عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 26-06-2008, 12:39 AM
محمــد جـاد الزغبي محمــد جـاد الزغبي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 632
افتراضي ما أغرب هذا العالم " مذكرات مجنون عاقل "





ما أغرب هذا العالم
من مذكرات مجنون عاقل
!!

" 1 "

ما هو الجنون ..؟!
هل هو ما أصابني .. أم تراه هو الذي أصاب العالم من حولي ..
ما هو الجنون .. هل هو حالة .. أم عقيدة ثابتة ..
لا توجد أشياء ثابتة فى طبائع البشر وأحوالهم .. كلها نسبية .. ما دامت بعيدا عن العقائد
هكذا يقول المفكرون ..
فإذا كان الجنون حالة .. فما هو وصفها .. وكيف تكون .. وكيف يمكن الحكم بورودها ..
الجنون هو مفارقة طباع الجماعة من حولك .. بغض النظر عن وصف تلك الطباع ..
وان كنا درجنا على أن طباع المجتمع تطابق المنطق والعقل ..
ففي عالمنا اليوم وكما هو واضح للعيان هو عالم اللامنطق .. واللاعقل ..
فإذا كان وصف العالم من حولنا هو اللاعقل .. واللامنطق
فلا شك أننى حين أخالفهم .. فأتخذ من المنطق أسلوبا .. ومن العقل منهجا
أكون قد خرجت بهذا من واقع المجتمع من حولى
فأصبح المجنون الوحيد .. لأنى العاقل الوحيد !!

(2)

تقف ..
وتهتز يمنة ويسرة ..
تتصبب عرقا .. وهى تبذل الجهد الكبير ..
فى تعرية أكبر قدر ممكن من مفاتنها ..
وتتناثر من حولها الجواهر
ويسمونها فنانة ..
بينما أهل الفن الحقيقي ..
كلُ منهم ملقي على قارعه طريق الانتباه
لولا عزة الفن بأعماقهم ..
لسألوا الناس طعاما وكساء !!
أليس جنونا ؟!

(3).

ينفعل .. من كثرة المعجبين من حوله ..
يزفر بعصبية .. يستدعى حراسه .. ويصرخ بمساعديه
ويلتفت إلى المخدع المنصوب فى منتصف قاعه تحفل بالناس
وفوق المخدع فاتنة بملابس النوم .. تنتظر الأستاذ !!
والعيون تتابعه فى لهفة وترقب .. بإعجاب وإكبار ..
يستدير إليهم صارخا ..
" بره .. مش عارف أركز فى الدور "
دور !!
أى دور لهذا البائس ..
فلما سألنا .. قالوا انه الممثل الكبير بطل الفيلم
ممثل ؟!
هل مثل بلاده فى حرب أو سلم .. ؟!!
هل ضرب المثل فى الفداء والتضحية والبطولة .. ؟!
فأجابوا .. لا ..
لكنه يعيد تمثيل أبطال الماضي ..
فأعاد الالتفات إلى الفتاة المتوسدة على المخدع وسط القاعه
وسأل .. من من أبطال الماضي .. ؟!
قالوا ممثل كبير آخر العملاق عمر
فقال متسائلا .. عمر المختار ؟
فقالوا باستنكار .. من عمر المختار ؟ ..
ثم أردفوا بفخر واعتزاز .. عمر الشريف
فتضاعفت مساحه الدهشة بأعماقه وهو يردد كالمعتوه
" شريف ؟!! " والتفت للفتاة مرة ثالثه
وخرج يستطرد
" ممثل يمثل ممثلا آخر ويروى قصة كفاحه على أسرة البغايا ..
ويسمون الاثنين أبطالا ونجوما .. وشرفاء أيضا .. "
لا شك أنه ليس مفهوم الشرف الذى تعرفه كـُتبه
فقد غاب عنه أن يقرأ المقولة المأثورة
" أحلى من الشرف مفيش !!"
أليس جنونا ؟

(4)

