عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > منتديات الشؤون السياسية > منتدى العلوم السياسية والشؤون الأمنية

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع
  #76  
قديم 15-09-2007, 01:54 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي




وفى مسند ابن حنبل حديث مرفوع: "عليك ببيت المقدس فلعله إن ينشأ لك ذرية يفدون إلى ذلك المسجد ويروحون".(28)
وإذا كان الإسلام سندا لعروبة القدس فمرد ذلك أنه دين وحضارة. ويظل تراث الإسلام فيه أساسيات وإضافات إلى الحضارة العالمية في كل زمان ومكان، وهذه الأساسيات والإضافات هى في فن العمارة، والفنون الزخرفية والتصوير، والأدب، وعلم الكلام، والتصوف، والقانون، والدولة، والفكر السياسي، والعلوم الطبيعية، والطب، والرياضيات والفلك، والبصريات، والموسيقى. (29) وهذا ظهرت آثاره الملموسة في أمهات المدن في العالم الإسلامي ومنها القدس، ولقد ظلت الصخرة المشرفة في القدس لها تميز وتفرد في هندسة العمارة عالميا حتى الآن . وكان المسجد الأقصى مركز علم في القرون الوسطي في العالم الإسلامي ولا غرابة في ذلك للأسباب التالية:
1- لصفة القداسة فيه. قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾.(30)
2- لأنه من المساجد التي تشد إليها الرحال، ويشمل ذلك بالطبع رحال العلماء والطلبة.
3- لازدهار المدينة بعد إنقاذها من الصليبيين منذ العهد الأيوبى خاصة زمن المماليك.
4- كان في القدس أوقاف كثيرة تدر على العلماء والطلبة أرزاقا.
5- كثرة عدد المدارس والزوايا التي خصص أكثرها لتعليم الصغار والكبار.
6- أورد ابن القدس مجر الدين العليمى الحنبلى معلومات عن أكثر من أربعمائة من أعلام القدس حتى القرن العاشر الهجرى ما بين عالم وقاض وقطب وفقيه ممن عرفوا في القدس في هذه الحقبة. (31)
7- وكانت المواد الدراسية منحصرة في العلوم الشرعية (التفسير والحديث والفرائض والقراءات وأصول الفقه) (32) ، والعلوم اللغوية مثل البيان والأدب والصرف والنحو. (33)
وكانت المدارس تنتشر داخل المسجد وخارجه في جميع أرجاء المدينة، وكانت كل مدرسة تلتزم بتدريس الدين حسب مذهب واحد شافعي أو حنفي أو مالكي أو حنبلي فلا تجمع بينها. وكان الشيوخ أو المعلمون لهم احترامهم الكبير في مجتمع المدينة إلى الحد الذي كان يعين كثير منهم بموجب أمر سلطاني. وإذا أتقن الطالب علما أجازه الشيخ. (34)
ونحن سنجد مصدرا آخر لعروبة القدس يسير جنبا إلى جنب مع مصدر النشأة ومصدر الإسلام وهو جذور قبائل وعشائر القدس.

ثالثا: مصادر من جذور قبائل وعشائر القدس
تخضع فلسطين إلى كل معايير الحياة القبلية العربية بجذورها المتأصلة على أرضها المقدسة بوصفها من قواعد العرب البائدة والعاربة والمستعربة؛ فقد كان فيها من العرب البائدة عماليق الكنعانيين. (35)
وفيها من العرب العاربة(36) بطون من (طئ وكهلان) في مناطق القدس ويافا والخليل وغيرها، كما أن فيها من البطون اليمنية أيضا عرب ابن عبيد في القدس وفيما بين القدس والبحر الميت وفى بقاع أخرى. (37)
وفيها من العرب المستعربة(38) – عرب الشمال أو العدنانيون – عرب الترابيين في النقب، وبين الخليل والنقب وفى النقب، وعرب السعيديين في شمالي وادى عربة وفى بقاع أخرى. (39)
هذه القبائل التي ذكرنا بتفريعاتها أقامت أغلب القرى والخرب والنواحى بفلسطين، وهى قد مرت بمراحل البداوة الثلاث: بدأت عربا رحلا، فعربا شبه رحل، فعربا متوطنة توطينا كليا. ومن هنا فإنها حملت معها أسماء المواقع من القرى والخرب والنواحى التي أثرت فيها أو تأثرت بها في حلها وترحالها من مكان إلى مكان داخل فلسطين، ومن ذلك منطقة القدس وديارها، وهذا يفسر تكرار أسماء الأماكن في أنحاء كثيرة من البلاد، تحملها معها هذه القبائل. وعلى سبيل الأمثلة لا الحصر نجد على خريطة فلسطين (ساريس) (40) قرية للغرب من القدس و (سيريس) قرية من قرى (جنين)، ونجد الجورة قرية من الجنوب الغربى من القدس
و(الجورة) إلى الغرب من (مجدل عسقلان) في جنوبى فلسطين. ونجد (عطارة) إلى الشمال من القدس، وعطارة قرية من أعمال (جنين) وهكذا.
فإذا انتقلنا من إطار الداخل في فلسطين إلى إطار العمق الواسع في شبه الجزيرة العربية، وتأملنا الخريطة الجغرافية الواسعة نجد مثلا (بتير) قرية للجنوب الغربى من القدس و(بتير) من أعمال المتن في لبنان. و (بتير) من قرى الكرك في الأردن. ونجد (الولجة) قرية في الجنوب الغربى من القدس و (الولجة) بأرض العراق. ونجد (عقور) قرية في الجهة الغربية من القدس، و (العقير) على ساحل الخليج العربى وهكذا...
وهكذا فإننا في دائرة أوسع من دائرة فلسطين في أقاليم شبه الجزيرة العربية كلها، وربما العالم العربى كله، سنجد أننا مدفوعون إلى الحرص كل الحرص على فهم السياق عند مرورنا بأسماء الأماكن في كتب التراث، بما في ذلك دوواين الشعر، لتحديد الموقع الحقيقى للمكان الوارد في نص من النصوص.
وعلى سبيل المثال، فإننا عند دراستنا لكتاب (الأصمعيات) – اختيار الأصمعى أبى سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك – وهو من دواوين الشعر الجاهلى، نعثر على قول الشاعر خفاف بن ندبة:
طرقت أسيماء الرحال ودوننا = من فيد غيقة ساعد فكثيب
فالطود فالملكات أصبح دونها = ففراع قدس فعمقها محسوب

نجد أن السياق في الكلمات: فيد، وغيقة، وساعد، كثيب، والطود، والملكات، وقدس، وعمق، يدلل على أنها جميعا أسماء أماكن في بيئة الشاعر وأن (قدس) هنا ليست صاحبة الأقصى بفلسطين. (41)
وفى كتاب (المفضليات) للمفضل بن محمد بن يعلى الضبى، وهو من دواوين الشعر الجاهلى، يقول الشاعر عبد الله بن سلمة الغامدى في صدر قصيدة له:
لمن الديار بتولع فيبوس = فبياض ريطة غير ذات أنيس

وهنا نجد السياق، كما نجد معلوماتنا عن الشاعر وأرضه وقومه، تدلل كلها، على أن (تولع) و (يبوس) و (بياض ريطة)، إنما هى مواضع بأرض (شنوءة)، وذلك بعيدا عن التوهم بأن (بيوس) هنا هى الاسم القديم لإيلياء (بيت المقدس). (42)
ونحن هنا تأكيدا لعروبة القدس نضع ثبتا بجدول عن قبائل وشعائر القدس وعائلاتها التي تقترب من أن تكون بطونا، وذلك تثبتا لامتدادات الجذور العربية في هذه القبائل والعشائر والبطون.
جدول امتدادات الجذور العربية في قبائل وعشائر القدس
القبيلة أو العشيرة أو العائلة وتواجدها الأصول العربية المرجع أو المصدر
قبائل قضاعة وغفار وجذام ومراد والأزد في بر الشام أسهمت في فتوحات 637م للشام وانتشرت في ربوعها د. إبراهيم الشريقى، أورشليم وأرض كنعان، عمان
الضجاعمة، في منقطة الغور وبعض مرتفعات القدس أحد فروع قضاعة الحميرية مصطفى الدباغ، القبائل العربية وسلائلها في بلادنا فلسطين، 1986.
بنو زيد وبنو جعفر بن أبى طالب بمنطقة رام الله، وبنو زيد في حارة بنى زيد في القدس القديمة. الهاشميون المرجع السابق.
بنو فيض في القدس بنو صخر المرجع السابق
جذام في جبال القدس والخليل كهلان المرجع السابق.
البراغشة بجبل القدس وناحية بنى زيد المرجع السابق
آل أبى غوش بجبل القدس أحمد سامح الخالدى، أهل العلم والحكم في ريف فلسطين، عمان، 1968، ص 178.
عرب العرينات بمنطقة الأغوار من بطون عرينة من بجيلة بن كهلان بى قحطان. خريطة قرية أراضى العوجا، عمان، 1946
عرب ابن عبيد حول دير مارسابا إلى الجنوب الشرقى من القدس وإلى الشرق من بيت لحم وحتى البحر من القبائل القحطانية خليل طوطح وحبيب خورى، جغرافية فلسطين، القدس، 1933، ص 117.
آل عريقات بقرية (أبو ديس) من قرى القدس من اليمنية مصطفى الدباغ، بلادنا فلسطين، ج8، ق2، ص 148، مرجع سابق.
عرب الرشايدة إلى الجنوب الشرقى من بيت لحم قبيلة شمر النجدية عمر رضا كحالة، معجم قبائل العرب، محمد الجاسر، معجم قبائل المملكة العربية السعودية.
عرب السواحرة من الجبهة الجنوبية الشرقية لمدينة القدس وحتى ضفاف البحر الميت. أغلبهم من بنى عقبة الجذاميين. الدباغ، بلادنا فلسطين، ج8، ق2، ص 501، مرجع سابق.
عرب السمنة من البريدات والجدعان قرب قرية الكرامة من بنى أسد خريطة فلسطين، الأمم المتحدة، سنة 1946.
قبائل نجدية وحجازية بقرية سلوان من قرى القدس الدباغ، بلادنا فلسطين، ج 8، ق2، ص 155، مرجع سابق.
بنو مرة بقرية بدو من قرى القدس الدباغ، بلادنا فلسطين، ج8، ق2، مرجع سابق.
التعامرة في القدس وضواحى بيت لحم أحمد سامح الخالدى، مرجع سابق، ص 99.
العبايدة بقرية بيت محسير من قرى القدس عثمان محمود صالح، بيت محسير، عمان، الأردن، 1989، ص 57-58.
بنو جماعة في القدس مجير الدين الحنبلى، الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، مكتبة المحتسب، عمان، 1973، ج2، ص ص 139، 151، 190.
بنوالديرى في القدس المصدر نفسه، ج2، ص 222، 224.
بنو زيد في القدس المصدر نفسه، ج2، ص 324.
بنو الشرف في القدس المصدر نفسه، ج2، ص 52.
بنو غانم في القدس المصدر نفسه، ج2، ص ص 30، 54، 187، 204، 267.
عرب جرم – القدس. المصدر نفسه، ج2، ص ص 346، 347، 370، 375.
بنو أبى الوفا – القدس. وتنتسب إليهم الزاوية الوفائية بالقدس القديمة المصدر نفسه، ج2، ص 37.
الخالدى بالقدس. بنو مخزوم مصطفى الدباغ، القبائل العربية وسلائلها، مرجع سابق، ص 223.
نسيبة بالقدس بنو مازن بن النجار من الخزرج المرجع نفسه، ص 161
الحسينى بالقدس جدهم تقى الدين أبو الوفا الحسينى الولود 799هـ. الأنس الجليل، مرجع سابق، ج2، ص ص 185، 186.
أبو السعود بالقدس في الخانقاه الفخرية المجاورة لحارة المغاربة عبد الوهاب الكيالى، تاريخ فلسطين الحديث، ص 107.
تفاحة بالقدس ونابلس حينيون هاشميون إحسان النمر، تاريخ جبل نابلس والبلقاء، دمشق، 1938، ج2، ص 24.

رابعا: أماكن وأعلام حملت بصمات عربية
وقد حملت القدس بأماكنها وأعلامها بصمات عربية وهذا ما يلاحظه كل زائر للقدس ومعالمها المقدسة.
وهناك مئات من أسماء الأماكن والأعلام العربية في القدس، فمن الأماكن التي تحمل أسماء عربية نذكر عل سبيل الأمثلة لا الحصر: المسجد الأقصى الذي باركه الله، ومسجد عمر، وقبة المعراج بالأقصى،(43) ومحراب للنبي صلى الله عليه وسلم بالأقصى أيضا،(44) وحائط البراق (45) ومحل البراق(46) وهى معالم مرتبطة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدم نبي الله إدريس عليه السلام (47) وهو في الجبهة الشرقية من الصخرة المشرفة وليس عليه قبة ولا شيء من ذلك.
كذلك نحن نمر على جامع بنى حسن(48) وحارة بنى زيد(49)، وحارة بنى مرة(50) ومئذنة الغوانمة(51) وباب الغوانمة(52) ومسجد عمر وغيرها.
ومن الأعمال التي تحمل بصمات العروبة في القدس نذكر على سبيل الأمثلة لا الحصر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين توفوا بالقدس ومنهم عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وأبو أبى بن أم خزام، وذو الأصابع، وأبو محمد النجارى، ووائل بن الأسقع، وغيرهم. (53)
ومنهم محمود بن ربيع أبو نعيم(54) الذي نزل ببيت المقدس وصفية بنت حينى قدمت بيت المقدس وصلت فيه(55) وصعدت (طور ريتا) وصلت فيه، ويعلى بن شداد بن أوس، وهو في الطبقة الثانية من التابعين حضر فتح بيت المقدس على يد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه،(56) وأبو نعيم أول من أذن ببيت المقدس،(57) وأبو الزبير المؤذن. (58)
ومنهم من رواة الحديث خالد بن معوان الكلاعى(59) وكان يسبح في النهار أربعين ألف تسبيحة وهو في القدس، وعبد الرحمن بن تميم الأشعرى(60) وقد روى الحديث عنه ممطور ومكحول، ورجاء بن حيوة(61)، وزيادة بن أبى سودة،(62) ووكيع بن الجراح،(63) وغبراهيم بن يوسف الغربانى،(64) وعباد بن عباد، (65) وكلهم نزلوا في القدس.
ونزل القدس من الخلفاء : عبد الملك بن مروان،(66) وعمر بن عبد العزيز،(67) وسليمان بن عبد الملك،(68) والوليد بن عبد الملك،(69) والمهدى بن المنصور،(70) وأبو جعفر المنصور. (70) ومن القادة المسلك الناصر صلاح الدين الأيوبي(71) وغيرهم.
ومن الذين مارسوا السياحة الصوفية في القدس من المتصوفين والزهاد نذكر أم الدرداء كانت تأتى من دمشق إلى بيت المقدس وتجالس المساكين وتقيم ببيت المقدس نصف سنة،(72) وعبد الله بن محريز، وهانى بن كلثوم، وقبيصة بنت ذويب(73) كانوا يأتون من الرملة إلى القدس للصلاة في الأقصى. ومحمد بن واسع وهو ثقة زاهد من أهل البصرة من الأزد أقام فترة في بيت المقدس،(74) وكانت الطرق تجمعه مع مالك بن دينار، وعبد الواحد بن يزيد، ويسيرون إلى بيت المقدس ويتفقون على الجهاد في أى مكان يمارس فيه الجهاد كفرض على المسلمين، ورابعة بنت إسماعيل العدوية،(75) وأبو عبد الله محمد بن محمد خفيف،(76) وأبو الحسن على بن محمد الجلا البغدادى،(77) والمغلس السفطى،(78) وذو النون المصرى (أبو الفيض)، (79) وعبد الله بن عامر العامرى. (80)
ومن الذين ارتحلوا أو أقاموا في القدس من كبار الأئمة أبو حامد محمد الغزالي حجة الإسلام الطوسى. (81) وقدم إلى القدس الإمام محمد بن إدريس الشافعي وصلى في مسجدها. (82) والإمام العالم الزاهد الورع سفيان الثوري(83) كان يأتى الأقصى فيصلى بموضع الجماعة، والليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمى،(84) قدم بيت المقدس ومات بمصر، وغيرهم.
وعلينا هنا أن نعزز القول بأن الذاكرتين العربية والإسلامية تدركان معا أن الصفة العربية ليست قاصرة على القدس الشرقية، ولكنها تمتد إلى القدس الغربية أيضا كما تمتد إلى سائر الديار المقدسية. وصفة القدسية كما هو حول المسجد ليست قاصرة على الشرق دون الغرب ودون سائر الجهات من القدس الشريف، وأن هناك أحياء عربية في القدس الغربية تعيها ولن تنساها الذاكرة العربية والذاكرة الإسلامية مثل: المصرارة، والقطمون، والطالبية، ولاشيخ بدر، ومأمن الله (ماميلا)، والبقعة الفوقا، والبقعا التحتا، والنبى داود، وشنلر، والطودى، وغيرها. وهذه الأحياء العربية كلها – وهى نواة القدس الغربية – إنما هى أحياء عربية صميمة، وأكثر من تسعين في المائة من العقار فيها جميعا كان مسجلا باسم مالكيه المقدسيين العرب في دائرة تسجيل الأراضى، كما تشهد بذلك وثائق الانتداب البريطانى على فلسطين سنة 1948، ولا تلغى عروبتها وشريعتها قرارات إسرائيل المجحفة بمصادرتها.
إننا نقف أمام كتب تراثنا العربي والإسلامي ذات العهد القريب لنقرأ مثل هذه العناوين: معارك القطمون والمصرارة، معارك باب الواد، معارك الشيخ جراح والشيخ بدر، وتفشل مع قراءتنا كل محاولات إسرائيل طمسها من ذاكرتنا وذاكرة أولادنا وذاكرة أحفادنا وكل الأجيال التالية.
ونقف أمام كتب تراثنا العربي والإسلامي ذات العهد البعيد فنقرأ شعرا من العصر الجاهلي ومن الشعر الإسلامي المبكر ومن شعر ونثر السياحة الصوفية حول القدس تخلد اسم يبوس ومثله اسم أورسالم واسم بيت المقدس وتبقى الأسماء خالدة على الدوام. وهنا ومن أجل ذاكرة الإنسان العربي تطرح نماذج من المصادر عروبة القدس بنفسها وتختار منها ثلاثة عناوين:
- مصادر من الشعر الجاهلى.
- مصادر من الشعر الإسلامى المبكر.
- السياحة الصوفية من مصادر عروبة القدس.

خامسا: مصادر من الشعر الجاهلي
لقد ذكر عرب الجاهلية في شبه جزيرة العرب مدينة القدسم باسم (بيت المقدس) أحيانا، وباسم (إيلياء)، أو اسم (أورى شلم) أحيانا أخرى.
نقول: ولفظوا (أورى شلم) بفتح الشين وكسر اللام، وفصل (أورى) عن (شلم)، كما ورد في قول الشاعر الأعشى:
وقد طفت للمال آفاقه = عمان، فحمص فأورى شلم

وهذا يستتبع الجزم بأنهم التصقوا بأصل التسمية العربي الكنعانى للمدية العربية(أور سالم) ومعناها: (معبد الإله سالم اليبوسى).
أما استخدام التسمية (بيت المقدس) فقد أشار إليه امرؤ القيس الشاعر الجاهلى في قوله:
فأدركته يأخذن بالساق والنسا = كما شبرق الولدان ثوب المقدس
كأنى ورحلى فوق أحقب قارح = بشربة أوطاف بعرنان موجس

(الأحقب: حمار الوحش، قارح: مسن، شربة: موضع، عرنان: مكان، موجس : تنتابه الأفكار السوداء).
ومعنى البت: أدركت حمار الوشح، و "النسا: عرق في الساق – شبرق: مزق – الولدان: الغلمان – ثوب المقدس: ثوب الراهب الذي يأتى إلى بيت المقدس وهنا الإشارة إلى المدينة".
يقول ما معناه : كأني ورحلي فوق حمار وحشي مسن، أو فوق ثور موجس خيفة.
ثم في الأبيات التالية يستطرد الشاعر في وصف الحمار الوحشي: فهو – أي الحمار الوحشي – يثير التراب ويذروه، وهو ينام كالأمير الموثق بالقيود، وراحة بعره كرائحة بيت الرجل الذي أعرس بأهله، وهو خفيف الحركة كل الخفة يدبر هاربا من الكلاب. (80)
ويؤيد استخدام عرب الجاهلية للتسمية (بيت المقدس) ورودها في بعض الأحاديث النبوية الشريفة في الصحيحين، كحديث البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ (البقرة-144) فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس، وهم اليهود، ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، قل الله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم، فصلى مع النبى صلى الله عليه وسلم رجل، ثم خرج بعد أن صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر، يصلون نحو بيت المقدس، فقال لهم: أشهد أني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأني توجهت نحو الكعبة، فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة. (81)

كما يؤيد استخدام عرب الجاهلية للتسمية (بيت المقدس) ورود كثير من أخبار الفتوح – وأغلب روائها من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم – تذكر الاسم (بيت المقدس)، كقول على بن أبى طالب رضى الله عنه "مر صاحبك أن يسير إلى بيت المقدس".(82) وليس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيدى العهد بالجاهلية فهم مخضرمون.
عرف عرب الجاهلية مدينة (بيت المقدس) من خلال طوافهم ببر الشام في رحلات الصيف التجارية، وعرفوا من أسمائها (إيلياء) وهو الاسم الرومانى الذي كان يطلق على المدينة المقدسة قبل البعثة المحمدية الشريفة، والمعروف أن الإمبراطور الروماني (إيليوس أدريان) كان قد أتم ما بدأه (تيتوس)، وهدم كل ما بقى من المدينة، ولم يترك فيها يهوديا واحدا، وأقام في مكان الهيكل اليهودى معبدا (لجوبيتر) كبير آلة الرومان، حسب تصورهم، ووضع فيه تمثالا لهذا الإله كالتماثل في معبد (الكابتول)، فسماها 0إيليا كابتولينا). (83)
وظل الاسم (إيليا) يغلب في التسمية حتى في صدر الإسلام، يدل على ذلك ما ذكره (الجواليقى) في كتابه: (المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم) من أن اسم (إيليا) إنما هو اسم من أسماء بيت المقدس واستشهد بقول الشاعر الفرزدق:
وبيتان بيت الله نحن ولاته= وبيت بأعلى إيلياء مشرف(84)

وإذا كان الاسم (إيليا) أو (إيلياء) شائعا في الجاهلية المتأخرة، فإنه لم يكن شائعا في أوقات موغلة في قدمها؛ لارتباط السام بزمن قريب من الإمبراطور الروماني (تيتوس) فقط.
أما الاسم الأقدم فهو: (أورى سالم) وقد ورد هذا الاسم في لوحة من ألواح (تل العمارنة) الموجودة في المتحف المصري بالقاهرة. (85)
نقول: الجاهليون عرفوا (أور سالم) ولفظوها (يورى شلم)، وذكر الجواليقى في المصدر نفسه اسم (يروى شلم)، واستشهد بقول الشاعر الأعشى:
وقد طفت للمال آفاقه = عمان، فحمص، فأورى شلم(86)

إذن كانت هناك مراوحة لدى الجاهليين ومن بينهم الشعراء في استخدام التسميات: بيت المقدس، وإيلياء، ويورى شلم. ودليل المراوحة أن المسافة الزمنية ليست كبيرة جدا بني الشاعرين الأعشى والفرزدق.

وقد يذكر (بر الشام) مع تركيز السياق على ضرورة اشتماله على (بيت المقدس) أصلا، ومن ذلك ما ورد من أخبار (هوذة بن مرة الشيبانى) وما اتصل بهذه الأخبار من أساطير.
و(هوذة) هذا كان من أجود العرب في الجاهلية، كان يمر بديار المقدس متجها إلى (طبرية) ليقضى فصل الشتاء فيهاز وفيه يقول (رفاع بن اللجلاج).
ومنا الذي حل البحيرة شاتيا = وأطعم أهل الشام غير محاسب

وذكر (خير الدين الزركلى) أن هناك أسطورة تقول : إن رماد نار (هوذة بن مرة الشيبانى) التي كانت توقد لطعامه باق بالبحيرة. (87)
وإذا كانت نصوص الشعر الجاهلي التي ذكرناها تعتبر من أقدم النصوص الدالة على (أورى سالم)، فإن نصوصا مصرية فرعونية قديمة تعتبر هى الأقدم؛ فقد ظهر اسم (أور سالم) لأول مرة في مجموعة الألواح التي عرفت بما دعي بنصوص اللعنة التي عثر عليها في مصر؛ ففي سنة 1925 اشترى شيفر Schaefer في مدينة الأقصر 251 كسرة أثرية ظهرت على معظمها كتابة هيرية – شكل قديم للكتابة المصرية القديمة أبسط من الهيروغليفية – ثم اشترتيت كسر أخرى فيما بعد، ومن جمع هذه الكسر وإعادة تركيبها بدقة أمكن ترميم (80) ثمانين طبقا ومزهرية. وبهذه الطريقة أصبحت النصوص واضحة ومفهومة. وبعد مضى عام واحد فقط نشر (ج. زيتة) K. Sethe هذه النصوص في برلين مع ترجمة لها وتعليق. وكان قد لاحظ تكرار كلمة (أور سالم) في النصوص . وقد أرجع تاريخ هذه النصوص في البداية إلى القرون الأخيرة من الألف الثالث قبل الميلاد، أما الآن فهى تنسب عادة إلى فترة الأسرة الثانية عشرة الفرعونية، وعلى وجه التحديد إلى فترة حكم (سيزوستريس الثالث) (1879-1842 ق.م.) وهذه هي النصوص المسماة (نصوص اللعنة) وهى التي ذكرت فيها أسماء المدن والبلدان والحكام الذين لعنوا بسبب نواياهم أو أفعالهم المتسمة بالشر، سواء كانت حقيقية أو متوقعة ضد مصر. (88)
كما ظهر اسم (أور سالم) في نصوص (تل العمارنة) الفرعونية. وقد اكتشفت رسائل (تل العمارنة) في سنة 1887م، في قرية تل العمارنة بمصر الوسطى، وهى الرسائل التي بعث بها أمراء سوريون يطلبون من الفرعون (أمنحوتب الثالث) وابنه (أمنحوتب الرابع – أخناتون) النجدة ضد أعدائهم وأعداء مصر في القرن الرابع عشر قبل الميلاد.
وفى الرسائل 287، 288، 290 من هذه الرسائل ذكر صريح (لأور سالم). وفى الرسالة رقم 287 حدد اسم الحاكم وهو (عبدو خيبا). (89)

سادسا: مصادر من الشعر الإسلامي المبكر في صدر الإسلام وفى العصر الأموي
يتحدث المسلمون جميعا عن فخرهم واعتزازهم ببيت المقدس استنادا إلى إعزاز القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة للمسجد الأقصى الذي بارك الله كل ما حوله من أرض فلسطين.
والخلفاء مثل باقي الناس في اهتمامهم بالمقدسات، أقدموا على الإنشاء والتعمير في بيت المقدس، والإنفاق بسخاء على أهله.

يتبع >
  #77  
قديم 15-09-2007, 02:15 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

ومن الذين وردت بيت المقدس في شعرهم من الشعراء في هذه الفترة الزمنية الشاعر الفرزدق، كما في القصيدة التي مدح فيها قومه وذم فيها (جريرا) الشارع وقومه، وأولوها:
عزفت بأعشاش وما كدت تعرف = وأنكرت من جرداء ما كنت تعرف

عزفت: مللت وزهدت – وجرداء: اسم امرأة الفرزدق الشيبانية توفيت قبل أ، تزف إليه – أعشاش: موضع في بلاد قوم الشاعر).
ومن القصيدة قوله:
لنا العزة القعساء والعدد الذي = عليه إذا عد الحصى يتخلف
ومنا الذي لا ينطق الناس عنده = ولكن هو المستأذن المتنصف
تراهم قعودا حوله وعيونهم = مكسرة أبصارها ما تصرف
وبيتان: بيت الله نحن ولاته = وبيت بأعلى إيلياء مشرف(90)

إن هذا النص الذي هو بعنوان – لنا العزة القعساء – يضع شعارا عاش مئات السنين هو: حافظا على أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، لأنه يتضمن قوله : وبيت بأعلى إيلياء مشرف. (91)
وفى نص آخر تعلق بالفرزدق نجد أيضا الجمع بين مكة وبيت المقدس امتثالا لروح هذا العصر. وفى الشعر أيضا حرص على الجمع بين المدينتين المقدستين لاشتراكهما في القداسة من خلال قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى).
وفى النص كما ورد في ديوان الفرزدق قال مروان بن الحكم يخاطب الفرزدق:
قل للفرزدق والسفاهة كاسمها = إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس
ودع المدينة إنها مرهوبة = واعمد لمكة أو لبيت مقدس
ألق الصحيفة يا فرزدق إنها = نكراء مثل صحيفة المتلمس

وكان مروان بن الحكم عامل المدينة لمعاوية، فتقدم إليه أ، لا يهجو أحدا، فكتب إليه مروان: قل للفرزدق ... إلخ – الأبيات الثلاثة أنفة الذكر – فأجاب الفرزدق:
مروان إن مطيتى معكوسة = ترجو الحياء وربها لم ييأس
وأتيتنى بصحيفة مختومة = تخشى على بها حباء النقرس
ألق الصحيفة يا فرزدق إنها = نكراء مثل صحيفة المتلمس

وصحيفة المتلمس هي تلك إلى كتبها ملك الحيرة عمرو بن هند إلى عامله بالبحرين يأمره بقتل المتلمس ففكها الشاعر ودفعها إلى غلام فإذا فيها: أما بعد، فإذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيا فقذفها المتلمس في نهر الحيرة وقال:
ألقيتها بالثنى من جنب كافر = كذلك أفنى كل قط مضلل(92)

وفى العصر العباسي استمر فخر الناس واعتزازهم ببيت المقدس استنادا إلى إعزاز القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة للمسجد الأقصى الذي بارك الله كل ما حوله من أرض فلسطين، فنجد الشعراء يذكرون بالإضافة إلى القدس المدن الأخرى مما هو حول المسجد الأقصى من الأرض المباركة، ثم هم أيضا يعبرون عن التقاليد الإسلامية. وورد في الأنس الجليل(93) أنه عندما فتح الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيت المقدس صلحا، وجد المسلمون في المجسد الأقصى بعض التصاوير وعلى رأسها هذه الأبيات، ويقال إنها لابن ضامر الضبعى من عكا:
أرى الكنائس إن تكن عبثت بكم = أيدي الحوادث أو تغير حال
فلطالما سجدت لكل شمامس = شم الأنوف ضراغم أبطال
بعد على هذا المصاب لأنه = يوم بيوم والحرب سجال
أيها المنسكح الثريا سهيلا = عمرك الله كيف يلتقيان
هي غورية إذا ما استقلت = وسهيل إذا استقل يمانى(94)

وفى ورواية : هى شامية إذا استقلت ... إلخ (وغورية: نسبة إلى غور الأردن بين بيت المقدس ودمشق).
وقال أبو العلاء المعرى:
يا شاكى النوب انهض طالبا حلبا = نهوض مضنى لحسم الداء ملتمس
واخلع حذائك إذا حاذيتها ورعا = كفعل موسى كليم الله في القدس
وبعين سلوان التي في قدسها = طعم يوهم أنه من زمزم

وحكيم المعرة أبو العلاء كان رهين المحبسين على حد رأى الناس: نظره الكفيف وعزلته في بيته، أو على الأصح رهين الثلاثة سجون على حد رأيه هو ؛ فقد قال:
أرانى في الثلاثة من سجونى = فلا تسأل عن الخبر البنيث
لفقدى ناظرى ولزوم بيتى = وكون النفس في الجسم الخبيث

فمثل هذا الرجل لن يكون من هواة السياحة ليتذوق مياه عين سلوان الحلوة حلاوة مياه زمزم، لولا أنه من معرة النعمان من قضاء حلب بشمال بر الشام، وما جنوب بر الشام عنه ببعيد أو غريب الذي فيه موقع عين سلوان قرب القدس، وإن مزاره ليس بعيدا عن ابن الشام أبى العلاء. أبو العلاء المعرى هنا يتحدث إذن عن معالم وطنه المألوفة عنده،(95) وهى المعالم التي ارتبطت بالتقاليد المألوفة، ومنها زيارة القدس بعد الحج إلى مكة والتشرف بالمدينة المنورة. إننا نجد نصيبا لكلمة الزيارة في شعر العصر مع ذكر عرائس الشام من المدن والأماكن حول القدس.
وأصبحن قد فوزن من نهر غطرس = وهن من البيت المقدس زور
وألب البركابان (غزة هاشم = و(بالفرما) من حاجهن شفور
يا صباح إنى قد حججت = وزرت بيت المقدس
وأتيت (لذا) عامدا = في غير مأوى سرخس

فرأيت فيه نسوة مثل الظباء الكنس
وإذا كانت نصوص من الشعر في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي وصدر العصر العباسي، تدلل على عروبة القدس أو تؤكدها، فإن نصوصا من الشعر في العصور اللاحقة لهذه العصور، تركز عندما تذكر القدس على لوم العرب والمسلمين عند سكونهم على ضياع القدس وسقوطها بأيدي الفرنجة في الحروب الصليبية، وكمثل على ذلك جاءت قصيدة ابن المظفر الأبيوردى وأولها:
مزجنا دماء بالدموع السواجم = فلم يبق فينا عرضة للمراجم
وكيف تنام العين ملء جفونها = على هفوات أيقظت كل نائم؟
وإخوانكم بالشام يضحى مقيلهم = ظهور المذاكى أو بطون القشاعم
أورى أمتى لا يشرعون إلى العدا = رماحهم والدين واهى الدعائم

ثم تشيد نصوص بعد ذلك بنصر صلاح الدين في حطين وعند تحرير القدس، وتمضى النصوص خلال ذلك وبعد ذلك في تأريخ الصراعات حول القدس في عصر المماليك والتي انتهت بتحرير الديار المقدسة حيث اشتهر من الشعراء : ابن المجاورة، وابن مطروح، وابن النبيه، وابن سناء الملك , النبهاء زهير، والشهاب الحلبي، وغيرهم.
وفى العصر الحديث ونحن نخوض صراعات حضارية مع الصهيونية العالمية فإنه لا يكاد شعر حديث أو معاصر لشاعر معروف يخلو من ذكر القدس.

سابعًا: السياحة الصوفية من مصادر عروبة القدس
لا غرابة في أن يكون في فلسطين تصوف ومتصوفون، فهى أرض طاهرة مقدسة، وكان فيها على مر التاريخ من الأنبياء وأولياء الله الصالحين والقديسين والشهداء عدد كبير، ولم ثراها مئات الأضرحة والمشاهد والآثار للأنبياء وأولياء الله. وفى كل مدينة وفى أغلب القرى نجد لهذه المقدسات بعض المزارات ولا غرابة أيضا في أن تكون ديار بيت المقدس مركز سياحة صوفية إسلامية ومسيحية؛ ففي ديار بيت المقدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى محمد عليه السلام، ومهد عيسى عليه السلام.
من الخليل ونابلس والرملة وغزة وعسقلان وسائر فلسطين، نسجت السائحات الصوفيات المجهولات على منوال (رابعة العدوية المقدسية) أو (رابعة البدوية)، فاتجهن إلى جبل الطور بالقدس؛ فمثل رابعة من هؤلاء النساء كانت امرأة تسمى (طافية) وأخرى اسمها (لبابة)، ذكرهما (ابن الجوزى) بالإضافة إلى عدد من السائحات الصوفيات المجهولات دون أن يؤرخ لوفاة واحدة منهن، وهذه المجهولية لا تنقص من شأنهن؛ فالمجهولية هى لباب الأصالة وعلامتها في محاور الموروث الشعبى. (95)
ومن الرملة كان العباد الزهاد عبد الله بن محريز، وهانى بن كلثوم، وقبيصة بنت دويب يقصدون القدس لأداء الصلاة. (96)
ومن الخليل كان الشيخ أحمد التميمى يذهب يوم الجمعة من بلاد الخليل إلى الرملة ويدرك صلاة الجمعة بها ثم يعود للخليل، أو يصلى الصبح ببيت المقدس ويجىء الخليل قبل أن يكون أهلها قاموا من النوم. (97)
والحقيقة أن رابعة العدوية الظاهرة أو النمط أو النموذج الصوفي ساهمت فيه الأرض الفلسطينية المقدسة، وتوصف الظاهرة بأنها لعابدة متصوفة صالحة كانت السابقة إلى وضع قواعد الحب الإلهي في هيكل التصوف الإسلامي. كانت تصلى مئات الركعات في اليوم والليلة فقيل لها: ماذا تريدين بهذا؟! قالت: لا أريد به ثوابا، وإنما أفعله لكى يسعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة فيقول للأنبياء: انظروا إلى امرأة من أمتي هذا عملها، وذلك كان من مبدأ نشر الحب والسلام بين الناس. رابعة النمط أو الظاهرة ساهمت فيها أرض القدس لأنها بيئة أولياء وصالحين. (98)
ومن سورية اتجه الشيخ عبد الغنى النابلسى الحنفي مع إخوة له سوريين إلى القدس في سياحة صوفية وقابل فيها عشرات المتصوفين في الطريق إلى القدس، وفى ديار القدس نفسها.

يتبع >
  #78  
قديم 15-09-2007, 02:22 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

ومن مصر قدم ذو النون المصري (أبو الفيض) (155-245هـ) والتقى على أرض القدس برابعة العدوية، وجرى بينهما حوار أنهته رابعة بقولها وهى ترفع طرفها إلى السماء:
أحبك حبين حب الهوى = وحبا لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو الحب الهوى = فحب شغلت به عن سواكا
وأما الذي أنت أهل له = فكشفك للحجب حتى أراكا
فما الحمد ذا وذاك لى = ولكن لك الحمد في ذا وذاكا
لم تشتكى ألم البلاء = وأنت تنتحل المحبة
إن المحب هو الصبور = على البلاء لمن أحبه
حب الإله هو السرور = مع الشفاء لكل كربة

فاتجه أبو الفيض ذو النون إلى القدس وقال على صخرتها: "كل عاص مستوحش، وكل مطيع مستأنس، وكل خائف راج طالب، وكل قانع غنى، وكل محب ذليل. (99)
ومن البصرة في العراق جمعت الطريق محمد بن واسع من الأزد، روى عن أنس بن مالك وغيره، وأخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، ومالك بن دينار وعبد الواحد بن زيد، وساروا إلى بيت المقدس (100) واتفقوا على الجهاد من هناك.
ومن العراق أيضا توجه أبو بكر محمد بن أبى بكر الجرجانى وأبو محمد سعد بن السمعانى إلى القدس ولم يفترقا حتى عادا إلى العراق. (101)
ومن العراق والحجاز كان عبد الله بنا عامر العامرى وأبو عبد الله محمد بن محمد خفيف، وأبو الحسن على بن محمد الخلا البغدادى من المتصوفين يشاهدون في القدس في سياحة صوفية. (102)
وفى الحجاز أيضا أورد عبد الله بن المبارك أنه مر بامرأة وهو في طريقه إلى الحج، فكان يسألها فلا تجيب إلا رمزا من القرآن الكريم؛ سألها : أين تريدين؟ فقالت: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ فعلم أنها قضت حجها وهى تريد الآن بيت المقدس، وهكذا ظل يسألها، وهى لا تجيب إلا رمزا من القرآن الكريم، وعلم بعد ذلك من أولادها أنها على هذه الحال من الكلام منذ أربعين سنة بالتمام والكمال.
إذن كان المتصوفون والمتصوفات يقصدون القدس من مدن فلسطين كلها في سياحاتهم الصوفية وكذلك من جميع الأقطار العربية والإسلامية مثل سورية ومصر والعراق والحجاز وغيرها. وكثيرا ما كانت تجرى وتتم بينهم مواعيد لقاء على أرض القدس للاتجاه بعد اللقاء إلى أداء فريضة الحج إلى مكة، أو للاشتراك في جهاد من صوب القدس إلى أية جهة في العالم الإسلامي يحتاج فيها المسلمون إلى جهاد. الحج والجهاد إذن سببان للقاءات القدس، أضاف إليها المرحوم الدكتور جمال حمدان سببين آخرين هما الجوار في الأقصى أو الموت والدفن في ثرى القدس. (103)
إن ذلك كله لم يتم إلا لأن فلسطين ومركزها القدس الشريف هى عين القلب من العالم الإسلامي، بوصفها أرض الزاوية من العالم الإسلامي طبيعيا؛ فهي بالفعل صرته؛ بل لقد كانت القدس هى مركز العالم كله في خرائط العجلة الكنسية التي اصطنعتها العصور الوسطي. (104)
والقدس بوصفها نواة دينية لأديان سماوية تمتلئ أرضها بالمساجد والزوايا والكنائس.

الهوامش
____________________

1. هـ.ى. فرانكلين، القدس فى العصر البرونزى، دراسة فى كتاب (القدس فى التاريخ) إيسكس، إنجلترا، الطبعة الإنجليزية والعربية إشراف د. كامل جميل العسلى، عمان 1992، ص 23.
2. المرجع نفسه ، ص 21.
3. [1] - Kathleen M. Kengyon< Archaeology in he Holy Land, London, 1979, p. 236.
4. د. عبد الحميد زايد، القدس الخالدة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ، 1974، ص 235.
5. د. جمال حمدان، المدينة العربية، دار الهلال ، مصر 1996، ص 292.
6. المرجع نفسه ، ص 292.
7. د. جمال حمدان، جغرافية المدن، القاهرة، ص 326-334.
8. عارف المعارف، تاريخ القدس، دار المعارف، القاهرة، ص 11.
9. [1] - Kenyon, Archaeology in the Holy Land, Op. Cit., 1974, p. 77.
10. محمود أبو طالب، آثار الأردن وفلسطين فى العصور القديمة، أضواء جديدة ، عمان ، الأردن، 1978ن ص 65.
11. أنطوان تمتم، المواقع الأثرية فى فلسطين فى فترة ما قبل التاريخ، دراسات فى تاريخ وآثار فلسطين، المجلد 2، حلب، سورية، 1981، ص 20-26.
12. [1] - K. M. KenyonL Archaeology in the Holy Land, Op. Cit., pp. 117-118.
13. د. محمود عبد الحميد الزغبى، الكنعانيون بناة القدس ومدن فلسطين، يوم القدس، لجنة يوم القدس، عمان، الأردن، 1996، أبحاث الندوة السابعة، ص 61.
14. أحمد سوسة، العرب واليهود فىالتاريخ ، بغداد ، 1972.
15. K. KenyonL Archaeology in the Holy Land, Op. Cit., pp. 117-150.
16. وقيل إنها قريب وادى هنوم، راجع جورج بوست، قاموس الكتاب المقدس، بيروت، 1894، حرف الراء.
17. د. محمود عبد الحميد الزغبى، الكنعانيون بناة القدس ومدن فلسطين، مرجع سابق، ص 73.
18. جواد على ، "تاريخ العرب قبل الإسلام"، المجمع العلمى العراقى، بغداد.
19. [1] - Whitelam, Keith W., The Invention of Ancient Israel, The Silencing of Palestinian History, London and New York: Routledge, 1996, p. 84.
20. [1] - Thompson, The History of the Israelite People, the Archaeological and Historical Evidence. Studies in the History of the Ancient Near East. 4 Brill, Leiden, 1992-1994, pp. 5, 75.
21. د. جمال حمدان، المدينة العربية، مرجع سابق، ص 292. جغرافية المدن، مرجع سابق، ص 326-334.
22. الحنيف فى اللغة: المائل، وإنما أطلق على إبراهيم، لأن الناس فى عصره كانوا على طريق واحدة وهى الكفر، فخالفهم كلهم وتنكب طريقهم، ولا يسمى المائل حنيفا إلا إذا كان الميل عن الجادة المعبدة، وفى الأساس: من مال عن كل دين أعوج، ويطلق على المستقيم، وبه فسر الكلمة بعضهم ، أورد له شاهدا من اللغة وهو أقريب. كذا فى تفسير المنار على طريقة الشيخ محمد عبده، السيد محمد رشيد رضا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972، القاهرة، ج1، ص 395.
23. أبو الفرج الأصبهانى، الأغانى، ج 3، القاهرة، ص 123-128.
24. أبو عبد الله محمد بن شهاب الدين شمس الدين السيوطى، إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى، تحقيق د. أحمد رمضان أحمد، ق 2، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1984، ص 6.
25. أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصارى القرطبى، الجامع لأحكام القرآن، ج 10، دار الغد العربى، القاهرة، 1997.
26. السيوطى، إتحاف الأخصا، مرجع سابق، ق 1، ص 95-111.
- السيد محمد رشيد رضا، تفسير المنار على طريقة دروس الشيخ محمد عبده، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1972، ج6، ص 268-269.
27. د. إسحاق موسى الحسينى، عروبة بيت المقدس، مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، ص 52.
28. تاريخ الطبرى (4/16).
29. مسند ابن حنبل، ج4، ص 67.
30. شاخت وبوزورث، تراث الإسلام، ج1 و ج2، ترجمة د. محمد زهير السمهورى و د. أمين مؤنس و د. إسحان صدقى العمد، عالم المعرفة، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ط2، 1988، المحتويات للجزأين.
31. القرآن الكريم، سورة الإسراء، آية 1.
32. مجير الدين العليمى الحنبلى، الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، مكتبة المحتسب، عمان ، الأردن، ج2، 1973.
33. ابن كثير ، البداية والنهاية، مطبعة السعادة، ج13، ص 228، ج 14، ص 4، ، 104، 142.
34. العليمى الحنبلى، الأنس الجليل، مصدر سابق، ج2، ص 538.
35. القلقشندى، صبح الأعشى فى صناعة الإنشا، ج12، القاهرة ، ص 246.
36. عماد الدين إسماعيل أبو الفدا، كتاب المختصر فى أخبار البشر، ج1، الطبعة الحسينية بمصر، 1325 هـ، ص 6، 10،11.
37. جذورهم الأولى فى بلاد اليمن وهم من نسل قحطان. وهاجرت أعداد كبيرة من بطونهم فى اتجاه الشمال. وهم قرعان: كهلان وحمير. ومن أشهر قبائل كهلان: طئ وهمدان، ولخم وجذام وكندة وخزاعة والأزد وغسان والأوس والخزرج. ومن أشهر قبائل حمير: قضاعة وتنوخ وكلب وجرم وعذرة ويلى وجهينة، وغيرها. وللتوسع راجع: جمهرة أنساب العرب لأبى محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسى، ط2، دار المعارف، مصر، 1948.
38. مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين، ج1، ق2، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1966، ص 383-394، 507، 420.
39. جذورهم الأولى فى تهامة والحجاز، ونجد، وهما فرعان: ربيعة ومضر، راجع للتوسع: جمهرة أنساب العرب، مصدر سابق.
40. مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين ، مصدر سابق، ص 420-477.
41. الدباغ، مرجع سابق، ج8، ق2، ص 123، 167، 305.
42. أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الله: من كتاب الأصمعيات، تحقيق أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون، دار المعارف، القاهرة، ط 5، 1963، ص 27.
43. المفضل بن يعلى الضبى، المفضليات ، القاهرة، 1963، ص 105.
44. الشيخ0 عبد الغنى النابلسى الحنفى، الحضرة الأنسية فى الرحلة القدسية، تحقيق أكرم العلبى، بيروت، ط1، 1990، ص 137.
45. المصدر نفسه، ص 138.
46. المصدر نفسه، ص 151.
47. المصدر نفسه، ص 151.
48. المصدر نفسه، ص 125.
49. يقع خارج الحرم القدسى وداخل السور تجاه القلعة من الشرق بباب الخليل . وذكره عارف العارف فى كتابه (تاريخ القدس) ، ط2، دار المعارف ، القاهرة، 1994، 279.
50. فى المدينة القديمة بالقدس ذكرها صاحب (الأنس الجليل) ، ج2، ص 54.
51. فى المدينة القديمة بالقدس ذكرها صاحب (الأنس الجليل)، ج2، ص 54.
52. من آثار القدس فى عصر المماليك البحرية، يعود إنشاؤها إلى 698هـ.
53. يعود إنشاؤه إلى 707هـ.
54. أبو عبد الله شمس الدين السيوطى، إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى، تحقيق د. أحمد رمضان أحمد، القسم الثانى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984، ص 33، 34.
55. المصدر نفسه ص 34.
56. المصدر نفسه ص 35.
57. المصدر نفسه ص 36.
58. المصدر نفسه ص 36.
59. المصدر نفسه ص 37.
60. المصدر نفسه ص 37.
61. المصدر نفسه ص 38.
62. المصدر نفسه ص 42.
63. المصدر نفسه ص 45.
64. المصدر نفسه ص 49.
65. المصدر نفسه ص 45.
66. المصدر نفسه ص 46.
67. المصدر نفسه ص 38.
68. المصدر نفسه ص 40.
69. المصدر نفسه ص 40.
70. المصدر نفسه ص 43.
71. المصدر نفسه ص 48.
72. المصدر نفسه ص 48.
73. المصدر نفسه ص 55.
74. المصدر نفسه ص 39.
75. المصدر نفسه ص 39.
76. المصدر نفسه ص 42.
77. المصدر نفسه ص 45.
78. المصدر نفسه ص 52.
79. المصدر نفسه ص 52.
80. المصدر نفسه ص 50.
81. المصدر نفسه ص 50.
82. المصدر نفسه ص 51.
83. المصدر نفسه ص 53.
84. المصدر نفسه ص 49.
85. المصدر نفسه ص 46.
86. المصدر نفسه ص 47.
87. ديوان امرئ القيس.
88. أخرجه البخارى فى : 8- كتاب الصلاة: 31، باب التوجه نحو القبلة حيث كان.
89. الوافدى ، فتوح الشام، البابى الحلبى ، القاهرة، 1957، ج1، ص 158.
90. صابر طعيمة، التاريخ اليهود يالعام، ص 152.
91. الجواليقى، المعرب من الكلام الأعجمى على حروف المعجم، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1969، ص 80.
92. الشيخ عبد الحميد السائح، مكانة القدس فى الإسلام، ط3، منشورات لجنة إنقاذ القدس، عمان، 1968، ص15.
93. الجواليقى، مصدر سابق، ص 79.
94. خير الدين الزركلى، الأعلام ، دار العلم للملايين، بيروت، ج8، ط9، 1990، ص 103.
95. - W.C. Hayes, chronology Egypt to End of Twentieth-dynastry, CAH, Vol. 1, Ch VI, Part 1
96. Wilson, J., The Amarna Setters, A.N.E.T., p. 483
97. أورد هذا النصر (ياقوت) فى – معجم البلدان – ج1، مصر 1323هـ، كما أورد بيتا لأعرابى وهو:
98. ولو أن طيرا كلفت مثل سيره إلى واسط من إيلياء لكلت
99. ديوان الفرزدق، شرح على قاعود، دار الكتب العلمية، بيوت، 1992، ص 383.
100. ديوان الفرزدق، مرجع سابق، ص344.
101. مجير الدين الحنبلى، الأنس الجليل، مصدر سابق، 1/257.
102. أبو الفرج الأصفهانى، الأغانى، طبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1952، ج1 ، ص 122.
103. أبو العلاء المعرى، اللزوميات، وسقط الزند.
104. الأنس الجليل ، مصدر سابق، ج1،ص291-292
105. إتحاب الأخصا، مصدر سابق، القسم الثانى، ص 39.
106. عبد الغنى النابلسى، مصدر سابق، ص 280.
107. فؤاد إبراهيم عباس، العادات والتقاليد فى الموروث الشعبى الفلسطينى، دار العروبة للنشر، القاهرة ، بالاشتراك مع الدائرة الثقافية لمنظمة التحرر الفلسطينية، ط1، 1989، ص 19-23.
108. عبد الغنى النابلسى، الحضرة الأنسية فى الرحلة القدسية، مصدر سابق.
109. الشيخ عبد الحليم محمود، ذو النون المصرى، دار الشعب للنشر، القاهرة، ص 13-27. إتحاف الأخصا، مصدر سابق، ق2، ص51.
110. إتحاف الأخصا، مصدر سابق، القسم الثانى، ص 42.
111. المصدر نفسه، ص 51، 52.
112. د. جمال حمدان، المدينة العربية، مرجع سابق، ص 124-130.
113. د. جمال حمدان، العالم الإسلامى المعاصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1997، ص208-209.

________________

* باحث فلسطيني – القاهرة


المصدر :
القدس اونلاين
  #79  
قديم 25-09-2007, 08:33 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

الشيْخ الجَليل المجاهد :

عُـمَــر الـمُـخـتــار

نشأته ، وأعماله، واستشهاده

د. علي محمد الصلابي

نشأته وأعماله

اولاً: مولده ونسبه ونشأته وشيوخه

ولد الشيخ الجليل عمر المختار من أبوين صالحين عام 1862م وقيل 1858م، وكان والده مختار بن عمر من قبيلة المنفة من بيت فرحات وكان مولده بالبطنان في الجبل الأخضر، ونشأ وترعرع في بيت عز وكرم، تحيط به شهامة المسلمين وأخلاقهم الرفيعة، وصفاتهم الحميدة التي استمدوها من تعاليم الحركة السنوسية القائمة على كتاب الله وسنة رسوله e .

توفي والده في رحلته إلى مكة لأداء فريضة الحج، فعهد وهو في حالة المرض إلى رفيقه السيد أحمد الغرياني (شقيق شيخ زاوية جنزور الواقعة شرق طبرق) بأن يبلغ شقيقه بأنه عهد إليه بتربية ولديه عمر ومحمد، وتولى الشيخ حسين الغرياني رعايتهما محققاً رغبة والدهما، فأدخلهما مدرسة القرآن الكريم بالزاوية، ثم الحق عمر المختار بالمعهد الجغبوبي لينضم إلى طلبة العلم من أبناء الأخوان والقبائل الأخرى

لقد ذاق عمر المختار - رحمه الله - مرارة اليتم في صغره، فكان هذا من الخير الذي أصاب قلبه الملئ بالإيمان وحب الله ورسوله e حيث التجأ إلى الله القوي العزيز في أموره كلها، وظهر منه نبوغ منذ صباه مما جعل شيوخه يهتمون به في معهد الجغبوب الذي كان منارة للعلم، وملتقى للعلماء، والفقهاء والأدباء والمربين الذين كانوا يشرفون على تربية وتعليم وإعداد المتفوقين من أبناء المسلمين ليعدوهم لحمل رسالة الإسلام الخالدة، ثم يرسلوهم بعد سنين عديدة من العلم والتلقي والتربية إلى مواطن القبائل في ليبيا وافريقيا لتعليم الناس وتربيتهم على مبادئ الإسلام وتعاليمه الرفيعة ومكث في معهد الجغبوب ثمانية أعوام ينهل من العلوم الشرعية المتنوعة كالفقه، والحديث والتفسير ومن أشهر شيوخه الذين تتلمذ على أيديهم، السيد الزروالي المغربي، والسيد الجواني، والعلامة فالح بن محمد بن عبدالله الظاهري المدني وغيرهم كثير، وشهدوا له بالنباهة ورجاحة العقل، ومتانة الخلق، وحب الدعوة، وكان يقوم بما عليه من واجبات عملية أسوة بزملائه الذين يؤدون أعمالاً مماثلة في ساعات معينة إلى جانب طلب العلم وكان مخلصاً في عمله متفانياً في أداء ماعليه ولم يعرف عنه زملاؤه أنه أجل عمل يومه إلى غده وهكذا اشتهر بالجدية والحزم والاستقامة والصبر، ولفتت شمائله أنظار أساتذته وزملائه وهو لم يزل يافعاً، وكان الأساتذة يبلغون الإمام محمد المهدي أخبار الطلبة وأخلاق كل واحد منهم، فأكبر السيد محمد المهدي في عمر المختار صفاته وما يتحلى به من خلال، وأصبح على إلمام واسع بشئون البيئة التي تحيط به وعلى جانب كبير في الإدراك بأحوال الوسط الذي يعيش فيه وعلى معرفة واسعة بالأحداث القبلية وتاريخ وقائعها وتوسع في معرفة الأنساب والارتباطات التي تصل هذه القبائل بعضها ببعض، وبتقاليدها، وعاداتها، ومواقعها، وتعلم من بيئته التي نشأ فيها وسائل فض الخصومات البدوية ومايتطلبه الموقف من آراء ونظريات، كما أنه أصبح خبير بمسالك الصحراء وبالطرق التي كان يجتازها من برقة إلى مصر والسودان في الخارج وإلى الجغبوب والكفرة من الداخل، وكان يعرف أنواع النباتات وخصائصها على مختلف أنواعها في برقة، وكان على دراية بالأدواء التي تصيب الماشية ببرقة ومعرفة بطرق علاجها نتيجة للتجارب المتوارثة عند البدو وهي اختبارات مكتسبة عن طريق التجربة الطويلة، والملاحظة الدقيقة، وكان يعرف سمة كل قبيلة، وهي السمات التي توضع على الإبل والأغنام والأبقار لوضوح ملكيتها لأصحابها، فهذه المعلومات تدل على ذكاء عمر المختار وفطنته منذ شبابه.


وصف عمر المختار

كان عمر المختار متوسط القامة يميل إلى الطول قليلاً، ولم يكن بالبدين الممتلئ أو النحيف الفارغ، أجش الصوت بدوي اللهجة، رصين المنطق، صريح العبارة، لايمل حديثه، متزن في كلامه، تفتر ثناياه أثناء الحديث عن ابتسامة بريئة، أو ضحكة هادئة إذا ما اقتضاها الموقف، كثيف اللحية وقد أرسلها منذ صغره، تبدو عليه صفات الوقار والجدية في العمل، والتعقل في الكلام والثبات عند المبدأ وقد أخذت هذه الصفات تتقدم معه بتقدم السن.


تلاوته للقرآن الكريم وعبادته

كان عمر المختار شديد الحرص على أداء الصلوات في أوقاتها وكان يقرأ القرآن يومياً، فيختم المصحف الشريف كل سبعة أيام منذ أن قال له الامام محمد المهدي السنوسي ياعمر (وردك القرآن) وقصة ذلك كما ذكرها محمد الطيب الأشهب، أنه استأذن في الدخول على الامام محمد المهدي من حاجبه محمد حسن البسكري في موقع بئر السارة الواقع في الطريق الصحراوي بين الكفرة والسودان وعندما دخل على المهدي تناول مصحفاً كان بجانبه وناوله للمختار وقال : هل لك شيء آخر تريده فقلت له ياسيدي أن الكثيرين من الأخوان يقرأون أوراداً معينة من الأدعية والتضرعات أجزتوهم قراءتها وأنا لا أقرأ إلا الأوراد الخفيفة عقب الصلوات فأطلب منكم اجازتي بما ترون فأجابني t بقوله: ( ياعمر وردك القرآن ) فقبلت يده وخرجت أحمل هذه الهدية العظيمة (المصحف) ولم أزل بفضل الله احتفظ بها في حلي وترحالي ولم يفارقني مصحف سيدي منذ ذلك اليوم وصرت مداوماً على القراءة فيه يومياً لأختم السلكة كل سبعة ايام ، وسمعت من شيخنا سيدي احمد الريفي أن بعض كبار الأولياء يداوم على طريقة قراءة القرآن مبتدئاً (بالفاتحة) الى (سورة المائدة) ثم الى (سورة يونس) ، ثم الى (سورة الاسراء) ثم الى (سورة الشعراء) ، ثم الى (سورة الصافات) ثم الى (سورة ق) ثم الى آخر السلكة ومنذ ذلك الحين وأنا أقرأ القرآن من المصحف الشريف بهذا الترتيب.

