوم عرب يسكنون (مدين) التى هى قرية من أرض معان من أطراف الشام مما يلى ناحية الحجاز، قريبًا من بحيرة لوط، وكانوا بعدهم بمدة قريبة(46). فقوله تعالى: ( وماقوم لوط منكم ببعيد ) [هود: 98] قيل معناه فى الزمان.. وقيل معناه وما هم منكم ببعيد فى المحلة والمكان، وقيل فى الصفات والأفعال المستقبحات، من قطع الطريق وأخذ أموال الناس جهرة وخفية، بأنواع الحيل والشبهات والجمع بين هذه الأقوال ممكن (47).

والغش قد أهلك أمة كما قال الشيخ الشعراوى عن داء قوم شعيب الذين استحقوا بسببه الهلاك فذكر قوله تعالى: ( أوفوا الكيل ولاتكونوا من المخسررين . وزنوا بالقسطاس المستقيم . ولاتبخسوا الناس أشياءهم ولاتعثوا في الأرض مفسدين ) [الشعراء: 181 - 183] فالآيات تنهى عن النقص فى الكيل والميزان عند البيع والشراء... وكل شىء ينقص بالأخذ منه أو بالتصرف فيه عن غير رأى وإذن صاحبه، كل ذلك يسمى بخسًا للشىء(48)، وفى قوله تعالى عن شعيب ونصحه لقومه: ( وياقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولاتبخسوا الناس أشياءهم ولاتعثوا في الأرض مفسدين . بقيت الله خير لكم ان كنتم مؤمنين وماأنا عليكم بحفيظ ) [هود: 85، 86].

يقول الشيخ الشعراوى: الله سبحانه وتعالى قد حدد حركة الحياة التى تفسد فى الأرض، فلو أنه أباح الربا مثلاً لازداد الغنى غنى وازداد الفقير فقرًا، وهذا ما نراه فى عالمنا اليوم.. فالغنى الفاحش والفقر المدقع الذى يخل بميزان الحياة وتنشأ عنه الحوادث والكوارث والإرهاب والعداء المستحكم بين الشعوب والأفراد، ولذلك قيد الله حركة المال هنا، كذلك تقييد حركة المال فى الميزان حتى لا ينتشر الفساد فى المجتمع.. فقوانين الله سبحانه وتعالى فى حكم المال وحركته فى الحياة هى لصالح البشر، وكان يجب عليهم أن يطالبوا بها (49). وعلى هذا فنبى الله شعيب كان مصلحًا اقتصاديًا من الطراز الأول لما يؤدى إليه الإخلال بمبدأ العدل وإشاعة الظلم إلى انهيار بنيان المجتمعات التى أراد الله بها أن تؤسس على التقوى، وإشاعة المحبة والتأليف بين أفراد المجتمع، وهذا ما خلا منه قوم شعيب، فقوله تعالى : ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) [الأعراف:86] أنهم كانوا يأخذون العشور من أموال المارة وكانوا أول من سن ذلك ويتوعدون الناس ويخيفون السبل(50)، فكانوا يقطعون الطريق على القوافل التجارية الذاهبة والآيبة بين شمال الجزيرة وجنوبها، ويفرضون عليها ما يشاءون من المعاملات الجائرة مع أنه لم تكن هناك دواع اقتصادية تدفعهم إلى هذا الجور، والنهب والإغارة والحرابة التى مارسوها بحكم موقع بلادهم الجغرافى(51).

ويحاول شعيب أن يحرك ويوقظ الوجدان الإنسانى والإيمان الفطرى لقومه دون جدوى، فيقول: ( بقيت الله خير لكم ان كنتم مؤمنين ) [هود: 68]، وهكذا عندما تفرغ النفوس من العقيدة الصحيحة والقيم الروحية الرفيعة.. فتأتى لحظة المفاصلة ونقطة المفارقة ويسدل الستار على حياة تلك الأمة الضالة لتصير جزءًا من التاريخ، قال تعالى: ( ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين . كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ) [هود: 94، 95]، وهكذا رفع الستار على مصرع القوم وهم جثث هامدة وطويت صفحة من صفحات تاريخ الأمم الضالة المنحرفة والحضارات المادية الظالمة(52).

