عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 16-06-2011, 07:20 AM
ابو خالد1234 ابو خالد1234 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2010
المشاركات: 41
افتراضي الطفل المصري ضحية




يُقال دائماً.. أن إديسون أعظم مخترع على مر العصور قد وعى أكثر من غيره كيف يحول الآلات التى تنتج لتصبح فى خدمة الرخاء.. وأن حياة إديسون لم تأت طبقاً للحتمية التقليدية السهلة. فلقد كان أصغر إخوته حيث ولد فى أوهايو عام 1847.. وأتيحت له الفرصة فى عمر (سبع سنوات) لتلقى التعليم الرسمى الوحيد فى حياته لمدة ثلاثة أشهر فقط، وصفه معلمه فى نهايتها بأنه (متأخر) وحرمه من مواصلة التعلم، كما لم تقنع أمه بتعليمه القراءة والحساب فقط، بل زرعت فيه (ظمئاً دائماً للتعلم والمعرفة) وعلى هذا..

فالنقطة الأولى: فى إعداد وتربية الطفل المصرى ليصبح مبدعاً
هى إعداده وتنشئته بما ينمى لديه ظمأ دائماً للعلم والمعرفة كبديل للخوف الدائم من عدم حفظ وتذكر الحلول والإجابات النموذجية، والدخول فى دوامة السعى المحموم لإرضاء الآخرين أو للتفوق بلا حدود من خلال الالتزام الكامل بإطار المعرفة السابق تحديده أو السابق معرفته، بمعايير الكبار. لقد استطاع أينشتاين منذ الصغر أن يهرب من زنزانة الطالب المطيع فتعرف على قدراته وتمكن من التوصل إلى نظرية النسبية. وكم من أطفالنا مازال يسعى للهروب من قيود المألوف والواجب والمعتاد.. الاختراع، الإبداع، الإبتكار.. جميعها كلمات تدل على الاستعداد للخروج عن المألوف وكسر الطوق أو الإطار والتوصل إلى إجابات جديدة لأسئلة قديمة أو إعادة النظر فى الأسئلة التى عجزنا عن أن نجد إجابات لها. إن الحرص المتزايد على الحفاظ على (الإطار أياً كان نوعه.. إجابة نموذجية إرضاء الآخرين.. الإنفاق المالى.. العرف والتقاليد.. يزيد من حجم الإطار وسمكه، ويضخمه، ويفقد المضمون معناه ودلالته.. حتى يصبح الحفاظ على الإطار هو الهدف).

والنقطة الثانية: فى تدعيم الإبداع لدى الطفل المصرى هى تبنى فكر كسر الإطار أو الخروج عنه..
حتى ولو كان هذا الإطار منطقاً أو معادلة رياضية أو عرفاً اجتماعياً أو معرفة راسخة.. فالعقلية الإنسانية المبدعة هى تلك التى تدربت على أن تفكر فى طريقة تفكيرها think thinking.. لماذا لا يطير الإنسان.. وكيف نجعله يطير؟.. ولماذا ينخفض مستوى المياه ويقل فى الجسم البشرى؟.. وكيف نحافظ عليه كلما تقدم الإنسان فى العمر؟.. ولماذا تموت الخلية، وكيف يمكن تجديدها وإعادة بنائها؟.. ولماذا نبقى الأشياء على ما هى عليه؟.. وما شكل الأماكن التى نحتفظ فيها بهذه الأشياء ولماذا تتجمد وطريقة الحياة والعيش والعمل؟.. ولماذا نصر دائماً على أن نكمل بناء الصندوق لنضع فيه عقلية الطفل المصرى.. هذا الصندوق الذى هو أشبه بدرقة السلحفاة التى وإن كانت توفر لها الحماية الطبيعية، إلا أنه تمنعها من التحرر والحركة السريعة.. أحياناً كثيرة ما ينسحب الطفل إلى أحد أركان المنزل أو فى غرفته ليستمتع بخلوة فكرية ذهنية، أو بلحظات خاصة يحاول فيها الإجابة على السؤال الذهبى (لماذا؟) ويدخل فى دائرة سحرية من المتعة الذهنية قوامها (الملاحظة والتأمل والاستغراق) يُلاحظ ما يدور حوله ويتأمله.. ويستغرق فى محاولة تلقائية منه، ولفهم السؤال والإجابة عليه. وتلك هى الخصائص الأولى اللازمة للعقلية البشرية لكى تكسر الإطار وتحطمه وتخرج عنه. أن نلاحظ ونتأمل ما يحدث ثم نستغرق كلياً فى محاولة للوصول إلى إجابة أو لفهم معنى السؤال أو للإجابة عليه، وفى هذه الأثناء وقد يقع الوالدان أحدهما أو كلاهما فى خطأ شائع بممارسة سيطرته القضاء على هذه المتعة الذهنية للطفل بأن يخرجه من دائرة تأمله وتفضيله النفسى والسلوكى فيخاطبه أو يأمره، أو حتى ينهره ويطلب منه أن (يترك ما فى يديه ويعود للمذاكرة) أو يحضر فرواً لشراء بعض حاجيات المنزل أو مساعدة الأم فى تحضير الطعام أو لتناوله قبل ما (يبرد) وعندئذ يكونا قد كسرا دائرة الإبداع والبحث عن (الإجابة أو السؤال) داخل عقل طفلهما الذى كان يحاول الخروج من الإطار فيضطر للعودة مرة أخرى داخل الصندوق (صندوق الطاعة).
إن الملاحظة الذكية للأطفال اعتباراً من سن الخامسة قد تفرض علينا بأن نعطيهم الحق فى تدعيم استقرارهم الفكرى والنفسى من خلال ثلاثية الإبداع الأولى وهى (الملاحظة، التأمل، الاستغراق) تلك الثلاثية التى كانت ملازمة معظم العباقرة والمبدعين، فلا إبداع بلا (ملاحظة) ولا تأمل بلا (استغراق) حتى ما يطلق عليها مجازاً حظاً ما كان أن يأتى لهم لو كانوا خارج إطار الاستغراق. فالحظ لا يأتى إلا لمن يداعبه، والأفكار الجميلة تحتاج دائماً لمظلات للهبوط بها على ارض الواقع، فاستغراق إديسون، أرشميدس، نيوتن، أينشتاين، وزويل كان حجر الزاوية فيما توصلوا إليه..