إن المحافظة على تلاوة القرآن والتعبد به تدل على قوة الايمان، وتعمقه في النفس، وبسبب الايمان العظيم الذي تحلى به عمر المختار انبثق عنه صفات جميلة، كالامانة والشجاعة، والصدق، ومحاربة الظلم، والقهر، والخنوع وقد تحلى هذا الايمان في حرصه على أداء الصلوات في أوقاتها قال تعالى: { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا } وكان يتعبد المولى عز وجل بتنفيذ أوامره ويسارع في تنفيذها وكان كثير التنفل في أوقات الفراغ، وكان قد ألزم نفسه بسنة الضحى وكان محافظاً على الوضوء حتى في غير أوقات الصلاة، ومما يروى عنه أنه قال: لا أعرف إنني قابلت أحداً من السادة السنوسية وأنا على غير وضوء منذ شرفني الله بالانتساب إليهم.

لقد كان هذا العبد الصالح يهتم بزاده الروحي اليومي بتلاوة القرآن الكريم، وقيام الليل واستمر معه هذا الحال حتى استشهاده.
فهذا المجاهد محمود الجهمي الذي حارب تحت قيادة عمر المختار وصاحبه كثيراً، يذكر في مذكراته أنه كان يأكل معه وينام معه في مكان واحد ويقول: ( لم أشهد قط أنه نام لغاية الصباح، فكان ينام ساعتين او ثلاثاً على أكثر تقدير، ويبقى صاحياً يتلو القرآن الكريم، وغالباً مايتناول الابريق ويسبغ الوضوء بعد منتصف الليل ويعود الى تلاوة القرآن ، لقد كان على خلق عظيم يتميز بميزات التقوى والورع، ويتحلى بصفات المجاهدين الأبرار ).

وأما الاستاذ محمد الطيب الاشهب فقد قال : ( وقد عرفته معرفة طيبة وقد مكنتني هذه المصاحبة من الاحتكاك به مباشرة، فكنت أنام بخيمته والى جانبه وأهم ماكنت امقته منه رحمه الله وأنا وقت ذاك حديث السن هو أنه لايتركنا أن ننام إذ يقضي كل ليلة يتلو القرآن ويقوم مبكراً فيأمرنا بالوضوء بالرغم عما نلاقيه من شدة البرد ومتاعب السفر ).

وكأني أراه من خلف السنين وهو قائم يصلي لله رب العالمين في وديان وجبال وكهوف الجبل الأخضر وقد التف بجرده الابيض في ظلمة الليل البهيم وهو يتلو كتاب الله بصوت حزين، وتنحدر الدموع على خدوده من خشية العزيز الرحيم.

قال تعالى: { إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور } (سورة فاطر ، الآية).

لقد وصى رسول الله ابا ذر بذلك فقال: ( عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء ) وقد حذر الرسول الكريم من هجر القرآن فقال: ( إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخَرِبْ ).

قال الشاعر:

قم في الدجى واتل الكتاب = ولا تنم إلا كنومة حائر ولهان
فلربما تأتي المنية بغتة = فتساق من فرش الى الاكفان
ياحبذا عينان في غسق الدجى = من خشية الرحمن باكيتان
اعرض عن الدنيا الدنيئة زاهداً = فالزهد عند أولى النهى زهدان
زهد عن الدنيا وزهد في الثناء = طوبى لمن أمسى له الزهدان

إن من اسباب الثبات التي تميز به عمر المختار حتى اللحظات الأخيرة من حياته إدمانه على تلاوة القرآن الكريم والتعبد به وتنفيذ أحكامه، لأن القرآن الكريم مصدر تثبيت وهداية وذلك لما فيه من قصص الأنبياء مع أقوامهم ، ولما فيه من ذكر مآل الصالحين، ومصير الكافرين والجاحدين وأوليائه بأساليب متعددة.

لقد كان عمر المختار يتلوا القرآن الكريم بتدبر وإيمان عظيم فرزقه الله الثبات وهداه طريق الرشاد ولقد صاحبه حاله في التلاوة حتى النفس الأخير، وهو يساق الى حبل المشنقة وهو يتلو قوله تعالى :
{ يا أيتها النفس المطمئة ارجعي الى ربك راضية مرضية } (سورة الفجر).


شجاعته وكرمه

إن هذه الصفة الجميلة تظهر في سيرة عمر المختار منذ شبابه الباكر ففي عام 1311هـ (1894م) تقرر سفر عمر المختار على رأس وفد الى السودان يضم كل من السيد خالد بن موسى، والسيد محمد المسالوسي ، وقرجيله المجبري وخليفة الدبار الزوي احد اعضاء زاوية واو بفزان (وهو الذي روى القصة) وفي الكفرة وجد الوفد قافلة من التجار من قبيلتي الزوية والمجابرة ، وتجار آخرين من طرابلس وبنغازي تتأهب للسفر الى السودان، فانضم الوفد الى هؤلاء التجار الذين تعودوا السير في الطرق الصحراوية ، ولهم خبرة جيدة بدروبها وعندما وصل المسافرون الى قلب الصحراء بالقرب من السودان قال بعض التجار الذين تعودوا المرور من هذا الطريق إننا سنمر بعد وقت قصير بطريق وعر لا مسلك لنا غيره ومن العادة - إلا في القليل النادر- يوجد فيه أسد ينتظر فريسته من القوافل التي تمر من هناك، وتعودت القوافل أن تترك له بعيراً كما يترك الانسان قطعة اللحم الى الكلاب أو القطط، وتمر القوافل بسلام واقترح المتحدث أن يشترك الجميع في ثمن بعير هزيل ويتركونه للاسد عند خروجه، فرفض عمر المختار بشدة قائلاً: ( إن الاتاوات التي كان يفرضها القوي منا على الضعيف بدون حق أبطلت فكيف يصح لنا أن نعيد اعطاءها للحيوان إنها علامة الهوان والمذلة. إننا سندفع الاسد بسلاحنا اذا ما اعترض طريقنا ) وقد حاول بعض المسافرين أن يثنيه عن عزمه، فرد عليهم قائلاً: أنني أخجل عندما أعود وأقول أنني تركت بعيراً الى حيوان اعترض طريقي وأنا على استعداد لحماية ما معي وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته إنها عادة سيئة يجب أن نبطلها ، وما كادت القافلة تدنو من الممر الضيق حتى خرج الاسد من مكانه الذي اتخذه على احدى شرفات الممر فقال أحد التجار وقد خاف من هول المنظر وارتعشت فرائصه من ذلك: أنا مستعد أتنازل عن بعير من بعائري ولا تحاولوا مشاكسة الأسد، فانبرى عمر المختار ببندقيته وكانت من النوع اليوناني ورمى الاسد بالرصاصة الاولى فأصابته ولكن في غير مقتل واندفع الاسد يتهادى نحو القافلة فرماه بأخرى فصرعته، وأصر عمر المختار على أن يسلخ جلده ليراه أصحاب القوافل فكان له ما أراد.

إن هذه الحادثة تدلنا على شجاعة عمر المختار وقد تناولتها المجالس يومذاك بمنتهى الاعجاب وقد سأل الاستاذ محمد الطيب الاشهب عمر المختار نفسه عن هذه الحادثة في معسكر المغاربة بخيمة السيد محمد الفائدي عن هذه الواقعة فأجاب بقوله: تريدني ياولدي أن أفتخر بقتل صيد قال لي ما قاله قديماً أحد الأعراب لمنافسه وقد قتل أسداً ( أتفتخر عليّ بانك قتلت حشرة ) وامتنع عمر المختار بقول الله تعالى :
{ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } (سورة الانفال).

إن جواب عمر المختار بهذه الآية الكريمة يدل على تأثره العميق بالقرآن الكريم، لأنه تعلم أن أهل الايمان والتوحيد في نظرتهم العميقة لحقيقة الوجود، وتطلعهم الى الآخرة ينسبون الفضل الى العزيز الوهاب سبحانه وتعالى، ويتخلصون من حظوظ نفوسهم، فهو الذي مرّ كثيراً على دعاء نبي الله يوسف عليه السلام:
{ رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والارض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً والحقني بالصالحين } (سورة يوسف: الآية 101).

وهو الذي تعلم من سيرة ذي القرنين هذا المعنى الرفيع والذي لابد من وجوده في الشخصية القيادية الربانية في قوله تعالى:
{ هذا رحمة من ربي. } (سورة الكهف، الآية 98)، فعندما بنى السد ، ورفع الظلم ، واعان المستضعفين نسب الفضل الى ربه سبحانه وتعالى.

إن عمر المختاركان صاحب قلب موصول بالله تعالى، فلم تسكره نشوة النصر، وحلاة الغلبة بعد ما تخلص من الاسد الاسطورة وازاح الظلم وقهر التعدي بل نسب الفضل الى خالقه ولذلك أجاب سائله بقوله تعالى:
{ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } (سورة الانفال، الآية 17) .

إن صفة الشجاعة ظهرت في شخصية عمر المختار المتميزة في جهاده في تشاد ضد فرنسا، وفي ليبيا ضد ايطاليا ويحفظ لنا التاريخ هذه الرسالة التي ارسلها عمر المختار رداً على رسالة من الشارف الغرياني الذي أكرهته ايطاليا ليتوسط لها في الصلح مع عمر المختار وايقاف الحرب.

( قال بعد البسملة والتصلية على رسول الله القائل أن الجنة تحت ظلال السيوف.

الى أخينا سيدي الشارف بن أحمد الغرياني حفظه الله وهداه، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ومغفرته ومرضاته. نعلمكم أن إيطاليا إذا أرادت أن تبحث معنا في أي موضوع تعتقد أنه يهمها ويهمنا فما عليها إلا أن تتصل بصاحب الأمر ومولاه سيدي السيد محمد إدريس ابن السيد محمد المهدي ابن السيد محمد السنوسي رضي الله عنهم جميعاً، فهو الذي يستطيع قبول البحث معهم أو رفضه، وأنتم لا تجهلون هذا بل وتعرفون إذا شئتم أكثر من هذا ومكان سيدي إدريس في مصر معروف عندكم وأما أنا وبقية الاخوان المجاهدين لا نزيد عن كوننا جند من جنوده لانعصي له أمراً ونرجو من الله سبحانه وتعالى أن لايقدر علينا مخالفته فنقع فيما لانريد الوقوع فيه حفظنا الله وإياكم من الزلل نحن لا حاجة عندنا إلا مقاتلة أعداء الله والوطن وأعدائنا وليس لنا من الامر شيء إذا ما أمرنا سيدنا وولى نعمتنا رضي الله عنه ونفعنا به بوقف القتال نوقفه وإذا لم يأمرنا بذلك فنحن واقفون عند ما أمرنا به ولا نخاف طيارات العدو ومدافعه ودباباته وجنوده من الطليان والحبش والسبايس المكسرين ( هؤلاء الآخرين هم المجندون من بعض الليبيين ) ولا نخاف حتى من السم الذي وضعوه في الآبار وبخوا به الزروع النابتة في الأرض نحن من جنود الله وجنوده هم الغالبون ونحن لا نريد لكم مايدفعكم إليه النصارى وظننا بكم خير والله يوفقنا ويهدينا وإياكم الى سبل الرشاد وإلى خدمة المسلمين ورضاء سيدنا رضي الله عنه وسلام الاسلام على من تبع الاسلام.

13 ربيع الثاني 1344هـ
نائب المنطقة الجبلية عمر المختار

ومحل الشاهد من هذه الرسالة قوله: ( ولا نخاف طيارات العدو ومدافعه ودباباته وجنوده من الطليان والحبش والسبايس ، ولا نخاف حتى من السم الذي وضعوه في الآبار ووضعوه على الزروع النابتة في الأرض نحن من جنود الله وجنوده هم الغالبون ).

إن صفة الشجاعة ملازمة لصفة الكرم، كما أن الجبن والبخل لا يفترقان ولقد حفظ لنا التاريخ عبارة جميلة كان يرددها عمر المختار بين ضيوفه : ( اننا لا نبخل بالموجود ولا نأسف لمفقود ).

لقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة بمدح الكرم والانفاق وذم البخل والامساك، قال تعالى :
{ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون } (سورة السجدة، آية 16).

لم تكن همة عمر المختار منصرفة الى جمع المال والثروة والغنى وإن كان قد ورث عن والده بعض الماشية إلا أنه تركها في رعاية بعض أقاربه في القبيلة وترك أرضه وموطنه منذ أن كان عمره 16 عاماً، وكان طيلة فترة إقامته في معهد الجغبوب تتكفل إدارة المعهد بمصروفاته وبعد أن تزوج وكوّن أسرة أصبح مورد رزقه مايتحصل عليه من نتاج الحيوانات القليلة ولم يكن يوماً من الأيام متفرغاً لجمع المال، وإنما عاش للعلم والدعوة والجهاد، وانشغل عن جمع الاموال والثروات وقضى حياته فقيراً مقتنعاً بما رزقه الله من القناعة والرضى بالكفاف وكان يبذل مافي وسعة لضيوفه وجنوده وينفق على أفراد جيشه ما لايخشى الفقر، ويقدم إخوانه على نفسه وأصبح شعاره ( إننا لا نبخل بالموجود ولا نأسف لمفقود ).


الدعوة والجهاد قبل الاحتلال الايطالي

تفوق عمر المختار على اقرانه بصفات عدة منها، متانة الخلق، ورجاحة العقل، وحب الدعوة، ووصل أمره الى الزعيم الثاني للحركة السنوسية محمد المهدي السنوسي فقدمه على غيره واصطحبه معه في رحلته الشهيرة من الجغبوب الى الكفرة عام 1895م وفي عام 1897م أصدر محمد المهدي قراراً بتعيين عمر المختار شيخاً لزاوية القصور بالجبل الأخضر قرب المرج، وقام عمر المختار بأعباء المهمة خير قيام، فعلمّ الناس أمور دينهم، وساهم في فض النزعات بين القبائل وعمل على جمع كلمتهم وسعى في مصالحهم ، وسار في الناس سيرة حميدة، فظهر في شخصيته أخلاق الدعاة من حلم وتأني، وصبر، ورفق، وعلم ، وزهد.

ومما تجدر الاشارة إليه أن وقوع الاختيار عليه للقيام بأمور هذه الزاوية كان مقصوداً من قبل قيادة الحركة السنوسية حيث أن هذه الزاوية كانت في ارض قبيلة العبيد التي عرفت بقوة الشكيمة، وشدة المراس، فوفقه الله في سياسة هذه القبيلة ، ونجح في قيادتها بفضل الله وبما أودع الله فيه من صفات قيادية من حكمة وعلم وحلم وصبر واخلاص.

إن الفترة التي قضاها في زاوية القصور تدلنا وتشهد لنا على أعماله الجليلة ؛ كداعية رباني يدعو الى الاسلام ونشره بالفكرة والاقناع والارشاد التوجيه، فهو قمة شامخة في هذا المجال، فهو لم يدخل مجال الدعوة والارشاد إلا بعد أن تعلم من أمور دينه الكثير، فشق طريق الدعوة بزاد علمي، وثقافة متميزة، وتفوق روحي، ورجاحة عقل، وقوة حجة ورحابة صدر، وسماحة نفس لقد كان حريصاً على تعلم العلم والعمل به وتعليمه وعندما زحف الاستعمار الفرنسي على مراكز الحركة السنوسية في تشاد، نظمت الحركة السنوسية نفسها وأعدت للجهاد عدتها، واختارت من القادة من هم أولى بهذا العمل الجليل، فكان عمر المختار من ضمنهم فقارع الاستعمار الفرنسي مع كتائب الحركة السنوسية المجاهدة في تشاد وبذل مافي وسعه حتى لفت الانظار الى حزمه وعزمه وفراسته وبعد نظره وحسن قيادته فقال عنه محمد المهدي السنوسي: ( لو كان لدينا عشرة مثل المختار لاكتفينا ).

وبقي عمر المختار في تشاد يعمل على نشر الاسلام ودعوة الناس وتربيتهم الى جانب جهاده ضد فرنسا، فحمل الكتاب الذي يهدي بيد والسيف الذي يحمي باليد الاخرى، وظهرت منه شجاعة وبطولة وبسالة نادرة في الدفاع عن ديار المسلمين، وكانت المناطق التي يتولى أمرها أمنع من عرين الاسد، ولا يخفى مافي ذلك من ادراك القيادي المسلم لواجبه تجاه دينه وعقيدته وأمته.

وعندما أصيبت الأبل التي كانت تحمل الاثقال للمجاهدين بمرض الجرب، وكان عددها لا يقل عن أربعة آلاف بعير وكانت تلك الابل هي قوام الحياة بالنسبة للمجاهدين واهتم السيد المهدي السنوسي بشأن علاجها ووقع اختياره على عمر المختار ليكون المسؤول عن هذه المهمة التي شغلت بال المجاهدين، فأمره بأن يذهب بالابل الى موقع (عين كلك) نظراً لوفرة مائه ولصلاحيته، وكان على عمر المختار مهمة اخرى وهي الاحتياط والحرص الشديد واتخاذ التدابير اللازمة للدفاع، واختار عمر المختار من المجاهدين مجموعة خيرة، وذهب لتنفيذ أمر القيادة وكان توفيق الله له عظيماً في مهمته العسيرة فنال أعجاب السيد المهدي.

وفي عام 1906م رجع عمر المختار بأمر من القيادة السنوسية الى الجبل الاخضر ليستأنف عمله في زاوية القصور، ولكن ذلك لم يستمر طويلاً، فقد بدأت المعارك الضارية بين الحركة السنوسية والبريطانيين في منطقة البردى ومساعد والسلوم على الحدود الليبية المصرية. ولقد شهد عام 1908م أشد المعارك ضراوة وانتهت بضم السلوم الى الأراضي المصرية تحت ضغوط بريطانيا على الدولة العثمانية، وعاد الشيخ عمر المختار الى زاوية القصور وبرزت شخصيته بين زملائه مشايخ الزوايا، وبين شيوخ وأعيان القبائل، ولدى الدوائر الحكومية العثمانية، وظهرت مقدرته في مهمته الجديدة بصورة تلفت النظر، وأصبح متميزاً في حزمه في ادارة الزاوية وفي تعاونه مع زملائه الآخرين وفي معالجته للمشاكل القبلية، وفي ميدان الاصلاح العام مضرباً للامثال.

وكانت تربطه صلات شخصية مع عدد كبير من زعماء، وأعيان القبائل في برقة، وكذلك زعماء المدن، وكان زعماء البراعصة يحبون عمر المختار حباً نابعاً من قلوبهم في حين أنهم لم يكونوا من القبائل التابعة لزاويته ، وارتبطت علاقاته الاخوية مع شيوخ الزوايا كالسادة السنوسي الأشهب شيخ زاوية مسوس، وعمران السكوري شيخ زاوية المرج، وعبد ربه بوشناف الشيخي، والحسن الغماري شيخ زاوية دريانه.


الشيخ عمر المختار في معاركه الأولى ضد إيطاليا

عندما اندلعت الحرب الليبية الايطالية عام 1911م كان عمر المختار وقتها بواحة (جالو) خفّ مسرعاً الى زاوية (القصور) وامر بتجنيد كل من كان صالحا ًللجهاد من قبيلة العبيد التابعة لزواية (القصور) ، فاستجابوا نداءه، واحضروا لوازمهم، وحضر أكثر من ألف مقاتل، وكان عيد الاضحى من نفس السنة الهجرية على الأبواب أي لم يبق عنه إلا ثلاثة أيام فقط، ولم ينتظر السيد عمر المختار عند أهله حتى يشاركهم فرحة العيد، فتحرك بجنوده وقضوا يوم العيد في الطريق وكانت الذبائح التي اكل المجاهدين من لحومها يوم العيد من السيد عمر المختار شخصياً، ووصل المجاهدون وعلى راسهم عمر المختار وبرفقته احمد العيساوي الى موقع بنينه حيث معسكر المجاهدين الذي فرح بقدوم نجدة عمر المختار ورفقائه ثم شرعوا يهاجمون العدو ليلاً ونهاراً وكانت غنائمهم من العدو تفوق الحصر وقد بينت دور الزوايا في جهادها ضد ايطاليا في الجزء الثاني عن الحركة السنوسية والذي سميته سيرة الزعمين محمد المهدي السنوسي ، وأحمد الشريف.

ويذكر الشيخ محمد الأخضر العيساوي بأنه كان قريباً من عمر المختار في معركة السلاوي عام 1911م فوصف لنا بعض احداث تلك المعركة فقال: (..وقد فاجأنا العدو فقابله من المجاهدين الخيالة، بينما كان العدو يضربنا بمدافعه الرشاشة واضطررنا للنزول في مكان منخفض مزروعاً بالشعير وكانت السنابل تتطاير بفعل الرصاص المنهمر، فكأنها تحصد بالمناجل، وبينما نحن كذلك إذ رأينا مكاناً منخفضاً أكثر من المكان الذي نحن فيه، وأردنا أن يأوى إليه السيد عمر المختار بسبب خوفنا عليه فرفض بشدة حتى جاءه احد أتباعه يدعى السيد الأمين ودفعه بقوة الى المكان الذي اخترناه لايوائه وحاول الخروج منه فمنعناه بصورة جماعية ).

يتبع >
  #80  
قديم 25-09-2007, 08:59 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

وأشار الشيخ محمد الأخضر الى إعجاب الضباط الأتراك به وبشجاعته وبالآراء السديدة التي تصدر عنه فكأنما هي تصدر من قائد ممتاز تخرج عن كلية عسكرية، وكان قدومه الى معسكرات المجاهدين مشجعاً وباعثاً للروح المعنوية في قوة خارقة وقد تحدثت في سيرة احمد الشريف في الجزء الثاني عن الحركة السنوسية عن حركة الجهاد في أيامها الأولى ضد ايطاليا، وكان عمر المختار من المقربين للشيخ احمد الشريف السنوسي، وبعد هجرته لازم عمر المختار الأمير محمد ادريس وقام بواجباته خير قيام وبعد هجرة الأمير الى مصر تولى أمر القيادة العسكرية بالجبل الاخضر، وأخذ في تهيئة النفوس لمجابهة العدو وبدأ جولاته في أنحاء المنطقة للاتصال بالاهالي وزعمائهم، بل وبالأفراد كخطوة اولى للعمل الجديد الشاق في نفس الوقت، وقام بفتح باب التطوع للجهاد، فأقبل الليبيين من ابناء قبائل الجبل بوجوه مستبشرة وقلوب مطمئنة وتلهف على مجابهة العدو الغادر، وكانت ترافقه لجنة مكونة من أعيان وشيوخ قبائل المنطقة (البراغيث، والحرابي، والمرابطين) لمساعدته في عمله العظيم وكان من بينهم ؛ بوشديق بومازق حدوث، الصيفاط بوفروة، محمد بولقاسم جلغاف، حمد الصغير حدوث، دلاف بوعبدالله، محمد العلواني، سويكر عبدالجليل، موسى بوغيضان، الغرياني عبدربه بوشناف، عبدالله الخرساني، عوض العبيدي، رجب بوسيحة، رواق بودرمان، كريم بوراقي ، قطيط الحاسي، وغير هؤلاء من علية القوم، فزار أغلب منطق الجبل والبطنان، وكان سمو الأمير قد وصل الى مصر (يناير 1923م) وما كاد السيد عمر ينتهي من جولته هذه ويطمئن للنتائج حتى قرر الالتحاق بسمو الامير في مصر ليعرض عليه نتيجة عمله ويتلقى منه التوجيهات اللازمة

كما أشار الشيخ محمد الأخضر الى إعجاب الضباط الأتراك به وبشجاعته وبالآراء السديدة التي تصدر عنه فكأنما هي تصدر من قائد ممتاز تخرج عن كلية عسكرية، وكان قدومه الى معسكرات المجاهدين مشجعاً وباعثاً للروح المعنوية في قوة خارقة وقد تحدثت في سيرة احمد الشريف في الجزء الثاني عن الحركة السنوسية عن حركة الجهاد في أيامها الأولى ضد ايطاليا، وكان عمر المختار من المقربين للشيخ احمد الشريف السنوسي، وبعد هجرته لازم عمر المختار الأمير محمد ادريس وقام بواجباته خير قيام وبعد هجرة الأمير الى مصر تولى أمر القيادة العسكرية بالجبل الاخضر، وأخذ في تهيئة النفوس لمجابهة العدو وبدأ جولاته في أنحاء المنطقة للاتصال بالاهالي وزعمائهم، بل وبالأفراد كخطوة اولى للعمل الجديد الشاق في نفس الوقت، وقام بفتح باب التطوع للجهاد، فأقبل الليبيين من ابناء قبائل الجبل بوجوه مستبشرة وقلوب مطمئنة وتلهف على مجابهة العدو الغادر، وكانت ترافقه لجنة مكونة من أعيان وشيوخ قبائل المنطقة (البراغيث، والحرابي، والمرابطين) لمساعدته في عمله العظيم وكان من بينهم ؛ بوشديق بومازق حدوث، الصيفاط بوفروة، محمد بولقاسم جلغاف، حمد الصغير حدوث، دلاف بوعبدالله، محمد العلواني، سويكر عبدالجليل، موسى بوغيضان، الغرياني عبدربه بوشناف، عبدالله الخرساني، عوض العبيدي، رجب بوسيحة، رواق بودرمان، كريم بوراقي ، قطيط الحاسي، وغير هؤلاء من علية القوم، فزار أغلب منطق الجبل والبطنان، وكان سمو الأمير قد وصل الى مصر (يناير 1923م) وما كاد السيد عمر ينتهي من جولته هذه ويطمئن للنتائج حتى قرر الالتحاق بسمو الامير في مصر ليعرض عليه نتيجة عمله ويتلقى منه التوجيهات اللازمة.


سفره الى مصر

سافر في شهر مارس 1923م الى مصر بصحبة علي باشا العبيدي وترك رفقائه عند بئر الغبي حتى يعود إليهم، واستطاع اجتياز الحدود المصرية وتمكن من مقابلة السيد ادريس بمصر الجديدة ، وكان عمر المختار عظيم الولاء للسنوسية وزعمائها وشيوخها وظهر ذلك الولاء في إقامته بمصر عندما حاول جماعة من قبيلة المنفة وهي قبيلة السيد عمر المختار، وكانوا قد اقاموا بمصر، أن يقابلوا السيد عمر للترحيب به، فاستفسر المختار قبل ان يأذن لهم بذلك عما أذا كانوا قد سعوا لمقابلة الأمير عند حضوره الى مصر، فلما أجاب هؤلاء بالنفي معتذرين بأن أسباباً عائلية قهرية منعتهم من تأدية هذا الواجب رفض المختار مقابلتهم قائلاً: (وكيف تظهرون لي العناية وتحضرون لمقابلتي وأنتم الذين تركتم شيخي الذي هو ولي نعمتي وسبب خيري. أما وقد فعلتم ذلك فإني لا أسمح لكم بمقابلتي ولا علاقة من الآن بيني وبينكم).

فما إن بلغ السيد ادريس مافعله عمر المختار مع من جاء إليه من أبناء قبيلته حتى أصدر امره بمقابلتهم فامتثل المختار لامره.

حاولت ايطاليا بواسطة عملائها بمصر الاتصال بالسيد عمر المختار وعرضت عليه بأنها سوف تقدم له مساعدة إذا ماتعهد باتخاذ سكنه في مدينة بنغازي أو المرج، وملازمة بيته تحت رعاية وعطف ايطاليا، وأن حكومة روما مستعدة بأن تجعل من عمر المختار الشخصية الاولى في ليبيا كلها وتتلاشى أمامه جميع الشخصيات الكبيرة التي تتمتع بمكانتها عند ايطاليا في طرابلس وبنغازي، وإذا ما اراد البقاء في مصر فما عليه إلا أن يتعهد بأن يكون لاجئاً ويقطع علاقته بادريس السنوسي، وفي هذه الحالة تتعهد حكومة روما بان توفر له راتباً ضخماً يمكنهّ من حياة رغدة، وهي على استعداد أن يكون الاتفاق بصورة سرية وتوفير الضمانات لعمر المختار ويتم كل شيء بدون ضجيج تطميناً لعمر المختار وقد طلبت منه نصح الاهالي بالاقلاع عن فكرة القيام في وجه ايطاليا، وقد أكد عمر المختار هذا الاتصال وهو في مصر لما سئل عن ذلك وقال: ثقوا أنني لم أكن لقمة طائبة يسهل بلعها على من يريد، ومهما حاول أحد أن يغير من عقيدتي ورأي واتجاهي، فإن الله سيخيبه، ومن (طياح سعد) إيطاليا ورسلها هو جهلها بالحقيقة. وأنا لم اكن من الجاهلين والموتورين فادعي أنني أقدر أعمل شيئاً في برقة، ولست من المغرورين الذين يركبون رؤسهم ويدعون أنهم يستطيعون أن ينصحوا الأهالي بالاستسلام، انني أعيذ نفسي من أن أكون في يوم من الايام مطية للعدو وأذنابه فأدعوا الأهالي بعدم الحرب ضد الطليان، وإذا لاسمح الله قدّر عليّ بأن أكون موتوراً فإن اهل برقة لايطيعون لي امراً يتعلق بإلقاء السلاح إنني أعرف أن قيمتي في بلادي إذا ماكانت لي قيمة أنا وأمثالي فأنها مستمدة من السنوسية.

لقد استمرت عروض الايطاليين على عمر المختار حتى بعد رجوعه للبلاد وحاولوا استمالته بالمال الطائل، والمناصب الرفيعة ، والجاه العريض في ظل حياة رغيدة ناعمة ولكنهم لم يفلحوا ، لقد كان عمر المختار رجل عقيدة، وصاحب دعوة ومؤمناً بفكرة استمدت اصولها وتصوراتها من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ، ويفهم جيداً معنى قول الله تعالى:
{من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها مانشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً} (الاسراء ، الآية ).

وحين خرج السيد عمر المختار من مصر قاصداً برقة لمواصلة الجهاد اجتمع به مشايخ قبيلته الموجودون بمصر من المتقدمين في السن وحاولوا أن يثنوه عن عزمه بدعوى أنه قد بلغ من الكبر عتيا وان الراحة والهدوء ألزم له من أي شيء آخر وأن باستطاعة السنوسية أن تجد قائداً غيره لتزعم حركة الجهاد في برقة، فغضب عمر المختار غضباً شديداً وكان جوابه قاطعاً فاصلاً فقال لمحدثيه: (إن كل من يقول لي هذا الكلام لا يريد خيراً لي لأن ما أسير فيه إنما هو طريق خير ولا ينبغي لأحد أن ينهاني عن سلوكها، وكل من يحاول ذلك فهو عدو لي).

كان عمر المختار يعتقد اعتقاداً راسخاً أن ماكان يقوم به من الجهاد إنما هو فرض يؤديه وواجب ديني لامناص منه ولا محيد عنه ولذلك أخلص في عمله وسكناته واحواله وأقواله لقضية الجهاد في ليبيا وكان يكثر من الدعاء لله تعالى بأن يجعل موته في سبيل هذه القضية المباركة، فكان يقول: (اللهم اجعل موتي في سبيل هذه القضية المباركة) ، وأصر على البقاء في أرض الوطن الحبيب وقال: (لا أغادر هذا الوطن حتى ألاقي وجه ربي والموت أقرب الى من كل شيء فإني أترقبه بالدقيقة).

وعندما عرض عليه أن يترك ساحة الجهاد، ويسافر الى الحج قال : (لن أذهب ولن أبرح هذه البقعة حتى يأتي رسل ربي وان ثواب الحج لايفوق ثواب دفاعنا عن الوطن والدين والعقيدة).

وقال: (كل مسلم الجهاد واجب عليه وليس منه، وليس لغرض اشخاص وإنما هو لله وحده).

إن هذه الكلمات التي كتبت بماء الذهب على صفحات تاريخنا المجيد نابعة من فهم عمر المختار لقوله تعالى:
{أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لايستوون عند الله والله لايهدي القوم الظالمين`الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله باموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم`خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم} (سورة التوبة، الآيات 29، 20،21).

ومن فهمه لأحاديث رسول الله : (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).

ولقوله : (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد).

إن هذه الآيات الكريمة والاحاديث الشريفة، كانت المنهج العقدي والفكري الذي تربت عليها كتائب المجاهدين وقادتها الكرام الذين تربوا في احضان الحركة السنوسية.

تم الاتفاق بين الأمير ادريس وعمر المختار على تفاصيل الخطة التي يجب أن يتبعها المجاهدون في جهادهم ضد العدو الغاشم المعتدي على اساس تشكيل المعسكرات، واختيار القيادة الصالحة لهذه الادوار، وأن تظل القيادة العليا من نصيب عمر المختار نفسه وزوده الأمير بكتاب الى السيد الرضا بهذا المعنى وتم الاتفاق على بقاء الامير في مصر ليقود العمل السياسي، ويهتم بأمر المهاجرين ويضغط على الحكومة المصرية والانكليزية بالسماح للمجاهدين بالالتجاء الى مصر، ويشرف على إمداد المجاهدين بكل المساعدات الممكنة من مصر، ويرسل الارشادات والتعليمات اللازمة الى عمر المختار في الجبل واتفق على أن يكون الحاج التواتي البرعصي حلقة الوصل بين الأمير وقائد الجهاد، وبعد ذلك الاتفاق غادر عمر المختار القاهرة، وعند وصوله الى السلوم وجد بعض رفقائه في انتظاره، فأخذ الجميع حاجتهم من المؤن الكافية لرحلتهم الى الجبل الأخضر وغادروا السلوم الى برقة.

وحدث في أثناء وجود عمر المختار أن اشتبك المجاهدون مع الطليان في معركتين كبيرتين في بير بلال والبريقة في ذي القعدة 1341هـ/ 1923م ، فأنتصر المجاهدون على الطليان في معركة بير بلال بقيادة المجاهد قجة عبدالله السوداني واستشهد كل من المهدي الحرنة، والشيخ نصر الأعمى وغيرهم، وقد ساهم في هذه المعركة صالح الاطيوش، والفضيل المهشهش وكانت نفقات المجاهدين في هذه المعركة على حساب الفضيل المهشهش ووقعة معركة البريقة بعد بير بلال بأربعة أيام واستشهد فيها من أبطال الجهاد ابراهيم الفيل.

ومع هذه الانتصارات إلا أن الطليان استطاعوا احتلال اماكن للمجاهدين في برقة، وزحفوا على معسكر العواقير بموقع البدين وبعد معركة شديدة كبدت الطرفين خسائر فادحة انسحب المعسكر الى اجدابية واستمر الزحف الايطالي يلاحق المجاهدين حتى اشتبك مع طلائع معسكر المغاربة في الزويتينه؛ ولم يطل الدفاع عنها حتى احتلها الطليان وواصلوا زحفهم الى اجدابية حيث احتلوها في (ابريل 1923م).


معركة بئر الغبي

كانت عيون ايطاليا تترصد حركة عمر المختار في عودته الى برقة ولكنها فشلت في اللقاء به قبل أن يصل الى رفاقه وما كاد يصل الى بئر الغبي حتى فؤجئ بعدد من المصفحات الايطالية وإليك أحداث المعركة كما رواها عمر المختار بنفسه: (كنا لانتجاوز الخمسين شخصاً من المشايخ والعساكر وبينما تجمع هؤلاء حولنا لسؤالنا عن صحة سمو الامير، وكنا صائمين رمضان وإذا بسبعة سيارات ايطالية قادمة صوبنا فشعرنا بالقلق لأن مجيئها كان محل استغرابنا ومفاجأة لم نتوقعها، وكنا لم نسمع عن هجوم الطليان على المعسكرات السنوسية، واحتلالهم اجدابية، فأخذنا نستعد في هدوء والسيارات تدنوا منا في سير بطيء فأراد علي باشا العبيدي أن يطلق الرصاص من بندقيته ولكنني منعته قائلاً: لابد أن نتحقق قبلاً من الغرض ونعرف شيئاً عن مجيء هذه السيارات كي لانكون البادئين بمثل هذه الحوادث وبينما نحن في أخذ ورد وإذا بالسيارات تفترق في خطة منظمة المراد منها تطويقنا، وشاهدنا المدافع الرشاشة مصوبة نحونا فلم يبق هنا أي شك فيما يراد بنا فأمطرناهم وابلاً من رصاص بنادقنا، وإذا بالسيارات قد ولت الادبار الى منتجع قريب منا وعادت بسرعة تحمل صوفا، ولما دنت منا توزعت توزيعاً محكماً وأخذ الجنود ينزلون ويضعون الأصواف (الخام) أمامهم ليتحصنوا بها من رصاصنا وبادرنا بطلق الأعيرة فأخذ علي باشا يولع سيجارة وقلت له رمضان ياعلي باشا منبهاً إياه للصوم فأجابني قائلاً: (مو يوم صيام المنشرزام).

وفي أسرع مدة انجلت المعركة عن خسارة الطليان وأخذت النار تلتهم السيارات إلا واحدة فرت راجعة، وغنمنا جميع ماكان معهم من الأسلحة).

واستمر المجاهدون في سيرهم حتى بلغوا الجبل الاخضر ووصلوا الى زاوية القطوفية (مكان معسكر المغاربة) وقابلهم صالح الاطيوش والفضيل المهشهش، ووقف عمر المختار على تفاصيل معركة البريقة وحال المجاهدين ثم واصل سيره الى جالو مقر السيد محمد الرضا ليبلغ التعليمات التي أخذها من سمو الامير.

وبعد اللقاء بين عمر المختار والسيد الرضا اتفقا على تنظيم حركة الجهاد وإنشاء المعسكرات في الجبل الاخضر واقترح عمر المختار على الرضا أن يرسل ابنه الصديق الى معسكر المغاربة عند صالح الاطيوش ومعسكر العواقير بقيادة قجة عبدالله السوداني، وهي معسكرات قريبة من بعضها ثم غادر عمر جالو الى الجبل الاخضر وشرع في تشكيل المعسكرات للمجاهدين ، وأنشئت معسكرات البراعصة والعبيد والحاسة، فاختار الرضا حسين الجويفي البرعصي لقيادة البراعصة، ويوسف بورحيل المسماري لمعسكر البراغيث والفضيل بوعمر لمعسكر الحاسة وأصبح عمر المختار القائد الأعلى لتلك المعسكرات.

وبدأ الجهاد الشاق والطويل واستمر متصلاً ومن غير هوداة حوالي ثمانية اعوام.

وكانت عامي 1924م، 1925م قد شاهدت مناوشات عدة ومعارك دامية، ووسع المجاهدون نشاطهم العسكري في الجبل الاخضر ولمع اسم عمر المختار نجمه كقائد بارع يتقن اساليب الكر والفر ويتمتع بنفوذ عظيم بين القبائل وأخذ العرب من أبناء القبائل ينضمون الى صفوف المجاهدين وبادرت القبائل بإمداد المجاهدين بما يحتاجون من مؤن وعتاد وأسلحة، وكان لقبائل العبيد، والبراعصة، والحاسة والدرسة والعواقير وأولاد الشيخ والعوامة، والشهيبات والمنفا والمسامير أكبر نصيب في حركة الجهاد.

كان معسكر البراغيث هو مركز الرياسة العامة ومقر القائد العام عمر المختار: وهو النواة الاولى وحجر الاساس لمعسكرات الجبل الاخضر الثلاثة وكان عمر المختار يلقب بنائب الوكيل العام، وكان السيد يوسف بورحيل يعرف بوكيل النائب وهكذا فقد تنظم الجهاز الحكومي في هذه المنطقة الواسعة بتشكيل المحاكم الشرعية والصلحية وإدارة المالية (المحاسبة، والارزاق وجباية الزكاة الشرعية والخمس من الغنائم) واستمر التعاون بين هذه المعسكرات الثلاثة وفروعها في السراء والضراء وأخذت تقوم بحركات عظيمة ضد العدو وشن الغرة عليه في معاقله؛ كما كانت تتصدى لزحفه عليها، فتهجم حيناً ، وتنسحب حيناً آخر حسب ظروف الحرب.

أصبح تفكير إيطاليا محصوراً في برقة التي لم يتمكن الطليان منذ زحفهم على اجدابية سنة 1923م من احتلال مواقع تذكر عدا مدينة اجدابية ولذلك اهتمت ايطاليا ببرقة وانحصرت مجهوداتها في الفترة الواقعة بين سنة 1923م وبين 1927م على معسكرات عمر المختار الذي لم يخرج يوماً من معركة إلا ليدخل في معركة أخرى.

وفي 1927م وقع الوكيل العام السيد رضا المهدي السنوسي في الأسر بطريق الخديعة والخيانة والغدر وسقطت مناطق برقة الحمراء والبيضاء تدريجياً.

كانت قيادة الجيش الايطالي في برقة قد بدلت وتولى أمرها لتنفيذ الخطة الجديدة التي تستهدف ضرب الحصار على حركة الجهاد في الجبل الاخضر (ميزتي) كما استبدل والي بنغازي الايطالي (مومبيلي) بخلفه الجنرال (تيروتس) وهو من زعماء الحزب الفاشيستين وزود الجنرال ميزتي بعدد كبير من الجنرالات وكبار الضباط وأركان الحرب لمساعدته وفي نفس السنة تقدمت القوات الايطالية من طرابلس بقيادة الجنرال غرسياني فاحتلت واحة الجفرة والقسم الاكبر من فزان واشتبكت قبائل المغاربة بزعامة صالح الاطيوش وقبائل اولاد سليمان بزعامة عبدالجليل سيف النصر، ودور حمد بك سيف النصر، وبعض اللاجئين الى تلك الجهات من قبائل العواقير بزعامتي عبدالسلام باشا الكزة، والشيخ سليمان رقرق، ودخلت هذه القبائل في معارك بجهات الخشة وكان الغلبة فيها للجيش الايطالي الزاحف فالتجأ المجاهدون الى منطقة الهاروج من الصحراء ومن ثم اشتركوا مع العدو في معارك عنيفة منها معركة الهاروج، ومعركة جبل السوداء، ومعركة قارة عافية وكان من بين من حضروا هذه المعركة الاخيرة السيد محمود بوقويطين أمير اللواء وقائد عام قوة دفاع برقة في زمن المملكة الليبية المتحدة، والسيد السنوسي الاشهب.

كانت القيادة الايطالية حريصة على الاستيلاء على فزان فخرجت في اواخر يناير 1928م قوتان .. احدهما من غدامس والاخرى من الجبل الاخضر، وكان الجيش بقيادة غراسياني والتحم المجاهدون مع ذلك الجيش في معركة دامية استمرت خمسة أيام بتمامها، انهزم فيها الطليان شر هزيمة فتقهقروا تاركين مالديهم من مؤن وذخائر ثم مالبث أن خرجت قوة اخرى قصدت فزان مباشرة، فعلم المجاهدون بامرها بعد خروجها بثلاث أيام وانسحبوا الى الداخل، حتى اذا وصل هذا الجيش الجديد الى مكان يقع بين جبلين يعرفان بالجبال السود انقض المجاهدون على الطليان وأرغموهم على التقهقر، فعمل قواد الحملة الى الفرار بسياراتهم تاركين وراءهم الجيش ، الذي وقع أكثره في قبضة المجاهدين، فأستأصلوهم عن آخرهم، وعندئذ لم يجد الطليان مناصا من أن يجددوا محاولتهم ، فخرجت هذه المرة قوات عظيمة من جهات متعددة غير أن الطليان ما لبثوا ان انهزموا في هذه المعارك وتركوا وراءهم غنائم وأسلابا كثيرة ، وجدد الطليان المسعى وخرجوا من الجفرة في 30 فبراير 1928م بجيش كبير وزحفوا على زله واحتلتها في 22 فبراير وواصلت القوات الايطالية سيرها واحتلت آبار تقرفت في 25 فبراير واستمرت العمليات وانتهت باحتلال مراده، واصبحت زلة وجالو، واوجله ومراده تحت سيطرتهم، ومما ساعد الطليان على احتلالهم لتلك الواحات سقوط الجغبوب قبل ذلك في ايديهم، وسياستهم الرامية لتفتيت الصف بواسطة بعض عملائهم وكان الطليان يبذلون الأموال والوعود لزعماء القبائل، لوقف القتال وقد نجحوا في ذلك نجاحاً كبيراً.

كان احتلال الجغبوب ، جالو، اوجلو، وفزان وغيرها من الواحات قد جعل عمر المختار في عزلة تامة في الجبل الاخضر ومع هذا ظل عمر المختار يشن الغارات على درنة وماحولها حتى أرغم الطليان على الخروج بجيوشهم لمقابلته ، فاشتبك معهم في معركة شديدة استمرت يومين كان النصر فيها حليفه وفرّ الطليان تاركين عدداً من السيارات والمدافع الجبلية وصناديق الذخيرة والجمال، ودواب النقل.

وكانت القبائل تتعاون مع قائد حركة الجهاد تمده بالرجال، والمؤن والمعلومات وعلى سبيل المثال كان حامد عبدالقادر المبروك من شيوخ قبيلة المسامير يمد المختار بالمعلومات المهمة دون تأخر، ويشارك في عمليات الجهاد مع أبناء قبيلته بدون علم الطليان ويرجع من كتبت له الحياة إلى موطنه ويستشهد من يستشهد وكان زعماء القبائل التابعة للحركة السنوسية يجمعون الاعشار والزكاة ويمدون بها حركة الجهاد بالرغم من وجود الكثير منهم تحت السلطات الإيطالية، وخصوصاً من كان في المدن كبنغازي، والمرج، ودرنة، وطبرق وغيرها، وكانت وسائل مد المجاهدين بأموال الزكاة والأعشار تتم في غاية السرية وعجزت المخابرات الإيطالية عن اكتشاف اللجان الخاصة بالدعم المالي للمجاهدين، ومن وقع في أيدي السلطات الإيطالية كانت عقوبة الإعدام وكانت الغنائم تمثل مصدراً مهماً لتمويل حركة الجهاد في فترة عمر المختار، ومعظم الغنائم تم الحصول عليها في المعارك التي تمكن فيها المجاهدون من هزيمة الإيطاليين مثل معركة الرحيبة في مارس 1927م وقد وصف حافظ إبراهيم هذا المصدر في أبياته الشعرية فقال:

حاتم الطليان قد قلدتنا = منة نذكرها عاماً فعاما
أنت أهديت إلينا عدة = ولباساً وشراباً وطعاماً
وسلاحاً كان في أيديكم = ذا ملال فغدا يفري العظاما
أكثروا النزهة في أحيائنا = وربانا إنها تشفى السقاما
لست أدري بت ترعى أمة = من بني الطليان أم ترعى سواما
يآل رومة تطلبون أمانياً = ختالة أم تطلبون منونا
جئتم تجرون الحديد ورحتم = بحديدكم في اليم مغلولينا
ورقصتم فيه سكارى فارقصوا = في الليلة السوداء مذبوحينا
لكن استفزكم صليل سيوفكم = فلقد تبدل زفرة وأنينا
هاتوا الذئاب إلى الليوث فخمسة = منهم أبادوا منكم خمسينا
واستجمعوا حيتانكم ونسوركم = فالصائدون هناك مرتقبون
واستكثروا الزاد الشهي فإنكم = وسلاحكم والزاد مأخوذينا
لم يبق منهم معسر أو أعزل = بعد الذي غنموه منتصرينا
واستكملوا المدد الكبير بفتية = سيقوا إلى الهيجاء هيابينا
أحسبتم بطحاء برقة حانة = لكم وغزو القيروان مجونا

وكانت كل عائلة قد أخذت على عاتقها تزويد مجاهديها بما يلزم من شؤون وملابس، ترسله شهرياً إلى الدور (المعسكر).

وكان الأمير ادريس يتحين الفرص لتزويد المجاهدين فقد ذكر الأشهب بأن قافلة وصلت للمجاهدين قادمة من مصر وكان فيها سليمان العميري (من قبيلة أولاد علي) وبو منيقر المنفى (من رفاق عمر المختار) يحملان رسائل من سمو الأمير وكانت القافلة محملة بالأرز والدقيق والسكر والشاي وبعض الملابس، وكان الطيب الأشهب موجوداً في معسكر المجاهدين وقت وصول القافلة وقد ذكر صاحب كتاب حياة عمر المختار بأن قافلة استطاعت أن تخرج من السلوم محملة بمختلف العتاد والمؤن قاصدة معسكر المجاهدين في الجبل الأخضر، فعلم الطليان بذلك وأرسلوا سياراتهم المسلحة لتعقبها، ولكن المجاهدين صمدوا لهم، وأطلقوا رصاص بنادقهم على العجلات فتعطلت السيارات، وعندئذ انقض المجاهدون على القوة الإيطالية فأبادوها عن آخرها وكان ذلك في عام 1928م. وكان المجاهدون يستفيدون من تلك المصادر ويقومون بشراء حاجيات المجاهدين من الأسواق في المدن والقرى، ويشترون مايلزمهم من المؤن، والأسلحة ويجمعون المعلومات عن تحركات العدو العسكرية، كل هذه الأعمال يقوم بها أتباع عمر المختار وبمساعدة سكان المدن والقرى الذين يخفون المجاهدين في بيوتهم ومخيماتهم، وكان المتطوعون يتدفقون على معسكرات الجهاد، وكانوا يعتمدون على أنفسهم في توفير السلاح ووسيلة الركوب والتموين، وكان نظام الأدوار (المعسكرات) يتميز بالآتي:

1- يلتزم كل دور بتوفير التموين اللازم لأفراده، فهم بالإضافة إلى اشتراكهم في عمل واحد هم أبناء عشيرة واحدة مترابطة، ويوجد بالدور أشخاص، مكلفون بجباية الزكاة وجمع الأعشار، وهؤلاء يقومون بعملهم بناء على تكليف كتابي من عمر المختار وهم بدورهم يجرون اتصالات (كوشان) بقيمة المبالغ والأشياء التي استلموها.

وعين لكل دور رئيس إدارة يشرف على تموين الدور من حيث التوزيع والتخزين والتدبير وتسلم الأموال والتبرعات التي تصل لقيادة الدور، فقد عين عمران راشد القطعاني رئيساً لإدارة دور البراعصة والدرسة وعين التواتي العرابي رئيساً لإدارة دور العبيدات والحاسة، وعين الصديق بو هزاوي مأموراً للأعشار ويتبع عمر المختار مباشرة وعين داود الفسي رئيساً لإدارة دور العواقير.

2- يقوم كل دور بتعويض الشهداء من المقاتلين بآخرين من قبائلهم وهكذا لايتأثر الدور كثيراً لفقد الشهداء، فبعد كل معركة يتم حصر الشهداء وإلى أي القبائل ينتمون ثم يرسل إلى كل قبيلة العدد الذي يجب أن تعوضه عن شهدائها، وإذا لم تجد العدد المطلوب تدفع لقيادة الجهاد 1000 فرنك عن كل شهيد لكي يجند بها العدد اللازم.

يتبع >
  #81  
قديم 25-09-2007, 09:17 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

3- تتبارى مجموعات القبائل في تقديم البطولات والتضحيات حتى لاتكون موضع سخرية واستهزاء أمام بقية القبائل، وكان المجاهد الليبي يغضب غضباً شديداً ويحزن إذا فاته الإشتراك في إحدى المعارك أو تخلف عنها لسبب من الأسباب، وابراهيم الفيل العريبي نموذج لهؤلاء فقد فاته أن يشارك في معركة بلال فحزن حزناً شديداً، إلا أن قادة الجهاد طمأنوه وقالوا له: إن أيام الجهاد كثيرة، وفي اليوم التالي جرت معركة البريقة فاشترك فيها وهجم بفرسه على سيارات الأعداء وصار يقاتل حتى أكرمه الله بالشهادة.

4- يسهل على كل دور توفير الحماية اللازمة لذويه عن طريق الدوريات، والرباطات التي تراقب تحركات القوات الإيطالية أو أية تحركات غير عادية لمعرفتهم بمسالك المنطقة ودروبها وأماكن المياه بها، فعندما يحل الدور بمنطقة ما يضع دورية في كل اتجاه لتراقب وضع القوات الإيطالية في تلك المنطقة وتغطى أخبار تحركاتها للمجاهدين أولاً بأول حتى يكونوا على علم باتجاه وتحركات العدو، وحين يلتقي أفراد الدورية بالأعداء يطلقون ثلاث اطلاقات وعند سماع تلك الإطلاقات يستعد الجميع لملاقاة الأعداء في الجهة التي سمع منها اطلاق الرصاص
وتقوم دوريات أخرى تعرف باسم (الرباط) بمراقبة الإيطاليين في مراكزهم التي يحتلونها للحصول على معلومات عن تحركاتهم عن طريق الأهالي الموجودين داخل تلك المدن، وكثيراً مايتعرض بعض هؤلاء الأهالي بسبب تعاونهم مع المجاهدين لعقوبة الإعدام، كما حدث مع سليمان بن سعيد العرفي الذي أدانته المحاكم الإيطالية بالتعاون مع المجاهدين وحكمت عليه بالإعدام، فأعدم شنقاً.

كان نظام الأدوار يقوم على أساس قبلي ويعتبر الدور وحدة عسكرية وإدارية، واجتماعية يرأسها قائمقام، وتتمثل فيه السلطة الإدارية والعسكرية يساعده قوماندان (قائد) أو أكثر حسب حجم الدور والقبائل المنضوية تحته.
وقد استخدم عمر المختار النظام العسكري العثماني، فبالإضافة إلى القائمقام والقوماندان هناك الرتب الآتية:- بكباشي - يوزباشي - ملازم أول - ملازم ثاني - كوجك ضابط (ضابط صغير) باش شاوش - شاوش - أمباشي.
وكانت الترقيات تتم على أسس ميدانية بناء على مايقدمه الشخص من أعمال وبطولات في ميادين المعارك والمواقف الدقيقة، إذ يرفع إلى عمر المختار تقرير من الرئيس المباشر بشرح الحالة التي استحق عليها المعني الترقية، ويصدر بذلك أمر كتابي من عمر المختار على بقية المجاهدين.

معركة أم الشافتير (عقيرة الدم)

استمر المجاهدون في الجبل الأخضر يشنون الهجمات على القوات الإيطالية وحققوا انتصارات رائعة من أشهرها موقعة يوم الرحيبة بتاريخ 28 مارس 1927م جنوب شرقي المرج قرب جردس العبيد ووقعت بعد معركة الرحيبة معارك ضارية في بئر الزيتون 10 محرم 1335هـ، 10 يوليو 1927م، وراس الجلاز 13 محرم 1335هـ، 13 أكتوبر 1927م.

أراد الإيطاليون أن ينتقمون لقتلاهم في معركة الرحيبة، فشرعت تعد العدة للانتقام لقتلاها الضباط الستة وأعوانهم المرتزقة البالغ عددهم (312) في محاولة لإعادة معنوياتهم المنهارة نتيجة لتلك الهزيمة الساحقة تمّ اعداد الجيوش الجرارة، لتتخذ من الجبل الأخضر قاعدة لها على النحو التالي:

1- الجنرال مازيتي القائد العام للقوات الإيطالية قائداً لإحدى الفرق فوق الجبل الأخضر 8 يوليو من مراوة:

أربع فرق أرترية - فرقة ليبية - أربع فرق - خيالة - بطارية ارترية.

2- الكورنيل اسبيرا إنذائي: 8 يوليو من الجراري (جردس الجراري) أوجردس البراعصة أربع فرق أرترية - فرقة ليبية - بطارية ليبية - فرقة غيرنظامية.

3- الكورنيل منتاري: 8 يوليو من خولان - فرقة أرتريا- فرقة غير نظامية.

4- الماجور بولي: 9 يوليو غوط الجمل - فرقة مهما ريستا - فرقة سيارات مصفحة - نصف فرقة ليبلير - فصيلين قناصة على الدبابات.

ويضاف الى الاستعدادت سلاح الطيران الذي انطلق من قواعده بالمرج ومراوه وسلنطة.
كانت قوات الايطاليين ضخمة مما تدلنا على خوفهم ورهبتهم من قوات المجاهدين.
و المجاهدين مابين 1500 الى 2000 مجاهداً منهم حوالي 25% من سلاح الفرسان ويرفقهم حوالي 12 ألف جمل ومايثقل تحركاتهم من النساء والاطفال والشيوخ والأثاث علمت ايطاليا بواسطة جواسيسها بموقع المجاهدين في عقيرة ام الشفاتير فارادت أن تحكم الطوق على المجاهدين فزحفت القوات الايطالية نحو العقيرة بعد مسيرة دامت يومين كاملين واستطاعت أن تضرب حصاراً حول المجاهدين من ثلاث جهات، وبقوات جرارة تكونت من حوالي (2000) بغل و5000 جندي، 1000 جمل بالاضافة الى السيارات المصفحة والناقلة.

علم المجاهدون بذلك وأخذوا يعدون العدة لملاقاة العدو فأعدوا خطة حربية وقاموا بحفر الخنادق حول أطراف المنخفض ليستتر بها المجاهدون وخنادق اخرى لتحتمي بها الأسر من نساء وأطفال وشيوخ، وتم ترتيب المجاهدين على شكل مجموعات حسب انتمائهم القبلي ووضعت أسر كل قبيلة خلف رجالها المقاتلين، وكان قائد تلك المعركة التقي الزاهد الورع الشيخ حسين الجويفي البرعصي وكان عمر المختار من ضمن الموجودين في تلك المعركة.

كان الشيخ حسين الجويفي ممن تجرد للجهاد في سبيل الله وطلب رحمة الله تعالى وكان يقول: (أنا لا أريد قيادة ولا منصباً بل أريد جهاداً رغبة في ثواب الله تعالى).

كان ذلك الصنديد محل تقدير من قبل إخوانه قال في حقه قائده الأعلى عمر المختار عقب استشهاده: أتذكر حسين الجويفي عند اللقاء مع العدو أو عند قراءة القرآن الكريم وقت الورد.
وعرف عنه انه لم يبرح فرسه يوماً أثناء المعركة لينال من اسلاب العدو، بل يتركها للمجاهدين لعفته وقناعته بما يملك من أموال ومواشي.
وأسندت إليه قيادة المعركة لمعرفته بشعاب ودروب المنطقة التي كان يسكنها مع كونه احد قادة الجهاد، وأحد المستشارين لعمر المختار، وقائمقام البراعصة والدرسة في فترة سابقة، فكان في تلك المعركة فوق جواده يجوب الميمنة والميسرة والقلب وهو عاري الرأس لايخشى الموت يوزع صناديق الذخيرة على المقاتلين تارة ويطلق عبارات التشجيع مرة أخرى، ويقوم بتحريك جبهات القتال، وتنظيم هجومات المجاهدين، وترتيب صفوفهم.

سقط الشهداء واشتدت المعركة ، وارتفعت درجة حرارة البنادق بسبب استمرار اطلاق العيارات النارية واستعمل المجاهدون الخرق البالية لتقيهم حرارة مواسير البنادق التي لا تطيقها يد المجاهد. وكان بعض المجاهدين يملك بندقيتين يستعمل الواحد مدة ثم يتركها حتى تبرد ويتناول الاخرى، .

وخصص القائد حسين فرقة من المجاهدين للتصدي للمصفحات المهاجمة من الجنوب وعددها ثلاثون مصفحة ولعب كومندار طابور المعية المجاهد سعد العبد السوداني دوراً بارزاً وأظهر شجاعة نادرة بأن قاد تلك الفرقة المواجهة للمصفحات الايطالية وتمكن من تدمير أغلبها مع رجاله وانتزع المجاهد رمضان العبيدي العلم الايطالي من على أحد المصفحات ، وبدأ الجيش الايطالي في التقهقر ودخل الرعب نفوس ضباطه وجنوده الذين وجدوا فرصة الحياة في الهروب وبالرغم من قصف الطائرات إلا أن الايمان القوي ، واحتساب الأجر عند الله كان دافعاً مهماً لدى المجاهدين.

فخسر المجاهدين في الارواح 200 شهيد من بينهم القائمقام محمد بونجوى المسماري الذي استشهد في اليوم الثالث أثر اصابته بجرح مميت، وكانت له مكانة عظيمة في نفوس المجاهدين ووالد زوجة عمر المختار الذي بكاءه بكاءً حاراً وقال بعد أن سمع باسشهاده (راحو الكل ياعين الجيران وأصحاب الغلا).

