عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > منتديات الشؤون السياسية > منتدى العلوم السياسية والشؤون الأمنية

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع
  #26  
قديم 19-01-2007, 03:08 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي




هـ- الميل إلى الخلاف والصراع

اقتضت حكمة الله تعالى أن تختلف آراء الناس وأفكارهم في أمور الحياة، وسبب ذلك أنهم خلقوا أساسا مختلفين في الأمزجة والميول والرغبات، وهذه حقيقة لايدركها إلا أصحاب العقول السليمة. والإنسان العاقل هو الذي يؤمن ويسلم بالاختلافات بين الآراء والاتجاهات لدى الناس حول مختلف أمور الدين والدنيا. وفي ظل هذا الأيمان تجده يتجه إلى البحث عن نقاط التوافق و الائتلاف ويبتعد ما أمكن عن مثيرات النفور والاختلاف.

إن الفكر السـوي يُسلم بتعدد الأبعاد والرؤى ويعمل على التواصل مع الآخرين والانفتاح على العالم، والإفادة من خبراته وأفكاره دون صراع أو تسفيه، في الوقت الذي ينزع فيه الفكر المنحرف إلى الخلاف والصدام مع الآخرين عند ظهور طيف أي خلاف.

ويقدم الماضي والحاضر أمثلة على مظاهر الفكر المنحرف المتسم بالخلاف والصراع. ففي الماضي على سبيل المثال برز الفكر الماركسي الذي يؤمن بحتمية الصراع بين الأقلية المالكة (الرأسمالية) وبين الأغلبية التي لا تملك (العمال) ووفقا لهذا الفكر فإن هذا الصراع سينتهي عن طريق الثورات الاجتماعية التي تقودها الأغلبية الخادمة للقضاء على الأقلية المخدومة.

وقد برز فكر الخلاف والصراع مرة أخرى في العصر الحديث عندما أعلن عالم السياسة الأمريكي صامويل هانتنجتون Samuel P. Huntington في كتابه "صدام الحضارات" بأن العالم على حافة صدام حضارات بين جماعات ثقافية رئيسية من بينها شرق آسيا والإسلام والغرب. ويرى: أن هذه القوى محصورة داخل تضاد فيما بينها لا فكاك منه بسبب الاختلافات التي لا يمكن التوفيق بينها من حيث القيم والنظرة إلى العالم، مما ينتج عنه فوارق مجتمعة كبيرة جدا تؤدي مستقبلا إلى نزاعات ثقافية واقتصادية وسياسية بين تلك المجتمعــات ويتنبأ هانتنجتون: بأن الصراع حتمي لأن النفوذ النسبي للغرب آخذ في الانخفاض بسبب التقدم الاقتصادي في الشرق الأقصى والزيادة السكانية للإسلام وعليه فإن مستقبل العالم لن يكون آمنا للديمقراطية وللأسواق .

وقد برزت النزعة إلى الخلاف والصراع في فكر "تنظيم القاعدة" وزعيمه أسامة بن لادن حين جاء في كلمته التي ألقاها عقب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، بان العالم قد تمايز إلى فسطاطين: كفر وإيمان.

و- التناقض الفكري - السلوكي:

يعد الاتساق الفكري – السلوكي مؤشرا للشخصية السوية حيث يبرز الاتساق بين القول والعمل، فمن يحترم القوانين هو أول من يحافظ عليها ويطيعها، ومن يحذر من التدخين هو من الكارهين له. وفي المقابل فان التناقض الفكري السلوكي من سمات الشخصية المرضية. وقد كان هذا التناقض شأن المنافقين في صدر الإسلام حيث وصف الله تعالى شخصية المنافقين بعدم الثبات في الفكر والسلوك مثل إخفاء مشاعر الكراهية للمسلمين وإظهار الإيمان إذا وجدوا بين بينهم ، والإكثار من الحلف لأجل تصديقهم. كما إنهم يؤدون العبادات رياء وعن غير اقتناع وإذا قاموا للصلاة قاموا كسالى.

ومن التناقض الفكري- السلوكي أن يدعو الإنسان غيره إلى الخير ولا يفعله وينهى غيره عن المنكر ويفعله.

ويتمثل الانحراف الفكري في التناقض الصارخ بين ما يعلن وبين ما يسر. وهو ما عبر عنه حديث النبي ـ صلى الله عليه وسـلم ـ " لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا، فجعلها الله هباء منثورا " قال ثوبان: يا رسول الله، صفهم لنا، جلهم لنا أن نكون منهم ونحن لا نعلم. " أما أنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذونه – ولكـنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها" .

وقد كان الرسول ـ صلى الله عليه وسـلم ـ أعلى الناس صوتا ومعارضة ضد الخوارج الذين كانوا على منهج عقائدي منحرف رغم شهادته لهم بكم العبادة والتي لم تغن عنهم شيئا بسبب بعدهم عن المنهج الحق وتعارض سلوكهم مع أفكارهم، فقد قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم: " يخرج قوم من أمتي، يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم بقراءتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية " .

ومن أمثلة الفكر المنحرف في تناقضه الفكري والسلوكي عندما نجد من يدعي حب الوطن والاعتزاز بالانتماء إليه والتضحية في سبيله، ثم تراه يفجر مبانيه ويدمر مؤسساته ويروع أهله والمقيمين على أرضه.

ز- أحادية العقلية (عقلية البعد الواحد)

أحادية العقلية هي مجموعة من الخصائص المعرفية والمزاجية التي تشكل سلوكا متسقا يتعارض مع قبول التنوع ويرفض البدائل ويتجنب الجديد ويتحرك وفق مسارات صارمة ويعزل صاحب هذه العقلية نفسه عن مجتمعه ويكرس نفسه لأهداف ضيقة ومحددة. وتتوافق هذه الخاصية مع خصائص الفكر المنحرف من حيث إنه لا يبحث عن أساليب تفكير جديدة، ولا يتوقف عند تنوع الاختيارات المتاحة. كما أن الفكر المنحرف يتناقض مع ثراء الحياة الإنسانية بما تتضمنه من تنوع وعمق وتفاعل وخصوبة .

والفكر المنحرف كذلك يحيد بصاحبه عن المنهج الفكري السليم، ويسير به نحو متاهات مغلقة فهو ذو عقلية واحدة لا يرى في الواقع إلا بعد واحد من أبعاد الحياة المختلفة. فهو كالفأر الذي يتدرب على السير في متاهة مغلقة حيث ينطلق من بدايتها إلى نهايتها بسرعة ودقة دون أن يبحث عن مسارات جديدة أو يتوقف عند تنوع الاختيارات، فهو ينطلق بتلقائية ولا يحتاج لتغيير اتجاهه فهو لا يخطئ الطريق ولا يبطئ السير إذ لا يرى إلا نفقا واحدا متصلا يؤدي به إلى هدفه.

إن أحادية العقلية أو أحادية البعد الواحد لا ترى إلا نصف الحقيقة وتحجب عن صاحبها النصف الآخر، فهي بذلك معوق أساسي للشخصية والتفكير. وصاحب هذه العقلية لا يستطيع أن يدرك ثراء البدائل والتنوع والتباين. فهو يتبع خطا أحاديا متسقا ومتصلبا في عادات العمل أو أساليب التفكير أو في الابتكار والاتجاهات حول أمور الحياة المختلفة. وهذا النمط الفكري لا يجدي معه حوار أو نقاش فهو صعب التغيير والتعديل، لا يستطيع أن يدرك الدرجة الرمادية بين الأبيض والأسود فهو فاقد للمرونة والتسامح والتقبل.

ح - أحادية الرؤية (عقلية الرؤية الواحدة)

من مظاهر الانحراف الفكري الارتباط برؤية منغلقة إزاء القضايا والمشكلات سواء على المستوى الشخصي أو العام، حيث العجز عن استيعاب ما يدور في العالم من تحولات بالغة الحدة وكيفية مواجهة هذا السيل المتدفق من تعددية في الفهم والاتجاهات والنماذج. وهو من أنواع الانغلاق الفكري وما يتضمنه من نظرة اقصائية من حيث استبعادها للرأي الآخر بمختلف الطرق والوسائل. بينما يتميز الانفتاح الفكري بنظرة تعايشيه من حيث إيمانها بضرورة التعايش مع الآخر.

إن استبعاد الآخر خاصية أصيلة من خصائص الرؤية الأحادية أو المغلقة باعتبار إن الذي يتصور امتلاكه وحده للحقيقة المطلقة يتعذر عليه التعايش مع الآخر .

وفي مقابل الرؤية المنغلقة هناك الرؤية المنفتحة التعددية التي ترى في التعددية مصدر ثراء واقتراباً للوصول إلى الحقيقة بدلا من الضيق بالرأي المخالف إلى الحد الذي يدعو إلى استبعاده بل تصفيته.

ط - النزعة إلى العداء والانتقام

الفكر المنحرف عادة ما يكون خشناً فظاً ومجادلاً وذا نزعة إلى الصدام مع الفكر الآخر. وعندما تجتمع الأفكار المنحرفة مع العدوانية والتقلب والاندفاعية فإن احتمال ظهور العدوان والسلوك العنيف المضاد للمجتمع تبقى مرتفعه. وتشهد كثير من الوقائع بتكرار فرض أصحاب الانحراف الفكري لأفكارهم وتوجهاتهم بالقوة دون الاهتمام باقتناع الطرف الآخر.

ويمكن القول أن كل جريمة (إرادية) على الأرض تسبقها أفكار شريرة في الدماغ فالسيارات أو البنايات المفخخة نتيجة تلقائية لأدمغة مفخخة في صور التفجير والتدمير وأفكار مصبوغة بألوان الكراهية والانتقام .

إن الانحراف الفكري يؤمن بأن لا سبيل إلى توصيل رسالته وإثبات وجوده إلا من خلال العنف، وقد يبدأ الفكر المنحرف بمفاهيم براقة مقبولة ولكنه سرعان ما ينحرف ويتبنى مسالك شريرة مدمرة للفرد والمجتمع. ومثال ذلك عندما بدأت جماعات الإرهاب والتطرف في بعض الدول العربية الإسلامية بمفاهيم مقبولة مثل الأمر بالمعروف وإنكار المنكر ونصح الحاكم وإحياء الجهاد ثم انتهت إلى الخطف والقتل والتفجير والتدمير.

وعادة ما يستخدم الفكر المنحرف في خطابه مفردات التهديد والوعيد والانتقام المقرونة بالثقة المفرطة بالذات. ومن أمثلة تلك الخطابات ما جاء في النشرات الإعلامية لتنظيم القاعدة على سبيل المثال بعد أن أحبطت قوات الأمن السعودية محاولة لتفجير أحد المباني في العاصمة الرياض (ونقول لعموم المسلمين، ابشروا بما يسركم في دينكم ودنياكم وأن وقفتكم الشجاعة مع المجاهدين لن تضيع بإذن الله. وسوف ترون منا ما يسركم يوم أن ننتقم لكم مما ظلمكم. فابشروا وأملوا. فإن قوة المجاهدين لا تقهر، وحزبهم لا يهزم وكان بالإمكان تكبيدهم خسائر فادحة، وتلقينهم دروسا محكمة ولكننا نستأني بهم، لعلهم يتوبوا ويراجعوا أنفسهم.) .

ي - الرفـض:

قد يكون الرفض المبني على مبررات غير موضوعية أو منطقية للمواقف والأحداث دليل اعوجاج فكري عن الحق والمنهج السليم. فالحكم الاستبدادي الرافض للمشاركة الشعبية، أو الاشتراكية الرافضة لحقوق الفرد وملكيته نماذج حية للفكر المنحرف المتسم بالرفض والمعارضة. وقد يرفض الإنسان الحكمة والرأي الصائب عندما يأتيان من مصدر غير محبوب له. إلا أن رفض الحق مع وضوحه من مظاهر الانحراف الفكري خاصة إذا كان مدفوعاً بعوامل الكبر والاستعلاء والاعتزاز بالإثم والخوف من الظهور بمظهر المخطئ.

4 - أسباب الانحـراف الفـكــري

قد يتعدد شكل الانحراف الفكري و حجمه و اتجاهه إلا أن العامل الحاسم في كل ذلك هو أسباب هذا الانحراف ودوافعه، وهي دوافع متعددة ومتنوعة منها ما هو فكري في الأساس ومنها ما هو نفسي واجتماعي وبعضها الآخر سياسي واقتصادي. وسوف نشير إلى أهم هذه الأسباب والتي قد تساهم بشكل أكثر من غيرها في تكوين الفكر المنحرف وانتشاره. ومن أهم تلك الأسباب ما يلي:

أ- الغـــلو والتطرف

يظهر الانحراف الفكري أحيانا في درجات متطرفة في الكم والكيف. ويشير هذا التطرف إلى اضطراب في مستوى ومحتوى التفكير لدى الأفراد والجماعات نحو الأشياء والآخرين. والتطرف أو الغلو هو مجاوزة الحد في كل شيء، فإذا كانت في السعر فهي غلاء، وإذا كانت في المكانة فهي غـلو، وإذا كان في الفكر فهي انحراف.

ولعل السـؤال هو كيف يكون الغلو والتطرف سببا في انحراف الفكر عن الحق والصواب ؟. والجواب هو أن الغلو والتطرف يدفع إلى عدم الاعتراف بالرأي الآخر وبحقه في الخلاف إضافة إلى مصادرة اجتهاداته في المسائل، أو القضـايا الخلافية والمحتملة. "ويزداد الأمر خطورة حين يراد فرض الرأي على الآخرين بالعصا الغليظة، وهنا قد لا تكون العصا الغليظة من حديد أو خشب فهناك الاتهام بالابتداع أو الاستهتار بالدين، أو الاتهام بالكفر أو المروق من الدين، وهذا إرهاب فكري أشد تخويفاً وتهديداً من الإرهاب الحسي" .

والغلو والتطرف في التفكير سبب للانحراف عن السواء، ويدفع هذا الغلو في التفكير إلى مسالك متعددة منها: سوء الظن بالآخرين والحكم السلبي المسبق والحاد على ما يحملونه من أفكار أو آراء، وتجاوز الحدود في الإنكار على المختلف معه، ومجانبة التدرج المنطقي في الأمور، والوقوف على ما يمكن تجاوزه، والميل إلى أصعب الحلول وأبعدها مع وجود الأسهل والأقرب.

والغلو والتطرف يؤدي إلى انحراف فكري عقائدي فقد وجد انحراف في فهم النصوص الشرعية عند بعض الفئات من أبناء الأمة الإسلامية الذين اشتطوا في فهم النصوص الشرعية ففسروها على غير وجهها الصحيح , وهذا الأمر جعلهم يتشددون، ويغالون في ذلك فيحكمون بالفسق والضلال على من خالفهم حتى ولو كان من كبار الصحابة . الأمر الذي حدا بهم إلى التكفير الذي قادهم بعد ذلك إلى قتل اثنين منهم وهما عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما .

ومن جانب آخر , فإن الغلو والتطرف يؤدي إلى انحراف فكري عن الفهم الصحيح للأمور , ومن أمثلة ذلك عدم فهم القرآن حيث وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم -الخوارج بعدم فهم القرآن وان قراءتهم له لا تتجاوز حناجرهم ، أي أنهم لا يفهمون معانيه ومقاصده ولا يتدبرون آياته ، وعدم فهمهم للقرآن يجعلهم يأخـذون آيات نزلــت في الكفار، فيحملونها على المسلمين ويتبعون متشابهات القرآن كاستشهادهم على إبطال التحكيم بقول الله سبحانه " إن الحكم إلا لله" .

ولعل من مؤشرات التفكير المعتدل حُسن عرض الأمور والأفكار والرفق في طلب الحاجات والأشياء من الآخرين. إلا أن هذا الحال قد يختلف عندما يسود الغلو والتطرف, فينقلب الفكر المعتدل إلى فكر أعوج، والسلوك السوي إلى سلوك فظ غليظ يفر الناس من صاحبه ويتجنبوه. وهذا ما حذر الله -عز وجل- رسوله منه في قوله "ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك" . و هذه الغضاضة في السلوك والاعوجاج في التفكير هو ما أقدم عليه ذي الخويصرة التميمي في اتهامه للنبي - صلى الله عليه وسلم - بعدم العدل. فمن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال " بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم قسما , أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم , فقال يا رسول الله اعدل. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " ويلك ومن يعدل إن لم أعدل , قد خبت وخسرت إن لم أعدل" . فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه : يا رسول الله أذن لي فيه أضرب عنقه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم , يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم , يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"

ويتسبب الغلو والتطرف في السقوط في هاوية التفكير وهو انحراف فكري آخر في تصنيف الناس والحكم عليهم. ويبلغ هذا الانحراف في إسقاط عصمة الآخرين واستباحة دمائهم وأموالهم واتهام الناس بالخروج عن الإسلام أو عدم الدخول فيه أصلا، وهذا ما وقع فيه الخوارج في فجر الإسلام والذين كانوا من أشد الناس تمسكا بالشعائر التعبدية صياما وقياما وتلاوة للقرآن الكريم ولكنهم أتوا من فساد الفكر لا من فساد الضمير

وفي ظل الغلو والتطرف يبرز الانحراف الفكري في فهم الطبيعة الإنسانية وهو ما يتعارض مع سماحة الشريعة الإسلامية، وإدراكها لقدرة الإنسان ووسعه ومواطن قوته وضعفه. فجاءت الرخص تخفيفًا للعباد وتيسيراً عليهم. وقد نهى الشارع أن يغلو الإنسان فيشدد على نفسه.
فقال عز وجل { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } (77) المائدة.

ويعد الإسراف في التحريم بغير دليل انحراف فكري مرجعه الغلو والتطرف. وقد جاءت نصوص قرآنية متعددة تستنكر تحريم ما لم يحرمه الله من زينة الله التي أخرجها لعباده. ومن تلك النصوص.

قوله تعالى: { يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } (31) الاعراف .

وقوله تعالى:{ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } (32) سورة الاعراف.

وقوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } (87) الاعراف .

إن هذا التحريم للحلال هو أصل من أصول الضلال. حيث تحريم ما لم يحرمه الله , وهو غلو واعتداء لقوله تعالى: { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } (190) البقرة

ب- سوء التنشئة الاجتماعية

تعد الأسرة النواة الأساسية للمجتمع والتي في أحضانها ينعم الطفل بالعناية والرعاية والحب والأمان ، فهي المكان الطبيعي الذي يحتضن الفرد في طفولته وحتى شبابه فهي كالجسر الذي تعبر عليه خصائص الثقافة لأية أمة إلى أفرادها في حين أن أساليب المعاملة والتنشئة الوالدية هي تلك العربة التي تسير على هذا الجسر وتنتقل القيم والاتجاهات والمعتقدات للأفراد.

وتعتبر أساليب المعاملة الوالدية التي يتعامل بها الطفل ذات تأثير بالغ في تكوين شخصيته في المستقبل ذلك لأن الطفل في فترة السنوات الأولى يتعلم الكثير من الخبرات التي تساعده على النمو السليم، فإذا عومل معاملة سليمة تتوافر فيها الاحترام والتقدير والعطف استطاع أن ينمو نموا سليما صحيحا يتميز بالقدرة على التكيف مع نفسه ومع مجتمعه. أما إذا كان يعيش في جو يسوده العداء والإحباط وعدم الوفاء بالوعود فإن كل ذلك يؤدي إلى خلق مشاعر القلق وعدم الطمأنينة. ويرى بعض الباحثين أن هذه الأساليب تنقسم إلى فئتين: موجبة وسالبة، تدور الأولى الموجبة حول التقبل، في حين أن الرفض هو محور الأساليب السالبة.

وتعتبر الأساليب الوالدية السلبية مهيأة للاضطرابات النفسية والانحرافات السلوكية والفكرية لدى الأبناء . ولعل من أخطر الأساليب الوالدية السلبية الرفض والقسوة والتدليل الزائد حيث ضيق صدر الأباء والأمهات من أبنائهم ، ومعاملتهم كالغرباء ونقد الوالدين الدائم لتصرفات أبنائهم والعقاب لأتفه الأسباب وعدم التغافل عن الأخطاء .

وتشير كثير من البحوث إن سوء المعاملة الو الدية للأبناء تحدث شروخاً وشقوقاً وضعفاً في جوانب شخصية الأبناء يظهر انعكاسها في الفكر والسلوك، وقد يؤدي بالابن إلى الخوف أو الانتحار أو مقاتلة الوالدين أو إلى ترك البيت مما يعانيه من القسوة والمعاملة الأليمة . وقد وجد أن معظم المشاركين في أحداث التفجيرات التي حدثت في المملكة العربية السعودية والكويت هم ممن انفصلوا عن أهلهم وتمردوا عليهم وخرجوا من بيوتهم منذ فترة طويلة .

وقد تبين من خلال نتائج الدراسات الميدانية التي أجريت في الإصلاحيات ودور الملاحظة في المملكة العربية السعودية على سبيل المثال أن نمط المعاملة الشائعة لمرتكب الانحرافات والجرائم يقع بين طرفي نقيض، فأما معاملة تتسم بالقسوة والشدة أو معاملة تتسم بالتدليل وعدم الاهتمام، فقد ذكرت نتائج بحث عن متعاطي المخدرات أن (33.2%) من المتعاطين كان آباؤهم يعاملونهم بصرامة وحزم . وذكرت دراسة أخرى متخصصة بجرائم النساء في سجون الرياض وجدة والدمام أن (60%) من النساء المحكوم عليهن يعاملن أبناءهن بقسوة ويجبرونهن على الطاعة حتى ولو كان الأمر غير مقبول .

وإضافة إلى سوء المعاملة الوالدية تجاه الأبناء فان المشكلات الأسرية كالطلاق والغياب الطويل للأب عن البيت المعاناة الاقتصادية للأسرة لها علاقة في انحرافات الأبناء الفكرية والسلوكية . ولعل من الحق القول أن الابن عندما يفقد النموذج الأبوي و البيئة الأسرية الآمنة فإنه سيبحث عن نموذج أو بيئة أخرى في الخارج.

ج- هامشية المؤسسات الاجتماعية

تعتبر المؤسسات الاجتماعية مصدرا هاما من مصادر الاتجــاهات والمعلومات والمعتقدات. وأول هذه المؤسسات هي الأسرة فهي المحضن الأول للإنسان ، والذي فيه يولد وينشا ويكتسب المثل والأخلاق والقيم. وتعتبر المدرسة المؤسسة الاجتماعية الثانية التي يبدأ اتصالنا بها في مرحلة مبكرة من الحياة، وبالإضافة إلى المدرسة هناك المؤسسة الدينية ويمثلها المسجد وماله من مكانة عظيمة في الإسلام باعتباره رمز الأمن والاطمئنان وتعلم العلم والتفقه في الدين والدنيا، ومجمع الأمة في الجمعة والجماعة، ثم وسائل الاتصال الجماهيرية من صحافة وإذاعــة وتلفزيون .

وتسعى بعض المؤسسات الاجتماعية إلى تحقيق أهدافها التربوية والاجتماعية والروحية. ولكن ليس كل تلك الموئسات تنجح في وظيفتها وأداء دورها المطلوب. فقد تسهم بعضها كالمدرسة مثلا بشكل أو بآخر في نشوء الانحراف السلوكي أو الـفكري لدى الفـرد. إذ تعتبر سوء معاملة بعض المدرسين لتلاميذهم أحد عوامل النفور من المدرسة. ويلعب تساهل المدرسة نحو غياب الطلاب أو ضعف العلاقة بين البيت والمدرسة دورا كبيرا في انحراف الطلاب ودفعهم إلى السلوك العدواني مثل التخريب والسرقة والعنف.

ومن جانب آخر ، فان عدم تفعيل دور المسجد يسهم في تنمية الفكر المنحرف المتطرف . وعندما يطغى الجانب الانفعالي في الخطاب الديني على حساب الجانب العلمي العقلي، إضافة إلى التركيز على أفضل ما في الماضي وأسوأ ما فـي الحاضر ، فإن من شأن هذا أن يشيع جوا من اليأس والإحباط والرغبة في إحداث التغيير بطرق بائسة ويائسة .

كما أن انشغال الخطباء والوعاظ بالمسائل الشكلية شكل ضرراً للإسلام وإن لم يقصدوا ذلك حيث أصبحوا سببا في صد الناس عن المساجد وإبعادهم عنها بسبب جهلهم، وعدم نفعهم للمسلمين بما يطرحون من أفكار فجة، ومفاهيم بعيدة عن آلام وآمال الناس وتطورات الحياة خصوصا بالنسبة للشباب اليافع الذي يتطلع إلى المفاهيم التي تملا نفسه بالرضا، والقناعة لا المفاهيم البائدة المشككة بجدارة الإسلام الحنيف، وقدرته على مسايرة تطورات الحياة .

د - بيئات التوتر والصراع

لكل شيء مقومات يقوم عليها، وبيئة ينمو فيها، ومناخ ينشأ عليه ويعيش فيه. وهذه المقومات من بيئة ومناخ هي التي تهيئ الأسباب لحدوث الأشياء سواء كان الحدث يتعلق بالجماد أو النبات أو الحيوان أو الإنسان. ويمكن القول: أن الأحداث الاجتماعية والسياسية والفكرية تولد وتحيى من خلال بيئة ومناخ مناسب ، وقد تكون هذه البيئات جماعات أو مناطق أو كيانات دولية مستقلة. ولذا يؤمن الباحثون بأن الإبداع والاختراع و الجريمة والصراع ما هي إلا أفكار تنشا في بيئات معينة و تضعف أو قد تموت في بيئات أخرى . وقد أشارت كثير من الدراسات إلى دور البيئة على الإنسان وتأثيرها في فكره وسلوكه. وتعتبر دراسات الفيلسوف الفرنسي "مونسكيو" في علم الاجتماع القانوني في القرن الثامن عشر فاتحة هذه الدراسات الجغرافية، ففي كتابه "روح القوانين" أكد أن للمناخ وطبوغرافية الأرض تأثيرا مباشرا في كل الأفراد، ومن هنا بدأت بعض المحاولات العلمية التي هدفت إلى ربط الجريمة بظروف أو وقائع جغرافية معينة بعلاقة سببية. وأخذ الاهتمام يتزايد نحو دراسة الأحياء الفقيرة، الأمر الذي جعل مدينة مثل شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية حقلا خصبا لمختلف الدراسات الجنائية الاجتماعية .

إن الفكر لا يتحرك في فراغ، وإنما هو في كثير من الأحيان يستجيب لمتطلبات الواقع ويعبر عنه، وفي تاريخ الفكر الإسلامي فإن مذاهب التشدد في الالتزام بالنصوص ومذاهب إطلاق حرية الرأي والاجتهاد لم تبرز إلا تلبية لواقع اجتماعي معين ساد في بيئة واختلف في بيــئة أخرى .

وتشير الوقائع إلى ظهور بعض الأمكنة التي أصبحت تربة خصبة لتوالد وانتشار بعض الانحرافات السياسية و الفكرية والعقائدية المنحرفة. وأمسى أصحاب هذه الانحرافات في ملاذ آمن من القانون والمحاكمة. وعندما يغيب القانون والنظام والسيطرة في بيئة ما، فإن احتمالات إفراز هذه البيئة لانحرافات سلوكية وفكرية تبقى عالية حيث المحضن الخصب لسيطرة مفاهيم وقيم القوة والعنف والانتقام. ولذا نجد كثيراً من الحكومات تخشى من المناطق العشوائية أو الخارجة عن التنظيم أو تلك التي يصعب الوصول إليها، حيث تكون ملاذا آمنا للفارين من السيطرة والقانون والمحاكمات ، وهو ما جعل مدينة مثل أسيوط في فترة ما أحد قلاع التطرف والإرهاب في مصر.

وقد يسري هذا القول على الدول كذلك، ولذلك نجد بلدا مثل أفغانستان على سبيل المثال بعد سقوط النظام فيه عام 1992 ومروره بالحرب الأهلية (1992 – 1996) وتسلم حركة طالبان زمام الحكم فيه (1996 – 2000) أصبح مرتعا لكثير من الحركات والجماعات المتطرفة بأسلحتها وقواعدها وإصداراتها وأفكارها.

يتبع >[line]
  #27  
قديم 19-01-2007, 03:12 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

وفي بيئة أخرى مشابهة وهي العراق وبسبب عدم الاستقرار السياسي بعد سقوط نظام البعث الحاكم ، كثرت الصراعات السياسية، والطائفية فظهرت هناك موائد الذبح وحمامات الدم وجز الأعناق وتفخيخ المركبات. وأصبحت هذه البيئة مهيأة لكل انحراف في الفكر والسلوك فأخذت كل جماعة وطائفة وتنظيم يصدر الفتاوى والبيانات، والمنشورات المكفرة والمهددة للأطراف الأخرى، وما كان ذلك ليكون إلا في بيئة مناسبة ومناخ ملائم يدعو إلى الكراهية والانتقام ويفتقد إلى الحب والسلام.

هـ - قوة الجماعة المرجعية

يتأثر سلوك الإنسان بالأفراد الآخرين بطرق مختلفة وبدرجات مختلفة، وهؤلاء الأفراد هم عادة ما يعتبرون مرجعا للفرد في السلوك والأفكار والقيم وهو ما يسمى بالجماعة المرجعية ، وهو مفهوم ينطبق على أي جماعة يتواجد فيها الفرد فيتخذها هاديا لتصرفاته الخاصة أو لتنمية أهدافه، ويشعر أنها تشبع ميوله وتحقق آماله، فيتقبل معاييرها ويعتز بقيمها، وقد يدافع عنها ويضحي من أجلها. وكلما كانت هذه الجماعة قوية كلما كان تأثيرها أكبر على أفرادها. ومن الجماعات المرجعية التي يرجع إليها الفرد جماعات المواجهة الصغيرة التي يسود فيها الارتباط الفعلي مثل العائلات أو المنظمات سواء كانت منظمات رئيسية أو اجتماعية أو سياسية.

وقد تحدد الجماعات المرجعية أنواعا من السلوك لأفرادها أو طريقة استخدامهم لذواتهم أو أنشطتهم، كما تقدم لهم معتقدات، وأفكاراً ينبغي الإيمان بها والدفاع عنها وقد تكون هذه الأفكار ناقصة أو مشوهة أو عدائية نحو الأفراد والمجتمع. وقد يكون لها قوة طرد العضو من الجماعة إذا خالف الأعراف أو انتقد الأيدلوجية أو المعتقدات السائدة لديها .

وتستمد الجماعة المرجعية قوة تأثيرها من خلال خمسة جوانب للقوة هي كالتالي:

1. قوة المعلومات: وتعني قدرة الجماعة على تقديم معلومات للفرد تقنعه بأن التغيير المطلوب تغيير جيد ولصالح الفرد والمجتمع. وهذا في الواقع ما تقوم به جماعة التطرف عندما تقنع أعضاءها بأن قلب أنظمة الحكم والاستيلاء عليها هو تغيير في صالح الدين أو الحزب.

2. قوة الشرعية: تتمثل في تقبل الفرد لشرعية الجماعة وصواب أفكارها ومعتقداتها. فيدافع عنها ويضحي من أجلها، وهذا ما يغرسه أصحاب الفكر التكفيري في عقول التابعين لهم بأنهم على حق وأن قلوا ، وإن الحكومات والأنظمة غير شرعية وإن قوانينها وضعية. لذا من الواجب مواجهتها والثورة عليها من أجل تغييرها.

3. قوة الخبير: وتنبع هذه القوة من المعرفة العالية والخبرة والقدرة الكبيرة التي تنسبها الجماعة لفردها. وهذا واقع مشاهد لما يسمى بتنظيم القاعدة وما ينسبه هذا التنظيم من هالة وقوة وتخطيط لزعيمه أسامة بن لادن.

4. قوة القهر: وهي قدرة الجماعة على توقيع العقاب على الشخص الذي يفشل في الانصياع لتأثيرها.

5. قوة الثواب: وتعني قوة الجماعة على تقديم الثواب لمن يستجيب لها، وقد يكون الثواب في صورة مال أو خدمة أو بضاعة أو تخليد اسم. وكثير ما تستخدم التنظيمات المتطرفة هذه القدرة عن طريق تقديم الإغراءات إلى أفرادها بتنمية شعور البطولة والحماسة والتضحية لدفع الفرد إلى الموت والاستشهاد في سبيل الحق. ومن الإغراءات في هذا المجال تغطية مكانة الفرد وإطلاق اسم الشهيد أو البطل أو المجاهد عليه.

و - المنهج التعليمي الخفي

يشكل المنهج التعليمي الإطار الكلي للعملية التربوية فهو أداة التربية في تحقيق أهدافها والوصول بالفرد المتعلم إلى أقصى ما يمكن من إبراز طاقاته، والكشف عن قدراته، وتنمية ما لديه من استعدادات ومواهب، وإمداده بمختلف المهارات الجيدة التي تمكنه من العيش السعيد من أجل نفسه ومن أجل المجتمع الذي ينتمي إليه. ويضم المنهج التعليمي كل الخبرات التي يكسبها التلميذ تحت إشراف المدرسة وتوجيهها سواء أكان ذلك داخل الفصل الدراسي أو خارجه .

إن المعلمين هم الذين يديرون المنهج التعليمي وهم الذين يعملون على تحقيق أهدافه وهو دائما ما يكون منهجا معلنا يخضع للسيطرة من قبل الجهات الحكومية التي تعمل من خلاله على تحقيق أهدافها بأشكال وطرائق غير مباشرة.

إلا أن المتعلمين يتعلمون أحيانا أشياء لا تدرس فعليا في المنهج الرسمي المعلن، وهي أشياء أو معلومات تأتي من منهج آخر يطلق عليه المنهج الخفي، وهو نوع من الخروج من قبل المعلم أو المعلمة عن النص المكتوب عن طريق أفعال تمثل فهما أو قناعات خاصة، أو قيم أو توجهات تظهر في النشاطات والممارسات وبعض مظاهر السلوك التي يتعرض لها الطلاب داخل المـدرسة مما لا تتضمنه المــقررات الدراسية .

وينظر علماء التربية ومنظرو المناهج إلى أن المنهج الخفي يلعب دورا خطيرا في تشكيل وتأهيل بعض الأفكار المنحرفة أو المتشددة. وتكمن خطورة المنهج الخفي كذلك بأنه يأتي من خلال المعلم الذي هو المكون التالي بعد الوالدين لشخصية الإنسان.

وفي دراسة حديثة عن أثر انحراف القدوة على السلوك العدواني لدى عينة من المراهقات كشفت الدراسة عن علاقة دالة إحصائيا بين السلوك العدواني للقدوة (الأب ، الأم ، المعلم) والسلوك الانحرافي لدى أفراد العينة .

ومن ضمن المنهج الخفي ما يقدم من المحفزات وبعض الجوائز التي تقدم للطلاب على أنها أشرطة دينية، ولكن بعضها يحتوي على أفكار متشددة أو تهيئ الطالب لنقل الفكر المتطرف مستقبلا. وقد تتحول المدارس من أماكن للتعليم إلى ساحات للوعظ والإرشاد وتأصيل بعض الأفكار المتشددة مثل الانعزالية أو التكفيرية التي قد ينقلها بعض المعلمين. والخطورة هي ان المعلم يعتبر المثل الأعلى والقدوة الحسنة في نظر الناشئ يحاكيه سلوكيا من حيث يشعر أو لا يشعر. وعندما تنحرف هذه القدوة في الفكر أو السلوك فإنه سيبث أفكاراً شاذة منحرفة للنشء تأخذ أشكالا كثيرة يتعلق بعضها باكتساب الفرد أفكارا معادية لتعاليم الدين أو معادية ومخالفة للقيم الثقافية الرئيسة السائدة في المجتمع.

ز- اليأس والإحباط

أحد المساهمات الرائعة لعلم النفس الاجتماعي هو تقديم نظريات تفسر السلوك العدواني. ومن أهمها نظرية الإحباط – العدوان. و تفترض هذه النظرية أن الإحباط يؤدي دائما إلى العدوان، وأن العدوان ينتج دائما عن الإحباط. وقد تعدل هذا الفرض بعد ذلك ليتضمن التسليم بأن الإحباط يمكن أن يؤدي إلى أنواع عديدة من السلوك غير العدوان مثل : زيادة الاتكالية أو الانزواء أو التسليم أو الاضطرابات الشخصية أو الإدمان. كما أنه قد يؤدي كذلك إلى احتمال الانحراف الفكري - العقائدي .

ففي حالة اليأس والإحباط من تغيير الواقع فان الفرد يتعرض إلى تغيرات سلبية في التفكير والشعور . ففي مجال التفكير تقل أمام العقل الخيارات والمحاولات والحلول للتغلب على العوائق. وقد يتجه الفرد بناء على ذلك إلى التفكير المنحرف المتطرف لعلاج المشكلات فيكون التفجير بدل الحوار والتفكير، والانتحار أفضل اختيار، والعزلة والانسحاب بديل عن الأهل والأصحاب.

أما في جانب الشعور والإحساس فإن الفرد في حالة اليأس والإحباط يغلب عليه التشاؤم والشعور بالمرارة ونقص الكفاءة والفعالية ومبالغة في علل العالم وأوضاعه، كما ينخفض مستوى الروح المعنوية، وينعدم الأمل في المستقبل إضافة إلى نزعة إلى الشعور بالذنب والدونية والانتقاص من قدرة الذات. وجميع هذه مشاعر سلبية تجعل صاحبها فريسة سهلة للتأثر بأفكار ومعتقدات مشوهة ومتطرفة من أجل تغيير الواقع، فهو بسبب يأسه وإحباطه يتقبلها دون مناقشة أو نقد أو تمحيص.

ح- وسائل الإعـــلام

تلعب وسائل الإعلام دورا لا يستهان به في تكوين الاتجاهات والأفكار والتطرف فهي تؤثر بما تقدمه من برامج وأفلام وأخبار عن الأشخاص والأحداث. وتنبع أهمية المؤسسات الإعلامية من أنها أصبحت الصوت المسموع لدى جميع أفراد المجتمع، والأثر الذي تتركه المؤسسات الإعلامية لا يقتصر فقط على ما تبثه خلال ساعات اليوم والليل، بل يتعدى ذلك إلى ممارسة دور الموجه حيث تحاول كل جهة غرس قيمها ومفاهيمها وأفكارها ونظرياتها في عقول المتلقين وصولاً إلى أهداف مبرمجة سلفاً . وليس غريباً أن يكون من بين تلك الأهداف الإضرار ببعض الأنظمة والدول عبر برامج سافرة أو مستترة تسعى إلى تقويض الأمن والأمان والاستقرار الاجتماعي بها.

وتبرز مساهمة وسائل الإعلام في تكوين الانحرافات الفكرية عند الأفراد والجماعات في ما يظهر في التغطيات الإعلامية لبعض الحوادث الإرهابية التي تقوم بها بعض الجماعات المــتطرفة ، حيث تقارن وسائل الإعلام بمبالغة مفرطة بين أفراد تلك الجماعات وبين بقية أفراد المجتمع، وتصوير الدولة والمجتمع في "صورة ملائكية" وإنكار أخطاء أفراد المجتمع وتعظيم أخطاء أفراد الجماعات المعتدية، مما يحدث فكرا منحرفا مضادا وفجوة هائلة بين الواقع والمثال يستغله أصحاب الفكر المنحرف من متطرفين وغيرهم في برنامجهم القائم في الأساس على المقارنة بين مثال خيالي وبين الواقع الموجود وهي مقارنة تثير الإحباط واليأس والاستفزاز عند بعض الأفراد.

ومن جانب آخر فان هناك ترويجا إعلاميا لما يقوم به الإرهابيون ونشراً لأفكارهم مثل بث البيانات والخطابات لبعض المتطرفين في بعض المحطات العربية المتعاطفة مما قد يؤجج جماح بعض الناشئين وإغراء المهووسين بالشهرة والحاقدين على الأوضاع الاجتماعية أو السياسية وتقوية درجة الانبهار بأعمال الإرهابيين لدرجة تقليدهم وإتباع خطواتهم خاصة أولئك الذين لديهم استعداد بدني ونفسي أو عقائدي لمحاكاة عتاة الإرهابيين المروجين لنظريات وأيديولوجيات ومطالب محددة.

وتنمي بعض وسائل الإعلام مشاعر الكراهية والعدوانية التي تولد بدورها أفكاراً تبرر العنف وتكفر الآخر وتحرض على الانتقام، وذلك عندما تستفز بعض تلك الوسائل المشاعر الدينية للأمة بتجاوز الثوابت العقدية والاستهانة بالأحكام الفقهية الراسخة أو تزييف وتحريف النصوص الشرعية لغايات معينة وكذلك استهداف الأشخاص باتهام النوايا والتهكم والسخرية.

ومن جانب آخر، ساعدت شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) كوسيلة إعلامية عالمية في نشر الأفكار الأيديولوجيات المتطرفة والمنحرفة من خلال بروز فقه جديد عبر هذه الشبكة وهو ما يسمى فقه الإنترنت بما يحتويه من فتاوى فردية مشحونة بالانفعال والكراهية والتحريض على العنف، ولقد أدركت الجماعات المتطرفة أهمية وجودها على شبكة الإنترنت العالمية فطورت من مستوى هذا الوجود كما وكيفا حيث الاتصال السريع دون عقبات أو حدود سياسية أو جغرافية إضافة إلى خلوه من السيطرة الحكومية ، تهيئ بيئة مثالية لتنفيذ المخططات المشبوهة. فبدأت جماعات التطرف والانحراف وبشكل خاص في الدين نشر فتاواها التكفيرية وإصدار التعليمات والأوامر لتنفيذ الخطط والتفجير عبر هذه الوسيلة الإعلامية التي تدخل في كل بيت. فمن خلال هذه الشبكة يمكن لهذه الجماعات أن تجند شاباً وهو في منزله وبين ظهراني أهله الذين لا يعلمون عنه شيئاً ، أنه يقضي الساعات أمام جهاز الكمبيوتر. ولكن هذا الشاب في الواقع يتعلم كيف يصنع قنبلة وكيف يقتل، إضافة إلى تدريبه على استعمال مختلف الأسلحة التقليدية والبيولوجية .

ويهتم أصحاب هذه المواقع على الإنترنت بمخاطبة الشباب من الجنسين بأسلوب ترغيبي مثير للعواطف الدينية ، فهناك قسم خاص بالمرأة المجاهدة ، وهناك قسم خاص بخطب وفتاوى تحث على قتال الكفار وكل من يواليهم من المسلمين، ومعرض للصور و الفيديو تعرض لقطات الاقتحام ، وتفجير المواقع في بعض الدول، والتي نفذها أفراد هذه التنظيمات.

ط- الإعجاب بالرأي:

يؤمن بعض الناس بأفكار ليس عليها دليل، ويدافعون عنها دون مناقشة منطقية أو حجج وبراهين قاطعة حتى تصبح عقائد راسخة يصعب تغييرها، يدفعهم بذلك الغرور بالنفس والإعجاب بالرأي حتى لو تبين لهم الحق.

وتنتشر هذه الأفكار المنحرفة مدعومة بأقوال خلابة وشخصية جذابة لخداع الكثير من السذج والجاهلين، فيعجبون بزخارفها، ويؤمنون بها ويدافعون عنها باعتبارها حقيقة مشرقة وساطعة. وتصل هذه الأفكار مداها في التطرف عندما يموت الكثير في سبيل تحقيقها، وذلك بسبب أن أصحابها مصابون بمرض الغرور بالنفس والإعجاب بالرأي. وكم في التاريخ من فرق متعددة تحمل مذاهب فكرية سقيمة، منحرفة عن المنهج الفكري السليم بسبب داء الغرور والإعجاب بالرأي .

ويقدم لنا التاريخ الحديث أمثلة واقعية على انحرافات فكرية أدت إلى نتائج باهظة التكاليف ماديا وبشريا، بسبب غرور أصحابها بأنفسهم وإعجابهم بآرائهم الخاطئة وأفكارهم المعوجة المهلكة. من تلك الأمثلة ما حدث من الرئيس العراقي السابق صدام حسين بعد غزوه لدولة الكويت من رفض كل النصائح والمناشدات من الرؤساء العرب والأجانب بالانسحاب من الكويت، ونزع فتيل الحرب وحل الأزمة سلميا. إلا أن الغرور والثقة العمياء بالنفس والإعجاب بالرأي كان هو السائد والحائل دون أي تراجع عن رأيه وموقفه، والنتيجة حرب مدمرة لم تقض على الآلة العسكرية العراقية فحسب بل أرجعت العراق إلى عهد الوصاية الدولية.

مثال آخر عبر عنه الرئيس الصربي السابق ميلوسوفيتش حيث ادعى بأن الحرب ضد البوسنة والهرسك عام 1993 هي السبيل إلى تحقيق حلم صربيا الكبرى، وقد كانت هذه الأفكار المنحرفة المدعومة بشخصية متسلطة ونظام دموي صارم لا يرحم ، تجد صداها في عقول بعض المتعصبين الصرب.

والإعجاب بالرأي سمة يمكن استغلالها وتوظيفها ببراعة عند جماعات المتطرفة وبشكل خاص المتطرفة دينياً. فقد تصور هذه الجماعات نفسها أو أفكارها إلى درجة خيالية تدفع إلى إضفاء القداسة عليها، وتبالغ في عقاب وتصفية من يتعرض لها بالنقد أو التجريح , فهي معصومة عن الخطأ واجبة الطاعة.

وتستبقي الجماعات المتطرفة أتباعها والمتعاطفين معها بطرق عدة منها:

1. إيهام الإتباع بأنهم على حق , وأنهم كالرسل وأصحابهم، ذوو رسالة لا بد أن توضع في طريقها الصعاب، وأن النصر لهم في النهاية وعليهم أن يثبتوا على مبادئهم، فإن انتصروا فهو نصر من الله وتأييد لهم، وإن أخطأوا فهو ابتلاء من الله، ليمحص ذنوبهم ويقوي من شوكتهم. فالجماعة أو التنظيم هي الطائفة المنصورة القائمة بأمر الله ، والمؤمن الصادق هو الذي يوفقه الله للانضواء تحت لوائها.

2. عدم اطلاع الأتباع على الخطأ المتراجع عنه خوفا من أن يردهم ذلك عن التمسك بمنهج الجماعة أو النفور منها. وعندما يطلع بعض الأتباع على تراجع ما من أحد قادة التنظيم أو منظريه, فإن الجماعة تبرر ذلك على أنه إكراه من قبل رجال الأمن جاء تحت وطأة الأسر والتعذيب.

3. الانتقائية في القراءات والمشاهدات والتي تُقدم باعتبارها صادقة وموثقة وشرعية. فلا مجال للاختيار أو الاطلاع على وسائل إعلامية أو مصادر ثقافية أخرى. فهناك عزل إعلامي عن أفراد التنظيم أو الجماعة فلا يسمعوا ما يحصل خارج نطاقهم من مستجدات. فالمسموح فقط هو المقابلات الخاصة بقادة التنظيم وخطبهم والفتاوى المؤيدة لفكرهم , وكتب التحريض والتفكير التي يرجعون إليها في فتاواهم ومبرراتهم وهي غالبا تهاجم وتكفر الحاكم والدولة.

4. العزل النفسي والاجتماعي للأتباع عن الأسرة والمجتمع. وقطع أواصر العلاقة بينهم وبين أسرهم وأقاربهم.

5. الزهد في العلماء بعدم التزام فهمهم والاستقلال بالفهم دونهم. وإسقاط منزلتهم والطعن في فقههم، وعقائدهم ومنهجهم، خاصة عندما يتعارض مع مصالح الجماعة أو التنظيم، وكذلك ربط كل خلل يحدث في المجتمع - سواء كان انحرافا في فكر، أو سلوكا ً- بالعلماء واعتبارهم المسئولين عنه، وذلك تشويهاً لصورة وسمعة العلماء في مقابل تعظيم قادة الجماعة، والثناء عليهم.

6. تشييخ المتعالمين ومن ليسوا بأهل علم ، ورفعهم إلى مصاف العلماء وجعلهم قادة وأئمة وإطلاق الألقاب الكبيرة عليهم ترويجـا لفكرهم وفتاواهم . وكذلك تصدرهم للفتيا ونصب أنفسهم لها من غير مشورة من أهل العلم ولا استئذان.

ي - التمسك بالأفـكار القديـمة:

إن التمسك بالأفكار والمعتقدات القديمة دون مناقشة أو تمييز بين الخطأ والصواب الذي تحمله، أو الحق والباطل الذي تدعو إليه بسبب جمود التفكير وإلغاء دوره العظيم في التأمل والتفكير. كما أن هذا التمسك بالأفكار القديمة وما جرى عليه العرف والتقاليد يؤدي بالإنسان إلى عدم تقبل ما يعرض عليه من أفكار جديدة، فيتمسك بالمألوف والمعروف ويعتاد عليه ولا يخرج عنه إلا بقدر من الجهد والإرادة والعزم. وقد يكون وراء التمسك بالأفكار القديمة لدى الفرد عوامل متعددة مثل: الألفة وتشرب هذه المفاهيم، والأفكار حتى لو ثبت بطلانها، ومن العوامل ارتباط تلك الأفكار القديمة بمصالح ومنافع وأهواء .

وقد وصف القرآن الكريم تمسك كثير من الناس في جميع عصور التاريخ بعقائد آبائهم وعباداتهم وعدم قدرتهم على النظر في عقيدة التوحيد التي كان الأنبياء والرسل يدعونهم إليها بفكر متحرر من قيود العادات والتقاليد والأفكار القديمة. إلا أن تمسك هؤلاء الناس بأفكار وعادات آبائهم أدى إلى جمود تفكيرهم ومنعهم من قبول الأديان السماوية . ومن الآيات الدالة على تلك المواقف قوله تعالى :{ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } (78) سورة يونس .
وقوله تعالى: { بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } (23) سورة الزخرف .

وقد وجه القرآن الكريم نقدا لاذعا إلى المشركين الذين ألغوا عقولهم وعطلوا تفكيرهم وانحرفوا بأفكارهم عن معرفة الحقيقة وتعلقوا بالخرافات والأباطيل العقائدية وعبادة الأصنام الجامدة الصامتة. ومن جانب آخر دعا القرآن الناس في أكثر من موضوع إلى السير في الأرض وملاحظة ما في العالم من مخلوقات، وإلى التأمل والتفكير في الظواهر الكونية المختلفة وليست هذه الدعوة إلا دعوة إلى تحرير التفكير من القيود التي تكبله، وحثه إلى الانطلاق في آفاق المعرفة والبحث والتأمل.

ك- التعصب والتحـيز :

أصحاب الفكر المستقيم لا يفرضون أفكارهم على الغير، بل يعرضونها عرضا موضوعيا سويا دون دفاع مستميت أو إهمال مقيت، بل يرحبون بنقدها ومناقشتها واتباعها بعد الاقتناع بها. ويعتبر البعض أن التعصب مشابه للظلم في غاياته، فكما إن الإنسان الظالم لنفسه ينصر هواه وشهوته وظلمه وعدوانه ويقاتل من أجلها، فإن المتعصب لشخص يواليه أو قوم أو حزب أو جماعة أو فكرة قديمة سوف يدافع لما يتعصب له ولو ظهر له أن الحق في غير الجهة التي يناصرها . والتعصب داء مهيمن على عقول ونفوس أصحاب الأهواء والأفكار المنحرفة، ويلاحظ هذا الداء عند الشيوخ ومريديهم وعند الوعاظ وتلاميذهم. وفي غمرة التعصب الأعمى يندفع الإنسان نحو ما يراه صحيحا اندفاع من حجب بصره إلا من زاوية الرؤية التي هو فيها. والتعصب والتميز يأتي عادة بسبب تأثر الإنسان بميوله ودوافعه وانفعالاته وعواطفه والتي تؤثر بشكل مباشر في تفكيره وإدراكه.

إن التعصب للرأي وإتباع الهوى يميل بالإنسان إلى التميز في رأيه وفيما يصدره من أحكام ويجعله ضحية للتقليد الأعمى وإتباع الآخرين دون إدراك أخطائهم أو انحرافهم عن الحق
[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 19-01-2007 الساعة 05:08 PM
  #28  
قديم 19-01-2007, 09:40 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

تنوية :

ورد في الدراسة التالية عدة مغالطات وتشوية للحقائق وتم تفنيدها كلا على حدة في آخر المقال من قبل المراجع مشكورا .
وقد يسأل سائل عن مغزى ايرادها أذا مع ما تضمنته من مثالب ، ألا ان الهدف بالاضافة الى دحض الافتراءات والاكاذيب ، معرفة الضعف الواضح في فهم ومستوى التفكير احيانا اوسذاجة الطرح احيانا آخرى .لدى المثقف الغربي فيما يتعلق بالحضارتين والعربية و الاسلامية . او تلمس وايضاح طرق واساليب التضليل والتزوير المتعمد ودس السموم في الخطاب والثقافة الغربية عموما ...

.......................

كتاب أزمة الإسلام

برنارد لويس

راجعه وعلق عليه : زهير سالم

الفصل الثامن

اتحاد السلطة السعودية مع التعاليم الوهابية


إن رفض الحداثة[1] لصالح العودة إلى الماضي المقدس كان ذا تشعبات تاريخية متنوعة في المنطقة، وقد كان السبب في نشوء عدد من الحركات. وأكثر هذه الحركات أهمية كانت بغير شك هي تلك التي يطلق عليها، وفقاً لاسم مؤسسها، الوهابية. لقد كان محمد بن عبد الوهاب (1703 ـ 1792) عالماً دينياً من منطقة نجد في الجزيرة العربية التي يحكمها شيوخ آل سعود. في عام 1744، أطلق حملة تطهير وإحياء. وقد كان هدفه المعلن هو العودة إلى الإسلام الخالص الأصيل الذي جاء به المؤسس الأول، مزيلاً ومدمراً، حيث يكون الأمر ضرورياً، كل التراكمات الحادثة والانحرافات[2]. وقد اعتنق حكام نجد السعوديون المبادئ الوهابية، وعززوها لفترة من الزمن بقوة السلاح. وفي سلسلة من الحملات نشروا حكمهم وعقيدتهم إلى معظم أنحاء الجزيرة العربية الوسطى والشرقية بل إنهم أغاروا كذلك على أراضي الهلال الخصيب، التي كانت واقعة تحت الحكم العثماني المباشر، وبعد نهبهم لكربلاء، وهي مدينة الشيعة المقدسة في العراق، حولوا اهتمامهم إلى الحجاز، وخلال الفترة بين عامي 1804 ـ 1806، فقد احتلوا ووفق اصطلاحهم طهروا المدينتين المقدستين مكة والمدنية. وبذلك فقد كانوا يواجهون ويتحدون بوضوح السلطان العثماني، والذي كانوا يشجبونه باعتباره خارجاً عن العقيدة الإسلامية ومستولياً بغير حق على الحكومة الإسلامية.

وقد كانت الحكومة العثمانية، حتى وهي في هذه المرحلة من الضعف قادرة على التغلب على ثورة صحراوية. بمساعدة باشا مصر وقواته، أنجزت المهمة في عام 1818، عندما احتلت العاصمة وأرسل الأمير السعودي إلى استانبول حيث ضرب عنقه. في ذلك الوقت، لم تعد الدولة السعودية موجودة، ولكن المبادئ الوهابية استمرت، ومنذ حوالي عام 1823 تمكن عضو آخر من آل سعود من إعادة إنشاء الإمارة السعودية واتخذ من الرياض عاصمة له. مرة أخرى، قدم شيوخ آل سعود المساعدة، كما ساعدهم مناصرو المبادئ الوهابية.

إن صعود الوهابية في القرن الثامن عشر في الجزيرة العربية كان لدرجة كبيرة استجابة للظروف المتغيرة في ذلك الوقت. من بين تلك الظروف كان هناك بالطبع تقهقر الإسلام والتقدم الذي صاحبه للعالم المسيحي. لقد كان هذا قد بدأ منذ زمن ظويل، ولكن خلال عملية بطيئة وتدريجية، كانت قد بدأت في المناطق الحدودية البعيدة من العالم الإسلامي. وبحلول القرن الثامن عشر كانت قد غدت واضحة حتى في مركز العالم الإسلامي. إن تقهقر العثمانيين الطويل والبطيء في البلقان وتقدم البريطانيين في الهند كانا لايزالان بعيدين عن الجزيرة العربية، ولكن المسلمين شعروا بهما، عن طريق العثمانيين من جهة، وفي التاريخ الفارسي من جهة أخرى، وقد انعكس ذلك بالتأكيد بين الحجيج الذين يأتون إلى الجزيرة العربية كل عام من جميع أنحاء العالم الإسلامي. لم يكن غضب الوهابيين موجهاً بشكل رئيسي ضد الغرباء، بل ضد أولئك الذين كانوا يرون أنهم يخونون ويحطون من رتبة الإسلام من الداخل. فمن جهة كان هناك أولئك الذين كانوا يحاولون إدخال أي نوع من الإصلاح الحديث؛ ومن جهة أخرى كان هناك ـ وكان هؤلاء يشكلون الهدف الأكثر إلحاحاً ـ أولئك الذين كان الوهابيون ينظرون إليهم على أنهم كانوا يحرفون وينتقصون من التراث الإسلامي الصحيح للرسول (صلى الله عليه وسلم) وصحابته. (لقد كانوا بالتأكيد معارضين بقوة لأي مدرسة أو تفسير للإسلام مخالف لتفسيرهم، سواء كان سنياً أو شيعياً). وكانوا معارضين للصوفية على وجه الخصوص، حيث أنهم لم ينتقدوا غموضها وتسامحها وحسب، بل كذلك ما رأوه على أنه ممارسات وثنية مصاحبة لها.

قاموا بفرض معتقداتهم بأقصى صرامة وقوة ممكنين، حيثما استطاعوا ذلك، وقاموا بهدم القبور، واجتياح ما دعوه وثنية خاطئة، وكما انتهكوا أماكن مقدسة، وقاموا بذبح عدد كبير من الرجال والنساء والأطفال الذين لم يحققوا معاييرهم في صفاء الإسلام وأصالته. ممارسة أخرى استحدثها ابن عبد الوهاب كانت إدانة وحرق الكتب. وغالباً ما تدور هذه الكتب بشكل رئيسي حول الأعمال الإسلامية المتعلقة بالعلوم الدينية والقوانين التي تعتبر مخالفة للمبادئ الوهابية. وقد كان حرق الكتب يترافق في العادة مع إعدام سريع لأولئك الذين ألفوها، وطبعوها، أو درسوها[3].

لقد بدأ التحالف الثاني بين المبادئ الوهابية والقوة السعودية في السنوات الأخيرة للامبراطورية العثمانية واستمر حتى الوقت الحاضر. لقد ساهم تطوران حدثا في أوائل القرن العشرين في تحويل الوهابية إلى قوة كبرى في العالم الإسلامي وما وراءه. أولهما كان توسع واتحاد المملكة السعودية. ففي السنوات الأخيرة للامبراطورية العثمانية، لعب الأمير عبد العزيز بن سعود المولود في عام 1880، والذي حكم في الفترة بين (1902 ـ 1953) بمهارة على الصراع بين العثمانيين من جهة والقوة البريطانية الآخذة في التوسع في شرق الجزيرة العربية من جهة أخرى. وفي كانون أول من عام 1915 قام بتوقيع اتفاقية مع بريطانيا، والذي وفقاً لها، كان يمكنه مع الاحتفاظ باستقلاله، أن يحصل على المساعدة إذا ما تعرض للهجوم. وقد أنهى توقف الحرب وتفكك الامبراطورية العثمانية هذه المرحلة، وتركته وجهاً لوجه وحيداً مع البريطانيين. وقد استطاع أن يتدبر أمره بشكل جيد جداً في الوضع الجديد واستطاع أن يوسع مملكته على مراحل متتالية. وفي عام 1921 استطاع أخيراً أن يهزم منافسه القديم (ابن رشيد) في شمال الحجاز، وأن يستلحق أراضيه، متخذاً لنفسه لقب سلطان نجد.

لقد كانت المرحلة الآن هي مرحلة الانطلاق تجاه الصراع الأكثر أهمية، ألا وهو الصراع للسيطرة على الحجاز. هذه الأرض والتي كانت تشتمل على مكة والمدينة كانت محكومة من قبل أفراد من الأسرة الهاشمية الذين ينحدرون من نسب النبي (صلى الله عليه وسلم) لأكثر من ألف سنة في القرون القليلة الماضية، وتحت سيطرة عثمانية فضفاضة. وقد كان ابن سعود ينظر إلى تأسيس الحكومات الملكية الهاشمية، والتي كان يترأسها فروع مختلفة من العائلة في العراق، وفي الأردن، كجزء من إعادة هيكلة الأقاليم العثمانية العربية بعد الحرب العالمية الثانية، كان ينظر إليها على أنها تشكل تهديداً لعالمه هو. وبعد سنوات من العلاقات المنتقلة من السيء إلى أسوأ، قدم ملك الحجاز، الملك حسين، ذريعة مزدوجة لابن مسعود ليقوم بمهاجمة أراضيه، فقد قام أولاً بإعلان نفسه خليفة، ومنع الحجاج الوهابيين من أداء فريضة الحج في المدن المقدسة. وقد رد ابن مسعود باجتياح الحجاز في عام 1925.

لقد توجت حروب السيطرة السعودية بالنجاح الكامل. فقد سيطرت قواتهم أولاً على مكة؛ ثم وفي 5 كانون أول /1925، وبعد حصار استمر عشرة أشهر، استسلمت المدينة سلمياً. وبعد أسبوعين من ذلك، طلب الملك علي، والذي كان قد خلف والده حسين، من نائب القنصل البريطاني في جدة أن يعلم ابن سعود بانسحابه من الحجاز مع ممتلكاته الشخصية. وقد فهم هذا على أنه تنازل رسمي، وفي اليوم التالي دخلت القوات السعودية إلى جدة. لقد كان الطريق الآن مفتوحاً أمام ابن سعود ليعلن نفسه ملكاً للحجاز وسلطاناً لنجد. وليعلن استقلالهما في 8 كانون الثاني 1926. وقد اعترفت القوى الأوروبية مباشرة بالنظام الجديد، وخصوصاً الاتحاد السوفييتي في مذكرته الديبلوماسية إلى ابن سعود في 16 شباط (على أساس مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، وانطلاقاً من احترام إرادة الشعب كما عبر عنها في اختياره لكم كملك لهم). وقد تم توقيع اتفاقية رسمية بين ابن سعود وبريطانيا العظمى، تعترف فيها بريطانيا بالاستقلال التام للمملكة، في عام 1927 في 20 أيار. وقد تبعتهما بعض الدول الأوروبية الأخرى.

