عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 06-03-2010, 11:48 AM
أم بشرى أم بشرى غير متواجد حالياً
مدير عام المنتديات
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: الجزائر
المشاركات: 9,133
افتراضي الحاجة للحوار في إطلاق الأحكام وخصائصه..




بسم الله الرحمن الرحيم


إن حاجتنا لأدب الحوار ليست حاجة نظرية تجريدية، فالأديب المسلم داعية والداعية الناجح يتمسك بأسباب النجاح، ولا يخالفها، ومثلنا الأعلى القرآن الكريم والتطبيق العملي لأدب الحوار في السنة المطهرة.


وأدب الحوار يعني أدب تجاذب الحديث عمومًا، أما معنى [تحاوروا]: تراجعوا الكلام بينهم. والمحاورة: الجواب ومراجعة النطق. وبالتأكيد فإن هناك فروقًا بينة بين الحوار والنقاش والجدل والمراء، وحسبنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم عن المراء: [[لا تماروا في القرآن، فإنه مراء فيه كفر]].

أهمية الحوارللحوار أهمية كبيرة فهو وسيلة للتفاهم بين البشر على أن يكون الحوار حرًا لا حدود تقف في طريقه إلا حدود الشرع.

أما عوائق الحوار فهي كثيرة ومنها: الخوف، الخجل، المجاملة، الثرثرة، الإطناب، اللف والدوران، التقعر، استخدام المصطلحات غير المفهومة مثل الإنجليزية، أو الفرنسية أو غيرها أمام محاور لا يفهم معانيها، رفع الصوت من غير موجب، الصراخ، التعصب، إظهار النفس، وعدم الرغبة في إظهار الحق.

ويقول الإمام الشافعي في هذا: ما حاورت أحدًا إلا وتمنيت أن يكون الحق إلى جانبه.



أنواع الحوار

أ ـ الحوار من حيث الشكل قسمان:

ـ حوار هادئ عقلاني مبدئي.

ـ حوار متشنج يعتمد على الصراخ.

ب ـ من حيث المضمون:


1ـ الحوار المتفتح، وعكسه المتزمت وهو القائم على المهاترة لا الرغبة في الفائدة.

2ـ حوار العلماء وحوار طلاب الشهرة، وفرق كبير بينهما. وينتج من حوار العلماء فوائد عظيمة للناس لأنه يقوم على احترام الذات والآخرين وتقبل الرأي الآخر ما دام لا يمس الثوابت في العقيدة، والإدراك أن للحوار هدفًا يراد تحقيقه بعكس حوار طلاب الشهرة الذين يريدون الانتصار للذات.

جـ ـ الحوار من منظور الأشخاص ومنه:


1ـ الحوار بين العاقل والجاهل فلابد من حلم العاقل ليعلّم الجاهل.

2ـ الحوار بين الشيوخ والشباب، فينبغي مراعاة المراحل العمرية، واختلاف الأعراف، والعلاقة بين خبرة الحياة عند الشيوخ، وجدة علم الشباب.

3ـ الحوار بين المتخصصين وغير المتخصصين.

4ـ الحوار بين الحاكم والمحكوم، وينبغي فيه احترام عقول الآخرين، واحترام قدر الحكام دون التنازل عن الموضوعية وإخلاص النصيحة بين الطرفين.



قواعد الحوارينبغي أن يكون للحوار بين جانبين منطلقات مشتركة ليكون مجديًا، وأهمها:

1ـ الاعتماد على أسس مشتركة للحوار كالتحاكم إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة عند المؤمنين بهما، أو التحاكم إلى قواعد المنطق والقياس عند غيرهم.

2ـ التسليم ببدهيات المعرفة، وبدهيات السلوك، فكيف نتحاور مع من لا يرى في الصدق فضيلة، وفي الكذب رذيلة مثلاً؟!

3ـ اللياقة، واحترام الحوار، وإن لم تحترم خصمك.