مئات الألوف ..
حانقة غاضبة صارخة
مترقبة ..
ومن ورائهم ملايين يشاركونهم الشعور ..
فاستيقظ فزعا
على صيحة جبارة ..
" الله أكبر الله أكبر النصر لمصر "
فألقي نظرة سريعة على إعلان التقويم بحثا عن تاريخ اليوم ..
لكنه لم يجد مؤشره يشير إلى يوم السادس من أكتوبر
فردد فى اضطراب .. ما الأمر .. لقد نمت أمس ولم تكن هناك قوات أجنبية على حدودنا
وهرع من فوره إلى مصدر الصيحات
وتساءل إلى المحتشدين فى حماس " هل أرسلت مصر قوات إلى لبنان لدعمها ؟ "
فدفعه أحدهم بازدراء وهو يقول " اخرس .. دعنا نتابع فى هدوء "
فاستدار فى دهشة ليتأمل ما يتابعه الناس ويتصايحون له
فوجد شاشة تلفاز ضخمة وقد اكتست صورتها بالعلم المصري والناس تتصايح فى جنون
" نحن ملوك إفريقيا "
طار عقله عندما عرف السبب
كانت مصر قد فازت بكأس الأمم الإفريقية

" 5 "

مدد ساقيه على المقعد الوثير إلى جوار خطيبته .. وهو يبتسم فى سعادة ..
فالتفت إليه والدها متسائلا ..
" ها .. يبدو أنك حققت شيئا ما .. أسعدنا ؟ "
فاعتدل وهو ينوى الإجابة فإذا بخطيبته تلكزه بيدها وهى تسارع للابتسام فى وجه والدها وتقول له
" نعم نعم بالتأكيد .. لقد حصل على مكافأة لجهده فى العمل "
فلما هم بالكلام لينكر ما قالته .. مالت عليه وهى تهمس فى رجاء " أرجوك .. اصمت الآن "
فصمت على مضض .. وهو يتساءل عن نوبة الجنون التى استبدت بخطيبته لتكذب على والدها ودون أدنى داع لهذا .. وفرك كفيه فى عصبية وهو يعجب لهذا السبب الأحمق الذي اختلقته لسعادته ولم تمنحه الفرصة للفخر بالسبب أمام والدها ..
وما إن حانت الفرصة .. حتى التفت إليها متسائلا بعصبية
" لماذا تكذبين .. وما هذا الخبر الأحمق الذي قلته لوالدك "
فالتفتت إليه بهدوء .. وهى تقول بلهجة ذات مغزى .. " أدركتك قبل أن تفضحنا "
فعبر عن دهشته وهم بالحديث .. فأشارت إليه مكملة ..
" أراهنك أن سبب سعادتك هو حصولك على كتاب جديد كنت تنتظره .."
فقال
" نعم .. ولو أنى لست أعرف كيف عرفت هذا .. إلا أن ما يحيرني هو سبب اختلاقك لمبرر آخر وأنت على علم بالسبب الحقيقي .. "
فهزت رأسها بأسي .. ثم زفرت قائلة له ..
" ما رأيك لو عقدنا اتفاقا .. تمتنع تماما عن حديث الثقافة إلا معى وحدى .. "
فقال فى دهشة ..
" أنت لم تجيبي سؤالى بعد .. ولا أفهم مبرر طلبك الغريب هذا "
فقالت فى شيئ من العصبية والرجاء ..
" إن كنت تريد حقا لخطبتنا أن تتحول لزواج فى القريب إن شاء الله فأستحلفك بالله أن تصمت عن حديث الكتب والمكتبات .. وبعد الزواج املأ الأرض بما تريد ؟
فتراجع برأسه إلى الوراء صامتا والدهشة تكبر بأعماقه والتساؤل يزيد
هل أصيبت خطيبته بالجنون أيضا ؟!
أليس جنونا ؟!!