ذو القرنين والتمكين فى الأرض:

كما مكن الله سبحانه ليوسف عليه السلام، فنشر الرخاء والعدل والإيمان والحضارة فى ربوع موطنه، كذلك مكن لذى القرنين، فما من أرض يطأها حتى تكون مولدًا للحضارة والتى يضع أسسها من الأمن وعبادة الله ومحاربة الفساد والمفسدين. ولقد تذكر الكثير من الروايات، بأنه أسلم على يدى إبراهيم الخليل وطاف معه بالكعبة المكرمة هو وإسماعيل عليه السلام»(53)، واختلفت الروايات بين كونه نبى أوعبد صالح فتح البلاد ونشر فيها التوحيد، وكان الخضر وزيره ويوضح ذلك قوله تعالى: ( ان مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شئ سببا فأتبع سببا . حتي اذا بلغ مغرب الشمس ..) [الكهف: 84- 86]، وآتيناه علمًا ووسعنا مملكته فى البلاد وأعطيناه من آلات المملكة ما يستعين به على تحصيل ما يحاوله من المهمات العظيمة والمقاصد الجسيمة، فانتهى فى الأرض بفتوحات إلى حيث لا يمكن أحد أن يجاوزه (54)، وأعماله الجليلة من الكثرة التى لا تحصى.

ويسجل القرآن صفحات مشرقة فى سيرة ذو القرنين كرجل من رجال العلم والتمكين والحاكم النموذجى والقائد القدوة الذى قمع يأجوج ومأجوج المفسدين فى الأرض والذى كانوا يهاجمون القوم ويغيرون عليهم فعرضوا على ذى القرنين أن يقيم لهم سدًا مانعًا فى وجوههم مقابل خراج من المال هو أجر علمه، فتطوع بعمله دون مقابل قائلاً: ( مامكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما ){ [الكهف: 95]، فيسر الله أسباب الحكم والعمران والرزق وأعلن دستور حكمه العادل فى القوم الذين وجدهم عند عين حمئة(55)، قال تعالى: ( أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد الي ربه فيعذبه عذابا نكرا . وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاءا الحسني وسنقول له من أمرنا يسرا ) [الكهف: 87، 88].

وكان ذو القرنين من الذين قال الله فيهم : ( الذين ان مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) [الحج: 41]، قال القاسمى: فى الآية تأكيد لما وعد الله من إظهار أهل الحق وإعلاء كلمتهم(56). فالاستخلاف وعد من وعود الله التى لا تتخلف للذين آمنوا وعملوا الصالحات فى كل عصر، والإيمان والعمل الصالح من سنن الاستخلاف هو القدرة على عمارة الأرض والإصلاح فيها... أما الذين يملكون الأرض ليفسدوا فيها.. وينشرون البغى والجور والرعب فينحدرون بتلك الأمم التى تولوا عليها إلى مدارك الغبن والضنك ويسوقونها إلى مهاوى الهلاك والدمار، فهؤلاء ليسوا مستخلفين فى الأرض وفق السنن التى ارتضاها الله لعباده فى الاستخلاف وهؤلاء الناس المستخلفون هم البلايا على هذه المجتمعات التى سلطوا عليها(57).

وبناءً على ما سبق يتضح لنا أن عوامل قيام الحضارة فى أى بقعة من الأرض لابد لها من عوامل أهمها الإيمان والعلم والعمل والقوة والعزيمة الصادقة وثقة فى الله بأن النصر للحق، وهى تلك الصفات التى يجب أن تتحلى بها الصفوة لتبثها إلى أفراد المجتمع فينشر الأمن ويعم الرخاء، وكان ذلك واضحًا جليا فى عمل يوسف وذى القرنين، وهذه سنة الله التى لا تتبدل لنهضة أى مجتمع إنسانى عبر التاريخ.