واستشهد كل من جبريل العوامي، وستة من قبيلة العوامة، ومحمد بو معير الدرسي والشلحي الدرسي، ومحمد الصغير البرعصي وفقد المجاهدون في تلك المعركة عدداً كبيراً من الابل والمواشي وتم حرق بعض الخيام من جراء الغارات الجوية.

ومكث المجاهدون طيلة الليل يدفنون الشهداء وينقلون الجرحى، وقبل بزوغ الفجر رحلوا عن ذلك الموقع، بهدف الاعداد والاستعداد للقاء العدو في موقع جديد من مواقع القتال واصبحت القوات الإيطالية كما يقول تيروتسي : (أصبحت الآن منهوكة القوى تخور إعياء من شدة المعارك المستمرة منذ فترة طويلة دون توقف ).

وكانت نتائج تلك المعركة فيما يلي:

1.كانت معركة ام الشفاتير بداية نقطة فاصلة في اتباع استراتيجية جديدة عند عمر المختار، وهي ضرورة إعادة تنظيم المجاهدين على هيئة فرق صغيرة، تلتحم مع العدو عند الضرورة، وتشغله في أغلب الأوقات مما يقلل في عدد الشهداء أثناء المعارك ويلحق الخسائر الفادحة بالأعداء وفق التكتيك الجديد لحرب العصابات (اهجم في الوقت المناسب وانسحب عند الضرروة).

2.لمح عمر المختار بنظره الثاقب ملامح السياسة الفاشستية الجديدة وهي الابادة والتدمير (للمصالح والرجال)، فاتخذ اجراءات ترحيل النساء والاطفال والشيوخ الى السلوم لحمايتهم من الغارات الجوية الايطالية ، وتيسيراً لسهولة تحرك المجاهدين وفق مايتطلبه الموقف الجديد.

3.كما سُمَحَ لأحد الاخوين بالهجرة للمحافظة على وريث لهما فيما بعد حتى يكون دائماً هناك من يطالب بحقوقه ويزعج المستعمرين الطليان، وللتعريف بالقضية الليبية بتلك البلدان ونتج عنه فيما بعد تشكيل الجاليات الليبية في الخارج.

4.أيقن الايطاليون أنه لاجدوى من الاستمرار في العمليات العسكرية ضد المجاهدين، مما كان سبباً في توقفها طلية 1928م. لقد تحققت لموسليني ماقله من قبل : ( اننا لانحارب ذئاباً كما يقول غراتسياني بل نحارب أسوداً يدافعون بشجاعة عن بلادهم .إن أمد الحرب سيكون طويلاً).

استشهاد حسين الجويفي والمختار بن محمد في معركة ابيار الزوزات 13/8/1927م :

استشهد الشيخ حسين الجويفي رئيس دور البراعصة، وكان صاحب مكانة عظيمة عند المختار، كان حسين الجويفي سباقاً للخيرات، حريصاً على الشهادة في سبيل الله، وكان يحرص على الخروج للمعارك مع مرضه حتى أن عمر المختار في احدى المعارك طلب منه أن يبقي حفاظاً على صحته وقال له (الجايات اكثر من الفايتات) والطليان لايبطلوا لمحاربتنا ونحن لانبطل الهجوم عليهم وستشبع من القتال فأيامه كثيرة.

تأثر عمر المختار لاستشهاد القائد العظيم الجويفي ووقف عند قبره وقال:

شهير لَسَم وَافِ الدين .. تمَّا غفير في فاهق خلا

فقد عمر المختار عدداً كبيراً من رفاقه الابطال الذين وقعوا شهداء في ساحة الوغى وكان من بينهم المختار ابن شقيقه محمد فشق عليه فقده رغم انه لا يزيد مكانة عند عمه السيد عمر المختار أكثر من إخوانه المجاهدين، لقد كان ابن أخيه عائلاً له يهتم بشؤون أسرة عمر المختار ويشرف على شؤونه الخاصة وخدمته الشخصية وكان بمثابة الابن حيث لم يكن لعمر ابن يتولى شؤون العائلة لأن ابنه الوحيد محمد صالح كان لايزال طفلاً، ثم إن السيد عمر المختار تعود مصاحبة الفقيد منذ سنة 1916م والى جانب كل ذلك فإنه من أبطال الجهاد ومن الابناء البررة. لقد احتسب المختار وأظهر التجلد وصبر صبراً جميلاً وكان يقول لكل من جاء لتعزيته:

إن كل فرد من رفاقي المجاهدين هو عندي بمنزلة المختار. إنني فقدت مختاراً واحداً ، ولكنني أعيش بين عدداً من المختارين كل منهم يملأ مكان ابن اخي وردد قول الشاعر الشعبي:

الدنيا أمفيت الله من واليها .. وين الصحابا قبلنا أو نبيها

ويــــن بــــون يـــــادم .. وين الشيوخ اللي كبار مقاوم

اللّي يندهوا للعبد هو والخادم .. وَنْ جاهم الطالب حاجتا يقضيها

ومعنى الابيات:

أن الله سبحانه وتعالى ولي الدنيا ووارثها وكل مافي هذه الدنيا مصيره الفناء، فأين رسول الله وصحابته وهم أكرم خلق الله عليه، وأين السادة الكبار الذين سبقونا وكان من شمائلهم المناداة للخدم من أجل خدمة الضيف وكل من جاء يطلب حاجة تقضي له، ومما قاله عمر المختار من الشعر:

ياعين كفى راه يومك قادم .. صيور البنا دم حفرتا ماليها

ومعنى البيت أنه يخاطب نفسه بأن تكفى عن البكاء لأن أجله في طريقه إليه ومصير بني آدم هو تلك الحفرة (القبر) التي يملؤها رفاته بعد الموت.


استمرار العمليات والدخول في المفاوضة

سبتمبر عام 1927م غزت جموع الزوية الجخرة ومرسى بريقة وجالو وأوجلة، وأنزلوا بالطليان خسائر فادحة، واشتدت مقاومة المجاهدين في الجبل الأخضر على الرغم من احتلال الطليان للواحات ومراكز السنوسية الهامة، فلم يعد هناك مناصا من أن يعيد الطليان النظر في خططهم، مما أدى إلى وقوع أزمة كبيرة في روما، وبدأت الحكومة تبحث بصورة جدية وسائل إخماد المقاومة وترسم الخطط السياسية الجديدة التي ترأى ضرورة التقيد بها في كل من برقة وطرابلس، وقد اضطر فيدرزوني وزير المستعمرات، وديبونو والي طرابلس وتيروتزي والي برقة للاستقالة في ديسمبر 1928م، فعين ديبونو وزيراً للمستعمرات وأعلن موسوليني توحيد الإدارة في القطرين الليبيين، وعين الماريشال بادوليو حاكماً على طرابلس وبرقة.

كان مجئ بادوليو إلى ليبيا بداية مرحلة الجهاد الحاسمة بالنسبة للمجاهدين وكان تاريخ تعيينه في شهر يناير من عام 1929م وكان برنامجه الجديد يتلخص في تخفيض الجيش إلى القدر الذي يكفي للقيام (بحرب العصابات) والمحافظة على على هيبة الحكومة مع انفاق الأموال المتوفرة في مد الطرق في الجبل الأخضر مما يسهل عليه التنقلات العسكرية، فإذا ما أتم له ذلك قام بهجوم شامل كاسح على المجاهدين يقضي على المقاومة نهائياً، ومن أجل ذلك سعت إيطاليا إلى مفاوضة السيد عمر المختار لتهدئة الأحوال، فكان برنامج بادوليو مبنياً على كسب الوقت أولاً ثم العمل رويداً رويداً من أجل تقوية المراكز المحتلة.

واهتم بادوليو بكسب الرأي العام وتخويفه، فأعلن العفو عن الأفراد الذين يسلمون أنفسهم وسلاحهم مختارين للحكومة، ويتوعد كل معاند بالعقوبة الصارمة وقد اسقطت الطائرات هذا المنشور من الجو على البلدان والقرى والنواجع في أنحاء ليبيا جميعها وكان لهذا المنشور آثار مباشرة، فظن بعض زعماء ليبيا بمدينة طرابلس الضعف ووهن العزيمة في الحكومة وقام أحمد سيف النصر ومحمد بن الحاج حسن (من قبيلة المشاشة) بالزحف على منطقة القبلة لجمع البدو المحاربين وإرسالهم إلى الجبل الأخضر حتى يعززوا قوات المجاهدين في الجبل ويرغموا الحكومة على اتخاذ لهجة متواضعة عند بدء المفاوضات مع عمر المختار وصحبه، وشرع صالح الأطيوش ينظم في جبل الهروج جماعات من المحاربين للاشتباك مع الطليان في برقة أو في طرابلس وفي منتصف فبراير 1929م نزلت قوات المجاهدين من الهروج الأسود للانقضاض على النوفلية من جانب وعلى إجدابية من جانب آخر، فاجتمعت من الجيفة ثم انقسمت ثلاث فرق التحمت إحداها مع الطليان في معركة عند قارة سويد في 5 مارس، واشتبكت الثانية معهم في معركة كبيرة عن النوفلية في 14 مارس واتجهت الثالثة بقيادة عبدالقادر الأطيوش من الجيفة صوب منطقة العقيلة في 23 مارس، ثم استقر المجاهدون في جبل سلطان واضطر المجاهدون إلى الانسحاب أمام قوات العدو العظيمة صوب وادي الفارغ.

كان لتلك الأعمال أكبر الأثر في إقناع بادوليو بضرورة العمل فوراً من أجل استمالة المجاهدين إلى المفاوضة إذا أراد أن يضع برنامجه الواسع موضع التنفيذ فبدأ من ثم متصرف المرج الكولونيل باريلا من أوائل مارس 1929م يطلب الاجتماع بالسيد عمر المختار للمفاوضة في شروط الصلح، وحدد باريلا موعداً للاجتماع غير أن باريلا لم ينتظر جواب المختار وأراد أن ينتهز فرصة اطمئنان المجاهدين لقرب بداية المفاوضات وانشغالهم بعيد الفطر المبارك، فانقض الطليان على المجاهدين وهم يقومون بصلاة العيد (1347هـ) وردهم المجاهدون على أعقابهم، ولكن مناوشات صالح الأطيوش وجماعته ونشوب المعارك المستمرة اضطرت بادوليو إلى تحديد المسعى، فكلف متصرف درنة دودياشي لتمهيد المفاوضة مع عمر المختار وصحبه، فاتصل بالمجاهدين واقترح على السيد عمر أن يكون الاجتماع يوم 2 مارس في منزل علي باشا العبيدي للبحث في موضوع الصلح وأصر عمر المختار على أن تظهر الحكومة الإيطالية حسن نواياها ويكون ذلك بإطلاق السيد محمد الرضا وإعادته إلى برقة واضطرت الحكومة الإيطالية للرضوخ واحضرت السيد محمد الرضا من جزيرة أوستيكا إلى بنغازي واجتمع بعد ذلك عمر المختار مع مندوب الحكومة دودياشي في منزل على العبيدي في 20 مارس، وحضر الاجتماع عدد كبير من مشايخ البلاد وأعيانها ثم أجلت المفاوضة إلى أسبوع وانعقد اجتماع آخر في سانية القبقب ولم يستطيع المتفاوضون الوصول إلى نتيجة مجدية، واجتمع المختار مع باريلا في الشليوني في الجبل الأخضر في يوم 6 إبريل ولم يصل المتفاوضون إلى نتيجة وفي 20 إبريل عادت المباحثات في بئر المغارة (في وادي القصور)، وقد حضر هذا الإجتماع محمد الرضا والشارف الغرياني، وخالد الحمري، وعبدالله فركاش ورويفع فركاش وعلي باشا العبيدي وعبدالله بلعون مدير المرج، وحضر كل هؤلاء اجتماع المختار بالسيد رضا، ثم خير مندوب الحكومة عمر بين ثلاثة أمور:

الذهاب إلى الحجاز، أو إلى مصر، أو البقاء في برقة، فإذا رضي بالبقاء في برقة أجرت عليه الحكومة مرتباً ضخماً وعاملته بكل احترام ولكن المختار رفض هذه الشروط وكان السيد رضا يخضع لرقابة صارمة منعته من تبادل الرأي مع عمر المختار.

واستؤنفت المفاوضات في هذه المرة في مكان يسمى قندولة بالقرب من سيدي رويفع وحضر اجتماع قندولة باريلا، وكمباني وعدد من الضباط والأعيان وكان سيشلياني قد بيت النية على الإيقاع بالمختار وأسره، ولكن عمر المختار احتاط للأمر ولم يسفر هذا الإجتماع عن شيء.

وفي 26 مايو بدأت المفاوضات من جديد، فحضر المختار إلى مكان قريب من القبقب. وفي هذا الإجتماع دارت المباحثات على أساس ماجاء في منشور بادوليو فعرض دودياشي شروط الحكومة وهي

1 - عودة السيد إدريس، وأحمد الشريف والسيد صفي الدين وسائر أعضاء الأسرة السنوسية إلى البلاد على أن يكونوا تحت إشراف الحكومة وأن يتم رجوعهم بترخيص من الحكومة بوصفهم مهاجرين يبغون العودة إلى أوطانهم وتعهدت الحكومة بعاملتهم المعاملة اللائقة بهم على غرار ماتفعله مع السيد الرضا.

2 - احترام الزوايا وأوقافها ودفع المرتبات لشيوخها.

3 - إرجاع أملاك الأسرة السنوسية.

4 - إعفاء الزوايا وأملاك السنوسية من الضرائب.

5 - تسليم المجاهدين نصف مامعهم من أسلحة لقاء ألف ليرة إيطالية تدفع ثمناً لكل بندقية يسلمونها، وعلى أن ينضم بقية المجاهدين المسلحين إلى المنظمات التي تنشئها الحكومة تحت إشرافها وإدارتها وذلك لمدة معينة تحددها الحكومة فيما بعد في نظير أن تعد أماكن لإقامتهم يسهل على الحكومة إمدادهم فيها بالمؤن فضلا عن إحكام الرقابة عليهم.

سادساً: إبعاد كل الإخوان السنوسيين من الأدوار وتتعهد الحكومة بإعطائهم المرتبات التي تناسب مراكزهم، فاعترض المختار على تسليم الأسلحة وحل الأدوار، وأصر على بقاء الأدوار تحت قيادة السيد حسن الرضا على أن يكون للحكومة نوع من الإشراف العام فحسب وأيد رأي المختار عبدالحميد العبار، ورفض دودياشي عروض المختار وانفض الإجتماع على أن يعرض دودياشي هذا الحل - كما طلب المختار من نائب الوالي في برقة حتى يفصل فيه سيشلياني بنفسه.

وبعد أربعة أيام فقط طلب دودياشي مقابلة المختار في قندولة (30مايو) فجاء المختار إلى نجع علي العبيدي شيخ العبيدات بالقرب من القبقب، وحضر معه السيد حسن الرضا والفضيل بو عمر وعبدالحميد العبار وحامد القماص وآخرون ومعهم حرس يتألف من مائة وخمسين فارساً وجاء من طرف الحكومة دودياشي وباريلا كما حضر هذا الاجتماع علي العبيدي وخالد الحمري ورويفع فركاش، وأظهر فيها المختار استعداده للتفاهم طالما أنه يؤدي إلى المحافظة على كرامة السنوسية. وفضلاً عن ذلك فقد أصر المختار على عدم حدوث أي اتفاق بينه وبين الحكومة الإيطالية إلا إذا حضر مندوب عن الحكومة المصرية وآخر عن الحكومة السنوسية كدليل على رغبة الطرفين الصادقة في الاتفاق بصورة قاطعة ولكن دودياشي اعترض على هذا الطلب، وقال بأن الطليان معروفين بوفائهم للعهود وحفظهم للمواثيق، فرد عليه عمر المختار وذكر مافعله الجنرال متزتي بقبيلة العبيدات، وهي من القبائل التي سالمت الطليان، عندما اغتصب هؤلاء كل ماتمتلكه هذه القبيلة حتى انهم نزعوا حلي النساء من آذانهن، وذكر مافعله لويللو مع أسرة إبراهيم من قبيلة العواقير، وقد سالم هؤلاء الطليان كذلك، فأخذ لويللو منهم أربعين رجلاً قتلهم رمياً بالرصاص ثم جعل السيارات تمر على جثثهم (فما زالت السيارات تدهسهم ذهاباً وإياباً حتى اختلطوا بالتراب وتدخل بعض الحاضرون لتهدئة الموقف وتمسك المختار بحقوق الحركة السنوسية وزعامتها وأصر على أن يكون للقطر البرقاوي الطرابلسي نفس الامتيازات التي تتمتع بها جاراته مصر وتونس وكان عمر المختار وحده هو الذي يتحدث، وأما سائر المجاهدين فقد صمتوا ثم قرر الذهاب إلى معسكره وقال إذا أراد المتصرف دودياشي الحديث فإن موعد ذلك جلسة أخرى، وبعد أيام اتصل علي العبيدي بالسيد عمر، وقبل عمر المختار استئناف المفاوضة، فعقد اجتماع آخر في يوم 7 يونيه حضره دودياشي وباريلا ثم سيشلياني الذي جاء الاجتماع موفد من قبل الماريشال بادوليو بغية الوصول إلى اتفاق حاسم مع العرب، وجدد الطليان عروضهم القديمة وتمسك المختار بمطالبه، وأصر على حضور مندوبين من قبل الحكومتين المصرية والتونسية ووعد سيشلياني بأن يحمل مطالب المختار إلى بادوليو. وفي 13 يونيه اجتمع نائب الوالي سيشلياني بالسيد عمر في قلعة شليوتي، وأظهر المختار رغبته الصادقة في الاتفاق إذا أقرت الحكومة الإيطالية مطالبه، وهي نفس المطالب السابقة وتأجل الاجتماع إلى يوم آخر حتى يتم الاتفاق النهائي بحضور والي طرابلس وبرقة نفسه وفي يوم 19 يونيه حصل الاجتماع سيدي رحومه المشهور بحضور بادوليو وسيشلياني وعدد من الطليان والأعيان كالشارف الغرياني، وعلي باشا العبيدي، وظل عمر المختار متمسكاً بضرورة حضور مندوبين عن الحكومتين المصرية والتونسية وعرض شروطه النهائية بحضور والي ليبيا، فقرأ الفضيل بو عمر هذه الشروط ووافق الطليان عليها، ثم تسلمها بادوليو ووعد بأن يعمل على حضور مندوبي الحكومتين المصرية والتونسية في اجتماع يحدد فيما بعد قريباً، واتفق الفريقان على عقد هدنة لمدة شهرين حتى يتسنى لكل منهما مراسلة مرجعه. وقال بادوليو إنه على استعداد تام لقبول عودة أمير البلاد السيد محمد إدريس إلى برقة مادام المختار والمجاهدون يصرون على ذلك.

وكانت الشروط التي عرضها المختار تكفل المحافظة على هوية الشعب وعقيدته ودينه ولغته، وتحفظ أوقاف الزوايا وتعطي عمر المختار الحق في أخذ الزكاة الشرعية من القبائل ومن أهم هذه الشروط:

1- أن لاتتدخل الحكومة في أمور ديننا، وأن تكون اللغة العربية لغة رسمية معترفاً بها في دواوين الحكومة الإيطالية.

2- أن تفتح مدارس خاصة يدرس فيها التوحيد، والتفسير، والحديث، والفقه، وسائر العلوم.

3- وأن يلغى القانون الذي وضعته إيطاليا والذي ينص على عدم المساواة في الحقوق بين الوطني والإيطالي إلا إذا تجنس الأول بالجنسية الإيطالية كما كانت شروط المجاهدين تنص على إرجاع جميع الممتلكات التي اغتصبتها الحكومة من الأهالي وإعطائهم مطلق الحرية في حمل السلاح وجلبه من الخارج إذا امتنعت الحكومة عن بيع السلاح لهم، كما نصت هذه الشروط على أن يكون للأمة رئيس منها تختاره بنفسها ويكون لهذا الرئيس مجلس من كبار الأمة له حق الإشراف على مصالحها، كما يكون للقاضي الإسلامي وحده الفصل بين المسلمين وطالب عمر المختار بإعلان العفو الشامل عن جميع من عدتهم إيطاليا مجرمين سياسيين سواء كانوا داخل ليبيا أم خارجها، وإطلاق سراح المسجونين، وسحب كل المراكز التي استحدثها الطليان في أثناء الحرب بما في ذلك مراكزهم في الجغبوب وجالو كما اشترط بأن لزعماء المسلمين الحق في تأديب من يخرج عن الدين أو يهزأ بتعاليمه أو يتهاون في القيام بواجباته. إن حرص عمر المختار على رفض الخضوع لأي إرادة أو سلطة غير سلطة الله واضح في حياته، ويظهر ذلك جلياً في شروطه، فقد كان دائماً مصراً على شرط تطبيق الشريعة الإسلامية بين المسلمين ورفض كل ماعداه من قوانين وضعية في مفاوضاته. أظهر بادوليو قبول الشروط ولكنه نكث بوعوده وأخذ يستعد للقضاء على المجاهدين، وشرع الطليان يبذرون بذور الشقاق في صفوف المجاهدين على أمل أن يضعفوا من قوتهم، وفي اجتماع سيدي رويفع ادعى سيشلياني أنه لايمكن إبرام الاتفاق النهائي إلا في بنغازي.

يتبع >
  #82  
قديم 25-09-2007, 09:24 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

أراد المجاهدون أن يقطعوا حجة الطليان فاتفقوا على أن يحضر اجتماع بنغازي السيد الحسن رضا السنوسي، وكان عمر المختار مقتنعاً بعدم جدوى الاجتماع ولكنه اضطر مكرهاً، وعاد الحسن يحمل شروطاً إيطالية مجحفة فرفضها عمر المختار والمجاهدون، وكتب المختار إلى نائب الوالي يخبره برفض الشروط الإيطالية جملة وتفصيلاً، ويلفت في هذه الرسالة نظر الحكومة الإيطالية إلى الشروط السابقة التي تسلمها المارشال بادوليو من السيد عمر نفسه وقطع على نفسه عهداً بالإجابة عنها بعد دراستها إذ لايوجد سبيل لحل المشكلة بدونها، وطلب عمر في نفس الرسالة تحديد موعد لمقابلة الجنرال سيشلياني نائب الوالي، وفي حالة الرفض أو عدم الإجابة يكون السيد عمر المختار في حل مما قيدته به آداب المجاملة في انتظار نتيجة المفاوضات وسوف تعود الأمور لما كانت عليه، وكان جواب إيطاليا هو أنها على استعداد ولاداعي للإنذار بإعادة الحرب.

لما ذهب الحسن بن الرضا إلى بنغازي تأثر ببعض أقوال الليبيين التابعين للحكومة الإيطالية وقبل أن يوقع على شروط الصلح التي خالفت ماطلبه المجاهدون، فلما رفض عمر المختار تلك الشروط عز على الحسن أن ينقض المختار كلمته وانفصل بجماعته من البراعصة والدرسة، وكانوا يبلغون حوالي الثلاثمائة واتخذ مكانه في غوط الجبل وهو مكان قريب من مراكز الطليان في مراوة.

كان عمر المختار بجانب إيمانه الراسخ واسع الأفق عالماً بواقعه مدركاً لما يجري حوله متابعاً له وقد كان ذلك أكبر عون له بعد الله على صحة مواقفه وقوتها التي فرضت الاحترام على اعدائه قبل أصدقائه، وما أعظم أن يجتمع الإيمان والفقه بالواقع، وما أقبح أن يتفرقا، ولئن كان هذا واضحاً جلياً في كل المواقف التي خاضها عمر المختار رحمه الله وآرائه التي قالها إلا إنه يتجلى كأوضح مايكون في إدراكه لعدم جدوى المفاوضات السياسية.


النداء الأخير

خاطب السيد عمر المختار المجاهدين وأبناء شعبه قائلا: فليعلم إذاً كل مجاهد أن غرض الحكومة الإيطالية إنما بث الفتن والدسائس بيننا لتمزيق شملنا وتفكيك أواصر اتحادنا ليتم لهم الغلبة علينا واغتصاب كل حق مشروع لنا كما حدث كثير من هذا خلال الهدنة، ولكن بحمد الله لم توفق إلى شيء من ذلك. وليشهد العالم أجمع أن نوايانا نحو الحكومة الإيطالية شريفة، وما مقاصدنا إلا المطالبة بالحرية وإن مقاصد إيطاليا وأغراضها ترمي إلى القضاء على كل حركة قومية تدعو إلى نهوض الشعب الطرابلسي وتقدمه . فهيهات أن يصل الطليان إلى غرضهم مادامت لنا قلوب تعرف أن في سبيل الحرية يجب بذل كل مرتخص وغال، ثم ختم المختار هذا النداء بقوله: (لهذا نحن غير مسؤولين عن بقاء هذه الحالة الحاضرة على ماهي عليه حتى يتوب أولئك الأفراد النزاعون إلى القضاء علينا إلى رشدهم ويسلكوا السبيل القويم ويستعملوا معنا الصراحة بعد المداهنة والخداع. وقد نشرت بعض الصحف المصرية هذا النداء في 2 يناير 1929م. من كان عبداً لله يستحيل أن يرضى بأن يكون عبداً لحكومة ظالمة كافرة أو لدنيا أو مال أو لهوى، فأكثر الناس أحراراً وتحقيقاً للحرية على مفهومها الصحيح ذلك العبد الذي رضى بالله رباً وبالإسلام ديناً ومحمد e نبياً ورسولاً.

غدر وخيانة

لقد نقضت الحكومة عهودها وغدرت بالمجاهدين وكان السيد حسن الرضا أول من ذاق مرارة غدرهم، فقد غادر المعسكر في غوط الجبل جماعة من عائلة عريف وانتهز الطليان هذه الفرصة فطلبوا من الحسن أن يتقدم بالدور إلى ناحية مراوة وأجاب الحسن رغبتهم وعندئذ سيرت الحكومة قوة كبيرة على الدور لجمع الأسلحة من أتباعه بدعوى أن رجاله قد (غزوا) بعض الأهلين في مراوة. وأبدى الحسن ورجاله معارضة شديدة، ولكن معارضتهم هذه سرعان ما أكدت للطليان - على حد قول هؤلاء - أن الدور كان مركزاً لدعاية سنوسية خطيرة، وأن حل الدور قد بات لذلك أمراً لامناص منه ولامحيد عنه، وكان مما جعل الطليان ينقلبون على الحسن أن امتنع في المدة الأخيرة عن إجابة رغبتهم عندما طلبوا منه الانتقال إلى بنغازي، وعلى ذلك فقد اشتبكت القوات الإيطالية مع الدور في قتال عنيف ذهب ضحيته كثير من المجاهدين ووقع الباقون في أسر هذه القوات وفي 10 يناير 1930م قبض الطليان على الحسن نفسه وساقوه أسيراً إلى بنغازي ثم مالبثوا حتى نفوه إلى جزيرة اوستيكا ثم إلى فلورنسه بعد ذلك. وقد بقى الحسن منفياً بهذه المدينة الأخيرة حتى وفاته في عام 1936، وبعد ذلك اندلعت المعارك بين المجاهدين والطليان في الجبل الأخضر وكانت الطائرات الإيطالية تلقي قذائفها على معسكرات المجاهدين ونشطت عمليات الطليان العسكرية بعد أن غدروا بالحسن وهاجموا دور المجاهدين في وادي مهجة (28 يناير 1930) وألقت الطائرات قذائفها على العرب، وانتشرت المعارك في منطقة الجبل حتى أقفلت جميع الطرق.


تعيين الجنرال غراسياني حاكماً لبرقة ونائباً للمرشال بادوليو الحاكم العام

كان الجنرال غراسياني عند قومه معظماً ومقدماً وقد قام بأعمال عسكرية في فزان شنيعة للغاية واستطاع أن يقضي على حركة الجهاد في فزان بدخوله غات في 25 فبراير 1930م وكان نصرانياً حقوداً على الإسلام والمسلمين لم يرقب في مؤمن إلاً ولا ذمة.

بعد بقائه في ليبيا لمدة تسع سنوات متتالية وبعد احتلاله الغاشم لفزان، دعى إلى إيطاليا لتشريفه وتكليفه.

ذكر في مذكراته وداعه لطرابلس فقال: (وداعاً طرابلس أرض آلامي وعذابي، غير انه تبقى في روحي، وداخل نفسي ذكريات كل حجر مرتفع في جبالك، وفي صحرائك الواسعة، ولكن لن ينطفئ أبداً ألمي وعذابي من أجل افريقيا وأنت ياطرابلس.

وفي روما كانت تنتظرني الاحتفالات التي يطمع كل جندي مخلص أمين يحظى برضا وتصفيق الزعيم الدوتشي (موسليني) .. وقد نلت هذا وصفق الزعيم ومجلس الأمة الإيطالي لي في جلسة بتاريخ 21/3/1930م، هذا الاحتفاء وهذا الرضا، كان أعظم مكافأة في حياتي، فلقد جددت في نفسي حب العمل والتضحية في سبيل الواجب الكبير الذي ينتظرني في ليبيا بجسم متعب في الأعمال التي تحملها في الماضي، ولكن بالروح والقلب الحريص والحاضر للعمل.. وبعد أن استلمت التعليمات العليا سافرت على السفينة إلى برقة .. ويوم 27/3/1930م وصلت بنغازي التي غادرتها سنة 1914م خلال الحرب العالمية الأولى وكانت رتبتي ملازم أول في الجيش الإيطالي.

إن التعليمات التي صدرت عن رغبة الزعيم الدوتشي، وقسمت ونظمت من قبل صاحب السيادة دي بونو (والفريق) الماريشال بادوليو، بيتوا فيها تصميم الحكومة الفاشستية القضاء المبرم على الحركة الوطنية (الثورة) مهما كلف ذلك وبكل الطرق والوسائل لأنها القضية البرقاوية.

والتعليمات هي:

1- تصفية حقيقية لكل العلاقات بين الخاضعين وغير الخاضعين من الثوار سواء في قاعدة العلاقات الشخصية أو الأعمال والحركات التجارية.

2- إعطاء الخاضعين أمناً وحماية ولكن مراقبة لكل نشاطاتهم.

3- عزل الخاضعين عن أي تأثير سنوسي ومنع أي كائن منعاً باتاً من قبض أي مبالغ من الأعشار والزكاة.

4- مراقبة مستمرة ودقيقة في الأسواق وقفل الحدود المصرية بكل صرامة بحيث تمنع أي محاولة تموين لقوافل العدو (أي المجاهدين).

5- تنقية الأوساط المحلية التي توجد بها عناصر تدعي الوطنية ابتداءً بالمدن الكبيرة وخاصة بنغازي.

6- تعيين عناصر غير نظامية من الطرابلسيين لكي يكونوا قوة مضادة للمجاهدين وتعني بتطهير الأقليم من كل تمرد أو ثورة.

7- حركة دقيقة وخفية لكل قواتنا (الطليان) المسلحة في المنطقة لخلق جو مذبذب ضد كل (الأدوار)، والمعسكرات، والضغط عليها حتى تتكبد الخسائر وتشعر بأن قواتنا موجودة دائماً وفي كل مكان مستعدة للهجوم.

8- الاتجاه السريع للاحتلال الكامل لكل أراضي مستعمرة الكفرة.

هذا هو جزار ليبيا غرسياني الذي جاء محملاً لتنفيذ الأوامر السالفة الذكر من أسياده في روما الكاثوليكية الفاشستية الميكيافلية.

ومنذ عودة غراسياني إلى بنغازي، بدأ نائب الوالي الجديد يضع هذا البرنامج موضع التنفيذ من غير إبطاء معلناً إنه سوف : (يتبع بكل إخلاص تعاليم الدولة الفاشستية ويسير على مبادئها، لأنه وإن كان قائد من قواد الجيش وأحد الرجال العسكريين إلا أنه يدين بمبادئ فاشستية محضة ويعلن هذه الحقيقة بكل وضوح وصراحة تامة).

كان الجنرال غراسياني معروفاً بالعجرفة والطيش وبالجبروت الوهمي، وكان أول عمل قام به في الدوائر المدنية بعد وصوله هو إستبدال غالب الموظفين الإيطاليين بآخرين ممن يتمتعون بثقته عندما كان يعمل في طرابلس، كما جاء بقائد جديد للكربنير (الضابطية) هو الكولونيل كاستريوتا، وبالجنرال نازي ليكون مساعده الأول في القيادة العسكرية، واستعان بعصابة من المدنيين قد أخذوا ينفذون أهدافه الشريرة وأفكاره الشاذة بكل الوسائل ومن هذه العصابة الكمندتور موريتي (السكرتير العام) الكمندتور أجيدي متصرف لواء بنغازي، ثم بدأ زيارته للمناطق الخاضعة لنفوذ إيطاليا وكانت السلطات تجمع لاستقباله جميع الأهالي بما في ذلك النساء والأطفال والعجزة، فيخطب فيهم متوعداً ومهدداً، وكان يستفتح خطاباته الطائشة بقوله (صموا أفواهكم وافتحوا آذانكم) ليلقى الرعب في نفوس المستضعفين الذين استسلموا وخضعوا لإيطاليا وكان قد ألقى كلمة تهديدية في جموع حشدتها السلطات في موقع (البريقة) إستهلها بقوله (ما أنتم إلا مثل سيجارة موقودة من الجانبين تلتهمها النار من هنا ومن هناك حتى تصبح رماداً وهاهو ذا أنا أولع السيجارة من جانبي ويوقدها عمر المختار من جانبه حتى يؤتى عليكم).

وقال في خطاب ألقاه من شرفة قصره في بنغازي (تحت يدي وتصرفي باخرة تقف في الميناء وبأقل إشارة مني تنقل كل من أرى من الصواب نقله إلى إيطاليا وهذا أخف مانعاقب به) وفي خطاب تهديدي آخر قال: ( عندي لكم ثلاثة حالات، الباخرة الموجودة في الميناء، وأربعة أمتار فوق الأرض - مشيراً إلى أعمدة المشنقة - ورصاص بنادق جندنا - مشيراً إلى القتل رمياً بالرصاص) ، لقد قام غرسياني وحكومته بحشد المجهودات الضخمة للقضاء على عمر المختار بالصورة التي كلفت الخزانة الإيطالية في سنة واحدة مالا يقل عن النفقات التي تتكبدها دولة عظيمة لمجابهة دولة تماثلها في عدة سنوات.

فقد قال السنيور فيتيتي وكيل وزارة الخارجية في حديث له مع سماحة مفتي فلسطين الأكبر الأستاذ محمد أمين الحسيني رئيس الهيئة العربية العليا لفلسطين، وقد أورد سماحته هذا الحديث في مذكراته التي أخذت تنشرها جريدة أخبار اليوم، قال وكيل وزارة الخارجية المذكور: حقاً أن ماوقع في ليبيا سبب لنا متاعب كثيرة فعندما كانت السياسة الايطالية تتأثر في الماضي كثيراً بالسياسة البريطانية قبل عهد الفاشيست خدعتنا انكلترا وفرنسا فاستولت على أغنى وأغلى أقطار أفريقيا، وأغرتنا باقتحام ليبيا عام 1911م، فلم نجد فيها رغم الجهود المضنية والخسائر الفادحة في الأنفس والأموال غير الرصاص والرمال، ولم نجن من ذلك إلا بغض العرب ومقت المسلمين لنا.


المحكمة الطائرة

لم يمض على وصول غراسياني سوى ايام قلائل حتى أنشاء ماعرف في تاريخ الاستعمار الايطالي الاسود باسم المحكمة الطائرة (ابريل 1930م) ، كانت تلك المحكمة تقطع البلاد على متون الطيارات وتحكم على الأهالي بالموت ومصادرة الأملاك لأقل شبهة وتمنحها للمرتزقة الفاشست وكانت تلك المحاكم تنعقد بصورة سريعة وتصدر احكامها وتنفذ في دقائق وبحضور المحكمة نفسها لتتأكد من التنفيذ قبل أن تغادر الموقع الذي انعقدت فيه لتنعقد في نفس اليوم بموقع آخر، وفتحت أبواب السجون في كل مدينة وقرية ببرقة وانتزعت الأموال من المسلمين بدون مبرر، ونصبت أعواد المشانق في كل من العقيلة، وجدابية، وبنغازي، وسلوق، والمرج، وشحات ودرنة، وعين الغزالة، وطبرق، ولأتفه شبهة وأقل فرية يصدر حكم الاعدام وينفذ في حينه شنقاً أو رمياً بالرصاص، وكان مما قتل شنقاً او رمياً بالرصاص في مدة لا تزيد عن شهرين من استلام غرسياني مقاليد الحكم في برقة؛ المشايخ بحيح الصبحي، على بويس العربي وابنه عبدربه بوموصاخ، خيرالله هليل، محمد يونس بوقادم، علي حميد ابوضفيرة، إثنان من قبيلة سعيد أشقاء حمد الرقيق، وهؤلاء من منطقة جدابية، ثم محمد الحداد وابنه بنغازي، وعبدالسلام محبوب من الاخوان السنوسين، سليمان سعيد العرفي (المرج) ، وخمسة عشر شخص بينهم الشيخ سعيد الرفادي (عين الغزالة وغيرهم كثير).


عزل المجاهدين ووضع القبائل في معسكرات الاعتقال الجماعية:

بدأ غراسياني ينفذ سياسة عزل الاهالي الخاضعين عن المجاهدين ، وشرع في جمع الاخوان السنوسيين من شيوخ الزوايا وأئمة المساجد ومعلمي القرآن بها مع ذويهم جميعاً، وكل من تربطه بأحد هؤلاء أية صلة، وكذلك بمشايخ وأعيان القبائل، وبكل من يربطه أي نوع من أنواع الصلات بأحد المجاهدين او المهاجرين، جيء بهذه المجموعات يساقون الى مراكز التعذيب ثم الى السجون ولم يشفع في أحدهم سن الشيخوخة الطاعنة، او الطفولة البريئة أو المرض المقعد، او الضرر الملازم، وانشئت معتقلات جديدة في بنينه والرجمة، وبرج توبليك وخصص غراسياني مواقع العقيلة والبريقة من صحراء غرب برقة البيضاء، والمقرون وسلوق في أواسط برقة الحمراء لتكون مواقع الاعتقال والنفي والتشريد والتعذيب لجميع سكان منطقتي الجبل الاخضر والبطنان بصورة جماعية، وبغير سكان هذين المنطقتين ممن تحوم حولهم أية شبهة، او تلفق ضدهم اقل فرية، وأمر بنقل قبائل هاتين المنطقتين المذكورتين الى هذه المعتقلات الخاصة بهم ثمانين ألفاً، وماهي في الحقيقة إلا مقابر يدفن فيها الاحياء وأداً ، فخصص معتقل العقيلة والبريقة لقبائل العبيدات والمنفا، والقطعان ، والشواعر، والمسامير،... ولبعض عائلات الاخوان السنوسيين بما في ذلك سكان الجغبوب، ولبعض من سكان مدينتي بنغازي ودرنه، واسند حكم هذين المعتقلين لممثلي الظلم والجبروت والوحشية الفظيعة لكل من كسوني، باريلا (غير باريلا متصرف المرج).

وخصص معتقلاً المقرون وسلوق لكل من قبائل البراعصة والدرسا والعرفا والعبيد وأتباعهم وشطر كبير من عائلات الاخوان السنوسييين الذين سبق أن أبعد غرسياني رجالاتهم الى ايطاليا أو فرقهم بين السجون المختلفة، جيء بهذه القبائل التي بلغ تعدادها الثمانين ألف نسمة يساقون زمراً الى المعتقلات المذكورة، فمنهم من جاءها عن طريق البحر حيث حشروا بالمراكب حشراً ومنهم من جاءها عن طريق البر بعد أن أتت إيطاليا على جميع المنقولات حرقاً بالنار، كما أحرقت الزراعة ومحصولاتها، وأهلكت الحيوانات فيما عدا ما استعملته للنقل، وأحيط القسم المساق عن طريق البر بجنود من الصوماليين والاريتريين ليتعقبوا كل من يتخلف عن المساقين الى حتفهم، ويرمى المتخلف بالرصاص ، وكان الرامي غير مسؤول عن عمله هذا، وأصبحت جميع مناطق الجبل والبطنان هلاكاً تلعب فيه الرياح.

لقد اراد غراسياني الانتقام من القبائل التي اثبتت الايام انها نعم العون للمجاهدين بعد الله، فجمع النواجع المنتشرة في منطقة الجبل الاخضر في أماكن احاطها بالاسلاك وحدث في تلك المعتقلات الجماعية مالم يصدقه بشر ولا خطر على بال انسان يعقل، لقد اشتدت المحنة واعتدى الايطاليون على الابدان والاموال والاعراض في تلك المعتقلات ولقد قام الباحث يوسف سالم البرغثي بدراسة متميزة سماها المعتقلات والاضرار الناجمة عن الغزو الايطالي وذكر فيها تفصيلاً محزناً، ووثائق تاريخية من أفواه من عاش تلك المرحلة العصيبة التي مربها شعبنا المظلوم.

لقد وصف مراسل جريدة ألمانية زار معسكرات الموت التي جمع فيها غراسياني أكثر من 80 ألف نسمة فقال: إن الانتقادات التي يوجهها الآن الفرنسيين والانكليز الى خطة الفاشيست في برقة، موجهة في الدرجة الاولى الى التدابير التي اتخذها الجنرال غراسياني لإجلاء 80 ألف بدوي عن اراضيهم ، دون أن يرعوا حالة هؤلاء البدو الروحية، أو يلاحظوا تأثير مثل هذا القيد والحصار فيهم، ولا يجوز لأحد أن يخرج من نطاق الحصار إلا في النهار، بشرط أن يرجع الى مكانه قبل أن يخيم الظلام وكل واحد من رؤساء القبائل مسؤول عن اتباعه فرداً فرداً.

يجب أن نقول أن الحالة السيئة للغاية تفوق كل تصور ، فان معدل الاموات من الأطفال يبلغ 90% وأمراض العيون التي ينتهي اكثرها بالعمى كثيرة جداً ومنتشرة ويكاد لا ينجو احد من الامراض، أما غذاء هؤلاء المساكين، فالأحسن أن لا نتكلم عنه بالمرة، ومن الطبيعي أن نرى هؤلاء يتألمون أشد الألم، وفي الدرجة الاولى من هذه الاسلاك الشائكة ، رمز الاسر، ورغم تلاصق الخيام ، وشدة تقاربها ببعضها، فإن حصرها ضمن اسلاك شائكة ، يجب ان نعتبره من المتناقضات الغريبة التي لايتصورها العقل.

إن ماارتكب في العقيلة والبريقة وغيرها من المعتقلات من جرائم جعل المناضلين في العالم يصرخون وينددون بالاستعمار الفاشيستي في ليبيا فقال عبدالرحمن عزام يصف حالة المعتقلين ويلفت الأنظار إليهم: (يبحثون عن اخبار الاندلس وكيف اجرى الاسبانيون بالمسلمين هناك ومالهم والاندلس والامور جرت في القرون الوسطى فأمام أعينهم طرابلس الغرب فليذهبوا ويشاهدوا باعينهم في هذه الايام فضائح لاتقل عما جرى بالاندلس).

وعبرّ غراسياني نفسه عن المأساة التي كانت اكبر من قلبه القاس فقال: (لقد نتج عن هذا كله ان اكثر الناس هاجرت ونزحت الى مصر وتونس والسودان تاركة وراءها اهلها وذويها...فاني حاسبت نفسي وضميري.. الامر الذي جعلني لم أنم هادئاً اكثر الليالي) ويقول مبرراً جرائمه البشعة لانستطيع انشاء حاضر جديد اذا لم نقض على الماضي القديم).

يتبع >
  #83  
قديم 27-09-2007, 10:12 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

عمر المختار يغير استراتيجية الحرب

كانت معسكرات المجاهدين قريبة من نواجع الاهالي حتى يسهل على المختار وصحبه أخذ العشور والحصول على الذخائر والأسلحة والمؤن ولكن بعد حشر القبائل في المعتقلات الجماعية تغيرت خطة عمر المختار وطور اساليبه القتالية لما يتماشى مع المرحلة واعتمد على عنصر المباغتة وركن الى مفاجأة القوات الايطالية بعد كشفها والاستطلاع عليها في اماكن متفرقة.

يقول غراسياني: (بالرغم من ابعاد النواجع والسكان الخاضعين لحكمنا يستمر عمر المختار في المقاومة بشدة ويلاحق قواتنا في كل مكان).

وقال عنه ايضاً: (عمر المختار قبل كل شيء لن يسلم أبداً لان طريقته في القتال ليست كالقادة الاخرين فهو بطل في إفساد الخطط وسرعة التنقل بحيث لايمكن تحديد موقعه لتسديد الضربات له ولجنوده، أما غيره من الرؤساء ... فإنهم أسرع من البرق عند الخطر، فيهربون الى القطر المصري تاركين جنودهم على كفة القدر معرضين لخطر الفناء، عمر المختار عكس هذا فهو يكافح الى أبعد حد لدرجة العجز ثم يغير خطته ويسعى دائماً للحصول على أي تقدم مهما كان ضئيلاً بحيث يتمكن من رفع الروح العسكرية مادياً ومعنوياً حتى يقضي الله امراً كان مفعولاً وهنا يسلم امره لله كمسلم مخلص لدينه).

كان عمر المختار قطب تدور عليه رحى الاعمال، والتف المجاهدون حوله التفاف السوار بالمعصم واستمر العمل بقيادته ومساعدة معاونيه كيوسف بورحيل، والفضيل بوعمر، وعصمان الشامي، عوض العبيدي، وعيسى الوكواك العرفي، عبدالله بوسلوم، وعبدالحميد العبار وكانت مواقف عمر المختار تدل على شخصيته القيادية البارعة في أحلك الظروف واثناء المحن، ففي احد الايام وعقب انتقام الايطاليين من احد المنتجعات التي كانت تقدم مساعدات للمجاهدين تقدم بعض زعماء القبائل باحتجاج الى عمر المختار وطلبوا منه اما ان يسلم الى الايطاليين او أن يرحل عن مواطنهم أو انهم سوف يحاربونه لكي يتجنبوا انتقام الايطاليين، وعلى اثر تسلم هذا الانذار دعا عمر المختار الى عقد اجتماع في منطقة قصر المجاهير وقد ساد هذا اللقاء حالة من التوتر وشدة في النقاش في محاولة لتجنب حرب اهلية بين المجاهدين والليبيين الواقعين في المناطق الخاضعة للاحتلال ، فرأى بعض المجاهدين تجنباً لهذا الوضع الحرج أن يهاجروا الى مصر لكي لا يتعرض الأهالي الى الانتقام وبعد حوار طويل، اظهر المختار مصحفه واقسم عليه بأنه لن يتوقف عن مجاهدة الايطاليين، وانه لن يترك الجبل الاخضر حتى يتحقق النصر او الشهادة، وفي نفس الوقت أعلن للمجاهدين انه من يريد الهجرة الى مصر فله مطلق الحرية في السفر او التسليم للايطاليين وعندما رأى المجاهدون موقف قائدهم عدلوا عن رأيهم واطاعوه وانفض الاجتماع على وحدة صف المجاهدين.

استمر غرسياني في تدابيره العسكرية، فلم يأت يوم 14 يونيو حتى كان الطليان قد استولوا على منطقة الفايدية، بأجمعها واحتلوها ونزعوا من الاهالي الخاضعين لهم 3175 بندقية ، 60.000 خرطوش.

نقل عمر المختار دائرة عملياته الى الناحية الشرقية في الدفنا نظراً لقربها من الحدود المصرية وذلك حتى يتمكن من إرسال المواشي التي يأتيه بها الأهالي الى الاسواق المصرية في نظير أخذ حاجته من هذه الاسواق ، مما جعل غراسياني يقرر إقامة الاسلاك الشائكة على طول الحدود الشرقية. قال: أن أطمأن على خطوط تمونيه البعيدة أصدر أمره الى قواته الموزعة في كل مكان ألا تزعج بعد الآن الليبيين الخاضعين لسلطاتنا حتى لايكونوا سلاحاً آخر ضده وألا يغضبوا من حركته، وهكذا يصبح أمام ضميره بأنه مسلم حقيقي، ونظيف أن مد الاسلاك الشائكة المكهربة على حدود مصر كادت أن تنتهي وستضيق الخناق عليه تدريجياً حتى يقع في الفخ الذي سننصبه له إن مصر هي المأوى الآمين لعدد كبير من الآلاف المؤلفة من البرقاويين الذين ينتمون الى القبائل العمامة والتي لها امكانياتها البشرية والمادية، وكذلك لها التأثير الكبير على كثير من النفوس التي يسهل تجنيدها وتوجيهها نحو القتال مقتنعين بأنهم يدافعون عن الدين الاسلامي وعن كيانهم معتبرين أننا مغتصبين ومعتدين على حقوقهم . هؤلاء الخارجين عن القانون ومن بينهم اعداؤنا يكونون المخازن الثانية لتمويل الثورة بالاسلحة والمؤن والرجال لكل الادوار رغم كل الاحتياطات التي اتخذتها سلطاتنا الحاكمة، زد على ذلك الاموال التي تجمع من لجان التبرعات من الاقطار العربية لمساعدة الثوار القائمين بالحرب المقدسة فوق الجبل الاخضر في برقة وحتى أن اتخذنا كل الاحتياطات ضد الخاضعين لسلطاتنا وابعادهم فالثوار لايزالون اقوياء يهاجموننا في كل مكان.

عزم غراسياني على مد الاسلاك الشائكة في الحدود الليبية المصرية المصطنعة من قبل الاستعمار مايزيد على 300كم من البحر المتوسط الى مابعد الجغبوب وقد كلف الدولة الايطالية عشرين مليوناً فرنكاً ايطالياً. وقد حقق لهم ذلك العمل أمور عدة ذكرها غراسياني في كتابه منها:

1- قضى على الثوار.

2- قضى على التهريب وأصبح دخل الدولة الايطالية في ازدياد من ناحية الضرائب الجمركية.

3- قضى على حركة الامدادات التي كانت تأتي للثوار المجاهدين من مصر عن طريق المهاجرين.

استشهاد الفضيل بوعمر

استمرت المعارك بين الايطاليين والمجاهدين ومن اشهر تلك المعارك (كرسة) التي وقعت في يوم 20 ديسمبر وقد استشهد في هذه المعركة الساعد الايمن لعمر المختار الشيخ الجليل والمجاهد الفذ الفضيل بوعمر الذي شارك في مسيرة الجهاد منذ دخول الغزو الايطالي في 1911م وشهد له بالشجاعة والاخلاص في جهاده وقد ذكر عمر المختار تفاصيل هذه المعركة في رسالة له جاء فيها ان العدو هاجم المعسكر، وكان رئيسه السيد فضيل بوعمر وقد استشهد في هذه المعركة الى جانب الفضيل اربعون شهيداً وقد وجدنا في ميدان القتال مايزيد عن 500 من العدو وبينهم ماجور وثلاثة ضباط، وشدد الطليان عملياتهم العسكرية في منطقة الجبل الاخضر بعد هذه الواقعة، واستمرت جموعهم تناوش المجاهدين مدة اسبوعين، ولكن دون الوصول الى نتيجة.

وفي اكتوبر 1930م تمكن الطليان من الاشتباك مع المجاهدين في معركة كبيرة عثر الطليان عقب انتهائها على (نظارات) السيد المختار، كما عثروا على جواده المعروف مجندلا في ميدان المعركة؛ فثبت لهم أن المختار مازال على قيد الحياة، وأصدر غراسياني منشوراً ضمنه هذا الحادث حاول فيه أن يقضي على (اسطورة المختار الذي لايقهر أبداً) وقال متوعداً : (لقد أخذنا اليوم نظارات المختار وغداً نأتي برأسه).

ومع شدة قبضة الاستعمار الايطالي على المدن إلا أن ذلك لم يمنع الاهالي من القيام بواجبهم المقدس ، واستطاعت المخابرات الايطالية ان تقبض على عدد من الليبيين الذين يزودون حركة الجهاد بالمؤن والمعلومات وتم اعدامهم وقد ذكر غراسياني بعض الاشخاص في كتابه فقال: وهنا اعرض بعض الاحوال الهامة لبعض الاشخاص الليبيين الذين نفذت فيهم المحكمة الخاصة حكم الاعدام في 14 يونيو 1930م عقدت المحكمة الخاصة في شحات لمحاكمة المواطن حمد بوعبد ربه الدرسي في الميدان العام، باعتباره خائناً للدولة الايطالية، لأنه كان شيخاً لبيت من بيوت قبيلته الدرسة، وكان محترماً من سلطاتنا ولكن اتضح لدى قسم المخابرات إنه يتعاون مع الثوار في امدادهم بالمؤن والسلاح، وكانت مخياماته تعتبر شبه استراحة لجنود الثوار (المجاهدين) وعدد هذه الخيام يزيد عن عشرين خيمة بمنطقة (قصر بن قدين) المكان الذي يتزود منه الثوار بالمؤن والسلاح، وقد حكم عليه بالاعدام رمياً بالرصاص في الميدان بشحات وأمام الجماهير ، وبعد اسبوع من هذا الحادث حصلت حركة انتقامية من الثوار (المجاهدين). هجموا على نفس الميدان ، وفي وضح النهار قتل فيه عدد كبير من جنودنا... وكذلك تاجر من تجار المنطقة.

وفي شهر سبتمبر 1930م اكتشفت قوة الامن بمنطقة البركة ببنغازي أن المواطن محمد الحداد احد اعيان بنغازي ومن تجارها يتعاون مع الثوار وعن طريقه تتم حركة الامدادات من المؤن والاسلحة وكان يستضيف في بيته الثوار ويمدهم بما يلزمهم وفي الوقت والحين حضرت المحكمة الخاصة وحكمت على الأب والابن بالاعدام شنقاً أمام الجماهير التي ارادت السلطات الايطالية إحضارهم خصيصاً لمشاهدة تنفيذ الحكم، وهذا مثال آخر سليمان سيد شيخ قبيلة الطرش، كان عضواً في مجلس النواب، حاملاً لوسام النجمة الايطالية للمستعمرات برتبة ضابط، وكان يرتدي برنوس الشرف الخاص بالنواب الليبيين كنا نعتمد على آرائه ولم نفكر في يوم من الايام أن يكون ضدنا حكمت عليه المحكمة بالاعدام ، لأنه كان يستغل نفوذه ويتعاون مع الثوار...ومن هذا النوع الكثير من المشاهد التي لايمكن حصرها وقد نفذ مع مجيء المحكمة الطائرة 250 حكماً بالاعدام، ونفذ فيهم الحكم في مدة وجيزة ورغم ذلك لازال الشعب الليبي يتعاون مع الثوار الى درجة الضياع التام.

إن هذه الحقائق والمواقف التاريخية تشير الى فاعلية أهل المدن في جمع المعلومات والأموال والمؤن والأسلحة، وتهريبها الى قادة حركة الجهاد المبارك، وحرصهم على استمرارية جذوة الجهاد.

لقد وجد الايطاليون أنفسهم في حرب مع شعب دفع بكافة طاقاته نحو ساحات الوغى والفداء، وشارك معظم ابنائه بكافة مايملكون في حركة الجهاد المقدس.

احتلال الكفرة:

بعد ان استطاعت القوات الايطالية أن تعتقل قبائل برقة في معسكرات واسعة، واخذ غراسياني في مد الاسلاك الشائكة على طول الطريق على البحر المتوسط الى مابعد الجغبوب ليفصل برقة عن مصر وكان قد شرع في جمع قواته الضخمة من مختلف وحدات الجيش الايطالي والجيوش الملونة من المرتزقة ومن المعدات الحربية لإحتلال الكفرة.

كانت نقاط الاحتشاد هي العقيلة، ومرادة وجدابية وجالوا، وحشدت ايطاليا عدداً كبيراً من الابل استعداداً لنقل المؤن الى جانب سيارات النقل الكثيرة، هذا ماكان عن استعداد القيادة الايطالية ببرقة، أما عن القيادة الايطالية بطرابلس فقد جهزت هي الاخرى حملةمماثلة بقيادة الكونيل قالينا وكانت نقطة ارتكاز هذه الحملة واحة زلة وكانت القيادة العامة للحملة الموحدة تتمثل في شخص الجنرال رونكيتي تحت اشراف الجنرال غرسياني مباشرة وتحركت الجيوش الايطالية من طرابلس وبرقة في وقت واحد وبنظام موحد تسلك طريق الصحراء الى الكفرة، وتجمعت يوم 29 شعبان سنة 1349هـ بموقع الهواري، وهناك اشتبكت قواتهم مع المجاهدين في اولى المعارك وكانت معركة غير متكافئة، وقد اشترك قسم من الطائرات الايطالية مكون من عشرين طائرة، واستمرت المعركة ثلاثة ساعات قتل اثناؤها العدد الكثير من الايطاليين ومن المدافعين الذين ماكانوا يفكرون في صد العدوان طويلاً ولكنهم يحاولون إيقافه بعض الوقت ريثما يتمكن من يستطيع الفرار ليأخذ طريقه الى السودان أو مصر، لقد قاتل المجاهدون جميعاً بشجاعة وبسالة نادرة ، فلم يكفوا عن القتال، واستشهد العشرات ووقع في أسر الطليان ثلاثة عشر فقط، وغنم الطليان مائة بندقية، واحتلوا الكفرة، وهتكوا الاعراضن وفعلوا مالم يفعله انسان.

لقد كتب غراسياني عن اهتمامه بإحتلال الكفرة، وعن الاستعدادات التي اتخذتها الحكومة الايطالية اكثر من خمسة واربعين صفحة، لقد اعترف غراسياني بقوة وشجاعة المجاهدين الذين تعرضوا لقتال الايطاليين عبر الصحراء الكبرى. قال غراسياني : لقد حملتنا خسائر فادحة وكنا حريصين على تحقيق النصر بأي ثمن لكون قوات المجاهدين غير متكافئة، رغم هذا كله كانوا اشداء اقوياء صامدين ، صابرين لايتقهقرون ابداً حتى ولو ادى ذلك لفنائهم جميعاً مؤمنين بأنهم اصحاب حق وشجاعة.

لقد اعترف العدو بهم كان زادهم التمر والشعير ومع ذلك دوخوا ايطاليا، وكان من بين القادة الذين اثخنوا في الاعداء عبدالحميد بومطاري الذي تزعم قيادة الزوية والمغاربة في تلك المرحلة في جهادها ضد ايطاليا، وصالح الاطيوش وسيف النصر الذي قال فيهم غراسياني: (لقد وصل سيف النصر، وصالح الاطيوش الى المنطقة وبصحبتهم الذين هاجروا من القطر الطرابلسي فأصبح الموضوع دقيقاً وبالاخص صالح الاطيوش فهو مكابر وشديد المراس

إن المجاهد صالح الاطيوش من المجاهدين العظام الذين ساهموا في الذود عن حياض المسلمين لقد شهد له عدوه غراسياني بشدة مراسه، فله منا الدعاء بالمغفرة والرحمة والرضوان وله ولجميع اخوانه الذين سطروا لنا صفحات من البطولة والرجولة للذود عن ديننا العظيم.

إن عائلة آل الاطيوش تعرضت لبلاء عظيم ، ولقد اعطى السنوسي الاطيوش صورة حية عن ذلك البلاء الذي كابده الفارون من جحيم الكفرة في ذلك الوقت.