" 6 "

قلب الموظف الادارى باتحاد الكتاب عدة ورقات أمامه .ز ثم التفت الى الشاب النحيف الواقف أمامه وهو يتساءل
" اسمك إيه يا أستاذ ؟ "
فأجابه الشاب .. فتوقف الموظف لحظة .. ثم طلب إليه أن يعيد ذكر الاسم مرة أخرى ..
فلما سمعه ثانية ..
فرد قامته أمام الشاب متسائلا
" أليس طلبك للانتساب للاتحاد هو الذى وقع عليه خمسة من كبار مفكرينا وأدبائنا للتزكية .. ومنهم رئيس الاتحاد نفسه ؟!"
فهز الشاب رأسه موافقا ..
فقال له الموظف بشيئ من العصبية ..
" آسف يا أستاذ .. طلبك تم رفضه من اللجنة المختصة .. "
فردد الشاب فى حيرة مستنكرة ..
" لجنة .. أية لجنة يا رجل .. إذا كان رئيس الاتحاد وثلاثة من أعضائها وقعوا بالتزكية ؟!!"
فزادت عصبية الموظف وهو يتمتم ..
" هذا ليس من شأنى .. طلبك رفضته جهة الأمن "
فصمت الشاب صمتا طويلا .. وهو يكاد يضحك ..
وبعد لحظات هتف به الموظف " أية خدمات أخرى يا أستاذ ؟"
فابتسم الشاب بسخرية مريرة .. وقال
" نعم .. سؤال بعد إذنك "
فقال الموظف تفضل ..
فقال الشاب " ترى هل أنا الآن داخل اتحاد الكتاب أم اتحاد الشرطة الرياضي .. ؟!"
ودون انتظار للإجابة .. خرج الشاب لا يلوى على شيئ
وكل خلية بأعماقه تهتف وتصرخ " أليس جنونا "

" 7 "

وقف يلعن تلك الأصوات المنكرة ..
التى تتعالى بدعوى الغناء والطرب ..
وبعد لحظات .. فوجئ بصوت يرتفع بالغناء ويقول
" مكر مفر مدبر مقبل .. معا .."
فأوقف سائق سيارة الأجرة فى قلب الطريق وأصر عغلى النزول بحركة حادة .. كى يدرك هذا الفذ
هذا الذى يغنى لامرؤ القيس
وما إن وصل إلى مكان الحفل وطالع المطرب .. وكان لا يزال يردد المقطع الأول من البيت الشهير
وقبل أن تخرج من فمه صيحة تشجيع ..
فوجئ بالمغنى يميل بجذعه للخلف ليلتقط زجاجة تحوى سائلا أصفر اللون
ويقطع الغناء ملقيا محتوى الزجاجة فى جوفه ليعود فيردد بصوت أجش
" كجلمود صخر حطه السيل من علٍ .. يا على .. يا على .. يا على .."
ومن خلفه فرقته والقاعة بأكملها .. تردد بلا توقف " يا على .. يا على ..!!"
ومرت ساعة وهو لا يكاد يستوعب ما يحدث أمامه
أليس جنونا ؟!

" 8 "

أنت الكبير ..
فهز رأسه شاكرا للقائل ..
فالتفت اليه آخر هاتفا .. " أنت العملاق الذى أعادنا لأنفسنا "
فزاد من هز رأسه شكرا وتقديرا ..
التف حوله ثالثا ورابع وعاشر
شهد الجميع أنه الموهوب بالفطرة .. المفكر بطبيعته
تسابقوا فى الإشادة .. وكل منهم يتمناه فى بلده
فرفض شاكرا ..
لاموه على أنهم يتمنون وجوده وقلمه وكتاباته فلا يصادفوه إلا قليلا
فاعتذر آسفا دون تبرير
فانصرف الناس .. وكل منهم بأعماقه خاطر مختلف
منهم من توقعه وزيرا ببلده .. فكيف يترك الوزاره ويهاجر
ومنهم من تصور وقته يقدر بالذهب .. فعذره معه إن لم يأت إليهم
ومنهم من تصور أن ما يكتبه رهن احتكار دور النشر الكبري
ولهذا فهو مقل عليهم
أما هو ..
فقد احتفظ بابتسامته حتى ذهب عنه جمهوره ..
وجد الخطى فى الطريق إلى منزله النائي واضعا يده فى جيب معطفه ..
غارق فى أفكاره .. حتى أوقفه رنين هاتفه المحمول .. فإذا به صديقه بائع الكتب
يبشره أنه عثر على كتاب الأغاني .. فابتسم فرحا وطلب من صديقه الاحتفاظ بالكتاب عنده حتى يتدبر ثمنه .. فوعده صديقه ..
أعاد هاتفه إلى جيبه واضعا هاتفه فيه .. ثم أمسك بمحتوى حافظته
وفرك الجنيهات العشرة فى قلبها وهو يردد بسخرية
" يالغرابة هذا العالم .."
وارتفعت أمامه كف معروقة .. فتوقف ونظر إلى صاحبها ..
شخص رث الثياب متغضن الوجه .. وان كانت عيناه تتألقان على نحو غريب
ومرت لحظة .. فإذا بالكف تنزل على كتفه وتربت عليه بحنان ..
ثم تحدث صاحب الكف بصوت عميق مخاطبا إياه
" لا تبتئس يا ولدى ... لا يـُعرف المرء بعصره "
فسأله فى تخوف وفضول .. " من أنت أيها الشيخ ؟!!
فانطلق صاحب الكف يضحك
ويضحك ..
ويضحك ..
لا شك أنه الجنون