عوامل انهيار حضارة قوم لوط عليه السلام

كان نبى الله لوط ابن أخ سيدنا إبراهيم، وقد هاجرا معًا إلى الأرض المباركة(58) (مكة) اعتزالا لقومهم بعد التهديد الذى وجه لإبراهيم عليه السلام والذى يؤكده قوله تعالى: ( وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين . ونجيناه ولوطا الي الأرض التي باركنا فيها للعالمين ) [الأنبياء: 70، 71]، وهناك إشارات فى القرآن توضح أن مكان لوط عليه السلام كان قريبًا جدًا من مكة حيث موطن إبراهيم عليه السلام، فقوله تعالى: ( وان لوطا لمن المرسلين . اذ نجيناه وأهله أجمعين . الا عجوزا في الغابرين . ثم دمرنا الآخرين . وانكم لتمرون عليهم مصبحين . وبالليل أفلا تعقلون ) [الصافات: 133 - 138] وهذا الخطاب موجه لأهل مكة(59). ويقول ابن كثير إنه نزل بمدينة سدوم وكان أم تلك المحلة، ولها أرض، وقرى مضافة إليها(60)، بالإضافة إلى حديث القرآن عن لوط وقومه يأتى إبراهيم عليه السلام، وذلك لمعاصرته ومجاورته له ولرابطة القرابة(61).

ونستطيع من خلال ما ذكره ابن كثير من أنه نزل بمدينة وبإشارة القرآن إلى ذلك فى قوله تعالى عن ضيوف لوط من الملائكة، الذين جاءوا بالعذاب لقومه: ( وجاء أهل المدينة يستبشرون . قال ان هؤلاء ضيفي فلا تفضحون ) [الحجر: 68، 69]، فمصطلح المدينة دليل على الرقى الحضارى الذى نعموا به والمدن والقرى ترادف الحضارة والحضر، وهى خلاف البادية ومفهوم الحضارة من خلال اللغة العربية تعنى الإقامة والاستمرار فى المدن والقرى(62)، ولا شك أن المدينة أعلى درجات من القرية، وكون القرآن يصرح بهذا المصطلح فى سياق الحديث عن قوم لوط لدليل على علو المنزلة الحضارية التى اعتلوها وتضاهى ما سبق أن ذكره القرآن من حضارات إن لم تعل عليها وكانت تنعت بالقرى.

ومقياس الحضارة هو طاعة الله فى النفس والمجتمع، وهى سيادة القانون الإلهى فى حياة الناس، ومن هنا تتركز دعوة الأنبياء على تقوى الله وطاعة رسوله، مرة فى مسألة اقتصادية كقوم شعيب ومرة فى مسألة اجتماعية كقوم لوط، وأخرى عقيدية كقوم نوح(63)..، وهذه الأقوام السابقة جرت عليها سنة الله فى الهلاك، لإصرارها على العصيان ومنهم قوم لوط، وقد بينت آيات القرآن الأسباب المباشرة لهلاكهم مثل قوله تعالى: ( ولوطا اذ قال لقومه أتأتون بفاحشة ماسبقكم بها من أحد من العالمين . انكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون وما كان جواب قومه الا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم انهم أناس يتطهرون . فأنجيناه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين . وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ) [الأعراف: 80 - 84]، وقوله تعالى: ( أتأتون الذكران من العالمين . وتذرون ماخلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون . قالوا لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين ) [الشعراء: 165 - 167]، وقوله سبحانه: ( كذّبت قوم لوط بالنذر . انا أرسلنا عليهم حاصبا الا آل لوط نجيناهم بسحر . نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر . ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر . ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر . فذوقوا عذابي ونذر ) [القمر: 33 - 39].

فلوط عليه السلام لما دعاهم إلى عبادة الله وحده ونهاهم عن الفاحشة الكبرى التى لم يسبق إليها أحد من الدنيا، وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق، ويخونون الرفيق، ويأتون فى ناديهم المنكر، وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم المنكر من الأقوال والأفعال على اختلاف أصنافه وقالوا له ( ائتنا بعذاب الله ان كنت من الصادقين ) [العنكبوت: 29]، فحق عليهم الهلاك(64). والذهاب بمجدهم وعزهم، ولقد كانت قديمًا أرض الشرق بساتين حضارية وجنات فى التمدن والعمران، ولكن أهلكها الفساد ودمرها الظلم والبغى فى الأرض وكثرة الفواحش والعصيان(65).