4ـ الرغبة في الوصول إلى الصواب والحق؛ لأن التفكير في الوصول إلى الغلبة يلقي بصاحبه في لجاجة الجدل العقيم.



* للمحاور صفات أهمها:1ـ علمه بما يحاور.

2ـ قدرته على التعبير.

3ـ حلمه وسعة صدره.

4ـ سرعة البديهة، واستحضار الشواهد، والذكاء، ويجمعها: [الحكمة]: العلم والفهم والتعبير، ومثال ذلك حكمة نبي الله إبراهيم عليه السلام في حوار النمرود إذ ألزمه الحجة: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة: 258].



آداب الحوارللحوار آداب كثيرة نقف عند أعظمها تأثيرًا وفائدة للمتحاورين أو المستمعين من الجمهور
:

1ـ احترام شخصية المحاور، وتعني ملاطفة المحاور، لنتجنب عداوته أو نخفف من حدتها، وألا نستهين به ابتداءً لأن الاستهانة تضعف الحجة وتثير الخصم. كذلك يجب الانتباه له، وعدم الانصراف عنه أثناء حديثه، وأن نفسح المجال له لإبداء رأيه.

2ـ المرونة في الحوار وعدم التشنج، فينبغي مقابلة الفكرة بفكرة تصححها أو تكملها، وقبول الاختلاف، والصبر على فكرة المحاور حتى لو اعتقدنا خطأها منذ البداية، وهذا يؤدي إلى التواضع وعدم الاستعلاء على الخصم وفكرته.

3ـ حسن الكلام: أ ـ التعبير بلغة بسيطة غير ملتبسة ولا غامضة، ومن أحسن الكلام ما يعبر عن حقيقة ما في قلبك دون ستر للحقيقة وبثوب لفظي لطيف.

ب ـ ومن حسن الكلام الرفق في الكلام: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طـه:44].

جـ ـ التأدب في الخطاب: {... وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا...} [الأنعام: 152]، {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنا} [البقرة: 83].

د ـ طرح اللغو, واللغو فضل الكلام وما لا طائل تحته، فلا يخوض المحاور فيما لا يثري المحاورة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون:3]. وفي الحديث الشريف: [[طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه]]. والابتعاد عما لا يفيد في الحوار يحفظ هيبة المحاور، ويحفظ وقته، وأوقات الآخرين.

هـ ـ ومن حسن الكلام في الحوار توضيح المضمون باستخدام ما يفهم من التعابير دون تقعّر أو تكلف، وفي الحديث الصحيح: [[هلك المتنطعون]] وكذلك: [[إن أبغضكم إليّ وأبعدكم عني مجلسًا الثرثارون والمتفيهقون والمتشدقون]].



4ـ الموضوعية في الحوار، ونعني بها اتباع المنهج العلمي، والحجة الصحيحة، وقبول الرأي الآخر إذا كان مقنعًا، والاعتراف للخصم بالسبق في بعض الجوانب التي لا يسع العاقل إنكارها، والتحاكم إلى المنطق السليم.

5 ـ حسن الصمت والإصغاء في الحوار، والصمت إجراء إيجابي، ومن فوائده:

أ ـ أنه خطوة نحو الكلمة الصائبة لاختيارها.

ب ـ يزيد العلم ويعلم المرء الحلم.

جـ ـ الصمت بريد السلامة: [[رحم الله امرءًا قال خيرًا فغنم أو سكت فسلم]].

أما الإصغاء فهو أدب عظيم، وتقول العرب: رأس الأدب كُله الفهم والتفهم والإصغاء إلى المتكلم.



عوامل هدم جسور الحوارأما العوامل التي تحول دون تواصل الناس ومد جسور الحوار بينهم فهي
:

1ـ التعصب للآراء والمذاهب والأفكار والأشخاص. والتعصب ظاهرة قديمة، موجودة في مختلف المجتمعات البشرية، وفي مختلف مستوياتها، وهي ظاهرة تمثل انحرافًا مرضيًا، حينما لا تكون ذات مضمون أخلاقي، كالانتصار للحق أو لدعاته، والتعصب ينشأ عن اعتقاد باطل بأن المرء يحتكر الحق لنفسه. والمتعصب لا يفكر فيما يتعصب له، بل يقبله كما هو فحسب، لذا فلا يمكن لمتعصب أن يتواصل إلا مع من يردد نفس مقولاته.