إن اسرة عائلة الاطيوش أسرة مشيخة أصيلة في قبيلة المغاربة، تعد نموذجاً لما قاسته مختلف العائلات الليبية البارزة عبر فترة الكفاح الطويل ضد الايطاليين، فمن المعلوم أن الكيلاني الأطيوش، الذي عينه الوالي التركي في منصب القائمقام الكفرة سنة 1910م ، توفي في العام التالي مباشرة وهو في طريقه الى جالوا للالتحاق بقوات المقاومة التركية ضد الغزو الايطالي، وأخوه سعيد قضى نحبه خلف اسوار معتقل ايطالي في العقيلة ومن بني أخيه واحد شنقه الطليان في سرت، وعبدالله استشهد في معركة النوفلية، كما قتل في البريقة اثنان آخران هما علي واحمد عبد عبدالقادر الذي قتل في سرت سنة 1918م والآخر استشهد في معركة سرت بالقرب من اجدابية، وكذلك فقدت هذه العائلة مالايقل عن اربعة آخرين ماتوا في أثناء محاولة النجاة بأرواحهم من الكفرة.

فعندما هاجم الايطاليون الكفرة رحل صالح باشا الاطيوش بأهل بيته، وكان من بينهم السنوسي ابن أخيه، وبضعة اشخاص آخرين ، في قافلة من الابل اتجهوا بها أولاً صوب العوينات على حدود السودان، فبلغوها بعد ستة ايام، وهناك ملأو قربهم بالماء وانقسموا الى فريقين، توجه أحدهما الى الشمال نحو وادي النيل، بينما عمد الفريق الآخر الى مرقة وهي واحة صغير غير مأهولة تقع في ناحية الجنوب الشرقي بالسودان. ويبلغ طول هاتين المسافتين 500 ميل و 300 ميل على التوالي، أي مسيرة 25 يوماً و15 يوماً بمعدل سير الابل العادي، ولم يكن ثمة أي أثر يمكن للمسافر اقتفاؤه ولا مورد ماء في الطريق، ولا احد يستطيع ان يتصور مدى خطورة رحلة كهذه مالم يكن قد جرب اجتياز تلك الصحارى على ظهر جمل وقد حكى السنوسي الاطيوش قصة تلك الرحلة فقال: (بعد مسيرة عدة أيام اخفقنا في الوصول الى مرقة وعرفنا أننا تائهون في الصحراء ، فرجعنا ادراجنا نقصد العوينات. لما كنا استنفذنا مؤنتنا من المياه، أصبحنا مضطرين الى نحر ناقة أو جمل كل يوم لشرب الماء المخزون في بطون الابل، وكان كل منا يحمل في مخلاته بعض لحم الذبيحة ويأكل اثناء السير ومع ان المسافة التي قطعناها منذ خروجنا من العوينات كانت قد استغرقت منا ثمانية ايام كاملة، فقد بلغت بنا شدة المحنة اننا في طريق العودة قطعنا نفس المسافة خلال أربعة ايام فقط، راكبين او ماشين ليل ونهار وفي العوينات ملأنا قرب الماء من جديد، وبعد استراحة قصيرة واصلنا السفر عامدين نهر النيل رأساً، باقتفاء آثار الفريق الآخر من جماعتنا، وعثرنا في الطرق على جثث البعض، ومن بينهم امي وأختي واثنين من اخوتي قصفتهم طائرات الطليان، او ماتوا عطشا. وكنا نغذ السير ليل نهار حتى وصلنا آبار كريم بعد تسعة ايام ونحن اقرب الى الموت منا الى الحياة، وهناك اسعفنا الحظ بلقاء بعثة استكشافية كان قد نظمها الامير عمر طوسون بقيادة ضابط بريطاني ، فحملتنا معها الى واحة الخارجة ثم الى الداخلة. ومنها انتقلنا الى المنيا حيث استقر بنا المقام مع ناس من قبيلة الجوازي التي تربطنا بها صلة القرابة. ومكثنا هناك حتى عام 1940م وعندها التحقنا بالقوات الليبية تلبية لنداء الامير).

إن هذه القصة الحزينة تعطينا صورة واضحة عن ماكابده الليبيون الذين استطاعوا الهروب من هجمة غراسياني الوحشية على الكفرة، وتلك الغارة الهمجية، ولقد تأثر العالم الاسلامي من الأخبار التي سمعوها من العوائل الليبية التي كتب الله لها النجاة، وقد قام الامير شكيب ارسلان بدور مشكور في توضيح تلك الاعمال، وكتب مقالات صادقة أصبحت وثائق مهمة للمؤرخ لتلك المحنة العظيمة التي مرّ بها الشعب الليبي المسلم فقد قال: (....إنهم لما احتلوا واحة الكفرة في 13 يناير من سنة 1931م استباحوا قراها ثلاث أيام فقتلوا ماصادفوه من الأهالي وكان من جملة القتلى بعض الشيوخ الاجلاء مثل محمد عمر الفضيل، والسيد حميد الفضيل، والشيخ فضيل الديفار وغيرهم ممن قتلوه صبراً غير داخل في ذلك من قتلوا من المعركة التي جرت بين الاهالي وجيش الحملة الطليانية وهم 200 شخص ثم ان الطليان انتشروا في القرى والبساتين ونهبوا كل ماوقع في ايديهم ولم يرحموا الشيوخ ولا الاطفال ولا النساء وصادفوا الشيخ مختار الغدامسي وهو شيخ فان بلغ ثلاثاً وتسعين سنة، ومن جلة علماء السنوسية فحملوه مقيداً بالحبال على جمل ونفوه من الكفرة فمات في الطريق. ثم اغتصبوا النساء في اعراضهن وقتلوا منهن كثيراً ممن دافعن الى الآخر عن اعراضهن. وكان نحو من 200 امرأة من نساء الاشراف قد فررن الى الصحراء قبل وصول الجيش الايطالي، فأرسلوا قوة في أثرهن حتى قبضوا عليهن وسحبوهن الى الكفرة حين خلا بهن ضباط الجيش الطلياني واغتصبوهن وهكذا نزلوا المعرات بسبعين اسرة شريفة من أشراف الكفرة الذين كانت الشمس تقريباً لاترى وجههن من الصون، والعفاف، وقد أشارت الصحف الطليانية الى هذه الحادثة وصرحت في باب الافتخار قائلة: (إن الجيش قبض على 200 امرأة من نساء الزعماء) وقرأنا ذلك باعيننا ولحضنا ان مقصود البلاغ العسكري الايطالي التبجح بكون حلائل زعماء الكفرة صرن الى الضباط إلا اننا انتظرنا جلاء الاخبار من الجهة الثانية حتى نعلم ماذا جرى بعد التثبت ، فمضى شهر حتى وردت الاخبار من المهاجرين الذين دخلوا حدود مصر بأن هؤلاء السيدات المقصورات الناشئات في اكرم بيوت الطهارة والصون قد قبضوا عليهن في الصحراء وصرن الى أولئك الفجرة الذين لايعرفون لصيانة العرض معنى ولايقيمون للشرف وزنا. وعلمنا أن بعض شيوخ الكفرة الذين احتجوا على هتك اعراض السيدات المذكورات قد أمر القائد بقتلهم ثم لما هج هائج العالم الاسلامي من جراء هذا الخبر واشباهه اذاعت الحكومة الايطالية تمويهاً ظاهراً زعمت فيه أن الجيش تأثر للنسوة المائتين المذكورات شفقة عليهن ولأجل أن يرجعن الى بيوتهن آمنات وغير ذلك من الاقاويل التي قصدت ايطاليا بها تخدير اعصاب المسلمين الذين بلغهم ماكان جرى بالكفرة من هذه الفضائع من هتك اعراض مخدرات المسلمين ومن استباحة الزاوية السنوسية المسماة (التاج) وأراقة الخمور فيها، ودوس المصاحف الشريفة بالاقدام هذا منظماً الى ماكن بلغهم من قبل من اجلاء 80 ألفاً من عرب الجبل الاخضر عن اوطانهم واماتتهم بالجوع والعطش، واخذ اطفالهم قهراً الى ايطاليا لأجل تنصيرهم الى ماكان بلغهم من فظائع كثيرة مثل حمل الشيخ سعد شيخ قبيلة (الفوائد) وخمسة عشر شيخاً من رفاقه بالطائرات وقذفهم بهم من الجو على مشهد من أهلهم حتى إذا وصل احدهم الى الارض وتقطع ارباً صفق الطليان طرباً ونادوا العرب قائلين (ليأت محمد هذا نبيكم البدوي الذي أمركم بالجهاد وينقذكم من أيدينا) هذه حادثة وغيره من الأمور في هذا الشأن كثيرة جرحت قلوب المسلمين، فجرت مظاهرات بالشام، وحلب ، وطرابلس الشام، وبيروت، وفلسطين ، وانعقدت اجتماعات في كل مكان للاحتجاج على أعمال إيطاليا، وأبرق المسلمون بالاحتجاجات الشديدة الى جمعية الامم بجنيف والى نفس موسيلني بالعبارات القاسية وقامت قيامة الجرائد العربية وحملت على توحش الفاشيت من كل جانب وامتلأت جرائد مصر بالاحتجاج والطعن في ايطاليا الى أن عطلتها الحكومة المصرية اجابة لطلب الحكومة الايطالية ووصل الصريخ الى الهند والجاوى وأضج المسلمون لهذه الاخبار وانعقد في الجاوى اجتماع كبير حضره ألوف مؤلفة من المسلمين وخطبوا خطباً شديدة ودعوا الى مقاطعة البضائع الايطالية ، وتدخلت الحكومة الهندية في الأمر وانتصرت لايطاليا بمقتضى قاعدة التكامل الاوروبي بوجه المسلمين ، وقاعدة التكافل الاستعماري بوجه الامم المقهورة واشاع قناصل ايطاليا ان كل هذه الاخبار عمّا حل بمسلمي طرابلس ملفقة لا أصل لها وبلغت بهم الوقاحة أنهم كانوا يخاطرون الناس مخاطرة على أن يذهبوا الى طرابلس بأنفسهم ليشهدوا كذب هذه الاقاويل وبلغ بهم البهتان أنهم اشاعوا ايضاً أن ايطاليا اقترحت على جمعية الامم ان ترسل الى طرابلس لجنة من عندهم للتحقيق عما ينسب الى رجالها من الأعمال الشنيعة التي هم أبرياء منها، وكل هذا اختلاق محض قصدت به ايطاليا التمويه وتخدير الاعصاب وصرف المسلمين عن مقاطعة بضائعها، وقد سكن كثير من المسلمين الى هذه التكذيبات وهدأ بالهم والحق خلاف ذلك، وكل ماشاع من الاخبار عن اعمال الطليان لاسيما بعد مجيء دول الفاشيست هو دون الواقع، ولو تأمل المسلمون فيما يأتيه الفاشيست في نفس ايطاليا من الموبقات ومن اغتيال اعدائهم السياسيين ، ومن حجر كل حرية ومن منع تأليف كل حزب يخالف حزبهم وأمام هذا الانتقام الرهيب من المسلمين في قتلهم وتغريبهم عن ديارهم، فلا تسأل ، فقد أصبحت في حكم المتواتر الذي لايصح فيه المراء بالاتفاق عشرات الالوف من الاهلين على روايته فقد نزح عن طرابلس وبرقة نحو من مائتي ألف نسمة وقيل من 300 الف نسمة منهم 20 ألف دخلوا تونس والجزائر، ومنهم 60 الفاً دخلوا مصر، ومنهم من شردوا الى السودان، ومنهم من تفرقوا في الصحارى وقد اطبقوا بأجمعهم على صحة هذه الاخبار ومشاهدتهم تلك الافعال بالعيان، وانه ليستحيل اتفاق الألوف المؤلفة على الكذب هذا فضلاً كون هذه المظالم حقيقة راهنة ماكان هذا العدد الكبير من الاهالي يترك وطنه ويهيم على وجهه في البراري او يلتمس الرزق عاملاً في أرض غيره بعد ان كان سيداً في أرضه، ومن أغرب المتناقضات والتناقض من عادة كل كاذب، أنه بينما ممثلوا ايطاليا في بلاد الاسلام يذيعون أن من شاء أن يذهب الى طرابلس بنفسه ليتحقق من كذب تلك الاخبار عن فظائع الطليان فيها فإن ابواب طرابلس مفتوحة لمن شاء الذهاب الى هناك وبينما قنصلهم في بيروت يشيع ذلك في بيروت، وبينما الحكومة الايطالية تقول هذا القول لشوكت علي الزعيم المسلم الهندي أذا بقيت ايطاليا مدة طويلة بعد احتلال الكفرة وحوادثها المؤلمة تمنع كل دخول وخروج بين الحدود المصرية والحدود البرقاوية لئلا يقف اهل مصر على الحقائق والاخبار فيزدادوا هياجاً. ولكن الحقائق لابد أن تظهر ولايمكن ايطاليا اخفاء كل ماتأتيه من الاعمال الوحشية في طرابلس وليس المسلمون وحدهم هم الذين شاهدوا أعمال الطليان وضجوا منها بل ثمة كثير من الافرنج شاهدوها وأنكروها.

لقد قام الامير شكيب ارسلان بدور مشكور في الدفاع عن الليبيين واظهار وحشية الايطاليين ، ولقد كتب في صحف ذلك الزمان مقالات حزينة، بيّن فيها الاعمال الوحشية التي قام بها الايطاليون ضد الشعب الليبي المظلوم وهذه وثيقة اخرى تاريخية لمقال كتبه الامير شكيب في مجلة الدولة العربية ولقد انتشر هذا المقال شرقاً وغرباً ونص هذا المقال:

دور الصحافة الاسلامية:

التعذيب الايطالي في طرابلس

تحرير الامير شكيب ارسلان

كانت الحركة الاسلامية تائهة عن كل مايحدث في طرابلس من تعذيب وهمجية من البرابرة الايطاليين الذين ماأتوا الى هذه الأرض إلا ليؤخروها عن التقدم والمدنية، بعكس ماكانوا يقولون ويكتبون .. نعم ان الناس علمت بأن الحكومة ايطاليا الفاشيستية نقلت مايزيد عن 80 ألف عربي من الجبل الاخضر ووضعتهم في الصحراء (سرت) ... نزعت منهم اراضيهم بحجة التعمير وان المعمرمين الايطاليين هم احق من أي أحد آخر، لانهم يتقنون هذا العمل أكثر وأحسن من العرب.

إن العالم علم بأن الجيش الايطالي احتل الكفرة وواحاتها بعد قتل السكان العزل والثوار الذين دافعوا عن وطنهم الى النهاية، وان الصحافة الايطالية تتبجح وتنشر بأن جيشها اسر مائة امرأة وهن زوجات الشيوخ هناك.

وفي مجلتنا (الدولة العربية) وجهنا سؤالنا الى الايطاليين الفاشستيين عن معنى هذا التبجح باسر مائة امرأة.

يتبع >
  #84  
قديم 27-09-2007, 10:35 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

مع العلم بان التقاليد والعادات العالمية وبالأخص البيئة العربية التي تنفي اضطهاد المرأة أو النساء خصوصاً أثناء قيام الحرب. ولكن ماكنا نعتقد أن دولة تعتبر نفسها من دول البحر الأبيض المتوسط مهد الحضارة الأوروبية أن تصل إلى هذه الدرجة من الانحراف والخروج عن جادة التمدن والرقي. لم يسبق في تاريخ البشرية بل في تاريخ البربرية ، أن معاملة الجيش الايطالي الفاشستي للنساء هي معاملة وحشية بدرجة تتقزز منها النفوس، فهي معاملة سيئة سواء في طرابلس أو في برقة.

أن هذه الأخبار لم تكن نسيجاً من خيال وفكرة طارئة وإنما هي حقائق يرويها من أسعده الحظ بالنجاة من المذابح التي قام بها الجيش الايطالي الفاشستي.
شرحوا لنا مايلي:

1- عندما اتجهت القوات الايطالية لاحتلال الكفرة كانت معززة بالطائرات التي تلقي قنابلها على السكان العزل من شيوخ ونساء وأطفال وخلاف هذا سمحوا لجنودهم أن يعبثوا بالسكان لمدة ثلاثة أيام مطلقي الأيادي في البيوت والأسواق والمساجد وفي كل النواحي تصرفات وحشية لم تخطر على بال احد نهبوا وقتلوا واحرقوا كل مامروا به ولم يتركوا أي جريمة تخطر ببالهم إلا وارتكبوها، قتلوا العلماء والشائخ، هتكوا حرمات البيوت وبقروا بطون النساء وان عدد العائلات التي قضي عليها عند احتلال الكفرة يزيد عن 70 عائلة من علية القوم، وعلاوة على هذا فقد اتخذوا زاوية السنوسي (التاج) كحانة شربوا فيها الخمر حتى ثمالة الجنون وشربوا نخب القضاء على المسلمين واحتلال طرابلس وبرقة .. ألقوا بالمصاحف القرآنية في الإسطبلات تحت سنابك الخيل وبالكتب العلمية أوقدوا بها النار تحت قدورهم لطهي طعامهم. وقد استشهد من الثوار في احتلال الكفرة مايزيد عن (200) شهيد من بينهم المشايخ الآتية أسماؤهم:

الشيخ صالح العبادية، الحاج سليمان بومطاوي، الشيخ غيث بوقنديل ، الشيخ سليمان الشريف، الشيخ محمد يونس، الشيخ احمد بو اشناك وحفيده الشيخ عمر، الشيخ حمد الحامي ، الشيخ عبد السلام بوسريويل، الشيخ محمد المسحوق وحفيده على بن حسين ، الشيخ محمد العربي، الشيخ محمد بوسجادة الشيخ محمد الفايدي الجلولي ، الشيخ خليفة الدلال. أما الرواية الثانية هي كيف تم احتلال الكفرة من أولئك الغاشمين المتوحشين من مشاهدين حقيقيين لتلك الأحداث، قبل دخول الايطاليين إلى الكفرة قامت طائراتهم بقصف واحات الكفرة بقنابلهم الفتاكة فوق السكان العزل حيث قتل عدد كبير من النساء والشيوخ والأطفال ، وبعد أن دخلوا الكفرة أطلقوا أيدي جنودهم لمدة ثلاثة أيام للعبث والتخريب في الكفرة فقد أطلقوا بغالهم وخيولهم حيث دوت كل المزروعات فاستولوا على كل المواد الغذائية وقطعان الأغنام والبقر لتموين جنودهم المحتلين دون مقابل وعلاوة على هذا نهبوا أثاث السكان وقسموها على إدارات الجيش الزاحف كذلك ملابس النساء وحليها، هذا قليل من كثير زد على ذلك اعتداءاتهم على حرمات الناس العزل دون وازع من ضمير، وعندما اتجه بعض المشايخ إلى قائد الحملة راجين منه إصدار أمره إلى الجنود بالكف عن هذه الاعتداءات على الناس كان مصيرهم القتل رمياً بالرصاص باعتبارهم خونة، وبالاختصار أن الايطاليين عندما احتلوا الكفرة قاموا بأعمال وحشية لم يسبق أن حدثت في التاريخ حتى في القرون الوسطى عهد الهمجية.

أن قضية الـ 80.000 عربي الذين نقلتهم القوات الغاشمة من أراضيهم الخصبة في الجبل الأخضر إلى مناطق جدبه صحراوية لا ماء فيها ولا كلأ، هي منطقة (سرت) كي تموت المواشي جوعاً، وعطشاً . أما البقية فقد استولى عليها الجنود الايطاليون وأصبحوا فقراء تدفع لهم الحكومة الايطالية فرنكين عن كل يوم لكل شخص مهما كان عدد عائلته. إما بالنسبة لحلي النساء وملابسها فقد نهبها الجنود الايطاليون، وأصبحت العائلات في هوة الفقر سواسية. وفي أثناء مرافقة هذا العدد الضخم من رجال ونساء وأطفال، كان الجنود يسومونهم سوء العذاب وكل من يعجز عن المسير مصيره الموت فيقتلونه ويتركونه يتخبط في دمه.

إن الرجال والشبان الذين تتراوح أعمارهم من 15 إلى 40 سنة اجبروا على الانخراط في قوات الجيش. وأما الصغار الذين تتراوح أعمارهم من 14 سنة فقد اخذوا بالقوة من أهليهم وأرسلوا إلى ايطاليا بحجة تعليمهم، ولكن في الحقيقة من اجل تنصيرهم.

وهذا ماكان يتحدث به سكان (روما) وهو تنصير الليبيين بصورة عامة والطرابلسيين بصورة خاصة. ورغبة الايطاليين الفاشستيين هي القضاء المبرم على العنصر الإسلامي في ليبيا، فإذا ليبيا تصير ايطالية وبجوارها مصر، سوف تتعرض إلى أكبر خطر. وان مصر لن تسكت عن هذا الإجراء لان الايطاليين في اعتقادهم المريض إن مصر ليست دولة عربية، وإنما هي خليط من عدة أجناس.. الأمر الذي يجعل ايطاليا تحكم بأن تغزو مصر وتتمكن من ارضها وشعبها كما تمكنت من طرابلس . أن الوعود المعسولة التي كانت تصرح بها السلطات الايطالية. وتمنياتها الطيبة التي كانت تعرضها على الشعب الليبي وإنها -يعني ايطاليا- ما أتت إلا لتخلص الشعب الليبي من الاستبداد التركي. ولأجل أن تذر الرماد في أعين الناس، أتت بإدريس وقلدته لقب الإمارة ووعدته بالحكم الذاتي، ولكن كانت دائماً وعوداً فقط. وهاهي ايطاليا تلغي كل شيء وتبدأ في سفك الدماء وتطرد السكان من أراضيهم وأموالهم وأخذت أولادهم وبناتهم إلى ايطاليا من أجل تعليمهم، وفي الواقع من أجل تنصيرهم.. إني اقل على المسلمين أن يتذكروا هذه كله وان يتفهموه..فان هناك من يتفلسف ويتشدق بالقول بأن في أوروبا تسود العدالة والحرية، وان الدول الأوروبية لا تتعرض للقضايا الدينية، وان السبب في سقوط المسلمين هو التعصب الأعمى: أن هذه الألفاظ وهذه المغالطات تنذر المسلمين جميعاً بأنهم إذا لم يتحدوا ويذودوا عن حياضهم سوف يتعرضون إلى القضاء ويفقدون قواتهم المسلحة وحرياتهم السياسية، سوف يحدث لهم كما حدث لطرابلس إذا لم يحافظوا على حريتهم واستقلالهم أن موقف ايطاليا من حضارة القرن العشرين موقف غير مشرف فقد رجعت إلى معاملات القرون الوسطى.

أن الايطاليين المتوحشين لم يتحرجوا لا كبيراً ولا صغيراً فقد اعتدوا على الحريات اغتصبوا النساء وهتكوا الأعراض. كل هذه الأعمال من أجل اضطهاد المسلمين وروحهم الانتقامية.

لقد زجّ الايطاليون في السجون الكثير من الأهالي ومشايخ القبائل وقد عارضهم وندد بأعمالهم الشيخ سعد الفايدي شيخ قبيلة الفوايد فما كان منهم إلا أن قتلوه ومعه 15 من أبناء قبيلته البعض منهم ألقي من الطائرة من علو 400 متر وكلما كانت الطائرة تلقي بواحد منهم هناك كان الهتاف يعلو وصياح الجنود يزداد.

إن الصحفي الدانمركي الشهير (كنود هولمبوي) الذي اعتنق الإسلام وقام بجولة سياحية أثناء هذه الفترة في ليبيا، قد شاهد بنفسه وعينيه كل التعذيب والاضطهاد الذي يقوم به الجنود الايطاليون الفاشيست يقول:

شاهدت 20 عربياً مسلسلين .. شنقهم الجنود بأمر من ضابطهم دون محاكمة ولم تكن هناك محكمة.. هذا المنظر البشع أثر في نفسي ولم يكن في اعتقاده أن دول مثل ايطاليا الفاشستية وهي إحدى دول البحر الأبيض المتوسط تقوم بمثل هذه القسوة وهذه الوحشية. إنها جرائم سيسجلها التاريخ في صفحة سوداء ، وسيبقى وصمة عار في جبين الدولة الايطالية على مدى الدهر والأزمان.

إن ايطاليا أرادت أن تحذو حذو فرنسا في تنصير المسلمين إبان حكمها في المغرب فقد عملت ووزعت المبشرين في طول البلاد وعرضها وبنت العديد من المعابد والكنائس في كل المدن والقرى لتقضي على الدين الإسلامي وهكذا عملت ايطاليا فقد بنت المعابد في طرابلس وبنغازي وكل القرى وأمرت المبشرين بأن يسعوا بكل الوسائل لتنصير العرب مهما كان الثمن. وقد فاقت على فرنسا بطريقة أخرى فأخذت الأطفال من حجور أمهاتهم وبعثت بهم إلى ايطاليا إلى تلك المعاهد المسيحية لتعليم هؤلاء الأطفال الدين المسيحي.. وعزلهم عزلاً كلياً عن وطنهم وبيئتهم ..بحيث يشبون ويترعرعون في الجو الفاشستي والكنيسة المسيحية.

إن سياسة ايطاليا الفاشستية هي القضاء على الدين والعقيدة وإبعاد المسلمين عن معابدهم ومساجدهم وكم من مرة صرح موسوليني رئيس الحكومة والحزب الفاشستي في خطاباته بعد احتلال (الكفرة) بأنه عازم على تثبيت ثلاثة ملايين من السكان الايطاليين في الأراضي الليبية الخصبة. وقد أيد هذا الرأي الكثير من السياسيين وأبرزها الكثير من الصحفيين على صفحات جرائدهم ومجلاتهم.

منذ أيام قرأت بالجريدة الرسمية المرسوم الملكي القاضي بمصادرة أملاك المواطنين وأوقاف المسلمين والزوايا السنوسية وأوقافها. وبهذه الطريقة الجهنمية عملت ايطاليا الفاشستية على تملك الايطاليين كل الممتلكات الليبية وبالتدريج وإبعاد الليبيين من كل المجالات حتى تصبح ليبيا خالية من كل العناصر ولا يبقى بها إلا الايطالي المسيحي الكاثوليكي.

إذ الكلام الصادر من الجنرال أو المارشال لم يكن إلا ذوداً وبهتاناً وتضليلاً لتهدئة المسلمين ؟ حتى تستطيع السلطات الايطالية الفاشستية تنفيذ أغراضها الاستعمارية. وهي إن استحوذت على الملايين من هكتارات الأراضي الزراعية وغيرها (من أين لها هذه الأراضي) فالجواب معروف. استحوذت عليها بطرد أهلها الحقيقيين ونقلهم إلى المناطق الهلاك هم ومواشيهم على السواء أمام أعين العالم المتمدن.

وأمام عصبة الأمم. وبالاختصار تبجح الايطاليون بقولهم ان طرابلس وبرقة كانتا رومانيتين .. فلابد أن ترجعا رومانيتين كما كانتا - هذا هو هدف الفاشيست بدون تردد.

إننا لانصدق مايقولون لقد خالفوا القواعد الدولية والإنسانية، ولم ينفذوا حرفاً واحداً من تعهداتهم إلى الطرابلسيين والبرقاويين، حتى التعهدات الكتابية والاتفاقات المبرمة بينهم وبين إدريس السنوسي، فكانت عبارة عن أكاذيب وكسب للوقت. نحن مقتنعون بأن كل ماكتبناه وأعلناه على الملأ أجمع ستكذبه السلطات الفاشستية، وستوجد لنا مضابط لكي تدحض أقوالنا ولكن كل ماكتبناه ثابت وصحيح ومصدره من جهة عاصرت الأحداث وهي هيئة التحرير الليبية في دمشق فقد أثبتت الحوادث والاعتداءات بالوثائق الرسمية، وبالأخص في احتلال الكفرة فقد ارتكب الجنود الايطاليون الفاشيست أبشع الجرائم باعتداءاتهم على النساء وقتلهم الشيوخ والأطفال. واعتدوا على حرمات المساجد والمقدسات. وقد ادعت ايطاليا بأن كل الأعمال العسكرية التي قامت بها ماهي إلا تأديب لأناس أعلنوا العصيان على دولتهم، وهذه حجة واهية لايقبلها العقل ولا تقوم بها دولة متمدنة كما تدعيه ايطاليا الفاشستية. وان الثوار في العرف الدولي لم يكونوا من العصاة على الدولة وإنما هم أصحاب حق يدافعون عنه ، اغتصبه عدو دخيل.

بقي علي أن اختتم مقالي هذا الذي كتبته لا أريد منه تحريض المسلمين على أن ينتقموا من الايطاليين الذين يعيشون معهم حاشا لله نحن لسنا من الانتقاميين ولا في الجهل مثل الايطاليين الفاشيست وليس من شيم أخلاقنا أن نستعمل القوة على من هو أضعف منا.

وان المسلمين لن يغيروا أبداً تراثهم الخلقي الذي ورثوه أباً عن جد. ولكني أقترح ماهو آت:

1- جمعية الشبان المسلمين في كل بلد عليها أن تحتج على كل أساليب الاعتداء والإجرام التي ارتكبتها ايطاليا الفاشستية في ليبيا. وان ترسل برقية احتجاج شديدة اللهجة إلى عصبة الأمم وتنشر على الصحف العالمية.

2- كل المدن والمقاطعات الإسلامية التي تتقد حماساً والدم الساخن الذي يجري في عروقهم، عليهم أن يقدموا احتجاجاتهم إلى عصبة الأمم برقياً مستعجلاً ونشرها جميعاً على صفحات مجلاتهم وجرائدهم المحلية .

3- إن مجموعة الدول الشرقية بالقاهرة هي كذلك عليها أن تحتج وتندد بأعمال القمع والعنف التي تقوم بها ايطاليا الفاشستية وتقدمه إلى عصبة الأمم مثل الهيئات الأخرى.

4- كل الهيئات الإسلامية والعربية والشرقية بالقاهرة وسوريا والعراق والعربية السعودية والهند وجاوا وغيرها لابد وان يقوموا بواجبهم نحو القضية الليبية.

5- عقد اجتماعات شعبية في المدن الإسلامية وإلقاء الخطب الحماسية لشرح ظلم واستبداد السلطات الايطالية الفاشستية وهتافات بسقوط العدو الغاصب.

6- يجب على كل المسلمين أن يقاطعوا كل البضائع الايطالية والسفن وكل الوسائل والأعمال وكل شيء يحمل اسم ايطاليا، وقطع كل العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكذلك تكوين لجان شعبية خاصة بمراقبة البضائع الايطالية.

7- طبع المنشورات وكتيبات تبين فيها تصرفات ايطاليا الفاشستية واضطهادها للشعب الليبي، ويكون طبعها كذلك باللغة الانكليزية والفرنسية والألمانية والايطالية ويكون توزيعها بالآلاف في أوروبا وفي كل العالم ومن واجب كل مسلم أن يقوم بإلصاق هذه المنشورات في كل الشوارع والميادين، وتوزيع الكتيبات في كل مكان من العالم. كذلك على كل مسلم أن يعلق في بيته بعضاً من هذه المنشورات حتى لاينسى مايعانيه الشعب الليبي من اضطهاد وتعذيب.

أيها المسلمون:
لا تقولوا بأن هذا الحديث في طرابلس وليبيا فقط وإنما الليبيون الشرفاء طعنوا في شرفهم.. في دمائهم.. في دينهم وفي أموالهم وممتلكاتهم وكذلك سيحدث لكم أنتم مثل هذه المأساة وسيحل بكم العذاب كما حل بالليبيين الشرفاء إذا لم تدافعوا عن أنفسكم ، إذا لم تبينوا أنفسكم أنكم أحياء.

أيها المسلمون:
في الوقت الحالي لن تستطيعوا الدفاع عن أنفسكم وبسلاحكم فقط بل سخروا أقلامكم وكذلك باجتهادكم وبصبركم على المكائد، لتدافعوا عن كيانكم وعن أرضكم وعن مقدساتكم وتثبتوا للعالم بأنكم شعب يعرف كيف يقاوم .

لوزان 12 ذو القعدة ، 7 ابريل 1931م
شكيب ارسلان


رسالة من عمر المختار إلى شكيب أرسلان

قال شكيب ارسلان ولما حررت المقالة التي نشرتها عن فجائع طرابلس وبرقة سنة 1931م على أثر دخول الطليان الى الكفرة وارتجف لها العالم الاسلامي غضباً وعلا الصراخ من كل جهة جاءني من الشيهد الاكبر بطل الجبل الاخضر السيد عمر المختار الكتاب الآتي:

كانت تلك الجهود التي قام بها الأمير شكيب أرسلان وصلت أخبارها للمجاهدين، فأرسل قائد حركة الجهاد رسالة شكر واحترام وتقدير لتلك الأعمال وهذا نص الرسالة (إنه من خادم المسلمين عمر المختار إلى المجاهد الأمير الخطير أخينا في الله وزميلنا في سبيل الله الأمير شكيب أرسلان حفظه الله بعد السلام الأتم والرضوان الشامل الأعم ورحمة الله وبركاته قد قرأنا مادبجه قلمكم السيال عن فظائع الطليان وما اقترفته الأيدي الأثيمة من الظلم والعدوان بهذه الديار فإني وعموم إخواني المجاهدين نقدم لسامي مقامكم خالص الشكر، وعظيم الممنونية. كل ماذكرتموه عما اقترفته أيدي الإيطاليين هو قليل من كثير وقد اقتصدتم واحتطتم كثيراً ولو يذكر للعالم كل مايقع من الإيطاليين لاتوجد اذن تصغي لما يروى من استحالة وقوعه، والحقيقة والله وملائكته شهود أنه صحيح وأننا في الدفاع عن ديننا ووطننا صامدون، وعلى الله في نصرنا متوكلون وقد قال الله تعالى: (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته في 20 ذي الحجة 1349هـ).

وقد علق شكيب أرسلان على تلك الرسالة فقال: ومالاحظه الشهيد المشار إليه هو عين الحقيقة فإن الناس يصعب عليهم أن يصدقوا الشناعات والدناءات والنذالات التي أقدم عليها الطليان في طرابلس ولاسيما الفاشيست منهم.

إن رسالة عمر المختار للأمير شكيب أرسلان نستخلص منها فوائد جمّة، ففي قوله من خادم المسلمين دليل على تواضعه وافتخاره بكونه من خدّام المسلمين وهذا المعنى له مدلول عند الشيخ عمر المختار، فهو يتقرب إلى الله تعالى بخدمة المسلمين وهي من أعظم القربات عند الله تعالى، وفي قوله إلى المجاهد الأمير الخطير: وصف الأمير شكيب بالمجاهد وهو بالفعل جاهد مع الليبيين بجانب جنود الأتراك ضد الطليان، وفيه دلالة على اهتمام عمر المختار بالمصطلحات الشرعية فلم يقل مناضل، أو مكافح، أو ثائر .. وإنما تقيد بوصفه مجاهد لدلالة هذه الكلمة وعمقها في أوساط المسلمين، ووصفه بالخطير كيف لا وقد كانت مقالاته أنفذ من الرصاص في قلوب الإيطاليين، وساهمت في تشكيل تعاطف إسلامي وعربي كبير مع القضية الليبية العادلة، وفي قوله أخينا في الله فيه دلالة رابطة العقيدة التي جعلت المسلمين أخوة، فهي فوق كل الروابط الأرضية، وفي قوله بعد السلام الأتم والرضوان الشامل الأعم: فيها قوة العبارة، وبلاغة الأسلوب، وروعة المدخل، وفي قوله: قد قرأنا مادبجه قلمكم السيال عن فظائع الطليان، دليل على متابعة المجاهدين لما يجري خارج البلاد وله علاقة بقضية شعبنا، وأما بقية الرسالة ففيها تأكيد للأمير شكيب عن المعلومات التي وصلت إليه وقام بنشرها، وفيها إصرار قوي على مواصلة الجهاد والدفاع عن الدين والوطن، وفيها توكل على الله عظيم هذا وقد قامت جمعية الشبان المسلمين بمصر بنشر بيان عن سياسة الإبادة والاستئصال التي تبعتها ايطاليا في طرابلس الغرب وألقي ذلك البيان في اجتماع عظيم في نادي جمعية الشبان المسلمين ووقع عليه أهل الرأي، والمكانة في مصر ليرسل إلى جمعية الأمم، ويذاع في العالم الإسلامي وجاء في ذلك البيان الحديث عن:

سياسة التهجير
لقد شهدت مصر مشهداً لاتستطيع الإنسانية أن تعرض عنه متجاهلة ما انطوى عليه من الآلام وذلك أن مئات من بني الإنسان بين رجال ونساء وأطفال وشيوخ اضطروا تحت ضغط الجور إلى أن يتركوا أوطانهم تخلصاً من الظلم، وأن يهيموا على وجوههم في القفار، ولولا مروءة مأجور الواحات المصري الذي خرج هو ورجاله للبحث عنهم حتى لقيهم وأنقذهم لهلكوا عطشاً وجوعاً أولئك هم فريق من إخواننا الطرابلسيين الذين خرجوا من قسوة الحكم الإيطالي الذي لايطاق.

سياسة القتل والرمي في البحر
ولم تكد أعيننا تكفكف الدموع على هذا المشهد الذي شهدته على اليابسة حتى حملت إلينا أمواج البحر في السلوم مشهداً آخر أفظع من هذا وأشنع، فرمى البحر إلى هذا الساحل المصري أربع عشرة جثة من جثث هؤلاء الطرابلسيين مغلولة في سلسلة واحدة.

عمل الإيطاليين في الكفرة
ثم توالت الأخبار بأن زاوية الكفرة المنقطع أهلها للعبادة قد أمطرتها طائرات الإيطاليين بالقنابل وفتكت بأهلها فتكاً ذريعاً، وبعد ذلك هاجمها الجيش، وكاد يأتي على البقية من أهلها ولم يتعفف عن هتك الأعراض وسلب الأموال وبقر بطون الحوامل.

قتلهم لأهل العلم
وقد قتل من أهل الكفرة في هذه النازلة كثيرون منهم الشيخ أبو شنة، وابن أخيه الشيخ عمر والشيخ حامد الهامة، والشيخ عبدالسلام أبو سريويل، والشيخ محمد المنشوف، وابن أخيه على بن حسين، والشيخ محمد العربي، والشيخ محمد أبو سجادة، والشيخ أحمد الفاندي الجلولي، والشيخ خليفة الدلاية.

قتلهم لكبار شيوخ الكفرة
ولما ذهب كبار شيوخ زاوية الكفرة إلى القائد الكبير يرجونه وضع حد لهذه المذابح أمر بذبحهم فذبحوا أمامه كما تذبح الشياه.

قتل الأبرياء برميهم من الطائرات
ومن الفظائع التي ارتكبها الإيطاليون في برقة، ونقلها الرواة الصادقون أنهم وضعوا أحد مشايخ عائلة الفوائد المدعو الشيخ سعد وخمسة عشر شخصاً من العرب في الطائرات وارتفعوا بهم عن سطح الأرض ثم جعلوا يلقونهم واحد بعد الآخر ليموتوا موتة لم يسبق لها مثيل.

انتزاع الأراضي من أهاليها وتجويعهم
ومن الفظائع التي ارتكبوها في الجبل الأخضر إخراج أهله منه وهم لايقل عددهم عن ثمانين ألف عربي إلى بادية سرت القاحلة، ثم أذاعوا بواسطة قنصليتهم في بلاد الأرجنتين أن حكومة طرابلس و برقة تعطي الأراضي الخصبة فيها لكل إيطالي يريد النقلة إليها، وبلغت مساحة الأراضي التي أخذت غصباً نحو من مائتي ألف هكتار ولاتزال الحكومة الإيطالية تحث الإيطاليين على استعمار هذه الأراضي وقبل انتزاع أراضي الجبل الأخضر من أهله في هذه السنة انتزعت في سنة 1924م ما مساحته 420 ألف هكتار بدون مقابل، وفي بعض الأحيان كان المقابل عن المائة ألف هكتار ستة آلاف فرنك إيطالي - أي خمسين جنيها تقريباً، وقد خرج أهالي الجبل الأخضر عند انجلائهم منه وهم لايملكون مايقتاتون به فرتبوا لكل عائلة فرنكين في اليوم وهم الآن يعيشون بهذا المرتب عيشة بؤس تفتت الأكباد، وفي أثناء نقلهم إلى صحراء سرت كان كلما عجز واحد منهم عن مواصلة المشي يرمى بالرصاص.

ترحيل الأطفال إلى إيطاليا لتنصيرهم
وفضلاً عن كل ذلك فقد جمع الإيطاليون الأطفال الوطنيين من 3 إلى 14 وأخذوهم من أهلهم وأرسلوهم إلى إيطاليا بزعم تعليمهم فيها، وجمعوا الشبان من سن 15 إلى 40 وألحقوهم بالجيش واستخدموهم في محاربة أهلهم وبلادهم.

أرساليات التبشير بين الأهالي
وبلغ الاستهتار بالشعور الإسلامي مبلغاً عظيماً بين إرساليات التبشير المنبثة الآن بين الأهالي، ومن صدور الأوامر المشددة على الخطباء في الجوامع بالدعاء لملك إيطاليا على المنابر.

خداعها للأهالي
وقد حدث مراراً أن الحكومة تعلن عن العفو والأمان، فإذا وقع العفو عنهم وغدو في قبضتهم غدرت بهم، وممن ذهبوا ضحية هذا الغدر من رؤساء القبائل خليفة بن عسكر، والشيخ عبيدة الصرماني، وأحمد الباشا، وابراهيم بن عباد، والهادي كعبار وابنه محمد كعبار، والشيخ أحمد أحمد الحجاوي، والشيخ علي الشويخ، والشيخ عبدالسلام بن عامر، والشيخ محمد التريكي، والشيخ شرف الدين العمامي، والشيخ أحمد بن حسن بن المنتصر، والشيخ عمر العوراني، والشيخ محمد عبدالعال، ومن الضحايا لايعرف لهم ذنب، الشيخ صالح العوامي وهو شيخ يبلغ التسعين عاماً من أهل العلم والصلاح قبضت عليه إيطاليا سنة 1923 وزجته في سجن بنغازي إلى أن مات فدفن بمحل مجهول، فأرواح هؤلاء الضحايا تصيح بالإنسانية جميعها، وبجمعية الأمم بنوع خاص أن هلمي إلى انقاذ البقية الباقية من أبناء الإنسانية المعذبة في هذه الربوع من سياسة الفتك والاستئصال والإبادة التي تتبعها إيطاليا في طرابلس المنكودة وأن العالم الإسلامي يعتبر ماوقع ويقع في طرابلس الغرب عدواناً مباشراً على كل مسلم مهما كانت جنسيته ووطنه، وسيبقى عار هذه الأعمال لاصقاً لإجراء تحقيق دولي حر دقيق في نفس بلاد برقة وطرابلس عن كل ماجرى فيها وإعلان نتيجته كما تقتضيه العدالة والحق، والموقعون على هذا يطلبون من جمعية الأمم اجراء هذا التحقيق تنزيهاً للإنسانية عن لحوق هذا العار بها إلى الأبد ويرجون بالحاح أن يكون لهم مندوب يختارونه مع لجنة التحقيق، وهم ينتظرون ماتقرره العصبة في هذا الشأن بفارغ الصبر.

التوقيعات:

1- محمد الشرقاوي.

2- خليل الخالدي رئيس الاستئناف الشرعي بفلسطين.

3- محمد رشيد رضا منشئ مجلة المنار الإسلامية.

4- محمد عبداللطيف دراز من العلماء وعضو مجلس إدارة.

5- جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة.

6- محمد عبدالرحمن قراعة من العلماء ومدرس بالأزهر الشريف.

7- عبدالوهاب النجار، وكيل جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة.

8- محمد كامل القصاب.

9- محمد تقي الدين الهلالي، الأستاذ الأول للآداب العربية بندوة العلماء بالهند.

10- علي سرور الزنكلوني، المدرس بقسم التخصص بالأزهر.

لقد عبث الجنود الإيطاليين بالمكتبة السنوسية، التي كانت ثروة علمية ضخمة فأخذت أيدي الجنود تبددها ذات اليمين وذات الشمال وتقد بها النيران للطعام، وأخيراً صدرت الأوامر بجمع ماتبقى منها ونقله إلى بنغازي فنقلته أربعون سيارة شحن كبيرة وعدد كبير من الإبل، ولم تنج هذه المكتبة بعد وصولها إلى بنغازي من العبث فقد تسرب الكثير منها إلى أيدي الأفراد، ونقل قسم كبير منه إلى إيطاليا، وهكذا وصلت يد الفساد الإيطالية إلى كل شيء في ليبيا.

يتبع >
  #85  
قديم 27-09-2007, 11:13 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

عندما تم اعتقال جميع أهالي برقة وحصرهم، وتم احتلال واحة الكفرة لم يعد إذن أمام سفاح برقة إلا شيء واحد هو إتمام وضعية مد الأسلاك الشائكة التي ستفصل بين برقة ومصر فصلاً نهائياً، فأخذ في سرعة تتميمها مجنداً لذلك كل ما لديه من إمكانيات، وكان قد استدعى شركات المقاولات الخاصة من إيطاليا، فتعهدت كل شركة منها بإتمام الجزء المخصص لها تحت إشراف القيادة العسكرية التي وضعت مهندسيها تحت تصرف هذه الشركات، وقد استوردت الحكومة الإيطالية معدات خاصة من ألمانيا فضلا عما جاءت به من إيطاليا لهذا الغرض المطلوب، ووضعت تحت تصرف هذه الشركات عشرات الآلاف من العمال الذين جندتهم من المعتقلات تلهب ظهورهم السياط، وهكذا امتد خط الأسلاك الشائكة من البحر المتوسط إلى ما بعد الجغبوب فكان طوله حوالي ثلاثمائة كيلومتر، ثم وضع غرسياني نقاط عسكرية مزودة بجميع المعدات الحربية، وربط بعضها ببعض من حيث الاتصال فيما إذا احتاجت نقطة لمساعدة الأخرى تهب بسرعة، ومن هذه النقاط: مساعد، والشقة وبئر الغبي، وقبر صالح، وسيدي عمر، وبئر حكيم، ثم زوّد غرسياني هذا السياج المحكم بمولدات كهربائية لمده بالنور حتى لا يستطاع الإفلات منه مهما تكن الأحوال، وإذا ما قدر لأي إنسان أن يصل إليه فسيواجه معركتين عسيرتين لا سبيل لإفلاته من إحداهما إذا ما تيسر له الإفلات من الأخرى، وتتمثل المعركتان في محاولة تقطيع الأسلاك، وفي الدفاع عن النفس، وتقطيع الأسلاك يحتاج إلى معدات فنية وإلى وقت من الزمن فكيف إذن لمن يتمكن من الوصول إلى هذا السياج إجراء عملية التقطيع وعملية الدفاع في آن واحد.

كان المجاهدون مستمرين في جهادهم والقوات الإيطالية تشتبك معهم وهي مجهزة بالمصفحات والطائرات والمدفعية وكان القتال لا يتوقف وقد أورد الجنرال غرسياني في كتابه أنه التقى مع عمر المختار في مائتين وستين معركة خلال الثمانية عشر شهراً ابتداء من حكمه في برقة إلى أن وقع عمر المختار أسيراً وقد ثبت المجاهدون في حالتي الدفاع والهجوم.
كان المجاهدون يقضون معظم أوقاتهم في حالة استعداد قصوى ويوجهون الضربات المحكمة للطليان وحار سفاح برقة في أمر المجاهدين، ورغم الإجراءات التي اتخذها والتي كان يثق في فائدتها إلا أنه أصيب بالقنوط واليأس وأصبح كل أمله في موت عمر المختار الطبيعي قائلاً لكبار مرؤوسيه في أكثر من مناسبة: إن عمر المختار شيخ كبير ولابد من موته عاجلاً أو آجلاً فعلينا أن ننتظر تلك الساعة ولعلها لا تكون بعيدة، وفكر غرسياني ذات مرة تفكيراً غريباً وإن كان لا يستغرب على تفكيره أي شيء، فكر في إحراق جميع غابات الجبل الأخضر، ودرس هذا الموضوع جدياً مع مستشاريه السياسيين والعسكريين. إلا أن السيد صالح بك المهدوي أحد زعماء بنغازي استطاع أن يثني غرسياني عن هدفه بعد أن اجتمع به وشرع غرسياني يتكلم عن عمر المختار محملاً مسؤولية ذلك إلى جميع أهل البلاد، وقال عنهم لو أنهم صدقوا معنا لما استمر عمر المختار في موقفه اليائس يقاتل جنودنا، ثم انتقل فجأة ليتحدث عن موضع حرق غابات الجبل الأخضر وقال: إن الحكومة الإيطالية يهمها أن تنهض بهذه البلاد، وإن عمر المختار وقف عقبة في سبيل النهوض، وحاولت الحكومة أكثر من مرة أن تنصحه للإقلاع عن محاربتنا ولكنه رفض الانصياع إلى نصائح الحكومة معتمداً على اختفائه في مغارات الجبل وغاباته، ولقد صممت أن أزيل هذه الغابة التي يحتمي وراءها ساخراً بقوة الحكومة، وسكت الجنرال قليلاً، ثم طلب من صالح بك المهدوي أن يشاركه البحث في هذا الموضوع فأجابه بقول:إن عمر المختار سينتهي بلا شك فقاطعني عند كلمتي هذه بقوله (أكو أكو . كويستا لفيريتا . يانوتا يانوتا . سينتا . سينتا . ديري . ديري . أو أنتي . أو أنتي .) ومعنى هذه الكلمات الإيطالية هو: هكذا . هكذا . هذه هي الحقيقة ( أسمع يايانوتا (الترجمان) أسمع . أسمع . قل . قل . استمر . استمر) إنكم يادولة الوالي اتخذتم بحزم جميع الاحتياطات التي من شأنها القضاء عليه، والمسألة مسألة وقت لا أقل ولا أكثر وهنا تحمس الجنرال لكلماتي هذه كأنها صادفت هوى في نفسه، أو كأنني قلت له شيئاً كان يريد أن يسمعه.

وقلت له مواصلاً الحديث: إن الدولة الإيطالية في حاجة لاستثمار كل شجرة في هذه البلاد، وسوف يكون فضل هذا الاستثمار المنتظر على أيديكم فإذا ما أقدمتم على حرق الغابات والكلمة الأخيرة لدولتكم فسوف يمر زمن طويل وطويل جداً دون إعادتها من جديد لما كانت عليه، هذا إذا لم يكن إعادتها مستحيلاً، وإليكم يادولة الوالي نذكر مسألة لها وجه الشبه برأيكم هذا. في عهد الدولة العثمانية قامت قبيلة البراعصة بعصيان ضد الحكومة وتعذر على الحكومة إنهاء العصيان، واعتبرت أن غابات الجبل الأخضر كانت أكبر مشجع للقبائل على العصيان فتتخذ منه مخابئ لا يقوى الجنود العثمانيون على اكتشافها فأرادت الحكومة أن تقوم بحرق جميع الغابات وسمع السلطان بذلك فاعترض على هذه الفكرة قائلاً: إذا كان الموجب لعصيان الأهالي هو تمنعهم عن دفع العشور والعوائد الحكومية فإنني أدفعها عنهم من جيبي الخاص حماية للغابات في الجبل الأخضر، ولا أوافق على حرقها. وعندما انتهيت من الحديث معه ودعني شاكراً).

لقد حرص صالح بك المهدوي على حماية الجبل الأخضر من عبث غرسياني الذي كانت في يده إمكانات إيطاليا للقضاء على حركة الجهاد ولذلك جادل وناقش وحاول أن يقنع غرسياني بالإقلاع عن تلك الفكرة الجهنمية لقد قال صالح بك عندما سئل عن صحة ما إذا كانت الحكومة العثمانية فكرت في إحراق غابات الجبل الأخضر، فأجاب بقوله: إن المسألة التي ضربت بها المثل للجنرال غرسياني كانت لها أثر في عهد قديم والحديث عنها يطول، والطليان لا يريدون ذكرها من وجهة سياسية محضة وعلى كل حال كنت أرمي بذكرها للجنرال غرسياني إلى حماية جبلنا من عبث هذا المجنون الذي وضعوا في يده سيفاً حاداً.

كان غرسياني يملك القوات الضخمة في البر والبحر والجو، والسلطة الغاشمة المستبدة في برقة، والخزائن المرصوفة بالأموال، والسجون والمعتقلات والمشانق، ومع هذا يضعف ويسيطر عليه العجز أمام المجاهدين وقائدهم العظيم حتى دفعه تفكيره إلى حرق الغابات بعد أن تمكن من حرق الأكباد، والأفئدة والأجسام لقد وقع تحت تأثير عصبي حاد من جراء ما أصابه من الفشل الذريع وكان في طريقه إلى الاستقالة أو الإقالة لولا تقدير الله بوقوع عمر المختار في الأسر.


الأيام الأخيرة من حياة المختار . ووقوعه في الأسر ثم إعدامه

أولاً: أحمد الشريف يحترق على بلاده ويرسل محمد أسد لمعرفة أخبار المجاهدين:

كان محمد أسد صاحب كتاب الطريق إلى الإسلام قد تعرف على أحمد الشريف أثناء إقامته في الحجاز وقد تأثر به غاية التأثر، وأحبه حباً عظيماً، يقول محمد أسد: (ليس في الجزيرة العربية كلها شخص أحببته كما أحببت السيد أحمد، ذلك أنه مامن رجل ضحى بنفسه تضحية كاملة مجردة عن كل غاية في سبيل مثل أعلى، كما فعل هو. لقد وقف حياته كلها، عالماً ومحارباً، على بعث المجتمع الإسلامي بعثاً روحياً، وعلى نضاله في سبيل الاستقلال السياسي ذلك أنه كان يعرف جيداً أن الواحد لايمكن أن يتحقق من دون الآخر).

لقد تعرف محمد أسد على أحمد الشريف بواسطة المجاهد الأندونيسي حاجي آغوس سالم الذي كان يمثل مركز القيادة في جهاد اندونيسيا ضد أعدائها، وكان قد جاء معه بقصد الحج وعندما عرف السيد أحمد الشريف أن محمد أسد حديث عهد بالإسلام، مد إليه يده وقال: (مرحباً بك بين إخوانك، يا أخي الشاب ..). لقد أحب محمد أسد أحمد الشريف وتفاعل مع قضية ليبيا وكان يمضي معه وبصحبة السيد محمد الزوي الساعات الطوال للبحث في وضع المجاهدين في ليبيا واستمرت الإجتماعات في مساء كل يوم طيلة أسبوع تقريباً لبحث ماكان بالإمكان صنعه، وقد رأى الشيخ محمد الزوي أن إمداد المجاهدين بين الفينة والأخرى لم يكن من شأنه أن يحل المشكلة، فقد كان يعتقد أن واحة الكفرة، في الجنوب من صحراء ليبيا يجب أن تكون ثاني محور لكل العمليات الحربية في المستقبل وكان يظن أن الكفرة كانت ماتزال بعيدة عن تناول الجيوش الإيطالية، وفوق ذلك فقد كانت تقع على طريق القوافل (ولو كان طويلاً وشاقاً) إلى واحتي بحرية وفرفرة المصريتين، ولذا كان يمكن تموينها بصورة جادة أكثر من أي موقع آخر في ليبيا، كما كان يمكن أن يتحول كثير من المهاجرين إلى مصر إليها لتكون مستودعاً دائماً لإمداد عمر المختار في الشمال، وكان أحمد الشريف مستعداً للذهاب بنفسه، لو أمكن إعادة تنظيم القتال على تلك الصورة، للإشراف على العمليات الجهادية بنفسه.

لقد تحدث محمد أسد عن سبب اهتمامه بالقضية السنوسية فقال: لم يكن اهتمامي البالغ بمصير السنوسيين ناشئاً عن إعجابي ببطولتهم المتناهية في قضية عادلة مقسطة فحسب، بل ان ماكان يهمني أكثر من ذلك هو ماكان يمكن أن يحدثه انتصار السنوسيين من تأثير على العالم العربي بأكمله إذ أنني لم استطع أن أرى في العالم الإسلامي كله إلا حركة واحدة كانت تسعى صادقة إلى تحقيق المجتمع الإسلامي المثالي: الحركة السنوسية، التي كانت تحارب الآن معركتها الأخيرة في سبيل الحياة وبسبب أن السيد أحمد كان يعرف مبلغ عطفي الشديد على القضية السنوسية، فقد التفت إلي وسدد نظره إلى عيني وسألني قائلاً: (هل تذهب، يامحمد إلى برقة بالنيابة عنا، فتقف على مايمكن صنعه للمجاهدين؟ لعلك تستطيع أن ترى الأمور بأجلى مما يراها بنو قومي .).

وبعد أن وافق محمد أسد على تلك المهمة الصعبة تناول أحمد الشريف من على أحد الرفوف نسخة من القرآن الكريم ملفوفة بغلاف من الحرير، وبعد أن وضعها على ركبتيه أمسك بيدي اليمنى بين يديه ووضعها على الكتاب:

(أقسم يامحمد، بالله الذي يعلم مافي القلوب، على أنك ستبقى أميناً للمجاهدين ).

قال محمد أسد: فأقسمت ولم أشعر في حياتي يوماً أنني كنت أكثر وثوقاً بوعدي مما كنت في تلك اللحظة.

قام أحمد الشريف بترتيب أمور هذه الرحلة واتصل باتباع الحركة في مصر ووصل الخبر إلى عمر المختار واستعد محمد أسد لهذه الرحلة المثيرة مع رفيقه زيد من قبيلة شمّر، وشرع في تنفيذ خطواته وكان رجال الحركة السنوسية يقودونه بمهارة بارعة حتى وجد نفسه أمام عمر المختار في الجبل الأخضر وقد فصل الأستاذ محمد أسد تلك الرحلة في كتابه المشهور.

لقاءه بعمر المختار :

بعد دخول محمد أسد إلى الجبل الأخضر من جهة الصحراء الغربية المصرية بواسطة المجاهدين الذين أرسلهم عمر المختار لاستقباله وجد محمد أسد نفسه أمام قائد حركة الجهاد ويصف لنا محمد أسد ذلك اللقاء فيقول: كان يحيط به رجلان من كل جانب، ويتبعه كذلك عدد آخر، وعندما وصل إلى الصخور التي كنا ننتظر عندها، ساعده أحد رجاله على النزول، ورأيت انه كان يمشي بصعوبة (عرفت بعدئذ أنه قد جرح إبان إحدى المناوشات قبل ذلك بعشرة أيام) وعلى ضوء القمر المشرق استطعت الآن أن أراه بوضوح: كان رجلاً معتدل القامة قوي البنية ذا لحية قصيرة بيضاء كالثلج تحيط بوجهه الكئيب ذي الخطوط العميقة. وكانت عيناه عميقتين، ومن الغضون المحيطة بهما كان باستطاعة المرء أن يعرف انهما كانتا ضاحكتين براقتين في غير هذه الظروف، إلا انهما لم يكن فيهما الآن شيء غير الظلمة والألم والشجاعة.

واقتربت منه لأحييه، وشعرت بالقوة التي ضغطت بها يده على يدي (مرحباًبك، يا ابني) قال ذلك وأخذ يجيل عينيه في متفحصاً: لقد كانت عيني رجل كان الخطر خبزه اليومي.

وفرش أحد رجاله حراماً على الأرض فجلس سيدي عمر عليه متثاقلاً. وانحنى عبدالرحمن ليقبل يده ثم شرع بعد استئذانه، يوقد ناراً خفيفة تحت الصخرة التي كنا محتمين بها وعلى ضوء النار الخافت، قرأ سيدي عمر الكتاب الذي حملنيه السيد أحمد إليه. لقد قرأه باهتمام وعناية، ثم طواه ووضعه لحظة فوق رأسه - وهي إمارة الإحترام والحب لايكاد المرء يراها في جزيرة العرب ولكنه كثيراً مايراها في شمالي افريقيا - ثم التفت إلي مبتسماًوقال: (لقد أطراك السيد أحمد، أطال الله عمره، في كتابه. أنت على استعداد لمساعدتنا، ولكنني لا أعلم من أين يمكن أن تأتينا النجدة، إلا من الله العلي الكريم. إننا حقاً على وشك أن نبلغ نهاية أجلنا ..).