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 26-06-2008, 01:44 AM
خالد الفردي خالد الفردي غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
الدولة: مصر مطروح
المشاركات: 9,244
افتراضي

الله الله الله الله


لله درك يا بن الزغبي


لا يسعني اليوم إلا أن أقول هذه الكلمات

من شدة الأعجاب بهذا الحرف وصاحبه

لا عدمناك ولا عدمنا حرفك الراقي المميز


أيها الراقي المميز
(محمد جاد الزغبي)

تقديري ومودتي

خالد الفردي
__________________
إنا لله وإنا إليه راجعون
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26-06-2008, 03:05 AM
عبير جلال الدين عبير جلال الدين غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jun 2008
المشاركات: 370
افتراضي

اقتباس:
ومن خلفه فرقته والقاعة بأكملها .. تردد بلا توقف " يا على .. يا على ..!!"
ومرت ساعة وهو لا يكاد يستوعب ما يحدث أمامه
أليس جنونا ؟!
جنون من بحق !!

أهو جنون عاقلنا ؟؟

أم جنون زمن ، استخف فيه الجهلاء بتراث أدبي

أجزم أنه لايدرك حرف واحد منه

نتابع معك في ترقب إلي أين يذهب بنا المجنون العاقل

مرحبًا بكَ دومًا بعذب الكلام

،،
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 26-06-2008, 03:11 PM
محمــد جـاد الزغبي محمــد جـاد الزغبي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 632
افتراضي

أهلا بك شقيقي الحبيب خالد الفردى
اقتباس:
الله الله الله الله


لله درك يا بن الزغبي


لا يسعني اليوم إلا أن أقول هذه الكلمات

من شدة الأعجاب بهذا الحرف وصاحبه

لا عدمناك ولا عدمنا حرفك الراقي المميز
بارك الله فيك
وكعادتك والله تعبر بكلمات تقدير لا مزيد عليها
شكرا جزيلا
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 26-06-2008, 03:17 PM
محمــد جـاد الزغبي محمــد جـاد الزغبي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 632
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبير جلال الدين


جنون من بحق !!

أهو جنون عاقلنا ؟؟

أم جنون زمن ، استخف فيه الجهلاء بتراث أدبي

أجزم أنه لايدرك حرف واحد منه

نتابع معك في ترقب إلي أين يذهب بنا المجنون العاقل

مرحبًا بكَ دومًا بعذب الكلام

،،
أهلا بك يا عبير
وقد أصبت
وشكرا لمتابعتك الكريمة
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 30-06-2008, 11:07 AM
محب الحوار محب الحوار غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2008
الدولة: في حضن عروس البحر ..!
المشاركات: 556
افتراضي


الأستاذ الفاضل محمد الزغبي :

بلى إنه الجنون بعينه و(مناخيره)!

دع مجنونك يهذي ليهدي ، أتمنى أن لا يفيق فيجن ! سأظل متابعه حتى آخر لحظة جنون !

اختلط علينا في هذا الزمن مسألة العقل والجنون !


اسمح لي أن أهذي وأسأل :

أليس جنونا أن ترى شعبا بأكمله يحاصر ويجوع ، ثم يقف جيرانه وإخوانه يتفرجون على مأساته صامتين ذليلين ، بدعوى العقل وضبط النفس ؟!