من جهة أخرى، كان اعتراف المسلمين أبطأ وأكثر تردداً. وقد قامت بعثة إسلامية من الهند بزيارة جدة وطلبت بأن يقوم الملك بتسليم زمام الأمور على المدينتين المقدستين للجنة من الممثلين المنتخبين من قبل جميع الدول الإسلامية. لم يستجب ابن سعود لهذا الطلب، وأعاد البعثة إلى الهند عن طريق البحر.

وفي حزيران من نفس العام، دعا إلى انعقاد مؤتمر إسلامي عام في مكة، داعياً حكام ورؤساء الدول الإسلامية وممثلين من منظمات إسلامية في الدول ذات الحكم غير الإسلامي. وقد حضر المؤتمر من جميع أنحاء العالم الإسلامي ستة وعشرون شخصاً. وقد وضح ابن سعود في خطابه لهم أنه قد أصبح حاكم الحجاز. وأنه سيقوم بواجباته كراع للأماكن المقدسة وحام للحجيج ولكنه لن يسمح بأي تدخل خارجي في قيامه بهذه المهام.

في حينها أثار ذلك ردود فعل مختلطة من قبل ضيوفه. فقد عارض البعض وغادر، في حين قبل آخرون واعترفوا بالنظام الجديد. ومن بين الجديرين بالملاحظة من بين الأخيرين، كان رئيس وفد المسلمين في الاتحاد السوفييتي والذي أعلن رئيسه في مقابلة له مع وكالة الأخبار السوفييتية (تاس)، إن المؤتمر الإسلامي قد اعترف بالمللك ابن سعود راعياً للأماكن المقدسة، كما أنه دعا إلى تحويل أجزاء من الأردن إلى المملكة الحجازية الجديدة، وعبر عموماً عن تأييده لابن سعود. إلا أن اعتراف الحكومات الإسلامية وخصوصاً الحكومات العربية أخذ وقتاً أطول.

وقد تم توقيع معاهدات صداقة مع تركيا وإيران في عام 1929، ومع العراق في عام 1930، ومع الأردن في عام 1933. ولم تعترف مصر رسمياً بالضم السعودي لأراضي الحجاز إلا في اتفاقية أيار من عام 1936.

في هذه الأثناء، تقدم ابن سعود بسرعة كبيرة في عملية إعادة تنظيم وبناء مملكته، وفي عام 1932 أعلنها دولة موحدة جديدة، سيطلق عليها من الآن وصاعداً المملكة العربية السعودية. وفي السنة التالية، عين أكبر أبنائه سعود كوريث للعرش.

وقد شهدت هذه السنة عينها، التطور الرئيسي الآخر الذي كان له أثره في المنطقة، بتوقيع اتفاقية بين وزير التمويل السعودي وممثل شركة نفط كاليفورنيا، في عام 19/أيار/1933. لقد استقرت السياسة السعودية والتعاليم الوهابية الآن على أرضية اقتصادية صلبة.

يعود الاهتمام الغربي لنفط الشرق الأوسط إلى أوائل القرن العشرين وكانت تديره بشكل رئيسي شركات نفط بريطانية، وهولندية، وفرنسية. وقد بدأ الاهتمام الأمريكي في أوائل عقد العشرينات، مع القلق المتنامي حول نفاذ مصادر النفط الداخلي والخوف من احتكار أوروبي لنفط الشرق الأوسط. وقد دخلت الشركات الأمريكية مبدئياً إلى سوق النفط الشرق أوسطي كشركاء ثانويين في تجمعات أوروبية. وكانت شركة (نفط كاليفورنيا ستاندرد) أول شركة أمريكية تأخذ على عاتقها مهمة سبر النفط. تحولت شركة (نفط كاليفورنيا ستاندرد) أخيراً إلى السعوديين، وقامت في عام 1930 بطلب ترخيص للقيام بسبر جيولوجي للقطاع الشرقي. في البداية، رفض الملك ابن سعود هذا الطلب، إلا أنه وافق بعد ذلك على القيام بالتفاوض، والذي توجته (اتفاقية عام 1933) أحد الأسباب التي دفعت الملك إلى تغيير رأيه كان دون شك (الكساد الكبير) الذي بدأ في عام 1929 وتسبب في تدهور خطير ومتنام في تمويلات المملكة. بعد أقل من أربعة أشهر من توقيع الاتفاقية وصل أول جيولوجيين أمريكيين إلى شرق السعودية العربية. ومع نهاية العام أسست بعثة الاستكشاف بشكل جيد، وفي السنة التالية بدأت الفرق الأمريكية باستخراج وتصدير النفط. وقد قطعت الحرب العالمية الثانية عملية التطوير إلا أنها استؤنفت عندما انتهت الحرب. يمكن رؤية دلالة ما على تدرج التطور في كميات النفط المستخرجة في الجزيرة العربية، بملايين البراميل:

في عام 1945 / 21.3

1955 / 356.6

1965 / 804.8

1975 / 2.585.5

إن تدفق النفط خارجاً والتدفق المرافق للأموال إلى داخل البلاد قد أحدث تغيراً هائلاً في المملكة السعودية، وفي هيكليتها الداخلية وأسلوب الحياة فيها، ودورها وتأثيرها الخارجي، في كل من الدول المستهلكة للنفط، وبشكل أكثر قوة، في عالم الإسلام. إن التغير الأكثر أهمية في تأثير الوهابية ودور حماتها. لقد أصبحت الوهابية الآن العقيدة الرسمية، التي تعززها الحكومة لواحد من أكثر الحكومات نفوذاً في كل العالم الإسلامي ـ راعية أقدس أماكن الإسلام، والتي تستضيف الحج السنوي، الذي يأتي لأدائه ملايين المسلمين من كل جزء من جميع أنحاء العالم ليشاركوا في مناسكه وشعائره. في نفس الوقت، فقد أصبح تحت تصرف معلمي ودعاة الوهابية مصادر مالية ضخمة، قاموا باستخدامها لتعزيز ونشر فهمهم للإسلام. حتى في الدول الغربية في أوروبا وأمريكا، حيث الأنظمة التعليمية العامة هي أنظمة جيدة، إلا أن المراكز التعليمية الوهابية قد تكون الشكل الوحيد من أشكال التعليم الإسلامي المتاح للمعتنقين الجدد وللأهالي المسلمين الذين يحبون منح أطفالهم بعض التأسيس عن دينهم الموروث وتقاليدهم الثقافية. هذا التعليم متوفر في المدارس الخاصة، والحلقات الدينية، ومدارس المساجد، ومخيمات العطل، وبشكل متزايد في السجون.

في الاستخدام الإسلامي التقليدي، تشير كلمة (مدرسة) إلى مصدر عال للتعليم، للثقافة، والبحث. لقد كانت المدرسة التقليدية الإسلامية في القرون الوسطى هي السلف وفي كثير من الأحيان النموذج للجامعات الأوروبية في القرون الأوسطية. في الاستعمال الحديث، فإن كلمة مدرسة قد اكتسبت معنى سلبياً، فقد أصبحت تشير إلى مركز لتعليم التعصب والعنف[4]. ويمكن رؤية مثال شفاف على ذلك في خلفية عدد من الأتراك المعتقلين للاشتباه بتواطئهم في نشاطات إرهابية. وقد ولد كل فرد منهم وتعلم في ألمانيا، ولم يولد أي منهم أو يتعلم في تركيا. لا تقوم الحكومة الألمانية بالإشراف على التعليم الديني للأقليات. تبقي الحكومة التركية عيناً يقظة على هذه الأمور. في أوروبا وأمريكا وبسبب تردد الحكومة في إقحام نفسها في المسائل الدينية، فإن تعليم الإسلام في المدارس وفي أماكن أخرى لم تكن السلطة لتشرف عليه إجمالاً بشكل عام. هذا الوضع يدعم بشكل واضح أصحاب الضمائر الصغيرة، وقوة الإقناع الكبيرة، والقدرة المالية الأكبر.

ربما يمكن فهم النتيجة عبر شبيه افتراضي. فإذا افترضنا أن جماعة الـ (كوكلكس كلان) أو أي جماعة مشابهة قد تمكنت من الحصول على سيطرة كلية على ولاية تكساس، وعلى نفطها، وبالتالي عائداتها النفطية، وبعد أن فعلت ذلك، استخدمت هذه الأموال لتأسيس شبكة من المدارس والكليات جيدة التمويل في جميع أنحاء العالم المسيحي، ناشرين طريقتهم المسيحية الخاصة. هذا المثال هو إلى حد ما أقل سوء من الواقع، لكون معظم الدول المسيحية لديها نظام مدرسي عام فعال خاص بها. في بعض البلدان الإسلامية ليس الأمر كذلك، وتمثل المدارس والكليات التي يدعمها الوهابيون بالنسبة للكثير من الشباب المسلم التعليم الوحيد المتاح. لقد نشر الوهابيون عن طريق هذه الوسائل رسالتهم في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وبشكل تدريجي بين مجتمعات الأقلية المسلمة في دول أخرى، خصوصاً في أوروبا وأمريكا الشمالية. إن الحياة الإسلامية العامة المنظمة، والتعليم، وحتى العبادة، هي إلى درجة مرعبة، ممولة، وبالتالي موجهة من قبل الوهابيين، ورؤيتهم للإسلام، والتي يمارسونها ويدعون إليها في ظل المبادئ الوهابية. إن رعاية الأماكن المقدسة إضافة إلى عائدات النفط قد منحت تأثيراً ذا نطاق عالمي لما كان سيكون، لولا ذلك، جماعة متطرفة في دولة هامشية[5].

لقد جلب استثمار النفط ثروة ضخمة جديدة جلبت معها توترات اجتماعية جديدة ومؤلمة بشكل متزايد. في المجتمع كان التفاوت في الثروة محدوداً، وبالتالي كانت آثاره مكبوحة، من جهة، بفعل الروابط الاجتماعية التقليدية، والالتزامات التي كانت تصل بين الغني والفقير، ومن جهة أخرى، بخصوصية حياة البيت المسلم. لقد عمقت الحداثة في كثير من الأحيان الفجوة، وحطمت الروابط الاجتماعية، وجعلت عدم التكافؤ الناشئ مرئياً بشكل مؤلم عن طريق عالمية الإعلام الحديث. كل هذه الأمور تسببت في تكوين جمهور جديد ومتقبل للتعاليم الوهابية وللجماعات ذات العقول المشابهة، ومن بينها الإخوان المسلمون في مصر وسورية والطالبان في أفغانستان.

لقد كان للثروة النفطية تأثيرات سلبية كذلك، وذلك لأنها كبحت تطور المؤسسات التمثيلية. (لا ضرائب بغير تمثيل) هو قول يميز مرحلة حاسمة في تطور الديمقراطية الغربية. ولسوء الحظ فإن العكس صحيح كذلك، فلا تمثيل بغير ضرائب. فالحكومات التي تمتلك ثروة النفط ليست في حاجة إلى المجالس الشعبية لفرض وجمع الضرائب، وبإمكانها أن تتدبر أمرها، لبعض الوقت على الأقل، عدم أخذ الرأي العام بعين الاعتبار. بل حتى هذا المصطلح ذو دلالة ضئيلة في مجتمعات كهذه[6]. ولعدم وجود أي منفذ آخر، فإن الامتعاض الجديد والمتزايد يجد التعبير في الحركات الدينية المتطرفة.

لقد أصبح المألوف الآن وصف هذه الحركات بالحركات الأصولية. ولكن المصطلح لم يحالفه التوفيق لعدد من الأسباب، فقد كان في أصله مصطلحاً أمريكياً وبروتستنتياً، استخدم لتوصيف كنائس بروتستنتية معينة تختلف في بعض النواحي عن الاتجاه العام للكنائس. وقد كان الاختلافان الرئيسيان هما لبرلة دراسة علم اللاهوت والنقد الإنجيلي، واللذين نظر إليهما على أنهما أمران لا يمكن الموافقة عليهما. لقد كانت لبرلة العلم الديني قضية بين المسلمين في الماضي وقد تكون كذلك مرة أخرى في المسقبل. ولكنها ليست كذلك في الوقت الحاضر[7]. إن كون القرآن كلاماً إلهياً ومنزهاً عن الخطأ هي عقيدة أساسية في الإسلام، ورغم أن البعض قد يشكون فيها[8]، إلا أن أحداً لم يتحداها قط.

لا يوجد أي تشابه بين هذه الاختلافات وبين تلك التي تفصل الأصوليين المسلمين عن التيار الإسلامي العام، وبالتالي فإن المصطلح قد يكون مضللاً. ولكنه على كل قد أصبح الآن متداولاً، بل إنه قد ترجم حرفياً إلى كل من العربية والفارسية والتركية.

لقد ترك انهيار القومية العربية الأصولية الإسلامية على أنها البديل الأكثر جذباً لجميع أولئك الذين شعروا أنه ينبغي أن يكون هناك شيء أفضل وأصدق وأكثر أملاً من حكامهم المستبدين غير الكفوئين، ومن الإيديولوجيات المفلسة التي فرضت عليهم من الخارج. لقد تغذت هذه الحركات على الحرمان والإذلال وعلى الإحباط والسخط الذي دفعهم للنهوض، بعد فشل كل العلاجات السياسية والاقتصادية، سواء التي استوردها الأجانب أو ذات التقليد المحلي. كما يرى الكثيرون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فقد جربت كل من الرأسمالية والاشتراكية وفشلتا، لم يثمر كلا النموذجين الشرقي والغربي إلا الفقر والاستبداد[9].

قد لا يبدو عادلاً أن يلام الغرب في مرحلة ما بعد استقلال الجزائر، على سبيل المثال على السياسات الستالينية الزائفة لحكومة معادية للغرب، على فشل الأولى وعدم كفاءة الثانية. إلا أن الشعور الشعبي ليس خاطئاً بشكل كامل في رؤيته لأفكار العالم الغربي على أنها الأهم للتغيرات الكبرى التي غيرت العالم الإسلامي في القرن الأخير. وكنتيجة لذلك، فإن الكثير من الغضب في العالم الإسلامي يصب جامه على الغربيين، الذين ينظر إليهم على أنهم العدو المغرق في القدم للإسلام منذ الصدام الأول بين الخلفاء المسلمين والأباطرة المسيحيين، كما ويصب جام هذا الغضب على المتغربينأباتتت ؟، الذين ينظر إليهم على أنهم أداة أو شركاء للغرب وكخونة لدينهم ولشعبهم.

تحظى الأصولية الدينية بعدة مميزات في مقابل الأيديولوجيات المنافسة. فهي مفهومة لكل المسلمين المتعلمين وغير المتعلمين. كما أنها تطرح مجموعة من الأفكار، والشعارات والرموز المألوفة بشكل كبير وبالتالي فإنها تكون فعالة في تعبئة التأييد وفي صياغة نقد لما هو خاطئ وتطرح برنامجاً لتصحيحه. تحظى الحركات الدينية بميزة عملية أخرى هي تلك التجمعات الدينية التي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فهذه الدول الواقعة تحت حكم مطلق بشكل أكبر أو أقل: ديكتاتوريين بإمكانهم منع الأحزاب والتجمعات، ولكنهم لا يستطيعون منع العبادة العلنية، وكل الذي يستطيعونه التحكم بالخطب الدينية إلى مدى محدود فقط.

وكنتيجة لذلك، فإن جماعات المعارضة الدينية هي الجماعات الوحيدة التي لديها أماكن للاجتماعات المنتظمة حيث يستطيعون أن يحشدوا وأن يضعوا تحت تصرفهم شبكة لا يمكن للحكومة السيطرة عليها أو على الأقل ليست خاضعة لها بشكل كامل. وكلما كان النظام أكثر قمعاً ساعد الأصوليين بشكل أكبر بمنحهم فرصة الاحتكار العملي للمعارضة[10].

يتبع >

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 19-01-2007 الساعة 09:48 PM
  #29  
قديم 19-01-2007, 09:45 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

إن الراديكالية الإسلامية العسكرية ليست جديدة. فقد كان هناك حركات معارضة عسكرية عبر عنها بشكل ديني مرات عديدة منذ بداية التأثير الغربي في القرن الثامن عشر. وقد فشلت كلها حتى الآن. لقد فشلوا أحياناً بطريقة سهلة وغير مؤلمة نسبياً بتعرضهم للهزيمة والقمع، وهي الحالة التي يمنحهم فيها تاج الشهادة نوعاً من النجاح. وفي أحيان أخرى فشلوا بالطريقة الصعبة، بالحصول على السلطة، ومن ثم مواجهة مصاعب اقتصادية واجتماعية عظيمة ليس لديهم حلول لها. ما يحدث عادة أنهم يصبحون بعد فترة مستبدين ومستعلين كأسلافهم المخلوعين[11]. إنها هذه هي المرحلة التي قد يصبحون فيها خطرين. إذا استخدمنا النظرية الأوروبية، تدخل الثورة المرحلة النابوليونية، أو ربما، ينبغي القول، الستالينية. في برنامجهم للعدوان والتوسع فإن هذه الحركات ستحظى، كأسلافهم اليعقوبيين والبلاشفة، بميزة الطابور الخامس في كل دولة ومجتمع والذين يشاركونهم خطاباً عالمياً مشتركاً[12].

إذا ما تكلمنا بشكل أعم، فإن الأصوليين المسلمين هم أولئك الذين يشعرون أن مشاكل العالم الإسلامي في الوقت الحاضر ليست نتيجة لتحديث غير فعال بل للإفراط في الحداثة، التي يرونها على أنها خيانة للقيم الإسلامية الأصيلة. بالنسبة لهم فإن العلاج هو العودة إلى الإسلام الحقيقي، ونبذ جميع القوانين وجميع العادات الاجتماعية المأخوذة عن الغرب والعودة إلى القانون الإسلامي المقدس، الشريعة، باعتبارها القانون الفعال على الأرض[13]. من وجهة نظرهم، فإن الصراع الجوهري ليس مع الغربيين المتطفلين بل ضد الخونة المتغربين في بلادهم. إن أخطر أعدائهم كما يعتقدون، هم المسلمون الضالون والمرتدون الذين يحكمون بلاد العالم الإسلامي والذين قاموا باستيراد وفرض أساليب غربية في الحياة على الشعوب المسلمة.

هذه النقطة موضحة بشكل لا لبس فيه في كتيب من تأليف عبد السلام فرج[14]، وهو مصري تم اعدامه مع آخرين في نيسان من عام 1982 بتهمة التآمر والتحريض على اغتيال الرئيس السادات. وتلقي ملاحظاته بعض الضوء على دوافع هذا التصرف:

(إن قاعدة وجود الامبريالية في أراضي الإسلام هم هؤلاء الحكام أنفسهم، وأن نبدأ بالكفاح ضد الإمبريالية ليس بالعمل العظيم ولا المفيد، وهو ليس سوى إضاعة للوقت، إن واجبنا هو التركيز على قضيتنا الإسلامية، والتي هي قبل كل شيء تحكيم شريعة الله في بلادنا والعمل على نشر كلمة الله. ليس هناك شك في أن أول معركة للجهاد هي اجتثاث هذه القيادات الكافرة[15] واستبدالها بنظام إسلامي كفؤ، ومن هنا ستنطلق طاقاتنا).

في الدقائق القليلة الفاصلة بين قتل السادات وبين اعتقال قاتليه، هتف قائدهم (القاتلين) مبتهجاً بانتصاره: (لقد قتلت الفرعون! ولست خائفاً من الموت). إذا كانت خطيئة السادات، كما كان معتقداً على نحو واسع في الغرب في ذلك الوقت، في عيون قاتليه، هي صنع السلام مع إسرائيل، فقد يبدو لقب الفرعون اختياراً غير ملائم لنعته به. من الواضح، أنهم لم يكونوا يشيرون إلى الفرعون في الكتب المدرسية المصرية الحديثة، والذي يجسد عظمة وتألق مصر القديمة. إن فرعون سفر الخروج، والذي ذكر في القرآن كما في الإنجيل، على أنه الطاغية الوثني الذي يقمع شعب الله. ولاشك في أن أسامة بن لادن تحدث عن الرئيس بوش باعتباره فرعون اليوم بهذا المعنى.

في زمن الخروج (خروج بني إسرائيل من مصر) كان أبناء إسرائيل هم شعب الله. لا يعترف مسلمو اليوم في غالبيتهم بدولة إسرائيل الحديثة على أنها الوريث الشرعي لأبناء إسرائيل القدامى ـ في القرآن يطلق عليهم اسم بني إسرائيل ـ وبالتأكيد، فإن الذين اغتالوا السادات لم يوافقوا على اتفاقية مع هذه الدولة. ولكن كما يوضح الاستجواب اللاحق للقتلة ولشركائهم، فإن السلام مع إسرائيل كان، بالنسبة إليهم، ظاهرة صغيرة نسبياً وعرضية وليست أصل القضية لخطيئة أكبر هي التخلي عن الإيمان بالله، وقمع شعب الله[16]، ومحاكاة أساليب الكفار في الحياة.


الملاحظات وتفنيدها من قبل المراجع

[1] ـ يصر المؤلف على أن ينسب إلى المسلمين موقفاً رافضاً للحداثة، وعلى اعتبار المشروع الإسلامي مشروعاً (ماضوياً) يهدف إلى إعادة بناء الماضي في الحاضر. وينبع هذا الإصرار من محاولة لتشويه صورة المشروع الحضاري الإسلامي المقابل للمشروع الغربي، الذي يتحالف معه المؤلف وأشياعه حتى النهاية. المشروع الحضاري الإسلامي مشروع منفتح على معطيات العلم والفكر والثقافة، يأخذ منها كل جديد ونافع حسب تقويمه، لا حسب تقويم الآخرين. وهذا التقويم يتم على أسس وقواعد ثابتة في تاريخ الضمير الإنساني والعقل الإنساني والحضارة الإنسانية والتي تصوغها الشريعة الإسلامية في أجلى صورها. إذا كانت الحداثة تعني التعامل اليومي مع معطيات العلم لا معطيات الهوى، مع معطيات الفكر المستقيم لا الفكر الأعوج؛ فإن المشروع الإسلامي الحضاري هو حداثي بالدرجة الأولى. وأما إذا كانت الحداثة تعني اللهاث المستمر وراء أهواء ونزوات الفرد أو التجمعات الرغائبية!! فسيكون المشروع الإسلامي بشكل طبيعي على الطرف الآخر منها. المراجع

[2] ـ لقد كان الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بحق مجدداً ومطهراً لحياة المسلمين مما علق بها من أوضار وعادات وتقاليد. لا يمكن أن يحسب محمد بن عبد الوهاب إلا على أنه رصف العتبة الأولية لتحرير العقل الإسلامي من البدع والخرافات كالتمسح بالقبور، ونذر النذور للأولياء، والتعبد بشعائر ليس لها في الإسلام أي مستند شرعي. نادى محمد بن عبد الوهاب بتصحيح التصورات العقائدية كما نادى بتصحيح أساليب وأنماط الحياة. ولكن الذي نقص محمد بن عبد الوهاب رحمه الله هو شمولية الرؤية!! فقد توقف عند بعض العادات والمظاهر والسلوكيات دون أن يطرح مشروعاً شاملاً لإنقاذ الأمة من حالة الوهن التي كانت فيه. باعتبارالظروف التاريخية كان لا بد من مرور قرنين من الزمان حتى ينضج مثل هذا المشروع على أيدي مجددين كبار مثل الشيخ جمال الدين الأفغني والشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا ثم الشيخ حسن البنا رحمهم الله جميعاً؛ فلا يمكن للمؤلف أن يحاسب الشيخ محمد عبد الوهاب الذي عاش في القرن الثامن عشر عن (الحداثة!!) بمنطوق أو مفهوم القرن العشرين أو الحادي والعشرين. لا بد من الأخذ بالاعتبار الظروف التاريخية للحضارة الإنسانية أجمع. أما نزاع محمد بن عبد الوهاب مع بعض المذاهب الإسلامية الأخرى ومع سياسات الدولة العثمانية فهو بعض الحراك الفكري والعملي الذي تخوضه باستمرار حركة التجديد الإسلامي. المجدد الإسلامي لا يعتبر نفسه حائزاً على الحقيقة المطلقة، ولا ناطقاً باسمها يردد دائماً رأيي صواب يحتمل الخطأ وعلى هذا الأساس تستمر عمليات التجديد في إطار الحياة الإسلامية العامة التي كان محمد بن عبد الوهاب واحداً من مؤسسيها في العصور المتأخرة. المراجع

[3] ـ يبدو المؤلف متحاملاً جداً على حركة محمد بن عبد الوهاب فينسب إليها كل شنيع. ومع أنه وقع كثير من الممارسات الخاطئة في تاريخ الحركة ولكن لا يمكن أن ينسب إلى هذه الحركة قتل الأطفال والنساء في الطريقة التي يويها المؤلف، لأن قتل النساء والأطفال محرم في الإسلام بشكل مطلق. المراجع

[4] ـ يمارس المؤلف نوعاً من التحريض المكشوف على التعليم الإسلامي في الغرب وعلى المدارس الإٍسلامية الخاصة المنتشرة هناك. ويتجاوز المؤلف الحقائق عندما يوحي بأن العربية السعودية بمناهجها أو أفقها (الوهابي) تسيطر على التعليم الإسلامي الخاص في دول الغرب أجمع. فللجاليات الإٍسلامية عموماً حضورها وقواها الذاتية ومناهجها التي تدور جميعاً في إطار فهم إسلامي عام ومتجدد. لا يخلو الواقع من أخطاء محدودة. كما لا يخلو من صراعات مذهبية أو فئوية ومنها صراعات حادة تدور ضد بعض العقليات التي ترتكز إلى سلطة ما أو بين أبناء الجاليات. المراجع

[5] ـ يضخم المؤلف كثيراً من دور العربية السعودية في نشر الإسلام والتعاليم والوهابية في العالم الإسلامي، بل إن المسلمين في العالم يشكون دائماً من لامبالاة سعودية بقضاياهم وبأوضاعهم. إن التعاليم (الوهابية) إذا جارينا المؤلف في الاصطلاح هي قليلة النفوذ في العالم الإسلامي الذي يشكل الكتلة البشرية الضخمة للمسلمين (مصر ـ الشام ـ الشمال الإفريقي ـ تركيا ـ الهند ـ إندونيسيا ـ ماليزيا ـ ومن باب أولى إيران). إن عملية التحريض ماتزال مستمرة على الحكام السعوديين، والمؤلف يسند إليهم دوراً مباشراً في تغذية ورعاية ما يسميه التطرف في العالم الإٍسلامي. كلام لا يجوز أن يمر بدون تأمل. المراجع

[6] ـ تبدو نبرة الاستعلاء وازدراء الآخرين واضحة في أسلوب المؤلف. هذه الحال النفسية هي بعض السبب في ما آلت إليه أوضاع الإنسانية. ليخبرنا المؤلف أين كان دور الرأي العام في الولايات المتحدة أو في بريطانيا يوم قرر ابوش وبلير احتلال العراق؟! هل كان للرأي العام في تلك المجتمعات أي وزن في القرار السياسي؟!

ثم إن المؤلف يخلط ويخبط في البحث عن جذور الصحوة الإسلامية أسبابها وأبعادها ومكوناتها ومظاهرها فهو يبحث في القرن الحادي والعشرين عن أسباب ظواهر انطلقت منذ القرن التاسع. يحاول أن يحزم العالم الإسلامي أجمع في حزمة واحدة. ويضع الحركات الإسلامية على ما بينها من تباين في الرؤية أو في المنهج في سلة واحدة كل هذا يفوت على بحثه النتائج الموضوعية المنتظرة منه. المراجع

[7] ـ إن (لبرلة) التفكير الديني حسب تعبير المؤلف أو تحريره من سلطة كنيسة ليس قضية بالنسبة للمسلمين لا في الماضي ولا في الحاضر ولن يكون كذلك في المستقبل، لأنه ببساطة لا كنيسة ولا أكليروس في عالم المسلمين. التفكير الديني الحر ظل متداولاً عبر العصور وظلت في الإسلام مذاهب ومدارس للفهم والاجتهاد. ما يدندن حوله المؤلف هو إخضاع القرآن للنقد قد تم لفترات متعددة من حيث منهجية النقل والثبوت وتفسير المتشابه والغريب والذي يبحث عادة تحت عنوان علوم القرآن. يبقى أن المؤلف يريد أن يطلق العنان لحملات التشكيك في الكتاب الكريم وهي المحاولة التي بدأها طه حسين مع بداية القرن العشرين في كتابه (في الشعر الجاهلي) المحاولة التي أحدثت عاصفة من المقاومة في مصر والعالم الإسلامي. المراجع

[8] ـ الذي يشك في أن القرآن الكريم كتاباً إلهياً منزهاً عن الخطأ لا يبقى مسلماً للحظة واحدة. المراجع

[9] ـ وهذا تزوير آخر من المؤلف. إنه بتفحص دقيق للمكونات البشرية للحركة الإسلامية نجد أن بناء هذه الحركات يقوم على كواهل مثقفين متنورين أساتذة جامعات وطلابها وأدباء ومهندسين وأطباء درس كثير منهم في الغرب وتتلمذوا على كتبه ومناهجه ونظروا إلى واقعه بعين فاحصة. إن الحركات الإسلامية (مؤسسيها ومنتسبيها) ينظرون إلى الغرب نظرة علمية تعترف بما لدى القوم من مؤهلات وإنجازات، وهي في الوقت نفسه ترى عيوب الغرب المختلفة، وتطرح البديل الإسلامي عن علم ووعي وليس إنطلاقاً من فقر وذلة كما يرى المؤلف. إن غرور المؤلف وشيعته ترى في الغرب الأنموذج الكامل للحضارة الإنسانية وهذا ما لا يراه المسلمون الذين نهلوا من معين القرآن. لا يستطيع المؤلف أن يزعم مثلاً أن أسامة بن لا دن كان يعاني من الفقر أو من البطالة أو من الإحباط لعدم وجود فرصة لحياة أفضل على النمط الغربي. إن دراسة الظاهرة بموضوعية تجعلك تدرك السبب والعلاج بموضوعية وإلا فليس هناك إلا المزيد من خداع الذات. المراجع

[10] ـ يحسد المؤلف المسلمين على هذا المتنفس الجمعي (المسجد) أو الحلقات الدينية، ويتمنى أن تجد الأدوات التي سخرت منذ قرن لخدمة المشروع الغربي الوسيلة للسيطرة على هذا المتنفس، بعد أن صادرت الحياة العامة وجميع مؤسسات المجتمع المدني التقليدية منها والحديثة. لم يعدم الدكتاتوريون حتى اليوم وسائل ناجعة في كبت الحريات العامة والدينية منها بشكل خاص، من حيث التحكم في أوقات افتتاح المساجد، وفي أشخاص الخطباء والمدرسين، وفي تعميم الخطب والموضوعات التي يجب على هؤلاء الالتزام بها. فليقر المؤلف وأشياعه عيناً. المراجع

[11] ـ إذا كانت الحركات الإسلامية قد فشلت في كل مرة فكيف أصبحت مستبدة كما يصفها المؤلف؟! المراجع

[12] ـ بهذه اللغة السوداء يحاول المؤلف أن ينقل صورة الحركات الإسلامية إلى الإنسان الغربي بل إلى صاحب القرار الغربي متجنياً على العلم والواقع والتاريخ لخدمة أهداف صهيونية خبيثة. المراجع

[13] ـ هذا تبسيط متعمد لموقف الإسلاميين من معطيات العصر والحداثة فجوهر الموقف الإسلامي يقوم على أن الإسلام وضع أسس الحياة العامة وترك للمسلمين الاجتهاد بأن يختاروا الأساليب: النماذج والقوانين والعادات التي تناسب عصورهم وفق تلك الاسس العامة المتفق عليها، وليس المقصود العودة إلى حياة القرون الأولى بكل جزئياتها وأنماطها. ولقد تقدمت أكثر من حركة إسلامية في البلاد العربية برؤيتها المستقبلية وفق رؤية عصرية متجددة. المؤلف يضرب عن متابعة كل ذلك لكي يصور الحركات الإسلامية حركات بدائية تنشد العودة إلى حياة القرون الأولى. المراجع

[14] ـ لماذا يلجأ المؤلف إلى كتيب مغمور لشخص مثل (عبدالسلام فرج)، مضى على تأليفه ربع قرن، ويتغافل عن الفكر الذي تطرحه حركة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية في العالم العربي. لماذا يتغافل عن جوهر طروحات الإمام البنا أو كتابات عبدالقادر عودة أو المشروعات السياسية التي تقدم بها في أوائل هذا القرن كل من الإخوان المسلمين في مصر والأردن وسورية واليمن والمغرب وتركيا والتي تضم برامج سياسية حقيقية. المراجع

[15] ـ من المؤكد أن الحركات الإسلامية الكبرى ترفض ـ رغم المعاناة الأليمة ـ تكفير حكام المسلمين وإن كانت تنظر إلى تصرفاتهم بكثير من الحذر والريبة. المراجع

[16] ـ هذا تعبير يهودي ينسبه المؤلف إلى مجموعة إسلامية، وهو بحد ذاته أحد ركائز المفاصلة مع الفكر اليهودي. إن الآية الأولى في السورة الأولى في القرآن الكريم تمجد الله سبحانه على أنه (رب العالمين)، ويستمر هذا الوصف في كل آيات القرآن. لا يمكن أن يتسلل إلى تصور أي مسلم مثقفاً كان أو عامياً أن الله هو رب المسلمين كما ظن الرئيس بوش أن الله هو ربه وحده!! كما أن المؤلف يحاول على نهجه أن يقلل من دور الخرق الذي أحدثه السادات في الموقف الإسلامي باعترافه بإسرائيل في التسبب باغتياله. المراجع

المصدر : مركز الشرق العربي [line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 19-01-2007 الساعة 09:55 PM
  #30  
قديم 24-01-2007, 09:57 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

أثر المتغيرات السياسية على العلاقات الأمريكية الإيرانية

الباحث/ علاء مطر

تركزت أهداف الولايات المتحدة منذ بدايات ظهور الجمهورية الإسلامية حتى نهاية الحرب العراقية الإيرانية، على إبعاد الاتحاد السوفيتي عن المنطقة واحتواء إيران وحماية استثمارات أمريكا النفطية الضخمة. ومن هنا فإن الولايات المتحدة عملت على تقوية المملكة العربية السعودية عسكرياً لتشكل رادعاً ضد كل من إيران والعراق، وساعدت على إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية كوسيلة لمنع اتساع رقعة الحرب، وحسنت علاقتها مع العراق. وبعد انتهاء الحرب أصبح لدي كل من العراق والسعودية أفضل القوات المسلحة تجهيزاً في منطقة الخليج، بينما أصبح مجلس التعاون لدول الخليج قوة لا يستهان بها.

ومع نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، وظهور الولايات المتحدة كقوة رئيسية تقود النظام الدولي الجديد كان له أثر واضح على المنطقة، حيث سعت الولايات المتحدة على الحرص على توازن القوي الإقليمية، أي إقامة حالة من التوازن تكفي لمنع هيمنة نظام حكم معين أو توجهات دول خارجية على الإقليم، وعلى سياسات دوله الخارجية وأن لا يتهدد التوازن من دولة قومية ثورية أو أيديولوجية وتجنب هيمنة مثل هذه الدول على النظام الإقليمي والاستمرار في تبني سياسة الردع للمحافظة على الوضع الراهن، ومنع إجراء تعديلات عليه . وهذا ما يطبق على حالة العراق في واقعة غزوها للكويت وما يعنيه من محاولة تعديل الوضع القائم سياسياً وجغرافياً واقتصاديا،ً كما يصب أيضاً على أية محاولة من إيران وغيرها من الدول الرئيسية في الإقليم .

سيطر على العلاقات الأمريكية الإيرانية العديد من المواضيع الخلافية التي تزيد من حساسيتها الأهمية الإستراتيجية لمنطقة الخليج والنتائج التي ترتبها هيمنة دولة إسلامية ثورية مثل إيران عليها. أبرز هذه الموضوعات، أولا: الموقف الإيراني من الإرهاب حيث تتهمها الولايات المتحدة بدعمها للحركات الإسلامية المتطرفة. ثاني هذه الموضوعات رفض النهج الراديكالي لتسوية الصراع العربي – الإسرائيلي. ثالثهما، هي قضية التسلح الإيراني على نحو تراه الولايات المتحدة يخرج من حيز الحدود القومية إلى نطاق تهديد الدول الأخرى. رابع هذه الموضوعات هو ما يتعلق بقضية حقوق الإنسان والتي تكتسب أهمية مضافة في عالم يتخذ له واجهة ديمقراطية ولقد عبرت العديد من الوثائق الصادرة في عهد جورج بوش عن الإستراتيجية الأمريكية المرشحين للتعامل مع التهديد الإيراني المحتمل لمنطقة الخليج، سواء من خلال تسميته صراحة أو بالإشارة إليه من طرف خفي . فقد صدرت عن وزارة الدفاع الأمريكي عام 1992 وثيقتان مهتمان ، تحدثت الأولى منهما عن حق الولايات المتحدة في منع أي تهديد لمصالحها في الخليج العربي . أما الثانية فقد تضمنت تصوراً لمحاولة قوة معادية لم تحدد للسيطرة على منابع النفط وموانئ الخليج عام 1999، وفي هذه الحالة الأخيرة يقترب الحل الأمريكي لفض الأزمة من نظيره المتبع في عاصفة الصحراء.

مع كل ما يسد العلاقة بين البلدين من توتر إلا أنه لا ينفي، بأن العلاقات الأمريكية الإيرانية ذاتها قد شهدت تطوراً إيجابياً إلا إنه بطيء خاصة مع إتباع إيران في إصلاحاتها المالية لخطوط البنك الدولي الإرشادية حتى أن الشركات الأمريكية زادت من تجارتها مع إيران خلال عام 1991.

وكرس ذلك الحياد الإيراني خلال الحرب الخليجية الثانية. وإعادة النظر من قبل النظام الإيراني بما يخص مبدأ تصدير الثورة والذي كان له الأثر السلبي على العلاقات الإيرانية الخليجية بشكل خاص وعلى المنطقة بشكل عام ، حيث توقف السعي الإيراني عن الدعوة لإسقاط النظم الموالية للولايات المتحدة في المنطقة .

ومع تولي إدارة كلينتون السلطة في الولايات المتحدة، أضيف المزيد من التوتر للعلاقات الإيرانية الأمريكية، فلقد أتت التصريحات والتقارير الصادرة عن المسئولين الرسميين مؤكدة على محاور الخلاف السابقة الذكر . فبعد أقل من شهرين من تسلم بيل كلينتون لمقاليد السلطة، صرح توماس مكنمار منسق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية بأن إيران هي أخطر الدول الداعمة للإرهاب، وانعكس ذلك في التقرير السنوي الصادر عن وزارة الخارجية حول الإرهاب في العالم، حيث ورد أن " إيران كانت الدولة الراعية للإرهاب الأكثر خطورة خلال عام " كذلك أدان وارن كريستوفر وزير الخارجية الأمريكي إيران ووصفها بأنها " دولة خارجة عن القانون الدولي " وذلك نسبة لعلاقتها بحركات الإسلام السياسي المتطرفة وتصميمها على حيازة أسلحة الدمار الشامل .

من هنا فإن الولايات المتحدة ضيقت الخناق على إيران، حيث وضعت الأولى كل قواها واستراتيجياتها وتخطيطاتها لكي تحقق أهدافها أولاً . لذلك عملت على إتباع سياسة الاحتواء المزدوج للقوى المحيطة بالمنطقة وهي إيران والعراق . ولقد أخرج هذه السياسة إلى الوجود مهندس السياسة الأمريكية كما يطلق عليه الساسة الأمريكيون " مارتن إنديك " مفصحاً عنها في مايو 1993 حيث كان يشغل منصب المساعد الخاص للرئيس الأمريكي لشئون الشرق الأدنى وجنوب آسيا ، وذلك في محاضرة له عن عزم كلينتون اعتماد إستراتيجية الاحتواء المزدوج لكل من إيران والعراق .

ولقد ظلت الضغوط الأمريكية على إيران والعراق وفق هذه السياسة تسير بموازاة تصاعد الخلافات بين إيران والولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي الإيراني، الذي يثير قلق إسرائيل والولايات المتحدة، وذلك عام 1994، 1995. كذلك فإن المرونة الأمريكية إزاء إيران تحولت إلى تشدد عاصف في عام 1995 بسبب الموقف الإيراني الرافض لمفاوضات التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي، وكذلك الاتهام الأمريكي الدائم لإيران بأنها ترعى الإرهاب الدولي بالإضافة إلى تسلم إيران في وقت سابق لصواريخ أرض – أرض من طراز " رودنج " من كوريا الشمالية، أدت إلى إثارة مخاوف إسرائيل والولايات المتحدة من إيران .

ولقد زادت العقوبات الأمريكية بشدة في يونيو من عام 1995 بفرض الرئيس الأمريكي كلينتون حصاراً اقتصادياً شاملاً ضد إيران، وفي عام 1996 أصدر
الكونجرس الأمريكي ما يسمي بـ " قانون داماتو" الذي يفرض حظراً على ضخ الاستثمارات المباشرة من أي دولة إلى إيران ، ويجعل الدول التي تقوم بضخ استثمارات تزيد على 40 مليون دولار في العام إلى إيران عرضة لعقوبات أمريكية

وإذا ما انتقلنا للفترة الثانية من حكم كلينتون ومع الأخذ في الاعتبار انتخاب خاتمي لرئاسة الجمهورية الإسلامية والأثر الإيجابي الذي تركه هذا الانتخاب في أذهان الأمريكيين حيث قام خاتمي باختيار الشعب الأمريكي لفتح الحوار معه لا مع زعمائه ، ويبدو من هذا الاختيار المباشر للشعب الأمريكي محاولة واضحة لإيصال رسالة غير مباشرة لدوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، محتواها أن المشكلة تكمن في عقلية الحرب الباردة التي لا زالت تسيطر على تفكير الساسة الأمريكيين، والمسئولة وحدها عن عدم قيام علاقات طبيعية بين واشنطن وعدد من دول العالم الثالث وفي طليعتها إيران .

وأكد خاتمي في حواره مع الشعب الأمريكي " على احترامه المتميز للأمة الأمريكية العظيمة، ومعارضته لحرق علمها الذي يمثل الرمز الوطني لتلك الأمة ، واستعداده بالمقابل للدخول في حوارات متشعبة وعميقة مع هذه الأمة "، وأضاف قائلا " إذا كان القرار الأمريكي يؤخذ في واشنطن، وليس في تل أبيب " فإن المصالح القومية للأمة الأمريكية لا تبرر إطلاقا استمرار القطيعة بين الأمتين الأمريكية والإيرانية ناهيك عن انعدام الحوار بينهما " وقال " إذا ما أرادت أن تفتح الولايات المتحدة ثغرة حقيقية في جدار انعدام الثقة المزمن بين الجانبين يجب أن تتخلى قبل كل شيء عن سياسة اعتبار الدول الأخرى أدوات في سياستها الهيمنية، وأن تحترم إرادات الدول الأخرى على قدم المساواة معها . وفي غير ذلك فإن أي حوار لن يكون مجدياً، ولن يفضي إلى نتائج إيجابية على حد تعبير الرئيس الإيراني.

إن الجديد في هذه الرسالة للرئيس خاتمي للشعب الأميركي عبر شبكة "سي.أن.أن" الإخبارية الأمريكية :

1- أنه المسئول الإيراني الأول الذي يعلن صراحة موقف طهران القاضي باحترام اختيار الشعب الأمريكي لإدارته ، واعترافه بشرعية هذا الاختيار عندما قال " الإدارة الأمريكية هي الإدارة الأمريكية التي أفرزتها خيارات الشعب الأمريكي ، ونحن من جهتنا نحترم هذا الخيار " .

2- أنه المسئول الأول في إيران الذي يعلن موقفاً غير سلبي من الإدارة الأمريكية ، منذ حادث احتلال السفارة الأمريكية في بداية الثورة الإيرانية واحتجاز الرهائن هناك .

3- إنها المرة الأولى التي يضع فيها مسئول إيراني كبير قضية الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية في إطار حضاري ، يصعب على الأمريكيين تحديده أو تجاوزه بسهولة عندما قال " آمل أن تفضي الحوارات الفكرية التي تقربنا من ظروف السلام والاستقرار أكثر فأكثر" .

وبناء على هذه التصريحات الرسمية الإيرانية دعا الكونجرس الأمريكي في يونيو 1999 الرئيس كلينتون إلى الموافقة في أسرع وقت على القواعد التي من شأنها السماح ببيع مواد غذائية وأدوية لإيران ولقد توالت دعوات الحوار من الجانب الإيراني . حيث دعا خاتمي خلال حديثه مع وزير الخارجية الياباني كومورا في 19/8/1999 الولايات المتحدة برفع الظلم التاريخي عن الشعب الإيراني وأكد على " أننا نحترم الشعب الأمريكي كل الاحترام وندعو إلى إقامة علاقات ثقافية ورياضية واجتماعية بين الشعبين، لكن جدار انعدام الثقة مع الإدارة الأمريكية لن يزول إلا بالتعويض عن الظلم التاريخي الذي لحق بإيران على سير السياسات الأمريكية المتتالية ".

وقد قامت الشركات النفطية الأمريكية بالضغط على الإدارة الأمريكية لإنهاء العقوبات على إيران والتي تحظر الاستثمارات الأمريكية في قطاعي النفط والغاز في إيران، اتضح ذلك من خلال ما أكده " تيد ديفيد " المسئول الكبير بشركة " كونوكو" كبري الشركات الأمريكية النفطية " بأنهم يحاولن استخدام نفوذهم في واشنطن لتوضيح أن العقوبات المنفردة ليست السبيل الصحيح للتحرك، وأن شركته خسرت استثمارات مربحة قيمتها مليار دولار في مشروع فارس للغاز في 1995.

كل هذه العوامل دفعت الإدارة الأمريكية على تهيئة الأجواء، أو تدفئتها مع إيران وصدرت إشارات عديدة من واشنطن تجاه طهران توحي بالرغبة في بدء حوار فعال تمهيداً لتطبيع العلاقات، ومن هذه الإشارات ، وضع الإدارة الأمريكية منظمة " مجاهدي خلق " الإيرانية، المعارضة في قائمة المنظمات الإرهابية في العالم . قيام الولايات المتحدة بتخفيف الحظر التجاري والاقتصادي المفروض على إيران في سبتمبر عام 1999 وذلك بالسماح لبعض الشركات الأمريكية بتصدير بعض السلع إلى إيران ، اعتذار كلينتون للشعب الإيراني في أواخر أبريل 1999عما تعرضت له إيران من ظلم السياسات الأمريكية والغربية على مدى نصف قرن .

وقد رأى كثير من المراقبين في اعتذار الرئيس الأمريكي مفاجأة على صعيدين، الصعيد الأول، داخل إيران فقد أثارت ضجة لا حدود لها ما بين التيار الإصلاحي واليميني المحافظ. الصعيد الثاني، الصعيد الإقليمي إذ يعد هذا الاعتذار تحولا في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة وإسقاط لسياسة الاحتواء المزدوج تجاه العراق وإيران التي دشنها مارتن انديك. وفي دلالة أخرى على تهدئة الأجواء في العلاقات الإيرانية الأمريكية، جاءت المبادرة الأمريكية التي أعلنت عنها وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت أمام الاجتماع السنوي للمجلس الأمريكي الإيراني في واشنطن ، حيث أعلنت عن عدد من الخطوات والإجراءات الإيجابية نحو إيران لتطبيع العلاقات بين البلدين ، وبدء فصل جديد في هذه العلاقات بعد عقدين من انقطاعها تخللتهما مواجهات وتوتر وقالت " إن الولايات المتحدة قررت رفع القيود المفروضة على استيراد السجاد الإيراني والفواكه المجففة والكافيار، وغير ذلك من السلع والمنتجات الغذائية الإيرانية ".

وأضافت أولبرايت أنه في نطاق هذه الإجراءات قررت الولايات المتحدة الأمريكية أيضا استكشاف الطرق اللازمة لرفع القيود المفروضة على الاتصال بين الطلاب والعلماء الأمريكيين ونظرائهم الإيرانية، وكذلك الاتصالات بين المتخصصين والفنانين والرياضيين والمنظمات غير الحكومية في البلدين، الخطوة الثالثة، وهي الأهم حيث أفادت بأن الولايات المتحدة مستعدة وجاهزة لمضاعفة الجهود الهادفة للتوصل إلى تسوية دولية للقضايا القانونية موضع الخلاف بين البلدين وذكرت أولبرايت أنه تم حل الكثير من الخلافات بعد عودة الرهائن ، وبقي بعضها دون حل وأن الولايات المتحدة مستعدة لمضاعفة الجهود كلها .

كما دعت أولبرايت في خطابها أيضا إيران إلى كتابة هذا الفصل الجديد وسردت في خطابها دور إيران في إثراء الحضارة الإنسانية ومكانتها وأهميتها الجغرافية والإستراتيجية، ودورها المستقبلي للحفاظ على المشاركة في تثبيت الأمن والاستقرار في المنطقة، وأشارت أولبرايت إلى أن الحضارة الإيرانية من أقدم الحضارات، وأشارت إلى دور الولايات المتحدة في إسقاط نظام مصدق في مطلع الخمسينات لكنها لم تعتذر عن ذلك، إلا أن أولبرايت اعترفت بأن الولايات المتحدة اتبعت سياسة قصيرة النظر بدعمها للعراق في حربه ضد إيران في الثمانينات وأكد ذلك التجربة مع صدام حسين بعد غزو الكويت، كما اعترفت بأن الولايات المتحدة تتحمل قسطاً من المسئولية عن الأسباب التي أدت إلى قطع وتدهور العلاقات بين البلدين وهذا ما أكده الرئيس كلينتون حين أعتذر لإيران في أبريل 1999.

رغم هذه المؤشرات الدالة على رغبة الدولتين في فتح صفحة جديدة من العلاقات، إلا أن هناك عقبات حالت دون ذلك بل قد زادتها في بعض الحالات سواء وعدوانية. فرغم كل الإشارات الدالة على الحوار كانت إشارة حذرة كان جوهرها أن كلاً من الدولتين يرغب في أن يرى تغييراً في سياسة الآخر تجاهه، في الوقت الذي بدأ كل منهما مقيداً بأوضاع وتوازنات داخلية، وظل اشتراط اتخاذ خطوات أو سياسات فعلية مستمراً . وعندما عرضت الإدارة الأمريكية في منتصف يونيو 1998 ما أسمته مصالحة حقيقية تضمنت تكرار الشريط الخاص بالابتعاد عن دعم الإرهاب وعدم نشر أسلحة خطيرة ووقف المعارضة لعملية السلام . ولم تقر الولايات المتحدة بأن الشرط الأول تحقق فعلاً. فقد اتهمت أمريكا إيران في حديث لمحدثها الرسمي " جيمس روبن " في 1/12/1999 بدعمها الإرهاب ، حيث أعلن روبن " قلق بلاده للهوة بين التصريحات الرسمية الإيرانية المنددة بالإرهاب والدعم المقدم لمجموعات إرهابية تلجأ إلى العنف ضد عملية السلام في الشرق الأوسط .

والشرط الثالث متحقق جزئياً، وذلك من خلال ميل جناح في النظام الإيراني إلى عدم معارضته أي اتفاق يقبله الفلسطينيون فضلاً عن الحفاظ على العلاقات المتميزة مع سوريا المشاركة في عملية السلام . وفي المقابل ظلت واشنطن تبدي قلقاً من حدة الخطاب الإيراني في المناسبات الخاصة بالصراع العربي الإسرائيلي، مثل يوم القدس العالمي الذي حدده الأمام الخميني يوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان، والذي صادف يوم 22 /1/ 1998، فكان خطاب رفسنجاني وناطق نوري ملتهبين حماساً ضد إسرائيل .

أما الشرط الخاص بالتسلح، فقد كان رد الفعل الأمريكي على تجربة "شهاب 3" في يوليو 1998 معتدلاً . فرغم أن الرئيس كلينتون أشار إلى أن هذا التطور "قد يضع حداً لإمكانات تطبيع العلاقات " إلا أنه عاد وتحدث عن أن تجربة الصاروخ ستكون من بين الأمور التي سيناقشها مع خاتمي إذا استمر الانفتاح في علاقاتنا " وتطالب إيران بدورها بأن تتبع أمريكا أقوالها بأفعال فقد جاءت المبادرة الأمريكية للحوار خالية من أية خطوات فعلية تساهم في تحسين الحالة المعيشية والاقتصادية السيئة للإيرانيين، وتقنعهم بفوائد التطبيع ومكاسبه لهم ، كإلغاء قانون داماتو عن إيران أو رفع الحظر عن أرصدتها المالية أو إلغاء الولايات المتحدة معارضتها بناء خطوط أنابيب من حقول النفط والغاز في بحر قزوين عبر الأراضي الإيرانية وهي المعارضة التي تحرم طهران من إمكانية الحصول على رسوم العبور التي تمكنها من دفع عملية التنمية بها .

وهذا هو موقف الاتجاه الإصلاحي المعتدل في طهران، بينما ظل الجناح المحافظ يرفض أي تحسن في العلاقات مع واشنطن ما لم تعلن قبولها بالثورة الإسلامية وتتخلى عن عدائها للإسلام وتعتذر عن الإساءة إلى إيران منذ الانقلاب على حكومة مصدق. فقد أعلن خامنئي مرشد الثورة في لقائه مع رؤساء البعثات الإيرانية العاملين في الخارج في 18/8/1999 بأنه " لا تراجع ولا مرونة بأي شكل من الأشكال في سياسة إيران تجاه أمريكا"، كما اتهمها بأنها تتميز بالغطرسة والسعي جاهدة من أجل استمرار التخلف الإيراني وتعطيل أي محاولات للتقدم الاقتصادي أكد استحالة التوصل إلى تفاهم مع أمريكا.

ومثلما يعد الوضع الداخلي في إيران وما ينطوي عليه من انقسام عقبة أمام تحسن سريع في العلاقات نجد ما يشبه ذلك في الولايات المتحدة. فلقد طلب نحو ثلث أعضاء مجلس النواب الأمريكي من وزيرة الخارجية أولبرايت دراسة إمكانية التعاون مع المعارضة الإيرانية في المنفى وعلى رأسهم " جماعة مجاهدي خلق " والتي تضعها الولايات المتحدة ضمن 30 جماعة إرهابية دولية، علاوة على ما ذكرنا سابقاً على لسان جيمس روبن من اتهام إيران بدعمها للإرهاب .

مع تولي إدارة الرئيس دبليو بوش مقاليد الحكم في واشنطن، ساد نوع من التفاؤل الحذر الدوائر السياسية الإيرانية إزاء توجهات الإدارة الجديدة، فقد أبدت كل من طهران وواشنطن رغبتها في إقامة علاقات جديدة وبناء في المستقبل القريب وإن طالبت كل منهما الأخرى بضرورة القيام بالخطوة الأولى لبدء حوار مشترك بينهما حول القضايا الخلافية.

وفيما يتعلق بتأثير تولي الإدارة الجديدة على العلاقات المستقبلية بين إيران والولايات المتحدة، أعلنت إيران على لسان وكيل وزارة الخارجية الإيرانية السيد علي آهني " يتضح لنا من التحليلات السياسية الأمريكية ، أن الإدارة الأمريكية الجديدة ستنظر لإيران نظرة أكثر واقعية " وأضاف " أن هذا الاحتمال أصبح الآن أقوى مما مضي داخل المحافل الأمريكية ، وذلك نظراً لفشل سياسة الاحتواء التي نتج عنها تزايد الضغط من قبل الشركات الأمريكية ، وخاصة شركات البترول، على الإدارة الأمريكية لإلغاء الحظر المتعنت " واستطرد قائلاً "من الملاحظات الناتجة عن تغيير الحكومة الأمريكية ، يتضح أن الفرص مواتية للإدارة الأمريكية الجديدة ، خاصة وأن لديها رؤى مختلفة عن سابقتها ، لإعادة النظر في سياستها تجاه إيران من منطلق واقعي لاستعادة الثقة المفقودة بين الجانبين ، وخير دليل يقدمون على ذلك هو إلغاء الحظر ".

كما طالب كمال خرزاي وزير الخارجية الإيرانية الرئيس بوش " بضرورة التخلي عن السياسة التي انتهجها سلفه بيل كلينتون تجاه بلاده وذلك بهدف اجتياز مرحلة حاسمة في تاريخ البلدين إضافة إلى إتباع سياسة واقعية لمصلحة بلاده بدلاً من السياسة المتشددة، التي اتبعتها الإدارة السابقة " وعلى الجانب الأمريكي أعلنت الإدارة الأمريكية وعلى لسان وزير خارجيتها كولين باول في بداية أيامها الأولى " عن استعدادها لإدخال تعديلات سياسية ملموسة على سياستها تجاه إيران بهدف تشجيع الحوار بين البلدين وتحسين العلاقات التجارية " كما أشار إلى " قيام المسئولين عن الأمن القومي بمراجعة هذه السياسات من أجل خدمة المصالح الأمريكية وإن كانت هناك مشاكل جديدة بين البلدين ".

أما بالنسبة للفترة التي امتدت ما بين تولي إدارة بوش الحكم في أوائل عام 2001 وحتى قبيل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. ارتبطت العلاقات بين البلدين بمسألتين رئيسيتين، المسألة الأولى، هي قضية الانتخابات الإيرانية والرهانات الأمريكية على نجاح الرئيس خاتمي وذلك لنجاحه في تحقيق نوع من التهدئة للأجواء على الصعيدين الإقليمي والعالمي وارتهان إحراز أي تقدم بالنسبة لمسألة التقارب مع الولايات المتحدة بإعادة انتخاب خاتمي في هذه الانتخابات . ومع تحقق هذه الخطوة تعلقت مسيرة الحوار بين البلدين بالمسألة الثانية ، والتي شكلتها قضية العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران منذ عام 1995 والتي انتصر التيار اليمني الأمريكي المعارض لرفع العقوبات في مواجهة التيار المؤيد لرفع هذه العقوبات . رغم ذلك يمكن القول أن هناك تنامي للتيار المؤيد للتقارب مع إيران داخل الولايات المتحدة سواء في المجتمع الأمريكي أو في دوائر صنع القرار السياسي رغم أن الوقت لا زال مبكرا لتحقيق نتائج إيجابية من وراء جهود هذا التيار .

ومع وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة . أظهرت بعض الأصوات الإيرانية قلقاً بالغاً من التصريحات الأمريكية التي وردت على لسان الرئيس بوش وعدد من أركان إدارته " والتي عدت أن العالم قد غدا الآن منقسماً بين معسكرين : مع التحالف ضد الإرهاب ، أو مع الإرهاب وبعبارة أخرى " من ليس مع أمريكا والتحالف فإنه مع الإرهاب " ومن هنا عمدت إيران إلى التعبير الواضح على أكثر من مستوى عن إدانتها للهجمات على الولايات المتحدة ، ورفضها للإرهاب بكل صورة وأشكاله، ففي كلمة لمرشد الثورة خامنئي أمام أهالي أصفهان في 30/10/2001 قال " إننا نشجب الإرهاب بكل أشكاله. ولعل الملاحظة التي لابد من ذكرها في هذا الصدد، أن الساحة السياسية الإيرانية لم تشهد انقساما في الرأي بين الإصلاحيين والمحافظين كالعادة حيث أدركت طهران أن الولايات المتحدة جادة في تهديداتها خاصة بالنظر إلى أنها تضع " إيران على قائمة الدول المتهمة برعاية الإرهاب الدولي .

وفي حرب الولايات المتحدة على أفغانستان في إطار ما تسمية بحربها على الإرهاب، كانت واشنطن في حاجة إلى مساعدة إيران في المراحل الأولى في حربها في أفغانستان ، ولذلك سعت إلى حوار معها بكل الطرق وخاصة على المستوى الأمني، ولقد لعبت بريطانيا دور الوسيط في ذلك من خلال زيارة وزير خارجيتها جاك سترو لطهران. من هنا وبالرغم من الإدانة الإيرانية للغزو الأمريكي لأفغانستان وذلك على لسان المرشد الأعلى خامنئي " أننا نشجب الإرهاب بكل أشكاله ونعارض الحملة الأمريكية على أفغانستان ونرفض الدخول في أي تحالف تقوده أمريكا" منتقداً أولئك الذين يدعون إلى محادثات معها قائلاً "وإن كانوا غير سيئي النية فإنهم غافلون عن أن هذه المحادثات تفي القبول بتحقيق المصالح الأمريكية" قامت إيران بتقديم الدعم الميداني للولايات المتحدة في حربها ضد طالبان ومنظمة القاعدة ، حيث وافقت في أكتوبر 2001 المساهمة في إنقاذ أي قوات أمريكية تتعرض لمشاكل في المنطقة ، كما سمحت للولايات المتحدة باستخدام أحد موانيها لشحن القمح إلى مناطق الحرب في أفغانستان، وشاركت في الدعم العسكري لقوات التحالف الشمالي حتى سيطرت على كابول .

وقد أشاد وزير الخارجية الأمريكي كولن باول بموقف إيران في هذا الصدد ،
وقال " أنها كانت نافعة بصفة عامة في الحرب في أفغانستان " وأضاف ريتشارد هاس، مدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريكية أن دور إيران من الناحية الدبلوماسية كان بناء في مؤتمر بون الذي أسفر عن الاتفاق على إقامة حكومة انتقالية في أفغانستان" كما كانت المصافحة الأولى من نوعها منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 بين وزيري الخارجية الأمريكي كولن باول والإيراني كمال خرازي خلال اجتماع للجنة (6+2) · في نيويورك للبحث في مستقبل أفغانستان .