فقلت: (ولكن .. هذه الخطة التي وضعها السيد أحمد، ألا يمكن أن تكون بداية جديدة؟ وإذا أمكن تدبير الحصول على المؤن والذخائر من الكفرة بصورة ثابتة، أفلا يمكن صد الإيطاليين؟ ).

لم أرى في حياتي ابتسامة تدل على ذلك القدر من المرارة واليأس كتلك الابتسامة التي رافقت جواب سيدي عمر: (الكفرة .؟ لقد خسرنا الكفرة، فالإيطاليون قد احتلوها منذ أسبوعين تقريباً ).

وأذهلني الخبر، ذلك إنني والسيد أحمد، طوال تلك الأشهر الماضية، كنا نبني خططنا على افتراض أن الكفرة يمكن أن تكون نقطة تجمع لتقوية المقاومة، أما وقد ضاعت كفرة فإنه لم يبق للسنوسيين سوى نجد الجبل الأخضر لاشيء سوى كماشة الإيطاليين التي كانوا يضيقونها بثبات واستمرار .. وخسارة نقطة بعد نقطة .. واختناق بطئ).

- وكيف سقطت الكفرة؟

فأومأ سيدي عمر إيماءة متعبة إلى أحد رجاله أن يقترب: (دع هذا الرجل يقص عليك الخبر .. إنه واحد من أولئك القلائل الذين هربوا من الكفرة، ولم يصل عندي إلا بالأمس).

وجلس الكفري على ردفيه أمامي وجذب برنسه البالي حوله وتكلم ببطء دون أن يبدو في صوته أي أثر للانفعال، ولكن وجهه الناحل كان يعكس جميع الأهوال التي شهدها.

- (لقد خرجوا علينا في ثلاث فرق من ثلاث جهات، وكان معهم سيارات مصفحة ومدافع ثقيلة كثيرة. أما طائراتهم فقد حلقت على علو منخفض ورمت بالقنابل البيوت والمساجد وغياض النخيل. لم يكن لدينا سوى بضع مئات من الرجال يستطيعون حمل السلاح، أما الباقون فقد كانوا نساء وأطفالاً وشيوخاً. لقد دافعنا عن أنفسنا بيتاً بيتاً، ولكنهم كانوا أقوى كثيراً منا، وفي النهاية لم يبق إلا قرية الهواري. لم تنفع بنادقنا في سياراتهم المصفحة فطغوا علينا، وتمكن عدد قليل جداً من الهرب. أما أنا فقد اختبأت في حدائق النخيل، مترقباً الفرصة لشق طريقي خلال الخطوط الإيطالية، وكنت طوال الليل أسمع ولولة النساء اللواتي كان الجنود الإيطاليون والعساكر الاريتريون يغتصبونهن وفي اليوم التالي احضرت لي امرأة عجوز بعض الماء والخبز، واخبرتني أن الجنرال الإيطالي قد حشد كل ماتبقى على قيد الحياة أمام قبر السيد محمد المهدي وأمام أعينهم مزق نسخة من القرآن الكريم ثم رماها الى الارض وداس عليها بحذائه صائحاً: (دعوا نبيكم البدوي يساعدكم الآن، اذا استطاع!) ثم أمر بقطع اشجار النخيل في الواحة وهدم آبارها، واحرق كل ماكان في مكتبة السيد احمد البدوي من كتب وفي اليوم التالي اصدر امره بوضع بعض شيوخنا وعلمائنا في طائرة حلقت بهم ورمتهم من علو شاهق، وطوال الليلة التالية كنت اسمع من مخبئي صرخات النساء وضحكات الجنود وطلقات بنادقهم ... واخيراً زحفت الى الصحراء في ظلام الليل فوجدت جملاً شارداً امتطيته ووليت فراراً.).

وعندما انهى الرجل قصته المروعة قربني سيدي عمر إليه بلطف وكرر قوله: (انك تستطيع ان ترى، يابني، اننا قد اقتربنا فعلاً من نهاية أجلنا) ثم اضاف: (اننا نقاتل لأن علينا ان نقاتل في سبيل ديننا وحريتنا حتى نطرد الغزاة او نموت نحن وليس لنا ان نختار غير ذلك. إنا لله وإنا إليه راجعون - لقد ارسلنا نساءنا واولادنا الى مصر كيما نطمئن على سلامتهم متى شاء الله لنا أن نموت).

قلت: (ولكن ياسيدي عمر، اليس من الافضل لك وللمجاهدين ان تنسحبوا الى مصر بينما لايزال هناك طريق مفتوح امامكم؟ فلقد يكون من الممكن في مصر جمع المهاجرين الكثيرين من برقة وتنظيم قوة اكثر فعالية وجدوى. ان القتال هناك يجب ان يوقف بعض الوقت حتى يستعد الرجال شيئاً من قوتهم ... انا اعرف ان البريطانيين في مصر لاينظرون بعين الرضى الى وجود قوات ايطالية راسخة الاقدام على خاصرتهم، فقد يغضون الطرف، والله اعلم، عن استعداداتكم فيما اذا اقنعتموهم بانكم لا تعتبرونهم اعداء.).

فأجاب : (كلا ياابني، لم يعد هذا يجدي الآن. ان ماتقوله كان ممكناً منذ خمس عشرة او ست عشرة سنة، قبل ان يقوم السيد احمد، اطال الله عمره، بمهاجمة البريطانيين كي يساعد الاتراك - الذين لم يساعدونا . أما الآن فلم يعد في الامر مايجدي.. ان البريطانيين لن يحركوا اصبعاً لكي يسهلوا علينا امرنا، والايطاليون مصممون على ان يقاتلونا حتى النهاية، وعلى سحق كل إمكانية للمقاومة في المستقبل، فاذا ذهبت واتباعي الآن الى مصر، فاننا لن نتمكن مطلقاً من العودة ثانية، وكيف نستطيع ان نتخلى عن قومنا ونتركهم ولا زعيم لهم، لاعداء الله يفترسونهم؟).

- وما قول السيد ادريس؟ هل يشاركك الرأي ياسيد عمر ؟

- (إن السيد ادريس رجل طيب. انه ولد طيب لوالد عظيم، ولكن الله لم يعطه قلباً يمكنه من تحمل مثل هذا الصراع.).

كان زيد الشمّري رفيق محمد اسد في رحلته بصحبة خليل احد المجاهدين لأحضار قرب الماء، وبعدما رجع وقع بصر خليل على سيدي عمر هجم لتقبيل يده، وبعد ذلك قدم محمد اسد زيداً الى عمر المختار فوضع المختار يده على كتفه وقال:

- (مرحباً بك، ياأخي، من أرض اجدادي. من أي العرب انت؟" وعندما اخبره زيد انه من قبيلة شمر، أومأ عمر برأسه مبتسماً : (آه ، اذن انت من قبيلة حاتم الطائي، اكرم الناس يداً.).

وقدم لهم رجال المختار بعض التمر ودعاهم المختار الى ذلك الطعام البسيط فأكلوا، ونهض قائد المجاهدين وقال: (آن لنا أن نتحرك من هنا. اننا على مقرب من المركز الايطالي في بوصفية، ولذا لا نستطيع ان نتأخر حتى الفجر).

وتحرك محمد اسد مع قائد حركة الجهاد ووصل الى معسكر المجاهدين ووقعت عيناه على امرأتين احدهما مسنة والاخرى شابة - في المعسكر كانتا جالستين بالقرب من احد النيران، مستغرقتين في اصلاح سرج ممزق بمخرز غليظ.

وعندما لحظ الشيخ عمر المختار دهشة محمد اسد قال: (إن اختينا هاتين تذهبان معنا حيثما نذهب. لقد رفضتا ان تسعيا الى امن مصر مع سائر نسائنا واولادنا. انهما ام وابنتها، وقد فقدتا جميع رجالهما في الحرب.).

اتفق عمر المختار مع محمد اسد على طريقة امداد المجاهدين بالمؤن والعتاد والسلاح عن طريق الطريق التي جاء منها محمد اسد، مع انشاء مستودعات سرية في واحات بحرية وفرفرة وسيوه ، وكان عمر المختار يشك في امكانية الافلات من مراقبة الايطاليين بهذه الطريقة مدة طويلة.

وقد تبين بعد ذلك ان ظنونه ومخاوفه كانت في محلها، ذلك انه بعد بضعة اشهر تمكنت قافلة تحمل المؤمن والذخائر من الوصول فعلاً الى المجاهدين ، إلا ان الايطاليين اكتشفوها بينما كانت تجتاز الفجوة بين الجغبوب وجالو، وسريعاً ما انشأوا بعد ذلك مركزاً محصناً في بير طرفاوي على نصف المسافة تقريباً بين الواحتين، مما جعل، بالاضافة الى الدوريات الجوية المستمرة، كل مسعى آخر من هذا النوع خطراً الى أبعد الحدود.

وكان قد تقرر رجوع محمد اسد وزيد الشمرّي الى الحجاز ورجوع من حيث أتوا بواسطة المجاهدين البواسل الذي رتبوا الامور، وأخذوا بالاسباب، وحافظوا على ضيوفهم الكرام.

يقول محمد اسد: وودعت وزيد عمر المختار، ولم نره بعد ذلك اطلاقاً، ذلك انه بعد ثمانية أشهر، قبض عليه الايطاليون واعدموه.

وقد وصف لنا محمد اسد آخر لقاء مع السيد احمد الشريف فقال: ومرة اخرى وقفت امام إمام السنوسية ونظرت الى وجه ذلك المحارب القديم المرهق ، ومرة اخرى قبلت اليد التي حملت السيف طويلاً جداً حتى انها لم تعد تستطيع بعد ان تحمله.

- (بارك الله فيك، يابني.. لقد مضت سنة منذ ان التقينا اول مرة، وهذه السنة قد شهدت نهاية آمالنا ولكن الحمدلله على كل حال ).

والحق انها كانت سنة مفعمة بالهموم والاكدار بالنسبة الى احمد: لقد اصبحت الاخاديد حول فمه اكثر عمقاً، واصبح صوته اكثر انخفاضاً من أي وقت مضى.

لقد هوى النسر. انه يجلس منكمشاً على السجادة، وقد لف نفسه ببرنسه الابيض كأنما يطلب الدفء، ويحدق بصمت في الفراغ وهمس: (لو اننا استطعنا فقط ان ننقذ عمر المختار. لو اننا تمكنا من اقناعه بالهرب الى مصر بينما كان هناك متسع من الوقت ).

فقلت له : (لم يكن باستطاعة احد ان ينقذ سيدي عمر. انه لم يرد ان ينقذ. لقد فضل ان يموت اذا لم يستطع ان ينتصر. لقد عرفت ذلك عندما فارقته ياسيدي احمد ).

إن احمد الشريف اهتم ببلاده بمجرد هجرته منها وكان على إتصال بالمجاهدين وقد حدثني السيد عبدالقادر بن علي أن احمد الشريف قام بكتابة رسائل الى قبائل برقة يحثهم فيها على السمع والطاعة للشيخ عمر المختار رحمهم الله.

ثانياً: الاسد يقع اسيراً:

ظل المختار في الجبل الاخضر يقاوم الطليان على الرغم من هذه الصعوبات الجسيمة التي كانت تحيط به وبرجاله وكانت من عادة عمر المختار الانتقال في كل سنة من مركز اقامته الى المراكز الاخرى التي يقيم فيها إخوانه المجاهدون لتفقد احوالهم، وكان إذا ذهب لهذا الغرض يستعد للطوارئ ، ويأخذ معه قوة كافية تحرسه من العدو الذي يتربص به الدوائر في كل زمان ومكان، ولما أراد الله أن يختم له بالشهادة ذهب في هذه السنة كعادته في نفر قليل يقدر بمائة فارس، ولكنه عاد فرد من هذا العدد ستين فارساً وذهب في اربعين فقط. ويوجد في الجبل الأخضر واد عظيم معترض بين المجاهدين اسمه وادي الجريب (بالتصغير) وهو صعب المسالك كثير الغابات، كان لابد من اجتيازه ، فمر به عمر المختار ومن معه ، وباتوا فيه ليلتين ، وعلمت بهذا ايطاليا بواسطة جواسيسها في كل مكان ، فأمرت بتطويق الوادي على عجل من جميع الجهات بعد أن جمعت كل ماعندها من قوة قريبة وبعيدة، فما شعر عمر المختار ومن معه إلا وهم وسط العدو؛ وقرر منازلة الاعداء وجهاً لوجه فأما أن يشق طريقاً يمكنه من النجاة أو يلقى ربه شهيداً في الميدان الذي ألف فيه مصارعة الأعداء، والتحمت المعركة داخل الوادي، وحصد رصاص المجاهدين عدداً كبيراً من الأعداء، وسقط الشهداء، وأصيب عمر المختار بجراح في يده، وأصيب فرسه بضربة قاتلة، وحصلت يده السليمة تحت الفرس فلم يتمكن من سحبها ، ولم تسعفه يده الجريحة وأصبح لسان حاله يقول:

أسرت وماصحبي بعزل لدى الوغى = وكم من صدى صوتي ليوث الشرى فروا
وما أحد في الحرب يجهل سطوتي = ولا فرسي مهر ولا ربه غمر
ولكن إذا حم القضاء على أمرئ = يكون ولا يغني من القدر الحذر
ومن رام من أمر الاله وقايه = فليس له بر يقيه ولا بحر
والتفت المجاهد بن قويرش فرأى الموقف المحزن وصاح في إخوانه الذين شقوا الطريق للخروج من الحصار قائلاً: (الحاجة التي تنفع عقبت أي تخلفت) ، فعادوا لتخليص قائدهم ولكن رصاص الطليان حصد أغلبهم، وكان ابن قويرش اول من قتل وهو يحاول انقاذ الشيخ الجليل ، وهجم جنود الطليان على الاسد الجريح دون ان يعرفوا شخصيته في البداية، وتم القبض عليه وتعرف عليه احد الخونة، وجاء الكمندتور داود باتشي متصرف درنة ليتعرف على الاسير وبمثل سرعة البرق نقل عمر المختار الى ميناء سوسة محاطاً بعدد كبير من الضباط والجنود الايطاليين، وأخذت كافة الاحتياطات لحراسة جميع الطرق والمواقع القريبة لتأمين وصول المجاهد العظيم الى سوسة ومن ثم نقل فوراً الى بنغازي عن طريق البحر.

يتبع >
  #86  
قديم 27-09-2007, 11:19 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي


يقول غراسياني في مذكراته: في صباح يوم 11 سبتمبر 1931م وصل الخبر برقياً إلى الحكومة من متصرفية الجبل هذا نصها: (بالقرب من (سلطنة) فرقة الفرسان (الصواري) قبضت على وطني وقع من على جواده أثناء المعركة وقد تعرف عليه عساكرنا بأنه عمر المختار ونظراً للخبر المهم ومن اجل التأكد والتحقق أمرت الحكومة متصرف الجبل الحكومندتور (الوجيه داود ياتشي) فجهزت طائرة خاصة لنقله إلى (سلطنة) على الفور للتعرف على شخصية الأسير وتثبت هويته إن كان هو زعيم المجاهدين عمر المختار وتأكد متصرف الجبل من انه عمر المختار وسرى الخبر سريان البرق وصدرت الأوامر بنقله إلى سلطنة ومنها إلى سوسة تحت حراسة شديدة حيث وصلها عند السابعة عشر من مساء نفس اليوم سبتمر 1931م دون أي عائق ، أو حادث أثناء الطريق من سلطنة إلى سوسة
مكث هناك في انتظار الطراد الحربي (اورسيني) الذي تحرك من بنغازي خصيصاً ليعود بالأسير إلى بنغازي وفي إثناء الرحلة تحدث معه بعض السياسيين التابعين لإدارتنا ووجهوا إليه الأسئلة، فكان يجيب بكل هدوء وبصوت ثابت وقوي دون أي تأثر بالموقف الذي هو فيه وفي يوم 12 سبتمر 1931م عند الساعة السابعة عشر وصل الطراد اورسيني إلى ميناء بنغازي حاملاً معه الأسير عمر المختار.) وقال أيضاً هذا الرجل أسطورة الزمان الذي نجا آلاف المرات من الموت ومن الأسر واشتهر عند الجنود بالقداسة والاحترام لأنه الرأس المفكر والقلب النابض للثورة العربية (الإسلامية) في برقة وكذلك كان المنظم للقتال بصبر ومهارة فريدة لا مثيل لها سنين طويلة والآن وقع أسيرا في أيدينا.

وهذا الاعتراف من غراسياني الخسيس في كتابه بأن عمر المختار قاد المعارك سنين طويلة واعترف بأنه محترم من أتباعه إلى مكانة عالية جداً ثم بأنه الرأس المفكر والقلب النابض للجهاد الإسلامي المقدس في برقة ثم الصبر والمهارة التي لا مثيل لها فهذا اعتراف من الجنرال غراسياني خريج الكليات الحربية والأكاديمية العسكرية وله تجارب طويلة في حرب الاحتلال إلى حرب العالمية الأولى وحروبه الصحراوية حتى لقبه بنو قومه بلقب أسد الصحراء والفضل ما شهدت به الأعداء.

ويقول الجنرال غراسياني عن عمر المختار أيضا: (كان عمر المختار كرئيس عربي مؤمن بقضية وطنه وله تأثير كبير على أتباعه مثل الرؤساء الطرابلسيين يحاربون بكل صدق واخلاص اقول ذلك عن تجارب مرت بي أثناء الحروب الليبية وكان عمر المختار من المجاهدين الكبار لما له من مكانة مقدسة بين أتباعه ومحبيه، إن عمر المختار يختلف عن الآخرين فهو شيخ متدين بدون شك، قاسي وشديد التعصب للدين ورحيم عند المقدرة ذنبه الوحيد يكرهنا كثيراً وفي بعض الأوقات يسلط علينا لسانه ويعاملنا بغلظة ، مثل الجبليين كان دائماً مضاداً لنا ولسياستنا في كل الأحوال لا يلين أبدا ولا يهادن إلا إذا كان الموضوع في صالح الوطن العربي الليبي، ولم يخن أبدا مبادئه فهو دائماً موضع الاحترام رغم التصرفات التي تحدث منه في غير صالحنا ان خيانة موقعة (قصر بنقدين) ضيعت على عمر المختار كل الفرص التي يمكن للدولة الايطالية ان ترحمه فيها.

وقال غراسياني في مذكراته: (أما وصف عمر المختار فهو معتدل الجسم عريض المنكبين شعر رأسه ولحيته وشواربه بيضاء ناصعة، يتمتع بذكاء حاضر وحاد، كان مثقفاً ثقافة علمية دينية له طبع حاد ومندفع يتمتع بنزاهة خارقة لم يحسب للمادة أي حساب متصلب ومتعصب لدينه، واخيراً كان فقيراً لا يملك شيئاً من حطام الدنيا إلا حبه لدينه ووطنه رغم انه وصل إلى أعلى الدرجات حتى أصبح ممثلاً كبيراً للسنوسية كلها) وهذا وصف دقيق يدل بوضوح على عظمة المختار وإمكانياته الذاتية التي وهبه الله إياها فتقلد بسببها اكبر المناصب وخاض أكثر المعارك وصفه عدوه بصفات الورع والتدين ومثقف ثقافة دينية وعلمية وصفه بشدة المراس والصبر على الشدائد وهكذا ياأخي المسلم الكريم يصنع الإسلام من أتباعه.ثالثاً: دخول المختار في سجن بنغازي:

وعندما وصل الأسير إلى بنغازي لم يسمح لأي مراسل جريدة أو مجلة بنشر أخبار أو مقابلات وكان على الرصيف مئات من المشاهدين عند نزوله في الميناء ولم يتمكن أي شخص مهما كان مركزه أن يقترب من الموكب المحاط بالجنود المدججين بالسلاح ونقل فوق سيارة السجن تصحبه قوة مسلحة بالمدافع الرشاشة حيث أودع في زنزانة صغيرة خاصة منعزلة عن كافة السجناء السياسيين وتحت حراسة شديدة وجديدة ويقول مترجم كتاب برقة الهادئة الأستاذ إبراهيم سالم عامر كنت من الذين أسعدهم الحظ على أن يتكلموا مع بطل الجهاد عمر المختار أثناء قيامه في السجن فقد أوقفوا كل الأهالي المعتبرين في مراكز الأمن والسجون وكان نصيبي في سجن بنغازي المركزي وعندما أتى بعمر المختار غيروا الحراس المحليين بحراس أريتريين والموظفين بالايطاليين من الحزب الفاشيستي وبعد أن أودعوه في الزنزانة كان هناك سرير من خشب وقماش وعلى الأرض قطعة من السجاد البالي لأجل وقع الرجلين عليه فسحبها الشهيد بقرب الجدران وجلس عليها واستند على الجدران ومد رجليه إلى الأمام وعندما كان مدير السجن يتجول على زنزانات السجناء رأى الشهيد جالساً على الأرض ولم يستطيع أن يسأله لماذا هو جالس على الأرض. ولأن المدير لايعرف العربية فناداني من بين السجناء السياسيين وطلب مني أن أترجم سؤاله فسألت الشهيد، فأجاب بصوت هادر كالأسد الهصور: قل له أنا اعرف أين اجلس لا يحمل هماً فهذا ليس من شأنه فترجمت الكلام فانصعق المدير واصفر وجهه وقال هيا ارجع إلى مكانك بلهجة الأمر غير أن قلبي كاد يطير من صدري فرحاً عندما سمعت هذه الإجابة القاطعة رحم الله عمر المختار كم كان عظيماً وهو قائم وأعظم وهو أسير.ويقول غراسياني الجنرال الايطالي السفاك الجلاد: (وأثناء الرحلة من سوسة إلى بنغازي أعطى لنا معلومات هامة عن كيفية سقوطه في الأسر والقبض عليه قائلاً عندما ضرب جواده وسقط على الأرض فجرحت يده اليمنى مما سببت له بعض التشقق في عظام ذراعه ورغم هذا الألم حاول جر نفسه ليبتعد ويختفي في احد الشجرات التي في الغابة ولكن فرقة الفرسان حالت بينه وبين غرضه وقد تعرف عليه احد الصواري من فرقة الفرسان وسرعان ما أحاطت به قوتنا وقد تأسف كثيراً أثناء حديثه بأن رفاقه حاولوا إنقاذه بكل وسيلة وقد ضاع منهم بعض الرفاق ولكن الكثرة حالت دون بغيتهم كذلك قلة الذخيرة لها عاملها الأصلي في عدم إنقاذي واثبت كذلك أن وقوعه في الأسر لا يعني توقف الثورة والجهاد بل هناك أربعة من القادة يحلون محلي وهم الشيخ حمد بوموسى، عثمان الشامي وعبد الحميد العبار ويوسف بورحيل المسماري وهذا الأخير هو أقربهم إليه لأنه كان دائماً بجانبه ، ولقد بالغ كثيراً بالنسبة لعدد الجنود فقد قال أن دوره يتكون من 500 مقاتل عادي، 400 فارس. واستطرد قائلاً شارحاً إن وقوعه في الأسر لا يؤثر ولا يغير سير القتال آو وضع الدور بل سيزداد قساوة ثم أضاف إني أحارب الايطاليين الفاشيستيين لا لأني اكره الشعب الايطالي ولكن ديني أمرني بالجهاد فيكم لأنكم أعداء الوطن.

قلت ما أعلم احد من المسلمين الصادقين يجد في نفسه وداً للنصارى على العموم فكيف بالذين يقولون الله ثالث ثلاثة ويقولون عيسى ابن الله، لكن قول غراسياني أن عمر المختار لا يبغض الشعب الايطالي فهذا ادعاء منه وأما قول عمر المختار ديني أمرني بقتالكم فهذا الذي يليق بحاله وبغض المسلم للنصارى الكفرة يدينون بها خالقهم ورازقهم ، ومالكهم ومتولي أمورهم سبحانه وتعالى عما يقولون الظالمون علواً كبيراً.

قال تعالى:
{ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ومامن إله إلا اله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ` أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم }.
(سورة المائدة ، الآيات:72،73،74).

وقال تعالى :
{ وقالوا اتخذ الرحمن ولداً لقد جئتم شيئاً إدّ تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً أن دعو للرحمن ولداً } ( سورة مريم: الآيات 88 الى 91).

فالآيات السابقة الواضحة البينة تمنع العالم الرباني والشيخ الجليل ان يقول بأنه لا يبغض أعداء الله حمات الصليب.

واستطرد غراسياني في كتابه برقة الهادئة قال :
( لقد قال عمر المختار كلمات تاريخية : إن وقوعي في الأسر تأكيد بأمر الله وسابق في علمه سبحانه وتعالى والآن أنا بين يدي الحكومة الايطالية الفاشيستية وأصبحت أسيراً عندها والله يفعل بي ما يشاء. أخذتموني أسيراً ولكم القدرة أن تفعلوا بي ماتشاؤون والذي أريد أن أقوله بكل تأكيد لم أفكر في يوم من الأيام أن أسلم نفسي لكم مهما كان الضغط شديداً ولكن مشيئة الله إرادت هذا فلا راد لقضاء الله).

وهذه بعينها عقيدة القضاء والقدر وهي من أركان الإيمان التي جاء بها الإسلام وقد تجسدت في حياة عمر المختار فهذه الآيات الكريمة تبين ما وقع للإنسان قد كتب فعليه ألاّ يحزن ولا ييأس لان الأمور بقضائه وقدره قال تعالى:
{ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لاتأسوا على مافاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور }
( سورة الحديد، آية 22).


وقد تربى المختار رحمه الله تعالى على الآيات القرآنية وأحاديث المصطفى e فعن ابن عباس عن رسول الله e : واعلم ان الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف.

وهذه العقيدة الصحيحة كانت مستقرة في قلب الشيخ الجليل رحمه الله وتحولت إلى عمل في حياته جسدته مواقف عقدية ومشاهد بطولية ولا نكون مخطئين إن قلنا كانت مواقفه وسيرته العطرة تدل على أنه رجل عقيدة.

رابعاً: من مواقف العزة داخل السجن:

أراد الكمندتور رينسي (السكرتير العام لحكومة برقة) في أمسية الرابع عشر من سبتمبر أن يقحم الشارف الغرياني في موقف حرج مع عمر المختار وهو في السجن وابلغ الشارف الغرياني بأن المختار طلب مقابلتك والحكومة الايطالية لا ترى مانعاً من تلبية طلبه، وذهب الشارف الغرياني إلى السجن لمقابلة الشيخ الجليل وعندما التقيا خيم السكوت الرهيب ولم يتكلم المختار فقال الشارف الغرياني هذا المثل الشعبي مخاطباً به السيد عمر (الحاصلة سقيمة والصقر ما يتخبل) وما كاد المختار يسمع المثل المذكور حتى رفع رأسه ونظر بحدة إلى الشارف الغرياني وقال له: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه وسكت هنيئة ثم أردف قائلاً: رب هب لي من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، أنني لم أكن في حاجة الى وعظ أو تلقين، أنني أومن بالقضاء والقدر، وأعرف فضائل الصبر والتسليم لإرادة الله ، أنني متعب من الجلوس هنا فقل لي ماذا تريد، وهنا أيقن الشارف الغرياني بأنه غرّر به فزاد تأثره وقال للمختار: ما وددت أن أراك هكذا ولقد أرغمت نفسي للمجيء بناءً على طلبك... فقال الشيخ الجليل، والجبل الشامخ أنا لم أطلبك ولن أطلب أحداً ولا حاجة لي عند أحد، ووقف دون أن ينتظر جواباً من الشارف الغرياني، وعاد الأخير إلى منزله وهو مهموم حزين وقد صرّح بأنه شعر في ذلك اليوم بشيء ثقيل في نفسه ما شعر به طيلة حياته، ولما سئل الشارف الغرياني عن نوع الثياب التي كان يرتديها عمر المختار أهي ثياب السجن أم ثيابه التي وقع بها في الأسر كان جوابه هو البيتان الآتيان مستشهداً بهما:

عليه ثياب لو تقاس جميعها .. بفلسٍ لكان الفلس منهن اكثرا

وفيهن نفس لو تقاس ببعضها .. نفوس الورى كانت أجل وأكبرا

خامساً: عمر المختار أمام غراسياني السفاح:

أراد المولى عز وجل لحكمة يريدها أن يقف البطل الأشم والطود الشامخ الذي حير ايطاليا الكافرة النصرانية الكاثوليكية وأشاع الرعب في قلوب جيوشها، أمام الرجل التافه الحقير المدعو غراسياني هذا حقير النفسية ، وضيع الأخلاق ، من أولئك الذين يرتفعون في كل عهد، ويأكلون على كل مائدة وكان من قادة الجيش الايطالي فلما جاء موسوليني ذلك الطبل الأجوف، وادعّى الزعامة على ايطاليا وحشر نفسه حشراً في صفوف الزعامات العالمية، كان غراسياني أول من صفق وقرع الطبول للزعامة الجديدة، وصار فاشيستياً أكثر من الفاشيستيين أنفسهم، أمام هذا الرجل الحقير الذليل الخسيس التافه وقف البطل الأشم والطود المنيف شيخنا عمر المختار رحمه الله وتستطيع أن تفكر في هذا الموقف وتطيل التفكير، فإن النفوس الحقيرة الوضيعة ، لا تعرف الشرف، ولا الرجولة ولا الكرامة ولا الأخلاق إذا خاصمت، فما يكاد عدوها يقع في يدها حتى تفعل به الأفاعيل ، وتصب عليه أصنافاً وألوناً من العذاب!! يدفعها إلى ذلك ، شدة إحساسها بحقدها وعظمة عدوها، وشدة شعورها بنقصها وكمال أسيرها.

من اجل ذلك دفعت الشماتة هذا الرجل الحقير أن يقطع رحلته إلى باريس وان يعود فوراً إلى بنغازي، وأن يدعوا المحكمة الطائرة إلى الانعقاد ودفعت غريزة الشماته غراسياني أن يستدعي البطل في صبيحة اليوم نفسه، وقبل المحاكمة بقليل.

يقول غراسياني في مذكراته : (وعندما حضر أمام مدخل مكتبي تهيأ لي أني أرى فيه شخصية آلاف المرابطين الذين التقيت بهم أثناء قيامي بالحروب الصحراوية، يداه مكبلتان بالسلاسل، رغم الكسور والجروح التي أصيب بها أثناء المعركة وجهه مضغوطاً لأنه كان مغطياً رأسه (بالجرد) ويجر نفسه بصعوبة نظراً لتعبه أثناء السفر بالبحر، وبالإجمال يخيل لي أن الذي يقف أمامي رجل ليس كالرجال منظره وهيبته رغم إنه يشعر بمرارة الأسر. هاهو واقف أمام مكتبي نسأله ويجيب بصوت هادئ، وواضح وكان ترجماني المخلص النقيب (كابتن) خليفة خالد الغرياني الذي أحضرته معي خصيصاً من طرابلس ووجهت له أول سؤال : لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكومة الفاشستية؟

ج- لأن ديني يأمرني بذلك.

س- هل كنت تأمل في يوم من الأيام أن تطردنا من برقة بإمكانياتك الضئيلة وعددك القليل.

ج- لا هذا كان مستحيلاً.

س- إذاً ما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه؟

ج- لا شيء إلا طردكم من بلادي لأنكم مغتصبون ، أما الحرب فهو فرض علينا وما النصر إلا من عند الله.

س- لكن كتابك يقول:
{ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة }
بمعنى لا تجلبوا الضرر لأنفسكم ولا لغيركم من الناس، القرآن يقول هذا.

ج- نعم.

س- إذاً لماذا تحارب؟

ج- كما قلت من أجل وطني وديني.

قال غراسياني : فما كان مني إلا أن قلت له أنت تحارب من أجل السنوسية تلك المنظمة التي كانت السبب في تدمير الشعب والبلاد على السواء وفي الوقت نفسه كانت المنظمة تستغل أموال الناس بدون حق هذا هو الحافز الذي جعلك تحاربنا لا الدين والوطن كما قلت .

عمر المختار: نظر إلي نظرة حادة كالوحش المفترس: لست على حق فيما تقول ولك أن تظن ما ظننت ولكن الحقيقة الساطعة التي لا غبار عليها أنني أحاربكم من أجل ديني ووطني لا كما قلت بان عليّ وجهه بعد أن زال الجرد من على رأسه واستطردت في توجيه الأسئلة إليه:

س- لماذا قطعت المهادنة السارية وأمرت بالهجوم على (قصر بن قدين) .

ج- لأنه منذ شهر أرسلت إلى المارشال (بادوليو) ولم يجيبني عنها وبقيت بدون رد حتى الآن.

يقول الجنرال لا أنت أردت قطع المهادنة لحاجة في نفسك وهاك الدليل وقرأت له البيان الذي نشره فوق الجرائد المصرية بتوقيعه؟ولم يرد في بادئ الأمر وحنى رأسه مفكراً ثم قال:

عمر المختار - نعم نشرت البيان في مصر بتوقيعي ولكن ليس هذا هو الدليل وإنما هو عدم تجاوبكم معنا في تنفيذ شروط الهدنة، ولم يزد شيئاً بل حنى رأسه إعياء.

س- هل أمرت بقتل الطيارين هوبر وبياتي.

ج- نعم: كل الأخطاء والتهم في الواقع هي مسؤولية الرئيس والحرب هي الحرب.

الجنرال : قلت له هذا صحيح لو كان حرباً حقيقية لا قتل وسلب مثل حروبك.

عمر المختار: هذا رأي، فيه إعادة نظر وأنت الذي تقول هذا الكلام ولازلت أكرر لك الحرب هي الحرب.

الجنرال: بموقفك في موقعة (قصربن قدين) ضيعت كل أمل وكل حق في الحصول على رحمة وعفو الحكومة الايطالية الفاشيستية.

عمر المختار: مكتوب (كلمة لتفسير معنى القضاء والقدر في العقيدة الإسلامية) وعلى كل عندما وقع جوادي وألقي القبض عليّ كانت معي ست طلقات وكان في استطاعتي أن أدافع عن نفسي وأقتل كل من يقترب مني حتى الذي قبض عليّ وهو أحد الجنود من فرقة الصواري المتطوعين معكم وكان في إمكاني كذلك أن أقتل نفسي.

الجنرال: ولماذا لم تفعل؟

عمر المختار: لأنه كان مقدراً أن يكون.

الجنرال: ولكن قد تحقق فيما بعد إلقاء القبض عليه كانت بندقيته فوق ظهره وبسقوطه على الأرض لم يستطيع نزعها وبالتالي لم يتمكن من استعمالها بسرعة وكذلك من أثر الجروح والكسر الذي بيده اليمنى وهذا في الحقيقة جدير بالاعتبار والتقدير.

وهذا اعتراف من السفاح إبان تجبره وطغيانه ونشوة انتصاره يعترف بقوة عمر المختار ويقدر فيه بطولته وجهاده التي لم يرى لها مثيل وقال شوقي رحمه الله في رثاء عمر المختار ما يجسد هذا الموقف:

جرح يصيح على المدى وضحيه .. تلتمس الحرية الحمراء

عمر المختار: كما ترى أنا طاعن في السن على الأقل اتركني بأن أجلس .

الجنرال: أشرت له فجلس على كرسيه أمام مكتبي وفي هذه الأثناء ظهر لي وجهه بوضوح وقد زالت رهبة الموقف وقد تأملته جانبياً فرأيت بعض الاحمرار في وجهه وبدأت أفكر كيف كان يحكم ويقود المعارك. وبينما هو يتكلم كانت نظراته ثابتة الى الأمام وصوته نابع من أعماقه ويخرج من بين شفتيه بكلمات ثابتة وبكل هدوء وفكرت ثانية هذا هو القديس، لان كلامه عن الدين والجهاد يدل بكل تأكيد أنه مؤمن صادق يتكلم عن الدين بكل حماس وتأثر . ثم قلت له فجأة: بمالك من نفوذ وجاه كم يوم يمكنك أن تأمر العصاة (يعني المجاهدين) بأن يخضعوا لحكمنا ويسلموا أسلحتنا وينهوا الحرب.

عمر المختار: مجيباً أبداً كأسير لا يمكنني أن أعمل أي شيء واستطرد قائلاً: وبدون جدوى نحن الثوار سبق أن أقسمنا أن نموت كلنا الواحد بعد الآخر ولانسلّم أو نلقى السلاح وأنا هنا لم يسبق لي أن استسلمت هنا على ما أظن حقيقي وثابت عندكم.

الجنرال: قلت له وأنا متماسك يمكن ذلك لو تم تعارفنا في وقت سابق والخبرة طويلة التي أخذتها عليكم لكان علينا ان نصل إلى أحسن حال في سبيل تهدئة البلاد وازدهارها.

(عمر المختار) : رفع حاجبيه بكل عمق وبصوت جهوري، وثابت قال: ولم لا يكن اليوم هو ذلك اليوم الذي تقول عنه.

الجنرال: فأجبته: لقد فات الأوان.

وعند هذا الحد رأيت أن نوقف المحادثة فيما بيننا ربما عمر المختار فكر في تلك اللحظة أن الحكومة الايطالية ستبعثه إلى الجبل من أجل أن يسلّم أتباعه السلاح ويخضعوا إلى سلطتنا ولكن لا : لقد قالها منذ لحظات بأنهم يموتون جميعاً ولن يستسلموا وعليه لقد فات الأوان وقلتها بنفسك لا فائدة من المحاولة إن الأمل الذي لاح منذ قليل قد انهار ولم يعد . ثم قلت له: هل تعرف هذه وعرضت عليه نظاراته في إطارها الفضي.

عمر المختار: نعم إنها لي وقد وقعت مني أثناء إحدى المعارك وهي معركة (وادي السانية).

(الجنرال) فأجبته: منذ ذلك اليوم اقتنعت بأنك ستقع أسيراً بين يدي.

عمر المختار: مكتوب : هل ترجعها لي لأني لم أعد أبصر جيداً بدونها.

واستطرد يقول ولكن ما الفائدة منها الآن هي وصاحبها بين يديك.

(الجنرال) قلت له: مرة أخرى أنت تعتبر نفسك محمياً من الله تحارب من أجل قضية مقدسة وعادلة؟

(عمر المختار) نعم وليس هناك أي شك في ذلك. قال الله تعالى:
{ قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا } صدق الله العظيم.

إذاً استمع إلى ما أقوله لك. أمام قواتي المسلحة من نالوت إلى الجبل الأخضر في برقة كل مشايخ ورؤساء العصاة (يعني رؤساء المجاهدين) منهم من هرب ومنهم من قتل في ميدان القتال ولم يقع منهم أي احد حياً في يدي أليس من العجيب أن يقع أسيراً بين يدي حياً من كان يعتبر أسطورة الزمن الذي لم يغلب أبدا المحمي من الله دون سواه؟؟

(عمر المختار) تلك مشيئة الله .. قالها بصوت يدل على قوة وعزم.

(الجنرال) قلت له: الحياة وتجاربها تجعلني أعتقد وأؤمن بأنك كنت دائماً قوياً ولهذا فإني أتمنى أن تكون كذلك مهما يحدث لك ومهما تكن الظروف.

(عمر المختار) عندما وقف ليتهيأ للانصراف ، كان جبينه وضاء كأن هالة من نور تحيط به فارتعش قلبي من جلالة الموقف أنا الذي خاض المعارك والحروب العالمية ، والصحراوية ، ولقبت بأسد الصحراء، ورغم هذا فقط كانت شفتاي ترتعشان ولم استطع أن أنبس بحرف واحد فأنتهت المقابلة وأمرت بإرجاعه إلى السجن لتقديمه للمحاكمة في المساء وعند وقوفه حاول أن يمد يده لمصافحتي ولكنه لم يتمكن لأن يديه كانت مكبلة بالحديد.

لقد خرج من مكتبي كما دخل عليّ وأنا أنظر إليه بكل إعجاب وتقدير.

يتبع >
  #87  
قديم 27-09-2007, 11:56 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

محاكمة عمر المختار رحمه الله

في الساعة الخامسة مساءً في 15 سبتمبر 1931م جرت تلك المحاكمة التي أعد لها الطليان مكان بناء (برلمان برقة) القديم وكانت محاكمة صورية شكلاً وموضوعاً.

ودليل ذلك أن الطليان قبحهم الله كانوا قبل بدء المحاكمة بيوم واحد قد أعدوا (المشنقة) وانتهوا من ترتيبات الإعدام وتنفيذ الحكم قبل صدوره، وإنك لتلمس ذلك في نهاية الحديث الذي دار بين البطل وبين غراسياني حيث قال له (إني لأرجو أن تظل شجاعاً مهما حدث لك أو نزل بك).

وإنها لكلمات تفوح بالخبث والدناءة والشماتة، ومعناها إنك يامختار سوف تعدم شنقاً، فلا تجبن أمام المشنقة ولاشك عندي لو كان غراسياني في موقف شيخنا لمات من الجبن قبل أن يساق للمشنقة ولكن شيخنا الجليل وأستاذنا الكريم وقائد الجهاد يزداد سمواً بعد سمو ثم يقول (إن شاء الله).

ويصف الدكتور العنيزي ذلك فيقول (جاء الطليان بالسيد عمر المختار إلى قاعة الجلسة مكبلاً بالحديد، وحوله الحرس من كل جانب .. وكان مكاني في القاعة بجوار السيد عمر وأحضر الطليان أحد التراجمة الرسميين واسمه نصرت هرمس (فلما افتتحت الجلسة وبدأ استجواب السيد، بلغ التأثر بالترجمان، حداً جعله لايستطيع إخفاء تأثره وظهر عليه الارتباك، فأمر رئيس المحكمة بإستبعاده وإحضار ترجمان آخر فوقع الاختيار على أحد اليهود، وهو لمبروزو، من بين الحاضرين في الجلسة (وقام لمبروزو بدور المترجم، وكان السيد عمر رحمه الله جريئاً صريحاً، يصحح للمحكمة بعض الوقائع، خصوصاً حادث الطيارين الإيطاليين أوبر وبياتي.

وبعد استجواب السيد ومناقشته وقف المدعي العام بيدندو، فطلب الحكم على السيد بالإعدام.

(وعندما جاء دور المحامي المعهود إليه بالدفاع عن السيد عمر وكان ضابطاً إيطالياً يدعى الكابتن لونتانو، وقف وقال: (كجندي لا أتردد البته إذا وقعت عيناي على عمر المختار في ميدان القتال، في إطلاق الرصاص عليه وقتله وافعل ذلك كإيطالي أمقته وأكرهه، ولكنني وقد كلفت الدفاع عنه فإني اطلب حكماً، هو في نظري أشد هولاً من الإعدام نفسه، وأقصد بذلك الحكم عليه بالسجن مدى الحياة نظراً لكبر سنه وشيخوخته).

وعندئذ تدخل المدعي العمومي، وقطع الحديث على المحامي وطلب من رئيس المحكمة أن يمنعه من إتمام مرافعته مستنداً في طلبه هذا إلى أن الدفاع خرج عن الموضوع، وليس من حقه أن يتكلم عن كبر سن عمر المختار وشيخوخته ووافقت المحكمة، أمر القاضي المحامي بأن لايخرج عن الموضوع ويتكلم بإيجاز، وهنا تكلم المحامي بحدة وقال: إن عمر المختار الذي هو أمامكم وليد هذه الأرض قبل وجودكم فيها ويعتبر كل من احتلها عنوة عدو له ومن حقه أن يقاومه بكل مايملك من قوة حتى يخرجه منها أو يهلك دونها هذا حق أعطته له الطبيعة والإنسانية، وهنا كثر الصياح من الحاضرين بإخراج المحامي وإصدار الحكم على المتهم الذي طالب به المدعي العام. ولكن المحامي استمر قائلاً العدالة الحقة لاتخضع لأي سلطان ولا لأية غوغاء وإنما يجب أن تنبع من ضميرنا وإنسانيتنا وهنا قامت الفوضى خارج المحكمة، وقام المدعي العام محتجاً على المحامي، ولكن المحامي استمر في دفاعه غير مبال بكل هذا بل حذر القاضي أن يحكم ضميره قائلاً: إن هذا المتهم عمر المختار الذي انتدبت من سوء حظي أن أدافع عنه شيخ هرم حنت كاهله السنون وماذا بقي له من العمر بعد ما أتم السبعين سنة وإني أطلب من عدالة المحكمة أن تكون رحيمة من (تحقيق) العقوبة عنه لأنه صاحب حق ولايضر العدالة إذا انصفته بحكم أخف وإنني أحذر عدالة محكمتكم حكم التاريخ لأنه لايرحم فهو عجلة تدور وتسجل كل مايحدث في هذا العالم المضطرب وهنا كثر الضجيج في الخارج ضد المحامي ودفاعه.

ولكن المحامي استمر في دفاعه قائلاً: سيدي القاضي حضرات المستشارين لقد حذرت المحكمة من مغبة العالم الإنساني والتاريخ وليس لدي ما أضيفه إلاّ طلب تخفيف الحكم على هذا الرجل صاحب الحق من الذود عن أرضه ودينه وشكراً).

وعندما قام النائب العام لمواصلة احتجاجه قاطعه القاضي برفع الجلسة للمداولة وبعد مضي فترة قصيرة من الانتظار دخل القاضي والمستشاران والمدعي العام بينما المحامي لم يحضر لتلاوة الحكم القاضي بإعدام عمر المختار شنقاً حتى الموت وعندما ترجم الحكم إلى عمر المختار قهقه بكل شجاعة قائلاً الحكم حكم الله لاحكمكم المزيف - إنا لله وإنا إليه راجعون.

وأراد رئيس المحكمة أن يعرف ماقاله السيد عمر .. فسأل الترجمان أن ينقل إليه عبارته، ففعل، وعندئذ، بدا التأثير العميق على وجوه الإيطاليين أنفسهم الذين حضروا هذه المحكمة الصورية وأظهروا إعجابهم لشجاعة شيخ المجاهدين بليبيا الحبيبة وبسالته في آن واحد.

وأما المحكمة، فقد استغرقت من بدئها إلى نهايتها ساعة واحدة وخمس عشرة دقيقة فحسب، من الساعة الخامسة مساء إلى الساعة السادسة والربع وكذلك قضت إرادة الله تعالى أن يتحكم الطليان في مصير البطل، لتتم الإرادة الإلهية وتمضي الحكمة الربانية.

{ وربك يخلق مايشاء ويختار ماكان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عمّا يشركون } (سورة القصص، آية 68).

{ ما أصاب من مصيبة إلاّ بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم } (سورة التغابن: آية 110).


إعدام شيخ الجهاد في بلادنا الحبيبة

وفي يوم 16 سبتمبر من صباح يوم الأربعاء من سنة 1931 عند الساعة التاسعة صباحاً نفذ الطليان في (سلوق) جنوب مدينة بنغازي حكم الاعدام شنقاً في شيخ الجهاد وأسد الجبل الاخضر بعد جهاد طويل ومرير .

ودفعت الخسة بالايطاليين أن يفعلوا عجباً في تاريخ الشعوب ، وذلك انهم حرصوا على ان يجمعوا حشداً عظيماً لمشاهدة التنفيذ فأرغموا أعيان بنغازي، وعدداً كبيراً من الاهالي من مختلف الجهات على حضور عملية التنفيذ فحضر مالا يقل عن عشرين الف نسمة . على حد قول غراسياني في كتاب برقة الهادئة.

ويقول الدكتور العنيزي ( لقد ارغم الطليان الاهالي والاعيان المعتقلين في معسكرات الاعتقال والنازلين في بنغازي على حضور المحاكمة، وحضور التنفيذ وكنت احد اولئك الذين ارغمهم الطليان على المحاكمة، ولكني وقد استبد بي الحزن شأني في ذلك شأن سائر ابناء جلدتي، لم اكن استطيع رؤية البطل المجاهد على حبل المشنقة فمرضت، ولم يعفني الطليان من حضور التنفيذ في ذلك اليوم المشئوم، الا عندما تيقنوا من مرضي وعجزي عن الحضور .

ويالها من ساعة رهيبة تلك التي سار المختار فيها بقدم ثابتة وشجاعة نادرة وهو ينطق بالشهادتين الى حبل المشنقة ، وقد ضل المختار يردد الشهادتين أشهد ان لااله الا الله ، وأشهد ان محمد رسول الله.

لقد كان الشيخ الجليل يتهلهل وجه استبشاراً بالشهادة وارتياحاً لقضاء الله وقدره، وبمجرد وصوله الى موقع المشنقة اخذت الطائرات تحلق في الفضاء فوق ساحة الاعدام على إنخفاض، وبصوت مدوي لمنع الاهالي من الاستماع الى عمر المختار اذا ربما يتحدث اليهم او يقول كلاماً يسمعونه وصعد حبل المشنقة في ثبات وهدوء .

وهناك اعمل فيه الجلاد حبل المظالم فصعدت روحه الطاهرة الى ربها راضية مرضية ، هذا وكان الجميع من اولئك الذين جاءوا يساقون الى هذا المشهد الرهيب ينظرون الىالسيد عمر وهو يسير الى المشنقة بخطى ثابتة، وكانت يداه مكبلتين بالحديد وعلى ثغره ابتسامة راضية، تلك الابتسامة التي كانت بمثابة التحية الأخيرة لأبناء وطنه، وقد سمعه بعض المقربين منه ومنهم ليبيون أنه صعد سلالم المشنقة وهو يؤذن بصوت هادئ آذان الصلاة وكان أحد الموظفين الليبيين من أقرب الحاضرين إليه، فسمعه عندما وضع الجلاد حبل المشنقة في عنقه يقول:
{ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية }
(سورة الفجر: آية 27،28).

لقد استجاب الله دعاء الشيخ الجليل وجعل موته في سبيل عقيدته ودينه ووطنه لقد كان يقول اللهم اجعل موتي في سبيل هذه القضية المباركة).

ويقول شاعر القطرين خليل مطران:

أبيت والسيف يعلو الرأس تسليماً = وجدت بالروح جود الحر أن ضيما
لله ياعمر المختار حكمته = في ان تلاقي مالاقيت مظلوما
ان يقتلوك فما ان عجلوا أجلا = قد كان مذ كنت مقدوراً ومحتوما

ولقد رثاه الشعراء وتكلم في تأبينه الادباء والكتاب ولو تتبعنا ذلك لوجدناها أكثر من مجلد.

ونختم استشهاد عمر المختار رحمه الله بقول الله تعالى :
{ وماكان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلا ومن يريد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤتها منها وسنجزي الشاكرين وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وماضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين }
(سورة آل عمران : آية 145).


ومن سيرة عمر المختار العطرة نستخلص دروساً وعبراً تفيدنا كثيراً في حياتنا المعاصرة ليس عمر المختار رحمه الله أول من جاهد ولا أول من استشهد ولكن كان حاله كما قال تعالى :
{ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } (سورة آل عمران : آية172).

ومفتاح شخصيته الفذة إنه آمن بالله واستقرت معانيه في قلبه فأصبح لايخشى إلا الله وهذا الصنف من المسلمين هو اقوى ماعرفته البشرية وهو الانسان الحر في أعلى معاني الحرية.

جرد قلبه من الاوهام ومن الشركيات والضلال ومن الشبهات والشهوات وخلص قلبه من كل ظلمة تحيل بينه وبين دخول التوحيد الصحيح إليه، كان كثير المراقبة لله، ومن هنا كان شديد الخوف من الله يعلم إنه شديد العقاب وخوفه من الله جعله اهلاً لتوفيق الله ولذلك كان راسخاً كالجبل الاشم.

فالفريد في سيرته ، إنه أحيا شيئاً كاد يندثر ، أحيا معاني الايمان التي كان الناس قد بدأوا ينصرفون عنها إنه بنيان اسس على التقوى فعاش مباركاً في حياته وفي مماته.

والعبرة الثانية ، إنه كان داعيا الى الله بإذنه ، تربى على ايدي دعاة السنوسية فلما اكتمل وترعرع ، ادى الرسالة وبلغ الامانة وأنذر وبشر، وخيركم من تعلم القرآن وعلمه.

والعبرة الاخرى، إنه كان على فهم صحيح لدينه، يأخذ كلاً لايتجزأ، فلا هو بالتدين المنحرف، ولا هو بالتدين البعيد عن جوهر الدين ، وإنما هو رجل مؤمن، يعلم ان الاسلام لايصح أن يؤخذ بعضه ويترك بعضه، وإنما عليه أن يعمل به كله.

وكان في حرارة الشباب وحيويتهم رغم شيخوخته وتلك طبيعية المقاتلين في سبيل الله، الذين يخشون الله ولايخشون أحداً غيره والعبرة الاخرى، انه لم يسع للشهرة ، لان المخلصين لايبحثون عن الشهرة وإنما يبحثون عن رضى الله سبحانه وتعالى.

ولذلك جعل الله له ذكراً في الدنيا ونسأل الله أن يتغمده برحمته في الآخرة إن اعداءه الاوروبيين اعجبتهم سيرته البطولية والكفاحية والجهادية فهذه صحيفة التايمز البريطانية في مقال نشرته في 17 سبتمبر سنة 1931م تحت عنوان نصر إيطالي: (حقق الايطاليون انتصاراً خطيراً ونجاحاً حاسماً في حملتهم على المتمردين السنوسيين في برقة، فلقد أسروا وأعدموا الرجل الرهيب عمر المختار شيخ القبيلة العنيف الضاري...) ثم تستمر الصحيفة حتى تقول: (ومن المحتمل جداً أن مصيره سيشل مقاومة بقية الثوار، والمختار الذي لم يقبل أي منحة مالية من ايطاليا، وأنفق كل ماعنده في سبيل الجهاد وعاش على ماكان يقدمه له اتباعه، واعتبر الاتفاقيات مع الكفار مجرد قصاصات ورق ، كان محل اعجاب لحماسته واخلاصه الديني ، انه كان مرموقاً لشجاعته.

وقد وصفه أحد الإيطاليين قائلاً (كان عمر المختار مخلصاً وذكياً، وكان عقل الثورة وقلبها ببرقة).

وقال آخر: كان انجازه رائعاً، فقد حارب إيطاليا الفاشستية تسع سنوات من حرب فدائية لم تكن ضعيفة في ذاتها وكان التحدي والتضحية والاستشهاد بالنفس عند عمر المختار واتباعه شيئاً نبيلاً.

ونحن نقول:

ومليحة شهدت لها ضراتها .. والفضل ماشهدت به الأعداء

لقد كانت حياة عمر المختار شيخ المجاهدين في الجبل الأخضر بليبيا مكرسة كلها للعلم والدعوة وتربية الناس على الإسلام والجهاد في سبيل الله وكان من رواد الحركة السنوسية فقضى حياته حين نادى منادي الجهاد معتلياً صهوة جواده ممسكاً سلاحه، لم يهادن ولم يستسلم بل قارع أعداء دينه مقارعة الند للند رغم قلة الإمكانات ورغم عدم التكافؤ في العدد والعدة ولكنه استعلاء الإيمان وقوة اليقين، الذي ازداد صلابة وعمقاً في ميادين الجهاد وساحات المعارك، إن جهاد عمر المختار رحمه الله سيظل معلماً بارزاً في تاريخ ليبيا خاصة وتاريخ الأمة الإسلامية عامة وسيظل دليلاً على أن الإسلام صنع ولايزال نماذج عظيمة من البطولات على مر العصور وعلى أن العطاء الحقيقي إنما هو عطاء الإيمان.

إن الشيخ الجليل عمر المختار رحمه الله مدرسة تستحق الدراسة والبحث في جوانب متعددة في شخصيته العلمية والدعوية والتربوية والجهادية ويعلم الله ما أعطيت الشيخ حقه ولا حتى بعض حقه وأحس إحساساً عميقاً صادقاً في قرارة نفسي إنه أعظم مما كتبت وأجل مما توهمت وأفضل من عايشت من سيرة أبطال الجهاد في ليبيا الحبيبة فعليه من الله الرحمة والمغفرة والرضوان وعلى إخوانه الميامين الكرام ونفعنا الله بسيرته الزكية العطرة النقية.

وهكذا يا أخي الكريم يصنع الإسلام من اتباعه في ميادين النزال وساحات القتال وكذلك عند الوقوف أمام الطغاة والجلاودة الظلمة، لأن العقيدة تحركه ورعاية الله تحفه وإن هذه الوقفات الخالدة من سيرة شيخ الجهاد في ليبيا لحري بنا أن نكتبها بحروف من ذهب ونعلمها للأجيال ونربي عليها الأشبال لغد مشرق مجيد قد بدأت بوادره تلوح في عنان السماء ومظاهرها متجسدة في رجوع شعوب المسلمين لدينها مع مايحف هذا الرجوع من مخاطر عديدة من قبل اليهود والنصارى والملاحدة والحكام الظلمة وأنى لهم أن يطفؤا نور الله والله متم نوره ولو كره الكافرون.

فما علينا إلا أن نستعين بالله في تحقيق وتطبيق دينه على نفوسنا وأسرنا ومن حولنا ثم على الناس أجمعين.

قال تعالى:
{ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لايشركون بي شيئا } (سورة النور: آية55).

{ ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز } (سورة الحج، آية40).

{ من كان يريد العزة فالله العزة جميعا ً} (سورة فاطر، آية10).

آخر وثيقة من أحمد الشريف وصلت للمجاهدين في ليبيا:

وكانت آخر وثيقة أرسلها أحمد الشريف رداً على رسالة المجاهد الكبير يوسف بورحيل الذي تولى الأمر مؤقتاً بعد استشهاد عمر المختار رحمه الله تعالى وقد أعلم في رسالته أحمد الشريف باستشهاد عمر المختار وطلب منه أن يعين من يقوم بهذا الدور العظيم.

نص الرسالة التي بعث بها أحمد الشريف رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

من عبد ربه سبحانه، خادم الإسلام، أحمد الشريف السنوسي،

إلى حضرة الفاضل المحترم، والجليل المفخم، المجاهد الصادق، واللبيب الحاذق، قائم مقام دور العواقير ولدنا الشيخ عبدالحميد العبار، وكافة أولادنا العواقير حفظهم الله ورعاهم وحرسهم وحماهم آمين آمين.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ومغفرته ومرضاته وتحياته ورضوانه وعميم فضله وإحسانه، وبعد، فالمرجو من الله تعالى أن تكونوا جميعاً على أيسر الأحوال محفوظين بالله ومنصورين به وإننا لن نغفل عنكم وقت من الأوقات من الدعاء لكم عند بيت الله الحرام وفي حضرة مولانا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعلى الله القبول، إنه أكرم مسؤول، وخير مأمول هذا وقد بلغنا ما أزعجنا وكدرنا غاية الكدر، وهو استشهاد حضرة النائب العام سيدي عمر المختار رحمه الله ورضي الله عنه وجعل جنة الفردوس مسكنه ومحله، وجزاه الله عنا وعن الإسلام أحسن الجزاء، فإنه كان عاملاً صادقاً ناصحاً، وأننا لم نتكدر على نيله للشهادة بل نحمد الله على ذلك ولانقول أنه مات، بل إنه حي لقول الله :{ ولاتقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتا، بل أحياء }
وإنما كدرنا فقدانه من بينكم وغيابه عنكم، ولكن هذا أمر الله الذي يفعل مايشاء ويحكم مايريد، فلا يمكننا إلا تسليمنا لله ورجوعنا إليه، ولانقول إلا مايقول الصابرون، إنا لله وإنا إليه راجعون، نعم استشهد سيدي عمر المختار ولكنه أبقى العمل الطيب والذكر الحسن إلى يوم القيامة فهذا ليس بميت ولن يموت أبداً، مادامت الدنيا أنه شهيد، والشهيد ليس بميت لقوله تعالى:
{ ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله ... الخ الآية}
فالله يا أولادي في التمسك وإياكم واليأس إياكم والقنوط، إياكم وأقاويل الناس الفاسدة فجدوا واجتهدوا كما كنتم، واجعلوا أعمالكم لله لأنه لنا ولالغيرنا لأن من قاتل الله، فالله حي باقي، ومن قاتل لغير الله فعمله لايفيده شيئاً، واعلموا أن الله معكم، ولن يتركم أعمالكم، فاصبروا وصابروا واعلموا أن العاقبة للمتقين، وأن الله مخزي الكافرين، وماترونه من الأهوال، فإنه والله ثم والله زائل عن قريب وسترون مايسركم دنيا وأخرى، ففي الدنيا سترون بحول الله العز والنصر والفتح الذي لايخطر لكم على بال، وفي الآخرة رضاء الله ورسوله والنعيم المقيم، فأنتم في الخير أحياء وأمواتاً، وها نحن نوبنا عنا عليكم حضرة أخيكم المجاهد الغيور الصادق، ولدنا الشيخ يوسف بورحيل، فإنكم ستلقونه بعون الله وقوته، مثل السيد عمر وأكثر، ونحن ماقدمناه إلا بتقديم سيدي عمر له في حياته، وامتثلوا أمره واسمعوا كلامه، وكونوا له عوناً معيناً، ومن خالفه منكم فلا يلومن إلا نفسه، ومن تبعه وامتثل أمره، فهو الذي منا وعلينا، وولدنا الشيخ يوسف المذكور هو النائب عنا عموماً، فلا تروه إلاّ بالعين التي تروننا بها، وبذلك يتم بالله أمركم، وتجتمع كلمتكم وتقهرون عدوكم، وإياكم ثم إياكم والمخالفة والنزاع، قال الله تعالى:
{ ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين }
واعلموا يا أولادي أن العدو خيبه الله ساعي بكل جهده في القضاء عليكم في هذه المدة القريبة، لابلغه الله مناه، لأنه بعد مدة قليلة يقوم معه حرب عظيم يشغله عنكم وهو مع الفرنسيين، والدول الأخرى، فعند ذلك لايقدر على دوام القتال معكم، والحرب قريب النشوب، فجدوا في عملكم، واصبروا وأبشروا بالنصر والفتح ولاتيأسوا من روح الله، انه لاييأس من روح الله إلا القوم الكافرون قال تعالى:
{ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ... الخ الآية }
ولانشك يا أولادي أن الله منجز وعده لأن الله لايخلف الميعاد، وإني والله ثم والله مايمنعني من الوصول إليكم إلا عدم الطريق، ولكن بحول الله، لازلت مجتهداً بكل جهدي في وصولي إليكم وعن قريب يتم ذلك بحول الله وقوته، هذا وسلموا منا على عموم أولادنا المجاهدين والبارئ يحفظكم وينصركم ويجمعنا بكم عن قريب.