إذًا فمن أسباب الهلاك والسخط، ظهور المعاصى وانتشار الفواحش فى المجتمعات مع الجهر بها، ولعل من أكبر الأمم التى ولغت فى الفاحشة ومارستها أبشع ممارسة جهارًا نهارًا فكتب عليها الهلاك والدمار بسببها، قوم لوط، والذين كانوا يرون فى أنفسهم استقامة وفى سلوك غيرهم انحرافًا ويسعون لإخراج غيرهم من قريتهم، حيث قال تعالى عن جواب قوم لوط عليه السلام لما دعاهم إلى ترك الفاحشة: ( وماكان جواب قومه الا أن قالوا أخخرجوهم من قريتكم انهم أناس يتطهرون ) [الأعراف: 82]، ونظرًا لقذارة التصرف وشذوذ الفعلة فقد جاء أمر الله سريعًا(66)، قال تعالى: ( فأنجيناه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين . وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ) [الأعراف: 83- 84].

وهلك قوم لوط كما أهلكت قرى سابقة لها مثل قوم نوح وعاد وثمود بأنواع شتى من العذاب، والقرآن فى الواقع يشير بهذه المصائر إلى قانون اجتماعى عظيم، هو تطور المجتمعات الإنسانية وسقوط جماعات لتخلفها جماعات أصلح منها. إن فناء الجامعات الفاسدة ليقوم على أطلالها أجيال أصلح منها، وهى قاعدة واضحة جدًا فى القرآن، وهذه الفكرة الموضوعية من الأفكار القيمة التى يبرزها القرآن.. فكل الأمم سواء فى القرآن، إذا صلحت كتب لها البقاء، وإذا فسدت قدر عليها الفناء، ولا نجد فى القرآن ما نجده فى التوراة مثلاً من إيثار الله عز وجل لشعب مختار فوق كل الشعوب(67).

فالله عز وجل لا يزيل ما بقوم من العافية والنعمة والرخاء والهناء ويبدلها بالآلام والأمراض والنوازل والفتن والأحداث وغيرها من ضروب العقاب الربانى، حتى يزيلوا هم ويغيروا فيجحدون بالنعمة ويعلنون الكفر والمعاصى ويتمردون على سنن الله فى إسعاد البشر ويتظاهرون بالفحش والمنكر والفساد، فتكون النتيجة أن تحل بهم قوارع الدهر وينزل بساحتهم عذاب من الله»(68)، ومنها ما حدث لقوم لوط ودمار موطنهم فقال تعالى: ( فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ) [الحجر: 74].

ولهذا كانت قصة لوط، صورة ونموذجًا للإنسانية عبر التاريخ، توضح سنة الله فى القوم المفسدين المنحرفين وتأكيدًا لقوله تعالى: ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ) [الشورى: 30]، وقوله تعالى: ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) { [الروم: 41]، فالله سبحانه وتعالى برحمته حتى بالعاصين على عظم ذنوبهم وكفرهم، يرسل لهم الأنبياء كطوق نجاة، لهم وحين لا يبقى أمل فى رجوعهم إلى السلوك الحسن والعقيدة الصحيحة، ويصرون على العصيان، لا مفر حينذاك من العقاب، ليكونوا عبرة لمن عاصرهم ولمن بعدهم فى السير على الطريق المستقيم والنهى عن وأد ومحاربة القيم الإنسانية العظيمة التى تنشر المحبة والود والتعاطف والطهارة والنقاء فى المجتمعات، فتؤسس الحضارات حينئذ على أسس متينة وسليمة، وهذا ما وجدناه فى هذه الحضارة العربية القديمة، حيث بلغت قمة فى الازدهار جعلت فرعون فى مرحلة لاحقة من تاريخها يطغى ويتكبر مدعيًا الألوهية، فتدرك الرحمة الالهية الإنسانية بعد شدة ابتلاء ومعاناة على قسوته ، بإرسال موسى عليه السلام نبيًا.