أليس جنونا أن توقع اتفاقيات طويلة الأمد تحكم مصير شعوب ، وتستنزف خيراتهم بدعوى التعاون الاقتصادي والتعاون الأمني ؟!

أليس جنونا أن أتكلم في السياسة في زمن أضحت فيه السياسة خساسة ؟ !

بلى إنه لهو الجنون بذاته !

سأردد مع الشيخ محمد عبده :

لعن الله ساس يسوس سياسة !
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 30-06-2008, 04:10 PM
محمــد جـاد الزغبي محمــد جـاد الزغبي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 632
افتراضي

اقتباس:
أليس جنونا أن ترى شعبا بأكمله يحاصر ويجوع ، ثم يقف جيرانه وإخوانه يتفرجون على مأساته صامتين ذليلين ، بدعوى العقل وضبط النفس ؟!

أليس جنونا أن توقع اتفاقيات طويلة الأمد تحكم مصير شعوب ، وتستنزف خيراتهم بدعوى التعاون الاقتصادي والتعاون الأمني ؟!

أليس جنونا أن أتكلم في السياسة في زمن أضحت فيه السياسة خساسة ؟ !

بلى إنه لهو الجنون بذاته !

سأردد مع الشيخ محمد عبده :

لعن الله ساس يسوس سياسة !
هذه أشد من المظاهر التى كتبت عنها والله يا محب
تظل هكذا دوما
محبط أيها المتنقي للمواجع
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 30-06-2008, 04:27 PM
محمــد جـاد الزغبي محمــد جـاد الزغبي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 632
افتراضي

(9)

ازدادت نظراته تدقيقا دون أن ينتبه إلى أنها نظرات مفضوحة لكل من حوله ..
فسيارة الأجرة التى يستقلها كانت مكتظة عن آخرها وتلك الفاتنة ذات الملابس المثيرة تتخذ المقعد الذى أمامه مباشرة وتجلس فى تركيز تقرأ فى الكتاب الذى بين يديها ..
وبدون شك لفتت الفتاة نظر الجميع واختلسوا النظر إليها خلسة ..
غير أن نظراته هو كانت مركزة وصريحة وبدا وكأنه لا يبالى بمن حوله على نحو أثار استياء الشيخ الجالس إلى جواره مما دفعه إلى الإشاحة بوجهه والتمتمة بكلمات مبهمة معبرا عن غضبه ومتحسرا على حال الأخلاق فى جيل الشباب ..
وشيئا فشيئا تزايدت انفعالاته ولم تعد تقتصر على النظرات عندما طوت الفتاة كتابها وبدا واضحا أنها تستعد للنزول ..
وامتدت يده فى حركة لا إرادية كما لو كان سيمنعها من النزول مما أثار دهشة الفتاة وتسبب فى زيادة الغضب بين الركاب فهتف به الشيخ " ألا تستحى قليلا أيها الشاب "
فنظر إليه بنظرة جامدة وبدا وكأنه غير متفهم لغضبة الناس من حوله .. وكعادته ترك انفعالات من حوله غير آبه بهم وهو يمد بصره عبر زجاج السيارة متطلعا إلى موضع نزول الفتاة ومتحسرا بصوت مسموع ..
وجال بخاطره خيالا بدا له كالحلم .. ثم تنهد وقال محدثا نفسه " آه .. يا له من كتاب !! ويا له من غريب هذا العالم "