أما النقطة الثالثة: فهى أننا غالباً ما نعتبر التباين أو الاختلاف ظاهرة سلبية
فتتبدل ملامح الوجوه، وتتغير نبرات الصوت، ويتململ الجسد ولا يتحمل أن يستمع لرأى مخالف أو فكر مختلف فيحرمه أو يجرمه أو يقلل من وزنه. ويستمر المرء منا فى عناده وإصراره على منطقه وأفكاره. علينا أن نتحمل أن يختلف الطالب مع أستاذه ومعلمه.. وأن تأتى الإجابات على أسئلتنا غير مطابقة لما تعلمناه، وأن نقتنع بأن الاختلاف أمر منطقى وطبيعى، بل أنه من القيم الفكرية اللازمة لدعم وبناء الشخصية الإبداعية لدى الطفل المصرى.
كثيراً ما نرى أطفالاً وهم يدخلون فى دائرة من تأنيب الضمير نتيجة إحساسهم بالإخفاق لعدم الاعتراف بسلامة رأيهم، أو يدخلون فى دوامة الصوت المرتفع والعصبية والصياح لإثبات صحة رأيهم، دون أن يدركوا أن التباين أمر طبيعى.. بل أننا قد نصادف فى حياتنا الاجتماعية من الآباء والأمهات من يعتبرون اختلاف رأى أبنائهم عنهم بمثابة انشقاق وعدم طاعة، بل ويحرصون كل الحرص على أن يأتى رأى أبنائهم صورة طبق الأصل من أفكارهم. عن السماح بالتباين والتفكير فى المتضادات يُعد أمراً طبيعياً إن أردنا أن ندعم العقلية الإبداعية.
أما النقطة الرابعة: فتكمن فى أن أصحاب العقلية المبدعة يدركون دائماً أن هناك علاقة مباشرة بين الطريقة التى ينظرون بها للمستقبل وبين ما سيكون عليه المستقبل فعلاً
بل انهم يقومون فى واقع الأمر بخلق واقعهم أو بالأحرى واقعنا.. فالحدود الوحيدة التى تمنعهم توجد فقط فى عقولهم. كما يؤكد والت ديزنى فى عبارته الشهيرة: (إن كان بإمكانك أن تحلم.. إذاً بإمكانك أن تحقق حلمك).. أن بناء العقلية الإبداعية لدى الطفل المصرى يحتاج منا إلى أن نحميه من التفاصيل اللانهائية التى يتعرض لها فى المنزل والمدرسة، فكثرة التفاصيل وتشعبها تزيد من إغراق ذهنه وتمته من الاستغراق والتأمل فى شكل المستقبل الذى يتمناه. كما تسد عليه منافذ التخيل لانغماسه فى عمليات ذهنية منطقية كالاستدلال والاستنتاج يفقد معها قدرته على تجاوز حدود المنطق والمألوف والعلاقة الرياضية، فيهتم بالأمس واليوم واللحظة الآنية now and here والمنطق ويعجز عن رؤية المستقبل. والقاعدة هنا تقول ((أنك كلما اقتربت من الشئ أكثر.. كلما قلت قدرتك على رؤية تفاصيله، تماماً كمن يضع إصبعه ملاصقاً لعينيه. فيتعذر عليه رؤيته.. إن رؤية العقلية الإبداعية لطفلنا يجب أن تكون رؤية إشعاعية لا رؤية بؤرية.. فالاقتراب من لوحة فنية يمنعنا من رؤية جماليات الفن الراقى التى تثملها، كما أن الوقوف على سطح القمر يمنعنا من التمتع بالضوء الذى يعكسه. إن المأزق التقليدى الذى كثيراً ما نصيغ به عقلية الطفل المصرى هى إغراقه بالتفاصيل المتزايدة من ناحية، وإصرارنا على أن هناك (حل واحد صحيح للمسألة) أياً كان نوعها مسألة نفسية، فكرية، رياضية، ….. الخ. من ناحية أخرى. فنظرية الحل الواحد الصحيح تمنع الكثيرين من أبنائنا من كسر الإطار.. أو الخروج عن النمط المألوف. فالإجابة النموذجية هى إجابة (الأب، الرئيس، المعلم) وتقدير امتياز يمنح لمن تأتى إجاباته مطابقة لمعلمه أو أستاذه.. أما الخروج على النص فيعد خرقاً وعدم الاستجابة والمرونة فى تنفيذ التعليمات بعد عناداً.