16 جمادى الثاني سنة 1350هـ

يتبع >
  #88  
قديم 28-09-2007, 12:17 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

ايطاليا تحاول ان تستفيد بعد مقتل عمر المختار

يقول غراسياني عن عمر المختار في كتابه برقة الهادئة: إن خبر القبض على عمر المختار واعدامه سرى في كل مكان وفي الاوساط المحلية بين الأهالي والخاضعين لسلطاتنا وبين الثوار الخارجين عن طاعتنا والمهاجرين في مصر وفي كل البلدان من المشرق الى المغرب. كلها تأثرت من هذا الحادث الجلل، واعدام عمر المختار ولكي ننتهز هذه الفرصة في هذا الظرف الدقيق من أجل أثارة الفوضى بين القادة الذين خلفوا عمر المختار في القيادة رأينا ان ننشر بياناً الى كافة او البقية من العصاة نعلن لهم فيه ان الحكومة الايطالية الفاشيستية مستعدة أن تقبل استسلامهم وتسليم السلاح وتضمن لهم الحياة وفي 17 سبتمبر 1931م نشرت التعليمات الآتية من أجل توزيعها وهي :

1- أن نعطي للثوار الاحساس بسخاء الدولة الايطالية الفاشيستية وكذلك للسكان المحليين.

2- افراد الحالة أمام العالم الاسلامي وغير الاسلامي بكل دقة وان تصرفاتنا لا لبس فيها فهي من اختصاصنا وكذلك من مسؤولياتنا في كل العمليات الحربية التي أجريت في برقة ولهذا فقد قامت طائرتنا بقذف المنشورات على المناطق الجبلية وعلى المدن والقرى وبها البيان الآتي:

الى ادوار عمر المختار

إن الرئيس العظيم رئيس الثوار عمر المختار يحارب منذ عشرين سنة كان يقودكم فيها الى الخراب والدمار والتأخر والانحطاط قبضت عليه قواتنا المظفرة قوات ايطاليا الفاشيستية وقد حكمت عليه المحكمة الخاصة بالاعدام وهذا انتقام من الله من اجل المساكين الذين بسببه تركوا اراضيهم ومسقط رأسهم.

قال مترجم كتاب برقة الهادئة ابراهيم بن عامر عن هذا المنشور سبحان الله ياجنرال من الذي شرد الناس من أراضيهم؟ ومن الذي أفنى ثمانين ألف من المواطنين في المعتقلات ألم تكن أنت الذي قضى على الناس وأموالهم؟ وفي نفس الصفحة تعترف بأن عمر المختار منذ عشرين سنة يحارب من أجل من ؟ من أجل أن يطردك ويطرد قوات إيطاليا الغاصبة.

واستمر غراسياني في المنشور: ياأهل الدور إن الحكومة الايطالية الفاشيستية القوية والسخية تحذركم مرة اخرى إنه بعد وفاة واختفاء عمر المختار أنها مستعدة بأن تعفو عن كل الذين يخضعون لحكمنا ويسلمون اسلحتهم ومن غير هذا فالحكومة كما قضت على عمر المختار ستقضي على كل الذين يواصلون العصيان أما عاجلاً أو آجلاً. اسمعوا كلامي وسلموا أنفسكم وفي نفس الوقت أصدرت الأوامر الى قوات الجيش بعد أن قذفت الطائرات المنشورات بالاستمرار في القتال دون توقف بل بذل أكثر من الجهد دون تردد حتى نجعل أمام العصاة (يعني الثوار) الطريق الوحيد هو الاستسلام دون قيد او شرط وخلاف القاء البيان بالطائرات مايزيد عن 35.000 منشور وأكثر منها وزعت من الدوريات الكشافة على كل بئر وفي كل حقل ومرعى وكل هذه الاماكن التي يمر بها العصاة (يعني المجاهدون) أما (المريشال بادوليو) من جانبه وجه الى قوات الجيش البرقية التالية:

أوجه الى قوات الجيش الشجاعة ببرقة أعظم الثناء وأحر تهنئتي على كل ماقاموا به من عمل مجيد وانتصار باهر في هذه الحروب والنتيجة المرضية التي كنا نتمناها أن نهاية عمر المختار يجب أن لاتؤثر على السير فوق الطريق التي رسمناها وهي مطاردة العصاة أينما وجدوا واقتفاء أثرهم وضربهم بكل شدة ودون هوادة أو رحمة الى آخر واحد منهم وليكن شعارنا.

لاتوقف ولا ارتخاء واصلوا الزحف بكل حماس متجرد ولسوف نقضي على العصاة نهائياً

انظروا اخواني الى هذا الحقد والبغض والكيد والمكر الذي ظهر من أفواهم وماتخفي صدورهم أكبر وصدق الله حيث قال: { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا....} (سورة البقرة، آية217).

تعيين يوسف بورحيل قائد للحركة الجهادية:

وبعد سقوط عمر المختار رحمه الله في الاسر تجمع المجاهدون بين يوم وليلة واجمعوا على تنصيب الشيخ المجاهد (يوسف بورحيل) قائداً للجهاد الاسلامي ووكيلاً عاماً للجهاد وعلى أثر هذا التنصيب كلف الشيخ عبدالحميد العبار بالرحيل نحو شرق البلاد للقيام بحث الناس على الانخراط في جيش المجاهدين وحمل السلاح لمكافحة الجيوش والجهاد في سبيل العقيدة الاسلامية والدين.

واستقبل المجاهدون خبر استشهاد قائدهم العظيم بالعزيمة في الاستمرار ومواصلة للسير أما الشهادة أو النصر على النصارى الحاقدين.

وواصلت الحكومة الايطالية حملات الانتقام ضد أولئك الابطال وبرز في تلك المرحلة الحاسمة والتي ندر فيها وجود الرجال الشيوخ الفرسان والقادة الأبطال والميامين الكرام اجدادنا البواسل كل من عبدالحميد العبار ويوسف بورحيل وعصمان الشامي وحشدت ايطاليا قواتها وواصلت شن حملاتها بشراسة منقطعة النظير. وبعد قتال عنيف عند الحدود المصرية قرب الاسلاك الشائكة فاجتاز الاسلاك بعض المجاهدين ببطولة منقطعة النظير وفروسية عالية القياس وقتل من قتل واسر من اسر وبقي الزعماء الأربعة يقاومون فقتل حمد بوخيرا لله احد الزعماء وقتل يوسف بورحيل وجرح عصمان الشامي فأخذ أسيراً وأما الفارس المغوار عبدالحميد العبار فاستطاع ان يجتاز الاسلاك الشائكة بجواده رغم مطاردة القوات الايطالية له

وبهذه النهاية المؤلمة الحزينة انكسرت شوكة المجاهدين وتعثرت خطواتهم واخمدت حركة الجهاد وذهب الاجداد تاركين خلفهم تاريخاً بطولياً كفاحياً جهادياً رائعاً من اجل العقيدة والدين والشرف والكرامة فعلى طريق الاسلام نحن سائرون ومن اجل اعزاز دين الله عاملون ورفع راية التوحيد مجاهدون ونسأل الله المغفرة والرحمة والرضوان للاجداد والابطال الكرام من أمثال رمضان السويحلي وسليمان الباروني والفضيل بوعمر واحمد الشريف السنوسي وصالح الاطيوش وابراهيم الفيل واحمد سيف النصر وسعدون وعبدالحميد العبار وغيرهم كثير.

إن عبدالحميد العبار قد امد الله في عمره وقد شاهدته مرات عديدة وأنا طفل لم اتجاوز الرابعة عشر وكنت أراه كل يوم بعد صلاة الفجر امام بيته في الحي الذي كنت أسكن فيه بمدينة بنغازي والذي يسمى مدينة الحدائق بقرب مسجد السيد بالقاسم احمد الشريف السنوسي المعروف بمسجد الأنصار وكان منظره وهو يتلو كتاب الله وقد تقدمت به السن مؤثراً في نفسي وبلادنا في تلك الفترة عمّها الفساد وماكنا نرى ونحن اطفالاً من يحافظ على تلاوة القرآن الكريم بالكيفية المذكورة وأخبرت والدي عن ذلك الذي اسر قلبي بتلاوته القرآن الكريم فقال لي يابني ذاك الشيخ عبدالحميد العبار من كبار المجاهدين وبدأت جدتي وهي من قبائل برقة من قبيلة الدرسة وقد كانت ضمن المعتقلين بمعتقل المقرون تسرد لي أموراً عجيبة عن جهاده وفروسيته وشجاعته ونجدته ولازالت صورته في ذهني الى وقت كتابتي هذه وعندما توفى رحمه الله كانت لوفاته مأتم مشهود وحضرت جموع غفيرة من شرق البلاد وغربها واستمر المأتم اياماً عديدة فرحمة الله على أولئك الأبطال.

الثاني عشر: اضطهاد الشعب:

وباستشهاد عمر المختار ويوسف بورحيل واسر عصمان الشامي بعد جرحه وهجرة عبدالحميد العبار الى مصر وقتل كثير من المجاهدين إنتهت حركة الجهاد الفعلية ومع وجود معظم السكان في معسكرات الاعتقال حكم الايطاليون البلد من الحصون المحاطة بالاسلاك الشائكة والدرويات والمصفحات والسيارات المسلحة والرشاشات والانوار الكاشفة والطائرات وفي يناير 1932م أعلن بادوليو حاكم ليبيا العسكري الايطالي أن الثورة قد انتهت كلية وتماماً واصرت ايطاليا على جعل ليبيا الشاطئ الرابع لإيطاليا. وأعلن موسليني ذلك الطبل الاجوف سنة 1934م بأن الحضارة الحقيقية هي ماتخلقها ايطاليا على الشاطئ الرابع لبحرنا، الحضارة الغربية بصفة عامة، والحضارة الفاشيستية بصفة خاصة) وأخذ الرأسماليون الايطاليون يقسمون ممتلكات الشعب المسلم على بعضهم البعض ويرحّلون الاسر الايطالية لاستيطان الكامل في ليبيا المسلمة وأصبح الليبيون عمال مستأجرين وخدام للعائلات الايطالية في مزارعهم التي نزعت من ايديهم وسلمت للايطاليين وأصدرت وسنت القوانين التي تخدم مصالح الحكومة الايطالية في مصادرة الاملاك والاستيلاء عليها ونزعها من المواطنين بمبالغ زهيدة باسم المصلحة العامة واهتمت ايطاليا بليبيا اهتماماً بالغاً من اجل جعلها قطعة ايطالية لها دورها في توسيع مستعمراتها نحو الجزائر ومالطا وجبل طارق وشجعت ايطاليا هجرة الالوف من العائلات الايطالية ضمن شروط لابد من توفرها في الراغبين بالاستيطان في ليبيا المسلمة ومن هذه الشروط: كثرة عدد افراد الاسرة بحيث تكون اكثر من سبعة ، وايضاً الصحة، والقراءة والكتابة وان تكون هذه الاسرة من اعضاء الحزب الفشيستي، او ذات الوعي السياسي، وكان معظم القادمين هم من المناطق الفقيرة في شمال ايطاليا وخرجوا من ايطاليا وسط دعاية عالمية. واستقبلوا في طرابلس وبنغازي استقبال الابطال ونقلوا في سيارات الجيش الى القرى التي كانت جاهزة لهم وكان بالبو يرافقهم من نابولي حتى القرى التي اغتصبوها من الشعب المسلم المسكين وأعطيت كل اسرة منزلاً ومزرعة جاهزة للعمل وكانت الحقول قد زرعت وفي كل اسطبل كان يوجد بقرة وبغل ، وادوات وحبوب وعلف وكذلك عربات وخشب للوقود وفي كل بيت كان هناك طعام يكفي لاسبوع، حتى الكبريت والشمع كان موجوداً جاهزاً وسخر الشعب الليبي المسلم لخدمة النصارى واستعبد النصارى الحاقدون المسلمين في حربهم لليبيا واهتموا بطرابلس ولبده وصبراته وشحات لجعلها دعاية للحكومة الايطالية ودعوة انحلالية للخمور والدعارة في حوض البحر المتوسط على مستوى عالمي وكانت اهداف الامبراطورية الفاشيستية حسب تعبير الطبل الاجوف موسليني (تغييراً اقليمياً حربياً تجارياً فحسب بل تغييراً روحياً واخلاقياً ايضاً) وعمل على إنسلاخ المسلمين من اخلاقهم ودينهم ورضوا بأن يحصر دين المسلمين في الشعائر التعبدية. وقد أعلن بالبو مرة إنه (لن يكون في ليبيا حكام ومحكومون، وبدلاً من ذلك سيكون فيها ايطاليون كاثوليك، وايطاليون مسلمون، متحدين من جماعة مشتركة كعناصر بناءة في تنظيم جبار للامبراطورية الفاشيستية) وحرموا الشعب الليبي المسلم من كل حقوقه الطبيعية فلا فرصة في التعلم والتعليم والثقافة والتثقيف ولم يكن الفاشيستيون يرون نهاية لوجودهم في بلادنا العزيزة وكانت الطبقة المثقفة الصغيرة اما في المنفى ، او لاصوت لها. وقد أخمدت كل معارضة بقسوة بالغة وأضعف البناء القبلي التقليدي بتعيين زعيم لكل عدد من القبائل والفاشيستيون يأمرون والشعب المستضعف ينفذ بدون سؤال او تعليل وكان التعليل الكافي الذي ربى عليه الشعب (يجب عليك لأنه يجب عليك أن تفعل كذا وكذا) وكانت السياسة التعليمية الايطالية رسمت من اجل تخريج عدد كبير من التلاميذ الليبيين الذين يتكلمون الايطالية ويخلصون الولاء لإيطاليا

وعملوا على القضاء على الاخلاق الاسلامية وبث روح الكثلكة في المدارس بين الاطفال ، والقضاء على مصارف اهل البلاد والتعليم الديني واغلقوا الكتاتيب ودور العلم الوطنية وأكثروا من إقامة دور الفحش ومنعوا الليبيين من اداء فريضة الحج وازداد امتهانهم للدين الاسلامي بدرجة شنيعة فكان من اسوء فعالهم، إن القى قائد طبرق الايطالي بالمصحف الشريف الى الارض، ثم اخذ يطأ عليه بقدمه على مشهد من جماعة من المسلمين (إنكم معشر المسلمين لايمكن أن تصيروا بشراً مادام هذا الكتاب بين ايديكم).

وسخروا المسلمين واستعبدوهم في بناء الطرق والقلاع والمزارع والقرى ونشط المبشرون الطليان في دعوتهم، وعمدت الحكومة الى تشجيعهم وارغمت النساء على التنصير والزواج من الطليان.

وزاحموا أهالي البلاد في الصناعة والتجارة وسيطروا عليها سيطرة كاملة ومنعوا الناس من التظلم ، وقيدوا حرياتهم، فمنعوهم من محادثة بعضهم بعضاً، ومن قراءة الصحف والمجلات والكتب، ومن مراسلة اقاربهم في الخارج، حتى صاروا في سجن داخل بلادهم محرومين من كل صلة تربطهم بالعالم العربي والاسلامي.

لقد كان من احلام الفاشيست اعادة الامبراطورية الرومانية الغابرة فقرروا لذلك امتلاك البلدان الاسلامية القائمة على شواطئ البحر الابيض المتوسط، ثم ابادة أهل هذه البلاد وافنائهم وتحويلها الى رقعة لاتينية ، وانها لوقاحة منقطعة النظير ان يعمل شعب على ابادة شعوب ليحل محلها بالقوة ولكن هذا هو منطق الصليبيين الحاقدين وبلغ استهتارهم، أنهم ألزموا خطباء الجمعة بالدعاء على المنابر لملك ايطاليا، عم نويل الثالث، وعندئذ امتنع المسلمون عن صلاة الجمعة فلما هاج الرأي العام الاسلامي على هذا الفعل، استكتبوا الأئمة تكذيباً بتوقيعاتهم، جاء فيه ان الدعاء كان بمحض ارادتهم، ومن تلقاء أنفسهم ، ومن غير تدخل من جانب الحكومة الفاشيستية!!

فهل رأيت وقاحة ابلغ من هذه؟

وفي عهد بادوليو صاروا يمنعون الناس من اداء الحج ويضعون العراقيل في سبيلهم، حتى يجبروا على تركه.

كان اقبح مافعل المارشال بادوليو إنه امر بأن ترصف (الصالة) في قصره بالبلاط المنقوش عليه (محمد) e وبعد انتهاء مرحلة الحرب المسلحة كما علمنا نفذ الشطر الثاني من برنامج إبادة الليبيين وإفنائهم، ونعني ذلك ما أغتصبه الطليان من الاراضي والمزارع وإعطائها للعائلات الفاشيستية بالقوة، وترك اصحاب الارض الحقيقين وابناء البلاد يتضورون جوعاً ويخدمون هؤلاء الحاقدين كخدماً وعبيداً.

واراد الله ان ينتقم للمجاهدين من الطليان بقدرته وجبروته وعزته وحكمته النافذة التي لا يعلمها كثير من عباده وبعد أن اطمأن النصارى الكاثوليك في ليبيا جاءت الحرب العالمية الثانية قدراً من الله وتسليطاً من الله من ظالم على ظالم:
{ وكذلك نولى بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون } (سورة الانعام، آية129).

وبعد أن اطمأنت الامبراطورية الايطالية الى سلطانها، ودانت لها الاقطار الليبية من اقصاها الى أقصاها من بعد استشهاد المختار عام 1931م حتى عام 1942م.

احد عشر عاماً من اليأس المطلق الذي لايبشر بشيء من الامل، أهل الحل والعقد الليبيين بعيدين عن البلاد.

نصف الشعب او يزيد اهلكوا، او اخرجوا من ديارهم ظلماً وعدواناً البقية الباقية مستضعفة في بلادها لا حول ولا قوة بها.

غراسياني ينفخ اوداجه، ويختال على ارض المسلمين يمنة ويسرة حيث شاء.

ثم جاء من ورائه بادوليو الماريشال العجوز ليتم قصة ابادة الشعب الليبي ويسلم الاراضي الى رعاع الطليان.

ليل هنا وليل هناك وظلام دامس وظلم مخيم ويأس مرير وذلة اصابت المسلمين وعزة زائفة سيطرت على النصارى الحاقدين وكانت قصة خروج الطليان من بلادنا غريبة جداً ينبغي أن يتدبر فيها ليعلم الناس وليطمئنوا الى عدل الله المنتقم الجبار ولو بعد حين وكانت قصة هزيمة ايطاليا في ليبيا بدأت في الحرب الثانية في سبتمبر وحرصت ايطاليا أول الامر على عدم دخولها حتى اذا رأت فرنسا تنهار على أثر الزحف الالماني الخاطف عليها أعلنت ايطاليا الحرب على انكلترا وفرنسا في 10 يوليو 1940م وبدأ الجبل الاخضر يضيق حول عنق الامبراطورية الجوفاء العرجاء ودخلت ايطاليا الحرب بقيادة زعيمها موسوليني الطبل الاجوف طمعاً في الغنائم ، وكانت توقن ان الارض قد دانت لحليفتها ألمانيا فأخلف الله ظنها وافضى الامر الى زوالها نهائياً من الوجود كامبراطورية صاحبة مستعمرات واندحرت ايطاليا باندحار المانيا في شمال افريقيا، ولم تغرب شمس يوم 7 ابريل عام 1943م حتى كانت جيوش المانيا وايطاليا بقيادة رومل المنهزمة قد اخلت القطر الطرابلسي بأجمعه.

وكانت فرحة عظيمة شاملة عمت قلوب الناس وعبر عنها الملك السابق بقوله: (إني احمد الله الذي جعلني أشهد خروج هؤلاء الطليان الظالمين من بلادنا) وتدفق الليبيون الى بلادهم التي ترعوعوا فيها وأُخرجوا منها ظلماً وزوراً وهكذا استدار الزمان وسلط الله الانكليز على الطليان ونزل العار بهم .

لقد ارادت إيطاليا إبادة المسلمين في ليبيا فبادوا هم وبقي المسلمون في ليبيا واراد غرسياني إعدام المختار فهلك وبقي المختار علماً وقدوة لأجيال المسلمين.
مع تحيّات عادل محمّد


المصدر :


Copyright © 2000-2006, Universal Studies Academy
All Rights Reserved

  #89  
قديم 03-10-2007, 12:57 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

روليهلالا 'نيلسون' مانديلا (ولد 18 يوليو 1918)


هو الرئيس الأسبق لجمهورية جنوب إفريقيا وأحد أبرز المناضلين و المقاومين لسياسة التمييز العنصري التي كانت متبعة في جنوب إفريقيا.

طفولته وصباه
ولد نيلسون روليلالا مانديلا في منطقة ترانسكاي في أفريقيا الجنوبية ( 18 تموز - يوليو 1918). وكان والده رئيس قبيلة، وقد توفي و نيلسون لا يزال صغيرا، إلا انه انتخب مكان والده، وبدأ إعداده لتولي المنصب. تلقى دروسه الابتدائية في مدرسة داخلية عام 1930، ثم بدأ الإعداد لنيل البكالوريوس من جامعة فورت هار. ولكنه فصل من الجامعة، مع رفيقه اوليفر تامبو، عام 1940 بتهمة الاشتراك في إضراب طلابي.و من المعروف إن مانديلا عاش فترة دراسية مضطربة و تنقل بين العديد من الجامعات و لقد تابع مانديلا الدراسة بالمراسلة من مدينة جوهانسبورغ، وحصل على الإجازة ثم التحق بجامعة ويتواتر ساند لدراسة الحقوق. كانت جنوب أفريقيا في تلك الفترة خاضعة لحكم يقوم على التمييز العنصري الشامل، إذ لم يكن يحق للسود الانتخاب ولا المشاركة في الحياة السياسية أو إدارة شؤون البلاد. بل أكثر من ذلك كان يحق لحكومة الأقلية البيضاء أن تجردهم من ممتلكاتهم أو أن تنقلهم من مقاطعة إلى أخرى، مع كل ما يعني ذلك لشعب (معظمه قبلي) من انتهاك للمقدسات وحرمان من حق العيش على ارض الآباء والأجداد والى جانب الأهل وأبناء النسب الواحد.gano

النشاط السياسي
بدأ مانديلا في المعارضة السياسية لنظام الحكم في جنوب إفريقيا الذي كان بيد الأقلية البيضاء، ذلك أن الحكم كان ينكر الحقوق السياسية والإجتماعية والإقتصادية للأغلبية السوداء في جنوب إفريقيا. في 1942 إنضم مانديلا إلى == المجلس == الإفريقي القومي، الذي كان يدعو للدفاع عن حقوق الأغلبية السوداء في جنوب إفريقيا.
وفي عام 1948، أنتصر الحزب القومي في الإنتخابات العامة، وكان لهذا الحزب ،الذي يحكم من قبل البيض في جنوب إفريقيا، خطط وسياسات عنصرية، منها سياسات الفصل العنصري ،وإدخال تشريعات عنصرية في مؤسسات الدولة. وفي تلك الفترة أصبح مانديلا قائدا لحملات المعارضة والمقاومة. و كان في البداية يدعو للمقاومة الغير مسلحة ضد سياسات التمييز العنصري. لكن بعد إطلاق النار على متظاهرين عزل في عام 1960، وإقرار قوانين تحضر الجماعات المضادة للعنصرية، قرر مانديلا وزعماء المجلس الإفريقي القومي فتح باب المقاومة المسلحة.

إعتقاله وسجنه
في عام 1961 أصبح مانديلا رئيسا للجناح العسكري للمجلس الإفريقي القومي. وفي اغسطس 1962 أعتقل مانديلا وحكم عليه لمدة 5 سنوات بتهمة السفر الغير قانوني، والتدبير للإضراب. وفي عام 1964 حكم عليه مرة أخرى بتهمة التخطيط لعمل مسلح، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة.
خلال سنوات سجنه السبعة وعشرين، أصبح النداء بتحرير مانديلا من السجن رمزا لرفض سياسة التمييز العنصري. وفي 10 يونيو 1980 تم نشر رسالة إستطاع مانديلا إرسالها للمجلس الإفريقي القومي قال فيها: "إتحدوا! وجهزوا! وحاربوا! إذ ما بين سندان التحرك الشعبي، ومطرقة المقاومة المسلحة، سنسحق الفصل العنصري"
في عام 1985 عرض على مانديلا إطلاق السراح مقابل إعلان وقف المقاومة المسلحة،الا أنه رفض العرض . و بقي في السجن لغاية 11 فبراير 1990 عندما أثمرت مثابرة المجلس الإفريقي القومي، والضغوطات الدولة عن إطلاق سراحه بأمر من رئيس الجمهورية فريدريك دكلارك الذي أعلن أيقاف الحظر الذي كان مفروضا على المجلس الإفريقي . وقد حصل نيلسون مانديلا مع الرئيس فريدريك دكلارك في عام 1993 على جائزة نوبل للسلام.

رئاسة المجلس الإفريقي ورئاسة جنوب إفريقيا
شغل مانديلا منصب رئاسة المجلس الإفريقي (من يونيو 1991- إلى ديسمبر 1997)، وأصبح أول رئيس أسود لجنوب إفريقيا (من مايو 1994- إلى يونيو 1999). وخلال فترة حكمه شهدت جنوب إفريقيا إنتقالا كبيرا من حكم الأقلية إلى حكم الأغلبية. و لكن ذلك لم يمنع البعض من انتقاد فترة حكمه لعدم اتخاذ سياسات صارمة لمكافحة الـايدز من جانب ، و لعلاقاته المتينة من جانب آخر بزعماء دول منتقدين في الغرب مثل معمر القذافي و فيدل كاسترو.

تقاعده
بعد تقاعده في 1999 تابع مانديلا تحركه مع الجمعيات والحركات المنادية بحقوق الإنسان حول العالم. وتلقى عددا كبيرا من الميداليات والتكريمات من رؤساء وزعماء دول العالم. و كان له كذلك عدد من الأراء المثيرة للجدل في الغرب مثل أراءه في القضية الفلسطينية ومعارضته للسياسات الخارجية للرئيس الأمريكي جورج بوش، وغيرها.
في يونيو 2004 قرر نيلسون مانديلا ذو الـ 85 عاما التقاعد و ترك الحياة العامة، ذلك أن صحته أصبحت لا تسمح بالتحرك والإنتقال، كما أنه فضل أن يقضي ما تبقى من عمرة بين عائلته.
في 2005 اختارته الأمم المتحدة سفيرا للنوايا الحسنة.

كتاب :
نيلسون منديلا :
مسيرة طويلة نحو طريق الحرية

محمد بن حامد الأحمدي

منذ فترة قصيرة جاء موظف عربي مهاجر ليعمل في شركة طيران أمريكية كبيرة ، وعند وصوله تعرَّف عليه المسلمون في الشركة ودعوه للغداء الأسبوعي ، حيث يجتمعون في قاعة من قاعات الشركة ويتناولون الغداء ويصلُّون الظهر ويستمعون لدرس في العلوم الإسلامية أو علاقاﺗﻬم بغيرهم . ولما صلُّوا استغرب العقل العربي المهاجر للعمل هذه الحرية ، ثم جلسوا لبدء الدرس فهمس في أذن الأخ الذي عن يمينه : هل هذا العمل قانوني ؟ ! قال له الذي بجواره : نعم ، ولنا سنوات نفعله . ولم يطمئن ، ولم يكد يصدق ، فهمس في أذن الأخ الذي عن يساره : هل أنت متأكد أن هذا العمل مشروع وقانوني ؟ !
فاستنكر المسؤول خوف الرجل وسؤاله لأنه أقدم عهدًا وهذا حق مكفول لكل مجموعة تريد ذلك .
لقد كان هذا المسلم الذي وفد من بلد مشرقي عربي ينعم ببعض بصيص الحر ية النسبية مقارنة ببلاد عربية أخرى مستغربًا جدًا أن تسمح الشركة بل الحكومة الأمريكية لعشرين شخصًا أن يصلوا ويتدارسوا الإسلام - بل أي قضية - في حجرﺗﻬم تلك ! الأمريكيون المسلمون تعجبوا لمستوى الكبت في بلاد المسلمين وتدهور عقل الإنسان وقيمته في بلاد المسلمين التي أحبوا دينها فاعتنقوه ، وأنكروا فيها هوان الإنسان وتردِّي قيمته ، وهذا حاجز كبير يمنع دخول الناس في دين الله ، فما إن تتحدث عن هذه الأمور حتى تقدم اعتذارًا مما يحدث ، وإثبات أن الإسلام ليس هو الذي تشاهدونه في بلاد المسلمين .
وعربي آخر قال لهم : إنكم أيها الأمريكيون لا تعرفون ظلمات الواقع العربي ، وتحول الهمس ليكون موضوع اللقاء فزاد خوف الأخ وتوجسه . ولا لوم عليه ولا تثريب فقد جاء من بلاد الرعب المتبادل ،فالشعب يخاف حاكمه ، والحاكم يرهب شعبه ، والثقة والأمن أعز مطلوب ، فالاجتماعات في بلده محرمة ، فكيف بالدينية ؟ ! ويحسب كل اجتماع ديني خاص بأن وراءه مؤامرة انقلاب وذهاب لرأس الزعيم ! .
وهذا أنتج عندنا عزوفًا عن بعض القضايا المهمة والأخطر في حياة الأمة ، ومن أهم هذه القضايا "قضية الحرية" ، حرية قول الحق وممارسته ، حرية الدعوة له ، حرية نصره ، وَأطر الناس عل ى الحق . حريتنا وكرامتنا أن نحيا كما أراد الله لنا عبادًا له وحده أعزة أحرارًا ، لا نقبل بالخضوع لغيره، ولا نستسلم لغير شرعه، وفي ظل شرعه والالتزام به نُحكم كما نريد، ونوالي كما نريد، ونعادي كما نريد، ونعلم ما يُراد بنا، ونعلم مصالحنا ومضارنا . ونتدارس أمر نا بكامل اختيارنا دون قهر خارجي أو استبدادي ، فمَن الذي يزعم أن شخصًا واحدًا كلي ً لا علي ً لا يفهم كل شيء ، ويعرف كل شيء ! اللهم لا ، إلا في عصر" مدَّعي الإلوهية من البشر " في ظلمات المثبورين الذين قال أحدهم :
{ما علمت لكم من إله غيري }
وقال : {ما أريكم إلا ما أرى} وما أشبه تلك الحال .

ألم يشهد المسلمون أعظم تجربة حديثة العهد أمامهم منذ شهور ، أم هل تراهم توقعوها مسرحية أمريكية شكلية ! لقد شهدوا وشهد العالم رئيس أمريكا يقف في قفص الاﺗﻬام محاصَر ًا، محمرّ الوجه يستغيث بالمناديل ليمسح عرقه ، ويأمل في عطف الشعب ، ويكاد يستقيل قبل أن يُقال ، يحدوه أمل كبير أن ينجو من حصاره من أجل قضية خلقية ، هي في معيارهم عادية ؛ ومن قبل طردوا زعيمًا ومفكرًا استراتيجيًا كبيرًا "نيكسون" من البيت الأبيض من أجل مخالفة خلقية صغيرة فيها اعتداء على خصوصيات الآخرين، حادثة تجسس على الحزب المناوئ ؛ لأنه علم عنه وسكت! ولكن شعوبًا كاملة - هي شعوبنا - ليس لها خصوصية وليس لها حرية ولا تجرؤ على التلفظ ﺑﻬا ، وتنزع منها قيمتها ، بل تمسخ الكلمات الكبيرة فتصبح كريهة المعنى والظل ، فيسمى الخروج عن الأدب حرية ، واستقدام راقصة تطورا،
ويسمى نشر الدعارة رقيًا . وغابت الكلمات والمعاني والأفعال الشريفة ، فلم تخرج هذه الشعوب يومًا فتقول للظالم : قف ! ولا لمستبد : هذا حدُّك ! لأن الكلمات في زمن الاستبداد تفقد معانيها فيصبح الجور عدلا واستقرارا، والسكوت على الذل حكمة ، والحرية حرية الفساد ، وكلمة الحق والنصح لله وللمسلمين طريقة الخوارج والبغاة !
والمسلمون في بلادهم لا يحق لهم ولا يسألون عما يفعل ﺑﻬم ، ولا هم ينطقون ، بل قد يهمس شجعاﻧﻬم في الخفاء ، وهؤلاء الهامسون بالكرامة والحرية قليل مستضعفون ، يخافون أن يتخطفهم الجواسيس ، أو هاربون خائفون. وتصبح الكرامة والعزة والحرية ﺗﻬمة وعيبًا وتطرفًا وخروجًا .
ومنذ قرون استوطنت هذه الأمراض في معظم البلاد الإسلامية إلى اليوم ، فليس للشعب المسلم المستضعَف دور في قراره ، لا يوالي بقراره ولا يعادي بقراره بل بوصاية من الخارج . يقول برنارد لويس إن العرب منذ جاءهم نابليون الفرنسي ، حتى أخرجه من بلادهم ضغط بريطانيا (!!!) ، منذ ذلك اليوم وإلى اليوم - أكثر من مائتي عام - أدرك العرب أﻧﻬم لا يملكون شيئًا من قرارهم . أي يذهب مستعمر بسبب ضغط من مستعمر جديد، وقد يبدل لباسه ويرسل وكلاء محليين !

وجاء عزوفنا عن "الحرية" - مصطلحًا وسلوكًا وشعارًا - بسبب ا لخوف من المشاكلة مع الذين أساءوا للمصطلح، أو أن غيرنا استخدم اللفظ أو رفع الشعار وتاجر به في غير مكانه أو خالف الحق والشرع .
وقضية الحرية ومفاهيمها الشرعية يجب أن تكون على أولويات قائمة المطالب الإسلامية ؛ فحرية المسلم في قول ما يعتقد ، وإنكار ما يرى من منك ر وباطل ، وحريته في قول كلمة الحق ، وممارسة واجبه الشرعي في التوجيه والنصح والإصلاح هي طريق الحق والعزة والكرامة والسيادة . أما السكوت والخمول والتواكل والرعب من كلمة الحق فهي شر طريق سلكته أمة ، وهي طريق الخذلان والهزيمة ، ومخالفة سُنة الله في الشرع والواقع . وسنة الله في الصدع والدفع وقول كلمة الحق واحترامها ما قام عليها مجتمع موحِّد إلا عز ونجا ، ولا ﺗﻬاون بكلمة الحق وممارسته والأعذار إلى الله إلا مَن جانب الشرع ورضي بالخذلان والهوان والمعصية . خفنا من هذه الكلمة لأن الفاسدين استغلوها للترويج للانحلال ،
واستخدمها الدهريون - العلمانيون أو اللائيكيون - للترويج لوثنيتهم ، واستغلها الشهوانيون لممارسة الفسق والخروج على الآداب .
وقد آن أن نعيد قضايانا الهاربة من خطابنا، ونزرع العدل في بلادنا ،
ونتعود عليه ونحبه ، فبالحق والعدل نتحاب وتنتهي عوامل الفرقة والخوف والخضوع للبغاة والمحتلين .
وعملية التحرر في بلاد المسلمين لا تتم فجأة ، ولا من كلمة وموقف ، ولكنه مشروع متواصل ، وركام من الثقافة والسلوك ، وشجاعة في الكلمة والتصرف ، حتى تصبح العزة خلقًا عامًا ، وتربية الأخلاق للفرد واﻟﻤﺠموع أطول عمليات الإصلاح إطلاقًا . ومن بعد رسوخ خلق العزة والكرامة تنسجم الأمة مع نفسها ودينها وتاريخ أمجادها ، وإلا فإن شواهد العزة في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحبه والتابعين لا يقدر المسلم المعاصر الذي صودرت حريته وعزته أن يفهمها ولا أن يتجاوب معها.

الحرية أم العدالة ؟
كان الرجل العربي حرًا أنف ًا، لا يخضع إلا لربه ، ويعتبر الخضوع لغير ه عبودية له ؛ لذا اختار الله العرب للرسالة، لما تميزوا به من عزة النفوس وشَمَمها وبراءﺗﻬا من عسف المستبدين ، فلا يقبلون العبودية للملوك - ملوك فارس والروم - ولا مَن استخدمتهم هاتان القوتان لإخضاع الناس على حوا شي الإمبراطوريتين، يفتخر الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم - مذكِّرًا قومه بعناصر عزﺗﻬم وشرفهم وأيامهم الماجدة الحرة - :
وأيام لنا غر طوال ---- عصينا الملك فيها أن ندينا ويقول - مستنكرًا محاولة الاستبداد - :
بأي مشيئة عمرو بن هند ---- نكون لأمكم فيها قطينا ؟ .

ويأنف من خضوع الحاكم للجواسيس ، أو خضوعه - وهو سيد قومه - لما سقط فيه الحاكم من طاعة الوشاة وتأثيرهم في قراره :
بأي مشيئة عمرو بن هند ---- تطيع بنا الوشاة وتزدرينا ؟

درس من الأسد الأسود
إن مشاعر العزة وثقافة التحرر قلَّت في واقع المسلمين اليوم، وكادت أن تكون تاريخًا بعيدًا جدا ً ، ولما قرأت سيرة مانديلا جددت تلك القصة معاني تستحق الاهتمام والوعي في بعض بلاد المسلمين التي تشارك إفريقية الجنوبية الكثير من الأحوال المشاﺑﻬة.
خرج مانديلا من السجن بعد عشرة آلاف يوم كاملة في المعتقل ، وكان عمره واحد ًا وسبعين عامًا وقاد دولته الجديدة في طريق لم يسبق أن سارت فيه من قبل . وكتابه "مسيرة طويلة نحو الحرية " - دار الهلال ، مصر ، عام ١٩٩٥ ، ترجمة د .فاطمة نصر - من أجمل الكتب ، بل ومن كتب العالم الثالث المهمة التي روت واحدة من سِيَر العالم المغلوب وكيف كافحت أمة ل تحصل بعد قرون متطاولة على حريتها . فقد احتاجت جنوب إفريقية إلى ثلاثمائة وأربعين عامًا لتنال استقلالها ، ولا تتوهموا أن جميع الإفريقيين في جنوب إفريقية سعوا إلى الاستقلال ، ولا تتوهموا أن كل الرجال يحبون الحرية ويسعون لها ! فليس كل السود قاتلوا من أجل الحرية والاستقلال ، ولا كلهم سُجن ثلث قرن كما حدث لمانديلا ، فليس كل الناس يسعون للحرية ولا كلهم يحبها . لا ، بل استقلت جنوب إفريقية - أو نال السود حقوقهم على الأصح - على الرغم من كراهية عدد من السود غير قليل؛ فمنهم أعداد هائلة كانت تقاتل في صفوف المستعمِرين - الأفريكانو "البيض" وترى في مانديلا شرًا وشيوعيًا أحمر ! يريد أن يحرمهم من الخير الذي جاء به السادة البيض ، فقد جاءوا لهم بالإنجيل والدخان والموسيقى والثياب الحمر المرقشة ، لقد جاءوا لهم بالذُّل والخنوع ، والراحة من التفكير والمبادرة ، أراحوهم من مسؤولية القرار ، ومن ثقل الاختيار ،
وتلك نِعَم يهنأ ﺑﻬا العبيد - دائمًا - في كل مكان ، والعبودية ليست لونًا ولا جنسًا ولكنها حالة نفسية ، أو "عجز حُكمي " كما يعرفها الفقهاء . وإن الأحرار من طراز آخر من الرجال - أمثال مانديلا - يهون عليه أن يموت أو يُسجن ثلث قرن ولا ﺗﻬون عليه كر امته وحريته . كان زعماء "المؤتمر" في السجن مطارَدين أو يعملون ضد الاحتلال سرًا ، وكان بعض المتعلمين الدكاترة والقساوسة والصحفيين من السود أنفسهم – ويا للأسف ! - ضد الاستقلال "الشرير" وضد "سرطان" الحرية ! مع أن البيض"السادة" كانوا لا يؤاكلونهم ولا يشار بونهم ولا يزاوجوﻧﻬم ، ولا يستخدمون المواصلات التي يركبها السادة، ولا يسمحون لهم بالسكن في مناطقهم ، ويحرمون عليهم حتى بعض أنواع اللباس ، ويمنعوﻧﻬم حرية التنقل ، وبعض أنواع العمل ، بل لا يرى فيهم البيض بشرًا من البشر ! ومع هذا فقد كانت طائفة من السود تقدس البيض و تعبدهم وتطيعهم بلا حدود . كان هؤلاء العملاء من السود خونة للحرية وكانوا جواسيس للحكومة العنصرية وكانوا رَصاصًا في قلوب شعبهم لصالح الأجانب ، ولكأن "الرصافي" عاش تلك السنوات في جنوب إفريقية ؛ ليقول :
عبيد للأجانب وهم دومًا ----- على أبناء جلدﺗﻬم ُأسودُ

فقد كان العنصريون البيض يجدون طبقة متغرّبة من السود - يسموﻧﻬا متعلمة - تافهة الشخصية تابعة للبيض، يحاربون ﺑﻬا الشعب الأسود نفسه ، وقد كانت هذه الطبقة حذاءً تسعى عليه الطبقة العنصرية لتحقيق مصالحها وخدمتها ، أو وقاءًا للبيض ، تقيهم من حراب الإفريقيين السود ويقع فيها الضرب ويتقي ﺑﻬا السيد الأبيض الأيدي المضرجة بالدم ، التي تطرق باب الحرية ، ولكن السود أدمنوا طرْق باب الحرية حتى نالوها.
يقوم هؤلاء المتغربون - "طبقة الوسطاء " بين السود والبيض - بجمع السود في مصانع البيض وترتيب عملهم والإشراف على إخلاصهم ، وبذل كل جهد هم للسيد الأبيض ، منهم من يشرف على قومه العمال وعملهم من قبل الفجر إلى الليل في مناجم الذهب والمصانع وأعمال البناء وتربية الحيوانات والمزارع ، ينتجون الملايين للمستغل الأبيض ويَقنعون ببعض جنيهات في ﻧﻬاية الشهور السود تحت أطباق الأرض . لا تكاد تكفي هذه المبالغ الزهيدة لطعامهم ومسكنهم غير الإنساني في مساكن المصانع والمزارع وأحياء الفقر ، حيث تقل كثيرًا عن غرف كلاب السادة البيض !
أما السماسرة الوسطاء فهم قيادات سوداء يصنعها البيض ، قساوسة و ُكتَّاب وموظفون ، ويعطوﻧﻬم بعض المزايا عن الشعب ويدفعون لهم أكثر ليستمروا في إخضاع جنسهم الأسود للبيض ، وهذه الطبقة كانت رأس الحربة في قلب الشعب ، وهي الأخطر في وجه مانديلا والمؤتمر الإفريقي ، وهي التي كانت حاجزًا دون أن يتصل بالشعب ويبلِّغه رسالته ويلهمه حريته وكرامته ، هذه الطبقة من الشعب الإفريقي جمعت اللؤم والدناءة من الشعبين وباعت كرامتها وحريتها للأفريكانو ، في البداية عن جهل وسذاجة وشهوة للمَيزات المادية ، وفيما بعد عن عمالة ولؤم وتنكُّر لإنسانيتها وعن آلية حيوانية وانعدام للإنسانية والخلق في سلوكها ، ومَن يهن يسهل الهوان عليه . كانت هذه الطبقة ترى إخواﻧﻬا وأخواﺗﻬا وشعبها يُذّل ويمتهن ﺑﻬا وهي لا تدري ولا تحسب ، بل بعضهم يقول : "إنني أقوم بما يمليه عليَّ عملي وواجبي " !! بل يجرؤ بعضهم ويقول بما يمليه عليه عقلي ووطنيتي !! ومهما وضعت من علامات التعجب فإﻧﻬا لا تغني شيئًا تجاه هذا الموقف من شخص يُتوقع أنه بقي له عمل وواجب وعقل ووطنية وهو يرى قادة المؤتمر في السجن غذاؤهم الجوع أو حساء الذرة البارد والمتعفن ، ولما طالبوا بالخبز قال لهم السجانون في صفاقة :
"الخبز ضار بالإنسان " ! هكذا قالوا لمانديلا ورفاقه . لِمَ لا يضر الخبز بالإنسان ؟ ! ، والحرية أضر بنفوس الشعوب من الخبز ، فالحيوان يطعم و لا يثور ، ولكن الحرية غذاء مدمر لكل وسيلة وقاعدة ونظام مستبد .
غير أن المستبد يفقد الكرامة والإنسانية فيتوقع أن الناس - وفيهم العباقرة والدهاة - ليسوا بشرًا ! لأنه بلغ دركات العنصرية وظلام الكفر وانحطاط العقل والعاطفة ، فتنقلب عنده الأمور . ويرى الكرامة والطعام الطيب مضرًا بالبشر ، أو مضرًا بغيره هو ؛ لأنه هو البشر الوحيد في العالم ! هكذا يفكر اليهود والأفريكانو والنازيون .
وإذا كان الخبز خطيرًا إلى هذا الحد فكيف بالحرية ؟!! ، إﻧﻬا قنابل نووية .
وعلى عكس تلك النوعية الرخيصة من السود يفاجئنا مانديلا بذكر قصة المحامي الأبيض "برام منيشر" ،
وهو ابن لرئيس وزراء مستعمرة ﻧﻬر أورانج وكان والده رئيس قضاة ، كان يدافع عن مانديلا وأعضاء المؤتمر وكان يؤرقه أن الرجال الذين يدافع عنهم يذهبون إلى السجن ، بينما يعيش هو حرًا طليقًا ! وبعد محاكمة ريفونيا قرر المحامي الأبيض أن يلحق بالعمل السري مع السود أنصار مانديلا ضد أعداء الإنسانية البيض "قومه" ، ونصحه مانديلا أثناء المحاكمة ألا يفعل ذلك ؛ لأنه يخدم المعركة أفضل في قاعة المحكمة ،
وحتى يرى العالم أفريكانيًا وابن رئيس قضاة ينافح عن المظلومين ، ولكن لشهامته لم يكن ليتحمل رؤية نفسه حرًا والأبرياء يعانون ، فقد كان كالقائد الذي يقاتل جنبًا إلى جنب مع جنوده ، لم يرد أن يطلب من الآخرين أن يقدموا تضحية يتورع هو عنها ، والتحق بالعمل السري ضد البيض (قومه) ، فُقبض عليه ثم أفرج عنه بكفالة ، وقبض عليه مرة أخرى وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة ، ولما أصابه السرطان في السجن شنت الصحافة حملة للإفراج عنه ومات بعد خروجه واستمرت الحكومة البيضاء في مطاردته ، حتى بعد وفاته وصادرت رماد جثته بعد حرقها ! وهكذا قد يخرج حي الهمة شريف الطباع من منبت السوء والوحشية أحيانًا .

ويقول مانديلا بعد هذا : "قدم برام فنيشر أ كبر التضحيات على الإطلاق ، فمهما كانت معاناتي في بحثي عن الحرية فقد كنت أستمد القوة من كوْني مناضلاً مع ومن أجل شعبي ، أما برام فكان رجلاً حرًا ناضل ضد شعبه ، من أجل أن يضمن الحرية للآخرين " (ص ٢٥٧ ) ، إنه رجل شريف يحترم ذوي المواقف ويقدرها، ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم لو كان "اُُلمطعم" حيًا لوهبت له هؤلاء النتنى (أسرى بدر) . وقد وقف مع الرسول صلى الله عليه وسلم موقفًا شهمًا لم ينسه له على الرغم من كفره .

وقال مانديلا عنه - مرة أخرى - : "ومع أنه أفريكا ني فقد فرض عليه ضميره أن يرفض إرثه الظالم ونبذ قومه ، وأظهر مستوى من الشجاعة والتضحية لا نظير له ، فقد كنت أنا أقاتل ضد الظلم وليس ضد. (٢١٠- قومي" ٢٠٩ )

دروس مانديلا في السجن :
الحياة في السجون والابتلاء سُنة رافقت الأحرار في مختلف العصور - وفي عصرنا خاصة - وقامت ثروة فكرية وتجريبية متشعبة في بقاع الاستعمار ا لعديدة مما جعل دعاة الحرية والاستقلال والدعوة أحيانًايعتبرون المرور بالسجن علامة صدق الداعية وإخلاصه، وإن لم يمر ﺑﻬذه التجربة فهو ليس في مرتبة هؤلاء ! .

قال مانديلا - عن السجن - : "إن حياة المعتقل روتينية ؛ تتماثل فيها الأيام حتى تختلط الأشهر والسنوات . وإن أي شيء يخرج عن القالب يقلق السلطات ؛ لأن الروتين علامة من علامات حسن الإدارة في السجن ! وقد كانت الساعات من أي نوع ممنوعة ، وكنا نعتمد على الأجراس وصفارات السجانين وصيحاﺗﻬم لمعرفة الوقت ، وكان من بين أوائل ما فعلته هو أن أسجل تقويمًا على الحائط ، فإن الإنسان إذا فقد قبضته على الوقت فقد قبضته على سلامة عقله .

إن التحدي الذي يواجه كل سجين خاصة السجين السياسي هو المحافظة على ذاته في السجن وأن يخرج من السجن دون أن يتضاءل ، وأن يحتفظ ، بل ويزيد من عقائده ، وأول مهمة لتحقيق ذلك هو أن يتعلم المرء كيف يبقى ، ولكي يتحقق ذلك فلا بد للمرء أن يعرف هدف عدوه ؛ فإن السجن يهدف إلى هزيمة معنويات الإنسان ، وتقويض عزمه، ولكي يتحقق ذلك تحاول السلطات استغلال كل ضعف وتحطيم كل دافع، وأن تبطل ما يدل على التفرد، وذلك لكي تقضي على تلك الومضة التي تضفي على كل آدمي هويته.

وكان بقاؤنا يعتمد على فهم ما تحاول السلطة أن تفعله وتشارك ذلك الفهم ، كان من المستحيل أن يقاوم الفرد منفردًا ، وكان خطأ السلطة الأكبر هو إبقاؤنا معًا ؛ لأن ذلك قوَّى تصميمنا ، وهكذا عاون الأقوياء مَن هم أقل قوة وصرنا جميعًا أقوياء ، وفي النهاية كان علينا أن ن صنع طريقة حياتنا داخل المعتقل. ( ، وكما اعترفت بذلك السلطات فقد كنا نحافظ نحن على النظام أكثر من السجانين"(ص ٢١٠)

ويقول - في مكان آخر - : "إن المعتقل لا يأخذ من الإنسان فقط حريته ، ولكن أيضًا يحاول أن يحرمه من هويته ، فإن الجميع يرتدون نفس الملابس ، ويأكلون نفس الطعام ، ويتبعون نفس برنامج الحياة اليومي ، وإن الدولة المتسلطة فقط هي التي لا تسمح باستقلال الإنسان وتفرده" (ص ١٨٠)

يتبع >
  #90  
قديم 03-10-2007, 01:13 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

من أفكاره ومواقفه :
في المحكمة قال مرة إن أوضاع شعبه الأسود كانت قبل قدوم البيض عيش في سلام وأمن وديمقراطية قبلية بلا ملكيات واسعة ولا استغلال للإنسان ، وكان الشعب بلا طبقات كلهم سواسية وكان ذلك دستور القبائل ومجالها وذلك التاريخ والحرية هو الذي يلهمه موقفه الآن .
وقال إن حياتي في الخفاء أصعب من حياتي المحتملة في السجن في الهم ، وإن تحدينا كان بسبب أعمال ومواقف الحكومة ، وإن آخرين قبلي قد دفعوا ثمن معتقداﺗﻬم وآخرين أكثر سيدفعونه بعدي ، ثم ختم قائلا : "إن الشيء الوحيد الذي هو أقوى من كراهيتي للظروف البشعة التي سأخضع لها في المعتقل هو كراهيتي للظروف البشعة التي يخضع لها مواطنيَّ خارج السجون في عموم البلاد ، وبعد انتهاء مدة الحكم عليَّ فسأواصل المعركة لإﻧﻬاء تلك المظالم حتى تختفي إلى الأبد " (ص ١٧٧ ) ، وقد عمل إلى أن أخفاهاإلى الأبد .
وكان يرى أن النظام الظالم لا يمكن إصلاحه ، ولكن يجب التخلص منه .
وقال مرة - في زمن المفاوضات معه - : "إذا خرجت من السجن في نفس الظروف التي اعتقلت فيها. ( فإنني سأقوم بنفس الممارسات التي سُجنت من أجلها" ! ( ٢٨٧ )

التفاؤل والأمل
يقول : "كنت حينذاك مهمشًا ، ولكنني كنت أعلم أنني لن أتخلى عن المعركة ، كنت في بيئة مختلفة وصغيرة ، حيث الجمهور هو أنفسنا وسجانونا . ولكنَّا نظرنا للمعركة داخل المعتقل كصورة مصغرة للمعركة ككل ، فقد كانت هناك - في السجن - نفس العنصرية ، ونفس الاضطهاد -كالتي في خارج السجن - . ولم يدر في خلدي قط أنني لن أخرج من السجن يومًا من الأيام ، وكنت أعلم أنه سيجئ اليوم الذي أسير فيه رجلاً حرًا تحت أشعة الشمس والعشب تحت قدمي ؛ فإنني أصلا ً إنسان متفائل ، وجزء من هذا التفاؤل أن يُبقى الإنسان جزءًا من رأسه في اتجاه الشمس وأن يحرك قدميه إلى الأمام .
وكانت هناك لحظات عديدة مظلمة اختبرت فيها ثقتي بالإنسان بقوة ولكنني لم أترك نفسي لليأس أبدًا .
. ( فقد كان ذلك يعني الهزيمة والموت" ( ٢١١
ويعترف في مكان آخر أ نِهُ أُصيب بمرض يجعل عقله ينقله إلى لحظات فرح وحزن غامرين ، ويُخيَّل إليه في تلك الأحوال مرة أنه أطلق وأنه يسير في الشوارع والبيوت التي أحبها ، وبُخيَّل إليه أيضًا أنه يدخل منازل أشباح !
ولم ييأس مانديلا وصحبه ؛ فقد كان زعيم المؤتمر المطارَد - أوليفر وأتباعه - يجوبون العالم كله ؛ يشرحون للناس عنصرية جنوب إفريقية ، وشرها المدمر للإنسانية ، وكانت صور مانديلا في كل مكان مع طلب بالإفراج عنه ، كنت أدرس في معهد اللغة بالجامعة وأرى اللوحات بأيدي الطلاب وعلى الشوارع ومواقف الحافلات ولم أكن أفهم وقتها معنى تلك اللوحات ، ولا لمن هي وبعد فترة وأسئلة عرفت عن وجود أناس ناشطين في الجامعة يطالبون بحرية أسود معتقل في جنوب إفريقية ، ويتعاطفون معه ضد الحكومة العنصرية . نعم ، كانت هناك دول تتعاطف مع المؤتمر والسود ، ولكن السود في جنوب إفريقية لو لم يحرصوا على حريتهم ، وإﻧﻬاء التمييز ضدهم في بلادهم لما أهداها لهم العالم الخارجي . ولو لم يموتوا في سبيل حريتهم ويهتموا بحقهم لما سمع عنهم أحد ، أو لو سمع لأٌُسكِت بالذهب الإفريقي الأحمر الذي استُخلِص بعرق المواطنين المساكين .
ولكن العزيمة القوية والصبر والاستمرار والإعلام المنشط للوعي والمثور للضمير ، وكثير من عشاق الحرية في العالم وقفوا إلى جانبهم وسخروا الإعلام العالمي لمصلحتهم ، حتى أصبحت الأخبار التي تُنتشر ترهب السجانين أنفسهم وليس الشعب المسجون ، ومن أمثلة التهويل الإعلامي لصالحهم ما ذكره مانديلا حين قال إنه شكى مرة لزوجته وندي : "أن الحذاء الذي تسلمته أصغر من حجم قدمي ، وسمعت بعد ذلك أن التقارير قالت إنه ستُجرى لي عملية لبتر إصبع قدمي ، وجاءت محامية لرؤية قدمي سليمة ،
وحدث أن شكونا من رطوبة الغرف ونشرت الصحف أن زنزاناتنا قد أغرقتها المياه " (ص ٢٨٣)، وقد واجهت حكومة الأفريكانو الهجين هذه الضجة الإعلامية بتعتيم كامل على قضية مانديلا وصحبه ، يحاصرون أخباره ويمنعون نشرها ويبعدون ذكره بكل طريقة ، ويحاولون - على طريقة المستبدين الأقزام - إشغال الناس بسماع أخبار منجزاﺗﻬم وذكر أسمائهم هم وقد بقي كلامه محرمًا في بلده على قومه لمدة عشرين عامًا (ص ٢٨٧). ولكنهم في النهاية ينفقون أموال الدعاية وتكون عليهم حسرة ثم يُغلبون ويخرجون أو يستسلمون للسلطة الجديدة.
ومع هذا فقد كانت حملة المؤتمر الإفريقي لمناصرة مانديلا وصحبه كبيرة متنوعة ، شملت بقاع العالم الواسعة . وعمل المؤتمر على أن يحصل مانديلا على جائزة ﻧﻬرو في الهند ، وحضر أوليفر رئيس الحزب لتسلمها نيابة عنه .
ولم يفتّ السجن في همته على الرغم من قسوته ، وربما ساعده على ذلك كثرة العدد المعتقل وعالمية الدفاع ووضوح القضية .
يقول لهم مرة : "إذا خرجت من السجن في نفس الظروف التي اعتُقلت فيها فإنني سأقوم بنفس الممارسات التي سُجنت من أجلها " (ص ٢٨٧ ) ؛ ولذلك كان "مانديلا" يؤكد أن تجربة النضال في جنوب إفريقية علَّمته أن العنف ليس دائمًا خيارًا منبوذًا عنده ، بل يقول : "إن خمسين عامًا من عدم العنف من جانب المؤتمر لم ينتج عنها سوى القوانين الظالمة ، والاستغلال والاضطهاد للإفريقيين ، وهكذا بدت السياسة التي ﺗﻬدف إلى إقامة الدولة غير العنصرية عن طريق عدم العنف غير مجدية" (ص ١٩٥ ) ؛ فقد أجبرﺗﻬم غطرسة المحتلين العنصريين على المواجهة بوسائل أخرى .
ثم يتواضع ويتفلسف ، فيقول - عن علاقته التي انتهت وبزوجته إلى الطلاق - : "لكني مقتنع أن حياة زوجتي أثناء وجودي في السجن كانت أصعب من حياتي ، وكانت عودتي أكثر صعوبة بالنسبة لها .
فقد تزوجتْ رجلا ً سرعان ما تركها وصار ذلك الرجل أسطورة ، وعند عودة الأسطورة إلى المنزل ظهر أنه مجرد رجل " (ص ٣٤٧ ) ، وهنا لمسة تواضع جميلة ؛ فقد قل عنده الغرور الذي يركب مَن كان في مثل إنجازه .