مراجع المبحث
1- نهاية التاريخ في الفكر الاسلامي الحديث ، ص99
2- الحضارة الاسلامية مقارنة بالحضارة الغربية : توفيق الراعي ، ص 335
3- المرجع السابق ، ص 336
4- الحضارات السامية ، ص 94 ، 95
5- يقول محمود شاكر ان الكتابات المكتشفة في جبيل ورأس الشمرة تمثل نماذج من الحروف التي كتبت فيها أغلب لغات العالم القديم وتظهر زيف اليهود وافتراءاتهم وخصوصا كتاب التوراة حيث أدت هذه الاكتشافات الي معرفة العالم بآداب وحضارات الكنعانيين وأن أكثر أقوال الحكمة والأمثال والمزامير مما ورد في سفر التكوين وسفر الأنبياء هي في الحقيقة مآثر كنعانية سرقها اليهود ونسبوها الي أنفسهم ، المرجع السابق ن ص 243
6- موسوعة الحضارات ، ص 242
7- هذه الحضارة العربية كان من أوائل نتائجها اكتشاف الكتابة بالحروف العربية ونقلها العرب الي جزيرة قبرص التركية وكريت كما ظهرت في الأوابد المكتشفة في تلك المناطق والي بلاد اليونانيين الذين طوروها الي الكتابة اللاتينية التي يكتب بها الآن معظم العالم المتحضر ومع مرور الزمن تفرعت عنها الكتابة ( الانجليزية والفرنسية والروسية والايرانية والهندية ) المرجع السابق ص 119 : 206 وللباحث د . علي سكيف اجتهاد في مجال تخصصه لاثبات ذلك ينظر الي الصفحات السابقة
8- نهاية التاريخ في الفكر الاسلامي ص 201 ، 184 بتصرف
9- نفس المرجع السابق والصفحة
10- المرجع السابق ص 202
11- رواه السيوطي في الجامع الصغير ( 2581 ) وقال الألباني صحيح ، قصص الأنبياء بن كثير ، ص 182
12- تاريخ الحضارة الانسانية : د . محمد خوسيان ، د محمد عبد الكريم ، د . عصام مصطفي ص 98، 99 الأردن
13- اختطاف جغرافيا الأنبياء : سلسلة عندما نطق السراة ص 516 ، 517
14- الفاكهي : أخبار مكة ج2 ، ص 267
15- الأصفهاني : حلية الأولياء ج3 / 218
16- ابن حجر : تلخيص الحبير ج7 / ص 275
17- العلامة الحلي ، ج2 / 960
18- حسن صاحب المعالم ، منتقي الجمان ، ج3/ 250
19- الأزرقي : أخبار مكة ، ج1 / 282
20 وهي تعني بالسريانية بيت الله وهكذا نقل الطبري ، ايل : الله بالعبرانية ( جامع البيان للطبري ج1/355 )
21- المزيد ينظر الي جغرافيا الأنبياء ، ص 316 : 321
22- نهاية التاريخ في الفكر الاسلامي ص 204 ، 205
23- المرجع السابق ص 205 ومابعدها
24- الحضارة الاسلامية مقارنة بالحضارة الغربية ، ص 336
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
من حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم على أمته ماجد العطاوي منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 11-02-2013 01:58 PM
سيرة مختصرة للشفيع وصاحب الحوض بأبي هو وأمي الجارف منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 15-02-2012 02:16 AM
فتاوى تفيد الصائمين هبّة ريح منتدى العلوم والتكنولوجيا 6 14-07-2011 04:54 PM
أريـد أن أتـوب ولكـن ؟ لمحمد صالح النجد " الكتاب كاملاً " نعيم الزايدي منتدى العلوم والتكنولوجيا 2 09-04-2011 09:53 PM
الأجور المضاعفة في الميزان : @عبد الله@ منتدى العلوم والتكنولوجيا 3 03-04-2011 11:25 PM


الساعة الآن 09:56 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com