تتلخص النقطة الخامسة: فيما يطلق عليه (المبيدات البشرية للإبداع)
أى القيود الذاتية التى يفرضها العقل البشرى على نفسه فيمنع نفسه من التحليق والتخيل بافتراض أنه ليس بالإمكان الطيران عالياً لوجود موانع عوائق تمنع من ذلك. إن كسر القيود الذاتية تعد نقطة البداية لانشطار نواة الإبداع بداخل عقل الطفل المصرى. فالإحساس بالاضطهاد أو عدم إمكانية تحقيق الفكرة أو الخوف من سرقتها أو أن المشكلة ليست لها حل أو أن لها حل واحد صحيح غير معروف جميعها قيود ذاتية قد يفرضها الطفل على نفسه دون أن نفرضها عليه حتى تصبح هذه القيود بديهيات سلبية لا يجرؤ الطفل على تجاوزها أو تخطيها حتى لا يتهم بالسخف الذى هو أول معوقات التفكير الإبداعى حيث يخشى المبدع ((أن تبدو أفكاره سخيفة، وكم من الأفكار التى تعايشها البشرية الآن كانت عند ظهورها للوهلة الأولى من وجهة نظر المحيطين بصاحب الفكرة الإبداعية سخيفة)).

أما النقطة السادسة: فهى حماية الإبداع من النقد والسخرية وحماية كسر الإطار من المادة الصمغية التى تبادر أحياناً باستخدامها كلما حاول النشء أن يأتى بشئ جديد..
وقد يمتد هذا النقد أو السخرية أحياناً إلى قاعات البحث والدراسة بأن يسخر المعلم من تلميذه والمشرف على رسائل الدكتوراه والماجستير من طالب العلم.. فقط ليثبت له أن فوق كل ذى علم عليم.. ولكن بمقاييسه هو لا بمقاييس دعم الإبداع وتقدير المحاولة والثناء عليها. أن الطفولة هى مرحلة الطاقة اللامحدود التى نادراً ما نشعر فيها بالتعب والإرهاق. والواقع أن معظم من حافظ على حيويته حتى بلوغه السبعين والثمانين وما بعدها كان لهم أنماط للعمل واللعب تشبه بدرجة ملفتة للنظر الأنماط الخاصة بالأطفال، بل أن عاداتهم الصارمة ونظام حياتهم الروتينى غالباً ما يكون ممزوجاً بروح دعابة ذات طابع هزلى مرح وحماس منقطع النظير للحياة. علينا أن نحافظ على طاقة الأطفال التى هى بلا حدود.. وعلى إبداع الطفولة الذى يتجاوز به الطفل المصرى حدود المنطق ويدخل به حيز الخيال وأحلام اليقظة.
إن الطاقات الإبداعية للطفل المصرى مازالت قيد البحث والتحرى، ومازال النطاق مفتوحاً لإسهامات قادة الفكر والرأى بهدف تفجيرها وسبر أغوارها وحمايتها.. من المبيدات البشرية وصناع طقوس الواجب وأباطرة وحراس الحل الواحد الصحيح.. وأنصار ما يجب أن يكون والإجابة النموذجية. فالإبداع ينمو ويزدهر بعد الفكر المنطقى وقبل الخيال غير الواقعى.. فهلى لدينا قائمة بأوراق الاعتماد اللازمة بقبول عقل الطفل المصرى سفيراً فوق العادة لدى..مصر المستقبل..