"10"
لم تصدق موظفة العلاقات العامة ما تطالعه من أوراق قدمها إليها ..
ونظرت إلى الشاب الجالس أمامها فى دهشة لم تحاول إخفاءها وهى تسأله فى فضول ..
" كيف استطعت انجاز مشروع النادى الأدبي وتوجهاته وتفاصيله فى خلال تلك الفترة البسيطة .. لقد طلبته منك منذ أسبوع فقط "
فبادلها نظرات الدهشة وهو يتساءل فى أعماقه عن سبب انفعالها ..
وابتسم وهو يتخيل موقفها لو علمت أنه أنجز هذا المشروع خلال ساعة واحدة فقط أمام جهاز الحاسب الخاص به وهو نصف نائم
إلا أنه رد عليها بهدوء شاكرا لها المجاملة .. " انه ليس انجازا أو نشاطا ملفتا .. ربما هى بعض الخبرة فقط .. "
وعدته برفع المذكرة فورا لرئيس الشركة لاعتمادها وبدء النشاط تحت أكبر دعم ممكن .. فقال لها مستوضحا ..
" إذا يمكننى مواصلة اتصالاتي بالصحف وجهات الإعلام لدعم النادى .. ثم أردف فى هدوء .. هل هناك مانع من هذا ؟
فهزت الموظفة رأسها نفيا وقالت مرحبة كلا بالطبع ..
وخلال الأيام التالية كان قد استعاد موفور نشاطه وعلاقاته التى تجمدت منذ عامين .. وكان الحماس يأخذه بعد هذا الانقطاع المرير للعودة بقوة ..
ونسي فى غمرة حماسة كم للإعلام من حساسية لدى أصحاب المناصب ؟!
وكانت المفاجأة آخذة بقلوب رؤسائه وهم يتلقون عشرات الاتصالات والزيارات من نجوم وأساطين الكلمة يبدون فيها حماسهم للنادى ووعدوا بنشر إنتاجه فى صحفهم والوقوف خلف تلك الفكرة ومن نفذها ..
إلا أن الأمر لم يكن ذو وجه حسن تماما بالنسبة للرؤساء الذين تحكمهم لوائح إدارية صارمة .. لم يكن الشاب يعيرها اهتماما فى الواقع .. وعليه تلقي اتصالا من مديره يرجوه فيه التمهل لأنه أصبح فى وضع حرج أمام رئيس الشركة الذى تخوف من عدم استئذان الوزارة فى شأن نشر اسمه ضمن المشرفين على النادى وقال له مديره
" إن كانت الصحف ونشرها اسمك بالنسبة لك أمرا عاديا فهى ليست كذلك هنا .. تمهل أرجوك فالأمر له تداعيات خطيرة "
ولم يستطع عقل الشاب استيعاب هذا المنطق على الإطلاق وجال بخاطره تساؤل لم يفصح عنه بدافع الحرج .. كيف يتخوف رئيس مجلس إدارة مؤسسة كبري كالتى ينتمى إليها من دعمه لنشاط ثقافي ومعه من يقوم على هذا النادى ودعمه إعلاميا دون أن تتكلف المؤسسة قرشا واحدا ..
فقال لمديره .. أنا لا أستطيع أن أستوعب هذا المنطق فى الواقع .. كيف يكون لى وأنا موظف عادى صلاحيات بنشر الاسم أكبر من رئيسي الأعلى .. ثم ما الضرر فى هذا .. إن كنا ننشر عما نفعل ومن خلال متطلبات النشاط نفسه
أجابه المدير فى نفاذ صبر .. يا عزيزى أنت أديب ولك اتصالاتك لا يستطيع أحد معاملتك كموظف عادى أما رئيس المجلس فهو تابع للوزير وهناك إدارة عامة للإعلام بالوزارة يجب أن نخطرها بأى تحرك اعلامى مهما كان بسيطا وإلا غضب الوزير
كتم الشاب ضحكة ساخرة كادت تنفلت من فمه .. وصمت لثوان ثم أجاب مديره إلى ما طلب ووعده بمنع النشر بغير علمهم ..
وأخذ يقلب كفا بكف .. ويتساءل عن حال الموظفين الكبار والوزراء أيضا .. لا يخطو الواحد منهم شيئا بغير إذن أو أمر تحريك ..
وربما كان هذا هو الداء القابع خلف التعبير الشهير المتداول بين المسئولين " بناء على توجيهات فلان .. !!"
وتداعت الأفكار فى رأسه فألقي هاتفه المحمول بعد إنهاء المكالمة على أقرب مقعد واضجع مسترخيا على مقعده وأداره يتأمل مكتبته الضخمة بالمراجع البادية بين جدرانها وحانت على فمه ابتسامة أشد سخرية .. وهو يتذكر كيف أنه وبعناده الشهير توقف عن تلقي الأوامر منذ أن كان فى العاشرة من عمره .. حتى لو كانت صادرة من والده .. فقد نشأ على أن تلقي طلبات لا أوامر وكل فعل يجب أن يضع أمامه مبرره وإلا لما نفذه وان انقلبت السماء والأرض .. وأمسك هاتفه ثانية وطلب والده سعيا للدعابة على هذا الموقف .. وبالفعل تعالت ضحكاته مع أبيه الذى ذكره بقوله المأثور له دوما " يا بنى .. خير لى ألف مرة أن تكون ولدا عنيدا أو حتى عاصيا طالما أن عنادك نابعا من نفسك على أن تكون مطيعا فى كل شيئ بلا نقاش .. وخير لى ألف مرة أن تكون مندفعا بسبب جرأتك .. على أن تكون حريصا فتضع خطة لكل فعل ..
فالعناد والاندفاع .. صفات مرهونة بطيش الشباب ومهما كانت خطورتها فهى لا شك زائلة .. طالما بقيت شخصيتك رهن سيطرتك .. وبقي عقلك هو قائدك .. "
فقال الشاب " نعم .. نعم .. صدقت يا أبي .. وما أغربه من عالم وما أغربهم من قاده "