يتبع >
[line]
  #31  
قديم 24-01-2007, 09:59 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

لكن هذا التقارب سرعان ما تلاشى، وذلك في ضوء كثرة الخلافات الأمريكية الإيرانية سواء ما هو متعلق باستمرار الحظر الاقتصادي الأمريكي الشامل أو الخلافات الإقليمية نتيجة تواجد القوات الأمريكية في الخليج وتواجدها الحالي في أفغانستان وبعض دول آسيا الوسطى إضافة إلى عداء إيران لإسرائيل ودعمها حركات المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي في مقابل الانحياز الأمريكي لإسرائيل من جهة أخرى. و مما عمق من هذه الخلافات، هو تصنيف بوش في 29/1/2002 كل من إيران والعراق وكوريا الشمالية " دولاً إرهابية تهدد السلام العالمي " وأنها تسعي لامتلاك أسلحة دمار شامل وتشكل خطراً تزداد حدته " ووصف الدول الثلاث بأنها " محور للشر يسلح نفسه لتهديد سلام العالم" وفي الأول من فبراير قال بوش" أن تصريحاته المتشددة ضد كوريا الشمالية وإيران لا تعني الإشارة إلى التخلي عن الحوار السلمي مع البلدين " . لكن قال إن كل الخيارات على المائدة في شأن كيفية جعل أمريكا وحلفائنا أكثر أمناً " وفي 5/2/2002، أعلن وزير الخارجية الأمريكي " أن وصف دول بأنها تشكل " محور الشر " لا يعني أن الولايات المتحدة تنوي اجتياحها" . وأوضح أمام لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ " أننا على استعداد لبدء حوار ونريد العمل مع أصدقائنا وحلفائنا في العالم للتعاطي مع هذا النوع من الأنظمة " وفرق باول بين إيران وكوريا الشمالية اللتين تريد واشنطن مواصلة السعي إلى الحوار معهما والعراق الذي تؤيد واشنطن مواصلة سياسة العقوبات حياله مع الأمم المتحدة . كما تعرضت إيران لضغوط من قبل الولايات المتحدة وذلك في قمع أعمال المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي حيث سلمت الإدارة الأمريكية ، عبر الوسطاء لائحة بأسماء عدد من الشخصيات الإسلامية المعروفة بمقاومتها للاحتلال الإسرائيلي في لبنان وفلسطين، لكن إيران رفضت عبر أعلى سلطات القرار فيها تقديم أي مساعدة كما استمرت هذه الضغوط من خلال إدراج حزب الله اللبناني على لائحة الإرهاب الثالثة التي أصدرتها الإدارة الأمريكية نظراً للصلة الوثيقة المعروفة بين هذا الحزب وبين إيران .

وقد لخص الرئيس الإيراني، محمد خاتمي أبعاد السياسة الأمريكية ضد بلاده " في مقابلة مع صحيفة "تانيا" اليونانية خلال زيارته إلى اليونان " بأن أمريكا تحاول بعد 11 سبتمبر استغلال الوضع لفرض أرائها وإزالة جميع الحواجز بغية التحول إلى القوة الحصرية في العالم " وأضاف " أن استمرار الوضع على هذا الحال، فسوف يزج الأمريكيون أوربا في محور الشر وكذلك الصين وروسيا، وسيتوجه العالم نحو حرب فظيعة " ورأي خاتمي أن القوات الأمريكية موجودة في آسيا الوسطى ليس لمواجهة الإرهاب بل لإقامة قواعد " مؤكداً أن الوجود العسكري الأمريكي قد يحمل على قدوم قوات عسكرية أخري من الصين وروسيا.

على الجانب الأمريكي، ازدادت في أوساط الإدارة الأمريكية دعوات التغيير للنظام الإسلامي في إيران، وذلك في أعقاب الاحتجاجات الطلابية في عام 2002 في العاصمة الإيرانية ولقد رحب الرئيس الأمريكي بوش بهذه الاحتجاجات ووصفها " بأنها حركة شعبية تطالب بتحرير إيران " كما زعم المسئولون في الإدارة الأمريكية ومن يدعمهم من المحافظين الجدد بأن الإيرانيين استجابوا لدعوتهم للإطاحة بنظام الحكم هناك … كما ينتشر زعماء المنفى الإيرانيون في محطات " السي أن أن " و " الفوكس نيوز " ليعلنوا بأن انهيار النظام الديني في إيران لن يستغرق أكثر من بضعة أشهر .

وعلى الجانب الإيراني صعد الإيرانيون حملاتهم على الولايات المتحدة حيث اندلعت مظاهرات جماهيرية ضخمة نددت بأمريكا وإسرائيل . وانتقد كل من المرشد أية الله خامنئي والرئيس محمد خاتمي تصريحات الرئيس بوش . وقال خامنئي للمصلين الذين هتفوا " الموت لأمريكا " أن الرئيس خاتمي قد صفع بوش في فمه برده عليه " وانتقد الأمين العام للمجلس القومي الإيراني الأعلى حسن روحاني تصريحات الرئيس بوش ووصفها بأنها " وقحة ومهينة كما أنها خبيثة وسخيفة وساذجة للغاية " .

ولقد انتقد الإيرانيون تمديد قانون العقوبات الاقتصادية والتجارية ضد إيران وليبيا، خمس سنوات مع أن وزير الخارجية باول كان يحاول تخفيف هذه المدة لسنتين ولكنه لم ينجح . وقال مدير العلاقات الأمريكية في الخارجية الإيرانية " أن الإجراءات الأمريكية تكذب الإدعاءات الأمريكية بأنها تريد مساعدة الشعب الإيراني"

وخلال زيارته لأفغانستان، استخدم الرئيس الإيراني في مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الأفغاني حميد قرضاي تصعيد اللهجة تجاه واشنطن حيث اتهم القادة الأمريكيين " "باستغلال حوادث 11 سبتمبر المؤلمة ليخلقوا جواً عدوانياً في العالم، وأن العدوان جزء من العالم، لن يجلب بالتأكيد الأمن لجزء آخر في العالم ، ويجب ألا يظن دعاة الحرب بأن الحرب لن تشمل سوى أهداف العدوان. إن الحرب والعنف والطغيان اليوم ستؤدي إلى العنف، وإن وجهة النظر القائلة بأنه يمكن إجبار الأمم أو الشعوب على الرضوخ هي التي سمحت لظاهرة الإرهاب بالازدياد وجلب الأضرار الجسيمة على العالم " وأضاف " نحن في حاجة للسلم والتفاهم المتبادل. وعلاقاتنا مع أمريكا لها جذور عميقة وأساس المشاكل هي السياسات الأمريكية الخاطئة ضد إيران ".

للمصالحة مع الرئيس صدام حسين لتجنب إراقة الدماء .

مع تفجر الأزمة الأمريكية العراقية في العام 2003 وتصاعدها بسبب الإصرار الأمريكي على فرض الحل العسكري لهذه الأزمة، وجدت إيران نفسها في مواجهة الخطر الرئيسي المباشر. وقد اختارت طهران موقفا استراتيجياً أساسياً من هذه الأزمة تمحور حول السعي الدؤوب لمنع تطور الأزمة إلى حالة الحرب العسكرية، وذلك بسبب إدراك الإيرانيين أن حدوث هذه الحرب سيضع إيران أمام استحقاقات خطيرة، لعل أبرزها خطر فرض هذا الحل العسكري على إيران، باعتبارها احدي الدول الثلاث في محور الشر الذي حدده جورج بوش . فضلا عن خطر احتمال مجيء حكومة عسكرية عراقية عميلة لواشنطن، أو وضع العراق تحت الاحتلال العسكري المباشر. وإذا كانت إيران قد اختارت السعي إلى تجنب الخيار العسكري، فإنها التزمت الحياد الكامل الذي اكتسب صفة " الحياد الإيجابي " أو الحياد الفعل " . وهي السياسة التي تحدد هدفها الرئيسي في محاولة لدرء المخاطر كحد أدنى، مع الطموح في تعظيم المكاسب إن أمكن ذلك.

وبعد سقوط صدام فضلت إيران إيجاد حوار مع الولايات المتحدة تجنبا للتعرض للتهديد من قبل الولايات المتحدة وهذا ما عبر عنه بوضوح الرئيس الإيراني خاتمي في جلسة غير علنية لمجلس الشورى الإسلامي بالقول " أن أمريكا أصبحت اليوم جارتنا في الغرب كما في الشرق وعلينا أن نتعايش مع الواقع الأمريكي في المنطقة رغم مرارة ذلك داعياً النواب الإصلاحيين لفتح حوار فوراً مع الولايات المتحدة ".

لكن رغم ما بدلته إيران من تجنب التهديد الأمريكي بشن هجوم عليها، إلا أن ما كان الخوف منه قد تم. ففي ظل مسعى الولايات المتحدة للهيمنة على المنطقة وذلك من خلال حربها على الإرهاب، وجهت الولايات المتحدة اتهاماتها لحكومة طهران بتطوير قدراتها النووية وبتدعيم الإرهاب العالمي وبمحاولة التأثير على الأوضاع في العراق . حيث أوضحت تطورات الأحداث على الساحة العالمية في فترة ما بعد سقوط صدام أن الدول المارقة طبقا للتصنيف الأمريكي أصبحت تقتصر فقط على كوريا الشمالية وإيران بعد أن قامت الولايات المتحدة بإسقاط كل من نظام طالبان ونظام صدام .

لهذا باتت إيران فجأة في طليعة الدول الإسلامية التي تنتظر دورها في العدوان الأمريكي بعد العراق، إن لم تنصاع لوقف برنامجها النووي المدني حسب تأكيد إيران، والعسكري على حد الزعم الأمريكي. خاصة بعد إعلان الرئيس خاتمي عن تشغيل مناجم لاستخراج اليورانيوم وسط إيران بكميات ضخمة.

وقد نجح الأوروبيون في البداية بإقناع إيران التي هي عضو في معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية بالتوقيع في 18/12/2003 على البرتوكول الإضافي لمعاهدة حظر الانتشار النووي الذي يسمح للوكالة بالتفتيش المفاجئ على جميع المواقع النووية. ثم بدأ الأوروبيون والولايات المتحدة بالضغط على إيران للتخلي عن تخصيب اليورانيوم، وافقت طهران على ذلك، لكن لفترة محدودة وحجتها هي إن معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لا تحظر تخصيب اليورانيوم، خاصة وان إيران أعلنت أكثر من مرة بأنها لا تسعى إلى امتلاك السلاح النووي.

مع صعود أحمدي نجاد المحافظ المتشدد لرئاسة الجمهورية في منتصف العام 2005، زادت العلاقات الإيرانية الأمريكية تدهورا، حيث اتهمت الولايات المتحدة نجاد بأنه أحد الطلاب الذين شاركوا في احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية إبان انتصار الثورة الإيرانية وهو ما نفته إيران ونجاد قطعيا. كما أن الولايات المتحدة لم تكف عن توجيه الاتهامات لإيران برعايتها للإرهاب ودعمها لمقاومة في العراق ومحاولتها المتكررة للتدخل في الشأن العراقي هذا بالإضافة تهديدها لإيران بأنها سوف تواجه عقوبات لا محالة عبر مجلس الأمن إذا لم تتوقف نهائيا عن تخصيب اليورانيوم . لكن إيران لم تعبأ بهذه التهديدات فمنذ فوز أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية تراجعت إيران بشكل تدريجي عن التعليق المؤقت للعمل على دورة الوقود النووي الذي تم التوصل إليه في اتفاق عام 2003 وكذلك في عام 2004، في عهد الرئيس خاتمي. هذا بالإضافة لنجاح العلماء الإيرانيين بتخصيب اليورانيوم مما صاعد من المشكلة النووية مع الغرب وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، و كان قد تبنى مجلس الأمن الدولي في 31 تموز قرارا يمهل إيران حتى 31 آب لتعليق تخصيب اليورانيوم و إلا تعرضت لعقوبات دولية، و لم تنصاع إيران حتى هذه اللحظة لقرار مجلس الأمن بوقف تخصيب اليورانيوم وتجري في هذه الأيام مفاوضات أوروبية إيرانية لإقناع طهران بوقف تخصيب اليورانيوم، لكن في ظل الإصرار الإيراني بمواصلة تخصيب اليورانيوم و تصميم الغرب وفي مقدمتهم الولايات المتحدة على إيقاف هذا التخصيب من المرجح أن يتشهد العلاقات الأمريكية الإيرانية مزيد من التدهور إلا إذا تراجعت إيران في اللحظات الأخيرة عن قرارها بالاستمرار في تخصيب اليورانيوم.

المصدر : مركز الشرق العربي
[line]
  #32  
قديم 25-01-2007, 07:52 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

الأبعاد الفكريّة والعلميّة – التقنيّة للصراع العربي –الصهيوني

الدكتور خلف محمد الجراد

من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000
مقدمة

قامت إسرائيل على العنصرية والاستيطان والإرهاب والإجلاء، واعتمدت في إنشائها وصيرورتها وتوسّعها وعدوانيتها على الدعم المباشر والمطلق من العالم الغربي عامّة والقوى الكبرى خاصّة. ولذلك فهي مُرتبطة عضويّاً واستراتيجياً راهناً ومصيراً بمصالح تلك الدول والقوى العالميّة. وقد يكفي هنا التذكير بآخر خطاب للسيّد ساندي بيرغر مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي (الذي ألقاه في الحادي والعشرين من تشرين الأول /أكتوبر 1999 في "منبر السياسة الإسرائيلية" في واشنطن) حول الأهمية الاستراتيجية الكبرى لمنطقة الشرق الأوسط، والذي قال فيه بالحرف الواحد: "الشرق الأوسط هو أيضاً موطن إسرائيل، وهي من أقرب حلفائنا إلينا، ودولة تربطنا بها علاقة خاصّة تضرب بجذورها في التاريخ، وتتميز بمصالح مشتركة وتدعمها قيم مشتركة بيننا. إنّ حماية أمن إسرائيل هو بمثابة "حماية أمننا نحن".
وتشكيل العقدة الصهيونية بتيّاراتها وألوانها المختلفة، كالصهيونيّة الروحيّة، الصهيونية العمليّة، الصهيونيّة العمّالية، الصهيونيّة التوفيقيّة، الصهيونية التنقيحية، الصهيونية الدينيّة، الصهيونية الكولونياليّة، الصهيونيّة الإصلاحيّة والصهيونيّة السياسيّة.. الخ، تشكّل الأبعاد الفكرية- الثقافية والتاريخيّة الزائفة، أو الخلفية النظريّة والقاعدة الارتكازية لإسرائيل
(أو "الأساطير المؤسّسة للسياسة الإسرائيلية") تبعاً لتسمية المفكّر الفرنسي روجيه غارودي).
وقد كرسنا الفصل الأول من هذا الكتاب لتتبّع نشوء التيارات والاتجاهات الصهيونية، وأبرز مُنّظّريها و"آبائها الروحيّين" ودُعاتها، والأفكار والمكوّنات الفلسفيّة –اللاّهوتية الناظمة لأنشطتها وتحرّكاتها وأساليبها، بما في ذلك تنظيماتها وأعمالها الإرهابية ضد القرى والبلدات والمدنيّين الآمنين من عرب فلسطين، والتي نفّذتها بوحشية غير مسبوقة جماعات "الأرغون" وعصابات "الهاغاناه" و"شتيرن" حيث تفاخر بها قادتهم وزعماؤهم المعاصرون، مثل: بيغن وشامير وغولدامائير ودايان ورابين وغيرهم. مُظهرين التأثيرات الفكريّة للعنصريّة الصهيونيّة في تكوّن أنماط محدّدة من الشخصية العدوانية الإسرائيلية، التي تتسّم (وفق دراسات وأبحاث ميدانية أشرنا إلى مصادرها ونتائجها) بجملة من المآزق النفسيّة والاجتماعية والعصبيّة والأخلاقيّة، كمفرزات سلوكيّة للحركة الصهيونيّة، و"التربية" الإسرائيلية العدوانية على مدى حوالي قرن من الزمن. وهو ما دفع الباحث الأمريكي (اليهودي) باري بلخمان لوصف "الانتقامات الإسرائيلية بأنها "سلوك قومي إسرائيلي".
ولكن في المقابل بدأت في إسرائيل (بعد اتفاقات كامب ديفيد) تتبلور حركة جديدة للتغلغل السلمي (ثقافياً وعلمياً) في الجسد العربي، ضمن استراتيجية مدروسة لزعزعة ثوابت الوجدان القومي ومكوّنات الذاكرة الجماعيّة لأمّتنا، بغية هزّ قناعات الأجيال الجديدة، واختراق المرتكزات والقناعات التاريخية والدينية والقومية والحضارية لهذه الأجيال، ومن ثم تحطيم إرادتها في البقاء والوجود المستقل، تمهيداً للإجهاز النهائي على هويّتها وشخصيّتها ومستقبلها برمّته، فقامت بالتخطيط والتنفيذ الدقيق والمبرمج مجموعة كبيرة من مراكز البحوث العلميّة والمعاهد والهيئات والجامعات الإسرائيلية في البلدان العربية، التي وقعت اتفاقات سلام مع إسرائيل. وقد تحدّث الفصل الثاني حول الأنشطة التجسسيّة والتخريبية لمراكز الأبحاث والمؤسّسات الإسرائيلية، خدمة للتطبيع والاستراتيجية الصهيونية. حيث تناولنا بالتفصيل واستناداً إلى أدقّ الوثائق والمصادر ما قامت وتقوم به الهيئات والمؤسّسات الأكاديمية
الإسرائيلية، "كالمركز اليهودي- العربي في جامعة حيفا"، و"معهد العلاقات الإنسانية" (في جامعة حيفا)، و"قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في الجامعة العبرية" ومركز يافي للدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب" و"المركز الدولي للسلام في الشرق الأوسط" و"المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" وغيرها من المراكز والمؤسّسات البحثيّة –الاستخبارية الإسرائيلية.
والحقيقة فإنّ هذه الدراسة من حيث مصادرها ومراجعها وتوثيقها وأهدافها، وكذلك استنتاجاتها تتقاطع مع عدد من المؤلّفات الجادّة والنادرة، التي نشرها باحثون عرب نعتزّ بوطنيتهم وغيرتهم وعلمهم وموضوعيتهم.. ونخصّ منهم في هذا المجال: الأستاذ مدحت أبو بكر وكتابه "محاولات تهويد الإنسان المصري" (مصر العربيّة للنشر والتوزيع، 1987)، والأستاذ عرفة عبده علي وكتابه "تهويد عقل مصر" (دار سينا للنشر، 1989)، والدكتور رفعت سيّد أحمد وكتابه الهام "علماء وجواسيس: التغلغل الأمريكي- الإسرائيلي في مصر"، وكتابه الوثائقي للملفّات السريّة "للمركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" والصادر تحت عنوان "وكر الجواسيس في مصر المحروسة" (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1995)، وغير ذلك من مصادر أشارت إليها الدراسة بالتفصيل.
أما الفصل الثالث فنناقش فيه تأثيرات التحدّي العلمي – التقني على الأمن القومي العربي، التي توظّفها إسرائيل في سياق استراتيجيتها العدوانيّة التوسّعية الشاملة في هذه المنطقة وما يتاخمها من أقاليم وبلدان ومناطق.
وقد توقّفت الدراسة عند تحليل الأرقام والإحصاءات المتصلة بمراكز الأبحاث والتطوير، وأعداد الباحثين وتخصّصاتهم وإنتاجهم العلمي في البلدان العربية، مع مقارنتها بالأرقام العالمية والإسرائيلية على وجه التحديد. كما عرّجنا على مسألة في غاية الأهمية والخطورة، وتتمثّل في هجرة الأدمغة العربية، وما يقابلها من استقطاب إسرائيلي لأعداد ضخمة من الكفاءات والخبراء وأفضل الباحثين في العالم، ولا سيّما من دول وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. وحاولت الدراسة تقديم تصوّرات واقعية لمواجهة المخاطر والتحدّيات التي تواجه أمننا القومي في المجال العلمي- التقني.
أمّا الفصل الرابع والأخير فقد كرّس لمناقشة مسألة الخيار النووي، وبناء قاعدة عربية للبحث العلمي والتكنولوجيا. حيث استعرضنا عدداً من الآراء والاتجاهات العربيّة فيما يخصّ مسألة الخيار النووي. والتي يجمع معظمها على أنّ أمننا القومي لا يتحقق إلاّ عن طريق امتلاك القوّة الذاتية الرادعة، مع العمل الحثيث على نزع أسلحة الدمار الشامل من المنطقة. وإذا كنّا مع الاتجاه القائل بأنّ الاعتماد على الذات هو خيار استراتيجي لا نملك التخلّي عنه، إلا أنّنا في الوقت نفسه قمنا (في هذا الفصل) بتحليل واقعي وتفصيلي (استناداً إلى أحداث الأرقام والمعطيات المتوافرة) للقدرات الإسرائيلية والعربية، المستخدمة في ميدان العلم والتكنولوجيا. وفي هذا السياق جرى استعراض للمراحل والتطوّرات التي مرّت بها مؤسّسات الأبحاث الإسرائيلية بدءاً من عشرينيات هذا القرن (قبل قيام الدولة الصهيونية بأكثر من ربع قرن) وصولاً إلى الوضع الحالي، الذي يتميزّ بامتلاك إسرائيل للأسلحة النووية، والأسلحة الصاروخيّة. البالستية وأقمار التجسّس وأبحاث الفضاء، والصناعات الإلكترونية المعقدة وعالية التقانة. كما قدّمت الدراسة آخر الإحصاءات المتعلّقة بنفقات إسرائيل على البحث العلمي والتطوير في المجالات المختلفة، ومقارنة ذلك كلّه بما تخصّصه الأقطار العربية في هذا الميدان. ويتبيّن لنا من خلال هذه المقارنات حجم التحدّيات، التي سوف يحملها لنا القرن المقبل في حال تحقّق السلام مع إسرائيل. فالمواجهة العلميّة- التكنولوجية والاقتصادية لزمن السلم قد تكون أصعب بكثير من المواجهة في زمن الحرب. وإنه للوصول إلى هذه الغاية، لا بدّ من مراجعة شاملة وجدّية لإمكاناتنا وقدراتنا المبعثرة حالياً، والمفتقرة إلى التجميع والتنظيم العقلاني والتخطيط العلمي، والرؤية الاستراتيجية المستقبلية لأهمية وخطورة الأبعاد الفكريّة –الثقافية.. والعلميّة- التقنيّة في صراعنا المستمر مع الصهيونيّة وتجلّياتها العدوانيّة الإسرائيليّة.
علماً أنه لا يمكن لأي صورة من الصور تحقيق الأمن الوطني الكامل لأية دولة عربيّة بمعزل عن الأمن القومي للدول العربية الأخرى.
فلا خلاص لقطر عربي مهما كانت قوّته الاقتصادية أو العسكرية أو العلميّة بمعزل عن الأقطار الأخرى، وإن بلغ دخله السنوي مئات المليارات. لأنّ إقامة البُنية الاجتماعيّة –الاقتصادية والعلميّة والحضارية تحتاج إلى معونة وجهود وطاقات العرب كلّهم، الذين يشكّلون قوّة متكاملة –وإن كانت غير متحقّقة حالياً –ذات أبعاد جيو- استراتيجية شامية إقليمياً ودولياً وإنّ إعادة الاعتبار للعمل العربي المشترك (في المجالات كافة) من شأنه تمهيد الطريق لنهضة عربيّة كبيرة في الميادين الاقتصادية والعلميّة والتقنيّة، وبذلك نواجه التحدّيات العلميّة والعسكرية والتقنية الإسرائيلية كجزء من صراعنا الوجودي الشامل.

دمشق: أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر 1999
خلف الجراد

الفصل الأول

المرتكزات العنصريّة للفكر الصهيوني، وتجلياتها الإرهابيّة

الصهيونية دعوة وحركة عنصرية – دينية استيطانية إجلائية، مرتبطة نشأة وواقعاً ومصيراً بالإمبريالية العالمية، تطالب بإعادة توطين اليهود وتجميعهم وإقامة دولة خاصة بهم في فلسطين بواسطة الهجرة والغزو والعنف كحلّ "للمسألة اليهودية".
والكلمة نسبة إلى صهيون، اشتقها ناتان برنباوم (1890) ليصف بها تحوّل تعلّق اليهود بجبل صهيون وأرض فلسطين من البُعد الديني "الماشيحاني" القديم إلى برنامج سياسي استعماري إقليمي يستهدف "عودة الشعب اليهودي" إلى فلسطين.
تأثر العديد من المفكرين اليهود بالنزعة القومية العنصرية التوسعية التي سادت أوروبا في القرن التاسع عشر، مثل هيرش كالبشر (1795-1874) في كتابه "البحث عن صهيون" وموسى هس (1812-1875) في كتابه "روما والقدس" وليوبينسكر (1821-1891) في كتابه "التحرير الذاتي" وتيودور هرتزل (1860-1904) في كتابه "الدولة اليهودية".
لا يدخل في عداد هذا البحث التأريخ للحركة الصهيونية وإنما تسليط الضوء على المرتكزات والمكوّنات العنصرية- العقيدية للفكر الصهيوني، والممارسات الإرهابية التي تستقي مفرداتها وأساليبها من تلك المنابع، أو المتفرعة عنها، كنماذج من شأنها إبراز الطبيعة العدوانية- الفاشية لهذه الأيديولوجيا (1)، وخطورة أعمالها وسياساتها الاستيطانية، الإحلالية –الحاقدة، ليس على الشعب العربي وحسب، بل على شعوب كثيرة في العالم. فالصهيونية بدلاً من أن تحلّ ما سُمّي بـ "المشكلة اليهودية" خلقت ما يمكن تسميته "المسألة الإسرائيلية"، التي أصبحت تشكّل عبئاً ماديّاً ومعنوياً ونفسياً كبيراً على اليهود. ونشير في هذا السياق إلى قرار الأمم المتحدة الصادر في العاشر من تشرين الثاني 1975 باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وضرورة معاملتها العالمية"، ودعا في نهاية السبعينيات إلى التخلّي عن الصهيونية كحلّ للمشكلة الإسرائيلية(2).
فالصهيونية أكثر من قضية سياسية أو ثقافية، إنّها أيديولوجية استغلت الأفكار الدينية، الأفكار الراسخة في العقل الجمعي والمخيال العام لليهود، ومن السهل تحريكهم عن طريق ذلك الموروث. حيث ثبت عملياً أنّ القوى الصهيونية بتياراتها وفرقها المختلفة أدركت أهمية العقيدة الدينية، واستثمرت عناصرها لأبعد الحدود. فالدين هنا يساهم في تدعيم البنية الروحية –الذهنية لعامة الناس، وأداة لخدمة الاستراتيجية الصهيونية الشاملة.
وعند صدور قرار الأمم المتحدة، الذي يدين الصهيونية بوصفها شكلاً من أشكال العنصرية، هبّ زعماء اليهود في مختلف أنحاء العالم لمجابهته، مدّعين بأنه "إعلان للحرب من جانب الأمم المتحدة على الشعب اليهودي واليهودية".
وممّا قالوه فيه: "إنه ليس موجّهاً ضدّ الصهيونية وحدها. إنه موجّه ضد الشعب اليهودي، ضد اليهودية، لأنه ليس هناك من فرق بين الصهيونية وبين اليهودية"(3).
فالواقع أنّ اليهود بغالبيتهم يعتقدون، كما يقول الكاتب اليهودي المعروف نعوم تشومسكي، بأنه "لا يمكن أن تكون هناك أمّة، أو دولة إسرائيل، بمعزل عن الشعب اليهودي. لأن الشعب اليهودي يتألف من اليهود المقيمين في إسرائيل، ومن يهود المنفى أيضاً"(4).
ونشر المؤتمر اليهود الأميركي إعلاناً في صحيفة "نيويورك تايمز"، تضمّن عبارات من مثل: "نحن فخورون بأننا يهود. نحن فخورون بأننا صهيونيون"(5).
ثم عقد مؤتمر "مؤتمر أورشليم لوحدة الشعب اليهودي" يوم 3/12/1975 في "الكنيست الإسرائيلي"، شارك فيه 170 من زعماء اليهود في العالم، ألقى فيه رئيس "دولة إسرائيل" أفرايم كاتسير، كلمة قال فيها: "إنّ هذا المؤتمر يشكّل رمزاً لوحدة إسرائيل واليهود والصهيونية"(6).
وقبل ثلاثة عقود كان الحاخام يهودا ماغنس (7) قد أشار إلى هذه الوحدة في معرض تعليقه على جرائم الإرهابيين الصهاينة في الأيام الأولى من عمر الكيان الصهيوني، بقوله: "من السهل طبعاً أن نتهم الصهيونيين الإرهابيين بأنهم وحدهم المسؤولون عن هذه الجرائم الوحشية التي ارتكبت في الأرض المقدّسة. ولكن من هو المسؤول عن هؤلاء الإرهابيين؟ إنّ كلّ يهودي منّا يحمل نصيباً من المسؤولية. فمن السهل أن يتبرّأ كل يهودي من الصهيونية عند اللزوم، لكن كل يهودي في الواقع يُعَدّ مسؤولاً عن وجود الصهيونية نفسها". وأضاف ماغنس: "كيف نعفي من المسؤولية اليهود الذين يشتركون في خمسة آلاف جمعية يهودية في الولايات المتحدة، وكلّها تجمع التبرعات لإسرائيل؟ كيف نعفي من المسؤولية يهود العالم الذي لا يقولون كلمة واحدة ضد الصهيونية، ولا يبذلون أي مجهود حقيقي لمحاربتها؟ وأنهى تعليقه بقوله: "إنّ اليهودي الصهيوني، واليهودي الذي يسكت عن الصهيونية، هما شيء واحد، أشبه ما يكون بالعملة النقدية ذات الوجهين"(8).
وبرأي بن غوريون، فإن "الصهيوني هو اليهودي الذي يحسّ ويعترف بأنه يعيش في منفى، إذا كان من مواطني أي بلد غير إسرائيل، ولذلك يقرّر العودة إلى جبل صهيون" (9).
والواقع أنّ كلّ يهودي أو غير يهودي يؤمن بضرورة استمرار وجود "دولة إسرائيل"، ويساعدها بأي شكل من أشكال المساعدة، هو صهيوني، حتى وإن بقي في بلده: انجليزياً كان أم فرنسياً أم ألمانياً أم أمريكياً.. الخ.
كما أنّ هناك ترابطاً عضوياً لا تنفصم عراه بين كلّ من اليهود والصهيونيّة وإسرائيل. فاليهود يعدّون أنّ كلّ يهودي في العالم هو جزء منهم، وأن لا فرق من الناحية القومية، بين اليهود الذين يعيشون في إسرائيل، وبين اليهود في أمريكا أو روسيا مثلاً، فالدين اليهودي بالنسبة إليهم يُعَدّ عنصراً أساسياً في القومية، خلافاً لكلّ النظريات والدراسات والأبحاث، التي أجمع عليها العالم كلّه في هذا السياق.
والصهيونية تهدف إلى تطبيق التعاليم اليهودية، وتلتزم بالطابع الديني للدولة اليهودية، وتؤمن عموماً بأنّ الدين هو الدافع الأول لخلق الدولة اليهودية.
فالدين في نظر المفكرين اليهود والصهاينة، "هو الأساس الذي تقوم عليه الأيديولوجية أو القومية اليهودية" (10) كما يقول البروفسور إسرائيل شاحاك- وهو القاسم المشترك بين اليهود، الذين يضمن "نقاءهم العنصري وولاءهم القومي" الأمر الذي عبّر عنه البروفسور يعقوب تالمون، أستاذ التاريخ في الجامعة العبرية، بقوله: "إنّ الكنيس اليهودي هو وحده محور الهويّة الذاتية في دول الغرب" (11).
وإسرائيل تربط كيانها السياسي بالدين، وتجعل من الدين أساساً لوجودها وحجّة في اغتصاب الأرض ومن ثم استملاكها. فقد حُدّدت أهداف الدولة في "إعلان الاستقلال" بما يلي:
"دولة إسرائيل ستكون مفتوحة أمام الهجرة اليهودية ولجمع الشتات وستعمل على تطوير البلاد لصالح كافة سكانها". كما جاء في البند الأول من "قانون العودة" لسنة 1950 ما يلي: "يحقّ لكلّ يهودي أن يهاجر إلى إسرائيل وأن يستقرّ بها". فالهدف الرئيس من إقامة إسرائيل هو جعلها دولة لليهود المقيمين فيها أو في أي مكان آخر في العالم، ولكل يهودي في العالم الحق في المجيء إلى إسرائيل ونيل الجنسية الإسرائيلية. وقد ألغى القانون الأول الذي أصدره مجلس الدولة جميع الأنظمة التي كانت تحدّ من دخول اليهود واستيطانهم في فلسطين، وأعطيت المواطنة الشرعية لكل يهودي داخل فلسطين قبل قيام "إسرائيل"، وفتحت أبواب فلسطين لدخول اليهود، وألغيت جميع القيود القانونية على تملكهم الأرض الفلسطينية. وقد فرضت هذه القوانين على جميع المناطق الفلسطينية التي سقطت تحت الاحتلال، بما فيها المناطق الخارجية عن حدود الدولة اليهودية المبينة في خريطة التقسيم.
وفي الأعوام الأولى لقيامها، سنّت إسرائيل القوانين اللازمة لتثبيت كيانها وخدمة أهداف الحركة الصهيونية والهجرة اليهودية، ونزع ملكية العرب الذي غادروا البلاد وأصبحوا لاجئين، وتقليص ملكية العرب الذين صمدوا في أرضهم تحت الاحتلال. ومن أهم هذه القوانين: قانون العودة لسنة 1950، قانون أملاك الغائبين لسنة 1950، قانون أملاك الدولة لسنة 1951، قانون الجنسية لسنة 1952.
وبمرور السنين، تقلّصت وأبطلت القوانين العثمانية والانكليزية (الانتدابية)،وازداد الاعتماد على مفاهيم و"تقاليد""الشرائع" اليهودية القديمة(12).
وبناء عليه، فإنّ إسرائيل هي تجسيد جزئي للمشروع الصهيوني، الذي لم يستكمل بناءه الذاتي النهائي، ولم تصل إلى حدودها "التوراتية" المزعومة بعد وفي تصريح لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو حول هذه المسألة قال "إنّ حدودنا النهائية حيث يقف الجنود الإسرائيليون ومنابع المياه". من هنا فإنّ إسرائيل كيان سياسي استيطاني- عنصري، بجميع الخصائص والسمات الجوهرية لمعنى الاستيطان العدواني والعنصرية الشوفينية. ولأنّ الصهيونية طرحت نفسها بصفة "حركة تحرر قومي" لما أسمته "الشعب اليهودي"، فصنيعتها أو ثمرتها –إسرائيل- ورثت هذا الدور والأيديولوجيا، وبالتالي حدّدت نفسها "دولة يهودية" في "إعلان الاستقلال" (4 أيّار مايو 1948). وبهذه الصفة، وعلى أرضية الواقع اليهودي القائم، فإنّ إسرائيل، وعلى أرضية الواقع اليهودي القائم، فإنّ إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا تنظر إلى نفسها، بحسبانها ممثّلة للمستوطنين فيها فقط، وإنّما بوصفها دولة الشعب العربي كلّه، في بقاع العالم بأسرها. ووفق "قانون العودة" الإسرائيلي، يمكن لأيّ يهودي اكتساب الجنسية في إسرائيل بمجرّد الهجرة إليها بنيّة الاستيطان. ولأنها تمنح هذا الحقّ لليهود حصراً، وتحجبه عن سواهم، بمن فيهم أهل البلد الأصليون –الفلسطينيون- وتميز ضدّ من وقع منهم تحت احتلالها، فإنّ إسرائيل تُعدّ في الأعراف الدولية السائدة دولة عنصريّة، الأمر الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 3379 (لعام 1975)، الذي يحدّد صراحة "أنّ الصهيونية هي شكل من العنصرية والتمييز العرقي" فالتزام إسرائيل بالصهيونية، وبالتالي بيهودية الدولة، وعليه بالتمييز العنصري ضد غير اليهود فيها، راسخ إلى درجة منع طرحه للمناقشة في المؤسّسة الإسرائيلية الحاكمة، وذلك بموجب قانون أقرّه "الكنيست" (البرلمان) سنة 1985، يحظر طرح مشاريع قوانين "تنفي وجود إسرائيل كدولة للشعب اليهودي". وانطلاقاً من المبادئ الصهيونية التي تعتمدها إسرائيل، يعدّ الحكمُ فيها الأرضَ ملكاً جماعياً لما يسمّيه "الشعب اليهودي" وصاية الدولة أو "الصندوق القومي اليهودي"، وهما معاً يسيطران على نحو 92% من الأراضي الفلسطينية التي تم الاستيلاء عليها حتى نهاية 1948. وحكومة إسرائيل الأولى (المؤقتة التي ألفت فور إعلان الاستقلال سنة 1948)، لم تكن سوى "الوكالة اليهودية" (فرع فلسطين) بمختلف مؤسّساتها، مع تعدّد التسميات والعناوين.
والكيان اليهودي الذي أقامه الصهاينة في أرض فلسطين يستند واقعاً وديماغوجياً (دعاويّاً، تضليلياً) إلى مجموعة من المرتكزات الدينية والعنصرية، والتزييف التاريخي الصريح والمكشوف. فهذا الكيان تجمعه رابطة أساسية هي الديانة اليهودية بفرقها وطوائفها ومذاهبها المختلفة، ويوحّده اعتقاد اليهود بأنهم يشكلون عنصراً جنسياً متميزاً. أمّا التاريخ فقد "أعادوا كتابته" لينسجم مع تلك الأكاذيب والأضاليل، بحيث يسهم في ترسيخ القناعات بأنهم إنّما ينفذون ما أملته عليهم الأحداث، وبذلك "يستعيدون حقوقهم التاريخية" التي سلبها "الأغيار". وهذه العوامل أو المرتكزات الثلاثة مترابطة، فعنصرهم "المتميّز" حدا بالإله "اليهودي "يهوه" كي يختارهم شعباً خاصاً به فهو "إلههم" وحدهم، وهو الذي حدّد لهم شريعتهم" وطقوسهم وخرافاتهم وفحشهم وعدوانيتهم، وهو الذي جعل من نصيبهم "أرض الميعاد"!!
والواقع أنّ الولاء للدين والطقوس و"الشريعة" هي العناصر التي تجمع بين اليهود، في الظاهر على الأقل، وحجّة الآخذين بهذا الرأي تقوم على العناصر التالية (14):

1-إنّ الحقّ التاريخي الذي يخوّل اليهود الاستيلاء على فلسطين، يستمدّ مقوماته الجوهرية من الديانة اليهودية.

2-نّ البقاء اليهودي عبر العصور هو أشبه بالمعجزة، أو الأعجوبة، التي لا يمكن تفسيرها إلا على أساس الدين، الذي يُنظر إليه وكأنه قادر على التعويض عن غياب جميع العوامل الأخرى لحفظ التلاحم "القومي" اليهودي. وبهذا الصدد يقول أحاد هاعام: "لقد كنّا يهوداً لمدة ثلاثة آلاف سنة لأنه لم يكن بوسعنا أن نكون شيئاً آخر، ولأنّ قوة جبارة تربطنا بالديانة اليهودية وتفرض نفسها على قلوبنا، ولأنّ الديانة اليهودية تعيش فينا جنباً إلى جنب مع جميع الغرائز الطبيعية التي تنمو في الإنسان منذ ساعة ولادته("15).

3-إنّ مبرّر وجود إسرائيل، لا بل "حقها في الوجود" يزعمون أنه مُستَمدٌّ من الدين (16). وإذا ما كانت إسرائيل قد أسّست من أجل يهود العالم. وإذا ما كانت غايتها لم شمل اليهود الذين تنتظمهم ديانة مشتركة، فهل يمكن فصل فكرة الوطن اليهودي عن الدين اليهودي؟"(17)، كما يتساءل أوري أفنيري.

والحقيقة أنّ اليهود لا يشكّلون أمة واحدة، ولا يُكوّنون مجموعة قومية أو عرقية، وليس هناك تركيبة اثنية يهودية، ولا وجود لجنس يهودي متميّز، وإنّما هم عناصر بشرية تنتمي إلى جميع الأجناس، من أوروبا إلى أمريكا إلى آسيا وافريقيا. وليس لهم لغة واحدة، بل يتكلمون لغات الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها. وليس لليهود عادات مشتركة وتاريخ مشترك، فسلوكهم يعكس تقاليد وعادات المجتمعات في أوطانهم الأصليّة. و"الدولة اليهودية" القديمة، التي يشيرون إليها باستمرار لم تدم أكثر من 78 عاماً في عهدي داود وسليمان، وفي رقعة لا تتجاوز عشرة أميال مربعة (18). علماً أنه ظهرت في الآونة الأخيرة دراسات وأبحاث لمؤرخين إسرائيليين تشكّلت جذرياً بصحة تلك المزاعم.
وكان قد عبّر عن هذا الرأي الوزير اليهودي في الحكومة البريطانية، السير أدوين مونتاجو، في مذكرة رسمية قدّمها إلى حكومته بعد إصدارها تصريح بلفور، بقوله: "لا توجد أمة يهودية. إنّ أفراد أسرتي مثلاً الذين عاشوا في هذا البلد (بريطانيا) عدّة أجيال، لا يربطهم بأيّ أسرة يهودية في أي بلد آخر أي اتفاق في رأي أو رغبة. ولا يجمعهم بها أي شيء آخر أكثر من كونهم يعتنقون بدرجات متفاوتة الديانة نفسها. ولا يصح القول إنّ اليهودي في إنجلترا واليهودي في المغرب ينتميان لأمة واحدة. كما لا يصح القول إنّ المسيحي في إنجلترا والمسيحي في فرنسا ينتميان لأمة واحدة. كما لا يصح القول إنّ المسيحي في إنجلترا والمسيحي في فرنسا ينتميان لأمة واحدة" (19).
فالكيان الصهيوني، الذي أوجدته القوى الاستعمارية الكبرى في أرض فلسطين، يحمل في تركيبته الأثنية- القومية كل الخلافات العرقية. فما الذي يجمع قومياً اليهودي الروسي والألماني واليهودي المغربي واليهودي الأمريكي واليهودي الأثيوبي مع اليهودي الفرنسي.. الخ؟!
الصهيونية بأحابيلها ودسائسها وتضليلها ومزاعمها ساقت الأفراد اليهود باسم "العودة إلى أرض الميعاد"، وباسم "الخلاص" و"التحرّر" من الاضطهاد وأوضاع "الجيتو" وتحت عنوان الهروب من "العداء للسامية" والتمييز العنصري إلى فلسطين بدعم مباشر من الدول الغربية الكبرى.. فجلبت إلى هذه الأرض العربية ملايين اليهود، الذين يتحدرون من مائة وخمسين بلداً، وينتمون إلى أكثر من ثمانين شعباً ولغة. ويتوزعون على اتجاهات فكرية وثقافية تتجاوز خمسين اتجاهاً متناحراً.

للاطلاع على الدراسة بالكامل حمّل الملف المرفق من هنا :
الأبعاد الفكريّة والعلميّة

[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 25-01-2007 الساعة 08:43 AM
  #33  
قديم 25-01-2007, 08:29 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

دراسة شاملة عن تطوير الجامعة العربية
المقدمة والخلاصة

29 مايو1941 أدلى المستر أنطوني إيدن وزير خارجية بريطانيا بتصريح بمجلس العموم البريطاني نصه الكامل في متن الكتاب مع سرد حوافزه ودواعيه
وكان لهذا التصريح أثر هام في حياة العرب السياسية فقد نتج عنه إنشاء الجامعة العربية
وقد تلقف قادة العرب ذلك التصريح البريطاني فبدأوا التشاور فيما بينهم لإنشاء الجامعة العربية وكان زمام المبادرة بيد مصر في هذا الشأن فتولت دعوة الدول العربية إلى اجتماعات ومشاورات أفضت في النهاية إلى إنشاء منظمة عربية عرفت باسم "جامعة الدول العربية" وضع لها ميثاق تم إقراره بعد سلسلة من الاجتماعات. وفي ربيع عام 1945 انعقد في القاهرة المؤتمر التأسيسي الذي تم فيه توقيع ميثاق الجامعة العربية بصيغته النهائية من قبل سبع دول عربية
وتوالى بعد ذلك قيام دول عربية مستقلة حتى أصبحت الجامعة العربية مؤلفة من ثلاث عشرة دولة عربية في عام 1967. وانضمت فيما بعد دول عربية أخرى، كل واحدة منها عند استكمال استقلالها حتى أصبحت الجامعة العربية مؤلفة كما هي الآن من اثنتين وعشرين دولة
تلك هي سيرة نشوء الجامعة العربية في كلمات قليلة، بعد أن مضى على تأسيسها خمسة وثلاثون عاماً
وقد باشرت الجامعة العربية نشاطها خلال هذه المدة الطويلة فعقدت عدة اجتماعات عادية وغير عادية ومارست شؤوناً عربية متعددة سياسية واقتصادية واجتماعية سردنا بعض تفاصيلها في هذه الدراسة
واجهت الجامعة العربية، أول ما واجهت، حرب فلسطين عام 1948 وكان للهزيمة العربية في تلك السنة أثر خطير على مصير الجامعة وفاعليتها وثقة الرأي العام العربي والدولي بها
ثم توالت الأحداث على الجامعة العربية فكشفت في جملة ما كشفت عن ضعف الجامعة ميثاقا وهيكلا وسلوكا
كما ظهر بوضوح أن الدول العربية الأعضاء لم تمنح الجامعة الاختصاص الكامل لمعالجة القضايا العربية وخاصة الاقتصادية منها
وعموما فإن الدول العربية قد أولت الأمم المتحدة من المساندة والتأييد ما لم تمنحه لمنظمتها التي هي أولى بالثقة والرغبة في توفير أسباب النجاح، بل إنه حدث غير مرة أن لجأت بعض الدول العربية إلى المنظمة الدولية وتجنبت المنظمة العربية
وكان مقدراً في بعض الحالات أن تتولى المنظمة الدولية حل الخلافات العربية في معزل عن الجامعة العربية
وكانت الحصيلة النهائية للمقارنة بين الجامعة العربية والأمم المتحدة أن المنظمة الدولية قد حققت في الوطن العربي نشاطات وإنجازات لم تستطع الجامعة العربية أن تقوم بمثلها في وطنها وكان وجه الغرابة في هذا المجال أن الدول العربية قد يسرت للأمم المتحدة القيام بأنشطة لم تسمح بمثلها للجامعة العربية وهي منظمتها، ولا يتسع المجال لذكر الأمثلة على ذلك فإنها معروفة ويكفي أن نعلم أنه ما من عاصمة عربية إلا وفيها مؤسسات للأمم المتحدة تؤدي دورها كاملا من غير قيود ولا عوائق، في حين أن الجامعة العربية لا تملك مثل هذه المؤسسات في عواصم أقطارها، ومكاتب الأمم المتحدة الإعلامية إنما هي مثل على ذلك
وقد أصيب الرأي العام العربي بخيبة أمل كبيرة إزاء منظمته وشارك عدد من المسئولين العرب في الحملة على الجامعة العربية والتنديد بسلوكها وعجزها عن تحقيق طموحات الأمة العربية حتى بدا لأول وهلة بأن للجامعة العربية شخصية مستقلة عن شخصية الدول العربية وسيادتها وأنها تملك إرادة منفصلة عن إرادة الدول العربية، ثم إن الخلافات التي نشبت بين الدول العربية قد كانت سبباً آخر في الحملة على الجامعة العربية والتهوين من أمرها وتضافرت كل هذه الأسباب في استهانة المواطن العربي بالجامعة العربية والتقليل من شأنها، ولا يغيب عن البال أن قادة العرب الذين عملوا على إنشاء الجامعة العربية قد قادوا حملة إعلامية كبرى في الأصل فأدخلوا في روع المواطن العربي أن الجامعة العربية ستكون قادرة على تحقيق آمال العرب الكبرى في الوحدة وقد سميت المشاورات التي جرت في الإسكندرية لتأسيس الجامعة العربية باسم "مشاورات الوحدة العربية" ولكن ما أن اطلع المواطن العربي على الميثاق الذي صاغه قادة العرب حتى رأوه بعيداً عن تحقيق الوحدة العربية، ولو في خطوات تمهيدية، ذلك أن الميثاق قد قام على أساس التعاون والتنسيق بين الدول العربية في حدود الرضا والإمكان
و جرت محاولات متعددة لإعادة النظر في ميثاق الجامعة عبر الأعوام الخمسة والثلاثين الماضية ولكن هذه المحاولات لم تكن جادة ولا عميقة
وبدلاً من معالجة أمور الجامعة معالجة جذرية فقد لجأت الدول العربية إلى وسائل خاطئة لتصحيح أوضاع الجامعة العربية وكان من أهم هذه الوسائل الخاطئة أن اتجهت الدول العربية إلى تقليد الأمم المتحدة فراحت تنشئ العديد من المؤسسات والمنظمات على نحو ما هو جار في الأمم المتحدة وقد فات الدول العربية أن الأمم المتحدة منظمة عالمية لا إقليمية وأنها تتحمل مسؤوليات عالمية تتطلب منظمات متعددة ووكالات متخصصة وهذا لا ينطبق على الجامعة العربية
ومما يجب توكيده أن أبرز مظاهر الضعف والعجز في الجامعة العربية قد تمثل في النواحي الاجتماعية والاقتصادية وإذا كانت الجوانب الاقتصادية لم تلق العناية الكافية في ميثاق الجامعة بسبب أن الدول العربية المؤسسة للجامعة كانت دولا فقيرة تعتمد على العون الأجنبي فإن الثروات العربية الكبرى التي امتلكتها الدول العربية بعد تأسيس الجامعة هذه الثروات كان يجب أن تجد مجالاً لنشاطها في إطار الجامعة العربية بما يجعل الوطن العربي سوقاً عربية واحدة وساحة متكاملة للنشاط الاقتصادي العربي بحيث تصبح الدول العربية منفردة أو في مجموعها قوة اقتصادية لخير الأمة العربية وعزتها وقوتها، وهنا وقعت الدول العربية في خطأ آخر أصاب الجانب الاقتصادي وبدلاً من أن يكون عمل الجامعة العربية قائماً على خطة اقتصادية واحدة تتناول الوطن العربي بأسره والثورة العربية بكاملها فقد تعددت الأجهزة والمنظمات الاقتصادية وبذلك تبددت الجهود وقل الانتفاع بالثروة العربية
وكان من نتائج هذا التعدد أن أصبح في داخل الجامعة العربية بضع عشرة منظمة ومؤسسة قليلة الجدوى والفائدة، كما تعددت صناديق التنمية في البلاد العربية، وكان الأجدر أن تتجمع كل أموال التنمية العربية في مؤسسة واحدة في إطار الجامعة العربية ويكون الوطن العربي هو الساحة الواحدة للثروة العربية
وفي هذا المجال فإننا لا نستطيع أن نقاوم الاستشهاد بالإنجازات التي حققتها جماعة السوق الأوروبية وهي أقصر عمراً من الجامعة العربية. فقد استطاعت المنظمة الأوروبية عبر العشرين سنة الماضية أن تجعل من أوروبا الغربية ساحة اقتصادية واحدة ومن الإنسان الأوروبي مواطناً أوروبياً واحداً فضلاً عن أن الأشهر الأخيرة قد شهدت برلماناً أوروبياً واحداً كل ذلك وراء الأمل الأكبر في إقامة أوروبا المتحدة بين دول لا تملك ما نملك من مقومات الوحدة في اللغة الواحدة والتاريخ الواحد والمصير المشترك
ولمناسبة انتقال الجامعة العربية إلى تونس فقد تصاعدت الأصوات في المحافل العربية الرسمية وغير الرسمية بأن الظروف كلها تلح على إعادة النظر في الجامعة العربية بصورة جدية، حتى تستطيع أن تؤدي رسالتها لخير الأمة العربية. ومما يضاعف في هذا الإلحاح والإصرار أن الظروف التي كانت تسود الأمة العربية يوم نشوء الجامعة العربية قد تبدلت تبدلاً أساسياً في كثير من الأمور الهامة
من هذه الأمور أن الوطن العربي كانت معظم أجزائه تحت الاحتلال الأجنبي يوم نشوء الجامعة العربية سواء كان هذا الاحتلال فرنسيا أو إيطاليا أو بريطانيا أما الآن فقد بلغت الدول العربية كلها حريتها وسيادتها في المشرق العربي والمغرب العربي على السواء
ومنها أنه اكتشفت للأمة العربية ثروات طبيعية ضخمة، وفي مقدمتها البترول بعد أن كانت الدول العربية في عداد الدول الفقيرة بل أنها كانت إلى عهد قريب عالة على المعونات الأجنبية وما يستتبع ذلك من سيطرة سياسية. أما الآن فقد أصبح عدد من دول الجامعة يملك ثروة ضخمة لها تأثير كبير على الاقتصاد العالمي، دون أن تؤدي هذه الثروة العربية دورها الكامل في بناء اقتصاد عربي مزدهر وفي دفع الأقطار العربية إلى تنمية اقتصادية تصل بالعالم العربي إلى الاكتفاء الذاتي في الغذاء وهو أول متطلبات الحياة القومية السليمة. وكذلك فإن هذه الثروة العربية كفيلة بأن تبني للأمة العربية قوة عسكرية ذاتية تستطيع بها أن تواجه العدوان بصورة جماعية في إطار خطة متكاملة لبناء القدرة العربية وهذا ما تخلفت الدول العربية عن القيام به في إطار الجامعة العربية، وبقي هذا الجهد إفراديا لا جماعياً
وفي هذا المجال لا بد من التوكيد بأنه بدلاً من أن تبني الدول العربية الاثنتان والعشرون قوى عسكرية متعددة وتقتني أسلحة متنوعة فإنه ليس صعب المنال على الجامعة العربية في إطار خطة شاملة متكاملة أن تبني قوة عربية ذاتية واحدة يكمل بعضها بعضاً ويكون الوطن العربي ميدانها وساحتها، ولسنا نريد أن نمضي طويلاً في سرد ما تخلفت الجامعة العربية عن إنجازه ولا في تفصيل الإنجازات الكبرى التي كانت تستطيع الجامعة العربية تحقيقها وبلوغها وخاصة أن الأمة العربية لا تعدم وسائل تحقيقها
ويكفينا القول بعد هذه المقدمة الوجيزة أن نقرر بكل صدق وأمانة أن الحاجة تلح على تطوير الجامعة العربية تطويراً جذرياً وأساسياً، سواء فيما يتعلق بميثاقها أو مؤسساتها أو بالاتفاقات أو المعاهدات التي انبثقت عنها
ويكفينا توكيداً لهذا المعنى أن نشير إلى حقيقة أساسية أنه منذ أنشئت الجامعة العربية قد تغير كل شيء في الوطن العربي إلا الجامعة العربية فقد بقيت على حالها الذي نشأت فيه يوم كانت الأمة العربية فاقدة السيادة الوطنية يسودها الفقر والتخلف والغياب عن الساحة الدولية. وإذا كانت كل الظروف العربية والدولية تدعو إلى تغيير جذري شامل وكامل للجامعة العربية فإن الواجب يلح بأن يكون هذا التغيير مدروساً دراسة علمية حتى تصبح الجامعة العربية أداة أفضل وأقدر على تحقيق آمال العرب في هذه المرحلة الخطيرة التي تمر بها الأمة العربية وخاصة أن الأمة العربية تواجه هذه الأيام أخطاراً أشد مما كان قائماً في الوطن العربي في المرحلة التي تأسست في غضونها الجامعة العربية في أواسط الأربعينات
ومن أجل جامعة أفضل وأفعل، فقد أعددنا هذه الدراسة الكاملة. وأنه من حسن حظ صاحب هذه الدراسة أنه واكب الجامعة العربية منذ نشوئها، فقد كان الممثل الشخصي للرئيس السوري الراحل شكري القوتلي طيب الله ثراه، وبهذه الصفة فقد شارك في مشاورات الوحدة العربية التي انعقدت في قصر أنطونيادسي في الإسكندرية لإنشاء الجامعة العربية، وقد واكب مراحل العمل التأسيسي الذي أدى في النهاية إلى توقيع الميثاق. ثم شاءت الظروف فيما بعد، أن يصبح صاحب هذه الدراسة الأمين العام المساعد في الجامعة في عهد أمينها المرحوم عبد الرحمن عزام باشا، واستمر في هذه الصفة في عهد أمينها اللاحق عبد الخالق حسونة باشا. ثم شاءت الظروف كذلك، فساهم صاحب هذه الدراسة في العديد من اجتماعات مجلس الجامعة حينما كان وزير دولة في المملكة العربية السعودية لشئون الأمم المتحدة
وتوالت هذه المساهمة في مسيرة الجامعة العربية حينما أصبح صاحب هذه الدراسة ممثلا لفلسطين في مجلس الجامعة وفي مؤتمرات القمة في القاهرة والإسكندرية والدار البيضاء والخرطوم بعد أن مارس صاحب الدراسة واجباته كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية
القصد من هذا السرد الذي يبدو في ظاهره شخصياً التوكيد بأن هذه الدراسة ليست قائمة على التقييم النظري العلمي فحسب، لكنها تعتمد على الخبرة والممارسة الطويلة
وكما يرى القارئ فهذه الدراسة التي تبلغ قرابة أربعمائة وخمسين صفحة باستثناء الملاحق تقع في ثمانية عشر فصلاً. وتتألف الفصول من ثمانية أقسام
القسم الأول: لمحة عن أهداف العرب في إنشاء كيان عربي واحد
القسم الثاني: المشاورات العربية بين رؤساء الحكومات لاستطلاع الرأي بشأن إقامة جامعة عربية.
القسم الثالث: الصياغات والاقتراحات المتعددة لإنشاء الجامعة وإقرار ميثاقها.
القسم الرابع: تحليل وتقييم ميثاق الجامعة وبيان مواضع الضعف والنقص فيه.
القسم الخامس: الممارسات الفعلية التي كشفت عن عجز الجامعة وتصورها.
القسم السادس: الخلافات العربية وكيف قصرت الجامعة العربية في تسويتها.
القسم السابع: دراسة مقارنة بين الجامعة العربية والجماعة الأوروبية.
القسم الثامن: المبادئ التي يجب أن يقوم عليها تغيير الجامعة واستبدال ميثاقها.
وبانتهاء هذه الأقسام الثمانية سنرى دراسة شاملة للجامعة العربية منذ نشوئها إلى يومنا هذا مع بيان الأساس والمبادئ التي يجب أن تقوم عليها الجامعة العربية الجديدة
ولا يزعم صاحب هذه الدراسة أنها مثالية ولكنها تصلح أساساً لأن تكون ورقة عمل تدور حولها الدراسة والمناقشة.
ولا تخلو هذه الدراسة من جوانب قاسية ومريرة يفتقر لها التردي الذي وصلت إليه حالة القضية العربية من فرقة واضطراب وإخفاق حتى على تحقيق ميثاق الجامعة الذي ليس هو المثل الأعلى ولا ينكر صاحب هذه الدراسة أن الملامح الوحدوية بارزة في هذه الدراسة وإن كانت كالملح في الطعام
وهذه النظرة الوحدوية كان لا بد منها، ولا يعتذر عنها صاحب الدراسة، ذلك أنه بعد خمسة وثلاثين عاماً من عمر الجامعة أصبح لا بد من مسحة وحدوية تأخذ بها الجامعة العربية
فإن لم تفعل الجامعة ذلك في هذه الأيام فمتى تفعل؟ ومتى تبدأ الأمة العربية خطوة وحدوية إن لم تبدأها اليوم، ما دام قادة العرب أنفسهم لا يفترون عن إعلان الوحدة هدفاً مقدساً للأمة العربية يجب تحقيقه عاجلاً أو آجلاً.

فهذه هي الفرصة وهذه هي الخطوة الأولى. ونرجو أن تستطيع الجامعة العربية اغتنامها. وكل ما نطمح فيه أن تكون هذه المرحلة المقترحة وحدة كونفيدرالية على الأقل إذا تعذر أن تكون فدرالية مع أن كل مقوماتها قائمة والدعوة إليها صارخة.

الفصــل الأول

الكيان العربي الواحد..