النقطة السابعة: تحمل البيئات المتقلبة..
ويقصد بذلك أن القيادات المبدعة لديها قدرة خاصة على تحمل البيئات المتحركة بكل ما يميز هذه البيئة من مجموعة من المرؤوسين كثيرى الحركة والنشاط ومثيرى الشغب والمشاكل والمتحررين من القيود وطالبى الحرية والصلاحيات، وباقى خصائص البيئة التى لا تتسم بالثبات والاستقرار أو النظام أو التنسيق. بمعنى أن الشخصيات المبدعة يتحملون الفوضى التى قد توجد فى أماكن معيشتهم أو الفوضى التى قد توجد فى مكاتبهم، وأنهم لا يركزون كثيراً على بقاء الأمور كما هى، وإنما يركزون أكثر على إيجاد علاقات جديدة بين أشياء قديمه أو التفكير فى إيجاد أشياء جديدة لم تكن توجد من قبل أو النظر للأمور نظرة مختلفة عما كان متعارفاً عليه من باقى الأفراد. إذاً القيادة المبدعة تتحمل عدم الانتظام وتتحمل الخروج عن المألوف، وتتحمل أيضاً معاملات الآخرين الذين يخرجون فى سلوكياتهم اليومية عن الأطر النظامية نتيجة لفرط حماسهم وانشغالهم. ولذلك هذا التحمل قد يترتب عليه توفر مجموعة من الفرص التى تسمح للشخصية المبدعة.. بالاستعانة بمجموعة من الشباب المتحمسين ذوى الأفكار غير التقليدية، بالاستعانة بمجموعة من الأدوات أو رؤية الأمور واستخدامها بطريقة قد تكاد تكون مختلفة، اختيار قيادات مساعدة بها أو مرؤوسين يتسمون بتوفر الحماس وسرعة الحركة بما يمكنهم من نقل أفكارهم إلى حيز التطبيق، أيضاً التعبير من مكان إلى آخر، تحمل مسئوليات جديدة، قبول تحديات إضافية، تغيير نوع العمل، كل هذه قد من سمات الشخصيات المبدعة التى تستطيع أن تتكيف مع البيئات المختلفة.