2ـ المراء المذموم واللجاجة في الجدل، ومحاولة الانتصار للنفس ولو على ذبح الحقيقة. والجدل خلق مذموم، ينبغي للإنسان أن يبتعد عنه، وإذا اضطر إليه فيجب أن يكون بالتي هي أحسن، {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن} [النحل: 125] ومعنى ذلك أن يتجنب الإنسان الجدال العقيم والفاحش والبذيء، وإذا أراد أن يجادل فلابد أن يجادل بالحسنى، وإذا وجد أن النقاش يقود إلى طريق مسدود، فينبغي أن يتوقف عنه لأنه يصير عند ذلك عبثًا لا خير فيه، فكما قال صلى الله عليه وسلم: [[أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا]] رواه أبو داود بسند حسن. [[فما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل]] رواه الترمذي وصححه.



وترك الجدل يتبعه أمران:أولهما: أن نعترف بأخطائنا إن كنا مخطئين، والاعتراف بالخطأ فضيلة.

ثانيهما: أن نحترم آراء الآخرين.


3ـ التسرع في إصدار الأحكام، إذ إن التسرع في إصدار الأحكام دون روية، مع عدم وضوح الرؤية، يوقع في أغاليط وأخطاء.

ويدفع إلى التسرع عوامل عدة منها:ـ الغرور بالنفس، والاعتداد بسرعة البديهة.

ـ الكسل الذهني وعدم الرغبة في إجهاد الفكر للتعرف على الحق.

ـ الانفعال النفسي، كالغضب والخوف والطمع وطيش الهوى.

ـ الحاجة الملحة ومدافعة الضرورة الطبيعية.



ولقد انتقد القرآن بشدة لاذعة الذين يقفزون عند السماع الأولي للمشكلة إلى إصدار الأحكام وإشاعتها، دون السماع لها بالمرور بمنطقة السماح الداخلي، والتفاعل مع القدرات العقلية وتبادل التحليل والاستنتاج. ويصف القرآن هذا الأسلوب المتسرع بأنه تلقٍّ للمعلومات الأولية باللسان، دون الصبر عليها حتى تمر بالأذن، وتصل إلى منطقة الوعي، {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور:15] ويتهدد القرآن الفاعلين لذلك بالعقوبة الإلهية، لما يترتب على هذا الأسلوب في الحكم من أخطاء، {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور:17].

4ـ التفكير السطحي، الذي لا يغوص في أعماق المشكلات، ولا يدرك أثر العلاقات ببعضها، ولا يستوعب تأثير المتغيرات، بل يتوقف عند الأسباب الظاهرة للمشكلة، التي غالبًا ما تكون أعراضًا للمشكلات وليست جواهرها، والتفكير السطحي هو الذي يغيب العقل، ويهمل العلم، ويغفل العمل، ويجافي سنن الله في الآفاق والأنفس.



ومن سماته أيضًا: إرجاع المشكلات والظواهر إلى عامل واحد، مع إغفال أن تعقيد المشكلات لا يستوعبه سبب واحد، كما أن إرجاع المشكلات إلى سبب واحد يصاحبه قدر من التبسيط يتنافى مع عمق التجارب الإنسانية....