مع الملك عبد العزيز والشريف حسين

في الثاني والعشرين من شهر مارس آذار من عام 1945، انعقد في قصر الزعفران في القاهرة مؤتمر عربي برئاسة رئيس مجلس وزراء المملكة المصرية، إيذاناً بقيام أول كيان عربي رسمي، منذ أن سقط الحكم العربي، وسمي هذا الكيان، شأن أي مولود جديد، باسم "جامعة الدول العربية"
والجامعة العربية، وهي تدخل عامها الخامس والثلاثين، لا تعدو أن يكون "وجودها" في هذه الأيام أمراً مألوفاً على الصعيدين العربي والدولي. ولكن الواقع التاريخي، أن مجرد قيام جامعة الدول العربية، مهما قيل في خلفيات نشوئها ونشاطاتها وإنجازاتها، سلباً أو إيجاباً، يعتبر أكبر حدث في التاريخ العربي المعاصر، يأتي بعده بلوغ الدول العربية مرحلة الحرية والاستقلال، دولة بعد دولة.. ذلك أن مرحلة الاستقلال، ولا انتقاص لقدرها وخطرها، إنما تتصل مباشرة بحياة هذا القطر أو ذاك، ولكن قيام جامعة الدول العربية، يتصل بالأقطار العربية كلها، وبالأمة العربية بأسرها، لا لهذا الشعب أو ذاك، وباعتبارها مسئولة عن الوطن العربي أجمع لا عن هذا القطر أو ذاك، يفرض نفسه كأكبر الإنجازات العربية في العصر الحديث.
وربما كان إدراك هذه الحقيقة قد أصبح اليوم فاتراً بمرور الزمن ولكن حين نستذكر أن قيام الجامعة العربية يعبر بذاته عن الشخصية العربية السياسية التي احتجبت قرابة أربعمائة عام بعد إلحاق الأقطار العربية بدولة الخلافة الإسلامية، تتجسد أمامنا أهمية وجود الجامعة العربية تعبيراً عن الكيان السياسي والقومي والحضاري للأمة العربية، رغماً عن أن الجامعة لم تحقق الكثير من طموحات الأمة العربية ولم ترق إلى مستوى الطاقات والقدرات الهائلة التي أصبحت تملكها الأمة العربية وخاصة منذ بدء السبعينات إلى يومنا هذا
وإبراز هذه الحقيقة، لا يقصد به التمجيد والثناء، ولكنه يتصل اتصالاً وثيقاً بالتطلع إلى المستقبل بالنسبة إلى الجامعة العربية، فإن مستقبلها هو مستقبل الأمة العربية سواء بسواء.هذا إذا استقرت عزيمة الدول العربية على الاضطلاع بمسئولياتها القومية بكل جد وصدق وإخلاص
والجامعة العربية، وإن كانت قد ولدت في ربيع عام 1945، إلا أنه من الثابت أن تطلع الأمة العربية لقيام كيان سياسي عربي، يمثل الأمة العربية بأسرها، يعود إلى ما قبل ذلك التاريخ بزمن طويل.
ولسنا بصدد استعراض الحركة العربية الحديثة وأهدافها في الحرية والاستقلال والوحدة، وقيام الأحزاب والمنظمات العربية منذ أوائل هذا القرن، لتحقيق هذه الأهداف؛ فذلك خارج عن نطاق هذا الكتاب باعتباره موضوعا قوميا شعبيا، إلا إن الكفاح من أجل قيام كيان سياسي عربي موحد، كان هدفا رسميا كذلك، عمل له قادة "رسميون" عرب، لهم صفة دولية، وكانت لهم مع الدول الأجنبية صلات وعلاقات تستهدف قيام هذا الكيان العربي الواحد. ومن هنا أصبح من الواجب استعراض تلك المرحلة، ولو بصورة موجزة، ذلك أننا نجد فيها البذور الأولى لقيام الجامعة العربية، باعتبارها منظمة دولية لها شخصية مستقلة عن شخصية أعضائها.
والتقرير لا يتناول هذه المرحلة، مدفوعاً برغبة أكاديمية تستهدف الدرس والبحث، ولكن أية دراسة لنشوء الجامعة، والصيغة التي رست عليها كما هي في الميثاق، والحاجة الماسة إلى تطويرها، بحيث تحقق آمال الأمة العربية وتستجيب لأهدافها، في الأمن الجماعي والتقدم الاقتصادي والاجتماعي، وتحرير كامل ترابها الوطني في فلسطين من الاحتلال الأجنبي، كل ذلك يفرض أن نلقي نظرة سريعة على المرحلة الأنفة الذكر، لنسرد وقائعها حسب ترتيبها الزمني.
ولعل أول تصور عربي لقيام كيان عربي دولي واحد، له طابع رسمي، نلاحظ معالمه قبيل الحرب العالمية الأولى بقليل.
في عام 1912 اتصلت الحكومة العثمانية عن طريق واليها بالبصرة شفيق كمالي باشا بالأمير (الملك) عبد العزيز آل سعود، تستطلع رأيه في أوضاع البلاد العربية ومستقبلها، وذلك في محاولة للتقرب من العرب، وللتصدي للدول الغربية الطامعة في البلاد العربية الواقعة في قبضة الدولة العثمانية. فكتب الأمير عبد العزيز إلى الوالي العثماني يقول "إني أرى أن تدعو رؤساء العرب كلهم، كبيرهم وصغيرهم، إلى مؤتمر يعقد في بلد لا سيادة ولا نفوذ فيه للحكومة العثمانية، لتكون لهم حرية المذاكرة، والغرض من هذا المؤتمر التعاون والتآلف، ثم تقرير أحد أمرين، إما أن تكون البلاد العربية كتلة سياسية واحدة، يرأسها حاكم واحد، وإما أن تقسموها إلى ولايات تحددون حدودها، وتقيمون على رأس كل ولاية رجلاً كفؤاً من كل الوجوه، وتربطونها بعضها ببعض برباط مشترك من المصالح والمؤسسات، وينبغي أن تكون هذه الولايات مستقلة، استقلالاً إدارياً، وتكونون أنتم المشرفين عليها؛ فإذا تم ذلك، فعلى كل أمير عربي، أو رئيس ولاية أن يتعهد بأن يعضد زملاءه ويكون وإياهم يداً واحدة على كل من تجاوز حدوده إن أخل بما هو متفق عليه بيننا وبينكم"
وختم الأمير عبد العزيز رسالته قائلا: "هذه هي الطريقة التي تستقيم فيها مصالحكم ومصالح العرب، وتكون فيها الضربة القاضية على أعدائكم"
وواضح من ذلك أن الأمير العربي قد استهدف ما يلي
1- الدعوة إلى عقد مؤتمر عربي وذلك هو مؤتمر القمة الحالي.
2- قيام كتلة سياسية واحدة يرأسها حاكم واحد، وذلك هو الدولة العربية الواحدة.
3- أو قيام ولايات مستقلة استقلالاً إدارياً، وعلى كل ولاية رئيسها، مترابطة فيما بينها. وذلك هو نوع من أنواع الاتحاد.
4- وعقد ميثاق التضامن وهذا هو معاهدة الدفاع المشترك.
وبالمقارنة البسيطة، يتضح جلياً أن الأسس التي تصورها الأمير عبد العزيز في مفاوضاته أثناء الحرب العالمية الأولى مع الدولة العثمانية لقيام الكيان العربية الواحد، هي أوسع مدى مما نص عليه ميثاق جامعة الدول العربية بعد أربعين عاماً من ذلك التاريخ.
وبديهي، أنه من غير رغبة في التمجيد والمديح، يبدو لنا أن تلك الشخصية العربية الضخمة، المتوغلة في البداوة والمجردة من وسائل القدرة، إلا البطولة الذاتية، قد تطلعت إلى قيام دولة عربية واحدة، أو فيدرالية عربية مترابطة بالمصالح المشتركة والتضامن القومي، دون أن يعرف ذلك البدوي العظيم شيئاً عن مفهوم الدولة الواحدة، أو عن الاتحاد الفدرالي، أو عن سائر المعاني الأخرى التي يخوض فيها الساسة والمفكرون في هذه الأيام.
ثم جاءت الحرب العالمية الأولى 1914 – 1918 بمقدمتها وتطوراتها ونتائجها، وكان لا بد أن يكون لمصير الأمة العربية دور بارز في توجيه دفة الحرب في اتجاه النصر لهذا الفريق، أو الهزيمة للفريق الآخر. والوطن العربي يمثل موقعاً استراتيجياً عالمياً فريداً في تاريخ الحروب على مر العصور، وانطلاقاً من هذه الحقيقة قام كل من الفريقين المتحاربين بمبادرات مكثفة لكسب ود العالم العربي ولجره إلى هذا المعسكر أو ذاك.
وشهدت تلك الحقبة نشاطاً دولياً بارزاً تجسد في مفاوضات واتصالات سياسية لحمل الأمة العربية على تحديد موقعها وموقفها من الحرب، وبذل الفريقان المتحاربان وعوداً مغرية تضمنتها تصريحات ومراسلات رسمية، تؤكد حق الأمة العربية في حريتها واستقلالها وسيادتها، والسعي لإقامة كيان عربي دولي واحد، بعد أن تضع الحرب أوزارها.
وانقسم قادة العرب، إلى مدرستين سياسيتين، أحداهما انحازت إلى الاحتفاظ بولائها للخلافة العثمانية خوفاً من الدول الأوروبية التي كانت طامعة في اقتسام مخلفات الدولة العثمانية، والثانية انحازت إلى معسكر الحلفاء وعلى رأسهم بريطانيا العظمى، خوفاً من أن يعمل العثمانيون في حالة انتصارهم على "تتريك" الأمة العربية وطمس وجودها القومي.
والواقع أن الخلاف العربي حول تحديد الموقف من الحرب العالمية الأولى كان يشمل كل مواطن من الوطن العربي، مسئولاً كان أو غير مسئول، فإن الشريف حسين وأولاده، مثلاً، وهم الذين اختاروا السير في معسكر الحلفاء، كانوا في بداية الأمر مختلفين فيما بينهم: أين يكون موقعهم من الحلفاء، وكان الأمير (الملك) فيصل، والأمير (الملك) عبد الله، ولدا الشريف حسين، يقفان على طرفي نقيض في هذا الخيار؛ وكان والدهما الشريف حسين، حائراً بينهما؛ ذلك أن الأمير فيصل كان يبدي مخاوفه من الانضمام إلى الحلفاء، على حين كان الأمير عبد الله يخالف هذا الاتجاه، ويرى أن الفرصة مواتية للانحياز إلى جانب الحلفاء طمعا في إقامة الدولة العربية بعد انتهاء الحرب.
وفي إطار هذا الخلاف العميق بين هاتين المدرستين أصبحت إقامة الكيان العربي الدولي محور مفاوضات رسمية، عربية عثمانية، وعربية بريطانية؛ وعلى امتداد السنوات الأربع التي مرت في عمر تلك الحرب، كانت الدبلوماسيات الدولية مشغولة في إصدار التصريحات التي تدعو إلى تحرير الأمة العربية وتمكينها من تقرير مصيرها بنفسها.
فعلى صعيد الدولة العثمانية، وضعت اتفاقية رسمية بين الجانب العربي والدولة العثمانية تمنح الأقطار العربية درجة عالية من الحكم الذاتي، وقد وقع على هذا الاتفاق عن الجانب العربي "السيد عبد الكريم الخليل رئيس المنتدى العربي ومعتمد الشبيبة العربية" وعن الجانب العثماني طلعت باشا وزير الداخلية العثماني، ومن كبار رجال الحزب يوم ذاك، وهو حزب الاتحاد والترقي.
ثم تطورت المفاوضات العربية التركية إلى مرحلة أرقى، في اتجاه الفدرالية العربية التركية، تقوم بموجبها ملكية مزدوجة تركية عربية، ويكون مركز الحكومة العربية مدينة حلب. واقترح آنذاك أن تسمى "الدولة العربية التركية" وتتألف من اتحاد بين دولتين مستقلتين هما الأناضول التركي "وعربستان" وهو الاسم السائد يوم ذاك عن الأقطار العربية
وكذلك فقد تناولت المفاوضات التركية شكل الحكم في الدولة الاتحادية الجديدة، وأن تكون على غرار الاتحاد بين النمسا والمجر. وكان من المفاوضين العرب في تلك الحقبة. محمود شوكت باشا العراقي العربي، الذي اشترك بقواته العسكرية في خلع السلطان عبد الحميد، وعزيز علي باشا المصري أحد القادة العسكريين بين الكبار في الجيش العثماني. وقد عرف القادة العرب الذين عملوا في هذه المفاوضات، بالفدراليين العرب، حسب التعبير الشائع يوم ذاك في الأدب السياسي القومي.

للاطلاع على الدراسة بالكامل حمّل الملف المرفق من هنا :
دراسة شاملة عن تطوير جامعة الدول العربية

[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 25-01-2007 الساعة 09:30 AM
  #34  
قديم 31-01-2007, 06:29 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

القيم والتنمية فى آسيا .. حالة الصين

د. حنان قنديل

أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة

مجلة السياسة الدولية

كان عقد التسعينيات هو المرحلة التى شهدت ظهورا كثيفا لأبحاث ودراسات ومقالات تناولت ظاهرة المعجزة الآسيوية بكثير من العناية والاهتمام. ولم تسفر الأزمة المالية، التى عصفت بآسيا فى أواخر هذا العقد، عن تراجع هذه العناية أو تناقص ذلك الاهتمام، بل لعل السرعة التى تجاوزت بها دول القارة مأزقها الخانق كانت دافعا أقوى لمحاولة تعرف الأسباب الكامنة وراء نجاح ذلك الجزء من العالم فى تحقيق أكبر الطفرات الاقتصادية فى التاريخ الحديث(1).

وكانت الصين على رأس الدول الآسيوية التى استلفتت الانتباه فى هذا الشأن. فمعدلات النمو الاقتصادى التى تجاوزت نسبة الـ 10% لسنوات متلاحقة وما تلاها من تغيرات فى مستوى الرفاهية الاجتماعية للمواطنين، ثم النجاحات المتوالية فى عمليات الاندماج مع الاقتصاد العالمى وانعكاساتها على مزيد من النمو الاقتصادى الداخلى .. كل هذا كان لابد ان يثير فى النفوس مزيجا من الإعجاب والدهشة معا. وكان السؤال الذى هجس فى أذهان الباحثين هو كيف يمكن تفسير هذه النهضة الاقتصادية الضخمة، التى نجحت فى تثبيت دعائمها فى زمن يعد وجيزا للغاية إذا ما قورن بذلك الذى استغرقته الدول الصناعية لتحقيق هذه النهضة.

هنا، انبرى عدد من الدارسين ليؤكدوا أن القيم المستمدة من الثقافة الصينية (لاسيما الكونفوشيوسية) مسئولة بشكل كبير عما تحقق للصين من إنجازات اقتصادية، وأنه ما كان لتلك الإنجازات أن تتم بهذه الصورة وبتلك السرعة لولا أن خلفية ثقافية مواتية كانت هناك لتدفع بها وتزيد من زخمها.

وقد أشار الباحثون فى هذا الموضع إلى اهمية قيم بعينها مثل 'تفضيل الجماعة على الفرد'، والإعلاء من شأن العمل الجاد والشاق فى سبيل الجماعة'، 'والحرص على البعد الإنسانى فى علاقات العمل'، وما يعنيه هذا كله من ضرورة ارتكاز الأعمال إلى شبكات من العلاقات الاجتماعية الوطيدة التى تيسر الإنجاز وتدفعه فى اتجاهات مثمرة. وهذه القيم المستمدة من تراث الكونفوشيوسية(2)، كانت ولا تزال من وجهة نظر كثير من الباحثين عاملا رئيسيا فى تفسير المعجزة الاقتصادية الصينية، وسببا أساسيا من اسباب وجودها واستمرارها.

والواقع أن الغرب لم يكن وحده فى افتنانه بالتفسيرات القيمية لظاهرة النمو الاقتصادى فى الصين، فقد شاركه المسئولون والباحثون الصينيون هذا الافتنان، وأضافوا اليه اعتزازا بما اطلقوا عليه 'خصوصية' التجربة الصينية فى النمو. فالصين -وفقا لتلك الرؤية- أفلحت فى تحقيق إنجازاتها الاقتصادية بالاعتماد على طرائق وأساليب مستمدة من الواقع الصينى وأطره القيمية الخاصة. وأكد المسئولون وعدد من الباحثين الصينيين(3) ان عدم الانسياق للتجارب الغربية فى النمو (والتى تقلل من دور الجماعة وتعلى من قيم الفردية المتوحشة)، ثم استلهام الخصوصيات الصينية فى توجيه مسار النمو الاقتصادى، هما اللذان ضمنا للدولة التمتع بمستويات مرتفعة ومطردة من هذا النمو.

والواقع أن العلاقة بين القيم والنمو الاقتصادى لم تكن هى المسألة الوحيدة التى شغلت أذهان الباحثين بالنسبة للدولة الصينية.

فعلى صعيد آخر، كانت هناك قضية التنمية السياسية وما تعنيه من إمكانيات تحول النظام السياسى الصينى من شكله السلطوى إلى صورة أخرى ديمقراطية. ومرة أخرى، ظهر من الباحثين الغربيين من حدد للدولة الصينية 'قدرا' سياسيا ممتدا لا مفر فيه من السلطوية والاستهانة بالحقوق الفردية وتجاهل حقوق الإنسان السياسية، وذلك بسبب القيم المجتمعية الصينية التى آزرت دوما هذه الأفكار فى العقلية والممارسة الصينيتين(4). غير أنه فى المقابل، مال دارسون آخرون(5) وشاركهم فى ذلك من الصين مسئولوها الرسميون وقسم من باحثيها(6) -مالوا إلى القول بعدم ضرورة مشابهة التطور السياسى فى آسيا عموما والصين خاصة لنظيره فى الغرب، وأن قيما صينية خاصة مثل 'توقير النظام والتناغم الاجتماعي' هى التى كفلت للبلاد حتى اليوم استقرارا افتقرت اليه دول كثيرة طبقت دون وعى النموذج الديمقراطى الغربى (وهو النموذج الذى يعلى من الحريات السياسية الفردية دون اعتبار لمسائل شديدة الاهمية كالاستقرار الاجتماعى وتجنب الفوضى الاجتماعية).

وفى إطار هذه المناقشات المحتدمة حول تأثير القيم على كل من النمو الاقتصادى والتنمية السياسية فى الصين، وفى ظل تلك الجدالات عن خضوع هاتين العمليتين للخصوصيات القيمية هناك، تطرح هذه الدراسة عددا من التساؤلات، التى تمثل الإجابة عليها محاولة لاستجلاء جوانب هذا الموضوع المهم.

1- أما أول الاسئلة، فهو 'هل يمكن بالفعل اقامة هذه العلاقة السببية' بين 'قيم' وجدت فى المجتمع الصينى من ناحية، وما حققه هذا المجتمع من نمو اقتصادى أو ما عجز عن إنجازه من 'تطور سياسي' نحو الديمقراطية؟ بعبارة أخرى، هل يمكن الاطمئنان إلى 'التفسير القيمي' لظاهرتى التنمية الاقتصادية والتنمية السياسية وبحيث يمكن الاعتماد على هذا التفسير كعامل محدد لمسيرة النمو الاقتصادى أو التطور السياسى عموما وفى الصين خصوصا؟

2- وأما السؤال الثانى، فهو هل يمكن الاعتداد بمقولة 'الخصوصية القيمية' فى شرح كل من النمو الاقتصادى والتطور السياسى فى الصين، أم أن هاتين العمليتين قد خضعتا -ولا تزالان- لتأثير قوانين وقواعد اجتماعية 'عامة' تنطبق على الصين كما انطبقت على غيرها من الدول فى شتى مناطق العالم؟ بعبارة أخرى، هل يمكن القول مثلا إن النمو الاقتصادى الصينى كان مرجعه لقيم مجتمعية دفعت إلى وجوده واستمراره ام انه حدث ببساطة -وكما كان الحال فى بلدان أخري- بسبب إعمال قوانين السوق الحرة وتشجيع الظروف الملائمة لها، ومن ثم يكون التأثير على النمو هنا راجعا وبصورة اكبر لتطبيق قاعدة عامة لا تمثل الممارسات الصينية استثناء منها؟ ومن ناحية أخرى، هل يمكن الاطمئنان إلى القول بوجود ديمقراطية 'على الطراز الصيني'، ام ان عملية التطور الديمقراطى تخضع بدورها لشروط ومراحل ما إن تتوافر فى بلد من البلدان ومهما تكن خصوصياته، فإنها تفضى إلى تغيير المشهد السياسى نحو صورة تتسم بالتعدد فى مراكز السلطة وبمزيد من الاحترام للحقوق الفردية وحقوق الإنسان؟ بعبارة أخرى، هل للخصوصية القيمية ذلك الدور الذى يتصوره مؤيدوها فى تشكيل ظاهرتى النمو الاقتصادى والتنمية السياسية عموما وفى الصين خاصة؟ وماذا يمكن ان تكون عليه طبيعة هذا الدور فيما لو وجد؟[line]
  #35  
قديم 04-02-2007, 05:09 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

لماذا يجب أن نغادر العراق؟
تقرير واشنطن

أعد تيد غالين كاربينتر Ted Galen Carpenter، نائب رئيس معهد كاتو CATO لدراسات الدفاع والسياسة الخارجية تقريرا حول ضرورة رحيل القوات الأمريكية عن العراق عرضه وقد قام كاربينتر بعرض التقرير أمام لجنة مجلس الشيوخ للعلاقات الخارجية في الحادي عشر من يناير الماضي. ويعرض تقرير واشنطن هذه الشهادة لأهميتها الكبيرة.

الهروب من المأزق

أعرب الباحث في بداية تقريره الذي جاء بعنوان: " الهروب من المأزق: لماذا يجب على الولايات المتحدة الخروج من العراق؟"عن تشاؤمه من أفاق الوضع في العراق إذا استمرت السياسة الأمريكية الراهنة قائلا إن التفاؤل بشأن مهمة الولايات المتحدة في العراق قد بدأ يتضاءل بشدة على مدار الأشهر القليلة الماضية، إذ أقرت مجموعة دراسة الأوضاع في العراق بأن الوضع هناك "خطير ومتدهور". كما جاء تقرير وزارة الدفاع الأمريكية، الذي قدم للكونغرس في نوفمبر 2006 راسما نفس الصورة الكئيبة. ومع ذلك يرفض مؤيدو الحرب الاعتراف بما بات واضحا وهو فشل الاحتلال الأمريكي للعراق ومهمة نشر الديمقراطية. وقد أصبح من الضروري توجيه الأسئلة الآتية للإدارة وصقورها، متى سيعترفون بأن تكاليف هذه المغامرة أصبحت غير محتملة؟ وإلى متى ستظل قواتنا في العراق؟ وكم عدد الدولارات المأخوذة من الضرائب التي يرغبون في صبها في العراق؟ والسؤال الأهم هو كم عدد الأرواح الأمريكية الأخرى التي سيضحون بها؟

الوضع الأمني الأليم في العراق

وفي تعليقه على الوضع الأمني في العراق قال كاربينتر إن الوضع الأمني سواء وصف الوضع في العراق بأنه حرب أهلية أم غير ذلك، فإنه وضع غير عادي وفوضوي. فطبيعة العنف في هذا البلد قد تحولت منذ تفجير المسجد الذهبي بسامراء في فبراير من العام الماضي. وأصبح الصراع الآن مفتوحا بين السنة والشيعة وانتقل من بغداد إلى مناطق أخرى. وقد أشارت مجموعة دراسة الأوضاع إلى أن هناك أربعة محافظات من المحافظات العراقية الثماني عشرة "غير آمنة على الإطلاق"، وهي المحافظات التي يقطنها حوالي 40 بالمائة من السكان. كما سلط تقرير مجلس الأمن المقدم في نوفمبر 2006 الضوء على عدد القتلى المتزايد، الذي وصل إلى حوالي 120 قتيلا في اليوم الواحد. وأصبح هناك 1.6 مليون "لاجئ داخل البلاد" ممن فقدوا منازلهم، حسب إحصائيات الأمم المتحدة، بينما فر 1.8 مليون عراقي إلى الخارج. وتزداد معدلات النزوح حيث وصل عدد اللاجئين الذين يغادرون العراق إلى 3000 لاجئ يوميا.

طبيعة العنف المعقدة

الاضطراب المتصاعد في العراق ليس مجرد عنف طائفي بين السنة والشيعة فقط بالرغم من أن تلك هي الفكرة السائدة، إذ يدور الصراع في كركوك بين الأكراد والعرب والتركمان، أما في البصرة والجنوب فإن العنف يتمثل في الصراع داخل صفوف الشيعة. وقد أشارت مجموعة دراسة أوضاع العراق إلى أن "معظم المدن العراقية بها خليط طائفي وأنها ابتليت بالعنف المستمر، وقد حظر رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي من أن الصراع في مناطق عدة قد يصبح صراع شيعة ضد شيعة أو سنة ضد سنة". والخلاصة هي أن الولايات المتحدة سقطت في مستنقع، في بلد على شفا حرب أهلية متعددة الأطراف ومعقدة للغاية، وترغب جميع أطيافها، ما عدا الأكراد، في رحيل القوات الأمريكية.

المزيد من القوات يعني المزيد من الضحايا

زيادة عدد القوات في العراق ما هي إلا محاولة لإنقاذ المهمة الخاطئة، وما هي إلا زيادة في عدد الضحايا على المدى القصير دون تحقيق نتائج أمنية بارزة على المدى الطويل. كما أن عدد القوات المقترح إرسالها أقل بكثير من العدد المطلوب، إذ يخلص دائما الخبراء المتخصصون إلى أنه لكي تتحقق نتائج فعالة يجب أن يكون هناك عشرة جنود لكل 1000 مواطن، في حين يقترح خبراء آخرون أنه في حال مثل العراق، حيث يتصاعد العنف ويزداد حدة، تصل الحاجة إلى 20 جندي لكل 1000 مواطن. لذا قد يتطلب الأمر إرسال 260.000 جندي إلى العراق التي يبلغ تعدادها 26 مليون نسمة، وقد يصل العدد إلى 520.000.

مبررات واهية

رد كاربينتر في تقريره على أسباب تخوف أنصار الحرب من الانسحاب من العراق قائلا إن أنصار الحرب قد قدموا أسبابا متنوعة لبقاء القوات الأمريكية في العراق، والتأثير الضار للانسحاب على الولايات المتحدة، وجميع تلك الأسباب واهية، وهي:

احتمالية استيلاء القاعدة على للعراق

حذر مسؤولو الإدارة وأنصار الحرب مرارا من أن الانسحاب "المبكر" من العراق سوف يمكن القاعدة من تحويلها إلى ملجأ لتدبير المؤامرات وشن هجمات على الولايات المتحدة ودول غربية أخرى. لكن هذا السيناريو بعيد تماما، إذ يبلغ عدد المقاتلين الأجانب في العراق 1300 مقاتل فقط كما حددته مجموعة دراسة الأوضاع في العراق، ومن الصعب تخيل أن باستطاعة مثل هذا العدد الضئيل الاستيلاء على بلد يبلغ عدد سكانه 26 مليون نسمة. كما أن القاعدة لا تحظى سوى ببعض الدعم من العرب السنة في العراق، وحتى بالنسبة لهذه الفئة فإنه لا يوجد اتفاق في وجهات النظر بخصوص القاعدة، حيث أظهرت نتائج استطلاع أجراه برنامج حول اتجاهات السياسة الدولية بجامعة ميرلاند في سبتمر 2006 أن اتجاهات 94 بالمائة من السنة لا تؤيد القاعدة. وقد أظهر الاستطلاع أيضا أن 98 بالمائة من الشيعة و100 بالمائة من الأكراد من عناصر العينة مناهضون تماما للقاعدة. أما الفكرة التي تقول بأن وجود حكومة عراقية تسيطر عليها أغلبية شيعية كردية سوف تجعل العراق ملاذ آمنة للقاعدة فهي فكرة غير مقبولة، لأنه حتى بعد رحيل القوات الأمريكية ستظل الحكومة العراقية حكومة شيعية كردية، حيث يشكلون أكثر من 80 بالمائة من عدد سكان العراق.
تابع الاطلاع على الموضوع كاملا بالملف المرفق:
لماذا يجب أن نغادر - ألا نغادر العراق؟
  #36  
قديم 19-02-2007, 04:51 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

المواجهة بين الإسلام والمشروع الصهيوني (1)

د . عبدالله فهد النفيسي

لو درسنا وتفحصنا الطريقة التي انسحبت بها القوات الصهيونية من جنوب لبنان سنلاحظ أن الانسحاب كان غير منظم وخاطفا وقد رافقه كثير من الارتباك والاضطراب من الجانب الصهيوني إلى درجة نستطيع القول بأنه كان هروبا ولم يكن انسحابا. لقد تركوا وراءهم دبابات وأسلحة ثقيلة ومخازن ذخيرة سليمة استولت عليها المقاومة الإسلامية ممثلة بحزب الله وغيرها من المجموعات الإسلامية. ولو سألنا أنفسنا سؤالا مباشرا وهو: من هي الجهة التي أجبرت الصهاينة على الانسحاب هكذا من لبنان؟ ونجيب - بدون تردد - هي المقاومة الإسلامية المسلحة ممثلة بحزب الله ومجموعات إسلامية أخرى. إذ من الواضح أن الانسحاب - عفوا الهروب - لم يكن نتيجة لحسبة استراتيجية من طرف الصهاينة، بل كان نتيجة لضغط كبير - وعلى الأرض - تعرض له الصهاينة في جنوب لبنان وقد ولد هذا الضغط من المقاومة الإسلامية هاك مناخا من الارتباك داخل الكيان الصهيوني وربما الانقسام أدى إلى هذا الهروب الليلي - وفي ليلة واحدة - من الجنوب اللبناني.
إن ما حدث في جنوب لبنان الأسبوع الفائت يطرح على الأوساط الاستراتيجية في الغرب والكيان الصهيوني عدة أسئلة حرجة: كيف السبيل لمواجهة النفوذ المتعاظم - وخاصة الأدبي والمعنوي - للمقاومة الإسلامية في لبنان ممثلة بحزب الله ومجموعات إسلامية أخرى تعمل معه مثل (الجماعة الإسلامية)؟ وهل هناك احتمال أن يندلق ما حدث في الجنوب على الساحة الفلسطينية فتبدأ المقاومة الإسلامية (حماس والجهاد) هناك تحركها من جديد؟ وما هو الفقه الذي تستند عليه هذه الحركات التي أصبحت تربك المخطط الصهيو/أمريكي في المنطقة؟ وما هي أبعاد هذا الدور؟ وكيف السبيل لمواجهة هذا الدور؟ هل من الممكن أن يفتح التحالف الصهيو/أمريكي خط (الحوار) و(التفاوض) مع حركات المقاومة الإسلامية مثلما استدرجوا (المقاومة الفلسطينية) ابتداء من أواسط السبعينيات لطاولة الحوار وكان ما كان من انتكاس استراتيجي فيما بعد؟ أم أن ما حدث في الجنوب سيشحذ عزم التحالف الصهيو/أمريكي على استنفار كل الماكينة السياسية والدبلوماسية في المنطقة لسلب المقاومة الإسلامية هذه الفرصة التاريخية لبناء حقائق يابسة على الأرض تعزز مكانتها وصمودها المستقبلي؟ كل هذه أسئلة أصبحت مثارة في الأوساط الاستراتيجية الغربية والصهيونية وستنعكس - دون شك - إجاباتها - وربما في المستقبل المنظور القريب - على أرض المنطقة.

المواجهة بين الإسلام والمشروع الصهيوني (2)

من يتفحص أدبيات حزب الله وحركة حماس وحركة الجهاد في فلسطين المحتلة يدرك أن التناقض بين هذه الحركات من جهة والكيان الصهيوني من جهة أخرى ليس تناقضا فرعيا ولا ثانويا. فالتصور الشائع بين المراقبين الغربيين أن هذه حركات ما كانت تولد لولا أن ثمة أطرافا في المشهد السياسي الشرق أوسطي قد باشر بتوليدها ودعمها. فحزب الله - حسب مارتن كريمر مدر مركز دايان في جامعة تل أبيب - مجرد حركة عسكرية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان وستزول بزوال الاحتلال.
بعضهم يرى أنه يمثل ورقة ضغط سورية في مفاوضات السلام أو على أبعد تقدير بأنه (حالة) أصولية شيعية لبنانية. أما حركة حماس وحركة الجهاد فليستا - بالنسبة لجون بيلليتيير - إلا (تحديا) للعملية السلمية ومعيقا لها. قلة قليلة من الغربيين - ومنهم الصهاينة داخل كيانهم وخارجه - يدركون أن هذه الحركات تمثل إراهاصا تاريخيا ومقدمة لمواجهة كبيرة بين الإسلام وأممه من جهة والمشروع الصهيوني من جهة أخرى.
في (الرسالة المفتوحة) يؤكد حزب الله أنه (لا خيار إلا المواجهة) مع الكيان الصهيوني. قيل هذا الكلام منذ 1982. ويحدد حزب الله أهدافه إزاء الكيان الصهيوني مؤكدا أن: (تخرج إسرائيل نهائيا من لبنان كمقدمة لإزالتها نهائيا من الوجود وتحرير القدس الشريف من براثن الاحتلال). لذلك لا يعترف الحزب بأي اتفاق لوقف إطلاق النار مع إسرائيل أو أي اتفاقية هدنة أو أية معاهدة معها. لا بل إن الحزب يدين كل (تفاوض) مع إسرائيل لأن التفاوض - من حيث هو - ليس في جوهره إلا إقرارا بشرعية الاحتلال الصهيوني لفلسطين. ويرفض الحزب مبدأ (الأرض مقابل السلام) ويعتبره (خيانة لدماء الشعب الفلسطيني المسلم ولقضية فلسطين المقسدة). إذن ما هو البديل الذي يطرحه حزب الله؟ المقاومة الإسلامية المتصاعدة: إسلامية في المنطق والهدف والسلوك وعمق المواجهة. حتى القوات الدولية يرى فيها الحزب (حاجزا أمنيا يعرقل تحرك المقاومة ويحفظ أمن إسرائيل). لمزيد من التفاصيل انظر د. غسان عزي في كتيبة - حزب الله - وهو - أي د. عزي أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية.
هكذا إذن يتبين لنا أن حزب الله ليست ظاهرة انفعالية مرتبطة باحتلال الصهاينة للجنوب اللبناني بقدر ما هي جزء لا يتجزأ من (الإرهاص الإسلامي العالمي) في مواجهة المشروع الصهيوني. ماذا تقول وثائق حركة حماس عن (طبيعة) الصراع بيننا والصهاينة؟ وما موقفها من مبدا (التفاوض) مع الصهاينة؟ هذا ما سنحاول إلقاء الضوء عليه في الحلقة القادمة.

المواجهة بين الإسلام والمشروع الصهيوني (3)

أما حركة (حماس) - بعد أن فرغنا من حزب الله في الحلقة السابقة - فهي حركة مقاومة فلسطينية تسعى لإزالة الاحتلال الإسرائيلي عن أرض فلسطين ما بين النهر والبحر. وأرض فلسطين - بالنسبة لحماس - هي (أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، لا يصح التفريط بها أو بجزء منها أو التنازل عنها أو عن جزء منها) كما يقول ميثاق الحركة في المادة 11. وحركة حماس هي حركة مقاومة إسلامية تعتبر الإسلام دليلها النظري، منه تستمد أفكارها ومفاهيمها وتصوراتها، وإليه تحتكم في كل تصرفاتها ومنه تستلهم ترشيد خطاها كما تقول المادة الأولى من الميثاق.
الهدف الاستراتيجي - إذن - لحركة حماس هو تحرير كامل فلسطين و(قضية تحرير فلسطين تتعلق بدوائر ثلاث: الدائرة الفلسطينية والدائرة العربية والدائرة الإسلامية، وكل دائرة من هذه الدوائر الثلاث لها دورها في الصراع مع الصهيونية وعليها واجبات) كما تقول المادة 14 من الميثاق. وقد أكدت حماس أكثر من مرة أنها لا تعترف بالكيان الصهيوني وتحض الجميع على عدم الاعتراف به حتى لو أبدى استعدادا للانسحاب من (بعض) الأراضي العربية التي يحتلها حاليا. ولأنها لا تعترف بالكيان أصلا فهي ضد مبدأ التفاوض مع الصهاينة وموقفها في ذلك قريب جدا من موقف حزب الله وحركة الجهاد الفلسطيني. ولذا فهي - أيضا - ترى في الكفاح والجهاد المسلح طريقا للتحرير. بتعبير أوضح فحماس تصطدم مع خط سلطة الحكم الذاتي في أن الأخيرة ترفض أن تكون المناطق الخاضعة لها مسرحا لتنفيذ عمليات ضد إسرائيل أو منطلقا لها الأمر الذي جعل حماس بين مطرقة السلطة الفلسطينية وسندان إسرائيل.
في 12-4-1995 قررت السلطة الفلسطينية نزع أسلحة المعارضة الإسلامية في قطاع غزة واعتقلت أكثر من مائتين من نشطاء حماس والجهاد الإسلامي بعد تنفيذهما عمليتين عسكريتين ضد جنود إسرائيل انطلاقا من مناطق الحكم الذاتي في غزة بتاريخ 9-4-1995، وتحققت مقولة رابين عندما قال وهو يواجه الانتفاضة 1988 إنه يسعى لإقامة سلطة فلسطينية لقمع الانتفاضة (Let Palestinitans plice Palestinians) وكان باستطاعة حماس أن تفجر صراعها مع السلطة لكن آثرت التقيد بما سطرته في أدبياتها من اعتبار النزاع الأهلي خطا أحمر لا ينبغي بحال الاقتراب منه أو الانجرار إليه. (لمزيد من التفاصيل انظر محمد برهومة في {الفكر السياسي لحركة حماس}).
سنلاحظ أن السلطة الفلسطينية تمكنت من استدراج (الجبهة الديمقراطية وكذلك (الجبهة الشعبية) ومجموعات أخرى علمانية لصيغة من التفاهمات المشتركة غير أنها - أي السلطة الفلسطينية - لم تتمكن من ذلك مع حماس والجهاد الإسلامي ذلك لأن هذه الفصائل الإسلامية لا تقر النهج الذي تسير عليه السلطة في تعاملها مع الصهاينة وهو نهج تفاوضي استسلامي لا يقره الإسلام الدليل النظري الذي تلتزم به حركات المقاومة الإسلامية: حزب الله - حماس - حركة الجهاد الفلسطيني.

المواجهة بين الإسلام والمشروع الصهيوني (4)

وأما حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين التي تأسست في مطالع الثمانينات فحاسمة بالتزامها بالإسلام وبالمنظور الإسلامي للصراع مع الصهاينة يقول الشهيد د. فتحي إبراهيم الشقاقي مؤسس الحركة: (ليس هناك مستقبل في المنطقة إلا للإسلام فبعد كل هذا التجريب والتخريب لم يبق إلا أن تنهض الأمة من بين ظلمة الخرائب إلى نور الإسلام. والمسألة لها جانب موضوعي ولها جانب إلهي، أما الجانب الموضوعي فيتركز على سقوط جميع البدائل التي طرحت في الماضي يدفع بالإسلام عقيدة الأمة وأس حضارتها وخيارها الأول إلى ساحة الفعل والمسؤولية، وأما الجانب الإلهي فنحن المسلمين نعتقد به ونؤمن به إيماننا بأبصارنا وحقيقة وجودنا ألا وهو وعد الله لنا بالنصر والتمكين والظهور وأننا على موعد إلهي بالنصر وهزيمة بني إسرائيل ودخول المسجد الأقصى ظافرين من جديد. المستقبل فقط للإسلام والمسألة مسألة وقت بعد أن تلقت جميع البدائل شهادة الوفاة فيما دفن بعضها ويجري دفن الآخر. إذن المسألة مسألة وقت نمر فيه بمزيد من المعاناة والبلاء والصبر والتضحية والفداء وعلى الإسلاميين أن يراقبوا الله الذي يراقبهم فلن يخرجوا عن حدود مشيئته فلا ينحرفوا عن دربه ونهجه وأحكام شريعته. ثم عليهم أن يدركوا أن الوحدة من أسس النصر (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) فليتجاوزوا كل ما هو ذاتي إلى ما هو موضوعي وكل ما هو خاص إلى ما هو عام وكل ما هو فرعي وهامشي إلى ما هو أصلي وجوهري، اتحدوا فالوحدة مسألة في غاية الأهمية للخروج من هذا المخاض الصعب بأسرع وقت، وبعد الوحدة أن ينظروا في البوصلة فإن لم تكن باتجاه بيت المقدس فاكسروها فحول فلسطين يجب أن يتمحور نشاطهم وجهدهم وفعلهم لأن المشروع الاستعماري يتجسد هناك ويضرب كأخطبوط في كل مكان أو كغدة سرطانية تريد أن تفتك بكل الوطن الإسلامي).
ويقول الشيخ عبدالعزيز عودة - أحد رموز حركة الجهاد في مقابلة له مع جريدة (الخليح) في الشارقة - إننا ببساطة نؤمن بأن فلسطين هي أرض المسلمين وأن فلسطين تعني كل تلك الأرض من النهر إلى البحر ومن رأس الناقورة إلى رفح وكل طرح يسمح بانتقاص جزء من فلسطين فهو إثم وحرام، والانتصار على العدو الصهيوني ليس أمرا ممكنا فحسب بل هو أمر مؤكد وحتمي فهذا وعد الله سبحانه وتعالى).
تتلخص مقولة حركة الجهاد إذن في ثلاث نقاط بسيطة ومباشرة: أولاها مركزية قضية فلسطين المحتلة، ثانيتها الجهاد والقتال لتحرير كل فلسطين من النهر إلى البحر، ثالثتها أن النصر في نهاية المطاف مؤكد من خلال استنطاق آيات القرآن الكريم.
المواجهة بين الإسلام والمشروع الصهيوني (5)

استعرضنا بإيجاز شديد الوثائق التأسيسية والكتابات والتصريحات التي تعكس الإطار المرجعي والأفكار العامة التي تلتزم بها حركات المقاومة الإسلامية مثل حزب الله وحماس وحركة الجهاد الفلسطيني ومن خلال ذلك الاستعراض نلاحظ أن ثمة قواسم مشتركة تجمع بين هذه الحركات: أولها التزام هذه الحركات بالمقررات الشرعية الإسلامية العامة ذات الصلة بالصراع مع الصهاينة واليهود. ثانيها: امتلاك هذه الحركات لقاعدة مناسبة من صفوف المقاتلين الجاهزين للقتال. ثالثا: توفر (تجربة) قتالية بما فيها من طعم للنصر والإخفاق وما تعنيه من تجاوز وتخطي العتبة السيكولوجية الكؤود الرابضة بين نظرية القتال وممارسته الفعلية (وهي بالمناسبة عتبة كبيرة).
لأن هذه الحركات متشربة تماما بالمقررات الشرعية الإسلامية ذات الصلة بالصراع مع الصهاينة واليهود - وهي مقررات بتارة وفاصلة لا لبس فيها - سنلاحظ أن د. رمضان عبدالله شلح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين لم يتلعثم وهو يقول لقناة (الجزيرة) الفضائية في 4-11-1999: (لو أعطونا دولة فلسطينية في 90 بالمائة (تسعون بالمائة) من أرض فلسطين وبقيت إسرائيل في عشرة بالمائة منها فلن نقبل بذلك وسنقاتل حتى آخر نقطة من دمائنا). ويسأله المذيع: كيف بإمكانك أن تقول مثل هذا الكلام وفي هذا الوقت الذي يتهافت الجميع على السلام (مع إسرائيل) ونرى مثلا السلطة الفلسطينية تقبل بأعشار ما تطالب به أنت؟ ألا يعطي كلامك الانطباع بأنكم تعيشون في عالم آخر؟ سنلاحظ أن د. شلح وهو يجيب لا يتعلثم بل يقولوها صافية وواضحة، يقول: (نحن لا نعيش في عالم آخر، نحن نعيش في عالمنا اليوم وها نحن الآن معكم في قناة الجزيرة وأمام جماهير أمتنا العربية الإسلامية ليسمعوا وجهة نظرنا. نحن لا نؤمن بنسبية الحق الفلسطيني لأن الإيمان بنسبية الحق الفلسطيني سيتحول هذا الحق إلى كسور عشرية قابلة للمساومة في التفاوض مع العدو الصهيوني يعني أننا نسلم بوجود حق يهودي للمشروع الصهيوني في فلسطين وهذا يعطي مسوغا لكل المبررات التي طرحها المشروع الصهيوني للحق اليهودي في فلسطين. معنى ذلك أننا سلمنا بالحق المكتسب بالقوة فالمشروع الصهيوني في فلسطين قام على القمع والإرهاب والعنف والبطش والتدمير بكل أشكاله ولو قبلنا بذلك فمع مرور الوقت سيصحب هذا الأمر حقا طبيعيا للصهاينة.
من ناحية أخرى وبناء على هذا الفهم نحن ندرك أن المشكلة في المنطقة ليست (فلسطين) بل هي (إسرائيل) لذلك طالما بقيت إسرائيل على الخريطة وعلى أي نسبة من الأرض ككيان مستقل مغروس في قلب الأمة لن تقوم لهذه الأمة قائمة، لا نهوض، لا تنمية، لا تقدم على كل المستويات). انتهى كلام د. شلح.
من المفيد أن يعلم القارئ أن كلام د. شلح يستند إلى نصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. فما هي؟

المواجهة بين الإسلام والمشروع الصهيوني (6)

تستند حركات المقاومة الإسلامية للمشروع الصهيوني (حزب الله وحماس وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وربما غيرها في طور الميلاد والتشكل) إلى مرجعية فقهية ضخمة ليس من السهولة تجاوزها أو تخطيها. فهناك ثوابت عقائدية لا تستطيع هذه الحركات أن تهملها أو أن تتغاضى عنها ولو فعلت لأصابت صدقيتها في مقتل. ومن هذه الثوابت التالي:
أولا: أن فلسطين جزء من أرض الإسلام فتحها المسلمون فتحا فأرضها هي أرض (خراجية) وملكية رقبتها هي لبيت مال المسلمين وجميع المسلمين لهم حق في فلسطين إلى قيام الساعة والأفراد (الفلسطينيون) لا يملكون إلا منفعة الأرض دون رقبتها ولذلك لا يحق لهم - وإن أرادوا - التنازل عنها لأنهم أصلا ليسوا وحدهم الذين يملكونها، هذا هو حكم الشرع في الأرض (الخراجية) أينما كانت وهو من الأمور الثابتة شرعا.
ثانيا: أن اليهود اغتصبوا فلسطين اغتصابا والغصب - في الشرع - لا يغير الملكية ولا ينقلها من المالك إلى الغاصب، وقد حكم الشرع بإرجاع المغصوب إلى صاحبه مع تغليظ العقوبة على الغاصب، وهذا من الأحكام الشرعية الثابتة. فوجود الكيان الصهيوني في فلسطين وجود غير شرعي - حسب الفقه الإسلامي - لأنه حصل بالتعدي والغصب والاستيلاء على أرض إسلامية ليس لليهود حق فيها ولا يجوز لهم شرعا تملكها ويحرم على المسلمين التنازل لهم عنها ولا يملك اليهود في فلسطين شرعا ما استولوا عليه ولذا لا يجوز بل يحرم الاعتراف بكيانهم لأن الاعتراف بكيانهم هو اعتراف بحق ليس لهم.
ثالثا:وإذا كان يجوز للمسلم أن يتنازل عن بعض أمواله أو أرضه بيعا أو هبة فإنه لا يجوز له أن يتنازل عن أرض إسلامية لدولة أو سلطة أو كيان كافر حتى لو كان يملك منفعة الأرض ورقبتها فإنه لا يجوز له - شرعا - إعطاؤها إلى دولة كافرة فكيف إذا كان لا يملك رقبتها التي هي ملك لبيت مال المسلمين؟ وهذا أيضا من الأحكام الشرعية الثابتة وغير القابلة للتصرف.
رابعا: إذا كان صاحب الحق المغصوب ضعيفا وغير قادر على استرجاع ما غصب منه وكان المغصوب من النوع الذي لا يجوز حقه، أما زعم البعض أنه إذا استمرت حالة الحرب مع اليهود ترتب عنه أذى كثير وضرر كبير فهذا من المستحيل تسويغه شرعا. (لمزيد من التفاصيل انظر: القضية الفلسطينية - تأصيل شرعي - د. محمد المسعري).

المواجهة بين الإسلام والمشروع الصهيوني (7)

نستكمل (الثوابت العقائدية) التي تنطلق منها وتؤمن بها حركات المقاومة الإسلامية للمشروع الصهيوني. تطرقنا في الحقة الماضية لأربعة ثوابت وها نحن ندخل في الخامس:
خامسا: لا شك أن الحرب والعداوة مع اليهود والجهاد ضدهم فيهما اليوم مشقة كبيرة على المسلمين، ولكن لو تأملنا في الأمر أكثر لتبين لنا أن نمافع ذلك كثيرة وكبيرة، ولذلك يقول الله جل جلاله: (كتب عليكم القتال وهو كُره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) تخيل لو أن أهل جنوب لبنان قالوا ما لنا والقتال ضد اليهود فإن في قتالهم أذى كبيرا، تخيل لو قالوا ذلك وقعدوا مع القاعدين، لو فعلوا ذلك لاستمر الاحتلال الصهيوني لجنوب لبنان، لكنهم ركبوا مركب المقاومة الإسلامية وكانت النتيجة كما نرى اليوم: نصر بإذن الله.
سادسا: القدس بالذات وأرض فلسطين لها مكانتها في الشرع الإسلامي تزيد عن مكانة الأرض الخارجية وتزيد عن مكانة كثير من البلاد الإسلامية. فقبلة المسلمين الأولى في صلاتهم كانت إلى القدس. وقد أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم غلى القدس قبيل الهجرة وقد وصف الله الأرض حول المسجد الأقصى بالمباركة (سورة الإسراء) وجعل المسجد الأقصى ثالث مسجد بعد المسجد الحرام بمكة والمسجد النبوي بالمدينة تشد إليه الرحال وهذا يفرض على المسلمين زيادة التمسك بها والحفاظ عليها.
سابعا: مسؤولية استرجاع الأقصى وفلسطين هي مسؤولية المسلمين جميعا وليست مسؤولية أهل فلسطين وحدهم. وهذه المسؤولية ليست خاصة بالقدس وفلسطين بل هي حكم شرعي في كل أرض إسلامية اغتصبها الكفار: {بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين إنهم أمة واحدة من دون الناس وأن سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم}.
ثامنا: اليهود - بمن فيهم الصهاينة من الملل الأخرى - أعدى أعداء المسلمين، وهم أهل مكر وخبث وهذا شيء مستقر في طباعهم يرضعونه مع الحليب منذ الصغر وينشأون عليه (انظر ماذا فعلوا بجيش لحد العميل الذي خدمهم لمدة اثنين وعشرين عاما، ولعل هذا درس لكل من يفكر بالتعاون معهم) والاستشهاد بالآية الكريمة (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) استشهاد في غير محله لأن اليهود لم يجنحوا للسلم فقد اغتصبوا جزءا عزيزا من أرض الإسلام (فلسطين) وتابعوا تشريد المسلمين وذبحهم وتقتيلهم واحتلوا المقدسات الإسلامية، والحفريات تحت الأقصى على قدم وساق وذلك لإقامة المعبد اليهودي على أنقاضه وإقامة المستوطنات ومصادرة أراضي المسلمين منهم ونسف المنازل.. كل هذا لا يشير إلى أن اليهود جنحوا للسلم بل يدل على اعتداء مستمر.

المواجهة بين الإسلام والمشروع الصهيوني (8)

عداوة اليهود للمسلمين عداوة شهد عليها القرآن الكريم في آيات كثيرة، ولقد تفاعلت أمتنا الإسلامية مع هذه الشهادة القرآنية لمدة ألف وأربعمائة عام أو يزيد.
لقد رسخ القرآن الكريم - وهو أعلى مرجع لدى أمتنا الإسلامية - حجقيقة تكاد تكون معروفة حتى لدى الأطفال والصبيان وهم يلعبون ويلهون في السكك والأزقة ما بين نواكشوط وجاكرتا ومؤدى هذه الحقيقة أن اليهود أعداء تاريخيون لنا وأن هذه العداوة {لن} تتغير بلفظ القرآن الكريم {البقرة 120} فإذن لا نبالغ إذا قلنا بأن اليهود أعداء {دائمون} للأمة الإسلامية، وذلك من خلال استنطاق آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، لا بل إن الفقهاء يؤكدون أن هذه العداوة دائمة ومن يعتقد غير ذلك فهو مكذب بآيات الله، وبوعد الله وبدينه وهو بالتالي {كافر} بالله سبحانه وتعالى (انظر لمزيد من التفاصيل الكراسة القيمة التي وضعها الشيخ الفقيه عبدالرحمن عبدالخالق حفظه الله الموسومة: (حكم معاهدات الصلح والسلام مع اليهود) وانظر كذلك فتوى علماء اليمن الأبرار الأحرار وتحريمهم التطبيع مع اليهود). ومن يدع إلى التطبيع مع اليهود فهو يركب مركبا صعبا جدا لأنه محال أن ينجح في مسعاه ذلك. وذلك لسبب بسيط إذ كأنه يطالب هذه الأمة المترامية الأطراف ما بين نواكشوط وجاكرتا والتي يزيد عددها على المليار نسمة، نقول كأنه يطالب هذه الأمة بتجاهل هذا الموروث القرآني الذي تتردد أصداؤه عبر المآذن كل يوم خمس مرات، فحتى لو وافقت كل الحكومات العربية والإسلامية على التطبيع مع اليهود فهذا لا يعني أن مشروع التطبيع قد نجح أو لديه قابليات نجاح طالما تهمهم هذه الأمة وتترنم بآيات القرآن وتتشرب بروحه، وترشف من معينه، أعظم سد في وجه التطبيع مع اليهود هو القرآن الكريم لذلك سنلاحظ أن اليهود نشطون في تحريك وكلائهم الفكريين الذي يشككون بالقرآن وبشخص المصطفى صلى الله عليه وسلم تحت دعاوى {حرية الرأي والإبداع الخ..} وذلك جهد منهم لإزالة هذا السد المنيع الذي يعترض مشروعهم في هذه المنطقة.
لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الصحيحة بالنتيجة النهائية بيننا وبين اليهود: (تقاتلون اليهود فتسلطون عليهم حتى يختبئ أحدهم..) كما جاء في الصحيحين وجاءت النصوص تبين أن قتل اليهود هذا سيكون في فلسطين وجاء في إحدى الروايات: (عند نهر الأردن أنتم شرقيه وهم غربيه).

المواجهة بين الإسلام والمشروع الصهيوني (9)

لا يحتمل المنظور الإسلامي لليهود والصهاينة أي مجال للمساومة أو المفاوضة. لذلك لا نتردد في زعمنا أن الإسلام هو المنهج والقوة المحركة للناس القادرة على الثبات أمام اليهود والصهاينة أما غير ذلك من المناهج فمآلها السقوط في متاهات التراجع وسرابات التفاوض الوهن.
وتمثل سلسلة الكتب العشرة التي أصدرها د. سعد المرصفي حفظه الله عن جدلية العلاقة بين الإسلام واليهود عينة من الكتب المعبرة عن المنظورات والمرئيات الإسلامية إزاء اليهود والصهاينة. فقد تناول د. المرصفي {أسطورة الوطن اليهودي} و{الفكر اليهودي} و{موقف اليهود من الرسالة} و{الطبيعة اليهودية} و{التآمر اليهودي على حياة الرسول صلى الله عليه وسلم} و{اليهود والخيانة} و{القضاء على اليهود عسكريا} و{الخطر اليهودي} و{محاكمة اليهود} و{معالم النصر على اليهود}.
ودون الدخول في تفاصيل هذه الدراسات المختصرة المبسطة نستطيع القول إن المؤلف نجح في تسليط الضوء على (مفاصل) و(محطات) هامة في العلاقة الجدلية بين الإسلام واليهود. وخلاصة هذه الدراسات أنه يستحيل التعايش الإيجابي مع اليهود والصهاينة وذلك يعود لطبيعتهم الميالة إلى الخيانة والغدر والطمع والجشع والحقد على الأمم الأخرى والأديان الأخرى.
ولو قمنا بتنزيل مستخلصات د. المرصفي (واقع) الكيان الصهيوني وعلاقته الجدلية بالعرب والدول العربية وما يسمى بـ (العملية السلمية) لتبين لنا أنه لم يجانب الحقيقة بل أصابها وقام بتأصيل تاريخي وشرعي لها. وأهم من ذلك كله أن سلوك الكيان الصهيوني وتعاملاته مع المحيط العربي يؤكد - وبدون الحاجة للفحص - كل ما ذهب إليه د. المرصفي في كراساته القيمة. كيف سيتصرف الصهاينة مع هذه المنظورات الإسلامية التي - دون شك - تجد صداها القوي في مخيال هذه الأمية وهو مخيال لا تستطيع أجهزة الأمن العربية اعتقاله أو نفيه من الوجود حتى لو أرادت؟ وحتى لو وقعت حكوماتها اتفاقيات تعاون أمني مع الموساد أو غيره من أجهزة استخبارات العدو. إن ه\ا الموضوع عصي للغاية وطليق للغاية وتصعب محاصرته والسيطرة عليه ومن هنا نحن نعتقد أنه يشكل التحدي (الحقيق]) للكيان الصهيوني في المستقبل وهو تحد باق ما بقي الإسلام فوق هذه الأرض.
[line]
  #37  
قديم 02-03-2007, 12:31 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

الشرق الأوسط في مذكرات بيل كلينتون 1

سورية

الفصل الرابع والخمسون

ص883 ـ 888

في 1 كانون الثاني 2000، ذهبت إلى (شبردتاون)، في غرب فرجينيا، لابتداء محادثات السلام بين سورية وإسرائيل. وكان ايهود باراك قد ضغط علي بقوة بشدة للبدء بالمحادثات في وقت مبكر من العام. كان قد بدأ يفقد صبره فيما يتعلق بعملية السلام مع عرفات، وكان غير متأكد فيما إذا كان بالإمكان حل الخلافات حول القدس. بالمقابل، فإنه كان قد أخبرني قبل شهور أنه كان مستعداً لإرجاع مرتفعات الجولان إلى سورية طالما كان بالإمكان طمأنة مخاوف إسرائيل فيما يتعلق بمحطة الإنذار المبكر التابعة لها في الجولان، وفي اعتمادها على بحيرة تبريز، والمعروفة كذلك ببحيرة طبريا، وذلك بحصولها على ثلث مائها.

إن بحيرة طبريا مسطح مائي فريد، فقاعها هو عبارة عن مياه مالحة تغذيها ينابيع من تحت الأرض، في حين أن الطبقة العليا هي مياه عذبة. ولأن المياه العذبة أخف كثافة، فينبغي الاحتياط كي لا يسحب مياه كثيرة من البحيرة في سنة ما كي لا تصبح طبقة المياه العذبة خفيفة بدرجة لا تسمح بإبقاء المياه المالحة في الأسفل. إذا ما أصبحت المياه العذبة أقل من كمية معينة، فإن بإمكان المياه المالحة أن تندفع إلى الأعلى وتمتزج بها، قاضية على كمية المياه الضرورية لإسرائيل.

قبل مقتله، كان اسحق رابين قد أعطاني تعهداً بالانسحاب من الجولان إلى حدود 4 حزيران 1967، طالما أن سورية كانت ستطمئن المخاوف الإسرائيلية. وكان التعهد قد أعطي على شرط أن أحتفظ به (في جيبي) حتى يتم تقديمه بشكل رسمي إلى سورية في سياق حل شامل. بعد موت اسحق، أكد (شمعون بيريز) على التعهد مرة أخرى، وعلى هذه الأسس دعمنا محادثات بين السوريين والإسرائيليين في 1996 في (واي ريفر). أراد (بيريز) مني أن أوقع معاهدة أمنية مع إسرائيل إذا ما تنازلت عن الجولان، وهي فكرة اقترحتها على (نتنياهو) لاحقاً وقدمها (باراك) مرة أخرى. وقد أخبرتهم أنني كنت مستعداً لفعل ذلك. استمر (دينيس روس) وفريقنا في إحراز التقدم إلى أن هزم (نتنياهو) (بيريز) في وسط اندفاع في النشاط الإرهابي. ثم تداعت المفاوضات السورية. وأراد (باراك) البدء بها مرة أخرى، رغم أنه لم يكن مستعداً لإعادة التأكيد على كلمات تعهد (بيريز) الثمينة. كان على (باراك) أن يتجادل مع هيئة إسرائيلية منتخبة مختلفة تماماً عن تلك التي تعامل معها رابين. لقد كان هناك عدد أكبر من المهاجرين، والروس بشكل خاص كانوا معارضين لتسليم الجولان. وقد شرح لي (ناتان شارانسكي)، والذي أصبح بطلاً في الغرب خلال سجنه في الاتحاد السوفييتي والذي رافق (نتنياهو) إلى واي ريفر في عام 1998، شرح لي موقف اليهود الروس. لقد قال: انهم جاؤوا من أكبر دولة في العالم إلى واحدة من أصغرها، ولم يعتقدوا أن من الصحيح جعل إسرائيل أصغر بالتخلي عن الجولان أو عن الضفة الغربية. كما أنهم لم يعتبروا أن سورية تشكل خطراً على إسرائيل. فهم لم يكونوا في حالة سلام ولكنهم لم يكونوا في حالة حرب كذلك. إذا هاجمت سورية إسرائيل، فإن بإمكان الإسرائيليين أن ينتصروا بسهولة، فلماذا يتخلون عن الجولان؟

وبما أن باراك لم يوافق على وجهة النظر هذه، فقد كان عليه أن يقاومها. ومع ذلك، أراد أن يصنع السلام مع سورية، وكان مقتنعاً بأن القضايا يمكن أن يعاد حلها، وأراد مني أن أجمعهم للمفاوضات في أقرب وقت ممكن. بحلول كانون الثاني 2000، كنت قد عملت لما يزيد عن ثلاثة أشهر مع وزير الخارجية السوري فاروق الشرع وبالتليفون مع الرئيس الأسد للتهيئة لمرحلة المفاوضات. لم يكن الأسد في صحة جيدة وأراد أن يستعيد الجولان قبل وفاته، ولكن كان عليه أن يكون حذراً. وأراد لابنه بشار أن يخلفه ولكن إذا وضعنا جانباً قناعته الشخصية بأن سورية ينبغي أن تستعيد كل الأرض التي كانت تحت سيادتها قبل 4 حزيران 1967، فإن عليه القيام باتفاقية لا تكون موضع هجوم من القوى الموجودة داخل سورية والتي سيحتاج لدعمها لابنه. إن ضعف الأسد، إضافة إلى وعكة صحية تعرض لها وزير الخارجية الشرع في خريف عام 1999، رفعت شعور باراك وبناء على طلبه أرسلت للأسد برسالة قلت فيها أنني أعتقد أن باراك مستعد للقيام بصفقة إذا استطعنا حل تعريف الحدود، والسيطرة على المياه، ومراكز الإنذار المبكر، وأنهم إذا ما توصلوا إلى اتفاقية، فإن الولايات المتحدة ستكون مستعدة لإقامة علاقات ثنائية مع سورية، وهي حركة ألح باراك عليها. لقد كانت هذه خطوة كبيرة لنا، بالنظر إلى دعم سورية السابق للإرهاب. بالطبع، فقد كان على الأسد أن يوقف دعم الإرهاب لكي يحصل على علاقات طبيعية مع الولايات المتحدة، ولكنه إذا استعاد الجولان، فإن دافعه لدعم إرهابيي حزب الله الذين كانوا يهاجمون إسرائيل من لبنان سيختفي.