النقطة الثامنة: القدرة على التكيف السريع الإيجابى..
هناك ثلاثة أنواع من التكيف.. التكيف الإيجابى، والتكيف التلقائى، والتكيف السلبى.. التكيف التلقائى نراه أحياناً فى رد فعل الجسم للمواقف الصعبة عندما نتعرض لحالة من القلق أو الخوف، فالجسم بطبيعته يفرز عرقاً زائداً، وهى جميعاً ردود أفعال تلقائية تساعد على التوازن مع الموقف، المثال التقليدى على ذلك هو مثال الحرباء التى يتغير لونها عندما تمر على بيئة لها لون معين، بيئة زراعية أو صحراوية، أو بيئة مشتركة ما بين الاثنين.. أما التكيف السلبى يقصد به أن الإنسان أحياناً يضطر إلى التكيف المتدرج والمستمر مع المواقف التى يعيشها إلا أن يفقد حساسية الانتقال من الحالة التى هو فيها إلى حالة أخرى يتمناها أو يفقد حساسية توقيت الهروب من الموقف الذى يوجد به أو ضرورة تغيير الحالة التى وصل إليها. والمثال التقليدى على ذلك أيضاً هو مثال الزوجين الذى يحرص كل منهما على بقاء الحال دون أن يحدث أى منازعات ويسعى كل منهما إلى إحداث حالة من التكيف والتوفيق بين ما يود أن يحققه، وبين ما يوجد فى الواقع العملى، ويستمر هذا التكيف من عام إلى آخر إلى أن يفقد أحدهما أو كلاهما الإحساس بتوقيت نقطة التحول فيستمر الأمر دون تغيير. ويستمر موقعهما دون تعديل إلا أن يكتشفا فى النهاية أنهما قد فقدا حياتهما ولم يعيشا بالطريقة التى تمنياها نتيجة للقدرة الفائقة على التكيف سلبياً فى الموقف.. النموذج الآخر للتكيف السلبى أيضاً هو ما قد نشهده من بعض العمالة الوافدة أو بعض المسافرين فى الخارج الذين يسعون إلى زيادة مواردهم المالية أو لحل مشكلاتهم العائلين مادياً. يستطيع المسافر أن يقرر فى البداية أنه سيعود خلال ثلاثة أو أربعة أعوام إلا أن قدرته على التكيف مع ما يواجه فى هذه البيئات أو فى ظروف العمل التى تتسم بالغربة وعدم اكتساب خبرة حقيقية، أو مواجهة بعض المشكلات النفسية من قبل الرؤساء فى العمل من موظفين. أو إحساسه بالبعد عن الأهل والأصدقاء قد تحوله إلى (نموذج متكيف مستمر متدرج، سلبى) يفقده فى النهاية الإحساس بالنقطة التى يجب عليه عندها أن يتخذ قراراً بالانتقال أو العودة وتغيير الوضع الذى وصل إليه، والنموذج التقليدى كذلك فى الواقع أو فى البيئة الطبيعية التى نحياها على التكيف السلبى، هو نموذج الضفدعة، ففى بعض التجارب عندما تضع هذه الضفدعة على موقد (بنز) الذى يوجد فى معامل الكيمياء والطبيعة فى المدارس والمعامل المتخصصة، نجد أن هذه الضفدعة لديها قدرة هائلة على تحمل التدرج فى ارتفاع درجات الحرارة وهى تستطيع أن تتكيف مع الارتفاع التدريجى كما لو أنها تتحدث إلى نفسها قائلة بأنه لا داعى للقفز إلى المجهول طالما أن لديك القدرة فى تحمل الارتفاع المتدرج فى هذه الحرارة، ولكن مع هذا التعود فى تحمل التدرج تصل إلى النقطة التى تحترق فيها هذه الضفدعة وتلتصق بسطح الموقد وعندها لا تستطيع القفز تماماً كالمغترب الذى لا يستطيع أن يعود لى بلده بعدما فات الأوان لكثرة الديون أو الأقساط أو لارتفاع مستوى الطموح (المادى) فيصعب عليه أن يعمل موظفاً مرة أخرى، فى بلد الإعارة لفقد صحته ويتعذر عليه أن يلتحق بعمل يسمح بأن يعين كفاءات 0متقدمة فى السن). أما التكيف الذى تسعى إليه الشخصيات الإبداعية فهو تكيف إيجابى بين الجمود وسرعة الحركة، هناك شخصيات تقليدية تتميز بالجمود وتسعى إلى حماسة نفسها داخل درقة يتم تشبيهها بدرقة السلحفاء التى تحميه من التغيرات البيئية وتحميها من الظروف الطبيعية، وأيضاً لا تتحرك إلا عندما تقدم رأسها إلى الأمام، وإذا احتفظت بها داخل هذه الدرقة فإنها سوف لا تتحرك، كذلك بعض المديرين الذين يشبهون فى حركاتهم حركة السلحفاة التى تتحرك ببطء والتى تستطيع أن تستقر فى مكانها فترات طويلة دون أن تشعر بها ودون أن تحاول هى أن تحرك ساكناً، وكلما قلت حركة هذه السلحفاة كلما زادت قدرتها على الاستمرار والبقاء على قيد الحياة دون أن تسعى إلى طلب طعام أو دون أن تسعى إلى تغيير موقعها، والذى تفعله هو محاولة تقليل حركتها حتى تتمكن من الاستفادة بما لديها من طاقة مختزنة قامت بتخزينها فى فترات الحركة وهى فترات الصيف، كلما قلت الحركة زاد عمر هذه الكائنات وليس بمستغرب أن نرى فى إحدى حدائق الحيوانات بسلحفاة قد وصل عمرها إلى أكثر من مائة عام وترقد على الأرض، واقترب شكلها من شكل أحد أنوع الصخور من كثرة ارتباطها بالبيئة أو بالنقطة التى تعيش عليها بهذا المكان. فى نفس الوقت هناك بعض الحشرات أو الطيور التى تتسم بسرعة الحركة بطريقة ملفتة للنظر وهذه السرعة فى الحركة كلما زادت عن حدها كلما ترتب عليها قصر عمر هذه الكائنات وليس ذلك بعيداً عن بعض الحشرات كالذباب وكالناموس والهاموش الذى قد يولد ويموت فى نفس اليوم من فرط كثرة حركته. الشخصيات القيادية لديها قدرة هامة وهائلة على إحداث (التكيف الإيجابى مع التغيير) الذى يحدث، فهى لديها حساسية لإدراك التوقيت الملائم للانتقال من الوضع الحالى إلى الوضع المستهدف ولديه أيضاً قدرة هامة على إحداث التوازن بين الجمود والاستقرار والتأمل والتفكير وتخصيص أوقات كاملة لعملية التأمل ولاتخاذ القرار وللقراءة وللإطلاع والنمو، وأيضاً لديها قدرة على سرعة الحركة واتخاذ القرار المناسب فى الوقت المناسب إذا ما تطلب الأمر ذلك.