" 11 "
تطلع إلى رئيسه فى صرامة .. وقال فى بطء .. " ترى هل يمكننى معرفة سبب تصعيد مشكلة انتهى أمرها بيننا والتزمنا سويا بنسيانها "
ففر رئيسه من نظراته وهو يتشاغل بأوراق أمامه ..
ثم قال فى عصبية .. " نعم لقد أنهينا الأمر .. لكننى علمت أنك بصدد زيارة رئيس المؤسسة بمكتبه واعتبرت زيارتك خرقا للاتفاق فأرسلت إليه تلك الأوراق لتأمين موقفي إذا شكوتنى إليه أو حاولت الضغط بنفوذ أقاربك "
ثم أكمل قائلا .. ثم اننى لم أهنك .. ولم أظلمك فيما كتبته فهو مجرد خطاب ادارى ..
فابتسم الشاب فى سخرية .. ومال على مكتب مديره واستند إليه بكلتا كفيه قائلا
" أولا .. أنا لم أذهب للرئيس لأجل شكوى فأنا لا أشكو .. وثانيا لقد اتفقنا وأعطيتك كلمتى وما كنت لأخالفها ..
وثالثا .. وهو الأهم لقد طالعت كل حرف كتبته فى حقي ..
ثم اعتدل قائلا فى لهجة أشد سخرية .. " أظنك تعرف ما كتبت فلا داع للتظاهر بالعكس .."
هم المدير بقول شيئ فعاجله الشاب مكملا " وعامة .. لقد انتهى الأمر .. أنت استخدمت صلاحياتك وهذا حقك .. وخالفت كلمتك وهذا شأنك أما أنا .. "
صمت لحظة ثم أكمل .. " أما أنا فكلمتى لها عندى مكانة لا أخالفها قط .. وثق تماما .. أن مسألة التلميح السخيف بأنى سألجأ لنفوذ أحد فهذا لن يحدث .. وعلى الرغم مما فعلته معى .. إلا أننى أعدك وعدا قاطعا .. أننى لن أستخدم نفوذ أحد .. "
فقال المدير فى ترقب .. أظنك حسبته أمرا شخصيا ثق تماما .......
قاطعه الشاب فى هدوء .. لا عليك سيدى .. لا عليك .. لقد فات الأوان للأسف الشديد وخسرتنى كصديق استماعا لنصائح مستشاريك ..
وقبل أن أمضي أحب أن أقول لك تخلى عنهم كنصيحة مخلصة حتى لا تخسر المزيد فمميزاتى ليست نفوذا كما أوهموك .. واليك منى حكمة أثيرة لدى أحب أن تكون آخر ما بيننا من كلمات قبل رحيلي ..
إن الثعبان .. يظل ساكنا برغم خطورته .. حتى يستثيره أحد بأذى .. عندئذ لا يلوم المعتدى إلا نفسه ..
×××
مضت ثلاثة أشهر تقريبا .. اختفي فيها الشاب فى المقر الذى نقل إليه ولم يعد يظهر لأحد من زملائه قط .. خاصة بعد أن فوجئوا بأمر التحقيق الادارى الصادر ضد مديرهم على نحو مفاجئ .. وبلغت مسامعهم أن التحقيقات أبرزت مخالفات جسيمة وتعسف ادارى لم يكن أيا من موظفي المقر يجرؤ على الجهر بالشكوى منه
واضطربت أعصاب المدير وهو يلاحظ سير التحقيقات وتطرقها إلى أشياء من المستحيل أن تخطر على باله واحتمل بصعوبة تجبر لجنة التفتيش التى هجمت على المقر بشكل مفاجئ وهو يتساءل فى جنون عن مبعث تلك التحقيقات وسرها وكيف عثروا بسرعة بالغه على تلك الاتهامات ودلائلها كما لو أنهم أتوا خصيصا لأجلها
فى نفس التوقيت تقريبا .. كان مقر رئيس المؤسسة تصدر عنه ضحكات ودعابات متوالية ..
ويقترب المشهد شيئا فشيئا .. فإذا به الشاب جالسا فى أريحية يتناول قهوته وهو يروى لرئيسه الأعلى وبعض نوابه رأيه الذى طلبوه منه فى قصة الشيعة والدروز وقضية المهدى المنتظر
وانقطع الحديث بدخول أحد أفراد السكرتارية حاملا معه عدة أوراق ومال على الرئيس قائلا له
" هذه هى أوراق التجاوزات يا سيدى والتى أرسلها رئيس لجنة التفتيش .. "
تأملها الرئيس وقرأ بعضها ثم التفت إلى نائبه قائلا ..
" عجبا .. هل رأيت أسلوب كتابة مذكرات رئيس اللجنة .. انه شديد البلاغة وتحسن كثيرا هذه الأيام .. "
فبادله نائبه الضحك دون أن يلحظ أحد من الموجودين ابتسامة خفيفة للغاية جرت على فم الشاب وهو يرتشف قهوته فى بطء ..
ويرسل دخان سيجارته على مرات متتابعة صانعا لوحة هلامية تخيل الشاب فى قلبها صورة المدير الحائر وهو يتساءل
"من وراء كل هذا .. ؟ " !!!
فتمتم فى كلمات خافته .. " ما أغرب هذا العالم .. "
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 30-06-2008, 06:18 PM
شيماء العراقي شيماء العراقي غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
المشاركات: 1,398
افتراضي