لقد أراد باراك صنع السلام مع لبنان أيضاً، لأنه التزم بسحب القوات الإسرائيلية من لبنان نهائياً هذا العام، وكانت اتفاقية سلام ستجعل من إسرائيل مكاناً أكثر أمناً من هجمات حزب الله على طول الحدود، ولن يبدو الأمر وكأن إسرائيل انسحبت بسبب الهجمات. وقد كان يعلم جيداً أنه لا توجد اتفاقية دون موافقة سورية وتدخلها.

وقد أجاب الأسد بعد ذلك بشهر في رسالة بدت أنها تراجعاً عن موقفه السابق، ربما بسبب حالة عدم الاستقرار في سورية والتي سببتها المشاكل الصحية لديه ولدى الشرع، والذي بدا أنه قد استعاد صحته بشكل كامل، لقد أخبرهم الأسد أنه يريد استئناف المفاوضات وأنه كان مستعداً لصنع السلام لأنه اعتقد أن باراك كان جاداً. حتى أنه وافق على أن يقوم الشرع بالتفاوض، وهو أمر لم يفعله من قبل، طالما كان باراك سيتسلم التفاوض بنفسه عن الجانب الإسرائيلي.

وقد قبل باراك ذلك سريعاً وأراد أن يبدأ فوراً. وقد وضحت أننا لا نستطيع القيام بذلك أثناء أعياد الميلاد وقد وافق هو على جدولنا الزمني: محادثات تمهيدية في واشنطن في منتصف شهر كانون الأول، يتم استئنافها بعد ذلك في أول العام الجديد بمشاركة مني وتستمر دون توقف حتى يتم التوصل إلى اتفاقية. وقد بدأت محادثات واشنطن ببداية صعبة بسبب تصريح الشرع العلني العدواني. ومع ذلك، ففي المحادثات السرية، وعندما اقترح الشرع أن علينا أن نبدأ من حيث توقفت المفاوضات في عام 1996، مع التزام رابين الجاهز بحدود 4 حزيران إذا ما تمت تلبية رغبات إسرائيل، أجاب باراك بالقول بأنه طالما لم يقدم أي التزام بالأراضي، فإننا لا نمحو التاريخ. وقد اتفق الرجلان بعد ذلك على أن بإمكاني تحديد الترتيب الذي سيتم مناقشة القضايا وفقا له، بما في ذلك قضايا الحدود، والأمن، والماء والسلام. وقد أراد باراك للمفاوضات أن تستمر بدون توقف، وكان هذا سيتطلب من السوريين أن يعملوا خلال نهاية شهر رمضان الذي يوافق 7 كانون الثاني وأن لا يعودوا إلى الوطن للاحتفال بعيدهم التقليدي عيد الفطر في نهاية فترة الصوم، وقد وافق الشرع وذهب الطرفان إلى وطنيهما للاستعداد.

رغم أن باراك كان قد ضغط بقوة من أجل مفاوضات مبكرة، إلا أنه سرعان ما بدأ بالقلق حول التبعات السياسية لتسليم الجولان دون إعداد الشعب الإسرائيلي لهذا الأمر. وقد أراد غطاء من نوع ما: استئناف المسار اللبناني والذي ستتم إدارته من قبل السوريين بمشورة اللبنانيين، وإعلان دولة عربية واحدة على الأقل برفع مستوى العلاقات مع إسرائيل، إضافة إلى فوائد أمنية واضحة تقدمها الولايات المتحدة، ونطاق تجارة حر في الجولان. وقد وافقت على دعم جميع هذه الطلبات وخطوت خطوة أبعد، فاتصلت بالأسد في 19 كانون الأول، وطلبت إليه أن يجري استئناف المحادثات على المسار اللبناني في نفس الوقت الذي تجري فيه المحادثات السورية وأن يساعد في إرجاع الإسرائيليين الثلاثة الذين مايزالون على لائحة المفقودين منذ الحرب اللبنانية التي جرت قبل عشرين عاماً تقريباً. وقد وافق الأسد على الطلب الثاني وقمنا نحن بإرسال فريق شرعي إلى سورية، ولكن ولسوء الحظ، فإن المفقودين لم يكونوا حيث كان الإسرائيليون يعتقدون أنهم سيجدونهم. أما فيما يتعلق بالقضية الأولى، فقد تجنب الأسد إعطاء إجابة واضحة وصريحة، وقال أن المحادثات اللبنانية سيتم استئنافها ما أن يتحقق هناك تقدم على المسار السوري.

إن (شبرد تاون) هي مجتمع ريفي تبعد أكثر بقليل من ساعة واحدة بالسيارة عن واشنطن، وكان (باراك) قد أصر على الاجتماع في مكان منعزل لتقليل التسربات، ولم يرد السوريون الذهاب إلى كامب ديفيد أو واي ريفر، لأن مفاوضات أخرى تتعلق بالشرق الأوسط على مستوى عال من الأهمية قد حدثت هناك. وقد كان هذا جيداً بالنسبة إلي، فقد كانت أماكن المؤتمرات في (شبرد تاون) مريحة، وقد كان بإمكاني أن أصل إلى هناك من البيت الأبيض في غضون عشرين دقيقة بالهليكوبتر.

بدا سريعاً أن الطرفين لم يكونوا بذلك البعد عن بعضهما في القضايا المتفاوض عليها. أرادت سورية أن تستعيد الجولان كاملاً ولكنها كانت على استعداد لترك شريط من الأرض للإسرائيليين بعرض عشرة أمتار، (ثلاثة وثلاثين قدماً). وأرادت سورية من الإسرائيليين أن ينسحبوا في غضون ثمانية عشر شهراً، في حين أراد باراك أن يتم الانسحاب خلال ثلاث سنوات. أرادت إسرائيل أن تمكث في محطة الإنذار المبكر، في حين أرادت سورية أن تتم إدارة المحطة من قبل موظفي الأمم المتحدة أو ربما من قبل موظفين أمريكيين. أرادت إسرائيل أن تحصل على ضمانات على نوعية وكمية المياه المتدفقة من الجولان إلى البحيرة، وقد وافقت سورية على أن تحصل على نفس الضمانات على مياهها المتدفقة من تركيا. وقد أرادت إسرائيل علاقات ديبلوماسية كاملة ما إن يبدأ الانسحاب في حين أرادت سورية مستوى علاقات أقل من ذلك حتى ينتهي الانسحاب بشكل كامل.

لقد جاء السوريون إلى (شبرد تاون) بعقلية إيجابية ومرنة، وكانوا راغبين في عقد اتفاقية. في المقابل، فإن باراك، الذي كان قد دفع بقوة من أجل المحادثات، كان قد قرر، على ما يبدو وفقاً لمعلومات الاستفتاء، أن عليه أن يبطئ من خطوه في العملية لعدة أيام حتى يتمكن من إقناع الشعب الإسرائيلي بأنه كان مفاوضاً صعباً. وقد أراد أن أستخدم علاقتي الجيدة مع الشرع والأسد لإبقاء السوريين سعداء في حين يقول هو أقل ما يمكن قوله خلال الفترة التي سيفرضها على نفسه.

وقد شعرت بخيبة أمل. فإذا كان باراك قد تعامل مع السوريين من قبل، أو إذا كان قد أعطانا بعض الملاحظات المتقدمة، فلربما كان ذلك يمكن تدبره. ربما، كقائد منتخب بشكل ديمقراطي أنه كان عليه أن يظهر اهتماماً أكثر برأي شعبه مما كان على الأسد. ولكن الأسد كان لديه مشاكله السياسية الخاصة، وكان قد تغلب على اشمئزازه المعروف من الانخراط العالي المستوى مع الإسرائيليين لأنه وثق بي وبتطمينات باراك.

لم يكن باراك قد دخل عالم السياسة منذ زمن طويل. وقد اعتقدت أنه قد حصل على نصيحة بالغة السوء. ففي الشؤون الخارجية، تكون الاستفتاءات عديمة الفائدة غالباً. يستأجر الناس القادة ليحرزوا لهم النصر، والنتائج هي المهمة. لم تكن كثير من قراراتي الأكثر أهمية في السياسة الخارجية ذات شعبية في البداية. لو أن باراك صنع السلام مع سورية فقد كان ذلك سيرفع موقفه في إسرائيل وفي العالم كله، وكان سيرفع من فرص النجاح مع الفلسطينيين. وإذا ما فشل، فإن أياماً قليلة ذات نتائج جيدة للاستفتاءات ستتلاشى مع الريح. وبرغم كل محاولاتي، لم أستطع تغيير تفكير باراك. فقد أراد مني أن أساعد في إبقاء الشرع على المنصة بينما ينتظر هو، وأن أفعل ذلك في (ِشبرد تاون) المنعزلة، حيث لا يوجد إلا القليل من مشاغل العمل.

حاولت (مادلين ألبرايت)، و(دينس روس) التفكير بطرق مبدعة لتبيين التزام باراك بتعهد رابين، بما في ذلك فتح قناة خلفية بين مادلين ألبرايت وبثينة شعبان، المرأة الوحيدة في الوفد السوري. كانت بثينة امرأة فصيحة وذات تأثير، وكانت قد عملت دائماً كمترجمة للأسد لدى التقائنا. كانت تعمل مع الأسد منذ سنوات، وقد كنت متأكداً من أن وجودها في (شبرد تاون) كان لضمان وصول صورة كاملة وغير معدلة عما كان يحدث للأسد.

في يوم الجمعة، الذي وافق اليوم الخامس توصلنا إلى مسودة اتفاقية السلام مع وضع خلافات الطرفين بين القوسين. وقد تجاوب السوريون بشكل إيجابي ليلة السبت، وبدأنا الاجتماعات حول قضايا الحدود والقضايا الأمنية. مرة أخرى أظهر السوريون مرونة حيال كلا القضيتين، وقالوا إنهم سيقبلون بتعديل فيما يتعلق بشريط الأرض الذي يحد بحيرة طبريا ليصل إلى خمسين متراً (مائة وأربعة وستين قدماً)، وذلك إذا ما قبل الإسرائيليون بخط 4 حزيران كأساس للتفاوض. وقد كان هناك بعض المنطق العملي في هذا، فعلى ما يبدو فإن البحيرة كانت قد تقلصت في حجمها في الثلاثين سنة الأخيرة. وقد شجعني ذلك، ولكن سرعان ما ظهر أن باراك لم يفوض أياً في فريقه ليقبل بخط 4 حزيران، مهما قدم السوريون.

في يوم الأحد، وفي غداء مقدم لإيهود ونافا باراك في مزرعة مادلين ألبرايت قدم كل من مادلين ودينيس عرضاً أخيراً لباراك. فقد أظهرت سورية مرونة مع ما أرادته إسرائيل، إذا ما تم تلبية حاجاتها، ولم تتجاوب إسرائيل بطريقة مقبولة. فماذا كانت تريد؟ قال باراك أنه يريد استئناف مفاوضات المسار اللبناني. وأن ذلك إذا لم يحدث، فإنه سيتوقف لعدة أيام ثم يعود.

ولم يكن الشرع في وضع يسمح له بسماع ذلك، فقال إن (شبرد تاون) كانت فشلاً. وأن باراك لم يكن صادقاً، وأن عليه أن يقول ذلك للرئيس الأسد.

في آخر عشاء، حاولت مرة أخرى حمل باراك على قول شيء إيجابي يستطيع الشرع العودة به إلى سورية، إلا أنه رفض. وأخبرني سرياً بدلاً من ذلك أن بإمكاني أن اتصل بالأسد بعد أن أترك (شبرد تاون) وأن أخبره أن باراك سيقبل بحدود 4 حزيران ما أن يتم استئناف المفاوضات اللبنانية أو ما أن تبدأ. وقد كان هذا يعني أن الشرع سيعود إلى سورية خاوي الوفاض من مفاوضات كان يعتقد أنها ستكون حاسمة، إلى درجة أن السوريين رحبوا بالبقاء أثناء نهاية رمضان إلى العيد.

مما جعل الأمور تزداد سوء، فقد تسرب نص أحدث اتفاقية إلى الصحافة الإسرائيلية، مظهرة التنازلات التي قدمتها سورية دون الحصول على أي شيء بالمقابل. وتعرض الشرع لانتقادات حادة في الوطن. وقد كان الأمر محرجاً جداً له، وللأسد. فحتى الحكومات الاستبدادية ليست محصنة ضد الرأي الشعبي، وضد جماعات المصالح القوية.

عندما اتصلت بالأسد لأقدم عرض باراك بالتأكيد على التزام رابين وعلى تعيين الحدود على ما كانت عليه ما إن تبدأ المفاوضات اللبنانية، استمع دون أي تعليق. وبعد أيام قليلة، اتصل الشرع بمادلين ألبرايت، ورفض عرض باراك، وقال إن السوريين سيفتحون المفاوضات مع لبنان فقط بعد أن يتم الاتفاق على تعيين الحدود. لقد لدغوا مرة نتيجة مرونتهم وتعاونهم، ولم يكونوا ليرتكبوا نفس الخطأ مرة أخرى.

وكنا نحن قد تعرضنا لإرباك في ذلك الوقت، ولكني اعتقدت أن علينا أن نواصل المحاولة. فمازال يبدو أن باراك يريد السلام مع سورية، وقد كان صحيحاً أن الشعب الإسرائيلي لم يكن مستعداً للتنازلات التي يتطلبها السلام. وقد كان لايزال كذلك من مصلحة سورية صنع السلام، وفي وقت قريب فقد كانت صحة الأسد متعبة، وكان عليه أن يعبد الطريق أمام خلافة ابنه. في نفس الوقت، كان هناك الكثير مما ينبغي عمله على المسار السوري. وقد طلبت من كل من ساندي ومادلين ودينس أن يدرسوا ما علينا فعله في الخطوة التالية، ثم صببت اهتماماتي على أمور أخرى.[line]
الشرق الأوسط في مذكرات بيل كلينتون 2

الإرهاب

تفجير السفارتين الأمريكيتين في تنزانيا وكينيا

ص797 ـ ص999

في اليوم التالي، ضربت السفارتان الأمريكيتان في تنزانيا وكينيا بالقنابل وحدثت الانفجارات بفارق زمني يقدر بخمس دقائق، مما أسفر عن موت 257 شخصاً، بمن فيهم 12 أمريكيا، وجرح 500 آخرين. وقد أشار الدليل المبدئي إلى أن شبكة عمل أسامة بن لادن، والتي أصبحت تعرف بالقاعدة، هي من شنت الهجمات. في أواخر شهر شباط أصدر بن لادن فتوى تدعو إلى الهجوم على الجيش الأمريكي وعلى أهداف مدنية أمريكية في أي مكان في العالم. في أيار قال ابن لادن إن أنصاره سيضربون أهدافاً أمريكية في الخليج، وتحدثوا عن (جلب الحرب إلى أمريكا). وفي حزيران، في مقابلة مع صحفي أمريكي، هدد بإسقاط طائرات أمريكية عسكرية بصواريخ مضادة للطائرات.

في هذا الوقت، كانت قد مضت علينا سنوات ونحن نتتبع ابن لادن، ففي أوائل فترتي الرئاسية الأولى كان كل من (توني ليك)، و(ديك كلارك)، يضغطون على الـ(سي.آي.إيه) من أجل المزيد من المعلومات حول الثري السعودي، الذي تم طرده من بلاده في عام 1991، وفقد جنسيته كمواطن عام 1994، واتخذ من السودان مقراً له.

في البداية بدا أن ابن لادن كان ممولاً للعمليات الإرهابية، ولكن مع الوقت علمنا أنه كان زعيماً لمنظمة إرهابية عالية التعقيد، ذات تمويل مالي كبير يتجاوز ثروته الخاصة، وينتمي إلى هذه المنظمة ناشطون في عدة دول، بمن فيها الشيشان، والبوسنة، والفلبين. في عام 1995، بعد الحرب في البوسنة، أعقنا المجاهدين هناك من تولي السلطة، وبالتعاون مع المسؤولين المحليين، أوقفنا كذلك مؤامرة لتفجير عشرات الطائرات المغادرة من الفلبين إلى المحيط الغربي، ولكن شبكة ابن لادن العابرة للقارات استمرت في النمو.

في كانون أول 1996، أنشأت (سي.آي.إيه) محطة ينصب تركيزها على ابن لادن وشبكته حصراً، في مركز مكافحة الإرهاب، وقد بدأنا بعد ذلك بفترة وجيرة بحثّ السودان على طرد ابن لادن. كان السودان حينها، ملاذاً آمناً عملياً للإرهابيين، بمن فيهم المصريون الذين حاولوا قتل الرئيس مبارك في حزيران الماضي (من نفس العام)، والذين نجحوا في اغتيال سلفه، الرئيس أنور السادات. ويشترك الزعيم الوطني حسن الترابي، مع ابن لادن في رؤاه المتطرفة، وقد انخرط كلاهما في مشروعات خطرة، من عمليات مشروعة إلى تصنيع الأسلحة ودعم الإرهابيين.

بينما كنا نضغط على الترابي ليقوم بطرد ابن لادن، طلبنا من السعودية العربية أن تتسلمه، ولكن السعوديين لم يريدوه أن يعود، إلا أن ابن لادن ترك السودان أخيراً في أواسط عام 1996، وكان لايزال على ما يبدو على علاقة طيبة مع الترابي، وتحرك إلى أفغانستان، حيث وجد ترحيباً حاراً من الملا عمر، زعيم الطالبان، وهو حزب سني عسكري، عازم على إنشاء حكومة دينية إسلامية راديكالية في أفغانستان.

في أيلول 1996، استولى الطالبان على كابول، وبدؤوا في السيطرة على مناطق أخرى من البلاد. ومع نهاية العام، طورت وحدة ابن لا دن في الـ(سي.آي.إيه) معلومات هامة عنه وعن بنيته التحتية. وبعد عام من ذلك تقريباً، اعتقلت السلطات الكينية رجلاً اعتقدوا أنه كان متورطاً في مؤامرة إرهابية ضد السفارة الأمريكية هناك.

في الأسبوع الذي تلا التفجيرات، حافظت على جدول أعمالي المعتاد، فسافرت إلى كنتاكي، وإلينويس، وكاليفورنيا لتشجيع ميثاق حقوق المرضى، ومبادرتنا من أجل مياه نقية، ولمساعدة الديمقراطيين في الانتخابات في هذه الولايات. فيما عدا الأحداث العامة، فقد أمضيت معظم وقتي مع فريق أمننا الوطني نناقش الكيفية التي سنرد بها على الهجمات الإفريقية.

في 13 آب، كان هناك حفلة تذكارية في قاعدة أندرو الجوية من أجل عشرة من الضحايا الأمريكيين الاثني عشر. إن الناس الذين اعتقد ابن لادن أنهم كانوا يستحقون الموت فقط لكونهم أمريكيين قد ضموا ديبلوماسياً محترفاً قد التقيته وابنه مرتين قبل ذلك، وامرأة كانت قد أنهت لتوها عطلة قضتها في رعاية والديها المسنين، وهي ضابط في الشؤون الخارجية هندية الأصل، سافرت عبر العالم للعمل من أجل وطنها الذي اختارته، وطبيباً متخصصاً في الأوبئة كان يعمل لحماية الأطفال الأفارقة من المرض والموت، وأماً لثلاثة أطفال، وجدة فخورة، وعازف جاز موهوب يعمل لمدة يوم في الخارجية، ومدير سفارة كان متزوجاً من كينية، وثلاثة جنود، أحدهم في الجيش، والآخر في سلاح الجو، والثالث في فرع الفيلق البحري.

وفق كل المعايير، فقد كان ابن لادن مسمماً باقتناعه بأنه يملك الحقيقة المطلقة، وهو بالتالي لديه الحق في أن يصدر أحكاماً كأنه (الله) ويقتل أناساً أبرياء. منذ أن بدأنا تتبع منظمته منذ عدة سنوات، فقد علمت بعد بعض الوقت أنه كان عدواً مخيفاً، بعد المذبحة الأفريقية أصبحت مصمماً على أسره أو قتله مع تدمير القاعدة.

بعد أسبوع واحد من تفجير السفارة، وبعد ظهور شريط فيديو موجه إلى شعب كينيا وتنزانيا، اللذين كانت خسارتهما أكبر بكثير من خسارتنا، اجتمعت بمسؤولي الأمن القومي الرئيسيين. وقد أكد كل من الـ(سي.آي.إيه) مسؤولية القاعدة عن التفجيرات وقدموا تقارير بكون بعض مقترفي التفجيرات قد تم اعتقالهم فعلاً.

وقد تسلمت كذلك تقريراً من الاستخبارات بأن لدى القاعدة خططاً لمهاجمة سفارة أخرى أيضاً في تيرانا (ألبانيا) وأن أعداءنا ظنوا أن أمريكا مكشوفة أمام الهجمات لأننا سننشغل بالجدال حول سلوكي الشخصي. قمنا بإغلاق السفارة الألبانية، وأرسلنا جنوداً مسلحين بأسلحة ثقيلة لحراستها، وبدأنا العمل مع السلطات المحلية لتفكيك خلية القاعدة هناك. ولكن كان ما يزال لدينا سفارات أخرى في دول للقاعدة عمليات فيها.

كان لدى الـ (سي.آي.إيه) كذلك معلومات استخبارية بأن ابن لادن ورؤساء طاقمه كانوا يخططون للاجتماع في أحد مخيماته في أفغانستان في 20 آب لتقييم تأثير هجماتهم والتخطيط لعملياتهم المقبلة، وسيشكل الاجتماع فرصة للثأر، وربما القبض على عدد كبير من قيادات القاعدة. طلبت من (ساندي بيرغر) تولي عملية الرد العسكري، كان علينا تحديد أهداف، وتحريك الأصول العسكرية الضرورية إلى المكان، وحساب كيفية التعامل مع باكستان. فإذا ما أطلقنا ضربات جوية، فإن طائراتنا ستمر عبر فضاء باكستان الجوي.

رغم أننا كنا نعمل مع باكستان، لنزع فتيل التوتر في شبه القارة الهندية، ورغم أن شعبينا كانا متحالفين خلال الحرب البادرة، إلا أن باكستان كانت تدعم الطالبان، والقاعدة امتداداً لها. لقد استخدم جهاز الاستخبارات الباكستاني بعضاً من نفس المخيمات التي استخدمها ابن لادن والقاعدة لتدريب الطالبان والمتمردين الذين قاتلوا في كشمير. لو اكتشفت باكستان هجماتنا المخطط لها في وقت سابق، فقد كان من المرجح أن تقوم الاستخبارات الباكستانية بتحذير الطالبان أو حتى القاعدة. من جهة أخرى، فإن وكيل وزير الخارجية (ستروب تالبوت)، والذي كان يعمل على تقليل فرص النزاع العسكري في شبه القارة الهندية، كان خائفاً من أنه إذا لم نقم بإخبار الباكستانيين، فإنهم قد يفترضون أن الصواريخ المنطلقة قد تم إطلاقها عليهم من قبل الهند وأن يقوموا بالرد، ومن الممكن أن يكون ذلك حتى بالسلاح النووي.

وقد قررنا أن نرسل نائب رئيس هيئة الأركان الجنرال (جو والستون)، للعشاء مع أعلى قائد في الجيش الباكستاني في نفس وقت الهجمات، حيث سيخبره والستون بما كان يحدث قبل بضع دقائق من اختراق الصواريخ الأمريكية للفضاء الباكستاني، حيث سيكون الوقت متأخراً جداً على تحذير القاعدة أو الطالبان، ولكن في وقت يجنب تلك الصواريخ أن يتم إسقاطها، أو إشعال فتيل هجوم مضاد على الهند.

لقد كان فريقي قلقاً حيال أمر آخر، وهو شهادتي أمام المحكمة العليا في غضون ثلاثة أيام في 17 آب. فقد كانوا خائفين من أن ذلك قد يجعلني متردداً في الضرب، أو أنني في حال أمرت بالهجوم، فإنني قد يتم اتهامي بالقيام بذلك لتحويل انتباه الرأي العام عن مشاكلي، خصوصاً إذا لم يقض الهجوم على ابن لادن. وقد أخبرتهم بعبارات لا تردد فيها، أن عملهم كان تقديم النصيحة لي فيما يتعلق بالأمن الوطني. فإذا كانت التوصية تقضي بالضرب في العشرين من الشهر، فإن ذلك ما سنفعله. وقد قلت إنني سأتدبر أمر مشاكلي الخاصة. وقد كان الوقت يمر بالنسبة لهذه المشاكل أيضاً.


تابع بالملف المرفق :

الشرق الأوسط في مذكرات بيل كلينتون : 3 ، 4 ، 5 ، 6 ، 7 ، 8 ، 9

المصدر :

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

[line]
الملفات المرفقة
نوع الملف: zip الشرق الأوسط في مذكرات بيل كلينتون.zip‏ (48.2 كيلوبايت, المشاهدات 6)

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 02-03-2007 الساعة 12:41 PM
  #38  
قديم 02-03-2007, 01:13 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

مؤتمر هرتسليا السابع حول :

"ميزان المناعة والأمن القومي الإسرائيلي"

(21/1- 24/1/2007)


"اتجاهات جديدة"

في الخطاب السياسي الإسرائيلي الراهن؟

توطئة

عقد في الفترة ما بين 21/1- 24/1/2007 مؤتمر هرتسليا السابع حول "ميزان المناعة والأمن القومي" الإسرائيلي الذي ينظمه "معهد السياسة والإستراتيجية" و"مدرسة لاودر للحكم والدبلوماسية والإستراتيجية" في "المركز بين المجالي" في هرتسليا. وقد اختتم المؤتمر، كما جرت العادة، بخطاب سياسي ألقاه رئيس الحكومة الإسرائيلي، إيهود أولمرت.

كما تكلم في المؤتمر عدد من وزراء الحكومة وقادة الجيش ورؤساء أحزاب المعارضة. ومن بينهم وزراء الدفاع، عمير بيرتس والمالية، أبراهام هيرشزون والبنى التحتية الوطنية، بنيامين بن إليعيزر والمواصلات، شاؤول موفاز والخارجية والعدل، تسيبي ليفني والاستيعاب، زئيف بويم والتربية والتعليم، يولي تامير والسياحة، إسحق هرتسوغ ونائب رئيس الحكومة، شمعون بيرس. وكذلك رئيس حزب "الليكود" ورئيس الحكومة الأسبق، بنيامين نتنياهو ومراقب الدولة، ميخا لندنشتراوس ومحافظ بنك إسرائيل، ستانلي فيشر.

أما من المسؤولين العسكريين والأمنيين فقد تكلم في المؤتمر رئيس هيئة الأركان العامة السابق، الجنرال (احتياط) موشيه يعالون ورئيس القسم السياسي- الأمني في وزارة الدفاع، الجنرال (احتياط) عاموس جلعاد ورئيس برنامج الدراسات الأمنية في جامعة تل أبيب، الجنرال (احتياط) البروفيسور إسحق بن يسرائيل والرئيس الأسبق لمجلس الأمن القومي، الجنرال (احتياط) دافيد عبري وغيرهم.

وكان رئيس هيئة الأركان العامة المستقيل، الجنرال دان حالوتس، قد ألغى مشاركته المقرّرة في المؤتمر عشية تقديم كتاب استقالته أخيرًا. كما أنّ الجنرال في الاحتياط غابي أشكنازي، المدير العام لوزارة الدفاع، ألغى مشاركته على خلفية تنافسه على منصب الرئيس الـ19 لهيئة الأركان العامة للجيش، والذي اختير لإشغاله فيما بعد.

كذلك شارك في أعمال المؤتمر عدد كبير من أبرز الأساتذة الجامعيين في مختلف المجالات ورجال الإعلام.

وتكلم في المؤتمر، إما من خلال الظهور المباشر أو عبر الأقمار الاصطناعية، عدد من الضيوف الأجانب، بالأساس من الولايات المتحدة. وبرز بينهم من الأميركيين كل من السيناتور جون إدواردز ونائب وزير الدفاع الأميركي غوردون إينغلاند والسفير نيكولاس بيرنز والسفير الأميركي في إسرائيل، ريتشارد جونس والبروفيسور ألان درشوفيتس ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية السابق (سي. أي. إيه)، جيمس وولسي والبروفيسور برنارد لويس ود. ريتشارد لندس وديفيد ماكوفسكي والسيناتور جون ماكين ود. روبرت ساتلوف ومرغريت سبلينغس والسفير توماس بيكرينغ وريتشارد بيرل وستانلي روث.

من الجانب الفلسطيني شارك في المؤتمر، بحسب ما ورد في برنامجه الرسمي، د. سلام فياض، وزير المالية السابق في السلطة الوطنية الفلسطينية. وذلك في ندوة حول "الدبلوماسية والسياسة في الجبهة الإسرائيلية- العربية" عقدت في صبيحة آخر أيام المؤتمر (الأربعاء 24/1/2007)، وذلك إلى جانب ديفيد ماكوفسكي، من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى وعضو الكنيست سيلفان شالوم (ليكود) وغيدي غيرنشتاين، مؤسس ومدير عام معهد "ريئوت" للتخطيط السياسي.

أما من جانب العرب في إسرائيل فقد اقتصرت المشاركة على مندوبة لجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب، عايدة توما- سليمان، وذلك ضمن ندوة بعنوان "عرب إسرائيل والدولة اليهودية".

وتمثلت أبرز المواضيع التي تناولتها مداولات المؤتمر، فضلاً عن إعلان المؤشرات المختلفة وفي صلبها مؤشر الوطنية وميزان المناعة والأمن القومي، في المواضيع التالية:

- بدائل جيو- إستراتيجية في الساحة العالمية.

- اتجاهات لتجدّد الجيش وتعزيز قوته.

- إنعاش الحوار الإستراتيجي الأميركي- الإسرائيلي.

- مواجهة إيران المتحولة إلى دولة نووية.

- اعرف عدوك- اتخاذ القرارات لدى الخصم.

- إيران، حرب لبنان الثانية وتغيير بنية النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي.

- تحديث العلاقات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (ناتو) الاتحاد الأوروبي.

- السياسة الوطنية لدفع التفوّق في التعليم.

- سياسة الولايات المتحدة بعد الانتخابات النصفية.

- تحديات السياسة الخارجية- نظرة من إسرائيل وأوروبا.

- الإسقاطات السياسية لبعض النزعات الاقتصادية في المنطقة.

- مناعة إسرائيل المالية.

- أمن تزويد الطاقة.

- الجيل القادم- تحديات أمام القيادة الشابّة.

- الهوية اليهودية كمناعة قومية.

- إستراتيجيات لمواجهة مظاهر اللاسامية.

- إسرائيل والشتات- مشاركة الشعب اليهودي الكونية مع دولة إسرائيل.

- محاربة ظواهر إلغاء شرعية الدولة اليهودية والمعركة على الرأي العام.

- مستقبل اقتصاد إسرائيل- النمو وتقليص الفقر.

- "الأرض البنية الخضراء" كمناعة قومية.

- الشراكة في الجليل: التطوير اليهودي- العربي للجليل بعد حرب لبنان.

- القانون، نظام الحكم والمناعة القومية.

- الوطنية والمناعة القومية في إسرائيل بعد حرب لبنان- استطلاع الوطنية 2007.


ولا يزال "مؤتمر هرتسليا"، منذ انعقاده للمرة الأولى في العام 2000، يستقطب اهتماماً واسعاً لدى مختلف الأوساط، المحلية والإقليمية والدولية، المهتمة والمتابعة للشأن الإسرائيلي.

وينبع هذا الاهتمام المتزايد أولاً من واقع ماهية وشمولية مواضيع التفكير الآني والإستراتيجي التي تتخلل وتسم أوراق العمل والمناقشات والأفكار والتوصيات التي يتم تداولها في أعمال المؤتمر ويصار إلى إجمالها في تلخيصات ووثائق تصدر عنه.

وينبع ثانياً، وربما الأهم، من نوعية ومكانة الشخوص، سواء القائمين على المؤتمر أو المشاركين فعليا في أعماله (ويضم هؤلاء في تعدادهم عادة رئيس الحكومة وكبار الوزراء ورؤساء وقادة المؤسسة العسكرية والأمنية والأكاديمية وغيرهم) أو المدعوين لحضوره (بضع مئات من كبار الشخصيات السياسية والأمنية والاقتصادية والأكاديمية في إسرائيل والخارج)، أي أن المؤتمر يقدم ويعكس اتجاهات التفكير المختلفة المعبرة عن رأي "النخبة الإسرائيلية" المتنفذة في شتى المجالات. وبهذا المعنى هناك من بات يرى بحقّ في مؤتمر هرتسليا بمثابة التئام لـ"العقل الجماعي الإستراتيجي المفكر" للدولة الإسرائيلية.

أزمة القيادة

عقد المؤتمر السابع في ظلّ أزمة غير مسبوقة تشهدها إسرائيل، ترتبًا على نتائج حرب لبنان الثانية في الصيف المنصرم. وهذا ما يعكسه، على سبيل المثال، توكيد المراسل السياسي لصحيفة "هآرتس"، ألوف بن، أنّ ما خيّم على مؤتمر هرتسليا هذا العام أكثر من أي شيء آخر، هو مناخ التحقيقات (العسكرية والجماهيرية والجنائية)، التي تدور في ظلها الحياة العامة والسياسية في إسرائيل في الآونة الأخيرة ("هآرتس"، 25/1/2004). وأضاف بن أنّه بدل أن تطرح في هذا المؤتمر أفكار جديدة، وبدل النقاش حول السياسة، بدا السياسيون وكبار الضباط وأفراد الاستخبارات منهمكين في الإعداد لإفاداتهم أمام لجنة فينوغراد (لتقصّي وقائع الحرب على لبنان)، أو للمثول أمام أي تحقيق آخر. "فالدولة موجودة الآن تحت الإنذار، وفي وضع كهذا لا يجرؤ أي فرد على المجازفة. فكل ما سيقوله سيتم تسجيله وربما يتم استعماله ضده".

ولئن كان هذا التوكيد واشيًا بالأزمة السياسية العامة وفي صفوف الجيش، فإنّه يلمح أيضًا إلى استفحال أزمة القيادة في إسرائيل، وهي الأزمة التي شكلت محورًا رئيسًا من محاور المؤتمر.

ويعتبر هذا المحور أحد مترتبات نتائج الحرب على لبنان، التي ما زالت تتفاعل على أكثر من صعيد وتخبئ المزيد من المفاجآت في المدى المنظور والبعيد.

وقد انعكس الأمر أساسًا في مضامين بعض المحاضرات والكلمات التي أسمعت في المؤتمر، خصوصًا من صفوف القوى الحزبية والسياسية المعارضة ومندوبي أرباب الصناعة (مثل إيلي هوروفيتس، رئيس شركة "طيفع" لإنتاج الأدوية، وهي إحدى أكبر الشركات الإسرائيلية الاعتبارية) وأساتذة الجامعات، الذين لم يضنوا في السابق بسهام النقد فور انتهاء الحرب بالصورة التي انتهت عليها.

لكن يبدو أن منظمي المؤتمر أنفسهم أصرّوا على الظهور في مظهر المزوّد الرئيس للوقود الكفيلة بإبقاء هذه الأزمة على نار حامية، بل وحارقة، من الجدل والانتقاد والاستحصال.

وهذا ما تدلّ عليه الإشارات التالية في المؤتمر:

(*) اعتبر البروفيسور عوزي أراد، رئيس المؤتمر ورئيس "معهد السياسة والإستراتيجية" في "المركز بين المجالي" في هرتسليا، الجهة الداعية والمنظمة للمؤتمر، في كلمته الافتتاحية، أن القيادة الحالية تتحمل المسؤولية عن جزء من التطورات الأخيرة. كما شنّ أراد، الذي أشغل في السابق منصب المستشار السياسي لرئيس الحكومة الأسبق بنيامين نتنياهو، هجومًا حادًّا على المواطنين العرب في إسرائيل، معتبرًا أن استئنافهم على "يهودية إسرائيل" كما تجلّى الأمر في "وثيقة التصوّر المستقبلي للعرب الفلسطينيين في إسرائيل" الصادرة عن لجنة المتابعة العليا يضعهم في قارب واحد مع "القوى المحيطة بإسرائيل الرافضة لحقها في الوجود كدولة ديمقراطية ويهودية، وهو الحقّ الذي اعترف به العالم"، على حدّ قوله.

وفيما يلي ترجمة حرفية لموجز كلمة عوزي أراد، التي وصلت إلى "مركز مدار" نسخة عنها:

"بدأت مؤتمرات هرتسليا (حول ميزان المناعة والأمن القومي) بالانعقاد منذ العام 2000، رغم أنه في تلك السنة كان المناخ مختلفًا بصورة جوهرية. آنذاك لاحت إمكانية لتسوية مع سورية وحل دائم مع الفلسطينيين وانسحاب من لبنان، وكان الجوّ العام مثيرًا للنشوة. لكننا عرفنا (أقصد نحن مؤسسي المؤتمر) أن الواقع أكثر صعوبة وأقل جمالاً. وقد أحسسنا أن أمام الدولة اختبارات صعبة، وأن قدرة الدولة على الصمود، بحسب تسمية دافيد بن غوريون، ستتعرّض للاختبار.

"في المؤتمر الأول العام 2000 كانت الدولة عرضة لانفجار الانتفاضة وعنف العرب في إسرائيل وفشل مباحثات طابا والانتخابات (البرلمانية) الوشيكة. وقد تحققت النبوءة السالفة في مؤتمرات هرتسليا اللاحقة. ففي كل مؤتمر من هذه المؤتمرات كان واضحًا أنّ الفلسطينيين يخوضون ضدنا حربًا إرهابية، وتحولت الجبهة الداخلية إلى جبهة حرب، ووقعت عمليات تفجيرية في جميع أرجاء دولة إسرائيل. ومنذ ذلك الوقت اتضحت بصورة جلية السمة الأكثر أساسية التي تمنح إسرائيل قدرًا كبيرًا من المناعة، وهي قوة روح الشعب. ورغم الضربات الصعبة فقد صمد الشعب أمام الرياح العاتية، وحيث وجدت الإرادة والمبادرة تعبيرًا عنهما، فإن الاقتصاد بدأ بالإقلاع.

"لم نصرف النظر عن التحدي الإستراتيجي الآخذ في التعاظم، والمتمثل في التهديد الإيراني وكل مجروراته. وبقدر معيّن فإنه كلما كررنا الإشارة إلى الموضوع الإيراني باعتباره موضوعًا مركزيًا، فقد شعرنا بأنه تمّ الإعلان من على منصة هذا المؤتمر عن أجندات أخرى باعتبارها ذات أولوية.

"خطة الانفصال تمّ الإعلان عنها في مؤتمر هرتسليا وظلّت الموضوع المركزي على مدار عامين بعد ذلك. وكان هناك من اعتقد بأنه لا مكان للقلق بإزاء التهديدات التي شدّدنا عليها من الجنوب (غزة) ومن الشمال (لبنان) ومن الشرق (العراق)، وادعى هؤلاء أن التهديد الحقيقي هو من البيت وتبنوا رأيًا ينبغي بموجبه تقليص ميزانيات الأمن.

"لقد شهد مؤتمر هرتسليا نقاشات مختلفة، وكان في الوقت نفسه المنصة لصوغ سياسة ملائمة.

"وخلال السنة المنصرمة شهدنًا مدًّا في خطورة المشاكل الماثلة أمامنا.

"فهناك إيران نفسها التي تستفز إسرائيل، عبر تقدمها صوب تطوير قدرتها النووية.

"وفي الولايات المتحدة تفاقمت بعض المظاهر المتحفظة من العلاقات الخاصة التي تمّ بناؤها طوال سنوات عديدة بين واشنطن وإسرائيل.

"وفي البلاد أدار رؤساء الوسط العربي، بصورة واضحة، ظهر المجن للأركان الأساسية لإسرائيل كدولة ديمقراطية وكدولة يهودية، وبذا فقد ربطوا مصيرهم مع المحيطين بنا المتشككين أو الرافضين لحقّ دولة إسرائيل في الوجود، وفقما جرى الاعتراف بها من جانب العالم.

"وفي الصيف الماضي خضنا حربًا ضد تهديد حزب الله. هذه الحرب افتقرت إلى القوة الساحقة، ولم تحسم المعركة، والأسوأ من ذلك أنها أدت إلى تآكل قوة الردع لدى إسرائيل. وأجيز لنفسي القول إنه بالنسبة لجزء من هذه التطورات فإنّ قيادتنا تتحمل المسؤولية عنها أيضًا.

"في الاستطلاعات (المؤشرات) التي ستعرض فيما بعد، سيتبين الأمر نفسه الذي اتضح في السنة الأولى. فإن روح الشعب وقدرته على التحمل بقيتا صلبتين كما في السابق. أما الشكوك فإنها موجهة نحو المؤسسات والسلطات والقيادة. لقد أثبت هذا الشعب إيمانًا كبيرًا بذاته. وما نأمله هو أن تخرج هذه القوة والصلابة إلى حيّز الفعل".

(*) دعا البروفيسور غابي بن دور، رئيس "مركز دراسات الأمن القومي في جامعة حيفا" (المسؤول عن "مؤشرات مؤتمر هرتسليا")، بصورة مباشرة للغاية، إلى استبدال القيادة الحالية في إسرائيل، لا على خلفية ما تمثله من أيديولوجيا وإنما بسبب "مواصفاتها السيئة" و"لأن الشعب يستحق قيادة أفضل منها".

وفي عرضه للنتائج الرئيسة، التي خلصت إليها هذه المؤشرات، قال بن دور إنه في التحصيل الأخير ثمة فجوة آخذة في الاتساع بين المجتمع والدولة في إسرائيل 2007. وأضاف: "الحرب لم تؤثر على نتائج المؤشرات المتعلقة بالعصب الرئيس- الروح القتالية والوطنية والتفاؤل. والبنية التحتية (للمجتمع) لم تتآكل في أعقاب الإرهاب أو الحرب (وبتأثير منهما). والجمهور اليهودي لا ينفك يعلن عن الثقة الكبيرة بعدالة الطريق وعن ارتفاع في منسوب مناعة المجتمع. المجتمع صحيّ لكن القيادة والنخب مريضة. وهذا وضع غير سويّ، كان سيصبح أكثر سوءًا لو أنّ أحد الطرفين المذكورين لا يثق بالآخر. المجتمع الصحيّ في مقدوره أن ينبت من بين صفوفه قيادة صحية، لكن المجتمع المريض ليس في وسعه أن يرمّم نفسه وقيادته".

وختم بالقول: "يمكنني أن أجمل ما تقدّم بعبارات قاسية مؤداها: لدى القيادة شعب ومجتمع أفضل مما تستحق، ولشعب إسرائيل قيادة ومؤسسات أقل جودة مما يستحق. ومن هنا الشعور بأنه ينبغي تغيير قمة الهرم، ليس بسبب الأيديولوجية التي تمثلها وإنما لأنها بكل بساطة ليست جيدة".

(*) البروفيسور إفرايم ياعر، رئيس "برنامج إيفانس لتسوية النزاعات" في جامعة تل أبيب، والذي أشرف على ما يسمى بـ"استطلاع الوطنية الإسرائيلية"، للسنة الثانية على التوالي، قال إن نتائج الاستطلاع هذه السنة تنطوي على بشرى سيئة تتمثل في ما طرأ من زعزعة منقطعة النظير على ثقة الجمهور الإسرائيلي بالمؤسسات السلطوية. ومع أنّ أبحاثًا أخرى أجراها ياعر في السابق أظهرت، كما قال، أن مستوى الثقة بالكنيست والحكومة لم يكن عالياً أيضاً، لكنه أشار إلى أن هذا المستوى انحدر الآن إلى درك غير مسبوق. كذلك طرأ هبوط حاد على مستوى الثقة بقوات الأمن، التي تمتعت دوماً بمستوى عالٍ من التأييد. وهناك تناقض شديد بين مشاعر التقدير للمناعة التي أظهرها المجتمع المدني وبين مشاعر التقدير تجاه قادة الجمهور. فالجمهور يضع خطاً فاصلاً جلياً بين المجتمع وبين الدولة، وخاصة الممسكين بدفة القيادة. "يقول الجمهور نحن وطنيون نحب الدولة، لا تقحمونا في إخفاقاتكم، وسوف نجد الطريقة لإصلاح الاعوجاج. وفي ضوء ارتباط الجمهور بالدولة ينبغي معالجة الشرخ. وأنا أستخدم هنا كلمة "شرخ" لأنها تدل على شيء بنيوي"، أكد ياعر.

وأضاف: إذا ما نظرنا إلى الوضع في أعقاب حرب لبنان، فإن الوضع اليوم أكثر خطورة، إذ أن الانتقادات التي جاءت في أعقاب حرب "يوم الغفران" (تشرين الأول/ أكتوبر 1973) كانت متعلقة أكثر بما سبق الحرب، ولكن هناك اليوم شرخ في الثقة بأداء المؤسسات السلطوية. من هنا تنبع أهمية المعطيات.

وفي عرضه لبعض معطيات الاستطلاع التي تدعم ما ذهب إليه حتى الآن توقف ياعر عند ما يلي:

- أكثرية كبيرة جداً، ثلثا الجمهور اليهودي، تعتبر نفسها وطنية. نسبة الوطنيين في هذه السنة لا تختلف عن نسبة السنة السابقة.

- بمنظور دولي أو عالمي نحن لسنا الأكثر وطنية، ولكننا نحتل مكاناً جيداً في الوسط، ونقترب من الولايات المتحدة وبعض الدول في أوروبا. هناك إجماع تام تقريباً حول أنشطة وقيم مرتبطة بالوطنية. فأكثرية الجمهور اليهودي مستعدة للمحاربة من أجل الدولة، على الأقل على مستوى التصريح. هناك أهمية شديدة أيضاً للغة العبرية والقدس والحياة في البلاد وحبّ البلاد.

- في أسئلة أكثر ملموسية من قبيل: "إلى أي حدّ أنت فخور بأن تكون إسرائيلياً؟"، اتضح أن أكثر من 80 % من الجمهور اليهودي ما زالوا فخورين بكونهم إسرائيليين. جلّ افتخار الجمهور- وفي هذه النقطة يكمن التمييز بين المجتمع والدولة- يدور حول الإنجازات العلمية والتكنولوجية والفنية والأدبية. وهي إنجازات يصنعها أفراد ذوو مؤهلات ومواهب أو جهات ومؤسسات غير حكومية كالجامعات ومراكز الأبحاث. في المقابل فإن أقل ما يفتخر به الجمهور هو المؤسسات السلطوية، وتحديدًا السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية (الحكومة والكنيست).

- طرأ هبوط ملموس في مكانة قوات الأمن. على الرغم من ذلك فهي تحتل المكان الثالث في سلم الاعتزاز، ولكن مع وجود فجوة كبيرة. لم يطرأ على اعتزاز الجمهور بقوات الأمن نفس التراجع المتعلق بالحكومة والكنيست، ولكن تراجع الاعتزاز بها كان ملموساً بالمقارنة مع السنة السابقة. ففي العام 2005 أعرب 88 % عن اعتزازهم بقوات الأمن الإسرائيلية بينما انخفضت هذه النسبة في العام الأخير (2006) إلى 64 %.

- هناك بعد مهم للوطنية وهو الأصالة أو عمق الانتماء. 89 % صرحوا بأنهم يفضلون المواطنة (الجنسية) الإسرائيلية على أية مواطنة أخرى. 87 % قالوا إنهم يريدون تشجيع أبنائهم على العيش في البلاد، ومع ذلك فقد سجل تراجع في هاتين النقطتين، بنسبة 7 % و 6 % على التوالي مقارنة بالسنة السابقة. 77 % صرحوا بأنهم غير مستعدين للهجرة من البلاد. الأسباب المركزية للهجرة، في حال كان هؤلاء يرغبون في الهجرة، هي الوضع الاقتصادي والوضع الأمني مع وجود فجوة كبيرة بينهما.

(*) البروفيسور يسرائيل أومان، الحائز على جائزة "نوبل" وهو أستاذ في الجامعة العبرية- القدس تحدث عن خطرين وجوديين يتربصان بدولة إسرائيل، هما الخطر النووي المباشر (من طرف إيران) والخطر النووي غير المباشر (من طرف منظمات جهادية عالمية تتمكن بطريقة ما من الحصول على أسلحة نووية)، معتبرًا الخطر الثاني هو الأكبر. ثم انتقل للحديث عن خطر ثالث ربما يكون، برأيه، أكبر من سابقيه. ومما قاله في هذا الصدد: "هذا الخطر لا يتأتى عن إيران أو عن مجموعات إرهابية ولا عن أية جهة خارجية.. إنه يأتي من داخلنا نحن.

"ها نحن أخيرًا نلتقي العدو، وهو نحن... أنا شخصياً أعتاش من "نظرية الألعاب"، ومن ضمنها ألعاب جدية للغاية، تتعلق بالحياة والموت، بالوجود والفناء. اسم اللعبة في نظرية الألعاب هو الدافعية، الحوافز. تحدثنا آنفاً عن دافعية أعدائنا. لكن الأهم هو دافعيتنا نحن. هذه الدافعية التي أخذنا نفقدها. بدون دافعية لا نستطيع الصمود.

"ما الذي نفعله هنا؟ لماذا نحن موجودون هنا وما الذي نصبو إليه؟

"نحن موجودون بسبب ارتباطنا القديم بهذه البلاد. نتطلع إلى تجسيد أمل عمره ألفي سنة، بأن نكون شعباً حراً في موطنه، أرض صهيون... بدون هذا الفهم العميق لن نصمد، ولن نبقى هنا. ستقضي علينا "ما بعد الصهيونية".

"قبل حوالي ستة أشهر، قال رئيس الحكومة (إيهود أولمرت)، في أثناء زيارته لمدينة البتراء الأثرية في الأردن، بأننا شعب أصيب بالتعب، وقد كان محقًا في قوله. فهو منتخب من قبل الشعب، ويعبر عن مشاعر الشعب. سأجيز لنفسي قول بضع كلمات غير شعبية وغير مألوفة. اندفاعنا الجنوني إلى السلام انقلب إلى لعنة علينا. فهو في الواقع يبعد السلام ويعرض وجودنا للخطر. يبدو لي أن (وينستون) تشرتشل هو الذي قال "إذا كنت ترغب بالسلام فعليك أن تستعد للحرب". هذا الاستعداد يشمل إعداداً مادياً، وجيشاً متفوقاً وأسلحة فعالة. ولكن الأمر يتعلق بالدرجة الأولى بالتهيئة النفسية، بالجاهزية النفسية لخوض الحرب.

"خرائط الطرق والتنازلات واللفتات الكريمة والانفصالات والانطواءات وعمليات الطرد وما إلى ذلك، لا تجلب السلام. على العكس فهي تجلب الحرب، كما رأينا في الصيف الماضي. هذه الأمور تعطي انطباعاً واضحاً جداً لـ "أبناء عمنا" بأننا متعبون، لم تعد لدينا مناعة نفسية ورباطة جأش وقدرة على الصمود. هذا الأمر من شأنه فقط أن يزيد شهيتهم وأن يشجعهم على الضغط والمطالبة أكثر وأن لا يتنازلوا عن شيء.

"هذه الأمور تنبع من اعتبارات نظرية مجردة، وكذلك من تفكير سليم. ولكن ذلك ليس نظرية وحسب، بل أُثبت أيضاً مراراً وتكراراً على أرض الواقع، على مر آلاف السنوات. فالتنازلات ولفتات حسن النية لا تؤدي إلاّ إلى الحرب، بينما التصميم والجاهزية للحرب يؤديان إلى السلام.

علينا أن نقول لأبناء عمنا (الفلسطينيون والعرب): نحن باقون هنا، لن نتزحزح. لدينا صبر وقوة احتمال.. عليكم أن تستوعبوا ذلك. يجب أن لا نكتفي بقول ذلك لأبناء عمومتنا، بل علينا أيضاً أن نشعر بذلك نحن بأنفسنا. إن ذلك فقط، هو الكفيل بجلب السلام. نحن في الحقيقة نستطيع العيش بسلام وإخاء وتعاون مع جيراننا، ولكن فقط بعد أن يدركوا ويستوعبوا أن الدولة الصهيونية باقية هنا... إلى الأبد".


تابع الموضوع كاملا بالملف :

مؤتمر هرتسليا السابع

المصدر :

مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية
[line]
الملفات المرفقة
نوع الملف: zip مؤتمر هرتسليا السابع.zip‏ (19.8 كيلوبايت, المشاهدات 12)

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 02-03-2007 الساعة 01:16 PM
  #39  
قديم 05-03-2007, 09:39 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
موضوع جيد شخصيات سياسية

شخصيات سياسية

تعريف وفكر وسيّر ومنجزات وإسهامات أهم الشخصيات السياسية العربية والاسلامية والدولية البارزه..
[line]
ابن خلدون


عبد الرحمن بن محمد بن خلدون المؤرخ الشهير ورائد علم الاجتماع الحديث الذي ترك تراثا مازال تأثيره ممتدا حتى اليوم. ولد في تونس عام 1332 وعاش في اقطار ( شمال افريقيا) أسرة ابن خلدون أسرة ذات نفوذ في إشبيلية في الأندلس تنحدر من أصل يمني حيث كانت تعيش في حضرموت في الهجرين، عقب بداية سقوط الأندلس بيد الإسبان، هاجر بنو خلدون إلى تونس التي كانت تحت حكم الحفصيين.

يعد من كبار العلماء الذين انجتبهم شمال افريقيا، اذ قدم نظريات كثيرة جديدة في علمي الاجتماع والتاريخ ، بشكل خاص في كتابيه : العبر والمقدمة. وقد عمل في التدريس في بلاد المغرب ، بجامعة القرويين في فاس ،ثم في الجامع الازهر في القاهرة ، والمدرسة الظاهرية، وغيرها من محافل المعرفة التي كثرت في ارجاء العالم الاسلامي المختلفة خلال القرن الثالث عشر نظراً لحض الدين الإسلامي الحنيف للناس على طلب العلم. وقد عمل ابن خلدون في مجال القضاء اكثر من مرة ، وحاول تحقيق العدالة الاجتماعية في الاحكام التي اصدرها. ونحن نقتطف وصفه لمعاناته في هذا المجال في كتاب مذكراته التعريف بابن خلدون.

حكمة ابن خلدون

امتاز ابن خلدون بسعة اطلاعه على ما كتبه الأقدمون وعلى أحوال البشر وقدرته على استعراض الآراء ونقدها، ودقة الملاحظة مع حرية في التفكير وإنصاف أصحاب الآراء المخالفة لرأيه. وقد كان لخبرته في الحياة السياسية والإدارية وفي القضاء، إلى جانب أسفاره الكثيرة في شمالي إفريقية وغربيها إلى مصر والحجاز والشام، أثر بالغ في موضوعية وعلمية كتاباته عن التاريخ وملاحظاته.

الغرب وابن خلدون

كثير من الكتاب الغربيين وصفو سرد أبن خلدون للتاريخ بانة أول سرد لا ديني للتاريخ ، وهو لة تقدير كبير عندهم.

حياته

ربما تكون ترجمة حياة ابن خلدون من أكثر ترجمات شخصيات التاريخ الإسلامي توثيقا بسبب المؤلف الذي وضعه ابن خلدون ليؤرخ لحياته و تجاربه و دعاه التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا و غربا ، تحدث ابن خلدون في هذا الكتاب عن الكثير من تفاصيل حياته المهنية في مجال السياسة و التأليف و الرحلات لكنه لم يضمنها كثيرا تفاصيل حياته الشخصية و العائلية .

كان المغرب العربي أيام ابن خلدون بعد سقوط دولة الموحدين تحكمه ثلاثة أسر : المغرب كان تحت سيطرة المرينيين (1196 - 1464 ), غرب الجزائر كان تحت سيطرة آل عبد الودود (1236 - 1556 ), تونس و شرقي الجزائر و برقة تحت سيطرة الحفصيين (1228 - 1574 ). التصارع بين هذه الدول الثلاث كان على أشده للسيطرة ما أمكن على أراضي الشمال الإفريقي .

ابن خلدون يقابل تيمورلنك

وحينما جاءت الأنباء بانقضاض جيوش تيمور لنك على الشام واستيلائه على "حلب"، ذهب ابن خلدون لمقابلة "تيمور لنك" يحمل إليه الهدايا، ويطلب منه الأمان للقضاة والفقهاء على بيوتهم وحرمهم. فمات متاترا بجروح اتناء مزاولته لاحدى الانشطة الموسيقية في احدى سهراته

وظائف تولاها

كان ابن خلدون دبلوماسياً حكيماً ايضاً . وقد أُرسل في اكثر من وظيفة دبلوماسية لحل النزاعات بين زعماء الدول مثلاً: عينه السلطان محمد بن الاحمر سفيراً له إلى امير قشتالة للتوصل لعقد صلح بينهما ..
وبعد ذلك بأعوام استعان به اهل دمشق لطلب الامان من الحاكم المغولي القاسي تيمورلنك ، وتم اللقاء بينهما . ونحن في الصفحات التالية نقتطف ايضاً وصف ابن خلدون لذلك اللقاء في مذكراته. اذ يصف ما رآه من طباع الطاغية ، ووحشيته في التعامل مع المدن التي يفتحها ، ويقدم تقييماً متميزاً لكل ما شاهد في رسالة خطها لملك المغرب.
الخصال الاسلامية لشخصية ابن خلدون ، اسلوبه الحكيم في التعامل مع تيمور لنك مثلاً، وذكائه وكرمه ، وغيرها من الصفات التي ادت في نهاية المطاف لنجاته من هذه المحنة، تجعل من التعريف عملاً متميزاً عن غيره من نصوص ادب المذكرات العربية والعالمية. فنحن نرى هنا الملامح الاسلامية لعالم كبير واجه المحن بصبر وشجاعة وذكاء ولباقة.

وفاته

وتوفي في مصر عام 1406، و دفن في مقابر الصوفية عند باب النصر شمال القاهرة .

  #40  
قديم 07-03-2007, 06:46 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

أحمد عرابي

أحمد الحسيني عرابي

قائد عسكري وزعيم مصري، ولد في 1 ابريل 1841. قاد الثورة العرابية ضد الخديوي توفيق، شغل منصب وزير دفاع (وزيرالجهادية في حينها) ثم رئيس وزراء مصر. وتوفي في القاهرة في 21 سبتمبر 1911.

المولد والنشأة

ولد عرابي في 1 ابريل 1841 في قرية هـرية رزنة بمحافظة الشرقية. عندما شب عن الطوق، أرسله والده الذي كان عمدة القرية إلى التعليم الديني ثم التحق بالمدرسة الحربية.

ارتقى أحمد عرابي سلم الرتب العسكرية بسرعة حيث أصبح نقيبا في سن العشرين.

ازداد التدخل الأجنبي في شؤون مصر، وحنق رجال الجيش لاضطهاد الأحرار الوطنيين، إضافة إلى عدم السماح لضباط الجيش المصريين، بأن يتجاوزوا في الترقية رتبًا معينة.

تولى عرابي في هذا الجو، زعامة الوطنيين في الجيش، وتوثَّقت العلاقة بينه وبين الزعماء السياسيين وضباط الجيش، فأوكلوا إليه رفع مطالبهم التي تتلخص في: إقامة الحياة النيابية في البلاد، ووقف التدخل الأجنبي.

أدخل الخديوي إسماعيل الجيش المصري سلسلة من المغامرات العسكرية الفاشلة في الحبشة وحرب القرم والمكسيك لأسباب سياسية خائبة و تحت إمرة مرتزقة غربيين يفتقدون الخبرة العسكرية. تلك المغامرات العسكرية أنهكت و حطمت الجيش المصري وأفقدته التأييد الشعبي وأثقلت كاهل الخـزانة المصرية بالديون (مما أدى إلى إشهار إفلاس مصر وهي الحالة الوحيدة في تاريخ الاقتصاد العالمي) و أكسـبت مصـر من الأعداء ما كانت في غنى عنه. :

والحملات هي :

- الحملة الفاشلة على الحبشة في 1875 - 1876 (حملة الحبشة) تحت قيادة جنرالات الجنوب الأمريكي (الكونفدرالي) المدحورين في الحرب الأهلية الأمريكية.
- حرب القرم
- حرب المكسيك

الثورة العرابية سميت آنذاك هوجة عرابي.

واثر قرار طرد الضباط المصريين من الجيش المصري
قاد عرابي مظاهرة سلمية إلى ميدان عابدين (1881م) مع فرق الجيش، يحيط بهم آلاف من أفراد الشعب، وقدم للخديوي ومستشاريه ورئيس الوزراء والمندوب الإنجليزي، مطالب الشعب والجيش، وتتلخص في: عزل رئيس الوزراء، وتأليف مجلس نواب، وزيادة عدد الجيش وتقويته، ليصبح قادرًا على الدفاع عن البلاد.

فكان رد الخديوي:

كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا.

فأجابه عرابي:

لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا؛ فوالله الذي لا إله إلا هو، لا نُورَّث، ولا نُستعبَد بعد اليوم.

استجاب الخديوي لمطالب الأمة، وعزل رياض باشا من رئاسة الوزارة، وعهد إلى شريف باشا بتشكيل الوزارة، وكان رجلا كريمًا مشهودًا له بالوطنية والاستقامة، فألف وزارته في (19 شوال 1298 هـ = 14 سبتمبر 1881م)، وسعى لوضع دستور للبلاد، ونجح في الانتهاء منه وعرضه على مجلس النواب الذي أقر معظم مواده، ثم عصف بهذا الجهد تدخل إنجلترا وفرنسا في شئون البلاد، وتأزمت الأمور، وتقدم "شريف باشا" باستقالته في (2 من ربيع الآخر 1299 هـ = 2 فبراير 1882 م).

وتشكلت حكومة جديدة برئاسة محمود سامي البارودي، وشغل عرابي فيها منصب "وزير الجهادية" (الدفاع)، وقوبلت وزارة "البارودي" بالارتياح والقبول من مختلف الدوائر العسكرية والمدنية؛ لأنها كانت تحقيقًا لرغبة الأمة، ومعقد الآمال، وكانت عند حسن الظن، فأعلنت الدستور، وصدر المرسوم الخديوي به في (18 ربيع الأول 1299 هـ = 7 فبراير 1882 م).