النقطة التاسعة: تحمل التباين والاختلاف مع الآخرين..
يُعد تفهم أسباب وطبيعة التباين مع أراء وأفكار الآخرين من السمات الهامة التى قد تميز الشخصيات الإبداعية عن غيرها. فهناك العديد من الشخصيات التى لا يتحمل التباين والاختلاف عن رأيها وطبيعتها، بل أن أحياناً ما يصدر عن الشخص مجموعة من التعبيرات غير اللفظية والحركات الجسدية التى تظهر فور اختلاف رأى الطرف الآخر عن رأيه، كأن يعتدل فى جلسته أو أن يحرك حاجبيه، أو أن تبدو عليه بعض علامات الضيق وعدم الارتياح، بل كثيراً ما يقال أن المقعد الذى تجلس عليه يتحمل قدر تحمل عقلك بالاختلاف مع الآخرين، ويعنى ذلك المثل بأنه بمجرد أن يتعرض الفرد إلى اختلاف مع طرف آخر فإن ذلك ينعكس فوراً على طريقة جلسته وحركة يديه وحركة جسده بصفة عامة. أما الشخصيات الإبداعية كثيراً أو غالباً ما تعتبر التباين عن الطرف الآخر أو اختلاف الآخرين عنه أمراً طبيعياً إلى حد أن يصل بهم الأمر إلى اعتبار التناقض أمر طبيعى. فهذه الشخصيات تبحث مبدئياً عن مجالات الاتفاق وتدرك أن الاختلاف يكاد يكون من اكتمال الربوبية كما ورد فى كتاب (ابن قيم الجوزيه) عن صفات الإلوهية والتباين.. فالله عز وجل له مجموعة من الصفات الحسنى التى تكاد تكون المتباينة بعضها عن البعض الآخر (كالمعز/ المذل، والخافض/ الرافع، المحيى/ المميت، الظاهر/ الباطن، الأول/ الأخر) إلى آخره من هذه الصفات التى تعكس هذا القدر من التباين.



النقطة العاشرة: تحويل الأزمة إلى فرصة..
تتميز الشخصيات الإبداعية عادة بالبحث عن الفرصة حتى ولو كانت وسط مجموعة من المتغيرات التى تبدو من الوهلة الأولى أنها تنبئ عن وقوع أزمة. فلا تلجأ الشخصية الإبداعية عادة إلى تصعيد المواقف المتوترة وإنما إلى تهدئتها بحثاً عن إمكانية الاستفادة منها. ومعتمدة على أن تعتمد إلى ما يطلق عليه (أسلوب التهدئة) بمعنى الانتقال من حالة الكارثة إلى الأزمة، ومن الأزمة إلى المشكلة، ومن المشكلة إلى حادثة، ثم من الحادثة إلى حدث. بمعنى أنها لا تلجأ إلى اتباع (أسلوب الذروة) وإنما يسير فى تفكيرها ما يطلق عليه (عكس الذروة) أو تحيل المشكلة المتضخمة إلى مشكلة هادئة مما يسمح بإمكانية التفكير. وتحويل الأزمة إلى فرصة، تلك الفرصة التى تنبع أساساً من المشكلة بأن تصل إلى الحل من خلال رؤيتها وتحليلها للمشكلة تماماً كما فعل الجيش المصرى عندما حول قناة السويس كحاجز مائى يمنعهم من العبور، إلى أداة لعبور قناة السويس والانتقال إلى الجانب الآخر من القناة، وهدم خط بارليف من خلال استخدام هذا الحاجز. وهنا يوجد تمرين شهير يعكس هذه الحالة، وهو إمكانية الاستفادة من المشكلة وإمكانية تحويلها إلى فرصة والتعلم منها قدر الإمكان وهو ما يطلق عليه تمرين حرف l وهو من التمارين الشهيرة الذى يدرس لقياس درجة إبداع القيادات الإدارية، البحث دائماً عن الفرصة هو نتيجة طبيعية لطريقة التفكير وإلى القيم التى تحكم الفرد وإلى الرؤية التى يتسم بها القائد الغدارى، فالتفكير الإدارى والبحث دائماً عن إيجاد قيمة مضافة والتعلم المستمر من الأخطاء والقدرة على التماسك وسرعة الاستفادة من الأزمات والمشاكل الإدارية والنفسية قد تجعل الإنسان أكثر إيجابية فى البحث عن الفرص حتى ولو كان ذلك فى وسط مناخ عام من التشاؤم والمشاكل الحادة. وهناك من القيادات السياسية التى استطاعت أن تستثمر هذه الأشياء، ولعل حداثة محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر بالإسكندرية عام 1954، وإطلاق الرصاص عليه وهى تعد فى حد ذاتها أزمة هامة وخصوصاً أنها أتت فى بداية مرحلة توليه الحكم فى مصر فى ذلك الوقت. إلا أنه استطاع أن يحول حرب 1956 وهو العدوان الثلاثى على مصر من خلال خطابه فى الأزهر الشريف وحوله من أزمة إلى فرصة لتدعيم زعامته القيادية.