-استجماع وتصرف -
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 07-03-2010, 12:22 PM
صبا صبا غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 913
افتراضي

تحية طيبة لأم بشرى
وسؤال
ما حديث أم بشرى عن المجالس النقدية أو الأدبية حينما تختلف الأفكار والأراء
وتظهر قوة الكلمات التي لا قوام لها ولا يوجد بها من صحة عند الحديث بين هؤلاء الجلساء والأقوام
علما بأن الإنسان بنفسه يشرع لأمر وبعده أحيانا يرجع عنه أو يعدل لاقتناعه بعدم صوابه عند المشاورة المنطقية
ولكن كيف هو الأمر عندما يختلط حابل الكلام بنابله؟؟!!!!
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 07-03-2010, 01:47 PM
أم بشرى أم بشرى غير متواجد حالياً
مدير عام المنتديات
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: الجزائر
المشاركات: 9,133
افتراضي

ممتنة لسؤالك القيم

لي عودة معك...‘ن شاء الله
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 11-03-2010, 12:24 AM
<*papillon*> <*papillon*> غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: May 2002
المشاركات: 4,100
افتراضي

وبعد اطلاي على هذا الموضوع القيم
تبادر الى ذهني سؤال
هل هذا ما يستند اليه المتحاورين في ايامنا هذه؟

بوركت أختي على النص القيم
تقبلي تقديري واحترامي
فراشتك
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 11-03-2010, 12:05 PM
أم بشرى أم بشرى غير متواجد حالياً
مدير عام المنتديات
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: الجزائر
المشاركات: 9,133
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة صبا مشاهدة المشاركة
تحية طيبة لأم بشرى
وسؤال
ما حديث أم بشرى عن المجالس النقدية أو الأدبية حينما تختلف الأفكار والأراء
وتظهر قوة الكلمات التي لا قوام لها ولا يوجد بها من صحة عند الحديث بين هؤلاء الجلساء والأقوام
علما بأن الإنسان بنفسه يشرع لأمر وبعده أحيانا يرجع عنه أو يعدل لاقتناعه بعدم صوابه عند المشاورة المنطقية
ولكن كيف هو الأمر عندما يختلط حابل الكلام بنابله؟؟!!!!

السلام عليكم :

والله جرني سؤالك إلى أمر آخر وهو الفرق بين وظيفة الناقد في الماض واليوم وهو يتعامل مع النص الأدبي فهل حُضي بنفس الاهتمام ونفس الدقة ونفس الحرص على إخراج أدبا راقيا وتأهيل الأدباء إلى مصاف الريادة أم هناك خلاف ؟ وما مرده ؟ وما دور الناهج النقدية في هذا الصدد ؟

في الحقيقة الكلام كثير وما أرجحه هو أنّ الموقف النّقديّ الذي تبنّته هذه المناهج، قد أسهم- ضمن ظروف اجتماعيّة وثقافيّة أخرى-في عزل النّاقد العربيّ عن محيطه السّوسيو-ثقافيّ العربيّ بشكل عام، ما جعله يعيش حالة من الانكفاء والعزلة، أو من الصّمت والنّكوص عن مواجهة عالم الحياة اليوميّة، وأغراه ذلك، في الوقت نفسه، بأن يعيش حياة خاصّة خارج عالم النّاس: عالم الحياة اليوميّ الحيّ المباشر، في عالم النّصوص(بخاصّة نصوص التّعالي على عالم الحياة اليوميّ) بدلاً عن عالم الوقائع والأحداث الذي آثر ألاّ يراه، أو ألاّ يتّصل به أو يتواصل معه أو يتفاعل، إلاّ عبر وساطة النّص الإبداعيّ، أو عبر عدسة هذا النّص، هذا إن كان النّاقد ممّن يسلّم بأنّ النّص عدسة أو ينطوي-ضمن ما ينطوي عليه-على عدسة، أو مرآة تعكس-ضمن ما تعكس-الواقع الاجتماعيّ أو التّاريخيّ الذي أنتج في سياق حركته.