السلام عليك اخي

(الجنون هو مفارقة طباع الجماعة من حولك .. بغض النظر عن وصف تلك الطباع .. )
تحت هذا الوصف للجنون ..قد يجد احدنا نفسه مجنون في كثير من المواقف التي نضطر فيها الى معاكسة عوم الاخرين ..فنعوم عكس التيار الفكري والاجتماعي المعتاد والمألوف في المجتمع
بالفعل قد نسمع وصف ..
أنت مجنون ؟!!
كيف رفضت هذا المنصب ؟.!
وكيف تختارين هذا الفقير الذي ليس له غير كتاب ابيض سند لليوم الاسود ؟!
وكيف وكيف ...!!!
وهكذا يستمر المجانين العقلاء في هذا الزمن محاربين عن افكارهم بكل ما اتاهم جنونهم من فنون فكرية راقية ..
مقالة رائعة سلمت اخي لقد اضفت لنا لمسات من الجنون الفكري الراقي الذي لم نعد نرى مثله في عالم العقلاء هذا !!
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بحوث ودراسات سياسية castle منتدى العلوم السياسية والشؤون الأمنية 131 28-09-2009 03:34 PM
أغرب تمساح في العالم الدريمي منتدى العلوم والتكنولوجيا 12 28-04-2008 11:09 PM
الخداع الشامل : الصلة بين ايران واسرائيل وأمريكا ! مراقب سياسي4 منتدى العلوم والتكنولوجيا 16 11-10-2006 01:01 AM
تغطية شاملة للبطولة الافريقية2002 مصرى منتدى العلوم والتكنولوجيا 114 11-02-2002 01:21 PM
محمد الدعيع لاعب القرن ولد الحمايل منتدى العلوم والتكنولوجيا 7 01-01-2002 09:50 PM


الساعة الآن 03:26 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com