النقطة الحادية عشر: التفكير والأداء بجهد 1%..
كثير من الأمور التى نتعامل معها فى حياتنا اليومية أو فى حياتنا الإدارية يمكن إنجازها بطرق عديدة، وغالباً ما يميل الفرد إلى أن يتوخى الدقة والحرص إلى درجة قد تجعله فى النهاية ضحية المصيدة، يطلق عليها (مصيدة التدقيق أو الإفراط فى الدقة، أو الدقة المفرطة) وهى أنه يسعى لخلو عمله من أية أخطاء، وعندئذ ينتهى العمل بلا أخطاء.. ولكن قد ينهى أيضاً مع نهاية هذا العمل فرصة من الفرص أو تضيع عليه وعلى منشأته إحدى الفرص التى كان يستوجب الأخذ بها، ولكنها ضاعت نظراً لضيق الوقت والانشغال بالإفراط فى التدقيق، وهو ما يتعارض مع الفكر الابتكارى الذى يتسم بالسخاء وبالوفرة وبعدم التركيز على الحاضر والرؤية المستقبلية، وبعدم بذلك الجهد الشاق عندما يمكن التفكير بطريقة أكثر إيجابية وأكثر حركية، فإنها لا تعمل بمنطق الـ 99% وإنما تعمل بمنطق الـ 1% ويقصد بذلك أن هناك العديد من الأمور التى لا يتحول وضعها أو حالتها من حالة إلى أخرى إلا عند نقطة الـ 100% بمعنى أن الأمور ستبقى على حالتها إذا ما وصلنا أيضاً أو إذا ما بذلنا الجهود بدرجة 99% ولكن عندما يكتمل الوضع ونضع اللمسة الأخيرة أو نقطة التحول المستهدفة وهى التى تمثل 1% وعندئذ يحدث التحول ويأتى هذا التحول بطريقة مفاجئة وتكاد تكون مذهلة. فالماء لا تتحول حالته من حالة السائل إلى حالة البخار إلا عند درجة غليان 100% أو ما يجاوز ذلك ولكن عند درجة حرارة 98 و 99 لا يعنى تحول الماء قد تكون فى مرحلة الغليان، ولكن لا يعنى تحولها إلى بخار، وكذلك حالة التجميد لا تصل إلى حالة من التجميد وهى عند درجة 1% وإنما إذا وصلت إلى صفر وإلى درجات أقل من ذلك تبدأ حالة المياه من حالة سائلة إلى حالة صلبة أيضاً قد تكون من الفروق الجوهرية بين الشمبانزى وهو أقرب المخلوقات إلى الإنسان وبين الإنسان بالإضافة إلى الفروق الشكلية العديدة المعروفة، وقد يكون من بين الفروق هو اختلاف فى الجينات الموجودة فى يد الإنسان عن يد الشمبانزى بنسبة لا تزيد عن 1% من الجينات التى توجد لديه، ولعل هذا الفرق الواحد فى المائة هو الذى قد يمكن الإنسان من أنه يسيطر على الكتابة ويستطيع أن يستخدم أصبع الإبهام بصورة أكثر عملية، هذا الأصبع الذى يمثل حجر الزاوية فى قدرة الإنسان على التعامل مع معطيات الحياة بصورها العديدة، وأيضاً هناك من القيادات من يبذل جهداً شاقاً لتحقيق هدف، وهناك من القيادات الأخرى من يتحرك بسلاسة ورشاقة لتحقيق أهدافه تماماً كما الفرق بين من يحاول رفع سيارة بيديه فيجمع لذلك حشداً كبيراً لمساعدته فى نقل سيارة من مكان إلى آخر، وبين من يأتى برافعة السيارة التى قد لا يزيد وزنها عن كيلو جرام واحد ولكنها قادرة على أن ترفع سيارة وزنها 2 طن من مكان إلى آخر. وبالتأكيد فإن هذا الفرق لابد أن ينعكس على طاقة الشخص الإبداعى الذى لديه قدرة على ترشيد طاقته وتوجيهها فى المسارات السليمة وعدم هدرها فى مسارات سلبية وما يترتب عليه فى النهاية عدم تحقيق الهدف. لذلك وباختصار فإن الشخصيات الإبداعية لا تفكر فى بذل الجهد قدر ما تفكر فى تحقيق النتيجة، فليست العبرة بأن يتحول هذا الشخص إلى محطة لاحتراق الوقود، ولكن العبرة بأن يتحول إلى نقطة إشعاع لمن حوله من خلال التجارب التى يقدمها للآخرين وللمجتمع بصفة عامة..