غير أن هذه الخطوة الوليدة إلى الحياة النيابية تعثرت بعد نشوب الخلاف بين الخديوي ووزارة البارودي حول تنفيذ بعض الأحكام العسكرية، ولم يجد هذا الخلاف مَن يحتويه من عقلاء الطرفين، فاشتدت الأزمة، وتعقد الحل، ووجدت بريطانيا وفرنسا في هذا الخلاف المستعر بين الخديوي ووزرائه فرصة للتدخل في شئون البلاد، فبعثت بأسطوليهما إلى شاطئ الإسكندرية بدعوى حماية الأجانب من الأخطار.

ولم يكد يحضر الأسطولان الإنجليزي والفرنسي إلى مياه الإسكندرية حتى أخذت الدولتان تخاطبان الحكومة المصرية بلغة التهديد والبلاغات الرسمية، ثم تقدم قنصلا الدولتين إلى البارودي بمذكرة مشتركة في (7 رجب 1299 هـ = 25 مايو 1882 م) يطلبان فيها استقالة الوزارة، وإبعاد عرابي وزير الجهادية عن القطر المصري مؤقتًا مع احتفاظه برتبه ومرتباته، وإقامة "علي باشا فهمي" و"عبد العال باشا حلمي" –وهما من زملاء عرابي وكبار قادة الجيش- في الريف مع احتفاظهما برتبتيهما ومرتبيهما.

وكان رد وزارة البارودي رفض هذه المذكرة باعتبارها تدخلا مهينًا في شئون البلاد الداخلية، وطلبت من الخديوي توفيق التضامن معها في الرفض؛ إلا أنه أعلن قبوله لمطالب الدولتين، وإزاء هذا الموقف قدم البارودي استقالته من الوزارة، فقبلها الخديوي.

بقاء عرابي في منصبه

غير أن عرابي بقي في منصبه بعد أن أعلنت حامية الإسكندرية أنها لا تقبل بغير عرابي ناظرًا للجهادية، فاضطر الخديوي إلى إبقائه في منصبه، وتكليفه بحفظ الأمن في البلاد، غير أن الأمور في البلاد ازدادت سوءًا بعد حدوث مذبحة الإسكندرية في (24 رجب 1299 هـ = 11 يونيو 1882م)، وكان سببها قيام مكاري (مرافق لحمار نقل) من مالطة من رعايا بريطانيا بقتل أحد المصريين، فشب نزاع تطور إلى قتال سقط خلاله العشرات من الطرفين قتلى وجرحى.

وعقب الحادث تشكلت وزارة جديدة ترأسها "إسماعيل راغب"، وشغل "عرابي" فيها نظارة الجهادية، وقامت الوزارة بتهدئة النفوس، وعملت على استتباب الأمن في الإسكندرية، وتشكيل لجنة للبحث في أسباب المذبحة، ومعاقبة المسئولين عنها.

قصف الإسكندرية

ولما كانت إنجلترا قد بيتت أمرًا، فقد أعلنت تشككها في قدرة الحكومة الجديدة على حفظ الأمن، وبدأت في اختلاق الأسباب للتحرش بالحكومة المصرية، ولم تعجز في البحث عن وسيلة لهدفها، فانتهزت فرصة تجديد قلاع الإسكندرية وتقوية استحكاماتها، وإمدادها بالرجال والسلاح، وأرسلت إلى قائد حامية الإسكندرية إنذارًا في (24 شعبان 1299 هـ = 10 يوليو 1882 م) بوقف عمليات التحصين والتجديد، وإنزال المدافع الموجودة بها.

ولما رفض الخديوي ومجلس وزرائه هذه التهديدات، قام الأسطول الإنجليزي في اليوم التالي بضرب الإسكندرية وتدمير قلاعها، وواصل الأسطول القصف في اليوم التالي، فاضطرت المدينة إلى التسليم ورفع الأعلام البيضاء، واضطر أحمد عرابي إلى التحرك بقواته إلى "كفر الدوار"، وإعادة تنظيم جيشه.

وبدلاً من أن يقاوم الخديوي المحتلين، استقبل في قصر الرمل بالإسكندرية الأميرال بوشامب سيمور قائد الأسطول البريطاني، وانحاز إلى الإنجليز، وجعل نفسه وسلطته الحكومية رهن تصرفهم حتى قبل أن يحتلوا الإسكندرية. فأثناء القتال أرسل الإنجليز ثلة من جنودهم ذوي الجاكتات الزرقاء لحماية الخديوي أثناء انتقاله من قصر الرمل إلى قصر التين عبر شوارع الإسكندرية المشتعلة. ثم أرسل الخديوي إلى أحمد عرابي في كفر الدوار يأمره بالكف عن الاستعدادات الحربية، ويحمّله تبعة ضرب الإسكندرية، ويأمره بالمثول لديه في قصر رأس التين؛ ليتلقى منه تعليماته.

مواجهة الخديوي ورفض قراراته

رفض عرابي الانصياع للخديوي بعد موقفه المخزي، وبعث إلى جميع أنحاء البلاد ببرقيات يتهم فيها الخديوي بالانحياز إلى الإنجليز، ويحذر من اتباع أوامره، وأرسل إلى "يعقوب سامي باشا" وكيل نظارة الجهادية يطلب منه عقد جمعية وطنية ممثلة من أعيان البلاد وأمرائها وعلمائها للنظر في الموقف المتردي وما يجب عمله، فاجتمعت الجمعية في (غرة رمضان 1299هـ= 17 يوليو 1882م)، وكان عدد المجتمعين نحو أربعمائة، وأجمعوا على استمرار الاستعدادات الحربية ما دامت بوارج الإنجليز في السواحل، وجنودها يحتلون الإسكندرية.

وكان رد فعل الخديوي على هذا القرار هو عزل عرابي من منصبه، وتعيين "عمر لطفي" محافظ الإسكندرية بدلا منه، ولكن عرابي لم يمتثل للقرار، واستمر في عمل الاستعدادات في كفر الدوار لمقاومة الإنجليز. بعد انتصار عرابي في معركة كفر الدوار أرسل عرابي إلى يعقوب سامي يدعوه إلى عقد اجتماع للجمعية العمومية للنظر في قرار العزل.

وفي (6 رمضان 1299 هـ = 22 يوليو 1882 م) عُقِد اجتماع في وزارة الداخلية، حضره نحو خمسمائة من الأعضاء، يتقدمهم شيخ الأزهر وقاضي قضاة مصر ومُفتيها، ونقيب الأشراف، وبطريرك الأقباط، وحاخام اليهود والنواب والقضاة والمفتشون، ومديرو المديريات، وكبار الأعيان وكثير من العمد، فضلا عن ثلاثة من أمراء الأسرة الحاكمة.

وفي الاجتماع أفتى ثلاثة من كبار شيوخ الأزهر، وهم "محمد عليش" و"حسن ألعدوي"، و"الخلفاوي" بمروق الخديوي عن الدين؛ لانحيازه إلى الجيش المحارب لبلاده، وبعد مداولة الرأي أصدرت الجمعية قرارها بعدم عزل عرابي عن منصبه، ووقف أوامر الخديوي ونظّاره وعدم تنفيذها؛ لخروجه عن الشرع الحنيف والقانون المنيف.

معركة القصاصين

في 28 أغسطس 1882 أثناء تقدم الجيش البريطاني غربا في محافظة الإسماعيلية بقيادة جنرال جراهام حوصر من قبل الأهالي العزل فطلب الإمداد بمزيد من الذخيرة في الساعة 4:30 عصرا فوصلته الساعة 8:45 مساءا مما مكنه من القيام بمذبحة كبيرة بين الأهالي. [1]

معركة التل الكبير بمحافظة الإسماعيلية

في 13 سبتمبر 1882 (الموافق 29 شوال 1299هـ) الساعة 1:30 صباحا واستغرقت أقل من 30 دقيقة. الإنجليز فاجأوا القوات المصرية المتمركزة في مواقعها منذ أيام والتي كانت نائمة وقت الهجوم. والقي القبض على أحمد عرابي قبل أن يكمل ارتداء حذائه العسكري (حسب اعترافه أثناء رحلة نفيه إلى سيلان)

عقب المعركة قال الجنرال جارنت ولسلي قائد القوات البريطانية أن معركة التل الكبير كانت مثال نموذجي لمناورة تم التخطيط الجيد لها مسبقا في لندن و كان التنفيذ مطابقا تماما كما لو كان الأمر كله لعبة حرب Kriegspiel . إلا أنه أردف أن المصريون "أبلوا بلاءاً حسناً" كما تشي خسائر الجيش البريطاني.

اختار ولسلي الهجوم الليلي لتجنب القيظ ولمعرفته بتفشي العشى الليلي (night blindness) بشكل وبائي بين الجنود المصريين إلا انه لاحظ أن الجنود النوبيين والسودانيين لم يعانوا من هذا المرض.

واصلت القوات البريطانية تقدمها السريع إلى الزقازيق حيث أعادت تجمعها ظهر ذلك اليوم ثم استقلت القطار (سكك حديد مصر) إلى القاهرة التي استسلمت حاميتها بالقلعة عصـر نفس اليوم. و كان ذلك بداية الاحتلال البريطاني لمصر الذي دام 72 عاماً.

المحاكمة

احتجز أحمد عرابي في ثكنات العباسية مع نائبه طلبة باشا حتى انعقدت محاكمته في 3 ديسمبر 1882 والتي قضت بإعدامه. تم تخفيف الحكم بعد ذلك مباشرة (بناءا على اتفاق مسبق بين سلطة الإحتلال البريطاني والقضاة المصريين) إلى النفي مدى الحياة إلى سرنديب (سيلان). انتقل السفير البريطاني لدى الباب العالي، لورد دوفرن، إلى القاهرة كأول مندوب سامي - حيث أشرف على محاكمة أحمد عرابي وعلى عدم اعدامه.

النفي إلى سريلانكا

قام الأسطول البريطاني بنفيه هو وزملائه عبدالله النديم و محمود سامي البارودي إلى سريلانكا حيث استقروا بمدينة كولومبو لمدة 7 سنوات. بعد ذلك نقل أحمد عرابي و البارودي إلى مدينة كاندي بذريعة خلافات دبت بين رفاق الثورة.

ارسل أحمد عرابي اعتذارات عدة إلى الملكة فيكتوريا انتهت بموافقة البريطانيين عام 1903 على العفو عنه واعادته إلى مصر.

العودة إلى مصر

لدى عودته من المنفى عام 1903 أحضر أحمد عرابي شجرة المانجو (المانجو) إلى مصر لأول مرة.
توفي في القاهرة في 21 سبتمبر 1911.

المصادر :

" الموسوعة العربية العالمية "
http://www.mawsoah.net/gae/theme4/rights-logo.gif
الحقوق القانونية وحقوق الملكية الفكرية محفوظة لأعمال الموسوعة.
Copyrights (c) 2004 Encyclopedia Works. All Rights Reserved


موسوعة ويكبيديا
[line]
  #41  
قديم 09-03-2007, 11:26 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

أنور السادات

نبذة عنه

ولد الرئيس السادات فى 25 ديسمبر سنة 1918 بقرية ميت ابو الكوم بمحافظة المنوفية.

تلقى تعليمه الأول في كتاب القرية على يد الشيخ عبد الحميد عيسى. ثم انتقل إلي مدرسة الأقباط الابتدائية بطوخ دلكا وحصل منها على الشهادة الابتدائية.

عام 1935
ألتحق بالمدرسة الحربية لاستكمال دراساته العليا.

عام 1945
مع انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 سقطت الأحكام العرفية وبسقوط الأحكام العرفية عاد السادات إلى بيته بعد ثلاث سنوات من المطاردة والحرمان.

التقى السادات في تلك الفترة بالجمعية السرية التي قررت اغتيال أمين عثمان وزير المالية في حكومة الوفد " 4 فبراير 1942 - 8 أكتوبر 1944 " ورئيس جمعية الصداقة المصرية البريطانية لتعاطفه الشديد مع الإنجليز ، وعلى أثر اغتيال أمين عثمان عاد السادات مرة أخرى وأخيرة إلى السجن وفى الزنزانة "54" في سجن قرميدان واجه السادات أصعب محن السجن بحبسه انفراديا ، غير أنه هرب المتهم الأول في قضية " حسين توفيق " وبعدم ثبوت الأدلة الجنائية سقطت التهمة عن السادات فأفرج عنه.

بعد ذلك عمل السادات مراجعا" صحفيا بمجلة المصور حتى ديسمبر 1948.

عام 1949
في هذا العام انفصل عن زوجته الأولى و تقدم لخطبة السيدة جيهان صفوت رؤف وما بين الخطبة وإتمام زواجه سنة 1949 عمل السادات بالأعمال الحرة مع صديقه حسن عزت.

عام 1950
عاد السادات إلى عمله بالجيش بمساعدة زميله القديم الدكتور يوسف رشاد الطبيب الخاص بالملك فاروق.

عام 1951
تكونت الهيئة التأسيسية للتنظيم السري في الجيش والذي عرف فيما بعد بتنظيم الضباط الأحرار فأنضم السادات إليها ، وتطورت الأحداث في مصر بسرعة فائقة بين عامي 1951 - 1952 ، فألفت حكومة الوفد " يناير 1950 - يناير 1952 " معاهدة 1936 بعدها اندلع حريق القاهرة الشهير في يناير 1952 و أقال الملك وزارة النحاس الأخيرة

عام 1952
وفى ربيع هذا العام أعدت قيادة تنظيم الضباط الأحرار للثورة ، وفى 21 يوليو أرسل جمال عبد الناصر إلى أنور السادات في مقر وحدته بالعريش يطلب إليه الحضور إلى القاهرة للمساهمة في ثورة الجيش على الملك والإنجليز.

قامت الثورة و أذاع أنور السادات بصوته بيان الثورة،بعدها أسند إلي السادات مهمة حمل وثيقة التنازل عن العرش إلى الملك فاروق.

عام 1953
في هذا العام أنشأ مجلس قيادة الثورة جريدة الجمهورية وأسند إلي السادات مهمة رئاسة تحرير هذه الجريدة.

عام 1954
ومع أول تشكيل وزاري لحكومة الثورة تولي السادات منصب وزير دولة في سبتمبر 1954 .

عام 1957
انتخب عضوا بمجلس الامة عن دائرة تلا ولمدة ثلاث دورات .

عام 1960
أنتخب رئيسا لمجلس الأمة من 21-7-1960 إلي 27-9-1961، ورئيسا" للأمة للفترة الثانية من 29-3-1964 إلى 12-11-1968.

عام 1961
عين رئيسا" لمجلس التضامن الأفرو أسيوى.

عام 1969
اختاره الزعيم جمال عبد الناصر نائبا له حتى يوم 28 سبتمبر 1970.

استمرت فترة ولاية الرئيس السادات لمصر 11 عاماً ، خلالها اتخذ السادات عدة قرارات تاريخية خطيرة هزت العالم وأكد بعضها الآخر على صلابة السادات في مواجهة الأحداث ومرونته الفائقة على تفادي مصر المخاطر الجسيمة ، حيث بني إستراتيجية في اتخاذ القرار على قاعدة تاريخية منسوبة إليه وهى " لا يصح إلا الصحيح ".

عام 1971
أتخذ الرئيس السادات قراراً حاسماً بالقضاء على مراكز القوى فى مصر وهو ما عرف بثورة التصحيح في 15 مايو 1971 فخلص الإنسان المصري من قبضة أساطير الاستبداد التي كانت تتحكم في مصيره ، وفى نفس العام أصدر السادات دستوراً جديداً لمصر.

عام 1972
قام السادات بالاستغناء عن 17000 خبير روسي في أسبوع واحد لإعادة الثقة بالنفس لجيش مصر حتى إذا ما كسب المصريون المعركة لا ينسب الفضل إلى غيرهم.

عام 1973
أقدم السادات على اتخاذ اخطر القرارات المصيرية له ولبلاده وهو قرار الحرب ضد اسرائيل ، وهى الحرب التي اعد لها السادات منذ اليوم الأول لتوليه الحكم في أكتوبر 1970 فقاد مصر الى أول انتصار عسكري في العصر الحديث .

عام 1974
قرر السادات رسم معالم جديدة لنهضة مصر بعد الحرب بانفتاحها على العالم فكان قرار الانفتاح الاقتصادي .

عام 1975
أستكمل مسيرة انفتاح مصر على العالم فكان قراره بعودة الملاحة إلى قناة السويس وربط مصر بكل بقاع العالم فانشأ بذلك السادات مورداً جديداً يضخ الأرباح الوفيرة في شرايين الاقتصاد المصري.

عام 1976
وبعد فترة طويلة من خضوع الإنسان المصري لسلطة الفرد المطلقة أعاد السادات الحياة إلى الديمقراطية التي بشرت بها ثورة يوليو ولم تتمكن من تطبيقها ، فكان قراره بعودة الحياة الحزبية ، فظهرت المنابر السياسية ومن رحم هذه التجربة ظهر أول حزب سياسي وهو الحزب الوطني الديمقراطي كأول مولود حزبي كامل النمو بعد ثورة يوليو ثم تولى من بعده ظهور أحزاب أخرى كحزب الوفد الجديد وحزب التجمع الوحدوي التقدمي وغيرها.

عام 1977
أتخذ الرئيس قراره الحكيم والشجاع الذي اهتزت له أركان الدنيا بزيارة القدس ليمنح بذلك السلام هبة منه لشعبه وعدوه في آن واحد ، ويدفع بيده عجلة السلام بين مصر وإسرائيل.

عام 1978
قام السادات برحلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل التفاوض لاسترداد الأرض وتحقيق السلام كمطلب شرعي لكل إنسان وخلال هذه الرحلة وقع اتفاقية السلام في كامب ديفيد برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.

عام 1979
وقع الرئيس السادات معاهدة السلام مع إسرائيل.

عام 1980
جنت مصر أولى ثمار جهاد السادات من أجل السلام بعودة العريش وثلثي سيناء إلى أحضان مصر مرة أخرى بعد احتلال دام أربعة عشر عاماً.

وفى يوم الاحتفال بذكرى النصر يوم السادس من أكتوبر 1981 وقعت الخيانة البشعة واغتالت يدي الإرهاب القاسم برصاصها القائد والزعيم محمد أنور السادات بطل الحرب وصانع السلام.

أهم انجازاته

6 أكتوبر 1973
نجاح القوات المسلحة المصرية فى عبور قناة السويس الى سيناء وإلاستيلاء على الشاطىء الشرقى للقناة.

مؤلفاته

- القاعدة الشعبية

نسخة كاملة من الكتاب

صفحات مجهولة

نسخة كاملة من الكتاب

أسرار الثورة المصرية


قصة الوحدة العربية

نسخة كاملة من الكتاب

Revolt on the Nile

Complete copy

قصة الثورة كاملة

نسخة كاملة من الكتاب

معنى الاتحاد القومى

نسخة كاملة من الكتاب

يا ولدى هذا عمك جمال

نسخة كاملة من الكتاب

30 شهرا فى السجن
http://www.el-sadat.org/project_img/...t_img/2131.jpg
نسخة كاملة من الكتاب

نحو بعث جديد

نسخة كاملة من الكتاب

البحث عن الذات

ملخص الكتاب

وصيتي

ملخص الكتاب

Those I have known

Complete corpy

المصدر :
موقع انور السادات الرسمي
[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 09-03-2007 الساعة 11:46 AM
  #42  
قديم 13-03-2007, 04:40 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

د. عبد العزيز الرنتيسي

(8 اكتوبر 1947- 17 ابريل 2004)


الدكتور عبد العزيز الرنتيسي (8 اكتوبر 1947- 17 ابريل 2004) مناضل فلسطيني وأحد مؤسسي حركة المقاومة الإسلامية حماس. وقائد الحركة في قطاع غزة قبل إغتياله.

وُلِد عبد العزيز علي عبد الحفيظ الرنتيسي في 23/10/1947 في قرية يبنا (بين عسقلان و يافا)
لجأت أسرته بعد حرب 1948 إلى قطاع غزة و استقرت في مخيم خانيونس للاجئين و كان عمره وقتها ستة شهور . نشأ الرنتيسي بين تسعة إخوة و أختين .

تعليمه

التحق في السادسة من عمره بمدرسةٍ تابعة لوكالة غوث و تشغيل اللاجئين الفلسطينيين و اضطر للعمل أيضاً و هو في هذا العمر ليساهم في إعالة أسرته الكبيرة التي كانت تمرّ بظروف صعبة . و أنهى دراسته الثانوية عام 1965 ، و تخرّج من كلية الطب بجامعة الإسكندرية عام 1972 ، و نال منها لاحقاً الماجستير في طب الأطفال ، ثم عمِل طبيباً مقيماً في مستشفى ناصر (المركز الطبي الرئيسي في خانيونس) عام 1976 .

حياته و نشاطه السياسي

- متزوّج و أب لستة أطفال (ولدان و أربع بنات) .

- شغل د. الرنتيسي عدة مواقع في العمل العام منها عضوية هئية إدارية في المجمع الإسلامي ، و الجمعية الطبية العربية بقطاع غزة (نقابة الأطباء) ، و الهلال الأحمر الفلسطيني .

- عمِل في الجامعة الإسلامية في غزة منذ افتتاحها عام 1978 محاضراً يدرّس مساقاتٍ في العلوم و علم الوراثة و علم الطفيليات .

- اعتقل عام 1983 بسبب رفضه دفع الضرائب لسلطات الاحتلال ،

- اعتقل مرة ثالثة في 4/2/1988 حيث ظلّ محتجزاً في سجون الاحتلال لمدة عامين و نصف على خلفية المشاركة في أنشطة معادية للاحتلال الصهيوني ، و أطلق سراحه في 4/9/1990 ، و اعتُقِل مرة أخرى في 14/12/1990 و ظلّ رهن الاعتقال الإداري مدة عام .

- أُبعِد في 17/12/1992 مع 400 شخصٍ من نشطاء و كوادر حركتي حماس و الجهاد الإسلامي إلى جنوب لبنان ، حيث برز كناطقٍ رسمي باسم المبعدين الذين رابطوا في مخيم العودة بمنطقة مرج الزهور لإرغام الكيان الصهيوني على إعادتهم .

- اعتقلته قوات الاحتلال الصهيوني فور عودته من مرج الزهور و أصدرت محكمة صهيونية عسكرية حكماً عليه بالسجن و ظلّ محتجزاً حتى أواسط عام 1997 .

- كان أحد مؤسّسي حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في غزة عام 1987 ، و كان أول من اعتُقل من قادة الحركة بعد إشعال حركته الانتفاضة الفلسطينية الأولى في التاسع من ديسمبر 1987 ، ففي 15/1/1988 جرى اعتقاله لمدة 21 يوماً بعد عراكٍ بالأيدي بينه و بين جنود الاحتلال الذين أرادوا اقتحام غرفة نومه فاشتبك معهم لصدّهم عن الغرفة ، فاعتقلوه دون أن يتمكّنوا من دخول الغرفة .

- و بعد شهرٍ من الإفراج عنه تم اعتقاله بتاريخ 4/3/1988 حيث ظلّ محتجزاً في سجون الاحتلال لمدة عامين و نصف العام حيث وجّهت له تهمة المشاركة في تأسيس و قيادة حماس و صياغة المنشور الأول للانتفاضة بينما لم يعترف في التحقيق بشيء من ذلك فحوكم على قانون "تامير" ، ليطلق سراحه في 4/9/1990 ، ثم عاود الاحتلال اعتقاله بعد مائة يومٍ فقط بتاريخ 14/12/1990 حيث اعتقل إدارياً لمدة عامٍ كامل .

- و في 17/12/1992 أُبعِد مع 416 مجاهد من نشطاء و كوادر حركتي حماس و الجهاد الإسلامي إلى جنوب لبنان ، حيث برز كناطقٍ رسمي باسم المبعدين الذين رابطوا في مخيم العودة في منطقة مرج الزهور لإرغام سلطات الاحتلال على إعادتهم و تعبيراً عن رفضهم قرار الإبعاد الصهيوني ، و قد نجحوا في كسر قرار الإبعاد و العودة إلى الوطن .

خرج د. الرنتيسي من المعتقل ليباشر دوره في قيادة حماس التي كانت قد تلقّت ضربة مؤلمة من السلطة الفلسطينية عام 1996 ، و أخذ يدافع بقوة عن ثوابت الشعب الفلسطيني و عن مواقف الحركة الخالدة ، و يشجّع على النهوض من جديد ، و لم يرقْ ذلك للسلطة الفلسطينية التي قامت باعتقاله بعد أقلّ من عامٍ من خروجه من سجون الاحتلال و ذلك بتاريخ 10/4/1998 و ذلك بضغطٍ من الاحتلال كما أقرّ له بذلك بعض المسؤولين الأمنيين في السلطة الفلسطينية و أفرج عنه بعد 15 شهراً بسبب وفاة والدته و هو في المعتقلات الفلسطينية .

ثم أعيد للاعتقال بعدها ثلاث مرات ليُفرَج عنه بعد أن خاض إضراباً عن الطعام و بعد أن قُصِف المعتقل من قبل طائرات العدو الصهيوني و هو في غرفة مغلقة في السجن المركزي في الوقت الذي تم فيه إخلاء السجن من الضباط و عناصر الأمن خشية على حياتهم ، لينهي بذلك ما مجموعه 27 شهراً في سجون السلطة الفلسطينية .

- حاولت السلطة اعتقاله مرتين بعد ذلك و لكنها فشلت بسبب حماية الجماهير الفلسطينية لمنزله .

- د الرنتيسي تمكّن من إتمام حفظ كتاب الله في المعتقل و ذلك عام 1990 بينما كان في زنزانة واحدة مع الشيخ المجاهد أحمد ياسين ، و له قصائد شعرية تعبّر عن انغراس الوطن و الشعب الفلسطيني في أعماق فؤاده ، و هو كاتب مقالة سياسية تنشرها له عشرات الصحف .

أمضى معظم أيام اعتقاله في سجون الاحتلال و كلّ أيام اعتقاله في سجون السلطة في عزل انفرادي . ود.الرنتيسي يؤمن بأن فلسطين لن تتحرّر إلا بالجهاد في سبيل الله .

- و في العاشر من حزيران (يونيو) 2003 نجا صقر "حماس" من محاولة اغتيالٍ نفّذتها قوات الاحتلال الصهيوني ، ذلك في هجومٍ شنته طائرات مروحية صهيونية على سيارته ، حيث استشهد أحد مرافقيه و عددٌ من المارة بينهم طفلة .

- و في الرابع والعشرين من آذار (مارس) 2004 ، و بعد يومين على اغتيال الشيخ ياسين ، اختير الدكتور الرنتيسي زعيماً لحركة "حماس" في قطاع غزة ، خلفاً للزعيم الروحي للحركة الشهيد الشيخ أحمد ياسين .

- واستشهد د. الرنتيسي مع اثنين من مرافقيه في 17 نيسان (أبريل) 2004 بعد أن قصفت سيارتهم طائرات الأباتشي الصهيونية في مدينة غزة ، ليختم حياة حافلة بالجهاد بالشهادة .


أقواله

"أرض فلسطين جزء من الإيمان. وقد أعلنها الخليفة عمر بن الخطاب أرضاً للمسلمين قاطبة. ولهذا، لايحق لفرد أو جماعة بيعها أو إهداؤها."


اللحظات الأخيرة في حياة أسد فلسطين كما يرويها نجله محمد!!

بعد جولة من العمل المضني طوال النهار والليل لخدمة حركته وقضيته التي عاش من أجلها عاد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي قائد حركة المقاومة الإسلامية حماس في قطاع غزة حوالي الساعة الثالثة فجر يوم السبت 17 نيسان الجاري إلى منزله لأن أخاه صلاح قادم من خانيونس لرؤيته والسلام عليه .

"المنزل الذي يقع في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة لم يدخله صاحبه منذ أكثر من أسبوع " يقول نجله محمد (25 عاما) الذي بدا متماسكا قويا و يضيف " أختي إيناس أيضا كانت تريد رؤيته و طلبنا منه عدم الخروج يومها وقضاء ساعات معنا ، فقد كان يأتي إلى المنزل قرب منتصف الليل ويغادره قبل الفجر و بعد إلحاحنا وافق و أرسل في طلب أختي الثانية أسماء لرؤيتها" .

وقال محمد إن والده قضى الليل يتحدث مع العائلة المشتاقة إليه و لا تراه إلا قليلا بسبب ملاحقة جيش الاحتلال لوالده لاسيما بعد فشل محاولة اغتياله في حزيران 2003 و اغتيال الشيخ ياسين في شهر آذار الماضي" و أضاف "جلس يتحدث عن زواج أخي أحمد الذي أصيب خلال محاولة الاغتيال و ذلك بعد أن حصل على قيمة مدخراته من الجامعة الإسلامية التي كان يحاضر فيها و وزع قيمة مدخراته حيث سدد ما عليه من ديون و اقتطع مبلغا من المال لزواج أحمد (21 عاما) و قال لنا الآن أقابل ربي نظيفا لا لي و لا علي !!"

استيقظ الرنتيسي أسد فلسطين كما يصفه نشطاء حماس و اغتسل ووضع العطر على نفسه وملابسه و قال محمد "أخذ أبي ينشد على غير عادته نشيدا إسلاميا مطلعه (أن تدخلني ربي الجنة هذا أقصى ما أتمنى) " وأضاف " التفت إلى والدتي و قال لها إنها من أكثر الكلمات التي أحبها في حياتي !! "

مرافقه أكرم منسي نصار (35 عاما)– لم يتصل بالدكتور الرنتيسي منذ مدة طويلة تصل إلى أسبوعين و إنما كان ينسق بعض تحركاته وفق شيفرة معينة لبعض التنقلات و زارنا يوم السبت في المنزل بعد العصر و تحدث مع والدي قليلا و اتفقا على الخروج !!

فعلا قبل آذان العشاء بقليل خرج الرنتيسي برفقة نجله أحمد الذي كان يقود السيارة من نوع سوبارو ذات نوافذ معتمة كما هو متفق عليه من منزلهم متنكرا بلباس معين و أوصله إلى مكان محدد في مدينة غزة متفق عليه سابقا ، وبعد دقائق وصل إلى المكان سيارة سوبارو أخرى يستقلها أكرم نصار و يقودها أحمد الغرة الذي يعمل بشكل سري ضمن صفوف كتائب القسام ، بهدوء انتقل الرنتيسي من سيارة نجله إلى السيارة الأخرى التي انطلقت به مسرعة إلى هدف لم يحدد لكن صاروخين من طائرات الأباتشي الإسرائيلية كانت أسرع من الجميع .

محمد كان على علم بما هو مخطط لخروج والده وقال " عندما سمعت صوت القصف اتصلت سريعا بأخي أحمد لأطمئن ورد علي وهنا اطمأنيت قليلا و لكن يبدو أن أحمد كان يدرك ما حدث و انتظر حتى يتأكد من الأمر حيث عاد إلى المكان و شاهد السيارة المشتعلة تحولت إلى ركام و أيقن بما جرى "

و أضاف محمد أسرعت إلى مكان القصف و عندما شاهدت السيارة علمت أن والدي بين الشهداء رغم ما حاوله البعض من التخفيف بالقول إنه جريح "

زوجة الرنتيسي أم محمد ربما لا تقل عن زوجها في النشاط الإسلامي استقبلت النبأ بكل قوة و عزيمة وقال محمد "والدتي قالت بعد سماع الخبر الحمد لله و أخذت بالتسبيح و التهليل ، شقيقتي أجهشت في البكاء لكننا جميعا متماسكون هذا قدرنا و نحن راضون بقضاء الله "

ولـ د. الرنتيسي ولدان هما محمد الذي يدرس حاليا في كلية التجارة بالجامعة الإسلامية بعد منعه من قبل قوات الاحتلال من السفر لإكمال تعليمه في اليمن بعد مشاكل أثارها حزب البعث الحاكم آنذاك في العراق حيث كان يدرس الطب في جامعة المستنصرين في بغداد لمدة عامين و نصف و تزوج منذ حوالي العام و شقيقه أحمد أصيب بجراح بالغة خلال محاولة الاغتيال الأولى لوالده و بدأ يتماثل للشفاء واعتبر سببا رئيسيا في نجاته في المرة الأولى بعد قدر الله فقد كان سائق السيارة و لم يتوقف رغم إطلاق الصواريخ باتجاهه فيما تمكن والده من القفز منها و له أيضا أربعة بنات هن إيناس و سمر و آسيا و أسماء .

و تعكس اللحظات الأخيرة من حياة الشهيد القائد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي حرصه على اتخاذ إجراءات وتدابير أمنية عالية في تحركاته و لم يستخدم الاتصالات الهاتفية أو اللاسلكية ، لكن ما تتمتع به دولة الاحتلال من تكنولوجيا و عيون و رصد على مدار الساعة يجعل من الصعوبة بمكان الإفلات من المصير .

ويرى محمد أن والده سيترك فراغا كبيرا في منزله فقد كان مرجعا للكبير و الصغير و قال إن الصورة التي في أذهان الناس عن والدي هو الثوري الشديد لكنه داخل الأسرة صاحب الحنان الكبير و القلب الرؤوف الهادىء ، و إذا أصررنا على شيء ربما لا يريده كان ينزل عند رغبتنا و يراضينا ، خطابه المتشدد في الإعلام لم يكن في المنزل وأكثر حنانه و محبته كانت لأحفاده فقد كان يحب الأطفال "

لم يترك الرنتيسي قصورا و شركات و حسابات في البنوك تزعم الولايات المتحدة الامريكية و أوروبا تجميدها بل ما تركه قائمة تفصيلية بما له و ما عليه من أموال على المستوى الشخصي و مستوى حركة حماس .

و يقول محمد " علمنا والدي أن نكون رجالا منذ الصغر ،و أذكر أنه عند اعتقاله إبان الإبعاد إلى مرج الزهور في الجنوب اللبناني كان عمري حينها حوالي (11 عاما) و اقتحم جنود الاحتلال المنزل لاعتقاله . نظر إلي و قال الآن أصبحت رجل البيت و تستطيع أن تعتني بأمك و أخواتك . المشوار هذه المرة في الاعتقال يبدو طويلا " .

قضى الرنتيسي في الإبعاد عام 1992 مدة عام كامل مع 417 من كوادر حركة حماس بعد اختطاف مجموعة من كتائب القسام جنديا صهيونياً و بعد عودته من الإبعاد اعتقلته قوات الاحتلال حتى عام 97 حتى أفرج عنه و خضع للاعتقال عدة مرات من قبل السلطة الفلسطينية نتيجة مواقفه السياسية التي لا تعرف المهادنة.

و يقول محمد أنا لست قلقا على حركة حماس بتاتا و قال " حماس حركة ربانية و لن يكون فيها فراغ أو ضعف وستخرج الكثيرين من القادة أمثال والدي وغيره ولن تتوقف المسيرة وكان والدي يتوقع اغتياله في أي لحظة وأعتقد أنه غادرنا مطمئنا على حماس " .


زوجة الرنتيسي وابنته تحكيان عن القائد الشهيد د. عبد العزيز الرنتيسي


"أن تدخلني ربي الجنة هذا أقصى ما أتمنى " كلمات رددها الشهيد الرنتيسي أمام أسرته قبل دقائق من استشهاده !!

" كان سعيدا جدا على غير عادته وطوال جلسته معنا قبل دقائق من اغتياله كان يردد الأنشودة التي تقول " أن تدخلني ربي الجنة هذا أقصى ما أتمنى " وحدثنا عن رغبته بالشوق للشهداء " بهذه الكلمات وصفت السيدة أم محمد الرنتيسي اللحظات الأخيرة من حياة زوجها الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الذي اغتالته قوات الاحتلال مع اثنين من مرافقيه بثلاثة صواريخ أطلقتها مروحيات الاباتشي باتجاه سيارته قرب شارع الجلاء بغزة .

وأضافت أم محمد: قبل دقائق من اغتياله كان الشهيد الدكتور أبو محمد معنا وكانت ترتسم على وجهه علامات فرح غريبة ، جعلتني أيقن أن القصف الذي حدث بعد خروجه مباشرة نال منه وأيقنا بعدها أنه استشهد قبل أن يذاع الخبر وتؤكده وسائل الإعلام "

وأضافت أم محمد أن زوجها الراحل عبد العزيز الرنتيسي كان مصدر قوة لحركة حماس ، لكن حين يكتب الله نهاية أجله فإنه لن يضيع حركة حماس " وذكرت أنها كانت تتوقع اغتيال زوجها مثلما كان رحمه الله يتوقع ذلك في كل لحظة وأضافت أن استشهاده لم يفاجئنا لا أنا ولا أبنائه لأنه رحمه الله هيأنا ليوم استشهاده وهو المتيقن لمدى الاعتداءات الإسرائيلية التي طالته دائما " مضيفة بأن اعتداءات قوات الاحتلال المستمرة ضد الأرض والشعب كانت تجبر زوجها على التشدد في أرائه " ،و قالت زوجة زعيم حماس الراحل إن زوجها الشهيد كان دائما مع أسرته رغم حذره الشديد من محاولات النيل منه فقد كان يتوقع أن تطاله صواريخ الاحتلال في أي وقت " ، مؤكدة أن رحيل زوجها عبد العزيز وقبله الشيخ أحمد ياسين لن يضعف المقاومة بل سيزيدها قوة وثباتا .

وتابعت أم محمد قائلة " الحمد لله الذي منح زوجي ما كان يتمناه وأضافت هنيئا لك يا أبى محمد الشهادة هنيئا جوارك مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع الشيخ احمد ياسين ومع المجاهدين وعبرت زوجة الشهيد الرنتيسي عن فخرها واعتزازها بالشرف الذي ناله زوجها وقالت إنني أقف اليوم موقف فخر واعتزاز في عرس زوجي حيث يزف إلى 72 حورية من الحور العين وتمنت من الله أن تلحقه بالوقت القريب .

ورددت زوجة الشهيد الرنتيسي وقد ارتسمت على وجهها ملامح والتأثر على فراق زوجها المقولة التي أطلقها النبي محمد صلى الله عليه وسلم عند موت ولده إبراهيم وقالت " إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا على فراقك يا أبا محمد لمحزونون وتمنت أن يلهمها الصبر وأولادها وبناتها وكل الشعب الفلسطيني والمسلم وأن يرزق الله حركة حماس بقائد مثله أو خير منه معتبرة أنه كان مصدر قوة لحركة حماس .

ولم تنس زوجة الشهيد الرنتيسي أن توجه حديثها إلى المجرم شارون قائلة " افرح قليلا ولكن لن تكتمل فرحتك وستبكي كثيرا أنت وشعبك حينما ينقض عليك الشعب الفلسطيني بأكمله ليس فقط القساميون بل والله إن الشعب الفلسطيني بأكمله سيثار لدماء الياسين والرنتيسي "
وأكدت أن الخيار الوحيد لهذا الشعب هو المقاومة لنيل حقوقه موضحة أن دماء الياسين والرنتيسي زرعت في شعبنا آلاف ياسين وآلاف الرنتيسي"

أما ابنة الشهيد " آسيا" وهي متزوجة ولديها أربعة أبناء فقد عبرت عن فخرها بالمكانة والدرجة التي حظي بها والدها الشهيد و قالت " هنيئا لك يا أبي الشهادة فقد نلت ما تمنيته "

وأضافت أن استشهاد والدها وخروج المئات من الآلاف من المواطنين في جنازته أكد أن شعبنا مصمم على خيار المقاومة وأضافت أن شهادته بأذن الله ستكون بداية النصر موضحة أن والدها الشهيد ربى جميع أبنائه وبناته على حب الجهاد وقالت كان يشفي غليلنا بموافقة القوية كان نعم الأب مضيفة انه كان نعم الأب لا يفرق بين أحد من أبنائه.

وقالت إن والدها الشهيد زرع في أسرته حب الدين والوطن ورغم انشغالات الدائمة لم نشعر بأنه بعيد عنا وكانت حياتنا الأسرية سعيدة وأضافت كان دوما يعبر عن رغبته بالاستشهاد ويتمني الشهادة منذ كنا أطفالا مضيفة أن فقدانه خسارة للأمة وللشعب الفلسطيني .

وقد أم بيت العزاء الذي أقيم في منزل الشهيد الرنتيسي الآلاف من النسوة اللاتي قدمن من كل حدب وصوب من قطاع غزة للمشاركة في تقديم التهاني لزوجة الشهيد باستشهاد قائد حركة حماس الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وقد رفعن صوره وصور الشيخ ياسين فيما اعتمرت عدد منهن الكوفية الخضراء المزينة بشعار التوحيد التي تعود الرنتيسي على وضعها على رأسه.
وفي غمرة انشغالها باستقبال وفود المهنئات كانت زوجة الشهيد تخصص جزءا من وقتها للحديث مع ممثلي وسائل الإعلام المختلفة كانت قوية ومتماسكة ومحتسبة عند الله مصيبتها في زوجها رغم علامات التأثر التي بدت على وجهها .

الرنتيسي : عهداً إن رزقت الشهادة بإذن الله أن أشفع لك يوم القيامة

في السابع عشر من مارس / آذار 2004 ، تلقى الأستاذ / عادل أبو هاشم ، مدير تحرير صحيفة "الحقائق" رسالة إلكترونية من الدكتور عبد العزيز الرنتيسي ، عاهد فيها الدكتور الرنتيسي الله أن يشفع للأستاذ أبو هاشم يوم القيامة إن رزق الشهادة ، و تحققت أمنية الدكتور الرنتيسي بالشهادة التي طالما تمناها وسعى إليها يرحمه الله ، بعد انقضاء 30 يوماً على استلام هذه الرسالة ، وفيما يلي نص الرسالة دون حذف أو إضافة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ الفاضل الحبيب / عادل أبو هاشم حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إني لأحمد الله سبحانه أن تفضل علي بأخ فاضل كريم مثلك، ويشهد الله أن السعادة قد غمرتني وأنا أقرأ رسالتك التي تحمل ما تفضلت به من أداء للعمرة نيابة عني، وإني لأسأل الله أن يتقبل منك العمرتين وأن يجزيك عنا خير الجزاء، وعهدا إن رزقت الشهادة بإذن الله أن أشفع لك يوم القيامة، فيعلم الله أن لك مكانة خاصة في قلبي رغم أننا لم نلتق، ولكن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، ولقد أحببناك في الله.

أخي الحبيب سأحاول الاتصال بك عندما أتمكن من ذلك فأنا لا أستخدم الهاتف ولا الجوال حتى لا يعرف المكان الذي أقيم فيه، ولكن عندما أخرج من المكان إلى مكان عام أتمكن من الاتصال بإذن الله، ولا يوجد لدي إلا تليفون بيت حضرتكم الذي ينتهي بـ 44 فإن كان لديك هاتف نقال فأرسل إلي رقمه ليسهل علي الاتصال بك بإذن الله.

أخي الحبيب نسأل الله أن يجمعنا بك وقد تحرر الوطن من دنس الصهاينة بإذن الله تعالى.

أخوكم

عبد العزيز الرنتيسي

من مذكرات الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي

كيف تحدّيت الضابط الصهيوني

من مذكرات الشهيد القائد د.عبد العزيز الرنتيسي كتبها حول ذكريات الأسر . يقول:
في عام 1991 كنت في معتقل النقب أقضي حكماً إدارياً لمدّة عام، وكان المعتقلون منذ افتتاح هذا المعتقل عام 1988 حتى الوقت محرومين من زيارات ذويهم، ومع إلحاح المعتقلين واحتجاجاتهم المتكرّرة بدت هناك استعدادات لدى إدارة المعتقل للسماح للأهل بالزيارة، وقام مدير عام المعتقل وهو صاحب رتبة عسكرية رفيعة ويُدعى "شلتئيل" بطلب عقد لقاء مع ممثّلي المعتقلين، ولقد اجتمع ممثلون عن مختلف الفصائل في خيمة من خيام المعتقل لتدارس الأمر قبل انعقاد اللقاء مع الإدارة،

وأحبّ المعتقلون أن أرافقهم وقد فعلت. وأثناء لقائنا في الخيمة سمعت بعض الشباب يحذر من "شلتئيل" ويضخّم من شأنه ويخشى من غضبه، فشعرت أن له هيبة في نفوس بعض الشباب، وهذا لم يرق لي ولكني لم أعقب بشيء، ثمّ جاءت حافلة في يوم اللقاء لتقلنا إلى ديوان "شلتئيل"، وأخذت وأنا في الحافلة أفكّر في استعلاء هذا الرجل وهيبته في نفوس الشباب وكيفيّة انتزاع هذه الهيبة من نفوسهم، ولقد وطّنت نفسي على فعل شيء ما ولكني لا أعلمه،

ولكن كان لدي استعداد تام أن أتصدى له إذا تصرّف بطريقة لا تليق. ووصلت الحافلة ودخلنا ديوانه، فكان عن يميننا داخل القاعة منصّة مرتفعة حوالي 30 سم عن باقي الغرفة، وعليها عدد من الكراسي، وعن شمالنا كانت هناك عدّة صفوف من الكراسي معدّة لنا، فجاء رؤساء الأقسام المختلفة وجميعهم من الحاصلين على رتب عسكرية في جيش الاحتلال، ومن بينهم مسؤول أحد الأقسام وكان في الماضي نائباً للحاكم العسكري لمدينة خانيونس وكان يعرفني مسبقاً، وكان نائب "شلتئيل" أيضاً يجلس على المنصّة مع رؤساء الأقسام. وجلس المعتقلون الممثّلون لكافّة الفصائل على الكراسي المعدّة لهم وجهاً لوجه مع رؤساء الأقسام، تفصلنا عنهم مسافة لا تزيد على مترين، ولقد جلست في الصفّ الأوّل في الكرسي الأقرب إلى باب الديوان.

ثمّ بعد وقت قليل دخل "شلتئيل" وكان رجلاً طويل القامة ضخم الجثّة، فالتفتَ بطريقة عسكرية إلى المنصّة وأشار بيده يدعوهم إلى القيام له فقاموا، ثم التفت إلينا بطريقة عسكرية وأشار بيده فوقف الشباب وبقيت جالساً، وكان هذا اللقاء هو اللقاء الأوّل بيني وبينه، فاقترب مني وقال لماذا لا تقف، فقلت له أنا لا أقف إلا لله وأنت لست إلهاً ولكنك مجرد إنسان وأنا لا أقف للبشر، فقال يجب عليك أن تقف، فأقسمت بالله يميناً مغلظاً ألا أقف، فأصبح في حالة من الحرج الشديد ولم يدرِ ما يفعل.

حاول العقيد سامي أبو سمهدانة أحد قادة فتح في المعتقل التدخّل وأخبره أنني إذا قررت لا أتراجع، فرفض الاستماع إليه وأصرّ على موقفه، ولكني أبَيت بشدّة، فقال نائبه يا دكتور هنا يوجد بروتوكول يجب أن يُحترم، فقلت له ديني أولى بالاحترام ولا يجيز لي الإسلام أن أقف تعظيماً لمخلوق، فقال وما الحلّ؟ قلت إما أن أبقى جالساً أو أعود إلى خيمتي، فقال "شلتئيل" عد إذن إلى خيمتك، فخرجت من الديوان ولم يخرج معي إلا الأخ المهندس إبراهيم رضوان والأخ عبد العزيز الخالدي، وكلاهما من حماس. وبعد أيام قلائل كان قد مضى على اعتقالي تسعة أشهر ولم يتبق إلا ثلاثة أشهر فقط للإفراج عني، فإذا بهم يستدعونني ويطلبون مني أن أجمع متاعي وهذا يعني في مفهوم المعتقلات ترحيل ولكن لا ندري إلى أين، وكانت تنتظرني حافلة، فما إن ارتقيتها حتى وجدت كلا الأخوين فيها وقد أُحضروا من أقسامهم فأدركت أنها عقوبة ولا يوجد عقوبات سوى الزنازين.

وانطلقت بنا الحافلة إلى "معتقل سبعة" حيث يوجد خمسون زنزانة، وما إن وصلنا حتى تسلّمَنا مسؤول الزنازين ويُدعى "نير"، الذي أخبرنا وهو ممتعض بأنّنا معاقبون بوضعنا في زنازين انفرادية لمدّة ثلاثة أشهر، وتبيّن لنا فيما بعد أن سبب امتعاضه اعتباره أن العقوبة كانت لأسباب شخصية، أي أنه لم يرق له أن ينتقم "شلتئيل" لنفسه بهذه الطريقة، خاصّة أن أقصى عقوبة من العقوبات اليومية الروتينية لا تصل إلى سبعة أيام، ولذلك لم يكن سيّئاً في استقبالنا كما يفعل عادة، وربّما أن السنّ والدرجة العلميّة لعبت دوراً في التأثير عليه.

وأخذنا إلى الزنازين المخصّصة لنا كل في زنزانته وحيداً، وكنّا نخرج يومياً لمدّة ساعة ما عدا يوم السبت في ساحة محاطة بالأسلاك الشائكة حيث الدورة والحمّامات، لأن الزنازين لم تكن بها دورة مياه ولا حمّام. وبدأنا رحلتنا مع القرآن، أما أنا فأراجعه بعد أن منّ الله عليّ بإكمال حفظه من قبل عام 1990 حيث كنت والشيخ أحمد ياسين في زنزانة واحدة في معتقل "كفاريونه"، وأما المهندس إبراهيم فبدأ بحفظ القرآن في الزنزانة وكان رجلاً ذكياً جداً ويجيد العبريّة بطلاقة، وقد تمكّن من حفظ القرآن قبل انقضاء الثلاثة أشهر والحمد لله رب العالمين.



يتبع >


التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 14-03-2007 الساعة 05:36 PM
  #43  
قديم 13-03-2007, 05:10 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

الضابط السجان الذي كان مسئولا عن مراقبة الشهيد الرنتيسي في معتقلات السلطة:

* لم أحب أحداً بقدر ما أحببت الدكتور الرنتيسي

* جذبني فيه عبادته وتعامله وحبّه للجميع

غزة/إبراهيم المدهون

الضابط (م.ر.) هو أحد المسئولين عن السجون في السلطة الفلسطينية، وهو المشرف على احتجاز الدكتور الشهيد القائد عبد العزيز الرنتيسي، وهو المسؤول عن مراقبته وأوضاعه داخل السجن.

في هذا الحوار يتحدّث الضابط (م.ر.) عن حياة الدكتور الرنتيسي في المعتقل، وعن تعامل الشهيد، رحمه الله، مع المعتقلين والسجانين.

- ما هي الصورة الذهنية التي كانت لديك عن الدكتور عبد العزيز الرنتيسي قبل رؤيته في المعتقل؟
• لم أكن أعرف الكثير عن الدكتور فقد قضى حياته في السجون والإبعاد بخلاف الكثير من القياديين، وقد كنت أنظر إليه وكابن حركة فتح أنه إنسان عدواني ومتشدد ولا يحب الخير لأحد، ولكن نظرتي اختلفت تماماً عما سمعته، فقد وجدته أكثر الناس حناناً وحباً للغير، ولمست فيه خوفه على المصلحة الفلسطينية والإسلامية.

- كيف كان أول لقاء لك به؟
• أول لقاء كان لي به رحمه الله حين قامت السلطة الفلسطينية باعتقال الكثير من أبناء حماس والجهاد الإسلامي معاً, حيث دخلت إليهم وتوجهت بالسؤال: لماذا لم تتوحدوا وأنتم إسلاميون؟ فعبس جميع السجناء في وجهي إلا الدكتور عبد العزيز الرنتيسي تبسم كثيراً، وقد أحببته يومها ولم أكن أعرف يومها من هو. وبعد ذلك أصبحت ألتقي به وأتحدث معه وأحاوره.. ولم يدل حديثه على الإطلاق أنه إنسان عدواني أو متشدد، ولكن إلى هذه الفترة لم أحبه كقائد، بل كنت أتقبله وأحبه كإنسان كان ذلك في اللقاء الأول.

أما اللقاء الثاني فكان عند اعتقاله لمدة طويلة في سجن انفرادي. ولأني عرفته كنت أسلم عليه، ولكنه رحمه الله جذبني في أشياء كثيرة: عبادته، صلاته، حبه للخير، فرأيته يتمنى أن يصلي الجميع وتتوثق علاقتهم بدينهم وربهم، وأن يتعلم الجميع، فقد كان يحث رجال الشرطة لأن يتعلموا ويطوروا أنفسهم..

- كيف كانت عباداته في السجن؟
• لاحظت عليه أكثر من مرة عندما أذهب إليه في الليل أجده طوال الليل يصلي من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر. كانت هذه الفترة كلها عبادة وصلاة وقراءة قرآن ورغم أنه حافظ لكتاب الله إلا أنه كان يقرأ من الكتاب، وعندما سألته: لماذا تقرأ من الكتاب وأنت حافظ له؟ قال لي: إن ثوابها يكون أكبر بإذن الله. وبصدق لم أكن أتوقع أن هناك إنساناً يظل يصلي ويتعبد طوال الليل، وكان ذلك يومياً.

ومن الأمور التي كنت أحبها في الدكتور الشهيد أنه كان يحث الجميع على الصلاة، ولا أبالغ حين أقول أن أكثر من عشرين شاباً من رجال الشرطة أصبحوا يصلون بعدما حرسوا الدكتور الشهيد في المعتقل. ومن أكثر ما لفت انتباهي شاب من الذين جاءوا من لبنان لم يعرف الدين في حياته، وكان سكّيراً ويفعل جميع المحرمات ظل شهر حراسة عند الدكتور عبد العزيز، فتفاجأت به يوماً يصلي.. استغربت ذلك كثيراً فأخبرني أن الدكتور عبد العزيز الرنتيسي حدثه وعلّمه ماذا تعني الصلاة والعبادة مؤكدا أنه لم يكن يعرف معناها.
وقلت له: هل من الممكن أن تستمر في الصلاة؟ فقال لي أنه متأكد بإذن الله أنه سيظل يصلي باستمرار. وبالفعل، بعد سنة رأيته يصلي في المسجد، وعندما رأيت الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أخبرته أن هذا الشخص مازال يصلي. فقال بإذن الله سيظل يصلي وكان متأكداً من ذلك.

- هل كان الدكتور يحرص على أن يعطيهم دروس ومواعظ لكي ينجذبوا له ويسمعوا نصحه، أم كان ذلك من خلال المعاملة؟
• كانت أفعال الدكتور عبد العزيز مرآة لأقواله، ويحضرني الآن موقف كان الحراس يذكرونه عن الدكتور عبدالعزيز، حيث كان بعض الحراس لا يستطيعون الاستيقاظ طوال الليل فينامون والسلاح بجانبهم، وعندما يأتي الضباط للتفتيش يقوم الدكتور رحمه الله بإيقاظهم وإعطائهم سلاحهم حتى لا تنزل بهم عقوبة. كانت تلك المواقف تجذبهم إلى الدكتور الشهيد، حتى لو تحدث إليهم في أي موضوع كان محل ثقة وتأثير على الشباب فكانت أفعاله ومعاملاته دليل حديثه.

- تحدثت أنه كان يحب الجميع فما مدلول قولك؟
• لاحظت عليه أنه رغم بقائه فترة طويلة في السجن لم أره على الإطلاق يتكلم ولو بكلمة واحدة جارحة عن أحد، حتى عن الرئيس الذي كان يعتقد أن اعتقاله كان من قبله أو حتى على أي عنصر من العناصر المسئولين عن اعتقاله. حتى أنه لم يعترض طوال فترة أسره على أي شيء إلا على شيء واحد فقط..

حتى أنه كان ضد الخلافات، بل بالعكس كنت أراه يتمنى أن يجتمع الكل ويتحاب وأن يكونوا يداً واحدة، وكان يقول أن الكل مستقل لكن كلنا على خط قتال واحد.. وكيف لا يكون محباً للجميع وهو الذي كان يحث رجال الشرطة على التعلّم في الجامعة وتطوير أنفسهم، وهم الذين يعتقلونه، بل ويدعو لهم بالنجاح.

- هل حثك الدكتور شخصياً على العلم؟
• نعم لقد حثني على التعلم وأنهيت الجامعة، وأنا أدين له بالفضل، حيث كان يحثني على التعلم أنا وأغلب الشباب، وكان يدعو لي وكنت أشعر بذلك، وأكثر من مرة أقول له اليوم ذهبت إلى الامتحان وأشعر أني بدعواتك ربنا وفقني فكنت أشعر دائماً أنه مستجاب الدعاء.

وكم كنتُ مبهوراً بعلمه ومعرفته فقد كان بحراً في الطب والدين والشعر.. وقد استغربت أنه شاعر، وقد كان يقرأ علينا الشعر الذي كتبه وهو في السجن مع الشيخ الشهيد أحمد ياسين في النقب، وأيضاً في الإبعاد. وقد كان الدكتور الشهيد حافظاً للشعر وضليعاً في النحو والطب واللغة والشريعة..

- تحدثت أن الدكتور رحمه الله لم يعترض إلا على شيء واحد فما هو؟
• لقد كانت مدة اعتقال الدكتور الرنتيسي طويلة جداً، وغيره كان ممكناً أن يعترض على أشياء كثيرة سواء المدة أو المعاملة وحتى الطعام، أما الأمر الوحيد الذي اعترض عليه الدكتور فهو الزيارات، حيث أن زوجته وبناته منقبات، وأثناء الزيارة كان لا بد أن يجلس أحد الضباط معهم، وهو يريد أن يتحدث مع زوجته وبناته وأن يرى وجوههن ويحاورهن عن أحوالهن الخاصة، لذلك اعترض رحمه الله على وجود من يراقب أنفاسه وهو يتحدث لزوجه وبناته.

وغير ذلك لم يكن يعترض على أي شيء، لدرجة أنه كان يصوم ولا يعترض على الطعام. فقد كنا نعلم أنه يعاني من مرض السكري ويحتاج لطعام مخصص، وأكثر من مرة كان الطعام لا يناسبه فينوي الصيام ويكمل نهاره صائماً.

- هل يعني ذلك أن الدكتور كان مريضاً، وإدارة السجن تعلم ولا تخصص له طعاماً يناسب صحته؟
• طبعاً الجميع كان يعلم أنه مريض بالسكري ولم يحضروا له طعاماً خاصاً بل من الموجود.. ولكن علمت أن آخر ستة شهور كانوا يحضرون له طعامه الخاص. فبعض الحراس ومن شدة حبهم للدكتور الشهيد كانوا يحضروا له طعاماً خاصاً على حسابهم دون أن يخبروه، لأنه كان سيرفض لو علم، وقد جربت ذلك معه فرفض بشدة، ومن بعدها قررنا إخباره أنها من السجن، فمعلوم أن ليس كل طعام السجن دجاج أو لحوم بل هناك عدس، وكان لا يهون علينا تقديم مثل ذلك للدكتور.

- كطبيب.. كيف كان الشهيد في السجن هل كان ينصح الشباب أو يعالجهم؟
• لقد كان هناك بعض الشباب عند مرضهم يلجأون إلى الدكتور الرنتيسي ليكتب لهم علاجهم، رغم أن هناك عيادة في الشرطة، ولكن الأطباء في العيادة ليسوا بمستوى علم الدكتور عبد العزيز.. لذا كان ملاذاً لبعض الحراس. حتى أنني أخذت طفلي إلى السجن ليعالجه الدكتور الشهيد فشفاه الله على يده، بعد أن ذهبت لأكثر من طبيب لمعالجته ولم يتعافَ، وكان ابني حينها في الرابعة من عمره.

- حدثنا عن تطلعاته للمستقبل؟
• كان دائماً يقول سوف تقوى شوكة الإسلام وتكبر حماس وتصبح لها قوة وتشتبك مع الاحتلال من جديد، ولم يكن أحد يتوقع في ذلك الوقت أن تقوى حماس وتكبر وتتصارع مع العدو.. وذات مرة قال لي سوف ينسحبون من الضفة الغربية، ولكن سوف يعيدون احتلالها، على العكس من غزة التي لم يتراجعوا عن الخروج منها.

- هل حدثك الدكتور الشهيد عن مرحلة الإبعاد؟
• حدثني الدكتور رحمه الله عن هذه المرحلة، وأكد أنها غيرت كثيراً في حياته. ولكن لم يحدثني عن الإبعاد بقدر ما حدثني عن مرارة العودة من الإبعاد، لأن الجميع عادوا من الإبعاد إلى بيوتهم إلا هو فقد عاد إلى المعتقل، رغم أنه كان يقول ((لو أظل طول حياتي في سجن في فلسطين أهون علي من الإبعاد)).

وكثيراً ما حدثني عن أجواء الإبعاد، وكيف كانوا يتصرفون، كما حدثني عن الصلاة والحياة والثلوج، وما رآه وكيف كانوا يعالجون من يمرض وغير ذلك من الأمور.

- طبعاً استمرت علاقتك بالدكتور الرنتيسي بعد الإفراج فكيف كانت طبيعة العلاقة؟
• نعم لقد استمرت علاقتي معه حتى بعد الإفراج وكانت أقوى من علاقة أخ بأخيه، وأقول لك بأني لم أحب أحداً بقدر ما أحببت الشيخ عبد العزيز الرنتيسي، وكنت أشعر أنه يحبني أيضاً، فأكثر من مرة أكون في الشارع ولا أراه ويراني هو، فيركن سيارته ويسلم علي بالأحضان ويطمئن عليّ وعلى الأولاد وعلى عملي وأسرتي والحراس ويبعث لهم السلام، حتى في أصعب الظروف حيث كان بالفترة الأخيرة مطارداً من اليهود والسلطة أيضاً.

وفي موقف آخر وفور خروجه من سجننا كان يلقي بعض الندوات في المساجد، وبالصدفة التقيت به في مسجد الإصلاح بغزة، وكان بالطبع مراقباً من قبل السلطة ولكني التقيت به صدفة، وعند رؤيته للشباب المراقبين له سلم عليهم ولم أكن أراهم أنا شخصياً فقال لهم: أنتم آتون في مهمة رسمية، ولكن أخونا لا. وكان يقصدني فقلت له: وما أدراك؟ فقال: أنا أعرف. واحتضنني.