المعتقدات الراسخة :
ساق الكتاب بلا ﺗﻬويل - كالذي حدث في بعض الكتب التي تصف ملامح السجون العنصرية - أنواعًا من العذاب الدائم والتصميم المستمر عنده وعند صحبه على المواجهة والتعلم والتطور وترقية القدرات العلمية والعقلية ، وقد حصل على شهادة جامعية في السجن . ويقول : "أما جسم الإنسان فيتكيف مع أي ظروف قاسية ، كما أن المعتقدات الراسخة هي سر البقاء في ظروف الحرمان " (ص ٢٢٦ ).
ويقارن هذا بما ورد عند فرانكل - في كتابه "الإنسان يبحث عن معنى " - : "إن السجين الذي فقد ثقته بمستقبله وبالمستقبل عامة يكون قد حكم على نفسه بالفناء . وهو مع فقدانه للثقة بالمستقبل يفقد تماسكه. ( المعنوي ، ويكون بذلك قد ترك نفسه للتدهور، وأصبح عرضة للاﻧﻬيار العقلي والجسمي" (ص ١٠٥ )
إن أمانة الكلمة والموقف ، وصحة التوجه والقصد ، تُلزم الشرفاء المخلصين وزعماء الأمة ودعاة الحق أن ينادوا بحرية الأمة وزرع أخلاق العزة والاستقلال وكرامة الأنفس والحرمات والأعراض والبيوت من أن تكون ﻧﻬبًا مستباحًا ، فلم يستبِحْ الغزاة دول وأقطار المسلمين وحرماﺗﻬم وأعراضهم وثروﺗﻬم وحدودهم إلا لأﻧﻬم قد قبلوا قبل ذلك بمستبيح مستبد صغير ، لا يرعى لهم حرمة ، ولا يقدر لهم قدرًا ولا دينًا ؛ ولأﻧﻬم سكتوا عن طلب العدل والحرية والمساواة، فلم يعرفوها ولن يرَوْها ولن يذوقوها حتى يدفعوا ثمنها.
والله غالب على أمره .

المصادر:
موسوعة ويكيبيديا
والروابط التالية:

مؤسسة نيلسون مانديلا
معلومات عن نيلسون مانديلا
صفحة المؤتمر الوطني الأفريقي الخاصة بمانديلا
  #91  
قديم 17-10-2007, 04:53 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

معهد بروكينجز ..
خيارات صعبة للخروج من العراق

تقرير واشنطن – خليل العناني

في إطار جهودها المتواصلة لإعادة تقييم السياسة الخارجية الأمريكية، وتقديم توصيات قد تفيد الإدارة الأمريكية المقبلة في وضع سياسات بديلة، تقوم مؤسسة بروكينجز الأمريكية بإصدار سلسلة دراسات أطلقت عليه اسم "فرصة 2008". وقد أصدرت المؤسسة مجموعة من التقارير علي مدار الشهور القليلة الماضية، قام بإعدادها نخبة متميزة من أبرز الباحثين والخبراء العاملين بالمؤسسة المرموقة.

وقبل أيام قليلة صدرت دراسة حديثة حول تقييم الأوضاع في العراق، وكيفية تقليل التكاليف الأمريكية هناك، قام بإعدادها كلاً من كارلوس باسكوال Carlos Pascual نائب رئيس مؤسسة بروكينجز ومدير برنامج السياسة الخارجية، وكينيث بولاك Kenneth M. Pollack الخبير بمعهد سابان التابع لمؤسسة بروكينجز. وقد حملت الدراسة عنوان " فرص ضعيفة للاستقرار. اجتياز الخيارات السيئة في العراق" أو "Waning Chances for Stability . Navigating Bad Options in Iraq".

العراق في مستنقع الحرب الأهلية
بداية تؤكد الدراسة أن العراق قد وقع بالفعل في فخ الحرب الأهلية، فهناك ما يقرب من 2 مليون لاجئ عراقي فروا من البلاد، فضلاً عن 2.2 مليون لاجئ أخر شردوا داخل العراق. كما أن آلاف الأرواح من الجنود الأمريكيين قد أزهقت، ومليارات الدولارات قد أنفقت، ولا تزال، علي الحرب في العراق.

والأكثر من ذلك أن الدراسة تشير إلي أنه إذا كانت الحرب علي العراق قد بدأت ضد عدو معروف، فإنها الآن تسير ضد عدو مجهول، فضلاً عن انتشار الفوضى وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وزيادة قوة المتطرفين.

ويشير الباحثان إلي أنه ليس ثمة خيار أمام الولايات المتحدة للخروج من العراق إلا من خلال البحث عن حلول جديدة، واختراع أساليب مغايرة للتفاوض وإنجاز تسوية سياسية بين الأطراف المتناحرة في العراق، وذلك علي غرار ما حدث في تجارب عديدة مثل البوسنة وكوسوفو وموزمبيق والكونغو وأيرلندا الشمالية.

وتحدد الدراسة أطراف الحرب الأهلية في العراق بالميليشيات الشيعية والسنية والقاعدة وقوات البيشماركة الكردية. فالنسبة للميليشيات الشيعية هناك "جيش المهدي" التابع للزعيم الشيعي مقتدي الصدر، وقوات بدر التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وكلاهما يسيطر علي الحكومة العراقية "الضعيفة"، حسبما تشير الدراسة.

وتتطرق الدراسة إلي حال الانقسام والتشرذم التي تسيطر علي الكتل السياسية في العراق. فالنسبة للمشهد الشيعي، تشير الدراسة إلي ما يقوم به "جيش المهدي" التابع للزعيم الشيعي مقتدي الصدر، من عمليات انتقامية ضد العرب السنة، كما أنه يعارض تقسيم العراق إلي ثلاثة مناطق، ويفضل الحكم المركزي علي اللامركزية.

في حين يري المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بزعامة عبد العزيز الحكيم، ضرورة تقسيم العراق وتقليل السلطات الممنوحة للحكومة المركزية في بغداد. ووفقاً للدراسة فقد تمكنت ميليشيات جيش المهدي وقوات بدر من التسلل ضمن قوات الأمن العراقية، وذلك من أجل القيام بعمليات ضد الميليشيات السنية المسلحة.

وعلي الطرف الأخر، يبدو المشهد السني علي نفس القدر من التشرذم، فقد أدت السياسات الخاطئة التي اتبعتها سلطة الاحتلال عندما سرحت الجيش العراقي، وفككت مؤسسات الدولة العراقية، إلي بروز تنظيم القاعدة كمدافع عن حقوق العرب السنة، وحاول ملء الفراغ الذي خلفته هذه السياسات. وتبدو الميليشيات السنية أقل عدة وعدداً من نظيرتها الشيعية.

إدارة بوش . رهانات فاشلة
تشير الدراسة إلي أن الإدارة الأمريكية بزعامة الرئيس جورج بوش قد أخطأت في تقييم رهاناتها الفاشلة في العراق، باعتبارها جزءاً من الحرب علي الإرهاب. وهنا تعدد الدراسة أهم التداعيات التي حدثت نتيجة لهذه الرهانات الخاطئة. فتشير إلي ارتفاع التكلفة البشرية في العراق، حيث يعاني ملايين اللاجئين من أوضاع إنسانية مأساوية، في حين يمثل هؤلاء اللاجئين معضلة حقيقية للدول المجاورة. في حين توفر هذه الأوضاع تربة خصبة تساهم في تقوية المتمردين، الذين يعملون دائما علي إعادة ترتيب صفوفهم بسهولة من خلال دعم ومساعدة هؤلاء اللاجئين، الذين بات معظمهم يمثل وقوداً لعمليات التمرد. وقد نجم عن ذلك زيادة مخاطر عدم الاستقرار في البلدان المجاورة للعراق، مثل الأردن وسوريا والسعودية، والكويت، وزاد من فرص الإرهابيين في تهديد هذه البلدان، وذلك حسبما تقرر الدارسة.

وتحذر الدراسة من احتمالات لجوء الأكراد، في ظل هذا الوضع الأمني والسياسي المتدهور، إلي إعلان دولتهم المستقلة، مما قد يؤدي إلي حدوث تدخلات خارجية من قبل إيران وتركيا، لمنع الأكراد من توسيع نطاق سيطرتهم وامتدادها لحدودهما. وهنا تشير الدراسة إلي احتمالات تدخل حلف الناتو إلي جانب تركيا لحمايتها من أية تداعيات سلبية قد تحدث، وهو ما قد يهدد باندلاع حرب مع إيران.

ثم تشير الدراسة إلي تعاظم النفوذ الإيراني العراق، ومدي تأثير ذلك علي المصالح الأمريكية هناك، فإيران تلعب دوراً مهما في دعم سيطرة الحكومة العراقية التي يهيمن عليها الشيعة، كما أنها تستمتع بالتورط الأمريكي في العراق، ويمكنها أن تسبب مشاكل كبيرة للقوات الأمريكية الموجودة في العراق.

أما بالنسبة لإسرائيل فتشير الدراسة إلي أنها سوف تتضرر كثيراً من انتشار الفوضى في الإقليم، التي سوف تزيد من فرض المتطرفين لمهاجمتها، علي حد وصف الدراسة، كما أنها سوف تضعف من فرص "حلف المعتدلين"، ناهيك عن تقوية جبهة الممانعة التي تضم حزب الله وحماس في مواجهة إسرائيل.

إنقاذ العراق. الاستفادة من تجارب سابقة
تشير الدراسة إلي أنه يتوجب علي الإدارة الأمريكية المقبلة الاستفادة من الدروس والتجارب السابقة المشابهة لحالة العراق، كما كان الحال في البوسنة وكوسوفو وهاييتي ونيكاراجوا والسلفادور والسودان. وتضع الدراسة مجموعة من الاستراتيجيات التي تري ضرورة الالتفات إليها:

1- التفاوض من أجل حل سياسي
هنا تشير الدراسة إلي أنه في المجتمعات التي تشهد حروباً أهلية، يتوجب علي قوات الاحتلال البحث عن حلول سياسية، لا تم فرضها بالقوة وإنما من خلال التفاوض. لذا فلابد من تغيير بوصلة الوضع في العراق من خلال البحث عن اتفاق سياسي يضمن تحقيق السلام بين الأطراف المتنازعة.

ولضمان نجاح أي اتفاق سياسي في العراق، تشير الدراسة إلي أنه لابد من عقد هدنة مؤقتة، وتهدئة الأجواء من أجل إعادة بناء الثقة بين الأطراف المتحاربة هناك، حني يتم الاتفاق علي حل طويل المدى. وتري الدراسة أنه يمكن إنجاز هذه الهدنة من خلال ترضية الأطراف المختلفة عبر اقتسام عائدات النفط العراقي بينها جميعاً، وإعادة توزيع السلطات الفيدرالية بينها، مع ضمان حقوق الأقليات.

وتشير الدراسة إلي أن أحد مساوئ سلطة الاحتلال الأمريكي أنها وضعت دستوراً عراقياً سيئاً يعطي حقوقاً وامتيازات لمصلحة الشيعة والأكراد علي حساب العرب السنة، بحيث يضمن لهما عائدات كبيرة قد تساعدهم في عمليات البناء والتنمية. لذا فمن المهم، وفقاً للدراسة، تعطيل العمل بالدستور مؤقتاً حني يتم إنجاز اتفاق سياسي بين الأطراف العراقية.

2- الاحتفاظ بقوات أمنية كافية
وهنا تؤكد الدراسة إلي ضرورة الاحتفاظ بقوات أمنية أجنبية بعد إنجاز أي اتفاق سياسي في العراق، وذلك من أجل ضمان تنفيذ هذا الاتفاق. وهنا تستحضر الدراسة أرقاماً من التجارب السابقة التي تم الاحتفاظ فيها بقوات أمن تتناسب مع عدد السكان، فتشير إلي أن النسبة في حالتي البوسنة وكوسوفو كانت عشرين فرد لكل ألف مواطن. في حين أن هذه النسبة في العراق وصلت إلي الثلث، أي 7 أفراد لكل ألف مواطن وذلك عام 2003، وفي أفغانستان كانت فردين لكل ألف، وذلك عام 2001.

وبالنسبة للعراق، وفي ضوء خبرة البلقان، تشير الدراسة إلي أن العراق سوف يكون في حاجة إلي نسبة تتراوح ما بين 250 ألف إلي 450 ألف فرد أمن أجنبي علي مدار عشر سنوات.

3- زيادة الدعم الاقتصادي
تؤكد الدراسة إلي ضرورة التزام الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بتوفير الدعم الاقتصادي علي مدار مدة تتراوح من ثمانية إلي عشرة أعوام، وذلك من أجل ضمان إنجاح أي اتفاق سياسي قد يتم التوصل إليه. وهنا تشير الدراسة إلي أن المجتمع الدولي ظل ملتزماً بتقديم مساعدات لكل من بولندا والمجر وجمهورية التشيك، لمدة ست سنوات كاملة بعد سقوط الجدار الحديدي.

الإدارة المقبلة والخيارات الممكنة
تؤكد الدراسة إلي أن فرص تحقيق السلام والاستقرار في العراق تتآكل يوميا، لذا تري أن ثمة خيارات يجب علي الإدارة الأمريكية المقبلة العمل علي تحقيقها، تتمثل فيما يلي:

1- خيار النصر
تشير الدراسة إلي ضرورة إعادة تعريف النصر في العراق، ذلك أنه إذا كان النصر في العراق، حسبما يري الرئيس بوش، يتمثل في إقامة بلد ديمقراطي، يحترم حقوق الإنسان ويحقق الأمن والاستقرار ويقوم بدور في الحرب علي الإرهاب، فإن ذلك يتطلب، حسب الدراسة، فترة زمنية تتراوح ما بين ثلاث إلي خمس سنوات، وهو ما يصعب توقع حدوثه في العراق.

لذا تلفت الدراسة الانتباه إلي أنه إذا أرادت أية إدارة أمريكية مقبلة أن تحقق نصراً واقعياً في العراق فيجب عليها، أولاً أن تزيد القوات الدولية في العراق إلي ما بين 250 – 450 ألف جندي، وهو ما لا تستطيع الولايات المتحدة القيام به وحدها. ثانياً، إعادة توزيع عائدات النفط وتحقيق الفيدرالية وضمان حقوق الأقليات. ثالثاً، ضمان تنفيذ أحكام القضاء علي الجميع، وتفعيل مبدأ حكم القانون. رابعاً، إنفاق ملايين الدولارات من أجل إيجاد وظائف لآلاف العراقيين. خامساً، ضمان إنجاز اتفاق سياسي لمدة لا تقل عن ثماني سنوات، وذلك بدعم من المجتمع الدولي والأمم المتحدة.

2- خيار الاستقرار
تشير الدراسة إلي أن الهدف الآني لتحقيق الاستقرار في العراق يتطلب ضرورة وقف فوضي القتال بين الميليشيات المختلفة، وإحكام السيطرة علي مناطق تنظيم "القاعدة"، وعقد هدنة طويلة المدى حني يتم التوصل لوثيقة دستورية جديدة.

3- خيار التفاوض من أجل اتفاق سياسي
تؤكد الدراسة إلي أنه رغم صعوبة إنجاز اتفاق سياسي في العراق، بيد أن ذلك لا يعني عدم وجود فرص للوصول إلي مثل هذا الاتفاق. وهنا تشير الدراسة إلي إمكانية الاستعانة بالأطراف الإقليمية وفي مقدمتها إيران وتركيا وسوريا لإنجاز مثل هذا الاتفاق.

وتقترح الدراسة آلية محددة بإمكانها تسهيل التوصل لهذا الاتفاق، وذلك من خلال تكوين ما أسمته الدراسة "مجموعة اتصال" تتشكل من ممثلين عن اللاعبين الرئيسيين كالولايات المتحدة والسعودية وسوريا وتركيا والكويت والأردن والاتحاد الأوروبي. كما تشدد الدراسة علي ضرورة الاهتمام بإشراك كافة الأطراف العراقية في التوصل لمثل هذا الاتفاق.

4- خيار الانسحاب
وهنا تشير الدراسة إلي ضرورة أن يكون المحدد الرئيسي في عملية الانسحاب هو العمل علي إعادة نشر ما يقرب من 150 ألف جندي أمريكي علي مدار ما يقرب من عام ونصف. بينما يتم أثناء ذلك تدريب وتأهيل القوات العراقية كي تتحمل مسؤوليات الأمن والاستقرار في البلاد.

5- خيار الاحتواء
تشير الدراسة إلي أنه إذا فشلت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في تحقيق الاستقرار في العراق، فإنه لابد من تطوير استراتيجية بديلة للاحتواء، يكون هدفها الرئيسي ضمان عدم انتشار الفوضى في الإقليم، ذلك أن أحد الأهداف الأمريكية خلال المرحلة المقبلة، لا يتمثل في وقف الفوضى في العراق فحسب، وإنما أيضا ضمان عدم اهتزاز سوق النفط العالمية، أو تداخل الملفات الاستراتيجية في المنطقة.

العراق ومخاطر التقسيم
في نهاية الدراسة يؤكد الباحثان إلي أن الاقتراح الذي يروجه البعض بتقسيم العراق إلي ثلاثة كانتونات شيعية وسنية وكردية، من شأنه زيادة فرص التفكك وإشعال الفوضى الطائفية في البلاد. لذا فإن أي طرح لمسألة التقسيم لا يجب أن تتم قبل حدوث اتفاق سياسي بين مختلف الأطراف، وألا يكون تقسيماً جغرافياً بقدر ما يكون تقسيماً إدارياً فقط، مع ضمان توزيع عادل للعائدات النفطية.

ولا يفوت الباحثان الإشارة إلي أن السياسة الأمريكية الراهنة في العراق تفتقد إلي الرشد والعقلانية، حيث تستند إلي حسابات إيديولوجية وأوهام سياسية ليس لها أساس علي أرض الواقع.

وتختتم الدراسة بالقول إلي أنه لا خيار أمام أي إدارة أمريكية مقبلة إلا من خلال التوصل إلي اتفاق سياسي في العراق، وهو خيار رغم تضاؤل فرصه إلا أنه يظل أحد الخيارات التي لم تتم تجربتها حني الآن، وهو ما يتطلب جهداً أمريكياً هائلاً لإقناع الأطراف الإقليمية والعراقية بجدوى مثل هذا الخيار وفائدته للجميع، علي حد قول الدراسة.
  #92  
قديم 30-10-2007, 12:30 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

ارتداد أمريكا عن دعم الديمقراطية العربية

تقرير واشنطن - خالد عبد الحميد

بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 اتجهت الولايات المتحدة الأمريكية، في إطار حربها ضد الإرهاب، إلى نشر الديمقراطية في الدول العربية اعتقاداً منها أن الأوضاع السياسية والاجتماعية في هذه الدول قد أسهمت في ظهور الإرهاب الذي ضربها بشدة، وبعد مرور ما يزيد علي ست سنوات علي تلك الأحداث وعلي انطلاق الموجة الديمقراطية في العالم العربي اتجهت مراكز الأبحاث الأمريكية إلى إلقاء الضوء علي المدى الذي وصلت إلىه هذه الدول في مسيراتها الإصلاحية، وفي هذا الصدد أصدر "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" "The Washington Institute for Near East Policy"، في سبتمبر2007 دراسة بعنوان "تراجع أم تقدم؟ الأنظمة العربية ترد على تحدي الديمقراطية" " Pushback or Progress? Arab Regimes Respond to Democracy's Challenge"".

وأعد الدراسة باري روبن "Barry Rubin"، وهو مدير مركز البحث العالمي للشئون الدولية (جلوريا) " "Global Research in International Affairs (GLORIA)التابع لجامعة هرتزيليا الإسرائيلية، كما أنه محرر دورية ميدل ايست ريفيو للشئون الدولية " Middle East Review of International Affairs (MERIA)"، وقد أكمل هذه الدراسة خلال وجوده عام 2007 كأستاذ زائر في معهد واشنطن، وله بعض المؤلفات في الشئون العربية مثل "الحقيقة عن سوريا" " The Truth about Syria" لعام 2007، و"حرب الحرية الطويلة.الكفاح العربي نحو الديمقراطية في الشرق الأوسط" " The Long War for Freedom: The Arab Struggle for Democracy in the Middle East" في 2005 و" تراجيديا الشرق الأوسط" " The Tragedy of the Middle East" في 2002.

وقد انقسمت الدراسة إلى أربعة أجزاء رئيسية، إذ تضمن القسم الأول نظرة عامة علي الوضع في الدول العربية وطبيعة التحدي الديمقراطي الذي واجهته هذه الدول، بينما اشتمل القسم الثاني علي دراسة طبيعة استجابة الدول العربية لذلك التحدي، أما القسم الثالث فقد انصب علي دراسة كيفية استجابة القوي الإصلاحية لتحدي الديمقراطية، وأخيراً طرح الكاتب بعض الخيارات التي يمكن أن تأخذ بها السياسة الأمريكية في معالجتها لتلك القضية.

"نظرة عامة: تحدي جديد..ردود متنوعة
في هذا القسم من الدراسة تناول الكتاب باختصار طبيعة التحدي الديمقراطي الذي تواجهه الدول العربية مشيراً إلى أن هذا التحدي قد نبع في الأساس من "الجماعات الديمقراطية ذوي العقلية الإصلاحية المحبطة" من الأوضاع القائمة في دولها، وقد تدعم هذا الجهد ـ كما يعتقد الكاتب ـ بواسطة الغرب وخاصة السياسات الأمريكية، غير أن هذا الجهد قد أصابه بعض الفتور مع نجاح الجماعات الإسلامية في استخدام هذه القضية لخدمة أغراضهم وأهدافهم.

وطرح الكاتب الكيفية التي تعاملت من خلالها الحكومات مع المسألة الديمقراطية مشيراً إلى أنها قامت بـ " تحييد التحدي الديمقراطي" من خلال اللجوء إلى "استجابة متعددة الجوانب" تضمنت القمع، والتأكيد علي مخالفة بعض جوانب الديمقراطية لبعض القيم والتقإلىد السائدة في المجتمع، بالإضافة إلى الإشارة إلى عدم شرعية المعارضين والتظاهر بالاستجابة للمطالب الإصلاحية، فضلاً عن قيام بعض الدول بإصلاحات حقيقية.

وقد أوضح الكاتب أن تحرك الدول لمعاقبة المعارضين جاءت في إطار خطة كبري تضمنت العديد من الاستراتيجيات من بينها ما يلي:-
تَعْبِئة الجماهيرِ حول برنامج إيجابي يَعِدُهم بالنجاحَ.

عرض تفسير بديل للحقائقِ والزعم بأن الإصلاح أَو الديمقراطية سيكون مضراً.
تَسخير المشاعرِ القوميةِ والدينيةِ في خدمة النظامِ وفي مواجهة قوي الإصلاحِ.
تَكذيب المنشقّين والمعارضين السياسيين وإظهارهم كخونة أمام الرأي العام.
تضخيم الكلفة على المعارضين والتي قَدْ تتضمن السجن، التعذيب، التعرض لعائلاتهم، الحرمان من الوظائفِ، مْنعُهم من السفر للخارج، أَو إجبارهم علي الذهاب للمنفى.
بث الخوف في نفوس الناس من أن الإصلاح سيجلب الفوضى أو سيطرة الإسلاميين.
إقناع الكتلة الكبيرة من التقليديين والمحافظين والتي تشكل غالباً أغلبية السكان أن الحكومة الموجودة والوضع القائم أفضل من الليبرإلىة استناداً إلى حجة مواجهة إسرائيل وأمريكا.
تَظَاهُر الأنظمة بكَوْنها المصلحِ الحقيقيِ من خلال المؤتمرات، الخطابات، الوعود، الانتخابات، خَلْق مؤسسات تخدم الأهداف الحكومية ( مثل جماعات حقوق الإنسان ذات الصفة الحكومية) وغير ذلك.
أخيراً القيام بإصلاحات حقيقية، كما في المغرب، الكويت، قطر، والبحرين، وربما ولكن بدرجة أقل الأردن.

دراسة استجابة الأنظمة
في هذا القسم من الدراسة تحدث الكاتب بشيء من التفصيل عن الاستراتيجيات التي استخدمت في مواجهة التحدي الديمقراطي وذلك علي النحو التإلى:

لَوْم المشتبه بهمِ العاديينِ
يقصد الكاتب بذلك اللجوء إلى توجيه اللوم إلى اسرائيل والولايات المتحدة علي اعتبار أن "مفتاح الخطر الذي يواجه العرب هو الامبريإلىة الغربية ـ خاصة الأمريكية ـ، والصهيونية". فالديموقراطية ترف يصرف الانتباه عن مواجهة هذا الخطر ومثال آخر علي "النفاق الغربي"، وأيضاً هي "عنصر مكمل للمؤامرة الغربية ضد العرب".

ويشير الكاتب إلى أن الحكومات عمدت إلى التأكيد علي أن مواجهة هذا الخطر يكون من خلال الوحدة العربيةِ وإنعاش فكرة القومية العربية والتضامنِ حول الزعماء الشرعيينِ الحإلىينِ، مضيفاً أن الفائدة من استخدام هذا الأسلوب هي تنمية مفهوم " المقاومة" خصوصاً في سوريا، مدللاً علي ذلك بما جاء في خطاب الرئيس السوري بشار الأسد إلى المؤتمر العام الرابع لاتحاد الصحفيين السوري في 15 أغسطس 2006 ، مشيراً إلى أن الرئيس بشار عرض تفسيراً بديلاً لمشكلات الشرق الأوسط وحلول ممكنة مضادة لتلك الحلول التي عرضت بواسطة المدافعين عن الإصلاح والتعاون مع الغرب والدمقرطة.

نزع الشرعية عن المعارضة الديمقراطية
لجأت الحكومات إلى إستراتيجية أخري تمثلت في نزع الشرعية عن المعارضة الديمقراطية من خلال تصنيفهم كـ "خونة ومخربين وفي النسخةِ الأكثر اعتدالا، كَانوا بغير قصد يفعلون عمل الشيطان"، وضرب الكاتب العديد مِنْ الأمثلةِ معتبراً أن أوضحها حالةَ سعد الدين إبراهيم الذي اتهم هو وفريقه البحثي بالاختلاس، واستلام أرصدة مإلىة أجنبية بصورة غير مشروعة، وتشويه سمعة البلاد والرشوة وحكم عليه بالسجن سبع سنوات مع الأشغال الشاقة لـ " الإضرار بمصالحِ المجتمعِ وقِيَمِه وقوانينِه”.

قمع الإصلاحيين
إلى جانب الإستراتيجيتين السابقتين استخدمت أيضاً إستراتيجية القمع التي جعلت عدداً مِنْ المجموعاتِ تحول انتباهها مِنْ حقوقِ الإنسان المحليِ إلى القضايا الشعبيةِ الأكثر أماناً، مثل دعم الانتفاضة الفلسطينيّةِ وإدانة العقوباتَ ضدّ العراق، وقد تنوعت أعمال القمع ما بين التهديد وعدم منح الترخيص لمنظمات حقوق الإنسان واستدعاء المعارضين للتحقيق (الذي يتضمن تهديدات) أو إيداع السجن لفترة قصيرة من أجل الحصول علي نتائج، وكذلك السجن لفترات طويلة خاصة لهؤلاء الأفراد الذي يحاولون حشد التأييد للمعارضة الديمقراطيةِ.

التَحذير من مكاسبِ الإسلاميين وعدم الاستقرار كمخاطر للدمقرطةِ
لجأت بعض الدول ـ كما قال الكاتب ـ إلى تخويف مجتمعاتها من الإسلاميين ومن حودث حالة من الفوضى بسبب الدمقرطة وهو ما أسفر عن نتائج حقيقة لاسيما عند الليبرإلىين الذين نظروا إلى تجربة انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك يوغوسلافيا وإلى ما حدث في الجزائر وكيف قوبل الانتخاب الوشيك للإسلاميين بانقلاب عسكري ثمّ أوجدَ حرباً أهلية طويلة ودامية، بالإضافة إلى حالة العراق الذي كان أيضاً بمنزلة تَحذير من ما يمكن أن يَحْدثُ.

وشرح الكاتب كيف أن الدول تخوف مجتمعاتها من الإسلاميين قائلاً "حتى مع كون الإسلاميين أعداء للنظام فإن الحكومة غالباً تفضل أنشطتهم عن الليبرإلىين، وهذا التحيّزِ لأن الإسلاميين في أغلب الأحيان — بالرغم من أن ذلك بالطبع لَيسَ دائماً — ينتجون أفكاراً تقوي وتُعزّزُ مواقعَ الأنظمةَ، كما أن قوة الإسلاميين تخوف الناسَ وتدفعهم إلى تأييد النظام، وعلي الجانب الآخر فإن جُهود المجتمع المدني تتم عرقلتها بشكل منظّم ففي البرامج الإذاعية وفي محطة التلفزيون الحكوميةِ،يقوم الوعاظ الإسلاميون بإدانة الليبرإلىين والإصلاح بينما لا يسمح بإبداء أي ملاحظات سلبية حول النظام".

اتجهت مراكز الأبحاث الأمريكية إلي إلقاء الضوء علي المدى الذي وصلت إليه جهود الولايات المتحدة لدعم ونشر الديمقراطية في الدول العربية إليه هذه الدول في مسيراتها الإصلاحية، ونعرض خنا الجزء الثاني من دراسة "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" "The Washington Institute for Near East Policy"، بعنوان "تراجع أم تقدم؟ الأنظمة العربية ترد على تحدي الديمقراطية" " Pushback or Progress? Arab Regimes Respond to Democracy's Challenge"".

التظاهر بالإصلاح
بالإضافة إلي ما سبق فقد تتظاهر بعض الدول بأنها تقوم بالإصلاح ويري الكاتب أن الاستجابة الأسهل والأرخص للحكوماتِ هي أن تقرر أنها بالطبع تقوم بالإصلاح وأنها في الطريق لعمل ذلك، وأنها تدرس مثل تلك الإجراءات أو أنها سوف تفعل ذلك في المستقبل. والكثير من الدول تبنت هذا الخطاب ، فقد أنشأت مؤسسات المجتمع المدني تحت سيطرة الدولة وللدعاية للدولة ولحشد نظرائها المستقلين ،كما أنشأت أيضاً مجالس حقوق الإنسان والمجتمع المدني التي من المضمون أنها لن تسبب أي مشاكل للحكومة، بل واتجهت بعض الدول إلي إعلان برامج للإصلاح، وبنفس الطريقة، قدمت العديد مِنْ البلدانِ وعود من أجل إصْلاح التعليمِ لجَعْله أكثرِ تسامحاً لكن هذه الوعود لم تنفذ إلا بدرجة بسيطة.

القيام بإصلاح محدود
لم يهمل الكاتب بعض الإصلاحات التي قامت بها بعض الدول مشيرا إلى أن بعض البلدان قد تَحرّكتْ "نحو إصلاحاتِ مهمة" وضرب أمثلة بـأن "الدول الخليجية (.) امتلكت على نحو متزايد برلمانات تنافسية أو على الأقل انتخابات بلدية في العديد من السَنَوات الماضية، وأشار ألي مملكة البحرين التي أجرت انتخابات تعددية حرة في عام 2002، وتمتلك برلماناً قادر علي ممارسة صلاحياته الرقابية حتى في مواجهة الوزراء، مدللاً بما حدث في قضية صناديق المعاشات في يناير 2004 ، كما تناول الكاتب تجربة الكويت التي لديها انتخابات دورية وحرة مع وجود الإسلاميين، وفيها برلمان منتخب بحرية حيث يتم تمثيل جماعات متنوعة ـ من الإسلاميين مروراً بالمحافظين من القبائل إلي الليبراليين السنة والشيعة ـ غير أن الكاتب قد علق علي عدم وجود حزب سياسي ليبرالي قوي ومنظم في البلاد.

وأعطي الكاتب أهمية لكل من المغرب وتونس فأشار إلي النظام التعليمي التونسي الذي يشدد علي التسامح و التفسير التعدّدي للإسلام، والي امتلاك تونس القوانينُ الأكثر تقدماً في المساواةِ بين الجنسِيين من ناحية الحقوقِ والقانونِ العائليِ، لكنه انتقد الوضع السياسي الداخلي، وبالنسبة للمغرب فقد أشار إلي أن لديها مجتمع مدني حيوي وحركات نسائية قوية واتجاه الملك محمد الخامس إلي تسريع خطي التغيير رافعاً شعار "التنمية والاجتهاد" وتَتضمّنُ هذه الإستراتيجيةِ إجراء الانتخابات العادلةِ.

كما لفت انتباه الكاتب وضع المرأة فيد دول مجلس التعاون الخليجي قائلاً "ومن الأمور الرائعة، تلك الخطوات الأحدث تجاه الدمقرطة والإصلاح في دول الخليج العربية الصغيرة: الكويت والبحرين وحتى عمان التي سمحت للمرأة بالتصويت في الانتخابات البلدية والبرلمانية. وأظهرت انتخابات قطر البلدية في عام 2007 أن 51.1% ممن لهم حق التصويت هم من النساء، وسارت العملية الانتخابية بيسر وسهولة، غير أنه أشار إلي وجود بعض القيود والأخطاء المؤكّدة في التَطَوّراتِ بخصوص البحرين، الكويت، عُمان، وقطر.

الاستجابات الاصطلاحية
في هذا القسم تحدث الكاتب عن كيفية استجابة القوي الإصلاحية للتحدي الديمقراطي مشيراً إلي نقطتين رئيسيتين:

الاولى: بدائل غير جذابة
ركز الكاتب حديثه علي القوي الليبرالية باعتبارها القوي الإصلاحية فأشار إلي أن الليبراليين وجدوا أنفسهم بين قوتين هما قوة الأنظمة العربية القومية المستمرة والسيطرة المحتملة للإسلاميين، ولأن الصراع الأساسي كان بينهما فقد احتاج الليبراليون إلي أن ينحازوا إلي طرف منهم . فإذا شعروا بالخوف من أن تؤدي سيطرة الإسلاميين إلي مجتمع أقل حرية فإنهم يتخذوا جانب الحكومة ضد الإسلاميين، ويسود هذا النموذج، علي سبيل المثال، في سوريا والأردن، والاختيار الممكن الآخر هو اتخاذ جانب الإسلاميين ضد النظام وقد اتخذ سعد الدين إبراهيم هذا الطريق لاسيما ولأنه يري أنهم هم الجانب الفائِز ومن ثم ينبغي اختيارهم.

وقد ناقش الكاتب هذا التحرك من قبل الليبراليين قائلاً "بالطبع، لم يكن لزاماً علي الليبراليين ان يَختاروا بين التحالفَ مع الأنظمةِ العربية القومية أو الإسلاميين. فقد كان يمكن لهم أن يحافظوا علي استقلالهم المبدئي ويوجهون النقد لكيلا الطرفين، وفي الواقع فقد فعل الكثيرون ذلك، لكن هذه الإستراتيجية التي كان من الصعب إتباعها كانت سوف تعزلهم إلي حد كبير وستقيد أي دور يمكن أن يلعبوه في الأحداث الفعلية".

الثانية: مشكلة التضاربِ
في إطار استجابتها للتحدي الديمقراطي واجهة القوي الليبرالية مشكلة خطيرة هي التعارض بين رغبتها في احترام الديمقراطية وبين استخدامها تعبيرات راديكالية وتبنيها أفكاراً غير ديمقراطية،ومن ثم أوضح سعد الدين إبراهيم انه إذا كان الليبراليون يريدون حقاً الديمقراطية فإنهم ينبغي عليهم أن يرحبوا بمشاركة الإسلاميين، ولاحظ أنه بسبب معارضة الليبراليين لمشاركة الإسلاميين فإن موقفهم برهن علي أن ما يريدوه هو فقط الديمقراطية التي سوف تجلبهم إلي السلطة بدون أن يضطروا للنُزُول إلى مستوي الجماهير أو رجل الشارع وبدون أن يضطروا أن يختلطوا به لفهم موقفه، والتصرف بهذا الطريقِة كما خلص إبراهيم هو "تزييف متعمّد للقِيَمِ العقلانيةِ والليبرالية".

إنّ المشكلةَ، بالطبع، ـ كما يقول الكاتب ـ هي أن الحركات الليبرالية والإصلاحية تدافع بشكل آني عن طريقة معينة ونتيجة خاصة، ويجادل البعض أن المعايير الديمقراطية هي الأفضل لكنها تهدف أيضاً إلي عدد كبير من التغيرات في المجتمع، فالتركيز علي الانتخابات في سياق برنامج الإصلاح قد يأتي بحركات راديكالية إسلامية إلى سدة الحكم.

خيارات الولايات المتحدة
أوضح الكاتب الكيفية التي يمكن من خلالها أن تتعامل الولايات المتحدة مع تلك القضية مشيراً إلي ضرورة أن يَكُون دعم الإصلاحِ والدمقرطةِ ْ جزءاً مهماً مِنْ السياسة الأمريكيةَ لعِدّة أسباب منها أن تآكل الدكتاتورية هو الطريقُ الوحيدُ الذي يمكن من خلاله حل المشاكلُ الإقليميةُ، لأن الدكتاتورية تقف في طريق تحقيق السلام وفي طريق حقوق الإنسان وفضلا عن أن تحقيق الديمقراطية ستقلص التطرف وتحقق تقدّم اجتماعي واقتصادي.

غير أن الكاتب يعود ويشير إلي المعضلة التي تعرقل العمل بهذا الخيار وهي حاجة الولايات المتّحدةُ إلي علاقاتَ سياسيةَ جيدةَ مع الأنظمة المحورية للعديد من الأهداف،بدءً بالعراق إلى الصراع العربي الإسرائيلي وصولاً إلى الحرب ضد الإرهاب، بالإضافة إلى العلاقات الاقتصادية والنفطية فضلاً عن أن الضغط على هذه الأنظمةِ للإصلاحِ ومزيد من الديمقراطية يُمْكِنُ أَنْ يُزعزعَ استقرارها، ولمواجهة هذه المعضلة يقول الكاتب أن التعامل مع هذا التناقضِ لَيسَ بتجاهله لكن بتَطوير سياسة متوازنة إلى حدّ معقول تتعامل مع هذين المظهرين، فوجود سياسة موضوعة لدعم التغيير ومساعدة محدودة النطاق للإصلاحيين يمكن أن يرافقها اقتراب الواقع السياسي للتحالف مع الدول العربية.

وقد أكد أن هذا الأمر يمكن تنفيذه من خلال الاستخدام الصادق والصحيح للمساعدات الأمريكية ،والاعتراف بالجهود الناجحة المخلصة في بلدان مثل المغرب، الأردن،ودول الخليجِ العربية ، وعدم الخوف من التدخل بشكل نشيط، ولو شفهياً في حالاتِ معيّنةِ تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسانِ، وعد التصديق علي انتخابات غير عادلةَ والعمل على مواجهة الأفكار المتطرّفة التي تُسيطرُ على العالمِ العربيِ.

ويختم الكاتب دراسته قائلاً "يجب علي الولايات المتّحدة أَنْ تقوم بتقييم واقعي للموقف فباستثناء بعض الدول التي ذكرت. لا تقوم الحكومات الديمقراطية بالإصلاح بشكل جيد، وعموماً، فهم يتلكئون بعيداً خلف القوميين العرب الراديكاليين والراديكاليين الإسلاميين، وحتى في ظل المكاسب التي تمت بواسطة الإسلاميين، باستثناء الفلسطينيين، فإن الوضع القائم للقوميين العرب ما زال يفوز. باختصار أن إستراتيجية الأنظمة تعمل لتدير ظهرها إلي التحدي الديمقراطي، وعلي المدى الطويل الأشياء قَدْ تنقلب بشكل مختلف لكن ذلك سَيصْبَحُ في الحقيقة مدى بعيد جداً".
  #93  
قديم 09-11-2007, 10:27 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
تم الرد متفرقات سياسية

متفرقات سياسية

مخصص للمواضيع والمعلومات المتنوعة الأخرى المتعلقة بالعلوم السياسية

تنويه هـام:
* يمكنك التعليق على مايطرح هنا من موضوعات، عن طريق مشاركة مستقلة بالمنبر السياسي فقط ..
* ما يطرح هنا من موضوعات ومشاركات فهي تعبر عن وجهات نظر اصحابها ولاتعبر بالضرورة عن رأي المنتدى او شبكة بوابة العرب وكافة منسوبيها..
  #94  
قديم 10-11-2007, 12:58 AM
مراقب سياسي6 مراقب سياسي6 غير متواجد حالياً


الشؤون السياسية
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
المشاركات: 217
افتراضي القومية الاشتراكية

ايديولوجية الحزب القومي الاشتراكي للعمال الالمان , وبعبارة اخرى للحزب النازي. هذا الحزب الذي تأسس عام 1919 حكم المانيا بين عامي1933 و1945, منذ وصول هتلر الى الحكم وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية . والقومية الاشتراكية تمزج بين مذهبين . فهي , من جهة اولى , تستعيدالفكرة الفاشية القائلة ان الوحدة القومية تضمن , بصورة افضل , بدولة شمولية يقودها حزب يجسد زعيمه الارادة القومية . وهي تتكيف , من جهة أخرى , مع الايمان العنصري بتفوق العرق الاري على العروق الاخرى التي يجب أن تخضع او تحذف . ولنلاحظ , على كل حال , أن، النازية ادني انضاجا من الفاشية الايطالية والفرنسية .

ان نجاحها السياسي مرتبط بقدراتها على التركيب بين عناصر غالبا ماتكون متناقضة في مذهب يجتذب العمال بصفة " الاشتراكية " ولكن معاداته للبولشفية تناسب أربا ب العمل وقوميته ترضي المحافظين التقليديين , في حين يتوجه عداؤه للسامية الى الذين يبحثون عن كبش فداء لمسائل المانيا .

وكانت للنازية بعض الادعات الثقافية , ولكنها اقتصرت على الاعجاب بالقوة الفظة وعبادة الزعيم . وقد اتهم ليبراليون هيغل بأنه ارسى اسس النازية . اما النازيون , انفسهم , فكثيرا ما انتسبوا الى نيتشه . والواقع هوان نزعة هيغل المحافة الليبرالية كانت , في أ سوأ ا لفروض , تسلطية في مواضع متقطعة , ان الحاحة على قاعدة الحق والضمانات الدستورية للحقوق الخاصة معارض معارضة مطلقة للنازية , في حين أن ازدراء نيتشة لادعاءات الامبراطورية الالمانية يبين الى أي حد كانت مثله العليا بعيدة عن مثل القومية الاشتراكية . ويمكن للفاشية الايطالية ان تتباهى بجنتيلة, وكان للفاشية الفرنسية باريس ومورا س , في حين لم يكن للنازية مثـقـفون . والفريد روزنبرغ( المولود عام 1893والذي شنق , في تشرين الاول عام 1946 , كمجرم حرب ) كان فيلسوفهاالوحيد. وأشهر مؤلفاته , " اسطورة القرن العشرين " (1930) , هو ركام العنصرية , و"روح الشعب" يتصل , بصورة مبهمة , بتاريخ الحضارة الاوروبية ويحاول بشكل غريب, اثبات ان كل ماله قيمة في التاريخ الاوروبي هومن اصل شمالي .

وللقومية الاشتراكية اهمية سوسيولوجيةاكثرمنها سياسية . وقد فسرها بعض المؤلفين كباتولوجيا ثـقافية بوصفها حلقة من تاريخ المجتمع الجماهيري (ارندت) اواجابة عن الرغبة في التسامي . واشتراكيتها لاتكاد تعني اكثر من كون حقوق الدولة تسود على حقوق الملاكين الافراد . والتوجه الى الشعب لم يكن سوى مبرر لالغاء كل منظمات المجتمع الليبرالي الوسيطة , كالنقابات واحزاب المعارضة , ولتهيئة السكان للحرب . واطرف سمة للايديولوجية النازية كانت ازدواجيتها فيما يتعلق بالثورة . فموراس وباريس كانا عدوين للثورة الفرنسية والليبرالية, في حين كان موسوليني مجتذبا الى الماركسية ونافرا منها في الوقت نفسه . وقد كانت النازية ذروة هذه الازدواجية , اذ قدمت نفسها بوصفهامعادية للثورة في الوقت نفسه . وجاذبها السيكولوجي كان , بداهة , مماثلا لجاذب مختلف الطوباويات الثورية , وفي حين كانت القومية الاشتراكية تقول عن نفسها , شكلها , انها مؤيدة للمثل الاعلى السكوني للدولة التعاونية , فان اكثر وجوهها تميزا , على المستوى البلاغي وعمليا , كان قريبا من الثورة الدائمة . ولم تكن المؤسسات مقبولة الا بقدرماكانت تعبر عن روح الشعب وترجح انتصار العرق الاري , ولذلك كان يمكن ان تحذف في اية برهة . وهذا هو احد الوجوه التي تتحدى القومية الاشتراكية , من اجلها, المماثلة مع العصورالسابقة للمحافظة والتسلطية . واصورة النازية للفاشية هي اكثر و بكثير من تجميع اجابات عن المسائل الاقتصادية التي اثرت في معظم البلدان بين الحربين.

وتجسيدهافي عبقرية هتلر المحمومة هو, ضمن هذا المعنى , اكثر من حادث . فقد سمحت انتهازيتة السياسية وطاقته المشعة للنازيين بكسب انصار عن طريق الوعد بتأميمات وبحماية الملكية الخاصة في الوقت نفسه , وبتشجيعه نمو صناعة قوية وتركيزه على الفضائل الاستثنائية للفلاحين في آن واحد , وبالالحاح على ضرورة تدابير رادكالية ومحافظة معا . والثابت الوحيد كان الالحاح على التوسع القومي والنقاء العرقي و" مبدأ الزعيم " . كانت الحرب النتيجة الحتمية لهذه المطامع المتراكبة مع المطلب الصريح القائل ان القوة , في السياسة الدولية , هي الحق . وقد شكلت هزيمة عام 1945 حكما لم يكن أي قومي اشترا كي يستطيع مساء لت
  #95  
قديم 10-11-2007, 01:02 AM
مراقب سياسي6 مراقب سياسي6 غير متواجد حالياً


الشؤون السياسية
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
المشاركات: 217
افتراضي المخابــرات وفــن الحكــــم..

* الكتاب: المخابرات وفن الحكم - المؤلف: أنجيلو كودفيلا

* المترجم: محمد صبرى الصاوي

* المراجع: د السيد عطا

* عدد الصفحات: 768

* الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة

* الطبعة: الأولى/2006

يعرض هذا الكتاب مبادئ وطبيعة عمل المخابرات، باعتبارها أحد فنون الحكم القائمة على

معرفة الأصدقاء والأعداء، ويقارن بين ما أدته المخابرات الأميركية خاصة من مهام، وما قد تقوم به في المستقبل . ويقارن ذلك بالمعايير الثابتة لهذا الفن وبالظروف المتعلقة بالزمان والمكان، ويعرض تصورا للمخابرات في الأنظمة الديمقراطية نهاية القرن العشرين.

ويقدم أسسا جديدة لإعادة بناء المخابرات وفق التحولات الكبرى الجارية في العالم، ومنها بطبيعة الحال الحكم والإدارة.

الاستخبارات والعصر

الاستخبار أداة تجمع عدة متناقضات، ففيه الألفاظ والأرقام والصور، والتقديرات والإيماءات والتحريض، وفيه الحقائق التي قد تهدي وقد تضل، وفيه أيضا الأكاذيب الصريحة، ولأنه أداة غير مادية فهو لا يجرح، ولكنه يتسبب في إهلاك الملايين أو إنقاذ حياتهم.

والاستخبار فن مارسه الأخيار والأشرار، والطغاة والديمقراطيون، والبدائيون والمتقدمون، ولكنه في جميع الأحوال فن واحد. وتتكون العمليات الاستخبارية من أربعة مكونات أساسية: جمع المعلومات، والاستخبار المضاد، والتحليل، والتحرك المستتر. إن المعلومة الجيدة والضرورية قد تكون من مصدر متاح أو تجسسي خاص، وقد تسفر الدراسات والمعلومات الدقيقة حول الاقتصاد والمؤسسات العامة عن كنز ثمين لأهل البصيرة والقدرة على التحليل، وربما لو أخذ نابليون وهتلر بالاعتبار معلومات الطقس والمناخ لأمكنهما تجنب هزيمة قاسية في روسيا.

وقد تكون كثرة المعلومات سببا في التشويش والتضليل، فوكالة الأمن الوطني بالولايات المتحدة الأميركية تلتقط كل يوم آلافا لا تعد ولا تحصى من المحادثات في أغلب بقاع العالم، وبخاصة في أوقات الأزمات، فيجد صناع القرار أنفسهم أمام حشد من المعلومات لا يقدم نتائج أو تحليلات يمكن الاعتماد عليها، ويصبح الهدف مثل إبرة في كومة من القش. وقد كانت الثورة الإسلامية في إيران مفاجئة للأميركان ربما بسبب العجز عن إدراك الدور الذي يلعبه الدين في الحياة والسياسة والتحريض. وقد توقعت مخابرات العالم أن يأمر شاه إيران عام 1978 بإطلاق النار على المتظاهرين بسبب عجزها عن تحليل نفسيته وطريقة تفكيره، وعدم متابعتها وتحليلها للحوارات الشفوية للشاه برغم التنصت عليها. وكذلك الأمر عام 1989 عندما وقعت الأحداث الثورية في الكتلة الشيوعية، وكذلك لم تكن المخابرات الأميركية تنقصها المعلومات عن خطط حكومة فيتنام الشمالية عام 1968 ولكنها أخطأت في تحليل المعلومات وفي استخلاص تقدير مستقبلي. وكان لدى كل من هتلر من جهة وتشرشل وديغول من جهة أخرى المعلومات نفسها حول الولايات المتحدة، فكان هتلر يستخف بها وأعلن عليها الحرب بلا مبرر، ولكن تشرشل وديغول كانا يدركان أنها أهم قوة اقتصادية في العالم وأنها ستحسم نتيجة الحرب.



وفي الوقت الذي تسعى فيه مخابرات حكومة ما لجمع المعلومات وتحليلها حول دولة أخرى، فإن هذه الدولة تجهد في التجسس المضاد، واختراق عملياتها، وتضليل تحليلاتها. ومن ثم لا تستطيع حكومة أن تثق بما تحصل عليه من معلومات وتحليلات استخبارية، لأن تغذيتها بمعلومات مضللة، قد يؤدي إلى إفشال مخططاتها.


وفي جميع الأحوال يجب ملاحظة أن أفضل وأقسى أنواع المخابرات لم تستطع أن تحمي أنظمتها السياسية في ألمانيا الشرقية ورومانيا. إن أساس نظرية المعرفة في الفلسفة هو التساؤل البديهي كيف تأتت لي هذه المعرفة؟ وكيف أثر أسلوب معرفتي على رأيي فيها؟.


وهذا ما يسمى في المخابرات أمن العملياتوهي مبادئ قديمة وشائعة، وثمة كتاب هندي عن فن الحكم اسمه الأرثازاترا ينصح باستخدام مراقبين سريين، وينصح أيضا باختيار المعلومات التي تجمع عن طريق المكائد.


وقد لاحظت المخابرات الألمانية في الحرب العالمية الثانية أن أحد العملاء في بريطانيا يميل إلى الإبلاغ عن الأمور التي يتوقع أن الألمان يريدون سماعها، فطلبوا منه التحري عن مصنع وهمي، وعندما قدم معلومات عن هذا المصنع ضاعت مصداقيته.


وقد أدار الحلفاء عملياتهم وهم يدركون أن الألمان يراقبونهم، ولكنهم برغم ذلك استطاعوا خداع الألمان وتضليلهم تقديرا منهم أن العملاء سينقلون هذه المعلومات المضللة.

وفي عام 1952 صاغت حكومة الولايات المتحدة مصطلح التحرك المستتر في دلالة على التحرك باتجاه التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وبالطبع فإنه أسلوب قديم يسبق اكتشاف القارة الأميركية عام 1492 بمئات السنين.


وفي كتاب نشر له عام 1978، يسرد فيرنون والترز وهو جنرال بالجيش الأميركي عمل فيما بعد سفيرا، تفاصيل مهمات صامتة كلفه بها خمسة رؤساء للولايات المتحدة، بعضها كان يتسم بالحكمة وبعضها الآخر كان مهمات حمقاء، وقد فشل بعضها، وبعضها نجح. وهي مهمات من قبيل التهديد والإغراء والاستدراج وتوصيل المال وعقد الصفقات، بهدف التأثير على سياسات الدول ومواقفها، وتدبير المؤامرات.

أسباب عدم جدوى المخابرات الأميركية

نجحت المخابرات الأميركية في جمع قدر كبير من المعلومات من مختلف المصادر، التجسس التقني، واللاجئين والهاربين، والدبلوماسيين الأميركيين، والصحافة العالمية، والمخابرات العسكرية، والحكومات الأجنبية الصديقة وغير الصديقة.


ويشغل في كثير من الدول رجال متمرسون رئاسة محطة المخابرات، ويكون رئيس المحطة شخصية عامة تحظى بالاحترام والعلاقات لدرجة تثير أحيانا حسد السفير الأميركي، وقد شغل ثلاثة من رؤساء المحطات منصب مدير المخابرات المركزية.

ولكن المخابرات الأميركية واجهت حالات كثيرة من الفشل والقصور في التحليل والعمل التقني والتغطية البشرية الملائمة، والمشكلات القانونية والأمنية والسياسية بسب هاجس التجسس المضاد. وقد فتح ذلك المجال لنجاحات سوفياتية في تحقيق اختراقات معلوماتية أو الحصول على تقنيات محظورة.


ولم تعد وكالة المخابرات الأميركية قادرة على الوفاء بتحولات التسعينيات وما بعدها، فقد أصبحت جميع مصادرها وأدواتها معروفة، وفتحت المجالات للاختراق أمام الأجهزة الاستخبارية الأخرى، وهي اليوم في نظر المؤلف بحاجة إلى إعادة بناء.


وقد خلفت أحداث عام 1989 وانهيار الاتحاد السوفياتي فوضى عارمة، وقد انتشرت بقايا وفلول المخابرات الشيوعية في جميع أنحاء العالم، ويبدو من الصعب اليوم تمييز عملاء الاستخبارات من بين جموع المهاجرين من الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية. وتحدث أخطاء كثيرة في تلقي التقارير والتحليلات الاستخبارية، إذ أن ثمة فجوة كبيرة بين السياسيين والبيروقراطيين وبين الاستخبارات. وتتناقض في كثير من الأحيان المعلومات والتقارير الاستخبارية حسب مصادرها، فوزارة الدفاع لها مخابراتها الخاصة بها (DIA) وتوجد أيضا عدة أجهزة استخبارية في كل سلاح بوزارة الدفاع، وكذلك فإن لوزارة الخارجية الأميركية جهازها الخاص لجمع المعلومات وتحليلها (INR) هذا بالإضافة إلى الجهاز الشهير وهو سي آي إيه CIA.


وهناك أيضا وكالة الأمن القومي، بل إنه مع الزمن صار لكل مؤسسة هويتها الخاصة بها ونزعتها الفكرية والتحليلية لدرجة أنه يمكن التنبؤ مسبقا بتقديرات كل مؤسسة من هذه المؤسسات. وتصلح حرب الخليج الثانية (1990–1991) نموذجا لملاحظة القصور في المخابرات الأميركية، فقد كان الاستخبار على المستوى التكتيكي ممتازا، ولكنه على المستوى القومي أو الإستراتيجي لم يكن مرضيا. فعلى الرغم من قيام الأقمار الصناعية بتغطية يومية لتحركات الجيش العراقي في الفترة التي سبقت غزو الكويت، فإنها لم تتمكن من توفير الحقائق الكافية للتغلب على التوقعات التحليلية التي أدت إلى تقديرات خاطئة للنوايا العراقية. وقد أجمع المحللون الأميركيون -باستثناء واحد- فقط على أن تلك الحشود لن تقدم على غزو الكويت، وخاضت الولايات المتحدة الحرب كلها دون علم من المصادر البشرية بأساليب عمل النظام العراقي ونواياه الإستراتيجية أو تحالفاته. وزعم البعض صادقين أن الاتحاد السوفياتي كان في صف العراق، ولكن لم يعلم أحد لماذا رفض صدام حسين عرضا يضمن له النصر. ولم يكن لدى المخابرات الأميركية سوى عشرين موظفا يتحدثون العربية، ولم يكن من بينهم من يرغب في العمل المستتر في العالم العربي، ومع ذلك انتصرت الولايات المتحدة، لأنها كانت ضد خصم لا يجيد اقتناص النصر.