تلك هى أهم سمات الشخصية الإبداعية، وهى بعض وليست فى مجملها راجعة إلى الخصائص التى تميز سلوكها وتصرفاتها الوراثية وليست من الصفات المتوارثة أو التى لها علاقة مباشرة بصفات وراثية بقدر ما يمكن التعود عليها، واكتسابها، ومحاولة تنشئة الأبناء والمديرين الجدد على هذه القيم والمفاهيم من خلال أساليب من التدريب وأساليب من التنمية البشرية والإدارية. إن هروب (أينشتاين) من زنزانة الطالب المطيع فى بداية حياته هى التى مكنته من أن يصبح أينشتاين.. فعلى كم منا أن يبحث دائماً عن الفرصة التى توجد بداخله وعليه أن يبحث بنفس الدقة والدرجة على الفرصة التى توجد بخارجه. ونقطة البداية بالتأكيد ليس هى الفرصة التى توجد خارجنا، وإنما هى الفرصة التى توجد بداخلنا، فإذا تمكنا من إطلاق الطاقات الكامنة وحررنا أنفسنا من بعض القيود التى فرضت نفسها علينا من خلال تجارب سلبية ماضية قد نستطيع عندئذ أن ندرك إلى أي حد نستطيع أن نطلق هذه الطاقات الكامنة ونستثمر كل هذه الإبداعات التى توجد بداخلنا. ونتخلص من بعض الأفكار السلبية التى لم نجن من ورائها سوى تجارب جديدة من الفشل والإحباط واليأس.

بقلم : الدكتور عبدالرحمن توفيق
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 16-06-2011, 07:33 PM
سلام الحاج سلام الحاج غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2011
الدولة: بيروت
المشاركات: 157
افتراضي مقالة ممتازة في الطريق الى الابداع شكرا لك ابو خالد


مقالة لفتت انتباهي في روعة مضمونها وغنى معانيها
حفظتها عندي في ملفاتي .. اشكرك ابو خالد
شكرا لك كثيرا وشكرا لكاتب المقالة الدكتور عبد الرحمن توفيق

استوقفتني وافادتني هذه الكلمات المهمة :
اقتباس:
فعلى كم منا أن يبحث دائماً عن الفرصة التى توجد بداخله وعليه أن يبحث بنفس الدقة والدرجة على الفرصة التى توجد بخارجه. ونقطة البداية بالتأكيد ليس هى الفرصة التى توجد خارجنا، وإنما هى الفرصة التى توجد بداخلنا، فإذا تمكنا من إطلاق الطاقات الكامنة وحررنا أنفسنا من بعض القيود التى فرضت نفسها علينا من خلال تجارب سلبية ماضية قد نستطيع عندئذ أن ندرك إلى أي حد نستطيع أن نطلق هذه الطاقات الكامنة ونستثمر كل هذه الإبداعات التى توجد بداخلنا. ونتخلص من بعض الأفكار السلبية التى لم نجن من ورائها سوى تجارب جديدة من الفشل والإحباط واليأس.


سلام الحاج
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 17-06-2011, 12:01 PM
ليالي ليالي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Mar 2006
الدولة: الكــويـت
المشاركات: 2,225
افتراضي

ابو خالد

راائع طرحك المفيد

شكرا وجزااااااك الله كل خير

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الإسعـافـات الأوليـة للأطفــال الليدي اوسكار منتدى الأسرة والمجتمع 8 27-09-2016 12:21 AM
تقرير شامل ومفصل عن الأسرى في السجون " الإسرائيلية مصرى انا سياسة وأحداث 6 02-10-2010 07:56 PM
الاعتداء العاطفي على الطفل قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 6 27-06-2010 02:43 AM
باقة من الإسعافات الأولية أم بشرى منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 25-01-2010 05:46 PM
العلاج الشامل للنطق واحــد من الناس منتدى العلوم والتكنولوجيا 5 21-07-2001 04:12 PM


الساعة الآن 12:29 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com