- كيف تجنبت الزعماء الفلسطينيين واخترت الدكتور عبد العزيز الرنتيسي من بينهم؟
• لقد أحسست أنه إنسان يعلم ويفهم في كل شيء، كما أنه رجل عادل ويحب أن يكون الحق لأصحابه لو أخطأت سيقول لك أنك خطأ حتى لو كان يحبك، وهو لا يهتم للواسطات والمحسوبيات. كان رحمه الله يسير على قاعدة ((إذا كان لك حق ستأخذه)). ذات مرة جاء له أحد الشباب من الشرطة يطلب منه خدمة بالجامعة الإسلامية، ونحن نعرف أن الدكتور يدرّس فيها، وله ثقله هناك. رغم ذلك أجابه: إن كان لك حق سوف تأخذه، أما أنني أتوسط لك فلا.. فكان هذا الموقف دليلاً على ذلك رغم أن الدكتور قد يحتاج هذا الشاب في موقف معاكس.

وليس هذا فقط ما كان يربطني بالدكتور، بل معاملته وحنانه، فكنت ألمس حبه لأهله. وكان رحمه الله يعشق والدته ودائم الحديث عنها، وذلك قبل وفاتها رحمها الله.
أما إذا أردت أن أرتب اختياراتي فسوف أختار د.عبد العزيز الرنتيسي ثم د.عبد العزيز الرنتيسي ثم د.عبد العزيز الرنتيسي. لقد قلتها له في حياته لو كان لي حق اختيار خليفة للمسلمين لاخترتك أنت.

- كل هذا الحب قبل الانتفاضة أم بعدها؟
• أكيد قبل الانتفاضة وبعد رؤيته عن قرب.

- هل هناك مواقف تودّ ذكرها؟
نعم عندما كان الدكتور الشهيد يوماً في مسجد الإصلاح، كانت هناك قوات كبيرة من الشرطة في مهمة رسمية.. عندما رآهم الناس بدأوا يلقون عليهم الحجارة فأغضب هذا الموقف الدكتور ووقف بجانب الشرطة، وقال: جاء هؤلاء لسماع ندوتي وليس لاعتقالي.. رغم أنهم كانوا في مهمة رسمية لمراقبة كلامه ومع هذا لم يرضه الموقف..

- كيف كان وقع خبر استشهاد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي عليك؟
• كان خبر استشهاد الدكتور أصعب موقف في حياتي وأنا لم أبك في حياتي إلا ثلاث مرات، واحدة منها كانت على الدكتور الشهيد..

ليلتها ذهبت لشراء عشاء جاهز لأولادي، وإذا بالناس يقولون بأن هناك سيارة انفجرت واحتمال أن يكون فيها الدكتور عبد العزيز الرنتيسي فأحسست بقبضة في قلبي، وعند أذان العشاء ذهبت للصلاة وكانت الأنباء تتحدث عن نجاته واستشهاد مرافقيه، فحمدت الله حمداً كثيراً ولم أستطع أن أكمل غير صلاة الفرض لأنني تأكدت من خبر استشهاده، ولم أستطع أن أمسك نفسي فذهبت إلى مكتب خالي حتى أفرغ ألمي بالبكاء، ثم ذهبت إلى مستشفى الشفاء ورأيت الجماهير الغفيرة المجتمعة والذين كانوا ما بين باكٍ ومصدوم، ومن ثم عدت إلى البيت.

لا شك أن اغتيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي يعد خسارة كبيرة للأمة الإسلامية وإن شاء الله نعوض خيراً بمثله وحتى لا نطمع كثيراً فأقول أو قريب منه..

- كيف تلقّى ابنك الصغير خبر استشهاد الدكتور؟
• لقد تلقاه بحزن شديد جداً حتى أنه أصر على أن يمشي في جنازته وأن يصلي عليه رغم أنه طفل. وكنت كثيراً ما أعترض على وجود الأطفال في الجنازات، إلا أنني أخذته معي على الجنازة، لأن ذلك كان يريحه فهو يعشق الدكتور عبد العزيز والحمد لله رب العالمين..

- طالما كان استشهاد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أمراً متوقعاً، ما تفسيرك لحزنك الشديد على استشهاده وحزن الناس؟
• دائماً الحزن على خسران شخص يكون بمقدار محبته والتعلق به، فما بالك بمحبة الدكتور!؟ فأنا واحد من الكثيرين الذين رسخ حب الدكتور رحمه الله في قلوبهم، فهو أغلى الناس علي وأفضل من عرفت في حياتي، فلم أحب أحداً بقدر ما أحببت الدكتور الرنتيسي..

- هل تحب أن تضيف شيئاً عن الدكتور قبل أن ننهي اللقاء؟
• أنا أتصور أنني لو تكلمت أياماً وليالي عن هذا الرجل لا أعطيه معشار حقه من بطولاته، فقد كان بإمكانه أن يعيش حياة مرفهة بعيدة عن هذه المشاكل، فمنذ بداية حياته قال لي إنه عاش يتيماً وعاش بقلّة، وكان يستطيع أن يعيش حياة نعيم وبعيدة عن كل هذه المشاكل السياسية، لكنه فضّل طريق الجهاد.

في رثاءعبد العزيز الرنتيسي

فارس عودة

الرنتيسي في عيون المليار

د.أسامة الأحمد




المصدر :

مجمع من المركز الفلسطيني للاعلام ومواقع أخرى
[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 13-03-2007 الساعة 05:32 PM
  #44  
قديم 21-03-2007, 06:09 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

وصفة فريدمان لكسب الجمهور العربي

تقرير واشنطن - محمد عبد الله كرام

عقد مؤخرا برنامج الشرق الأوسط التابع لمركز الدراسات الاستراتيجية الدولية في واشنطن، ندوة في إطار التواصل والحوار مع العالم العربي والإسلامي بحضور سياسيين ودبلوماسيين سابقين وممثلين عن منظمات غير حكومية ومراكز أبحاث، وكذا عدد من المهتمين بشؤون وقضايا الشرق الأوسط وقدر من الطلبة الباحثين.

خلال هذه الندوة التي تولى تسيير نقاشها مدير برنامج الشرق الأوسط جون آلترمان، تمت استضافة الكاتب الصحفي المرموق توماس فريدمان، حيث قدم للحاضرين على أنه يعد في الوقت الراهن الكاتب الصحفي الأكثر تأثيرا على الإطلاق في العالم، ويكتب توماس فريدمان عمود الشئون الخارجية في صحيفة نيويورك تايمز وهو أحد أكثر الكتاب والصحافيين الأمريكيين شهرة في العالم العربي. عمل فريدمان مراسلا لصحف أمريكية في بيروت والقدس وتعلم العربية في القاهرة وحصل على الماجستير في دراسات الشرق الأوسط من جامعة أكسفورد. وتترجم مقالاته أسبوعيا في الكثير من الصحف والمواقع الإلكترونية العربية. ويعتبر كتاب فريدمان الأخير "العالم مسطح" The World Is Flat امتدادا لكتابيه السابقين "السيارة الكسس وشجرة الزيتون" (1999) و"تطلعات ومواقف: العالم في عصر الإرهاب" (2002) في الاهتمام بقضية العولمة والتحولات التي يشهدها العالم.

هذا الكاتب الذي حازعلى جائزة "بوليتزر" الشهيرة ثلاث مرات، قد أمضى الكثير من وقته في الحديث عن ضرورة حتمية تتمثل في التواصل مع الشباب العربي والمستمعين العرب، قصد إدراك أزمة الخطاب القائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية والعالم العربي وسبل تجاوز الإشكالات العالقة.

في بداية مداخلته تحدث توماس فريدمان عن أهمية الرسالة التي تضطلع بها وسائل الإعلام، وأشار في هذا السياق إلى مبادرة "ليالينا" للإنتاج الإعلامي والفني، التي أقدمت على إعداد برنامج تلفزيوني مؤخرا، يقدم للمتلقي العربي صورة إيجابية عن الولايات المتحدة الأمريكية من خلال مشاهده التي تعرض لمجموعة من الشباب العرب قدموا إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتفاعلوا مع المجتمع الأمريكي.

إلا أن فريدمان يرى أن هناك أمران أكثر أهمية من تسليط الضوء على الخطاب الأمريكي، لكون رسالة "ليالينا" عبر برنامجها التلفزيوني رغم أهميتها، تظل غير قادرة على إعادة صياغة الرأي العام بمفردها، وهنا يعرج فريدمان على ضرورة ترتيب الأولويات لدى الولايات المتحدة الأمريكية كمعطى أول، وذلك بالعمل على تقليص الهوة بين المبادئ المعلنة للحكومة الأمريكية وتصرفاتها على المستوى الخارجي، وأشار إلى مثال معتقل غوانتانامو الذي صار بمثابة الند لتمثال الحرية، فهو ينافي القيم والمبادئ التي نسعى إلى نشرها حسب قول فريدمان، ثم كمعطى ثان، تحديد الخلل الكامن في آليات التواصل والخطاب مع العالم العربي والإسلامي، مع مراعاة واقعية مواجهة هذه المبادرة أو صدها من قبل بعض التيارات والقوى في العالم العربي، التي تسعى إلى تعميق العداء ونشر صورة مغلوطة عن الولايات المتحدة الأمريكية، ففريدمان يرى أن تفعيل نهج الحوار مع العالم العربي يتطلب تجاوز النخب العربية وإيصال الرسالة إلى قدر أوسع من الجماهير والمتمثل في الشارع العربي الذي بات يتملكه الشعور بالاستياء من السياسة الخارجية الأمريكية ويعادي في أغلب الاحيان كل ما هو أمريكي.

استحالة الانتصار في حرب الأفكار

ويعرض فريدمان في حديثه إلى ما يسميه "بحرب الأفكار" القائمة بين العالم العربي والإسلامي و الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الآونة، واستحالة خروج الولايات المتحدة الأمريكية منتصرة في هذه الحرب ويرجع ذلك لأسباب يذكر منها تغييب أصوات قوى الاعتدال والوسطية، وعدم القدرة على فهم واستمالة الهوامش البسيطة في المجتمعات العربية وهي الشرائح أو الفئات التي يتوجب إشراكها في أي مشروع تواصلي.

فمنح خمسين ألف تأشيرة دراسة لطلاب عرب للقدوم إلى الولايات المتحدة الأمريكية قد يكون أكثر فعالية وجدوى من التخاطب معهم عن بعد، حسب رأيه، ويضيف في نفس اطار "حرب الأفكار" إلى أن حركة طالبان منذ سقوطها استهدفت في هجوماتها ما يزيد عن 200 مدرسة ، استنادا إلى مصادر عسكرية أمريكية، مما يثبت نشوب هذه الحرب بموازاة مع الحرب على الإرهاب التي تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية منذ بداية هذا العقد والتي أظهرت عدم نجاعتها.
ويتطرق فريدمان إلى ظاهرة التفجيرات الانتحارية، ويسرد نموذجين الأول حدث في بعقوبة منذ حوالي سنتين، حيث فجر انتحاري نفسه في مسجد في اليوم الأول من رمضان وسط حشد جنائزي، والثاني في أفغانستان حيث قام انتحاري آخر بتفجير قنبلة أثناء حفل تدشين مستشفى، وهنا يدلل فريدمان على انه يستعصي فهم هذه الظاهرة، حيث يعتقد أن القيود الحقيقة التي يخضع لها الشخص إجمالا هي:

العائلة والمجتمع والدين، وإذا كانت هذه الثلاثية قد تراجعت أو تصدعت إلى حد التلاشي، فقد كان من المتعين في العالم الإسلامي أن يشذب أو يندد بهذه الأفعال المشينة والوحشية، ويظهر للآخرين في مسيرات شعبية أن هذه الممارسات غير مقبولة وأن المسلمين جميعا يدينون برسالة واحدة تنبذ العنف وتدعو إلى السلام، ومع ذلك لم نسمع أي صوت، فإن كان الأمر كذلك، حسب فريدمان فليس بوسع أيا كان مواجهة هذه الظاهرة التي لا تمت للثقافة العربية والإسلامية بأية صلة.

هل ستتغير أمريكا؟

وفي جانب آخر، يؤكد فريدمان أنه يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية إمعان التفكير في تصرفاتها، لأن أية خطوة سياسية تقوم بها تجاه العالم العربي والإسلامي تعد بالغة الأهمية، فالعمل على صياغة خطاب أمريكي متوازن يستدعي تكاثف الجهود من الجانبين ويتطلب تعبئة وسائل الإعلام في العالم العربي وإحداث شراكة مبنية على التفاهم المتبادل واحترام الآخرين، معتبرا أن على الولايات المتحدة الأمريكية أن تحسن الإصغاء والاستماع إلى مخاطبها العربي، لأن حسن الإصغاء ليس طريقة لتلقي الأفكار فحسب، وإنما هي أيضا سمة تعكس احترام المخاطب. فاليوم ليس بوسعنا أن نحادث العرب حتى بأقل الأمور أهمية، لأنهم يدركون جيدا إن كانت الولايات المتحدة الأمريكية تنوي الاستماع لهم حقا، أو أنها تنتظرهم فقط أن يفرغوا من كلامهم ، وقد توضح لهم ذلك منذ البدء مع إدارة بوش الحالية.
ويضيف فريدمان، على الولايات المتحدة الأمريكية أيضا أن تحترم "قواعد اللعبة"، وأن لا تتدخل في صباغة الخطاب الداخلي العربي وأن تسمع صوتها فقط إن طلب منها ذلك.

مع التركيز على إبراز العلاقة الإيجابية في نماذج عربية وإسلامية أمريكية ناجحة، كعناصر فاعلة ضمن مكونات المجتمع الأمريكي والعمل على تقديم مقومات صورة متوازنة للإعلام المحلي العربي على أن الولايات المتحدة الأمريكية بلد يتميز بالانفتاح ويسمح بحرية الاختيار كما يحترم أسس ومبادئ الديمقراطية التي ينادي بها داخليا وخارجيا، ويحدد فريدمان مطالب الولايات المتحدة الأمريكية من العالم العربي في ثلاث:

- استمرارية تزويدها بالنفط
- الحفاظ على انخفاض سقف أسعار النفط
- أن يحسن العرب معاملة إسرائيل

خارج هذه المطالب يمكن للعرب أن يفعلوا ما يحلو لهم، مما قد ينافي ما تدعو إليه المبادئ المعلنة للولايات المتحدة الأمريكية حسب فريدمان.
ويحدد فريدمان مكامن الخلل في الخطاب الداخلي العربي، في غياب حكومات تراضي وانعدام وجود آليات "حوار أفقي" يشرك كافة فئات المجتمع، ويوفر بيئة تسمح بالتواصل البناء، كما يشير إلى ضرورة إقرار "عقد اجتماعي" يوائم مقتضيات الواقع السياسي في العالم العربي ويستحيب لتطلعات الشرائح المحبطة والمهانة من الشباب العربي.

ويقدم الهند كنموذج، حيث تعتبر البلد الثاني بعد أندونيسا من حيث عدد المسلمين، مع ذلك لم نسمع بأي مسلم هندي أعتقل في غوانتانامو أو تورط في أحداث 11 من سبتمبر ، ويعيد فريدمان ذلك إلى المجال الديمقراطي المتاح للمسلمين في هذا البلد، هذا المجال الذي سمح للمسلمين كأقلية أن يبرزوا طاقاتهم إلى حد أن يكون رئيس الدولة المنتخب منهم.

ويخلص فريدمان إلى أن الديمقراطية ليست ما ترغبه الأغلبية، وإنما هي احترام حقوق الأقلية، فالأمر هنا لا يتعلق بالانتخابات أكثر مما يتعلق بالامتثال للقوانين وتبني الوضوح والشفافية مع احترام المؤسسات وحقوق الأقليات.[line]
  #45  
قديم 23-03-2007, 10:18 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

مشروع الإصلاح ( الأمريكي ـ الأوروبي ) _

والمقابل الإسلامي


مبادرات الإصلاح الخارجي .

إصلاح أو هيمنة؟!


زهير سالم
كانت منطقتنا العربية والإسلامية دائماً في قوس اهتمام الآخر(1). ولكن اهتمام الآخر بمنطقتنا بعد أحداث 11/9/2001 بدا مختلفاً. فلقد أصبحت هذه المنطقة هدفاً للحروب والقواعد العسكرية والمبادرات. كانت الخطة واضحة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وبروز الطموحات الامبراطورية لدى الإدارة الأمريكية. فقد تركزت الإستراتيجية الأمريكية في إحلال الخطر الأخضر (الإسلام) مكان الخطر الأحمر (الشيوعية).

وكان للآخر في حملته على عالمنا ببعديها (العسكري ـ والثقافي) أسبابه الحقيقية والذرائعية. فبعد أن أصبح العالم قرية صغيرة، وتحول المتوسط من بحر إلى بحيرة، وغدا عبور الأطلنطي لا يكلف إلا بضع ساعات، وبدأت البركة العربية تطفح بموجات من المهاجرين، وهم في كثير من الأحيان غير شرعيين، يلقون رحالهم بين ظهراني الآخرين، يحملون معهم ثقافتهم ويتمسكون بها، ويلقون بظلالها على الواقع الاجتماعي والثقافي، مما يخلخل منظومة القيم التي اعتبرها أصحابها راسخة مستقرة. فلقد شكلت الهجرة هاجساً مقلقاً في ظل الوضع الديموغرافي لمجتمعات متآكلة بشرياً. وكان لا بد من تفكير مستقبلي يحمي المجتمعات القلقة من تحول الهوية في ظل مناهج ديمقراطية تسمح للأقلية المنظمة أن تتحكم، على نحو ما، بالأكثرية كما هو الحال مع الأقلية اليهودية في الولايات المتحدة.

كما فجرت حالات الظلم السياسي والاجتماعي (الخارجي والداخلي) ينابيع الغضب والكراهية في عالمنا. وبدلاً من أن يبادر المتسببون بهذا الظلم إلى مراجعة سياساتهم وسياسات الأنظمة التي فرضوها على المنطقة، بدؤوا يبحثون عن أسباب الغضب والكراهية في قيمنا وثقافتنا!! لا ندري ماذا كان سيفعل أي شعب أوروبي أو أمريكي لو عومل بنفس السياسات التي نعامل بها؟! لماذا كان من حق الأوروبيين أن يرفضوا النازية ولا نعطى نفس الحق في رفض سياسات التمييز والاستعلاء وكسر الإرادة والتدخل في الشأن الداخلي؟!

وهكذا اعتبر الإرهاب عابر القارات ذريعة للتدخل في شؤوننا، ومع أن هذا الإرهاب قد تمت إدانته في عالمنا العربي والإسلامي دينياً وإستراتيجياً إلا أن هذا لم يعفنا (إسلاماً) و(مسلمين) من المسؤولية!!

إذا كنا غير معنيين ببحث ذرائع لهذا الإرهاب، ولكن التفكير العلمي الهادئ الرصين يقتضي البحث عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء كل ظاهرة، لمواجهتها وليس الجري وراء الوهم الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى السراب، ويفاقم المشكلات، ويعزز ما يراد مواجهته، أو يبدد الجهد في طرق الباطل.

إذا كانت ثمة فئة معزولة محدودة تمارس الإرهاب باسم الإسلام، فإن إعلان الحرب على الإسلام وهو دين خمس سكان المعمورة يعني استعداء هذه الملايين، وزجها في حرب صعبة وطويلة الأمد. إن ما يجري في أفغانستان والعراق وفلسطين ما هو إلا بداية البداية!!

وإذا كنا نتفهم أن يتأذى شركاؤنا في هذا العالم من هذه الأفعال المستنكرة (دينياً وإستراتيجياً وسياسياً)، فإن عليهم أن يتفهموا أيضاً أننا نتأذى من محاولاتهم توظيفها للعدوان علينا، أو التدخل في شؤوننا، ووضعنا لقرن آخر أمام مشروعات إصلاحية منقوصة أو مجزوءة، على نحو ما حصل بعد الحرب العالمية الأولى.

والسبب الثالث لاهتمام الآخر بمنطقتنا، هو ما تحتويه من ثروات طبيعية، وفي مقدمتها النفط الذي يعتبر عصب التكنولوجيا الغربية. إن تأمين الطاقة بالسعر والطريقة التي يفرضها الآخر هو أحد الأسباب المباشرة لمحاولات السيطرة على هذه المنطقة.

إن البعد الاقتصادي لهذه المشروعات لا يتوقف عند حد الاستحواذ على الثروات وإنما يهدف في آفاقه إلى تحويل المنطقة إلى سوق استهلاكي، يستعيد بطريقة آلية القليل الذي يدفعه ثمناً لتلك الثروات. أو يستقطب على محور ثالث الرساميل المتاحة لتوظيفها في المشاريع الخاصة.

كما أن حماية (دولة إسرائيل)، وتبني المشروع الصهيوني بأبعاده الدينية والإستراتيجية والاقتصادية هي هدف رابع للحملة المشهودة. إن الدعم المطلق الذي تجاوز حتى القرارات (الجائرة أصلاً) لما يسمى بالشرعية الدولية، يوضح أن الآخر يريد توظيف هذه الدولة لتكون قاعدة السيطرة والنفوذ في عالمنا.

إن جميع المبادرات والمخططات التي تقدم لمنطقتنا، أو تفرض عليها، ابتداء من الألفاظ والتسميات (الشرق الأوسط) وانتهاء بالصيرورة الأخيرة لكل جهد، تسعى إلى تكريس الوجود الصهيوني وتعزيزه، وزرعه نسيجياً وبنيوياً في جسم المنطقة. فكرة (الشرق الأوسط) كانت صهيونية منذ بدايتها. فالشرق الأوسط هو الاسم الذي يسقط كل هوية!!

ورغم كل الضعف العربي، واليأس العربي، فإن (إسرائيل) لم تصبح مشروعاً ناجحاً حتى الآن، وحتى بعد مدريد وأوسلو. إسرائيل ماتزال مهددة ديموغرافياً واستراتيجياً بطوفان من الناس الذين لا يريدون التعامل معها، وهي من جهة أخرى ماتزال دولة تعيش على المعونات.

ومن هنا يأتي تأكيد المبادرات أجمع، وكما سنرى ذلك بالتفصيل، على تكريس التجزئة في عالمنا. الأوروبيون الذين يسيرون بدأب نحو وحدتهم الكبرى، لم يفكروا وهم يقدمون لعالمنا وصفتهم الرشيدة بوحدته، ولا بثقله الاستراتيجي أو تكامله الاقتصادي.
وتأتي الخاتمة في ثمرة هذه المبادرات، في تذويب الهوية والسعي إلى الإنسان المجرد من كل وصف أو مرجعية. ومن هنا تصطدم المبادرات جميعاً مع (العربية) و(الإسلامية) وإذا كان السعي إلى نفي المرجعية والصبغة الإسلامية واضحاً منذ مطلع القرن العشرين، فإن هذه المبادرات تؤكد في سياقاتها المستجدة على نفي الحالة القومية، ليس على صعيد السياسة فقط بتكريس التجزئة كما أشرنا وإنما على صعيد الثقافة والشعور أيضاً، بفرض قيم السوق كقاعدة أساسية للتعامل.
موقف أولي من مشروعات التغيير..

لتلك الأسباب الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية تكاثرت مبادرات الإصلاح الخارجية التي تقدمت بها دول ومجموعات عظمى لإصلاح واقعنا العربي والإسلامي. كانت المبادرة الأولى مبادرة باول وزير الخارجية الأمريكية. ثم مبادرة ريتشارد هاس مدير التخطيط في البيت الأبيض، ثم مبادرة بوش للتجارة مع الشرق الأوسط. ثم مبادرة الرئيس بوش الأخيرة التي أطلقت تحت عنوان (مشروع الشرق الأوسط الكبير)، وفي نفس السياق سارع الأوروبيون، ومن قبيل التنافس على مناطق النفوذ: الاستراتيجي والاقتصادي إلى تقديم مشروعات الشراكة الأوروبية، مشروع (برشلونة)، والمبادرة الأوروبية الأخيرة.
في موقفنا الأولي من هذه المبادرات لابد لنا أن نسبق إلى القول: إن اقتراح الإصلاح من الخارج يعتبر شكلاً من الوصاية، وهذا يستدعي الرفض الأولي للتدخل في شؤون المنطقة، والرفض لأشكال الإملاء عليها.

كما أنه لابد من التنويه إلى أن أي مشروع يأخذ بالحسبان مصلحة مقدميه أكثر من اعتباره مصلحة الجهة التي يقدم لها.
وأن هذه المشروعات التي تصاغ من رؤية خارجية، تقع في خلط وخبط وتتجاوز ما هو حقيقي إلى ما هو ظاهري، وما هو كلي إلى ما هو جزئي.

وبما أن هذه المشروعات تفرض من موقع (القوة) المادية والمعنوية، بشكل ما يجري في أفغانستان والعراق، أو بشكل المساعدات المشروطة، فإنها تشكل نوعاً من الإكراه على السير في طريق لا تريده الشعوب، وتجد مساغها لتتسلل على ما فيها لزيادة العبء، والتدويم في دوامات الانحطاط.

إنه مهما تكن إغراءات المعطيات المطروحة في هذه الأفكار: الحكم الصالح ـ وتعزيز المعرفة ـ وتوسيع الفرص الاقتصادية ـ حسب الورقة الأمريكية. أو (السلام ـ الاستقرار ـ الازدهار) حسب الورقة الأوروبية إلا أننا لا نستطيع أن نغفل عن محمولها شديد الخطورة، والذي يتكرس حسب فهمنا فيما أشرنا إليه سابقاً، ونعود إلى تكراره لأهميته:

ـ نفي المرجعية والهوية الإسلامية والعربية عن المنطقة (المرجعية الدينية) و(الهوية القومية) وتمييعها لتكون ضائعة قابلة لكل ما يُعرض عليها.

ـ وينبني على هذا ـ نفي الجوامع المشتركة بين أبناء الأمة، ومحاصرة القيم، ليسود مناخ السوق وقيمه، وبالتالي مصادرة أمل الوحدة وتكريس التجزئة.

ـ جعل العنوان (الشرق الأوسط) والواقع قابلين للوجود الصهيوني ومن هنا يأتي الإصرار على نفي الخاص المعبر (الإسلام) و(العروبة) ومقوماتهما وتبني العام المائع.

إننا، مع تمسكنا بتحفظنا الأولي الذي أشرنا إليه، وتقديمنا الحذر في كل المبادرات المقترحة، وتمسكنا بمنهجنا الأصيل في رؤيتنا للإصلاح والتغيير؛ لقادرون على الخوض في بطون تلك المبادرات، على اختلاف مصادرها، للبحث في ثناياها، والتعامل مع مفرداتها على أساس قاعدتنا الشرعية الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق بها.
مدخل التغيير.. وتقريرا التنمية الإنسانية العربية:

على الرغم من أن أهداف حملة الآخر ومبادراته واضحة في الأسباب التي أشرنا إليها. إلا أنه حاول أن يتسلل إلى واقعنا عبر تقريري التنمية الإنسانية العربية، الصادرين عن الأمم المتحدة.

بالمقابل نحن نعتبر واقعنا العملي بما فيه من تجزئة وضعف وفقر وقصور مدخلنا إلى التغيير، كما نعتقد أن هذا الواقع هو نتاج مشروع تغريبي منقوص، فرض على أمتنا في مطلع القرن الماضي. وإذا كان الخطاب الإعلامي الرسمي في عالمنا يستنبت الخضراء على الدمن، ويزين الواقع مع كل ما فيه، ليسحب الرشد على الحكام، فإن شعوبنا وقيادات المجتمع المدني في ديارنا قادرة تماماً على رؤية الواقع رؤية متوازنة. وهذه القيادات تدرك مواقع السلب وأسبابها كما تدرك طرائق الإصلاح ومداخله. مطلبنا للتغيير هو الذي يحدد مدخلنا إليه. وهذه حقيقة أولية تؤسس لاختلاف الرؤية، واختلاف المنهج، بيننا وبين الآخر الأوروبي والآخر الأمريكي.

إن محاولة توظيف تقريري التنمية الإنسانية الصادرين عن الأمم المتحدة كمدخل لعملية إصلاح شامل في عالمنا العربي، مع أن التقريرين لم يعدا لهذا الهدف، جاءت بداية مخيبة للآمال ومجتزئة لواقع لا يمكن اختزاله على الطريقة التي نهجها التقريران، اللذان أعدا كحافزين، وليس كمؤسسين لمشروع التغيير.

تقول الدكتورة ريما خلف مديرة (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي)، وهي التي أشرفت على إعداد التقريرين مع مجموعة عمل عربية، في مقابلة أجرتها الشرق الأوسط (3/4/2004) مشيرة إلى اجتزاء التقريرين في المبادرة الأمريكية: (طبعاً يثير استياءنا إذا اجتزأ غيرنا تقاريرنا وحاول تشويهها)، وهي تؤكد المعاني التي تقدمنا بها نفسها (.. أقول وأكرر القول الآخرون استباحونا لأننا ضعفاء نحن نعي مشاكلنا في نفس الوقت الذي نعي أيضاً جدية وخطورة أطماع الآخرين) وتقول بوضوح عن مشروع الشرق الأوسط الكبير (المبادرة الأمريكية الأخيرة) (.. وهذا المشروع لن ينجح. لن ينجح لسببين في رأيي، السبب الأول هو أنه فاقد للشرعية على الأقل في أعين العرب.. الإنسان العربي لا يعتقد أو هو غير مقتنع بأن الولايات المتحدة تبحث عن مصلحته، بل هو واثق من أنها تبحث عن مصلحتها. وحقاً الولايات المتحدة بتبنيها الكامل أطروحات إسرائيل فقدت نهائياً ثقة المواطن العربي. أما السبب الثاني فهو أنه (مشروع الشرق الأوسط الكبير) بني على فلسفة خاطئة..).

كما كتب الدكتور نادر فرجاني المؤلف الرئيسي للتقريرين مقالاً أكد فيه أن لا مجال للمقارنة بين المشروع الأمريكي وتقارير التنمية الإنسانية العربية. فالأخيرة أكدت على ضرورة أن ينبع الإصلاح من الداخل. بل وأن يطرح على القوى الحية للاتفاق عليه.. كما يشير إلى أن تقارير التنمية أكدت أن (إسرائيل) هي من أكبر معوقات التنمية في العالم العربي. بينما تصر الولايات المتحدة والمبادرة الأوروبية على دمجها في هذا العالم. مع كل ما سبق فإن التقريرين قد وظفا كمدخل لمشروع إصلاحي أمريكي أوروبي جديد. وكانت هذه بداية الخطأ في رأينا.

في تقويمنا لتقريري التنمية الإنسانية لا يمكن من ناحية مبدئية أن نشطب كل ما ورد فيهما. بل إننا نرى فيهما إضاءات إيجابية لكثير من مواقع السلب في واقعنا العربي والإسلامي. وقد احتوى التقريران على كثير من الجهد، وكثير من الحقائق المدعمة بالأرقام، وفضحا عالماً من الزيف الإعلامي تمارسه الأنظمة القطرية، وهي تطمئن المواطن العربي على أنها تنجز له في عالم التنمية الكثير!! ولكن هذا لا يمنعنا أن نشير إلى أن التقريرين أعدا برؤية قاصرة أو مجزوءة، تقتصر على رصد الظواهر دون التعمق إلى تحليل أسبابها، والتركيز على بعض ملامح الخلل دون بعض على نحو انتقائي واضح. ومن الأخطاء الأساسية في بناء تقريري التنمية الإنسانية، اعتبار الأنموذج الغربي بكل أبعاده مقياساً ومعياراً أولياً. ليقاس عليه واقع يختلف عنه في تأسيسه وفي تطلعاته على السواء. كما أن التقريرين عزلا الوقائع عن سياقاتها في منظومتها الحضارية والاجتماعية وقد خبط معدو التقريرين أيضاً في ترتيب الأولويات، إذ لا بد في مثل هذه التقارير من تقديم الأساسيات على الفرعيات، والانتقال من الكليات إلى الجزئيات.
ولقد انعكست هذه السلبيات بوضوح في مبادرات الإصلاح المتكاثرة التي جعلت من التقريرين أساساً ومنطلقاً.


تابع بقية الدراسة بالملف المرفق :
مشروع الإصلاح الامريكي الاوروبي والمقابل الاسلامي

المصدر :
مركز الشرق العربي للدراسات

[line]
الملفات المرفقة
نوع الملف: zip مشروع الإصلاح الامريكي الاوروبي والمقابل الاسلامي.zip‏ (36.5 كيلوبايت, المشاهدات 9)
  #46  
قديم 23-03-2007, 05:06 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود
(1324-1395هـ،1906-1975م)


الملك فيصل رحمة الله من شرفة البيت الأبيض


خطاب الملك فيصل مع الرئيس الإمريكي


فيصل بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى ابن ربيعة بن مانع بن ربيعة المريدي. وينتهي نسبهم إلى بكر بن وائل من بني أسد بن ربيعة. ملك المملكة العربية السعودية (1384 - 1395هـ ، 1964 - 1975م).

نشأته وتعليمه.
وُلِدَ الملك فيصل بن عبدالعزيز في صفر من عام 1324هـ، أبريل 1906م، وتربى في بيت آل الشيخ جده لأمه، حيث توفيت أمه بعد أن وضعته بخمسة أشهر. ولأن أمه بنت الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ، نجد أنه نشأ نشأة دينية صالحة. وقد تلقى تعليمه في أصول الدين على يد جده لأمه الشيخ عبدالله بن عبداللطيف. ولما شب وكبر أخذ يتدرب على فن الفروسية والإدارة والسياسة، فكان يحضر مجلس أبيه دومًا، ويستمع بإصغاء إلى أقواله ومحادثاته ومناقشاته، وكان يستفيد كثيرًا من آراء مَنْ يفد على مجلس أبيه، ويستمع إلى مقترحاتهم وتصوراتهم حول كثير من المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فصقلت مواهبه مبكرًا.

خبرته ومبايعته بالمُلْك.
أمضى الملك فيصل أربعين سنة يعمل في السياسة، ويمارس مهام مسؤوليات الإدارة والحكم خلال حكم أبيه الملك عبدالعزيز، وكذلك أثناء حكم أخيه الملك سعود؛ فاكتسب بذلك خبرة طويلة في الممارسة والتجربة السياسية أهلته لقيادة الدولة السعودية يوم أن تسلم مقاليد الحكم والقيادة فيها. وقد نودي به ملكًا في 27 جمادى الآخرة من عام 1384هـ، 1964م وعُيّن أخوه خالد بن عبدالعزيز وليًا للعهد.

أهم أعماله ومنجزاته.
درّب الملك عبدالعزيز ابنه فيصلاً على الشؤون السياسية منذ صغره، فانتدبه لزيارة بريطانيا وفرنسا نيابة عنه في أعقاب الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918م)، وأرسله لزيارة عدد من دول أوروبا الغربية عام 1344هـ، 1926م لشرح التطورات السياسية في الجزيرة العربية بعد توحيد الحجاز، وضمه إلى بوتقة الدولة السعودية الحديثة، وليقدم لهذه الدول الشكر والامتنان لاعترافها بالدولة السعودية الحديثة. وقد منحته بريطانيا وسامًا رفيعًا منحه إياه ملكها جورج السادس، وهو وسام القديسَيْن جورج وميخائيل. وأردف هذه الزيارة بزيارة أخرى إلى الغرب عام 1350هـ، 1932م إثر تغيير اسم الدولة السعودية من مملكة الحجاز ونَجْد وملحقاته إلى المملكة العربية السعودية.

ترأس الملك فيصل وفد المملكة العربية السعودية في مؤتمر لندن المنعقد عام 1358هـ، 1939م لمناقشة القضية الفلسطينية، والمعروف باسم مؤتمر المائدة المستديرة. كما ترأس وفد بلاده ومثّلها في التوقيع على ميثاق هيئة الأمم المتحدة في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1364هـ، 1945م، وكان قبل ذلك قد شارك في كثير من المؤتمرات الأخرى.

في المجال الحربي.
أرسل الملك عبدالعزيز ابنه فيصلاً على رأس القوات السعودية المتجهة إلى عسير لتهدئة الوضع هناك والعمل على استتباب الأمن، وكان ذلك في عام 1340هـ، 1922م، وشارك أيضًا في الحرب اليمنية السعودية عام 1352هـ، 1934م.

في مجال الإدارة والحكم.
تقلد الملك فيصل عدة مناصب قيادية في عهد أبيه الملك عبدالعزيز وأثناء عهد أخيه الملك سعود؛ فقد عينه أبوه نائبًا له على الحجاز عام 1344هـ، 1926م، ثم عينه رئيسًا لمجلس الشورى عام 1345هـ، 1927م، ثم أول وزير للخارجية السعودية عام 1349هـ، 1930م ويعد بذلك أول وزير للخارجية في الدولة السعودية الحديثة. انظر: الدولة السعودية الثالثة. وتولى فيصل ولاية العهد في عهد أخيه الملك سعود، ثم أصبح رئيسًا لمجلس الوزراء.

في المجال الاقتصادي.
اعتنى الملك فيصل عناية فائقة بمجال الاقتصاد والمال وشؤون الصناعة والزراعة، وخاصة المشروعات الزراعية مثل مشروع الري والصرف، ومشروع الرمال في الأحساء، ومشروع حَرض الزراعي، ومشروع سد أبها، ومشروع تنمية الغابات، ومشروع تنمية الثروة الحيوانية، وبنك التسليف الزراعي، وغيرها من المشروعات ذات الطابع الاقتصادي. وبناء على ذلك فقد زادت الرقعة الزراعية، واستُثْمرت الأراضي البور، وشُجِّعت المشروعات التي تبحث عن مياه الشرب. واهتمت الدولة بالتنقيب عن المعادن في ربوع المملكة العربية السعودية، وأنشأت لهذا الغرض المؤسسة العامة للبترول والمعادن بترومين، وحرصت الدولة على دعم المشروعات الصناعية ذات الطابع الأهلي.

في مجال التعليم.
نال العلم والتعليم في عهد الملك فيصل عناية خاصة؛ لأنه كان يقدِّر فائدة العلم ودور العلماء في خدمة المجتمع وتقدمه وازدهاره، فشجع بشكل خاص تعليم الفتاة السعودية، ووسع دائرة التعليم العام والتعليم الجامعي، وحدّث أجهزة التعليم ومرافقه ومناهجه، وزاد ميزانيته، وارتفع عدد الطلاب المبتعثين للدراسات العليا والجامعية خصوصًا في مجال التعليم التطبيقي والفني. وقدمت الدولة المنح المالية والكتب الدراسية للطلاب تشجيعًا لهم على تحصيل العلم والاهتمام به والمواظبة عليه.

لم يقتصر ما قام به الملك فيصل من إصلاحات على المجالات التي ذكرت آنفًا، بل تعداها ليشمل الإصلاحات في الشؤون الاجتماعية، مثل الضمان الاجتماعي، ورعاية الشباب، ودور الرعاية الاجتماعية، ودور التربية الاجتماعية، ونظام العمل والعمال، والتأمينات الاجتماعية وغيرها. كما اهتم بتطوير سبل المواصلات البرية والجوية، والعناية بالمواصلات السلكية واللاسلكية وتحسين خدمة السكك الحديدية.

قدَّم الملك فيصل بن عبدالعزيز كل عون ودعم لقضايا العالم الإسلامي وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وتحرير المسجد الأقصى من يد الصهاينة اليهود. ولطالما تمنى أن يصلي في المسجد الأقصى بعد تحريره. وقدم للمسلمين خدمة جليلة يوم أمر بتوسيع الحرمين الشريفين، وظل اسم الملك فيصل وأعماله في سبيل الإسلام والمسلمين ماثلة في أذهان المسلمين وعقولهم.

نهجه السياسي.
تركّز نهج الملك فيصل السياسي على مجموعة من الثوابت من أهمها: حماية البلاد والمحافظة على استقلالها وعلى هويتها العربية والإسلامية في مجال التعاون والتنسيق بين الدول العربية والإسلامية؛ متمسكًا بميثاق جامعة الدول العربية ومحافظًا عليه وعلى جميع الاتفاقيات والمعاهدات المبرمة بين المملكة وغيرها من الدول. ومن خلال الواجب الإسلامي الملقى على كاهل المملكة العربية السعودية، فقد نشط الملك فيصل في الدعوة إلى التضامن الإسلامي، وإلى التعاون العربي الإسلامي من أجل خير الأمة الإسلامية ومصالحها الدولية ومستقبلها العام؛ لذا فقد تبنى مشروع حركة التضامن الإسلامي الرامية إلى إقامة تعاون وثيق بين دول العالم الإسلامي قاطبة، ولتقف الأمة الإسلامية في وجه الأخطار التي تهددها وتقتحم ديارها. فدعا إلى عقد مؤتمر إسلامي يكون على مستوى القمة يرجو من انعقاده نفعًا جليلاً للإسلام والمسلمين في شتى بقاعهم. وقد أُنشئت رابطة العالم الإسلامي التي كانت لها الريادة في تنظيم عقد مؤتمر القمة الإسلامي الأول في يوم الأحد 17 من ذي الحجة 1384هـ، 18 أبريل 1965م. ولترسيخ مفهوم دعوة التضامن الإسلامي، قام الملك فيصل بعدة زيارات لبلدان العالم الإسلامي. (1)

خطاباته وحواراته الصحفية أميراً وملكاً
الملك فيصل بن عبدالعزيز أل سعود (3)

ذريتة
زوجاتة هن :
- الأميرة سلطانة السديري وأنجبت لة :
عبد الله الفيصل

- الأميرة عفّت الثنيان آل سعود وأنجبت لة :
محمد الفيصل
سعود الفيصل
عبد الرحمن الفيصل
بندر الفيصل
تركي الفيصل

- الأميرة هيا بنت خالد بن تركي بن عبدالعزيز بن عبدالله بن تركي آل سعود وأنجبت لة :
خالد الفيصل
سعد الفيصل .. (2)

استشهادة .
استشهد الملك فيصل بن عبدالعزيز يوم الثلاثاء الثالث عشر من شهر ربيع الأول عام 1395هـ، 25 مارس 1975م، وخلفه في الحكم ولي عهده الملك خالد بن عبدالعزيز..(1)

الصلاة على الملك فيصل:1395هـ
مشاهدة (3)


المصادر :


الموسوعة العربية العالمية
الحقوق القانونية وحقوق الملكية الفكرية محفوظة لأعمال الموسوعة.
Copyrights (c) 2004 Encyclopedia Works. All Rights Reserved




مقاتل من الصحراء
  #47  
قديم 30-03-2007, 06:48 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

إنتخابات مجلس الشعب في سورية وفرص الإصلاح الدستوري

زهير سالم*

1- مدخل: هذه الدراسة والهدف منها

في 8/3/2007 سيكون مجلس الشعب في سورية قد أنهى دورته الدستورية الثامنة. وسيكون على رئيس الجمهورية أن يعلن عن موعد جديد للانتخابات. فهل سيجد الشعب السوري وقواه السياسية في هذه الانتخابات مخرجاً من أزمة مستعصية لإحداث تغيير أو إصلاح ولو جزئي في الحياة العامة في سورية، بعد أن انقضت الفترة الرئاسية الأولى لرئيس الجمهورية بشار الأسد (سبع سنوات)، دون إحراز أي تقدم ملموس في إطار التغيير أو التطوير أو الإصلاح؟!

يعتبر التغيير الدستوري من خلال البرلمانات المنتخبة، والرؤساء المنتخبين، والحكومات الشرعية طريقة التغيير الأساسية أو الوحيدة في النظم الديموقراطية والعالم المتحضر. فما أن تنتهي دورة دستورية حتى يتقدم الناخبون ليقولوا كلمتهم في الأداء السياسي والاقتصادي للفريق الحاكم، فإما أن يجددوا له الثقة ويمنحوه المزيد من الوقت ، أو يسحبوا الثقة منه، ويضعوها في أيدي أخرى يتوقعون أن تكون أكثر قوة و أمانة.

في دولة مثل سورية، يسيطر فيها فرد ملهم، وحزب قائد، مثل هذا لا يمكن أن يكون. هنا يصادر الفرد الملهم كل مؤسسات الدولة (السلطات الثلاث)، ويوظفها وتوابعها في خدمة ذاته وإضفاء الشرعية على رغباته ، ويضع الخطط للسيطرة على إرادة الناخبين ، فيعطلها أو يوظفها لحسابه .

تعيش سورية اليوم مخاضاً عسيراً، وسط تحديات داخلية راكمتها سنون طوال من الاستبداد والفساد والقهر والتمييز بين المواطنين، وأخرى خارجية تفرضها القوى الدولية والإقليمية، وتصنع بعضها إرادة القائد الفرد وتصرفاته المجانبة للحكمة والسداد. يتساءل المواطن السوري كما تتساءل القوى السياسية: هل ثمة أمل في تغيير أو إصلاح دستوري جزئي أو كلي تضطلع به المؤسسات الدستورية وعلى رأسها (مجلس الشعب)، الذي يمثل حسب الدستور السوري السلطة التشريعية في البلد؟ هل يمكن أن يكون هناك صندوق اقتراع حقيقي؟ وهل يمكن أن تكون لصندوق الاقتراع هيبته ومكانته في إطار سلطة تحترم القانون والمؤسسات؟ وهل تستحق المشاركة في العملية الانتخابية العناء الذي سيبذل فيها؟ وهل ستكون هذه المشاركة مجدية بأي معنى من معاني الجدوى؟ هل سيكون لها انعكاس إيجابي بالمعنى الخاص أو العام، أم أنها ستكون سلبية بالمعنيين معاً؟ أي أنها ستلحق الضرر بالشخص الذي سينتمي إلى هذه المؤسسة، فتجعل منه أشبه بشاهد زور، يضفي الشرعية على سلطة لا تحترم الشرعية ، فيستخدمه الحاكم في إثبات دعواه بأن مسرحيته الديموقراطية هي حقيقية!!.

تهدف هذه الدراسة إلى المشاركة في الحوار المحتدم حول العملية الانتخابية القادمة : نقاطع او نشارك ؟و تقترح استراتيجية وطنية لتعامل مع الخيارات .

2- تاريخ الحياة الديموقراطية في سورية:

مجلس النواب دور وتاريخ (1920 ـ 1963)

ربما تساعدنا نظرة حقيقة تاريخية إلى الحياة الديموقراطية في سورية على تحديد رؤية أكثر واقعية ومصداقية. إن العودة إلى التاريخ هنا والمقصود التاريخ المعاصر ، يراد منها إسقاط دعاوى نظام الاستبداد والناطقين باسمه، بأن شعبنا ما يزال في بداية التطور الديموقراطي، وأنه بحاجة إلى رعاية أو وصاية الحزب القائد لكي يتجذر السلوك الديموقراطي في أفراده وبناه المدنية والاجتماعية.

يعود تاريخ الممارسة البرلمانية أو الديموقراطية في سورية إلى عام /1919/ عندما وُضع البنيان الأولي للدولة السورية القطرية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وانفراط عقد الدولة العثمانية.

كان (المؤتمر السوري العام) الذي تم تشكيله بانتخابات أولية على أساس قانون الانتخاب العثماني، كان عدد اعضاء المؤسسة البرلمانية الاولى في تاريخ سورية الحديث خمسة وثمانين عضواً ينتمون إلى ولاية بلاد الشام: سورية ـ لبنان ـ الأردن ـ فلسطين. كما كانوا يمثلون جميع ألوان الطيف الديني والمذهبي والفكري الذي كان سائداً آنذاك.

في الفترة القصيرة التي عمل فيه (المؤتمر السوري العام) ، قرابة ثلاثة عشر شهراً (حزيران 1919- تموز 1920) ، أثبت حضوراً وفاعلية وروحاً ديموقراطية عالية في التعاطي مع القضايا الكبرى، وفي تحمل المسؤولية الوطنية على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. عمل المؤتمر أولاً كرقيب وضابط ومرشد لسياسات السلطة التنفيذية، حتى ضايق هذا الملك فيصل نفسه في مواجهة تاريخية مشهورة بين الملك والشيخ رشيد رضا الذي تسلم رئاسة المؤتمر في إحدى الدورات.

كما عمل كسلطة تشريعية حقيقية، تقر السياسات العامة وتناقش المواقف، وتدرس المعاهدات والعلاقات. وكان على رأس انجازات المؤتمر:

ـ رَفَضَ اتفاقية (سايكس ـ بيكو) التي تكشفت أبعادها بعد انتهاء الحرب.

ـ وأعَلَنَ في الثامن من آذار 1920 استقلال سورية بحدودها الطبيعية التي تشمل (سورية ـ والأردن ـ وفلسطين ـ ولبنان).

ـ ونادى بالملك فيصل الأول ملكاً على سورية.

ـ ووضع دستوراً للدولة السورية أطلق عليه اسم القانون الأساسي.

ـ ولعل المفيد هنا أن نذكر أن المؤتمر السوري العام وبحضور نخبه من علماء المسلمين من كافة المناطق السورية ناقشوا قضية مشاركة المرأة في الانتخابات /ناخبة ومنتخبة/ وخلصوا إلى أنه لا مانع شرعياً يمنع من هذه المشاركة[1].

بالطبع انتهى كل ذلك بدخول الجنرال غورو إلى دمشق وحل المؤتمر السوري العام وانسحاب الملك فيصل إلى العراق.

مع دخول سورية في عهد الانتداب، برز دور المفوض السامي كقوة قمع أو كسلطة تصادر حرية الناس وإرادة الشعب، وقد حصلت عدة تصادمات بين المجالس النيابية السورية والمندوب السامي كانت تؤدي بالغالب إلى حل مجلس النواب. وكان البرلمان السوري أو مجلس النواب، كما كان يطلق عليه، يقوم بدور حقيقي في قيادة البلد نحو الاستقلال، وفي السهر على مصالح المواطنين، وحماية حقوقهم. فلقد أسقط البرلمان السوري الكثير من المعاهدات ، كما شكل حكومات حقيقية وأسقط أخرى، وخاض غمار النضال من أجل الاستقلال الناجز. حُل أكثر من مرة على يد المندوب السامي، وفي حلقة الصراع لأخيرة بين القوات الفرنسية وهذا البرلمان كانت مذبحة البرلمان الرهيبة التي نفذت ضد حامية البرلمان يوم قصف الفرنسيون دمشق.

منذ احتلال الفرنسيين سورية وحتى الجلاء شهدت الساحة الوطنية انتخاب وانحلال العديد من (مجالس النواب)؛ لم يتح لأي مجلس من هذه المجالس أن يتم مدته الدستورية مع أنها جميعاً أدت دوراً إيجابياً في تاريخ الحياة السياسية السورية. وكان أبرز هذه البرلمانات:

ـ المجلس التأسيسي الذي انتخب في نيسان 1928 وانعقد في حزيران وأسند إليه مهمة إقرار دستور جديد للبلاد ثم اعترض المندوب السامي على بعض مواد الدستورالذي اقره المجلس، وأصر عليها المجلس فحُل المجلس.

ـ في عام 1931 جرت محاولة لانتخاب مجلس جديد عطلها المندوب السامي.

ـ مجلس 1934 ـ 1939 وهو الأطول في عمر البرلمانات السورية في عهد الانتداب ، ولقد كان له دور كبير في إنضاج عملية الاستقلال.

ـ ثم مجلس 1943 وهو المجلس الذي تم قصف حاميته من قبل القوات الفرنسية.

كان مجلس النواب في عهد الانتداب وليد الكتلة الوطنية ابتداء، ثم وليد جناحيها الرئيسيين بعد أن بدت معالم الانشقاق واضحة في بنية هذه الكتلة، دون أن يحول ذلك وتمثيل أطياف أخرى أساسية في المجتمع السوري كانت تجد مغزاها في الإطار الوطني العام. ويوم بدأت قوى سياسية أخرى تتبلور على الساحة السورية استطاعت هذه القوى أن تجد طريقها عبر صندوق الاقتراع إلى البرلمان. في مجلس النواب كانت تلتقي الأديان والمذاهب والقوميات كما كانت تلتقي التيارات السياسية الكبرى والأحزاب المعبرة عنها.. حزب الشعب، والحزب الوطني، والإخوان المسلمون، والشيوعيون، والبعثيون، والمستقلون، وكان الجميع يشكل طليعة ناهضة وطموحة لشعب يثق بإرثه العقدي والحضاري ويندفع بحمية وعنفوان إلى أهدافه.

بدخول سورية في مرحلة الاستقلال بعد 17/4/1946 حل المغامرون من قادة القطعات العسكرية محل (المندوب السامي) ، فكانت الحياة البرلمانية في سورية متقطعة تعيش دائماً تحت تهديد قيادات الجيش ، إلى أن استطاعت هذه القيادات أن تصادر الحياة السياسية بشكل كامل وحتى هذه اللحظة بعد انقلاب الثامن من آذار 1963. ولعل من عجائب المقادير أن تؤسس سورية الحديثة في الثامن من آذار 1920 وأن تصادر في الثامن من آذار 1963.

في مرحلة الاستقلال شهدت سورية مراحل برلمانية متقطعة كانت مهددة دائماً بالانقلابات العسكرية وكان أبرز هذه البرلمانات:
مجلس عام 1947 ـ 1949 أول مجلس بعد الاستقلال. ثم كان انقلاب حسني الزعيم والشيشكلي والحناوي. ليعاد انتخاب برلمان 1954 ـ 1958. وكان لهذا البرلمان شرف إقرار الوحدة بين سورية ومصر الحلم العربي الذي ماتزال سورية تدفع ثمن إقدامها عليه بحرمانها من الحياة البرلمانية الحقيقية عقوبة على ذلك القرار القومي الرائد.

وحل هذا البرلمان من أجل تدشين مشروع الوحدة. حيث تم في عهد الوحدة بعد مشروع الاتحاد القومي التأسيس لما عرف بمجلس الأمة 200 عضو عن سورية و400 عضو عن مصر والذي استمر في القيام بدوره 1960 ـ 1961 أي حتى وقوع الانفصال.

كما شهد عهد الانفصال آخر برلمان سوري شرعي تم حله على أيدي الانقلابيين في الثامن من آذار.

أردنا من هذه الخلاصة التاريخية أن نوثق أن سورية شهدت منذ تأسيس الدولة القطرية وحتى الثامن من آذار 1963 حراكاً ديموقراطياً حقيقياً، شاركت فيه جملة القوى الوطنية وجميع مكونات الشعب السوري. وأن البرلمانات السورية استطاعت في ظل الظروف الحرجة التي كانت تحيط بها أن تمارس دورها الحقيقي في التشريع والرقابة والدفاع عن مصالح المواطنين.

3- مجلس الشعب السوري: أداء عقيم
(1971 ـ 2007)

مع انقلاب الثامن من آذار دخلت سورية مرحلة جديدة


تابع الدراسة كاملة بالملف المرفق:
انتخابات مجلس الشعب في سورية وفرص الإصلاح الدستوري

المصدر :
مركز الشرق العربي للدراسات الاستراتيجية والحضارية

[line]
الملفات المرفقة
نوع الملف: zip انتخابات مجلس الشعب في سورية.zip‏ (28.5 كيلوبايت, المشاهدات 6)

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 06-05-2007 الساعة 03:42 AM
  #48  
قديم 30-03-2007, 07:01 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

ثمانية تصورات لاحتمالات التغيير في سورية
زهير سالم*

التغيير في سورية مطلب لجمهور غفير من أبنائها. مطلب ضروري لإعادة بناء الوطن والإنسان. في رؤية الغالبية العظمى من أبناء سورية الذي يعيشون قهراً يولد حجماً غير محدود من الخوف، أن الفساد قد طال كل شيء. وأن الطريق إلى التغيير تحفه المكاره والصعوبات. ويرى كثير من هؤلاء أن هذا النظام بالعهدة التي يؤديها أثقل بكثير من وزنه الذاتي الذي يقدره البعض.

التغيير في سورية تعيقه عوائق ثلاثة: عائق أول يتمثل في المجموعة القائمة على النظام، بما تمتلك من أدوات الإكراه المادي، والإمكانات السياسية والاقتصادية المتمثلة في مقدرات الدولة السورية. والعائق الثاني عائق إقليمي يتمثل في مجموعة من الدول منها دولة إسرائيل التي تتخوف من أي بديل وطني سورية ينغص عليها حلاوة أربعين عاماً أدمنت على الاستمتاع بها على أرض الجولان. ومنها إيران الدولة التي وجدت في أرض الشام وعاصمة الأمويين مرتعاً خصباً لسياساتها ودعاتها. ومنها دول عربية تقدر أن أي تغيير يتم على الأرض السورية سيعني بشكل ما أن الدور سيدور عليها بعد زمن يسير.

والعائق الثالث من عوائق التغيير في سورية القوى الدولية. هذه القوى التي أسست نظام دمشق، ودعمته، وغطت على جرائره طوال أربعين عاما، وماتزال على الرغم من بعض الاختلافات هنا وهناك. متمسكة به، حريصة عليه، لأنها ببساطة لم تجد حتى اليوم بديلاً سورياً يخدم مصالحها، ويرعى جانبها، ويحقق أهدافها كما يفعل هذا النظام.

التغيير في سورية مطلب، ولكن حمله ثقيل، ودون تحقيقه كما يقولون خرق القتاد. فعلى الشعب السوري إذا أراد أن يحقق هذا المطلب أن يرفع صخرة (برميثوس) مكعبة في زنتها الذاتية والإقليمية والدولية.

ولما كان مطلب التغيير في سورية ضرورياً، لأن ما يطالب به الشعب السوري ليس حلية ولا ترفاً، ولا مطلباً كمالياً تحسينياً أو حاجياً وإنما يطالب بحقه في الوجود، وفي الحياة في الشمس وفي الهواء ، يطالب بحقه في حرية الاعتقاد وحرية التفكير وحرية التعبير. يطالب بحقه في سهمه الوطني وفي نصيبه من جهده وثروته الوطنية ؛ لأجل ذلك كله، ولأن بشار الأسد ، بعد أن انتظر الشعب السوري ثلاثين سنة يتجرع المكاره في عهد أبيه ، أصر على أن يكون امتداداً لأبيه لأجل ذلك فأنه لا خيار أمام الشعب السوري وأمام النخب الناهضة من أبنائه إلا أن تتحمل مسؤولياتها وتتقدم حاملة مشروع التغيير على كاهلها، مهما قل العاملون، أو تضاءلت الإمكانات أو تكاثفت العقبات.

التغيير في سورية مطلب، وهو خيار الشعب السوري الوحيد. وهذا الشعب هو هدف التغيير وأداته في وقت واحد على السواء.

ثوابت مشروع التغيير في سورية وأهدافه

تتحرك المعارضة السورية الوطنية (إسلامية وعلمانية) في إطار مجموعة من الثوابت والالتزامات اشتقتها من رؤيتها الوطنية، وتقديرها السياسي للموقف العام.

وأول هذه الثوابت أن يكون التغيير سلمياً يعتمد أساليب النضال الحقوقي والسياسي، بعيداً عن جميع أشكال العنف ومثيراته.

ومن هذه الثوابت أن يكون هذا التغيير وطنياً، تصنعه القوى الوطنية، لتحقيق الأهداف الوطنية. إن الالتزام بهذا الثابت لا يعني عزل النضال الوطني عن آفاقه القومية والإنسانية، ولا يغلق الباب أمام الاستفادة من التغيرات المناخية المتاحة في إطار رؤية وطنية محسوبة بدقة.

أما الهدف الأساس للتغيير في سورية، فهو بناء سورية دولة ديموقراطية حديثة على قاعدة (السواء الوطني) أي أن تكون المواطنة وحدها هي مناط الحقوق والواجبات، يستوي على هذه القاعدة المواطنون على اختلاف انتماءاتهم الدينية والمذهبية والعرقية. وعلى أساس دستوري عصري يحترم فصل السلطات، ويفرض سيادة القانون، ويحترم الحريات الإنسانية العامة والفردية ويضمن المساواة بين الرجل والمرأة. هذا الهدف العام بتفصيلاته أو لواحقه أصبح مثل اللازمة لمطالب المعارضصة السورية الإسلامية والعلمانية.

(تستحق سورية حكاماً أفضل)، هذه الحقيقة إن كانت مسلمة عند كل فرد من أبناء الشعب السوري ، إلا أنها ماتزال موضع نزاع عند الكثير من القوى الدولية والإقليمية، ومع الأسف عند بعض النخب أو مؤسسات المجتمع المدني العربية. إن العبور إلى رصيف التغيير يتطلب جهداً تمهيدياً من المعارضة السورية لتصبح معاناة الشعب السوري حاضرة على الأجندة العربية والإنسانية الرسمية والشعبية.

تخيم التجربة العراقية ، بما حملته إلى العراق من دمار وفوضى، وحرب أهلية بشبحها على المنطقة، وعلى تصورات أبنائها ممن يلحظون عمق المأساة التي يعيشها شعبنا في سورية ويتخوفون من نهاية تشبه ما آل إليه الوضع في العراق. على المعارضة السورية أن تبادر بما تنتجه من توافقات واتفاقات إلى مصادرة مثل هذه التصورات، وأن تسقط كل التخوفات التي يلعب بها النظام من حديث عن الفوضى أو الحرب الأهلية. إن إظهار حجم أكبر من التلاحم الوطني، والتوافق الوطني بين جميع القوى والمكونات جدير بتشجيع المترددين وتطمين الخائفين.

احتمالات التغيير وتصوراته

وإذا كنا قد أسلفنا في معرض حديثنا عن ثوابت المعارضة الوطنية والتزامها بالغيير السلمي الوطني. فإننا نؤكد هنا أن استعراضنا لاحتمالات التغيير وتصوراته على الساحة السورية، لا يعني أننا نعول على أي تصور محتمل، ولا نربط به موقفاً، ولا نكرس له جهداً، غير التغيير الأساس الذي وقفت القوى الوطنية جهدها وجهادها عليه، وهو الوصول بالشعب السوري إلى حالة الفعل السلمي الإيجابي الذي يحقق التغيير الوطني المنشود. لنا جهدنا الذي يخدم أهدافنا، دون أن يلغي ذلك تأثير عوامل إضافية تنتج واقعاً ييسر للمعارضة تحقيق أهدافها.