المدخل إلى الأسرار

لا يقتضي الاستخبار الجيد من الحكومة أن تنشر جواسيس أو مقيمين في أنحاء العالم، وأن تنفق نسبة كبيرة من دخلها القومي على الأجهزة التقنية، ولكن عليها أن تعي الدروس المستفادة من تجارب النجاح والفشل، وعليها أن تبذل الجهد لتطبيق تلك الدروس بوسائلها المحدودة وهي تتعامل مع المواقف التي تتعرض لها، وأن توظف لذلك الأشخاص المناسبين. إن فن جمع المعلومات هو فن الممكن، شأنه في ذلك شأن السياسة، ويقتضي ذلك الفن رفض الأفكار المسبقة، واستخدام السبل المتيسرة. وتعد الصحف والمجلات المتخصصة مصادر قيمة للأحداث وأولويات القادة، وما من أمة يمكن أن تغلق نفسها تمام الإغلاق حتى في زمن الحرب، هذا بالإضافة إلى المصادر البشرية والتقنية. ولكن تجب الإجابة عن سؤال محدد لتنظيم عمليات جمع المعلومات وتحليلها، ما الذي تريده حكومة ما من معلومات ولماذا تريدها؟ وربما يلزم قدر من الخيال لتحليل المعلومة وتقديرها. وقد لاحظت المخابرات السورية عام 1964 أن الإذاعة الإسرائيلية كانت تذيع قرارات الحكومة السورية، كما لاحظ قبلها العسكريون السوريون أن المدافع الإسرائيلية كانت تصيب مواقع المدفعية السورية حتى قبل أن يستطلعها الطيران الإسرائيلي. ودفع ذلك السوريين إلى محاولة تحديد موقع إشارة راديو غير قانونية كانت تصدر من مكان ما داخل البلاد على مدى فترة من الزمن، وساعدهم على ذلك أن النشرة كانت تذاع يوميا في الساعة الثامنة والنصف صباحا، وساعدهم على ذلك أيضا أن الإشارة توقفت تماما طيلة غياب أحد المطلعين على بواطن الأمور خارج البلاد. فإذا نظرنا إلى كل واحدة من تلك الحقائق على حدة لم نصل إلى شيء، أما المخابرات السورية فقد توصلت بذلك إلى معرفة الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين الذي كان يتسمى بكمال أمين ثابت. فلا يقيد فرص بلوغ الهدف في مجال المخابرات سوى الخيال، فأية عقلية تلك التي من شأنها أن تختار محل ميكانيكي سيارات ألماني في كولومبيا كواجهة لجمع المعلومات عن تجار المخدرات، أو لوضع أجهزة تنصت داخل ماكينات البيع في نوادي كليات الجامعة، أو استخدام شركة إصلاح للمصاعد كواجهة طويلة الأجل للتجسس في فيينا؟

لقد بدا العالم في بداية التسعينيات مختلفا عما سبق، فقد وقعت ثورة شرق أوروبا ثم انهيار الاتحاد السوفياتي وحروب البلقان وحرب الخليج الثانية لتنهى نصف قرن من الأنظمة الشمولية. ثم تبعت ذلك سلسلة من الأحداث والتحولات الكبرى والجديدة، وتشكلت أسئلة جديدة معقدة ومحيرة، ونشأت أخطار وفرص وتحديات جديدة. فقد توحدت ألمانيا، وبدأ مجلس الوحدة الأوروبية بالتبلور والتمأسس السريع، وصعدت الصين كقوة سياسية واقتصادية منافسة عالميا، وصار الشرق الأوسط أشد اضطرابا من قبل، وتشهد أميركا اللاتينية تحولات سياسية جذرية، وكلها حالات مختلفة عن حقبة الحرب الباردة، وتقتضي نوعا جديدا من الاستخبار والبحث والتحليل.
  #96  
قديم 10-11-2007, 01:06 AM
almourabit almourabit غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2006
المشاركات: 1,807
افتراضي السراب النووي العراقي

الكاتب: د. عماد خدوري، وهو عالم نووي عراقي عمل في وكالة الطاقة الذرية العراقية ثلاثين عاما

دار النشر: (Springhead Publishing/CANADA)

تاريخ النشر 1 أكتوبر 2003

ما مدى اقتراب العراق من الحصول على القنبلة النووية؟ هل جدد العراق برنامجه التسليحي النووي بعد حرب 1991؟ ما مصداقية المزاعم بأن العراق شكّل تهديدا نوويا لأمن الولايات المتحدة؟ من هو العراقي الذي استشهد به الرئيس الأمريكي جورج بوش وبات رأس الحربة في اختلاق ذرائع احتلال العراق بتقديمه معلومات مضللة عن القدرة العسكرية النووية العراقية للاستخبارات الأمريكية؟

كتاب "السراب النووي العراقي IRAQ`S NUCLEAR MIRAGE" الصادر في أكتوبر 2003 باللغة الإنكليزية والمقرر أن يصدر قريبا باللغة العربية، عبارة عن شهادة علمية يقدمها العالم النووي العراقي الدكتور عماد خدوري من منفاه الاختياري في كندا بعد أن عمل في منظمة الطاقة الذرية العراقية لفترة ثلاثين عاما (1968 ـ 1998)… يغطي الكتاب فترة البدايات السلمية للبرنامج النووي العراقي وتطوره التدريجي وتحوله المباغت إلى برنامج تسليحي ومن ثم توقفه واندثاره.

عماد خدوري، الحائز على درجة الماجستير بالفيزياء من جامعة ميشيغان في الولايات المتحدة الأمريكية والدكتوراه في "تكنولوجيا المفاعلات النووية" من جامعة برمنغهام في بريطانيا، يوضح للقراء بطريقة صافية خلفيته التعليمية وانتمائه للعمل بالبرنامج النووي العراقي وتوليه مختلف المواقع القيادية ومن ثم كيفية فك ذاك الارتباط والفرار من العراق مع عائلته أواخر عام 1998.

لفترة نصف سنة قبل احتلال العراق شهر عماد خدوري قلمه وحده دون معين يخوض معركة إعلامية في الصحافة والإعلام والإنترنت لمواجهة حملة التضليل (يسميها "أسلحة التضليل الشامل") التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا على العراق وقام بتغذيتها عراقيون يقول عنهم "أن الشكوك وعلامات الاستفهام تدور حول مصداقيتهم." إلا أن صوته طمس "وارتفع صوت التضليل الشامل الذي كلّف سيادة العراق واستقلاله ومقتل ما يزيد عن 10 آلاف عراقي."

من بين "النماذج المزيفة في المجال النووي" من العراقيين الفارين المشكوك بمصداقيتهم، يُسمّي الكتاب (خضر حمزة) "كأحد أبرز أدوات التضليل الشامل الذي أدعى زوراً بأنه كان (صانع القنبلة الذرية العراقية)."… يقول عماد خدوري أن خضر حمزة، الذي استشهد به الرئيس جورج بوش (الابن) مرات عدة واتخذ من تصريحاته إحدى ذرائع الهجوم على العراق، كان قد كُلف مطلع عام 1987 بتكوين فريق لتصميم القنبلة الذرية إلا أنه بعد أشهر قليلة جُرد من مسؤولياته وطُرد من المشروع النووي العسكري العراقي وتم تجميده في عمل هامشي بين 1987 و1989… وعندما كان البرنامج النووي العسكري العراقي في أوج تناميه تقاعد حمزة من منظمة الطاقة الذرية العراقية عام 1989 وأصبح مدرساً في كلية أهلية.

هرب خضر حمزة من العراق عام 1994، تاركاً جميع أفراد عائلته وراءه، أملا في الحصول علي لجوء سياسي سريع. إلا أنه أخفق في ذلك بعد أن رفضته وكالات الاستخبارات لمعرفتهم بضآلة دوره في المشروع النووي، فالتجأ إلى ليبيا ليعمل مدرساً في إحدى جامعاتها. غير أنه ما فتئ أن قام من خلال المؤتمر الوطني العراقي المدعوم من قبل وكالة المخابرات الأمريكية (سي. آي. أي.) بنشر سلسلة من ثلاث مقالات بداية عام 1995 في جريدة التايمز البريطانية يُشير فيها إلى امتلاكه وثائق تدلّ على قيام العراق إعادة تفعيل برنامجه النووي العسكري وأن العراق بصدد صنع عدة قنابل ذرية في منتصف التسعينات. أرسلت التايمز هذه الوثائق إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتأكد من صحتها، لكن ليس قبل أن تنشر هذه المادة كاكتشاف صحفي مهم. غير أن جريدة التايمز لم تنشر ما وجدته الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن تلك الوثائق التي أعتمدها خضر حمزة كانت "غير حقيقية" وملفقة.

وبعد زيارة ابن خضر حمزة لأبيه في ليبيا متوسلاً إليه بالرجوع إلى العراق ليضمن سلامة عائلته، استبدّ به الهلع وارتمى ثانية علي جهات المعارضة والوكالات المخابراتية وحتى الوكالة الدولية للطاقة الذرية لانتشاله من محنته، إلا أنه لاقى الفتور السابق نفسه.

طرأ تغيّر علي مجرى الأمور بعد هروب حسين كامل، المسؤول عن برامج أسلحة الدمار الشامل العراقي إلى الأردن عام 1995 وإفصاحه عن مساع بُذلت لإخفاء التقارير والوثائق العلمية المتعلقة بالبرامج، حيث احتضنته وكالة المخابرات الأمريكية كأداة لها في حملتها الإعلامية التضليلية. يقول عماد خدوري: في هذا المناخ انطلق خضر حمزة مُحلقاً في أجواء الادعاءات ناشراً كتابا قدّم فيه نفسه على أنه "أبو القنبلة الذرية العراقية" ومُلقياً تكهنات هوجاء أمام لجان الكونغرس الأمريكي وقنوات التلفزيون الأمريكي عن قرب امتلاك العراق لقنابل ذرية عدة، وليست قنبلة واحدة، خلال سنوات قليلة تُعد على أصابع اليد الواحدة.

في كتابه يفنّد عماد خدوري بأسس علمية ادعاءات خضر حمزة التي أدلى بآخرها قبل أسبوع واحد من شن الحرب على العراق… ثم يروي لنا كيف دخل خضر حمزة بغداد متستراً خلف الدبابات الأمريكية كمستشار علمي لحكومة الاحتلال وبراتب شهري مُغرٍ. وكيف أدّت (استشاراته) بعد وصوله إلى بغداد للتنكيل بالعديد من الكادر العلمي والهندسي النووي العراقي وزج بعضه في السجن ومنع منح جوازات السفر للبعض الآخر، وكيف توّجت (استشاراته) مؤخراً في حل منظمة الطاقة الذرية العراقية في آب (أغسطس) 2003.

يتساءل عماد خدوري: ماذا عن ادعاءات خضر حمزة العديدة خلال السنوات السبع الماضية عن قرب امتلاك العراق للسلاح النووي الوشيك الحدوث؟ التي احتلت الصفحات الأوّل لأكبر الصحف الأمريكية والعناوين الرئيسة لنشرات الأخبار. يقول: من دون أي مسوغات لم تتقدم أي صحيفة أو مجلة أو قناة إعلامية أمريكية واحدة وجميعها متواجدة علي أرض العراق المحتل، وهي القنوات التي كانت تتهافت علي تلاوة الويل والثبور من السلاح النووي العراقي، بإجراء أي مقابلة أو أخذ أي تصريح صغير مع خضر حمزة حول مصير مزاعمه المتكررة عن إعادة تفعيل المشروع النووي العسكري وقنابل العراق الوشيكة. ويشير ساخرا يبدو أن وجوده في العراق لم ينفع حتى المفتش (ديفيد كاي) بأي معلومات موثوق بها ليدرجها في تقريره الأخير عن عدم وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق بعد عام 1991، وبالذات السلاح النووي المزعوم.

يقول بيتر كوينبيرغ، وهو مسؤول سابق في الأمم المتحدة عمل في العراق لمدة أربع سنوات : "هذا أول كتاب يفك خيوط وألغاز أسطورة البرنامج النووي العراقي… أنه عرض أمين كتبه شخص شريف… أنه يقدم أيضا لمحة عن المكائد الخانقة لأجهزة الأمن في العراق… قراءته لازمة لكل من يريد أن يعرف حقيقة البرنامج النووي العراقي."

يتولى عماد خدوري الآن التدريس والعمل في مجال شبكات الحواسيب في تورنتو بكندا وقد أجرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية معه مقابلة شخصية حول معلوماته عن البرنامج النووي العراقي… كما أجرت معه العشرات من الشبكات التلفزيونية مقابلات مطولة من بينها سي. بي. سي.، وفوكس، وأي. بي. سي.، وأم. أس. أن. بي. سي.، وبي. بي. سي.، وسي. تي. في.، ورويترز.
ــــــــــــــ

القصة الخفية لأسلحة الدمار الشامل

لدماغ أكثر أسلحة الدمار الشامل فتكاً وهدف الحرب على المنطقة السيطرة على الدماغ العربي أو الاستحواذ عليه وتدميره إن أمكن· هذه هي القصة الخفية لأسلحة الدمار الشامل، ويتساوى فيها بالأهمية دماغ العلماء العرب في الذرة والطبيعة والتكنولوجيا أو في الاجتماع والاقتصاد والفلسفة والدين· أحدث شهادة في هذا الصدد قدمها أخيراً عالم الذرة العراقي الدكتور عماد خدوري، الذي عمل في البرنامج النووي العراقي منذ بداياته عام 1968 وحتى مغادرته للعراق، هو وعائلته في عام ·1998 خدوري حاصل على شهادة دكتوراه في تكنولوجيا المفاعلات الذرية من جامعة برمنغهام في بريطانيا ويعمل حالياً في تدريس هذه التكنولوجيا في تورونتو بكندا، وشهادته منشورة بالإنكليزية منذ شهر تقريباً في موقع إنترنت عام في كندا.

http//www.YellowTimes.org مع ذلك لم يرد إلى حد الآن ذكر لهذه الشهادة العلمية في أجهزة الإعلام العالمية أو العربية، التي تضخ يومياً عشرات التقارير المخصصة لأسلحة الدمار الشامل العراقية· ولم يُستدع خدوري للإدلاء بشهادته، على رغم ما يقال من أن موضوع التحقيق مع العراقيين العاملين في برامج التسلح يحتل الصدارة في اهتمام الزعماء العالميين، ويتلهف الجميع إلى سماع عالم عراقي سيهمس في أذن بليكس بالحقيقة، حسب عنوان مقالة للكاتب الأميركي توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز·

لماذا؟··· لماذا لم تسارع محطات التلفزيون والصحافة العالمية إلى عقد لقاءات مع عالم الذرة الذي كان مسؤولاً حسب اعترافه عن توثيق وإخفاء تقارير البرنامج النووي العراقي عشية حرب الخليج الثانية؟ وما سبب تجاهل شهادة تتضمن معلومات دقيقة عن مصانع الطارمية وشرقاط، حيث أعاد العراقيون ابتكار طريقة فريق مانهاتن المشهور الذي صنع أول القنابل النووية التي أسقطها الأميركيون على اليابان في الحرب العالمية الثانية؟ وكيف يمكن تبرير تجاهل معلومات تنشر لأول مرة عن تضليل العراقيين لحملات القصف الجوي الموجهة لتدمير مراكز البحث والتطوير، وعن نجاحهم في الحفاظ على منشأة الأثير حيث تم تصميم وتجميع القنابل النووية؟ وكيف تم شحن الوثائق الخاصة بها في عربة قطار مغلقة باللحام استمرت تصعد وتنزل الأراضي العراقية مع حركة قطارات نقل المسافرين حتى عثر عليها فريق التفتيش الدولي نتيجة خطأ في الأوامر أعادها إلى موقعها الأصلي؟ وفي شهادة العالم العراقي معلومات مفجعة عن ضنك عيش زملائه ومحاصرتهم من قبل فرق التفتيش، وانهيار أوضاعهم إثر التضخم الاقتصادي الذي هبط بمرتباتهم العالية إلى ما يعادل 3 دولارات شهرياً، وتدهورهم الأكاديمي بسبب حرمانهم من متابعة التطورات الجديدة في علومهم، والحملات النفسية المكثفة ضدهم لحملهم على الانتحار؟
وقد يشكل أثمن صفحات التاريخ الحديث للمجتمعات العلمية العربية انخراط آلاف العلماء والمهندسين والتقنيين العراقيين بعد توقف العمليات الحربية مباشرة في حملة إعادة إعمار الهياكل الارتكازية لصناعة النفط وشبكات الكهرباء والماء والاتصالات التي دمرها القصف الجوي الكثيف· وتتضمن شهادة العالم العراقي سخرية لاذعة من أجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية وفضح عجزها رغم المبالغ الطائلة التي تنفق عليها عن التوصل إلى أوليات التمويه العراقي قليل الحيلة· ويختتم عماد خدوري شهادته بقصة إسكندنافية شعبية مشهورة عن إمبراطور يظهر عريان أمام رعاياه الذين لا يجرؤون على النظر إليه واكتشاف عريه حتى يصرخ طفل من بينهم: الإمبراطور عار من الملابس!! ويعلق خدوري: بوش وبلير يسحبان جمهورهما من أنوفهم ويغطيان بضجيج وطني فارغ الأداء الأخرق لأجهزة استخباراتهما· مع ذلك فلا شيء يستر عري الإمبراطورين الاستعراضيين.

السؤال المطروح هو: لماذا ترهق الدولة العظمى الوحيدة مواطنيها مادياً وأخلاقياً ونفسياً لشن حرب تهدف إلى تدمير بلد أعزل يكافح من أجل تأمين لقمة العيش والدواء لمواطنيه؟ حرب يعارضها معظم سكان العالم، الجواب عن هذا السؤال يكمن، حسب الكاتب البريطاني مارتن والكوت في يأس السياسيين الغربيين· يأس سري كالعمليات السرية التي تنجم عنه·· مصدره شروط التجارة وتوازن القوى الاقتصادية اللذان يعملان ضد الغرب طيلة ربع القرن الأخير· ويمكن قراءة درجة الاستماتة الحالية لشن حرب على العراق في تدهور نسبة الناتج المحلي الأميركي بالمقارنة مع الناتج العالمي من 50 في المئة قبل 20 سنة إلى 35 في المئة، وارتفعت خلال الفترة نفسها احتياجات الولايات المتحدة من النفط المستورد من 34 في المئة إلى 53 في المئة·بدون نفط فلا وجود لاقتصاد عالمي، والنفط العربي سلاح شامل للسيطرة على الاقتصاد العالمي· هذا هو الجواب والباقي صمت، كما يقول الشاعر الإنجليزي وليام شكسبير· ملايين الكلمات التي تضخها يومياً محطات التلفزيون والصحافة العالمية والعربية حول الموضوع لا تُعكر هذا الصمت·
  #97  
قديم 10-11-2007, 01:09 AM
almourabit almourabit غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2006
المشاركات: 1,807
افتراضي علاقة اكراد العراق باسرائيل

كتاب يفضح العلاقة الصهيونية مع مصطفى البارزاني
د.أيمن الهاشمي

·الأيرانيون والصهاينة إستخدموا الأكراد من أجل تحقيق رغبتهم في إنهاك العراق!

·الملا مصطفى البارزاني ذبح (كبشا كبيرا) فرحا بإنتصار إسرائيل على العرب في 67 !

·زيارات عديدة للملا الى إسرائيل ولقاءه بالمسؤولين ودعم متواصل للتمرد الكردي.

·إسرائيل تمنح البارزاني رتبة (لواء) تقديرا لجهوده في تسفير اليهود العراقيين الى فلسطين المحتلة!!

المؤلف : شلومو نكديمون (صحفي صهيوني متخصص في مجال مسارات القرار الصهيوني خاصة السياسي، سبق أن أصدر كتاب – تموز في اللهب – عن قصف مفاعل تموز العراقي 1981)

المترجم : بدر عقيلي
*******
يتحدث المؤلف عن التعاون بين الكيان الصهيوني (وتحديداً الموساد) وبين المرحوم الملا مصطفى البارزاني للفترة 1963 – 1975 وتغلغل الموساد داخل شمال العراق، ليس لنوازع إنسانية – كما يدعي الصهاينة – بل لاستخدام الأكراد جسراًً للعبور نحو دول الجوار، إيران وتركيا، وإضعافاً للعراق الذي كانت تنظر إليه إسرائيل دوماً على أنه الخطر المزعج . ويستند المؤلف في معلوماته إلى مقابلات مع رجال الموساد الصهيوني الذين كلفوا بالإشراف المباشر على النشاطات في كردستان، وعلى وثائق سرية، وتقارير إعلامية، وأراشيف خاصة وعامة، ومذكرات ورسائل كتبها مستشارون إسرائيليون أبان تواجدهم في كردستان .

يضم الكتاب 31 فصلاً تشمل جميعها تغطية لوقائع وأحداث ومعلومات سابقة عن الحركة الكردية (حركة مصطفى البارزاني تحديداً) وعلاقاتها مع الموساد الصهيوني . ويصف المؤلف إتفاقية الجزائر في آذار 1975 بأنها ملك الموت الذي قبض على روح العلاقة الكردية – الإسرائيلية التي دامت 12 عاماً واتسمت بالتعاون المكثف، كان خلالها الملا مصطفى البارزاني يقود التمرد ضد الحكومات العراقية مستعيناً بالمستشارين الإسرائيليين الذين لم يفارقوه، أو يفارقوا معسكره، طيلة تلك السنوات . (ص8)، وكانت طواقم المستشارين العسكريين الإسرائيليين تستبدل بصورة دورية، كل ثلاثة أشهر، ويترأسها بصورة دائمة أحد عناصر الموساد، وإلى جانبه ضابط في الجيش الإسرائيلي، ومستشار فني. وكان الموساد والمستشارون الإسرائيليون يقدمون المساعدة للبارزاني لتعلم أساليب الحرب الحديثة، وغالباً ما كان الإسرائيليون يصطحبون وفداً طبياً للإسهام في معالجتهم . .

الكتاب يتطرق بأسهاب إلى المساعدات الإسرائيلية للتمرد البارزاني في العراق، نظراً لعدم وجود ثغر بحري لكردستان، ووقوع جميع المطارات الموجودة في أراضيها تحت السيطرة العراقية، لذا فإن الدخول إليها يصبح مستحيلاً، إلا إذا تم عبر تركيا أو إيران أو أرمينيا، مما جعل تقديم المساعدات الصهيونية رهناً برضا ورغبة إيران.

محاولة فاشلة لإغتيال الملا مصطفى البارزاني: الكتاب المقدس لم ينفجر

يتطرق الكاتب إلى محاولات قتل مصطفى البارزاني ومنها حادثة يوم 29 أيلول (سبتمبر) 1971 في حاج عمران، عن طريق متفجرات حملتها سيارة تقل تسعة من رجال الدين أرسلوا من بغداد الى مقر الملا مصطفى على أساس أنهم يحملون رسالة من القيادة العراقية بشأن اتفاق 11 آذار(مارس) 1970، وكان مع الملا مصطفى في ذلك الوقت اثنين من الموساد الإسرائيلي هما (تسفيز مير) و (ناحوم أدموني) . ويشرح الكتاب كيف أوكلت مهمة إلى المدعو (صادق) وهو خبير متفجرات كردي ليستخدم مغارة مخصصة كمصنع للمواد المتفجرة، لتصنيع (قنبلة) لاغتيال النائب صدام حسين ردا على محاولة الأغتيال الفاشلة.

في 13 تشرين الأول (أكتوبر)1971 أوفدت الحكومة العراقية وزير التربية المرحوم الدكتوراحمد عبد الستارالجواري وأخبر الملا مصطفى بأن النائب (صدام حسين) يعمل بلا كلل أو ملل من أجل كشف النقاب عن المخططين، وعن الجهة التي أمرت بالتنفيذ، وإن محاولة الاغتيال كانت مؤامرة دبرتها عناصر خارجة عن النظام من أجل تخريب العلاقات الطيبة الآخذة بالتطور بين العرب والأكراد، وقال البارزاني إنه سيرسل مبعوثاً إلى بغداد لكي يعرب عن مشاعر الود، وطلب من الدكتور احمد عبد الستار أن يحمل معه هدية (مصحف أثري قديم) هدية إلى السيد النائب (صدام حسين) وإن الوزير العراقي عاد من حاج عمران إلى بغداد يوم 14/10 وقابل السيد النائب، وأخبره إن الملا مصطفى يقدر هذه الالتفاتة وبعث شخصياً بهدية ثمينة (قرآن أثري قديم) . . وثارت شكوك النائب حول محتوى الهدية وأمر بفحصها من قبل خبراء المتفجرات وتبين فيما بعد إن الهدية عبارة عن (متفجرات) . ويروي المؤلف حادثة يوم 15 تموز(يوليو) 1972 حين قابل البارزاني مراسل وكالة الأنباء العراقية، والذي اعترف له أنه مرسل من أجل اغتياله .

الحرية الوحيدة هي أن نتنسم الهواء :

ركز المؤلف فصلا للحديث عن تاريخ الكرد، ثم أنتقل للحديث في عدة مواضع من الكتاب عن دور المدعو (الأمير بدير خان) في عملية التنسيق الكردي الصهيوني، ويتحدث عن لقاءه بالمقدم يهودا بن ديفيد – نائب الملحق العسكري في السفارة الإسرائيلية في باريس ومسؤول الاتصالات مع الجهات الاستخبارية المحلية والأجنبية، وكان الأساس والمنطلق في التنسيق هو التماثل بين التأريخين اليهودي والكردي وتعرض الشعبين للاضطهاد .

وكان بدير خان يتنبأ بشرق أوسط ممزق ومفتت إلى كيانات صغيرة، تحظى فيه كل مجموعة أو طائفة عرقية بحق تقرير المصير في إطار حدود معقولة، تمكنها من تجذير استقلالها الحضاري .

ويتحدث المؤلف عن كيف أن أي محاولة لبلورة دولة كردية مستقلة، كانت تلقى معارضة فورية مستميتة من لدن تركيا وإيران والعراق، كل على حدة، وجميعها مجتمعة. ولم تأت هذه المعارضة مصادفة (والكلام للمؤلف) فقد كانت هذه الدول تدرك إن إقامة كيان كردي مستقل سيلزمها بالتخلي عن مناطق واسعة من أراضيها خصوصاً أنها غنية بالكنوز الطبيعية وخاصة النفط . وهذا ما دفع الغرب إلى معارضة الاستقلال الكردي ولم يبقى من التعاطف مع الأكراد سوى قيام بعض أجهزة المخابرات الغربية بإنشاء علاقات وصلات مع جهات كردية كبديل محتمل قد يحتاجون إليه في مرحلة ما .

يذكر المؤلف إن (بدير خان) وعائلته توثقت علاقتهم باليهود الذين استوطنوا كردستان منذ قرون كثيرة، فقد تحدث النبي (يوشع) عن اليهود المفقودين في أرض آشور، كما إن اليهود الأكراد هم من بقايا الأسباط اليهودية العشرة الذين نقلهم إلى هناك ملوك آشور أسرى خلال القرن 8 ق.م، وقد برز من بينهم حاخامات ويقال إن عدد الطوائف اليهودية الكردية وصل إلى (146) طائفة، وإن هجرة اليهود الأكراد إلى فلسطين بدأت في القرن (16) وسكنوا منطقة (صفد) ومن بينهم (يهودا البارزاني) الذي هاجر إلى إسرائيل سيراً على الأقدام . وإن وزير الدفاع الإسرائيلي (إسحاق مردخاي) سنة 1996 هو من أحفاد العراقيين المهاجرين، وقد هاجر إلى إسرائيل وعمره (6) سنوات بعد أن اكتشف العراقيون هوية والده كأحد نشطاء الحركة الصهيونية .

ويتحدث المؤلف عن التقرير الذي قدمته الوكالة اليهودية مطلع 1946 عن الطائفة الآشورية (الكشدية) وهم بقايا شعوب قديمة، وكيف أنهم طالبوا بنظام آمن لنصف مليون آشوري في ظل حكومة كردية مستقلة على أرض كردستان . وإنهم يكنون الكراهية للعرب ويتعاطفون مع الأكراد .

ويصف المؤلف، الأمير بدير خان، بأنه عميل إسرائيلي ليس بالمفهوم الكلاسيكي للعملاء، وإنما كان يقوم بتكليف من إسرائيل بأعمال سياسية حساسة على افتراض أنه سينال مقابلها مساعدات إسرائيلية للنضال الكردي، وقد قام بدير خان بعدد من المهمات السياسية في عدد من العواصم العربية مثل دمشق والقاهرة وبيروت بتكليف من إسرائيل، وإن هذه المهام لا زالت طي الكتمان لسبب ما (ص22) .
  #98  
قديم 10-11-2007, 01:10 AM
almourabit almourabit غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2006
المشاركات: 1,807
افتراضي

انقلاب كردي في دمشق :

ابتدأ المؤلف بالحديث عن (حسني البرزاني) أو (البرازي) وهو زعيم من أصل كردي، تمكن من جمع رأس مال كبير جداً، أوصله في نهاية المطاف إلى منصب رئيس الحكومة في سوريا عام 1942 وكان ذا صلة وثيقة بـالأمير (بدير خان) وكبار رجال الدبلوماسية الإسرائيلية وكان واثقاً من أن الإسرائيليين يحفظون له أفضالاً عديدة في الماضي القريب، حيث قدم تسهيلات لهجرة يهود بولنده إلى فلسطين عن طريق دمشق .

وفي أوج حرب 1948 فكر حسني البرازي الإطاحة بالرئيس السوري القوتلي ورئيس حكومته جميل مردم، وإنه بالتنسيق مع بدير خان، طلب أن يقوم الإسرائيليون بدورهم في هذه العملية، بأن يقوم الجيش الإسرائيلي بإثارة التوتر على الحدود لجذب قوات الجيش السوري نحو الحدود بعيداً عن العاصمة دمشق، وبالتالي إتاحة الفرصة له بدخول المدينة بكتيبة دبابات والاستيلاء على السلطة بسهولة . ووعده إذا ما نجحت الفكرة، سيعمل على التوصل إلى اتفاقية سلام مع إسرائيل، وترسيم الحدود الدولية وإن هناك شركاء في الانقلاب من بين الأقليات، الأكراد، الدروز، الشركس . وحين عرض بدير خان الموضوع على ساسون في وزارة الخارجية الإسرائيلية لم توافق إسرائيل على التدخل في إحداث انقلاب في سوريا . وتحدث الكاتب عن دور حسني الزعيم و محسن برازي، وكلاهما كرديان، وكانا يسعيان للتصالح مع إسرائيل، وإسقاط القوتلي، ولو أنه يعرج فيقول إن إسرائيل لم توافق على انقلاب حسني الزعيم في كانون الأول 1948(ديسمبر)، واستلام الزعيم السلطة في 30 آذار (مارس) 1949، وينقل الكاتب على لسان شمعون وبن غوريون بأنهما أقرا بأن إسرائيل قد ارتكبت خطأ بعدم استجابتها لطلب حسني الزعيم، رغم إن الزعيم أعلن صراحة رغبته التفاوض مع الصهاينة . وفي 14 آب 1949 أطاح انقلاب عسكري بالزعيم والبرازي وتم إعدامهما .

وينتقل الكاتب للحديث عن مصطفى البارزاني واتصالاته بإسرائيل حيث أن البارزاني زارها سرا في نيسان (أبريل) 1968 بترتيب من بدير خان، وتم استقباله هناك استقبالاً رسمياً فخماً وأنزل في بيت الضيافة الحكومي، وقام رئيس الموساد اللواء مائير عميت بتعريف البارزاني على يوفال نثمان رئيس شعبة الاستخبارات الأسرائيلية .

لست سوى كردي بسيط :

يتحدث الكاتب عن مصطفى البارزاني والبارزانيين ومنطقة بارزان (التي تعني أرض الهجرة) وعن الشيخ سعيد، جد البارزاني الذي كان من المناوئين للسلطة العثمانية، ثم إبنه الشيخ محمد الذي ثار ضد الإنكليز سنة 1926 وتوفي بعدها ثم تنصيب شقيقه احمد شيخاً للقبيلة، وفي عام 1943 تسلم الإبن الخامس (مصطفى) عصا القيادة، وهو كان تلقى تدريسه الإبتدائية في برزان، وواصل الدراسة في تركيا، واستكمل علومه الدينية في السليمانية، وفي عام 1931 بدأ نشاطه في التمرد الكردي .

وبدأ مصطفى البارزاني في السليمانية بلورة أهدافه السياسية، وطالب باستقلال كردي إلا أن نوري السعيد رفض المطالب الكردية، وحين بدأ البارزاني يحشد قواته، اقترحت عليه الحكومة العراقية في آب (أغسطس) 1945 أن ينتقل إلى أي منطقة عراقية خارج كردستان إلا أنه رفض العرض وفي 10 آب (إغسطس) 1945 نشبت معارك طاحنة بين الجيش العراقي والمتمردين الأكراد، وقامت القبائل المعادية لعشيرة البارزاني بتشكيل قوات مناوءة للتمرد البارزاني سميت (فرسان صلاح الدين) الذين أطلق عليهم البارزاني لقب (الجحوش). ويذكر مؤلف الكتاب أن جريدة (الثورة العربية) وهي الجريدة الناطقة باسم حزب البعث أوضحت أن (الجحوش) كانوا مرتزقة يقاتلون من أجل شيوخهم نظير مقابل نقدي، ولم يكن العراقيون قادرين دائماً على الثقة بهم، أو الاعتماد عليهم .

وفي 30 أيلول (سبتمبر) 1945 قرر البارزاني اجتياز الحدود والسكن في شمال غرب إيران إلى جوار الأكراد هناك، تحت حماية الجيش الأحمر أبان الحرب العالمية الثانية . وكان السوفييت في حينها يشجعون التطلعات القومية الكردية وساعدوا على إقامة كيان كردي بإسم جمهورية مهاباد عام 1946 في منطقة (ماهاباد) على قطاع ضيق إلى الشرق من الحدود العراقية التركية، بيد أن هذه (الجمهورية ) لم تدم سوى سنة واحدة فقد سحب السوفييت حمايتهم لها، وسارع الإيرانيون إلى السيطرة على أراضيها والإعلان عن إلغائها، وقد فرّ مصطفى البارزاني الذي قاد جيش جمهورية ماهاباد بجلده ومعه 500 من أتباعه وقضى 46 يوماً في طهران، وفشلت محاولاته للحصول على مأوى مؤقت له ولرجاله في الولايات المتحدة، وهرب البارزاني إلى روسيا بعد مسيرة 52 يومياً عبر الأراضي التركية، ووصل 18/6/1947 وعاش على أراضي الاتحاد السوفياتي وهناك دخل دورات وتدريبات عسكرية مع مقاتليه، وتعلموا اللغة الروسية، وقد تزوج معظم مؤيديه معه من نسوة تركمانيات ومسيحيات روسيات، ولتدبير معيشته اشتغل مصطفى البارزاني (قصاباً) في احدى المدن الروسية، وكانت معاملة القادة السوفيت له سيئة لغاية وفاة ستالين 1953 حيث تحسنت معاملته وخصص خروتشوف له شقة خاصة، وأرسله لاستكمال تعليمه وثقافته في معهد إعداد الكوادر التابع للحزب الشيوعي، وكان البارزاني يأتي بين فترة وأخرى إلى سوريا، وقابل جمال عبد الناصر، وحصل من خلال مؤتمر الدول الآسيوية والأفريقية عامي 55 و 1957 على تاييد حق الأكراد في مطالبهم الوطنية. وبعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، كان البارزاني في براغ، حين اصدرعبدالكريم قاسم عفواً خاصاعن مصطفى البارزاني وجماعته، ووجه الدعوة له للعودة إلى العراق، واصدر قراراً بأن العرب والأكراد شركاء في الوطن. وعاد البارزاني واستقبل استقبال الأبطال في العراق .

أدت عودة البارزاني إلى العراق إلى إشعال العديد من الأضواء الحمراء في الغرب، وخاصة بعد ورود معلومات عن أن البارزاني مستمر في إجراء لقاءات مع دبلوماسيين سوفييت في سوريا ممن يعملون في بغداد، مما زاد الشكوك الغربية، في أنه يعمل بتكليف من الاتحاد السوفياتي، وشرع الغرب في البحث عن زعيم كردي بديل . واعتقدت أميركا ومعها الغرب أن (بدير خان) قادر على القيام بهذا الدور .
  #99  
قديم 10-11-2007, 01:12 AM
almourabit almourabit غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2006
المشاركات: 1,807
افتراضي

عرض جهاز السافاك الإيراني (الاستخبارات الإيرانية) على بدير خان أن يسكن في إيران ويعمل داخلها، وكان يدير السافاك الجنرال تيمور بختيار وهو من أصل كردي وكانت مطالب بدير خان أن يتم تعيين موظفين أكراد رفيعي المستوى في المقاطعات الكردية وإصدار جريدة كردية وفتح مدارس كردية .

وفي هذا الأثناء كان بدير خان قد تزوج من فتاة بولندية أصغر منه بكثير، من عائلة ثرية للغاية، بيد أنها فقدت كل ثروتها في أعقاب تسلم الشيوعيين حكم بولنده، وهاجرت إلى باريس ودرست في السوربون، وحين تزوجت من بدير خان تعلمت الكردية، ونقلت لعريسها مزرعة واسعة على بعد 80 كم من باريس ورثتها من والدها، وحين حاول الإيرانيون إقناعه بالذهاب والعيش في إيران عرضوا عليه شراء الأرض بمليون دولار أي عشرة أضعاف ثمنها الحقيقي، لكنه رفض، ومع ذلك استمرت اتصالات بدير خان مع السافاك .

ووجد بدير خان شريكاً له في أفكاره وآراءه وهو (سامي الصلح) رئيس وزراء لبنان الذي أطيح به في حزيران (يونيو) 1958، وأخذ يفتش عن وسائل تعيده إلى الحكم، وكان يسعى إلى تشكيل اتحاد فيدرالي يضم لبنان، سوريا، العراق، ومن ثم تضم كردستان، والحجاز، واليمن، وتركيا، وإيران، ومن ثم تضم إسرائيل . وكان بدير خان يسعى إلى إلغاء الجامعة العربية واستبدالها بالجامعة الشرق أوسطية التي تنمي التفاعل المشترك بين مختلف الأديان في المنطقة، من أجل الاندماج بين دول الشرق الأوسط، واندماج الأكراد في هذا الكيان الجديد .

في 25 تموز 1959 أرسل البارزاني رسالة إلى عبد الكريم قاسم وصف نفسه في نهايتها بـ (الجندي المخلص لعبد الكريم قاسم) الذي يناضل، بالتعاون معه من أجل إنشاء جمهورية عربية كردية .

وفي أيلول 1961 بدأ تمرد البارزاني حين التحق بمدينة بارزان كي يركز نشاطه وعمله المكثف لقيادة التمرد. وعاد بدير خان لممارسة دوره التنسيقي مع الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية لدعم البارزاني، وإزداد اهتمام إسرائيل بما يدور في كردستان العراق، وحمل بدير خان إلى إسرائيل معلومات حول النقص الخطير الذي يعانيه المقاتلون الأكراد، طالباً مساعدة جدية في إنشاء محطة بث جديدة، وخصصت إسرائيل لنشاطات بدير خان مبلغ 20 ألف دينار وقام بشراء أجهزة راديو للاتصال بين قيادة تمرد كردستان العراق مع مركز النشاطات الكردية في أوربا الغربية وتحدث عن دور كل من رشيد عارف (ص67) وإبراهيم احمد السكرتير العام للحزب الديمقراطي في التنسيق مع جهات إسرائيلية في أوربا لتقديم العون إلى البارزاني .

في 17/12/19861 أرسل عبد الكريم قاسم مبعوثاً عنه هو (الضابط حسن عبود) مقترحاً منح عفو عام عن الأكراد، لكن البارزاني اكتشف جهاز اتصال مباشر داخل سيارة حسن عبود مخصصاً للدلالة على مكان وجود البارزاني وبالتالي مهاجمته . . .

ويذكر بدير خان إنه مخول من البارزاني بطلب المساعدات من إسرائيل . . وطلب تدريب 6 من قادة الأكراد في إسرائيل وبدأت محاولات كردية لكسب دعم الولايات المتحدة، عارضاً لهم إن الأكراد قادرون على تطويق أي تقدم سوفياتي في الشرق الأوسط، خاصة وأنهم قادمون عبر جبال القوقاز .

قدموا للتفاوض في بغداد وألقوا في السجن :

يتحدث المؤلف ايضا عن العلاقات والاتصالات بين المخابرات الإيرانية والإسرائيلية منذ أيلول عام 1957، ودور الجنرال بختيار (إبن مطلقة شاه إيران ثريا) في التنسيق، حيث ألمح بختيار عن ارتياح إيران للضربة التي نالت الجيش المصري في حرب 1956، ويتحدث عن ثورة تموز، ثم ثورة رمضان في العراق ومجيء الحزب إلى السلطة وبداية التعاون بين حكومة الثورة والأكراد، بل سبقت وقوع الثورة حين اتصل طاهر يحيى في شباط 1962 بإبراهيم احمد السكرتير العام للحزب الديمقراطي الكردستاني عارضاً على الأكراد التعاون مع رجال الثورة ضد السلطة القاسمية . وبعد قيام ثورة 8 شباط (فبراير)، استقبلت حكومة الثورة مبعوثين عن الأكراد، بوفد يرأسه (الطالباني) الذي قابل البكر وعماش، وفي 20 شباط 1963 توجه الطالباني على رأس وفد رسمي إلى القاهرة لتهنئة الزعامة المصرية بمناسبة ذكرى إقامة الجمهورية العربية المتحدة، وإلتقوا بعبد الناصر الذي أيّد مطالبهم، كما التقوا بابن بيلا في الجزائر . ولما سمع البارزاني بجولات الطالباني غضب منه غضباً شديدا.

وحدد يوم 1 آذار 1963 آخر موعد لإقامة الحكم الذاتي، وإلا سوف تعلن الحرب، وإعلان استقلال كردستان والانفصال عن العراق، وفي 9 آذار 1963 نشرت الحكومة العراقية بياناً اعترفت فيه بالحقوق الكردية واستبدلت مصطلح الحكم الذاتي بمصطلح إقامة مركز فرعي يخضع كلياً للسلطة المركزية، وفي 30 آذار أرسل البارزاني وفداً إلى بغداد برئاسة الطالباني، وفي 24 نيسان بعد إعلان ميثاق الوحدة الثلاثية بين العراق ومصر وسوريا، أعلن البارزاني أنه لا يوافق على إنضمام العراق إلى أي اتحاد عربي شامل، وأرسل وفداً إلى بغداد برئاسة الطالباني للتفاوض وطلب السماح له للسفر إلى مصر لمقابلة عبد الناصر، وفعلاً سافر للقاهرة إلا أنه بقي ثلاثة أسابيع في القاهرة أي في 25/5/1963 حتى سمح له بمقابلة عبد الناصر، الذي أعلن تفهمه لمطالب الأكراد، وحين سمع الطالباني إن بقية أعضاء الوفد معه الذين بقوا ببغداد تم اعتقالهم من قبل السلطة، أضطر للسفر إلى أوربا. وفي 5/6/1963 قام الجيش العراقي بهجوم على الأكراد كان موضع استنكار الاتحاد السوفياتي .

راديو بغداد يكشف سراً :

حمل بدير خان مبادرة من البارزاني في 1 نيسان 1963 إلى إسرائيل، واجتمع مع بن غوريون، ومع غولدا مائير، ورئيس الأركان تسفي زامير، ورئيس الاستخبارات، وينقل عن شاه إيران حول الوضع الكردي في العراق (نحن نرغب في استمرار لهيب التمرد الكردي في العراق شريطة أن لا يتحول هذا اللهيب إلى حريق كبير). ومن ناحية أخرى، اعتبرت إسرائيل القضية الكردية بمثابة فرصة لا تثمن بالذهب، لإضعاف مخالب الجيش العراقي يذكّرها بالأيام الخوالي البعيدة، ولاعتبارات أخرى .

عملية أثينا بدأت في باريس :

يتحدث الكتاب عن لقاء تم بين موظف إسرائيلي رفيع وآخر إيراني يوم 30/6/1963 في باريس حيث قال الإيراني إن الأكراد يطلبون مساعدتنا ومصلحتنا تقتضي تقديمها لهم، بيد أننا لا نعتزم عمل ذلك دون موافقتكم، وسميت (عملية أثينا) وتعني اتفاقية دعم الأكراد بالمال ومحطة للإرسال، وإن المواد المرسلة من إسرائيل إلى الأكراد تمر عبر إيران بواسطة السافاك. وبنفس هذا الموضوع يذكر أن الباحث (آدموند غاريب) في كتابه (القضية الكردية في العراق) ذكر بإن الموساد والسافاك شكّلا جهاز مخابرات كردي متطور، لجمع المعلومات عن الحكومة العراقية، وأوضاع العراق وتنقل إلى السافاك والموساد . وكانت الدعاية الكردية تعتمد المبالغة والتهويل فمثلا حين تقتل حظيرة من الجنود العراقيين كانت تعلن عن مقتل مائتي جندي عراقي.

في تشرين2 (نوفمبر) 1963 وصل إبراهيم احمد وصهره الطالباني إلى السفارة الإسرائيلية في باريس وطلب الاجتماع مع ممثلي الموساد، وقالا بالحرف الواحد (نحن جائعون) وطلبا ذخائر حربية وأموال ومساعدات، وكان الإيرانيون قد بدأوا الغضب من تصرفات الأكراد لأنهم يباشرون مفاوضات سرية مع العراقيين لوقف النار .

وقد طرأ تغير جديد على المصالح الإيرانية في منتصف كانون الثاني (يناير)1964 وطلبت إيران من ممثل الموساد أن يستأنف عمليات إرسال السلاح إلى الأكراد، واستجاب لهم، لكن الإيرانيين لم يوصلوا الأسلحة بدعوى إن الأكراد توصلوا في شباط 1964 إلى اتفاق هدنة مع الحكومة العراقية .

وعاد التوتر في العلاقة بين الشاه والبارزاني . وفي تلك السنة بدأت القطيعة بين الطالباني والبارزاني حيث يصف الأول الثاني بأنه دكتاتور، ووصلت الخلافات إلى حد القطيعة وبدأ كل منهما يهاجم الآخر، واندلعت بينهما حرب دموية في تموز 1964 انتصر فيها البارزاني، والتزمت إيران جانب إبراهيم احمد والطالباني ضد البارزاني وقامت بتسليحهم .

جونسون يرفض رسالة من البارزاني :

في عام 1965 بدأ البارزاني يتوجه نحو الولايات المتحدة الأمريكية يطلب المساعدة، بعد أن صرّح بأن أي أمة أو دولة لا تستطيع التواجد والعيش إلا إذا حظيت بتأييد إحدى الكتلتين الكبيرتين، وبعد الموقف السوفياتي السلبي، طلب البارزاني من إسرائيل أن تساعده في طلب المساعدة من أمريكا، وحاولت السفارة العراقية في واشنطن أن تفشل جولة المبعوث الإسرائيلي ومارست ضغوطاً على الخارجية الأمريكية وحققت بعض النجاح حيث رفضت جميع الجهات الرفيعة – عدا بعض أعضاء مجلس الشيوخ – من استقبال فانلي – مبعوث إسرائيل – والتحاور معه، وكان رأي الخارجية الأمريكية (إن الوضع في العراق معقد بما فيه الكفاية، وإن الولايات المتحدة لا تريد أن توجه لها أصابع الاتهام بمعاونة الأكراد)، وحاول المبعوث الإسرائيلي لاحقاً أن يقنع أعضاء مجلس الشيوخ ومجلس النواب بالحملة التي تشنها الحكومة العراقية آنذاك ضد الأكراد وبمساعدة تسليحية من الاتحاد السوفياتي والجمهورية العربية المتحدة التي بعثت طائرات وأسلحة وجنود وإن هناك 12 طائرة تابعة لسلاح الجو المصري في مطار الموصل إضافة إلى 24 طائرة مصرية في كركوك كلها مستعدة لقتال الأكراد . وقد قامت إسرائيل بتزويد الأكراد بالسلاح من بنادق بازوكا والغام ومتفجرات زنتها تسعة أطنان هبطت الطائرة التي تحملها في طهران ونقلت إلى شمال العراق بواسطة السافاك .

طائرات ميغ تهاجم البارزاني وديفيد قمحي :

وقع اختيار إسرائيل على ديفيد قمحي لإجراء أول اتصال مباشر مع البارزاني، وقمحي هو من كبار رجال الموساد في بريطانيا ودخل قمحي من إيران إلى شمال العراق والتقى بالبارزاني، وأوضح له إن إسرائيل شديدة التعاطف مع القضية الكردية، وإن إسرائيل تدرك إن النضال سيكون طويلاً، وإن إسرائيل مستعدة لتدريب المقاتلين الأكراد على حرب العصابات وأعمال التخريب، وأكد له ان مجموعة قليلة من الأكراد يمكن أن تنفذ عمليات مؤثرة وفعالة داخل العراق .

وقال البارزاني : أنا معني بالتحالف مع إسرائيل، لقد يئست من العرب ولست مهتماً فيما إذا تم إعلان علاقتي معكم، ووعد البارزاني برد الجميل إلى إسرائيل حال نيله استقلاله، وكتب رسالة بنفسه إلى ليفي اشكول رئيس حكومة إسرائيل يهنئه بذكرى إنشاء إسرائيل وبقي قمحي فترة من الزمن في شمال العراق وارتدى الملابس الكردية، وخالط (البيش مركة) وحين عودته إلى إسرائيل كان تقرير قمحي مشجعاً وزاد الرغبة لدى غسرائيل بدعم الأكراد، وتم اختيار الضابط (ب) – لازال أسمه غير مصرح بنشره على راس وفد للتنسيق بين الموساد والأكراد، ووصل شمال العراق عن طريق السافاك الإيراني، وقد حرص الإسرائيليون على الظهور مظهر الأكراد، ولبسوا أزيائهم .

وشجع الإسرائيليون البارزاني على فكرة تدمير آبار النفط العراقية في الشمال، وتم إلحاق ثلاثة من الأكراد بدورة فنية في إسرائيل للتدريب على عمليات تفكيك حقول الألغام، وحصل الأكراد من إسرائيل على راجمات ذات قطر 120 ملم يصل مداها ستة كليو مترات . وقد اكتشف الجيش العراقي خلال عمليات التطهير نهاية 1965 عن الأكراد استلموا راجمات من إسرائيل وذكرت ذلك صحيفة بغداد نيوز يوم 1/11/1965 ز

كما إن عدداً من الأكراد البارزانيين المختلفين مع مصطفى البارزاني فضحوا وجود الإسرائيليين في كردستان حيث صرح كل من عقراوي وعبيد الله البارزاني إلى محمد حسنين هيكل إن الإسرائيليين يرافقون الملا مصطفى باستمرار ويتصلون مباشرة باللاسلكي مع إسرائيل ويقومون بأعمال تجسس في العراق .
  #100  
قديم 10-11-2007, 01:13 AM
almourabit almourabit غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2006
المشاركات: 1,807
افتراضي

الاتصال المباشر بين الأكراد واسرائيل

يقول نكديمون فى كتابه أن البرزانى رأى ضرورة الاتصال بإسرائيل بشكل مباشر منذ عام 1963 لتساعده فى تحقيق حلم الأكراد فى بناء حكم ذاتى بعد أن فشل مع الحكومات العراقية، ولتحقيق ذلك استعان بالاسرائيلين الذين تربطهم علاقات جيدة مع اسرائيل فى ذلك الوقت. وكانت ايران قد أعترفت بإسرائيل عام 1950، فاستعان بشخص يدعى بدير خان من المخابرات الايرلندية الذى أجتمع مع بن جوريون وجولدا مائير ورئيس الاركان تسفى زماير ومائير عميت رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية.

وقتها كان عدد الأكراد فى العراق 2 مليون نسمة وفى سوريا 600 ألف كردى وفى إيران 4 مليون و6 مليون فى تركيا و60 ألف فى روسيا، وفى بريطانيا 800 طالب كردى.

وفى إحدى زيارات بدير خان الى اسرائيل طلب تقديم مساعدات للأكراد لتمكينهم من مواجهة هجمات الجيش العراقى على مواقعهم فى الشمال وذلك بإرسال 12 راجمة بازوكا ومدافع ضد الطائرات وجهاز إرسال ومساعدات مالية. واقترح خان اجراء اتصالات مباشرة مع البرزانى.

وقد حددت اسرائيل حجم دعمها للأكراد استجابة لإيران التى أبلغت اسرائيل.. إننا نتعامل مع التمرد الكردى فى العراق كفرصة لا تعوض، ورغم ذلك وبسبب الأقلية الكردية فى ايران وعلاقتنا مع تركيا لا نستطيع تأييدهم علنا فنحن لا نرغب فى أن يتطور التمرد كى يصبح دولة كردية كبرى.

وقال شاه ايران لجريدة لوموند.. نحن لا نؤيد استقلال الأكراد فى العراق بيد أننا معنيون بحصول الأكراد على كامل حقوقهم هناك.. الأكراد غير العرب.

بعد ذلك بدأت المخابرات الاسرائيلية ترتب لاتصالات مع الأكراد عن طريق أثنين من العملاء قدم الى كردستان تحت غطاء انهما صحفيان ألمانيان وجاء ذلك فى كتاب سعيد جواد العراق وكردستان.

ان المخابرات العراقية علمت بهذه الاتصالات عندما أذاعت السلطات العراقية عبر نشراتها الأخبارية المعلنة أن هناك علاقة بين الملا مصطفى البرزانى واسرائيل مما أصاب رجال الموساد بالذهول.. فى هذا الوقت راحت ايران تحث الأكراد على مجابهة الجيش العراقى مع حرصها على ألا تحقق النصر الكامل، فقد كانت علاقة ايران بالأكراد ليست خالصة فهى تريد استقلال الأكراد لإضعاف العراق وفى نفس الوقت لا تريد للأكراد أن يكونوا أقوياء حتى لا تشجع الأكراد فى ايران على ذلك وهو ايضا ما تريده تركيا ونفس ما تريده اسرائيل التى تسعى فقط الى اضعاف العراق حتى لا تساعد سوريا أو الأردن ضدها.

جهاز مخابرات كردي

العلاقة بين الأكراد واسرائيل يؤكدها ايضا الباحث الأمريكى أدوموند جاريب فى كتابه القضية الكردية فى العراق ويقول شكل السافاك والموساد جهاز مخابرات كرديا ذكيا للغاية لجمع معلومات عن الحكومة العراقية والأوضاع العراقية والقوات المسلحة ولم يكن يخفى المعلومات التى يحصل عليها عن الجهازين الاسرائيلى والايرانى وبالإمكان الاستدلال على هذه الحقيقة من التصريحات والأقوال التى أدلت بها أوساط عراقية رسمية وشبه رسمية.

وفى عام 1972 كان الأكراد ينقلون معلومات شاملة حول الجيش العراقى الى كل من المخابرات الايرانية والاسرائيلية عثر على وثائق تؤكد علاقة الأكراد بالسفارة الاسرائيلية فى باريس وجاء اثنان من الأكراد وقدما نفسيهما وطلبا الاجتماع بممثل الموساد ويدعى مناحم نعوت الذى يقول: جلس ابراهيم أحمد أمامى فى أحد الفنادق ويقول: إننا جائعون.. لا يوجد حب ولا سكر ولا شاى.

واجتمع ابراهيم أحمد مع رئيس الموساد مائير عميت بعد ذلك، وطلب منه ذخائر للبازوكا وبنادق وأموال ومساعدت أخرى، وقد رد عليه عميت أنه لا يوجد لدينا مال كى نعطيه لأن اسرائيل دولة فقيرة لكنه وعده بأن يزيد حجم المساعدات بالأسلحة والتجهيزات.

لقاءات متكررة بين الأكراد والاسرائيليين

بعد ذلك أصبح ملف الأكراد فى اسرائيل له أهمية خاصة وفى 15 ابرايل 1965 عقد رئيس الحكومة الاسرائيلية ليفى اشكول اجتماعا حضرته وزيرة الخارجية جولدا مائير ورئيس الاركان اسحق رابين ومائير عميت رئيس الموساد الذى طرح قضية الأكراد والأعمال الخاصة التى تقوم بها اسرائيل وخلص الاجتماع الى قرار نص على ضرورة منح الأولية للقضية الكردية.

وبعد خمسة أيام من هذا الاجتماع أبلغ مصطفى البرزانى اسرائيل عن طريق ايران أنه معنى بالاجتماع مع مبعوث اسرائيلى رفيع فى كردستان وايضا على استعداد لإرسال مبعوث رفيع من قبله للاجتماع بممثل اسرائيل خارج كردستان، وبعد عدة أشهر وبالتحديد فى أوائل عام 1966 التقى البرزانى بالمستشار الاسرائيلى ليشع رونى، وبعد هذا الاجتماع تواجد الاسرائيليون فى محور رواندوز الحاج عمران شمال العراق بقيادة تسورى ساجى.. وتوالى ضباط اسرائيليون المجيئ الى المنطقة وأقامت اسرائيل للأكراد مستشفى ميدانيا تحت ادارة الدكتور برلسنر، وأصبح الطريق مفتوحا الى اسرائيل أمام القادة الأكراد عبر ايران، وذكر شلومو نكديمون فى كتابه انهيار الآمال الاسرائيلية الكردية أن البرزانى احتفل مع الاسرائيليين فوق جبل كردستان بدخولهم القدس عام 1967 بذبح كبش علق فى رقبته شريطا من لونين الازرق والأبيض رمزا للعلم الاسرائيلى وكتب عليه: هنئوا اسرائيل لاحتلالها بيت المقدس.

وفى هذه الاثناء اعتقل العراقيون اثنين من الطيارين الاسرائيليين هما اسحق حلنس وجدعون دور واللذين هبطا بالمظلة بعد أن أصيبت الطائرتان فى 7 يونيو 1967 ابان الهجوم الذى شناه على المطار العسكرى بالقرب من الحدود العراقية الاردنية تم تسليم الطيارين الى الاردنيين الذين سلموهما الى اسرائيل.


زيارة البرزانى الأولى الى اسرائيل

إعداد زيارة البرزانى لاسرائيل فى عيد الفصح العبرى المسمى بيسح وكانت الجهات الاسرائيلية فى الشمال تسمى البرزانى بيسح فى منتصف ابريل 1968.

يصف شلومو نكديمون فى كتابه زيارة البرزانى لإسرائيل ويقول: هبطت الطائرة التى أقلت البرزانى على مدرج جانبى فى مطار اللد، وكان بصحبته الدكتور أحمد ابراهيم وخمسة حراس شخصيين مسلحين ببنادق كلاشينكوف وقد استقبله لبكوب وعميت وعدد من معارفه الاسرائيليين مثل ديفيد جابانى صديقه اليهودى فى كردستان الذى كان يتخذ له اسما آخر وهو داود الحاج حانو سأل عنه أول ما وصل فى البداية اجتمع مع رئيس الدولة زلمان شوفال وحضر الاجتماع من الموساد عميت وليكوب وكردن ورغم جميع المحاولات رفض البرزانى التخلى عن مسدسه. وقد حاول ليكوب تبرير ذلك قائلا: هل شاهدت كلبا يتخلى عن ذيله.

فى هذا اللقاء قال له الرئيس الاسرائيلى شوفال: تخلى عن فكرة الحكم الذاتى وأعمل من أجل إقامة دولة كردية. وكان كرودن يصغى باهتمام كبير لذلك ابتسم باستخفاف كأنه يقول لنفسه: إن رئيس الدولة غير مطلع على الأوضاع السياسية وإلا عرف ما يدور فى كردستان، لذا يطرح ما يشاء فهو لم يعرف أن التعاون مع الأكراد يقوم على التنسيق مع الايرانيين وأن الايرانيين لن يسمحوا بأى حال من الأحوال بإقامة دولة كردية مستقلة.

تم اجتماع برزانى مع جميع الاشخاص الاسرائيليين الذين زاروا كردستان ورافقوه فى لقائه مع آبا إيبان وبحضور مدير مكتبه إيتان بن تثور ومع ليفى اشكول بحضور مدير مكتبه د. يعقوب هرسوج ورئيس الموساد عميت وحاييم نيكوب ووعد اشكول بزيادة المساعدات للأكراد وتقديم يد العون لهم فى الأمم المتحدة وقد استقبله ايضا موشى ديان وأقام لهم الموساد حفلا كبيرا حضره مناحم بيجين الوزير بلا وزارة وزعيم حزب الليكود وغنت له شوشنه دامارى المطربة الاسرائيلية الشهيرة فى ذلك الوقت لإحياء الحفل.

وفى طريق العودة شاهد كما هائلا كما قال نكديمون من السيارات العسكرية والدبابات التى غنمها الجيش الاسرائيلى فى أعقاب حرب 1967 ومع مرور الوقت ومع الزيارة الثانية التى قام بها مصطفى البرزانى لإسرائيل بدأت اسرائيل تدرك وخاصة جهاز الموساد أن مساعدتها للأكراد لا تسير الى أى اتجاه ولا أحد يتوقع أن تسفر عن فائدة ما.

وقد اعترف مناحم بيجين وهو رئيس لحكومة اسرائيل عام 1981 فى 29 سبتمبر من نفس العام أن اسرائيل ساعدت الأكراد بالأسلحة والمال وأن الخلافات التى كانت تقع بين الفصائل الكردية تسبب لها الازعاج
موضوع مغلق

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
إحصاءات وإستطلاعات سياسية castle منتدى العلوم والتكنولوجيا 36 04-08-2009 08:08 PM
مقالات وآراء وحوارات سياسية castle منتدى العلوم والتكنولوجيا 128 24-05-2009 01:14 PM
بيئة تعليمية صحية خالد سيف الدين عاشور منتدى العلوم والتكنولوجيا 5 16-02-2009 05:49 PM
بحوث ودراسات الوفية منتدى العلوم والتكنولوجيا 1 03-08-2003 01:49 PM
تعريفات سياسية ...! ميرفت منتدى العلوم والتكنولوجيا 43 12-09-2002 06:23 PM


الساعة الآن 09:24 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com