إن عميلة الاستقصاء الرياضي لاحتمالات التغيير المتصورة غير ممكنة. لأنه كما تقول العرب الليالي حبالى يلدن كل عجيبة. ولقد قتل الخليفة المتوكلَ ولدُه، وتخلت عن المقتدر أمه!! ولكننا في الحديث عن جملة التصورات أو الاحتمالات يمكن أن نفرزها حسب حظها من القوة أو الضعف.

التغيير مبادرة من بشار الاسد

من الاحتمالات المتصورة رياضياً المستبعدة عملياً أن يتم التغيير بمبادرة من بشار الأسد نفسه. نعم لقد أغلق بشار الأسد حتى الآن كل الأبواب، وقطع كل الخيوط، وأشاع اليأس من شخصه ومن برنامجه حتى تحولت المعارضة السورية أجمع من المطالبة بالإصلاح إلى المطالبة بالتغيير. ولم تكن هذه المعارضة في لحظة متعنتة في مطالبها، أو متعنتة في اشتراطاتها قبلت بالقليل المتدرج، وأعطت بشار الأسد أكثر من الزمن الذي تحتاجه عملية إصلاح متدرج. لا يزال الناس بعد مضي سبع سنوات على حكم بشار الأسد يتساءلون: هل من فرق بين الابن وأبيه؟ كثيرون لا يلحظون فرقاً إلا ما اقتضته السنوات السبع كامتداد زمني. آخرون يقولون بل هناك فروق سلبية كثيرة!! ومع ذلك فلنفترض أن بشار الأسد قد أقدم على طرح مبادرة وطنية لعملية إصلاح حقيقي. نعتقد أن المعركة الوطنية التي تخوضها المعارضة السورية لم تكن معركة ضد شخص أو مجموعة أو فئة أو حزب بل كانت دائماً معركة ضد سياسات ونهج. ضد التفرد والاستبداد والاستئثار والفساد. وإذا وجدت المعارضة السورية سبيلاً لتحقيق أهدافها فلن يكون لها اشتراطات على الصعيد الشخصي أو الفئوي أو الحزبي.

ولكن هذه المعارضة التي تعلمت من تجربة السنوات السبع الكثير ستكون أكثر حرصاً على تملك مقدمات التغيير أو الإصلاح وشروطه.و هي لن تطمئن إليه إلا بعد أن يصبح حالة وطنية لا يمكن التراجع عنها.وفي هذه الحالة فإن الملفات الإنسانية الثلاثة: المعتقلون والمفقودون والمهجرون ستكون مدخلاً صالحاً لعملية إصلاح حقيقي. وسينضاف إلى ذلك تلقائياً الإصلاح الدستوري بإلغاء المادة الثامنة من الدستور، وبتعليق حالة الطوارئ. وإلغاء القانون 49. وعلى مثل هذه المقدمات يمكن أن يؤسس المؤتمر الوطني العام لمشروع الإصلاح الأوفى في سورية.

التصور الثاني :الصراع على السلطة.

والملك كما قالوا عقيم. والتناقضات بين ثلاثي الحكم ومعززاتها أكثر من أن يشار إليها. ومن وراء الثلاثي مراكز قوى وأشخاص كل يراوده حلم وكثيرون يشعرون بالغبن.

إن رؤية المعارضة لمثل هذا الصراع ينبغي أن تتركز أولاً على تجنيب البلد انعكاساته السلبية وهي كثيرة. وإيجابياته في تصورنا الأولي لا تعدو طلب الانتقال من عمود إلى عمود. إذ ربما يتاح التغيير بين العمودين. إن عملية الخلخلة التي يحدثها مثل هذا الصراع ستكون لمصلحة المعارضة بدون شك، بل قد تفرض على المنتصر من أطراف الصراع معطيات جديدة تكون لمصلحة مشروع التغيير. إن تتبع أقطاب هذا الصراع ليس بالأمر اليسير، وهو يحتاج إلى دراسة منفصلة ولكن الذي لا شك فيه أن مثل هذه الصراعات تدفع في كثير من الأحيان إلى المقدمة قوى غير منظورة. وأسوأ ما في هذا التصور أن عملية الصراع حين لا تكون محسومة، أو حين يتطاول أمدها يمكن أن تجر عدداً أكبر من الضحايا، أو توقع البلد في عواقب غير محمودة. فقد تنتهي إلى أشكال من الصراع المعسكري أو الأهلي أحياناً.

التصور الثالث :الانقلاب العسكري

وفي إطار التصورات المحتملة والأوفر حظاً من سابقيها أن يقوم عدد من ضباط الجيش بحركة إنقلابية تطيح بالنظام القائم. وتداعيات الانقلابيين وطروحاتهم معروفة للجميع. الدواعي والبواعث، والموقف قبل التمكن والموقف بعد التمكن. وقد يقدم الانقلابيون عربون إصلاح، ومقدمات لحسن النوايا.. إن المعارضة الوطنية لا تؤمل كثيراً من أي عمل انقلابي. وترى أن العالم العربي شهد حتى الآن رجلاً واحدا اسمه (سوار الذهب!!). الانقلاب سيقودنا بالطبع إلى المجهول. سيتوقف الامر بالدرجة الأساسية على هوية الانقلابيين، وعلى الظروف الدولية والإقليمية المحيطة، وعلى حضور وجاهزية المعارضة وشارعها. المعارضة السورية لا تعمل على مثل هذا التصور، ولا نتطلع إليه، ولا تأمل منه كثيراً وقد عانى شعبنا كثيراً من مرارة هذه الانقلابات. ولكن يبقى الاحتمال قائماً، وهو يقدم فرصة للتغيير قد تجعلها المعارضة حقيقية بقوة حضورها.

والتصور الرابع : المحكمة الدولية

ويقوم هذا التصور على أساس أن التحقيق الدولي سيدين بشكل أكيد ثلاثي الحكم. وأنه لن يكون هناك تسييس لنتائج التحقيق، أي لن تكون هذه النتائج مدخلاً لابتزاز النظام للحصول منه على قدر أكبر من التنازلات ثم عقد صفقة معه على هذا الأساس.إذا أردنا أن نمضي مع احتمال الإدانة القانونية إلى نهايته، فإن هذا الاحتمال سيقودنا إلى احتمالات عديدة أخرى متصورة.

ـ حصار وضغوط دولية تضعف النظام.

ـ صراع على السلطة بين أقطاب النظام نتيجة إدانة بعضهم.

ـ نهاية درامية لرأس النظام تشبه نهاية ميلوزوفيتش.

في تقويمنا لهذا التصور، ننظر إليه كحلم رومانسي. يعني أن يأتينا التغيير على طبق من ذهب. نعتقد أن إدانة رأس النظام والمطالبة بمثوله أمام المحكمة الدولية، لن تكون تغييراً مباشراً وإنما ستفتح فرصاً أكثر أمام المعارضة السورية يمكنها أن تستفيد منها لإحداث التغيير. نتائج التحقيق الدولي قادمة والمحكمة الدولية على الطريق وعلى المعارضة السورية أن تجد فرصتها في أي احتمال مثل هذا.

التصور الخامس : خيار الصفقة

الذين يعتقدون أن النظام مهدد بالتغيير بفعل القوى الخارجية، ولسنا منهم، يتخوفون دائماً من صفقة تعقد مع النظام لتجديد عقد عمل بشار على أسس أكثر تواضعاً من تلك التي اعتمدت مع والده. وسواء كانت هذه الصفقة ناتج ضغوط دولية أو إقليمية أو ناتج المحكمة الدولية، أو ناتج التنازلات التي يمكن أن يقدمها بشار الأسد في أطر فلسطين والجولان ولبنان والعراق وبرامج الإعلام ومناهج الثقافة في سورية؛ فإن الصفقة حتى وإن كانت على الطريقة الليبية لا بد أن تحمل ولو حداً أدنى من التغيير.

ذلك أن الذين سيعقدون الصفقة لا بد أن تكون لهم بعض اشتراطاتهم فيما يخص المعارضة . لا نشك في أن بعض مفاصل الصفقة سيكون تضييقاً أكبر على الإسلام: العقائدي والثقافي كما على المسلمين الحركيين. ولكن الصفقة في الوقت نفسه ستضعف جانب النظام، وتخفف الكثير من غلوائه، وستفقده الكثير من ماء وجهه، ولا سيما حينما سيتخلى عن التبجحات الرنانة التي ملتها الأسماع. إن قدراً من التغيير قد تتضمنه بنود الصفقة، وقدراً آخر قد تنتزعه قوى المعارضة نتيجة خلخلة النظام، يمكن أن يشكلا متنفساً لعملية تغيير وطني حقيقي يفرض على النظام، ويكون له ما بعده.

التصور السادس : التدخل الخارجي

دائماً رفضت القوى الوطنية في سورية (إسلامية وعلمانية) أي تدخل خارجي لإحداث تغيير وطني ، ونظرت إلى الصراع على الساحة الوطنية بمنظار واحد وتقويم واحد. يرفض كل سوري حر وشريف أن يكون وطنه ساحة صراع، و يرفض الاجلاب على وطنه مهما كان شعار الإجلاب وذرائعه. ويصر على أن يكون الصف الوطني في أي ظرف من هذه الظروف متلاحماً متراصاً.

إن احتمال التدخل العسكري الخارجي في سورية مستبعد لأسباب استراتيجية وتكتيكية ولكن هذا التدخل يمكن أن يحدث نتيجة بعض التداعيات لا على أساس قرار مسبق على نحو ما حدث في أفغانستان والعراق، أو ما يحدث اليوم في الصومال.

قد تحدث تداعيات على جهة الجولان مع العدو الصهيوني، تقود إلى وضع ساخن، أو إلى اقتحام وقتي، أو عملية عارضة. دمشق العاصمة على بعد أميال من القوات الصهيونية. ونتمنى أن تكون جاهزية الجيش السوري وعتاده يساعدانه على رد عدوان كهذا.

أو ربما تحدث تداعيات على الحدود العراقية ـ السورية، وقد يغري الفراغ الأولي الذي تشهده المنطقة الجنود الأمريكيين بالتقدم. يتناسى العسكريون السوريون أن الحدود مع العراق أصبحت ثغراً كما كان يعبر القدماء.. ومع ذلك فإن انزياح السكين في قطعة الزبد ابتداء قد لا يكون أقل إغراء من النصر الذي ظن الرئيس بوش أنه أحرزه في العراق.

في الحالتين ،لا قدر الله، ينبغي أن يكون للمعارضة الوطنية دورها في الدفاع عن السيادة، وفي حماية الاستقلال الوطني، وفي صون السلم الأهلي، وفي فرز قوى مركزية تقوم بحفظ الأمن والنظام. مثل هذا التصور مستبعد، ولكنه غير مستحيل في ظل الحماقات التي يرتكبها النظام والتحديات التي تحيط بالوطن في كل اتجاه.

التصور السابع : الانفجار الشعبي

إذا استمر العالم، ودول الإقليم العربي في تجاهل معاناة الإنسان السوري، و إذا استمر النظام ممعناً في سياساته الحمقاء: استبداد وظلم وقهر وتجويع.. وإذا استمرت الأيدي تمتد إلى عقيدة المجتمع السوري وإلى ثقافته وإلى ثوابته من هذه الدولة أو تلك، أو من هذه المؤسسة أو تلك، وإذا استمرت سياسات التمييز بين المواطنين على أسس حزبية بمقتضى المادة الثامنة من الدستور ، أو على أسس فئوية تمارسها القوى الأمنية ومرتكزاتها، وإذا يئس المجتمع السوري من أي أمل في التغيير نتيجة انسداد الأفق ؛ فإن تصوراً مخيفاً ربما يتهدد المستقبل الوطني في سورية. تصور نعوذ بالله منه، نذكره في هذا السياق تحذيراً لا تهديداً ونصحاً وإشفاقاً.. أن يتفجر الغضب الشعبي، ويخرج عن سيطرة العقلاء ويقود العلاقة الوطنية إلى حيث لا يريد أحد.

حالة مخيفة قد تكون لها سوابقها و مقدماتها و مقترناتها و لواحقها. إن المعارضة السورية عندها ستطالب بالكثير في حين أنها لن تستطيع أن تفعل في ذورة الانفعال الشعبي إلا القليل. والمعارضة السورية لا يمكن أن تكون مسؤولة عن كارثة وطنية في مثل هذا الحجم ، لأن الذي يغذي حالة الكراهية والبغضاء في هذا المجتمع هو هذا النظام المتسلط.

ربما يمكن للمعارضة السورية أن تفعل شيئاً لمصادرة هذا من الآن، ولكن مثل هذا الأمر سيبقى منوطاً بالقوى التي يستند إليها النظام أن تأخذ هي زمام المبادرة.

التصور الثامن : الانتفاضة الشعبية

وهو خيار المعارضة الوطنية (الإسلامية ـ العلمانية) الأساس. وهدفها الذي تعمل عليه. الانتفاضة الشعبية كتلك التي حصلت في إيران سنة 1979 أو التي حصلت في لبنان أو التي حصلت في جمهوريات حلف وارسو و برلين حتى سقط جدارها، ورومانيا حتى دفن شاشيسيكو وفي بولندا من قبل بقيادة فاليسا أو في جورجيا. انتفاضة شعبية سلمية، أو عصيان مدني أو أي شكل من أشكال الرفض الشعبي لنظام الظلم القائم.انتفاضة شعبية، ونعلم أن القائمين على الأمر لن يرحلوا بسهولة، وسيقاومون بعنف، وسيبطشون بطش الجبارين، ولكن الانتفاضة الشعبية ستكون أقوى.انتفاضة شعبية تشمل المدن والقرى، انتفاضة شعبية يشترك فيها العربي والكردي المسلم والمسيحي. انتفاضة شعبية لا أحد يستطيع أن يتكهن بزمانها، أو في البقعة التي ستتفجر فيها، أو بالقشة التي ستقصم ظهر البعير فتكون شرارة نارها. ولكنها قادمة، لأنها مجربة ولأنها حين تندلع تكشف حقائق هؤلاء الجبارين!! وتتحول القوى الشعبية إلى سيل هادر يطيح بكل ما يقف في وجهها.

انتفاضة شعبية وثمة عوامل كثيرة مقررة تحدد بواعثها وعوامل تفجرها وخطواتها وطرائقها ؛ وعلى المعارضة السورية أن تدرس كل هذا وأن تعمل عليه بدءاً من كسر حاجز الخوف في نفوس الناس وانتهاء بتوظيف طاقاتهم ضمن أطر وطنية حقيقية ، ومرجعيات يتحركون بإرشادها. وبين هذا وذاك هناك برنامج عمل طويل المفردات ينبغي للمعارضة أن تعد له وتعمل عليه. ومن بعض هذه المفردات إبراز الرموز الوطنية ـ والتوافقات الوطنية ـ والمرجعيات الوطنية ـ والبدائل الوطنية، والخطاب الوطني، والارتقاء بدرجة الوعي الوطني، وملامسة حاجات المواطن ومعاناته الحقيقية والانتصار لظلاماته،و كسر حاجز الخوف الوطني ليس من النظام فقط، وإنما خوف القوى الوطنية بعضها من بعض وتكريس الوحدة الوطنية، والبديل الوطني.

وأخيراً فإن حضور المعارضة السورية، وجاهزيتها، وقدرتها على المبادرة ابتداءاً، أو الاستجابة عند حدوث التغيرات وكفاءتها في تقديم البديل الوطني ؛ سيكون بلا شك شرطاً أساسياً لدرء المفاسد التي قد تترتب على أي تصور من التصورات السابقة على اختلافها أو تحقيق أكبر قدر من المصالح.

إن تقديم البديل الوطني القادر على تحمل عبء الدولة باليد القوية الأمينة ليس حلماً ولا أماني ، وإنما هو ناتج برنامج عمل وجهد وإعداد وبذل.

ليس الاحتلال وحده هو من دمر العراق، وليس الاحتلال وحده هو من سرق أموال العراق، بل كثير من العراقيين شاركوا في ذلك، لن ننسى أن بعض أولئك كان من أصحاب النوايا الحسنة.

إن مهمة المعارضة السورية في الظروف الراهنة شاقة جداً. وهي ثنائية المحاور. إن استفراغ المعارضة جهودها على محور العمل لإزاحة النظام أو هدم مرتكزاته؛ سيعني ببعض جوانبه تمهيداً لحالة من الخراب أو الفوضى تعم الوطن فيما بعد. لا بد أن تعمل المعارضة في الوقت نفسه على محور إعداد البدائل الوطنية: الأشخاص والكفاءات و البرامج والحلول للمشكلات الوطنية. إن إدارة الدولة لا تتم بالنوايا الطيبة، وليس بالأيادي المتوضئة وحدها. وإن المشكلات التي يعاني منها الوطن أكثر تعقيداً مما يتصور الكثيرون. لا أحد يملك عصا سحرية ولا فانوس علاء الدين.

معارضة مركزية موحدة، وجهد وطني موحد، وبرنامج وطني يقوم على معطيات علمية وواقعية، وتصور حقيقي للمشكلات والمعضلات والأزمات وأبعادها كل هذا ينبغي أن يكون من برنامج المعارضة للمرحلة القادمة.

الخلاصة

المعلقين السياسيين الغربيين. عبارة أطلقت في وقت سابق على دولة إسرائيل. وكما ينظر الغرب إلى دولة إسرائيل على أنها قاعدة استراتيجية تمثل جزءاً من وجوده وحامية مصالحه.. ربما هناك من ينظر إلى نظام الأقلية السوري بالمنظار نفسه.

وجد ليبقى وليحمي مصالح الغرب، وليضع سورية الإنسان والمجتمع والدولة في حالة من انعدام الوزن أو بعثرة الجهد. أربعون عاماً يعيش الشعب السوري على هامش التاريخ الحضاري والقومي والوطني، ويعيش العجز والقهر والفقر والجوع.

أربعون عاماً ويتمتع النظام بالحماية والغطاء الدوليين. تجاوز عدد الذين قتلهم النظام حماية لمشروع خفي من سوريين ولبنانيين وفلسطينيين مائة ألف انسان وهو مايزال قادراً على اللعب أو مايزال راغباً فيه.

هناك مفارقات ومتغيرات دولية وإقليمية كثيرة بعضها يهز مرتكزات النظام، وبعضها يعززها. وماتزال الغلبة حتى اليوم للمعززات. الضغوط هي محاولة للإضعاف أو الترويض أو الابتزاز سمها ما شئت، ولكنها ليست أبداً دفاعاً عن موقف حضاري أو عن حق إنساني.

والشعب السوري يستحق حكاماً أفضل قناعة مطلقة لدى أبنائه. الأمل في النفوس كبير والمشجعات في الظروف المحيطة محدودة، والإمكانات تحت اليد قليلة وقليلة جداً. ففي حين يمتلك بعض المنجمين قنوات فضائية يطلون من خلالها على جمهورهم، تعجز المعارضة السورية لأسباب مادية محضة عن تحقيق مطلب مثل هذا.

ولكن الشعب السوري مصر على التغيير وهو مطلبه الأول والأخير لأن بشار الأسد لم يترك له خياراً. واحتمالات التغيير وتصوراته في سورية كثيرة،و لا يمكن إحصاؤها رياضياً. إذاً مع تشعب التصورات فإن كل تصور يمكن أن تشتق منه العديد من التصورات. تركزت هذه الدراسة على ثمانية تصورات أولية.

مبادرة إصلاح يتقدم بها بشار الأسد تفتح أفق التغيير من جديد. أو صراع على السلطة بين مراكز القوى القابضة على مفاصل القوة. أو انقلاب عسكري يطيح بالنظام القائم. أو تغيير تفرضه المحكمة الدولية وتداعياتها. أو صفقة يعقدها النافذون الدوليون مع النظام يكون التغيير بعض بنودها. وربما تقود تصرفات النظام الرعناء أو الاطماع الدولية تدخلاً عسكرياً خارجياً يفرض نوعاً من التغيير أو يحدث نوعاً من الخلل وسابعاً ربما تؤدي الضغوط الداخلية والخارجية إلى تفجر الأوضاع داخل سورية وتسلم البلد إلى نوع من الفوضى أو الاحتراب الأهلي. وأخيراً فإن التصور الثامن والأخير أن تنجح المعارضة السورية في مسعاها إلى قيادة انتفاضة شعبية عارمة تطيح بالنظام بنضال سلمي ديموقراطي.

إن دراسة تصورات التغيير في سورية تفرض على المعارضة دائماً أن تمارس حضوراً وجاهزية بحيث تكون مبادرة لصنع التغيير أو قادرة على الاستجابة عند حدوث المستجدات. الاستجابة البناءة التي تستفيد من الفرص ، وتوظفها ثم الوصول إلى الانتفاضة الشعبية التي هي هدف المعارضة الذي لا بد له من خطط وبرامج ومقدمات.

إن عمل المعارضة كما شرحت في هذه الدراسة لا يمكن أن يتوقف عند محور الإعداد لإزاحة النظام وهدم مركزاته ، لا بد للمعارضة من إعداد الإنسان القوي الأمين وإعداد المناهج والبرامج السياسية ، ودراسة المشكلات الوطنية المستعصية واقتراح الحلول العملية لها.

النيات الحسنة وحدها لا تكفي ، ويبقى الحضور الدائم وامتلاك القدرة على المبادرة هو اساس العمل السياسي ومحوره هذا ما قررته هذه الدراسة وعلى الله قصد السبيل.


المصدر :
مركز الشرق العربي للدراسات الاستراتيجية والحضارية

[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 06-05-2007 الساعة 03:36 AM
  #49  
قديم 16-04-2007, 01:42 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

مبادئ الحكم الرشيد في الإسلام:

أسس وقواعد لتأصيل وبناء ديمقراطية إسلامية معاصرة*

لؤي عبد الباقي

تهدف هذه الورقة إلى تسليط الضوء على بعض المبادئ السياسية الإسلامية التي تميز نظام الحكم الإسلامي الراشد عن غيره من أشكال الحكم التي تقوم على الوراثة أو الغلبة أو الشمولية والاستبداد. وتحديدا فإنها تتناول، بالمناقشة والتحليل، الجوانب التي تُبرز أهم نقاط التوافق بين المبادئ السياسية الإسلامية وبين الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية، مؤكدة أن الدعوة إلى بناء "ديمقراطية إسلامية راشدة" ليست مجرد فكرة منطقية قابلة للتأصيل النظري، بل هي إمكانية ماثلة في واقعنا المعاصر وواعدة أيضا. من هنا فإن هذه الورقة تحاول توضيح ومناقشة بعض الأفكار والمبادئ التي تعتبر عند معظم الحركات الإسلامية بأنها مرجعية صحيحة وشرعية، وأساس نظري أصيل لديمقراطية إسلامية تنبثق من القيم الإسلامية التي تحقق العدالة والمساواة وسيادة القانون وإقامة الحريات وحق الشعوب في اختيار حكامها وقادتها. ولتأصيل هذه المفاهيم والمبادئ ستوضح هذه المساهمة باختصار كيف تم التعبير عن هذه المبادئ في الفترة التأسيسية للأمة الإسلامية (العهد النبوي وعهد الخلفاء الراشدين)، وفي الأدبيات الإسلامية الكلاسيكية (عصر تدوين العلوم الإسلامية)، بالإضافة إلى أدبيات الحركات الإصلاحية والصحوية الإسلامية في الفترة الحديثة والمعاصرة.

الحكم الراشد في العصر التأسيسي للأمة الإسلامية

عندما يتصدى العلماء والمفكرون الإسلاميون لمسألة طبيعة العلاقة بين الإسلام والسياسة فإنهم يرجعون بالدرجة الأولى إلى النشاط والعمل السياسي الذي قام به الرسول (صلى الله عليه وسلم) عندما أسس دولة المدينة بعد الهجرة. كيف قامت هذه الدولة؟ وما هي الأسس والمبادئ التي ارتكزت عليها؟

المصادر التاريخية تقدم لنا سجلا هاما حول ثلاثة أحداث بارزة تسهم في تقديم إجابات واضحة على هذه التساؤلات المرتبطة بإجراءات تأسيس دولة المدينة، وخاصة فيما يتعلق في مسألة توافقها مع إجراءات وقواعد الحكم الديمقراطي الحديث. هذه الأحداث هي: بيعتي العقبة، كتابة الصحيفة أو دستور المدينة، وإجراءات الخلافة وانتقال السلطة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم).

بما أن الوقت لا يسمح في هذه العجالة لتناول هذه الأحداث الهامة بشكل مفصل، فسأكتفي هنا بالتركيز على بعض النقاط الأساسية ذات الصلة المباشرة بموضوع الديمقراطية.

بالنسبة لبيعة العقبة (الثانية بشكل خاص)، بالرغم من أنها تضمنت بعض القيم والواجبات الدينية التي تشكل إلى درجة كبيرة جوهرا لقانون الشريعة الذي ستسير عليه دولة المدينة التي أرسى أسسها النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما بعد، إلا أن هذه البيعة شكلت بالدرجة الأولى عقدا سياسيا واضحا حيث أنها أسست علاقة تعاقدية ( علاقة أمر وطاعة) بين الرسول (صلى الله عليه وسلم) وبين مسلمي المدينة. وبهذا فإن هذه البيعة حددت وبشكل رسمي وصريح دور الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومركزه في دولة المدينة كقائد سياسي إلى جانب دوره كرسول هداية.

أما بالنسبة للصحيفة التي كانت بمثابة دستور لدولة المدينة، فإنها، من ناحية أولى، بينت ما هو مقبول أو مسموح وما هو مرفوض وممنوع، كما أنها، من ناحية ثانية، نظمت العلاقة بين مختلف القبائل المسلمة من مهاجرين وأنصار، وعلاقة المسلمين بغيرهم من سكان المدينة، كاليهود. لقد ذكرت الصحيفة بالتسمية الصريحة كل قبيلة وكل مجموعة محدِّدة حقوقها وواجباتها. ومن أهم ميزات هذه الوثيقة أنها قدمت إطاراً نظرياً واضحاً لبناء دولة تعددية ومجتمع متعدد الأديان، مؤسِّسةً بذلك مفهوم الأمة بشكل يضم غير المسلمين إلى الجماعة السياسية دون إقصاء أو تمييز.
لقد بينت الوثيقة بشكل حاسم لا يخالطه وهم أو ضبابية أن يهود المدينة أمة مع المؤمنين. باختصار شديد، إن التسامح الديني وحرية العبادة كانت مكفولة للجميع بأوضح العبارات في هذه الوثيقة الدستورية.

تنبع الأهمية الحقيقة لهذه الوثيقة اليوم، من ناحية توافقها مع الديمقراطية، من كونها قدمت سابقة دستورية تعتبرها الحركات الإسلامية مرجعية ثابتة لبناء مجتمع تعددي سياسيا ودينيا. لذلك فإن هذه الوثيقة بالنسبة للمسلمين ليست تاريخا غابرا مضى وانتهى، وليست من قصص التغني بأمجاد الآباء والأجداد، بل هي تنبض بالحياة في واقعنا الحاضر، وهي مصدر استلهام لملايين المسلمين، ولذلك يمكن الاستفادة منها لبناء ديمقراطية إسلامية معاصرة.

إجراءات انتقال السلطة: الخلافة الراشدة والديمقراطية الراشدة

إن الإجراءات التي اتبعها الصحابة لاختيار الخليفة وانتقال السلطة في فترة الخلافة الراشدة ذات صلة أكبر بواقعنا المعاصر، حيث أن الخلفاء رضوان الله عليهم لم يتمتعوا بسلطة دينية بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) وانقطاع وحي السماء. فسلطة الخلفاء، وغيرهم من الحكام على مر التاريخ الإسلامي، انحصرت في تفسير الوحي المحفوظ وتطبيق شرعه وقانونه. وأي ادعاء من قبل أي حاكم بصلاحيات دينية أو سلطة مقدسة يعتبر بالنسبة لأهل السنة والجماعة، على خلاف الشيعة، انحراف عن الشرع الحنيف وهرطقة. وفي أية حال فإن الإجراءات التي سارت عليها الأمة في انتقال السلطة خلال العهد الراشدي أرست مبادئ سياسية هامة أصبحت فيما بعد أساسا للنظرية السياسية الإسلامية ومعيارا نموذجيا للحكم الرشيد عند أهل السنة والجماعة.

المصادر التاريخية المعتمدة تؤكد أن زعماء المسلمين من مهاجرين وأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة للنقاش والتداول حول مسألة الخلافة ومن الذي سيتم ترشيحه لهذا المنصب، وحول إتمام إجراءات انتقال السلطة. المؤكد تاريخيا أن ثمة خلاف وجدل قد نشب بين المجتمعين حول هذا الموضوع. والمؤكد أيضا، وهذا الأهم، أن النزاع قد حسم دون إراقة دماء، وإن كنا لا ندري على وجه التحديد الفترة الزمنية التي استغرقتها هذه المداولات.

بشكل عام، هناك أربع استنتاجات تم الوصول إليها عند جمهور أهل السنة والجماعة (مع بعض الخلافات الفرعية) من هذا الحدث التاريخي الهام والحاسم في تاريخ الأمة الإسلامية:

1- إن مجرد حصول خلاف وانقسام في بداية الأمر حول مسألة الخلافة يدل على أن هذه المسألة لم تكن محسومة مسبقا من قبل النبي (صلى الله عليه وسلم)، وأن موضوع اختيار الخليفة قد ترك للأمة أو قادتها ليقرروه..

2- النقاش الذي حصل في اجتماع السقيفة كان بالأساس حول خلاف سياسي وليس ديني، فلم يرد نهائيا أن المرجعية الإسلامية، سواء القرآن أو السنة، كانت موضع خلاف أو نقاش بين الصحابة، كما أن التوافق والاقتناع تم بناءً على اجتهادات عقلية وحجج منطقية، وليس على نص ديني من القرآن أو السنة. إن حجة أبي بكر في أن العرب "لن ترضى بهذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش" كانت حاسمة في أن قريش يجب أن تحكم لأن في ذلك مصلحة عامة في الحفاظ على وحدة الدولة من خلال تعيين حاكم ترضى به العرب وتقبل بسلطته.

3- إن سعي القادة والزعماء إلى الحصول على موافقة وقبول عامة الناس من خلال البيعة العامة يدل على أن الأمة، بمجموعها بشكل عام، كانت تعتبر مصدر الشرعية السياسية لانعقاد الخلافة، فليس من المتصور أن يتم انعقاد الخلافة في حال رفضت الأمة مبايعة الخليفة.

4- إن حسم مسألة الخلافة قد تم من خلال إجراءات شورى تداولية بين أهل الحل والعقد، وإجماع واسع بين المسلمين.

بناءً على ذلك، فإن أربعة مبادئ أساسية ارتكزت عليها مسألة الخلافة أصبحت فيما بعد هي المعيار النموذجي لقياس مدى شرعية انعقاد الإمامة في الفقه السياسي الإسلامي:
(1) الشورى؛
(2) الاختيار من قبل أهل الحل والقد؛
(3) الإجماع؛
(4) والبيعة.

وكما تفيد المصادر التاريخية المعتمدة، هذه المبادئ الأربعة، إضافة إلى تطبيق الشريعة في الحكم (وهذه لم تكن موضع خلاف في أي مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي) كانت أساس مشروعية الخلافة في العهد الراشدي، وبما أن هذه المعايير النموذجية لم تجتمع سوى للخلفاء الأربعة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (رضوان الله تعالى عليهم)، فإن أهل السنة والجماعة أطلقوا بالإجماع على هؤلاء لقب الخلفاء الراشدين تمييزا لهم عما سواهم من باقي الخلفاء الذين لم تجتمع لإمامتهم هذه المعايير النموذجية، وإن تمتعوا بالحد الأدنى من الشرعية نظرا لالتزامهم بمبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية. قياسا على ذلك، فإن أي حكم تجتمع فيه المعايير النموذجية الأربعة التي تميزت بها الخلافة الراشدة، بالإضافة إلى الحكم بالشريعة، يكتسب صفة الشرعية والرشد.

إن المبدأ الأساسي الذي لم يكن موضع خلاف بين الصحابة، أي تطبيق الشريعة الذي أصبح فيما بعد الحد الأدنى المطلوب لقبول شرعية الخلافة وطاعة الحاكم، كان أساس تقييد سلطة الحاكم عبر التاريخ الإسلامي الذي لم يشهد على الإطلاق حكم دكتاتوري أو دولة شمولية على غرار ما شهدناه ونشهده في هذا العصر من دكتاتوريات فردية وأنظمة علمانية شمولية، كما سنبين فيما يلي. ويظهر جليا هذا التقييد لسلطة الحاكم في أول خطاب ألقاه سيدنا أبو بكر (رضي الله عنه) في المسلمين بعد انعقاد خلافته، حيث قال: "أيها الناس، وليت عليكم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم."[4] هذه الخطبة التاريخية وضعت الحجر الأساس لحدود وقيود سلطة الحاكم، وبينت بما لا يدع مجالا للشك أن خرق العقد القائم بين الحاكم والمحكوم من قبل الحاكم يلغي شرعية حكمه ويعطي الحق للأمة في عزله وإسقاط حكومته المتمردة على حكم الله وسلطان الأمة.

قد يبدو للبعض، كما يحلوا للكثيرين أن يجادلوا، أن هذه صورة مثالية للماضي. إلا أنه، وبغض النظر عن مدى مثالية ونموذجية تطبيق هذه المبادئ السياسية تاريخيا، فبمجرد أنها تعتبر مرجعية شرعية مؤصلة لملايين المسلمين اليوم، وأن الحركات الإسلامية تستلهم منها أساليب وقواعد العمل السياسي، فإنها ولا شك صالحة كأساس لبناء ديمقراطية إسلامية راشدة في الدول الإسلامية في هذا العصر. والمراد بالديمقراطية الراشدة في هذا السياق هو كل نظام حكم تتحقق فيه جميع معايير الخلافة الراشدة ما عدا وحدة الأقطار والأمصار الإسلامية، فإذا ما تحققت وحدة الأقطار، أو كتلة كبيرة منها، عندها تسمى خلافة، فلا يمكن أن نطلق لقب خليفة المسلمين على حاكم دولة قطرية صغيرة لم تشارك في اختياره ومبايعته سوى قلة من المسلمين.
أما بالنسبة للخلاف الفقهي حول عدد من تنعقد بهم الخلافة، حيث يجيز بعض الفقهاء انعقاد الإمامة أو الخلافة بعدد قليل جدا من أهل الحل والعقد، فالأرجح أن ذلك يصح عندما يكون هؤلاء المبايعين ممن ترضى بهم وباختيارهم الأمة، حتى ولو لم يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، كما يرى بعض الفقهاء. وهذا، وإن كان يصح في العصور الإسلامية الأولى، وخاصة في عهد الخلفاء الراشدين حيث وجد رجال ترتضيهم الأمة، كأهل بدر، إلا أنه من الاستحالة أن يتحقق اليوم بدون تمثيل واسع من مختلف الأقطار الإسلامية.

الفقه وتطور النظرية السياسية: التعددية التشريعية أو الفقهية وفصل السلطات

بعد وفاة الخليفة الرابع علي بن أبي طالب (رضوان الله تعالى عليه) أسس الأمويون نظاما وراثيا يخالف المبادئ السياسية النموذجية للحكم الإسلامي الراشد، لذلك فقد أجمع علماء المسلمين على أن الخلافة الراشدة قد طويت منذ ذلك الحين وعلى مر التاريخ الإسلامي، باستثناء خلافة عمر بن عبد العزيز التي حظيت بقبول واسع بين المسلمين نظرا لما حققته من عدل وشورى، فأطلق عليه الكثير من العلماء بخامس الخلفاء الراشدين. الخلفاء العباسيون والعثمانيون اتبعوا نظاما مشابها لما أقامه الأمويون. وعلى الرغم من أن عنصري الوراثة والغلبة كانا السائدين في معظم مراحل التاريخ الإسلامي، إلا أن جمع الخلفاء، وغيرهم من السلاطين والأمراء، قد حكموا تحت راية الإسلام وأقروا بسيادة قانون الشريعة الإسلامية. وهكذا فإن سلطتهم قد بقيت مقيدة بالشريعة، وهذا ما جعلهم يتمتعون بالحد الأدنى من المشروعية؛ هذا الحد الذي جعله العلماء المسلمون المعيار الفاصل بين جواز وتحريم الخروج على الحكام بحد السيف.

إذا كانت سلطة الحكام مقيدة بقانون الشريعة، فمن الذي يتمتع بصلاحية تفسير الشريعة وبيان أحكامها ومبادئها؟

من المعلوم من الدين بالضرورة أن وحي السماء قد انقطع بوفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)، مما يعني أنه لا يمكن لحاكم أو أي شخص أن يدعي احتكار صلاحية تفسير الشريعة، وهذا فتح الباب على إمكانية تعدد الاجتهادات وتنوع المذاهب الفقهية، مما فسح المجال لنشوء نظرية فقهية تعددية في الإسلام.

وبما أن الحكام كانوا قد فقدوا سلطتهم الأخلاقية أمام عامة المسلمين، نظرا لمخالفتهم مبادئ الشورى والاختيار وتهميشهم لدور أهل الحل والعقد، فقد تمكن العلماء تدريجيا من السيطرة على سلطتي التشريع (أي الاجتهاد وتفسير الشريعة) والقضاء، وذلك من خلال تمكنهم من علوم الشريعة وتبحرهم بها، وتأثيرهم المعنوي الكبير على عامة المسلمين الذين اتبعوا المذاهب الفقهية المتنوعة التي أسسها ألئك الفقهاء والعلماء. وضمن ذلك السياق التاريخي والعلمي قام العلماء بوضع ضوابط وقواعد الاجتهاد؛ ما يسمى بعلم أصول الفقه، التي تبلورت مع تدوين وانتشار المذاهب الأربعة المعتمدة عند أهل السنة والجماعة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي.

لقد استطاع الفقهاء الكبار الذين أسسوا هذه المذاهب الأربعة الحفاظ على استقلاليتهم عن سلطة الدولة، ورفضوا الاندماج في مؤسساتها رغم ما نزل بهم من محن وسَجن وأحيانا تعذيب جسدي. بالرغم من أن تلميذ أبي حنيفة أبا يوسف قبل تولي منصب قاضي القضاة، إلا أنه بقي مستقلا عن سلطة الخليفة، حيث كان هو من يعين القضاة، كما كان يقضي بين الناس على مذهب أبي حنيفة بدون أي تدخل من الدولة التي كانت تلتزم بتنفيذ ما يحكم فيه القضاة.

بناءً على ذلك، فإن المسلمين هم أول من قام بفصل السلطات الثلاث، وبتحقيق استقلال السلطتين التشريعية والقضائية عن السلطة التنفيذية، وتكون فكرة فصل السلطات ليست، كما يزعم الكثيرون اليوم، غريبة عن الفكر والتاريخ الإسلامي. من هنا فإنه من الممكن، بل والضروري، الاستفادة من هذا المفهوم المؤصل في الفكر والتاريخ الإسلامي لبناء ديمقراطية إسلامية راشدة في المجتمعات والدول الإسلامية المعاصرة.

عندما دخلت الخلافة العباسية في مرحلة الضعف والتمزق حيث صعدت قوة السلاطين والأمراء، الذين أحكموا سيطرتهم حتى على بغداد لتتحول الخلافة إلى منصب رمزي، برزت الحاجة إلى بلورة نظرية سياسية تحافظ على مكانة الخلافة وأهميتها، وتنظم العلاقة بين الخليفة وبين السلاطين والأمراء المتغلبين. فكان الفقيه الشافعي أبو الحسن الماوردي أول من قدم نظرية سياسية متكاملة في الحكم الإسلامي في كتابه الشهير "الأحكام السلطانية والولايات الدينية"، حيث عالج الواقع السياسي الذي وصلت إليه الخلافة من ضعف وتمزق وحاول ربط الحكام المتغلبين بالخليفة من خلال إقرار الخليفة بشرعية سلطتهم، من ناحية، وبالمقابل يقدم هؤلاء الحكام الولاء النظري للخليفة حفاظا على مكانته وعلى هيبة منصبه. وباختصار شديد، على الرغم من أن الماوردي برر إمارة التغلب، إلا أنه لم يفعل ذلك على حساب التنازل عن الحكم وفق الشريعة، بل، على العكس، فقد ربط هذا التبرير بضرورة "حفظ القوانين الشرعية وحراسة الأحكام الدينية" وتجنب الفتنة التي تؤدي إلى مفسدة أكبر، إضافة إلى أنه ساهم في الحفاظ على أهمية وصيانة مؤسسة الخلافة.

بقية العلماء الذين جاؤوا بعد الماوردي، وخاصة الإمام الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية، لم يخرجوا عن هذا الخط العام من حيث ربط طاعة الحاكم المتغلب بضرورة الحفاظ على أحكام الشريعة والمصالح العامة للأمة، على الرغم من أن هذين الأخيرين كانا أكثر وضوحا في نقدهم لأمراء التغلب والسلاطين الظلمة. في كافة الأحوال، فإن جمهور العلماء اتفقوا على قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"، وإن اختلفوا في تقييم الضرورة ومقدار الضرر الذي يجوز درؤه من خلال التغاضي عن فعل أو قبول ما اعتبر محظورا، فالقاعدة التي سادت هي أن طاعة الحاكم الظالم ضرورة لتجنب الفتنة والفوضى، وكما عبر شيخ الإسلام ابن تيمية "ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة بدون سلطان."

بشكل مختصر، لقد تمكن العلماء من بناء نظرية فقهية وسياسية، بالرغم من أنها قدمت مبررات شرعية للحكام المتغلبين، إلا أنها قيدت سلطتهم بقوانين الشريعة، وضحدت أي مزاعم يدعي من خلالها الحاكم تمتعه بسلطة دينية توجب على المحكومين طاعة مطلقة لا يوجهها قيد ولا يحدها شرط. إن أهم ما ساعد على إمكانية التعايش بين الحكام الجائرين، من ناحية، وبين العلماء ومعهم غالبية المجتمع الذي يتأثر بفتاواهم، من ناحية ثانية، هو أن سلطة الدولة في التاريخ الإسلامي لم تكن شمولية كما هو الحال بالنسبة للدولة الحديثة التي تهيمن وتنظم معظم المجالات السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية في المجتمعات المعاصرة. لقد كانت سلطة الدولة آنذاك تكاد تنحصر في المجالات العسكرية والأمنية. فبالإضافة إلى أن سلطة التشريع والقضاء كانت تحت سيطرت العلماء لدرجة كبيرة، فإن التعليم والأوقاف (وهي موارد مالية هامة) والوعظ في المساجد، بل وإلى درجة كبيرة التجارة والصناعة، كلها كانت من المجالات المستقلة التي نادرا ما تتدخل في تسييرها وتوجيهها الدولة. وهكذا، بما أن سلطة الحاكم أو انتقالها من شخص إلى آخر كانت من الشؤون التي لا تنعكس سلبا أو إيجابا وبشكل مباشر وواضح على حياة المجتمع ككل، كانت الثورات الشعبية وحركات الخروج على الحكام الجائرين قليلة نسبيا في التاريخ الإسلامي إذا ما قيست بما كان عليه الحال في المجتمعات الأوروبية خلال ما يسمى بعصر النهضة.

الحركة الإصلاحية والديمقراطية في العالم الإسلامي

مع تصاعد القوة الغربية الاستعمارية وهبوط القوة العثمانية في القرن التاسع عشر، بدأ العلماء والمفكرون المسلمون يدركون الهوة الفاصلة بين مجتمعاتهم وبين القوى الغربية المتنافسة على استعمار البلاد الإسلامية، وكان عجز الدولة العثمانية عن صدّ الاستعمار والدفاع عن بلاد المسلمين، التي بدأت تتساقط تحت براثن القوى الغربية الغازية، من أهم العوامل التي نبهت المسلمين على هذه الفجوة الخطيرة. لذلك فقد بدأ العلماء بالتفكير والتنظير في مسألة أسباب هذه الفجوة، وحول كيفية ردمها وتجاوز الواقع المتردي الذي وصلت الأمة إليه. هذا الجهد الفكري أدى إلى ظهور ما يسمى بالتيار الإصلاحي في العالم الإسلامي، والذي دعا إلى التحديث التقني، والإصلاح السياسي، والعودة إلى فتح باب الاجتهاد، الذي كان قد ضاق وتراجع منذ هبوط الخلافة العباسية، كسبيل أمثل لنهضة الأمة ووحدة المسلمين.

لقد شخص علماء وقادة التيار الإصلاحي، وعلى رأسهم السيد جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده، أسباب تراجع المسلمين وضعفهم في ثلاث نقاط أساسية:

(1) البعد عن الدين وعدم فهم المسلمين لدينهم بشكل صحيح؛
(2) الاستبداد السياسي وغياب الشورى؛
(3) وتمزق جسد الأمة المسلمة الواحدة إلى دويلات وممالك وإمارات متعددة.

لذلك فقد دعوا إلى :

(1) العودة إلى أصول الإسلام وفتح باب الاجتهاد لتفسير أحكام الشريعة على ضوء التغيرات التي حدثت بسبب عوامل اختلاف الزمان والمكان (على قاعدة تتغير الأحكام الاجتهادية بتغير الزمان والمكان)؛

(2) الإصلاح السياسي، وفق مبدأ الشورى وإعادة دور أهل الحل والعقد على ما كان عليه في صدر الإسلام؛

(3) وتوحيد بلاد المسلمين لتتمكن من التصدي لأطماع المستعمرين الغربيين.

وفي سياق بلورة وتوضيح برنامجهم السياسي والإصلاحي، قام هؤلاء الدعاة بمحاولة التوفيق بين بعض الأفكار والمبادئ السياسية الغربية وبين ما يقابلها عند المسلمين من مبادئ كانت قد عطلت منذ مئات السنين. وحرص هؤلاء الرواد الإصلاحيون على الابتعاد عن القيم الغربية التي لا تتلاءم مع الإسلام، مركزين على الجوانب الإجرائية التي رأوا أنها ساهمت في نهضة المجتمعات الغربية وتقوية جبهاتها الداخلية، وخاصة فيما يتعلق من إجراءات دستورية تساعد على تحقيق مبدأ الشورى، وتقييد سلطة الحاكم، وتفعيل دور أهل الحل والعقد من قادة وزعماء وعلماء المسلمين.

إن قوة تأثير التيار الإصلاحي على المسلمين وفكرهم السياسي أثبتت أنها شاملة وممتدة عبر الزمان والمكان، فسرعان ما انتشر الفكر الإصلاحي عبر الدول والمجتمعات الإسلامية ليصبح مصدر إلهام وتحفيز للحركات الإسلامية التي انتشرت في العالم الإسلامي من أقصى شرقه في إندونيسيا إلى أقصى غربه في دول المغرب العربي، وما كاد ينصرم القرن العشرون حتى أصبحت هذه الحركات الإسلامية تلعب دورا فكريا واجتماعيا وسياسيا هاما وأساسيا في حياة المسلمين على كافة الميادين والمستويات.

يتبع >
  #50  
قديم 16-04-2007, 01:46 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

تجربة الحركة الإسلامية مع الدولة الوطنية المعاصرة

بالرغم أن معظم العلماء والمفكرين المسلمين كانوا يؤيدون إعادة بناء الخلافة الإسلامية، وذلك بعد إلغاء منصب الخلافة في تركيا على يد أتاتورك في عام 1924، إلا أن الغالبية منهم لم ترفض، على الأقل بشكل قطعي ومطلق، شرعية الدول الوطنية التي نشأت على أنقاض الدولة العثمانية وتحت هيمنة المستعمرين، بل إن الكثيرين من العلماء والدعاة ساهموا في بناء المؤسسات السياسية والدستورية، كما شاركوا في حركات التحرر الوطني، مطالبين باستقلال بلادهم وإقامة حكومات تحكم وفق الشريعة الإسلامية تمهيدا لتوحيد بلاد المسلمين وقيام دولة الخلافة. وقد كانت حركة الإخوان المسلمين التي أسسها الإمام الشهيد حسن البنا (رحمه الله) في طليعة الحركات التي لعبت دورا هاما في دفع حركات التحرر من الاستعمار، كما أنها اليوم أصبحت تقود عملية الإصلاح والنهوض في كثير من الدول الإسلامية، إضافة إلى المساهمات الهامة التي قدمتها ومازالت تقدمها على كافة المستويات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وقد كان الإمام حسن البنا من أوائل الذين تلقوا الدساتير التي تبنت الحكم النيابي في الدول الإسلامية الحديثة بالقبول مؤكدا أنه ليس هناك "في قواعد هذا النظام النيابي ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم".

ومع سقوط السلطات السياسية في أيدي الأنظمة الشمولية والعسكرية ذات التوجهات القومية والعلمانية بعد الاستقلال في الكثير من دول العالم الإسلامي؛ مع العلم أن العديد من هذه الأنظمة استلهمت النماذج الثورية الشيوعية والفاشستية والنازية، قام عدد من المفكرين الإسلاميين برفض شرعية هذه الأنظمة، وخاصة بالنسبة لتلك الأنظمة التي اتخذت موقفا عدائياً واستئصالياً من التيارات الإسلامية. فقام عدد من المفكرين بتقديم نظريات إسلامية شاملة حول أسس وقواعد وأهداف ومهام الدولة الإسلامية. وقد كانت هذه النظريات تحاكي في كثير من جوانبها الدولة الشمولية الحديثة من حيث نظرتها إلى سلطة الدولة على أنها يجب أن تهيمن على جميع مناحي الحياة وتوجهها. من الأمثلة على ذلك ما جاء في دستور الدولة الإسلامية الذي قدم فيه الشيخ تقي الدين النبهاني (رحمه الله)، مؤسس حزب التحرير، تفاصيل دقيقة تخص، على سبيل المثال، اللغة الرسمية والنظام الإداري والتعليمي والاجتماعي والاقتصادي، مؤكدا أن هذه التفاصيل ثابتة في الإسلام بشكل قطعي، بالرغم من أنه لم يقدم الأدلة الصريحة حول معظم تلك التفصيلات.

ومن ذلك أيضا النهج الذي انعطف إليه المفكر الإخواني الشهيد سيد قطب، رحمه الله، في السنوات الأخيرة من المحنة التي تعرض لها مع بقية إخوانه من الإخوان المسلمين تحت بطش الأجهزة القمعية للنظام الحاكم في مصر إبان عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وخاصة فيما يتعلق بفكرة الجاهلية التي رأى فيها الكثير من العلماء، بمن فيهم بعض العلماء والمفكرين الإخوانيين، توسعا مبالغا فيه. وقد انتقد الشيخ العلامة يوسف القرضاوي، مؤخرا، ما أسماه بـ"ركون" سيد قطب "إلى فكرة التكفير والتوسع فيه"، بالرغم مما يكنه له من احترام وتقدير كبيرين.

على الرغم من أن الإعلام العالمي والمحلي الرسمي في أغلب الدول العربية والإسلامية، مازال يصور الحركات الإسلامية على أنها جامدة ومتشددة، فإن الحركات الإسلامية اليوم متعددة ومتنوعة وتتبنى مواقف مختلفة بحسب اختلاف الأنظمة القائمة وسياساتها. بل إن غالبية هذه الحركات السائدة اليوم، وعلى رأسها حركة الإخوان المسلمين، تستنكر وبشدة النهج التكفيري، وترفض وسائل العنف السياسي، وتتبنى النهج السلمي الديمقراطي كوسيلة لتحقيق أهدافها. وهي، على عكس ما تحاول الأنظمة الاستبدادية وحلفائها من الأنظمة الغربية تصويره في وسائل إعلامها المتحيز، لا تتبنى تصورا شموليا حول الدولة الإسلامية، بل تفرق بين شمولية الإسلام، بمنظومته العقدية والأخلاقية وبمنهجه الحياتي، وبين محدودية سلطة الدولة، كوحدة سياسية تعددية لا ينبغي أن تتجاوز الحقوق والحريات الفردية أو تمس بمعتقدات المجموعات الدينية والثقافية والإثنية.

ومع أن معظم التيارات السياسية الإسلامية واضحة في تبنيها النهج الديمقراطي السلمي، إلا أن الكثير من المتشككين مازالوا يطرحون تساؤلات كثيرة حول مصداقيتها في تبني العمل السلمي الديمقراطي، بشكل مبدئي وليس تكتيكي، حسب تعبيرهم، ويلقون باللائمة حول غياب الديمقراطيات في الدول الإسلامية على وجود تيارات إسلامية متشددة. بل إن الكثير من هؤلاء الذين يدعون الموضوعية لا يتورع عن محاكمة النوايا والتنجيم فيما يمكن أن يتمخض من مواقف واتجاهات مستقبلية. فإلى أي حد تؤيد التجربة العملية والواقع التاريخي هذه المزاعم والادعاءات والتوقعات؟

لا يحتاج المراقب المحايد إلى الكثير من الدراسات والأبحاث لكي يكتشف من هم الذي صادروا فعلياً وعرقلوا ممارسة ومنهجياً الإجراءات الديمقراطية في معظم الدول الإسلامية، فتاريخ النظم الاستبدادية والدكتاتوريات المعاصرة لا يدع مجالا للشك في أن الغالبية الساحقة من هذه الأنظمة الشمولية والسلطوية ذات خلفية قومية علمانية، بل بعضها متطرفة في علمانيتها، وأن هذه الأنظمة قامت واستمرت، في معظم الأحيان، على الدعم الغربي لها. ومن ناحية أخرى، فإن جميع التجارب الديمقراطية في الدول الإسلامية، تشهد بالدور الإيجابي وبالمساهمات الفاعلة للحركات الإسلامية في الحياة السياسية الديمقراطية. فمنذ سنوات الاستقلال المبكرة في سوريا وفي إندونيسيا، حيث شهدت كلتا الدولتين ازدهارا ديمقراطيا في الخمسينيات على سبيل المثال، كانت للحركات الإسلامية مشاركات إيجابية في تطور العمل السياسي السلمي، بل إن الديمقراطية في كلا النموذجين المذكورين قد صودرت آنذاك على أيدي التيارات العلمانية القومية، حيث كانت الحركة الإسلامية من أشد المدافعين عن الديمقراطية، ومن أشرس المعارضين للدكتاتوريات الفردية. بل إن نجاح التحول الديمقراطي الذي تشهده إندونيسيا منذ عام 1998 ما كان له أن يرى النور، على رأي معظم المحللين، لولا مساهمات الحركة الإسلامية الطلابية، التي كانت تنشط في الجامعات منذ الثمانينيات وفق نظام الأسر والحلقات المتأثر بفكر وأسلوب حركة الإخوان المسلمين. لقد قادت هذه الحركة المظاهرات الطلابية التي احتلت البرلمان وتمكنت من الضغط على الرئيس سوهارتو حتى قدم استقالته. وقد قام أقطاب هذه الحركة بتأسيس الأحزاب السياسية التي مازال تشارك مشاركة فعالة في الانتخابات البرلمانية. ويرى محللون آخرون أن تخلي الولايات المتحدة عن دعم نظام سوهارتو بعد تغير ظروف الحرب الباردة كان من أهم العوامل التي ساعدت على سقوط سوهارتو وإقلاع عملية التحول الديمقراطي.

من ناحية ثانية، يرى بعض المحللين السياسيين أن مساهمة الحركة الإسلامية الإيجابية في التحول الديمقراطي في إندونيسيا جاءت بسبب بروز تيار أو جيل جديد من المفكرين والمثقفين المسلمين في العقود الأخيرة، يؤكد على التعددية السياسية، ويغلِّب المضمون على الشكل والمقاصد على الظاهر في فهمه للإسلام، وبشكل خاص فيما يتعلق بعلاقة الإسلام بالسياسة والحكم، حيث ظهر تأثير هؤلاء المفكرين واضحا في الخطاب السياسي والبرامج السياسية للأحزاب الإسلامية التي نشأت في إندونيسيا بعد سقوط النظام الشمولي. إن أهم ما يميز هذا التوجه التعددي ضمن التيار الإسلامي في إندونيسيا، حسب ما يؤكد معظم الباحثين والمحللين السياسيين، هو أنه تراجع عن المطلب الدستوري للحركة الإسلامية الإندونيسية الذي طالما تمسكت به تاريخيا بشأن إعادة الفقرة المتعلقة بفرض الشريعة الإسلامية على جميع المسلمين إلى الدستور، وهي ما تعرف بوثيقة جاكرتا التي ألغاها القوميون العلمانيون في عام 1945 بعد أن كان قد تم الاتفاق عليها. يؤكد بعض المحللين السياسيين أن الاختلاف الحاد حول هذا المطلب كان المعيق الأساسي أمام الديمقراطية كما أنه كان المبرر المباشر الذي صودرت على أساسه الإجراءات الديمقراطية في إندونيسيا منذ أواخر الخمسينيات من القرن الماضي. لذلك يرى الكثيرون أن قبول الإسلاميين بدستور تعددي يشمل جميع مكونات المجتمع الإندونيسي والسعي لتقنين القوانين المتوافقة مع مبادئ وقيم الإسلام من خلال البرلمان المنتخب، بدل من فرضه دستوريا، مهّد لقيام الحد الأدنى من الوحدة الوطنية مما ساعد على المضي قدما بالإجراءات الديمقراطية.

بناءا على هذا التحليل فإن غياب تيار إسلامي متسامح تعددي في الدول العربية هو العنصر الأساسي الذي يعيق قيام وحدة وطنية بين التيارات السياسية المتنافسة، مما يعرقل إجراءات التحولات الديمقراطية في هذه البلاد. فهل صحيح أن جميع التيارات الإسلامية في الدول العربية ترفض التعددية وتصر على قيام دولة إسلامية شمولية؟

لا شك أنه لا يمكن إنكار وجود بعض الميول الشمولية المتشددة ضمن التيار الإسلامي، إلا أن التيارات السائدة في معظم الدول العربية لا ينطبق عليها هذا التعميم الذي لا يخلو من التبسيط المخل والنظرة القاصرة التي لا تدرك تعقيدات الظروف السياسية التي مهدت أساسا لظهور التشدد عند بعض التيارات الإسلامية. إن إلقاء اللائمة على الإسلاميين فيما يخص غياب الديمقراطية ووصمهم جميعا بالتشدد والشمولية، يساهم في تشجيع وازدياد التشدد، كما يقدم المبررات لممارسات الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية التي صادرت فعليا الديمقراطية وأقصت، بل في بعض الأحيان استأصلت، جميع التيارات السياسية المعارضة، سواء منها الإسلامية أو غيرها.

إن الميول والتوجهات التعددية ليست، ولم تكن في يوم من الأيام، غائبة عن الساحة الإسلامية في العالم العربي. وربما لا نبالغ لو قلنا أن الذي غاب عن الساحة السياسية في العالم العربي هو التحليل الموضوعي، والنظرة الحيادية، والقراءة المتأنية للواقع الجائر وظروفه السياسية الاستثنائية، التي عانت ومازالت تعاني منها الحركة الإسلامية بشكل خاص، في كثير من الدول العربية. فعندما تتقدم حركة إسلامية ببرنامج سياسي معتدل، كالمشروع السياسي الذي طرحته جماعة الإخوان المسلمين في سوريا أواخر عام 2004، على سبيل المثال، حيث تدعو فيه بشكل واضح وصريح إلى قيام دولة مدنية تعددية وديمقراطية تضمن الحريات وتحقق المساواة لجميع المواطنين والشرائح في المجتمع السوري، في حين أنها تواجه في الوقت ذاته نظاما قمعيا يقابلها بسياسات الإقصاء والاستئصال، نقول عندما تتقدم هذه الحركة ببرنامج تعددي ضمن هذا الواقع الصعب، لا يمكن لأي مراقب محايد أن يحملها مسؤولية هذا الوضع الشاذ الذي يرزح تحته المجتمع السوري. فالمعادلة الصحيحة التي يجب الاعتراف بها هي أن المواجهة العنيفة بين التيار الإسلامي وبين الاستبداد في سوريا لم تكن نابعة من أفكار ومفاهيم وبرامج إسلامية متشددة، كما يتوهم البعض، بل كانت نتيجة طبيعية لسياسات القمع والبطش والاستئصال الوحشي الذي مارسه النظام في حق الحركة الإسلامية، مع العلم أن هذا القمع قد طال أيضا، وإن كان لدرجة أقل نسبيا، جميع التيارات السياسية المعارضة، بل حتى المفكرين والمثقفين المستقلين والمواطنين الأحرار لم يسلموا من جبروت هذا الطغيان الجائر.

سواء كان هذا التوجه المنفتح والتعددي جديدا على الحركة الإسلامية، أو كان أصيلا ولكن دفعت الحركة بعيدا عنه في ظروف استثنائية قاسية، فإنه يستحق اليوم أن يؤخذ بعين الاعتبار، ويتطلب دراسة موضوعية متأنية، فهو على أقل تقدير يشكل خطوة هامة وجديرة تمهد لبناء ديمقراطية إسلامية راشدة، تحقق العدل والمساواة والتسامح وسيادة القانون، وتضمن الحريات الفردية والسياسية وحقوق المجموعات الدينية والعرقية، كما تفتح الباب أمام الجميع للمشاركة السياسية الإيجابية. إن هذا التوجه التعددي الذي تبنته جماعة الإخوان المسلمين في سوريا في مشروعها السياسي، والذي أصلت له هذه الورقة عبر البحث في المصادر الإسلامية والتاريخية، يبرهن بوضوح على أن مسألة تأسيس ديمقراطية إسلامية معاصرة هي إمكانية ماثلة أمامنا، بل إنها أمل واعد في المستقبل القريب إنشاء الله.


المصدر :
مركز الشرق العربي للدراسات الاستراتيجية والحضارية

[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 06-05-2007 الساعة 03:34 AM
موضوع مغلق

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
إحصاءات وإستطلاعات سياسية castle منتدى العلوم والتكنولوجيا 36 04-08-2009 08:08 PM
مقالات وآراء وحوارات سياسية castle منتدى العلوم والتكنولوجيا 128 24-05-2009 01:14 PM
بيئة تعليمية صحية خالد سيف الدين عاشور منتدى العلوم والتكنولوجيا 5 16-02-2009 05:49 PM
بحوث ودراسات الوفية منتدى العلوم والتكنولوجيا 1 03-08-2003 01:49 PM
تعريفات سياسية ...! ميرفت منتدى العلوم والتكنولوجيا 43 12-09-2002 06:23 PM


الساعة الآن 09:12 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com