على أنّنا نعلم أنّ اهتمامات النّاقد عموماً قد لا تنصبّ أو تتركّز بالضّرورة، حول نصوص الواقع الاجتماعيّ أو التّاريخيّ الذي يحياه هو في عصره حتى يكون بمقدوره- على الأقلّ- الاتصال أو التّواصل بروح العصر الذي يحيا في زمنه عبر تلك النّصوص، بل قد يتركّز اهتمامه، أو ينصرف جهده النقديّ باتجاه نصوص أخرى غير معاصرة، أو معاصرة، لكنّها لا تعبّر، بالضّرورة، عن روح العصر الذي يعيش فيه؛ فهي من جملة النّصوص المتعالية على الزّمن والتّاريخ أو التي يتمّ إنتاجها بطريقة تجسّد روح القطيعة مع العصر، ما قد يضاعف من مأساة النّاقد، ويجعله يعيش حالة من القطيعة الحقيقيّة عن عالم الحياة التي يحياها في إطار الآخرين، ولا يعود يرتبط بأيّ صلة بالعصر الذي يعيشه ولا يعيشه، أي الذي يعيشه واقعاً(أو متلقيّاً سلبيّاً، منفعلاً غير فاعل أو غير مشارك في صنع أحداثه ووقائعه) ولا يعيشه وعياً وإرادةً، أو فعلاً وفاعليّةً، أي مشاركاً بالفعل في صنع أحداثه ووقائعه.



على أنّنا نعتقد أنّ وراء هذه الوضعيّة المأزومة للنّاقد العربيّ عموماً، وغيابه-في الجملة-عن ساحة الفعل النّقديّ الفاعل في نصوص الكلام الحيّ فعلَه في حياة المجتمع الذي تعبّر عنه تلك النّصوص، أسباباً كثيرةً؛ ذاتيّةً وموضوعيّةً:

. منها ما يعود إلى طبيعته هو نفسه، بما هو كائنٌ كينونته نصيّة، في الأساس، أي من حيث هو(النّاقد)كائنٌ يكون في عالم النّصوص، ويتكوَّن في عالم النّصوص.

.. ومنها ما يعود إلى طبيعة العالم النّصيّ أو النّصوصيّ الذي يختاره الكائن النّاص/النّاقد ليكون فيه، أو ليتناصّ معه؛ فجميعنا يعلم أنّ نصوص الكلام التي يستهدفها النّاص النّاقد بفعله النّقديّ عموماً، ليست واحدةً، بل هي متعدّدةٌ ومختلفةٌ باختلاف وظائفها، وطرائق تشكّلها، أو باختلاف علائقها بمتكلّميها(مؤلّفيها) ووظائفها:

-فثمّة أوّلاً: نصوص تحكي واقع متكلّميها(ليس فقط كأفراد مفردة، بل كجماعات ) فهي تحكي قصّة سقوط متكلّميها في عالم الكلام المتكلَّم اجتماعيّاً أو تاريخيّاً، واستسلامهم لشروطه.

-وثانياً: نصوص تحكي مفارقة المتكلّمين لواقعهم(تحكي قصّة الانسحاب والهرب عن عالم الواقع، لذلك فهي تحكي قصّتهم في عالم العزلة، حيث لا أحد إلاّ هم) ومن ثمّ، يصحّ وصف مثل هذه النّصوص بـ«نصوص- ما فوق الواقع» أو بـ«نصوص النّكوص والهرب» عن عالم الواقعس. في حين يمكن وصف الأولى بأنّها نصوص الواقع (أو نصوص البينونة/السّقوط في عالم الواقع).

- ثالثاً: نصوص تحكي صراع المتكلّمين مع واقعهم(تحكي قصّة التّفاعل والجدل مع واقع الكلام) ويمكن وصف هذه النّصوص بأنهّا نصوص الكينونة /الجدل، أو نصوص المواجهة والصّراع.

-و رابعاً: نصوص لا تحكي ولا تحاكي، فهي صمّاء بكماء، لا تسمّي شيئاً، ولا تشير إلى شيءٍ؛ أو لا تتضمّن أيّة إحالة على أيّة مرجعيّة؛ داخليّة أو خارجيّة، لذلك فهي نصوصٌ مصمتةٌ؛ لا داخِلَ لها ولا خارجَ، وهذا يقتضي أنّها لا تسمّي شيئاً سوى وجودها الشّيئيِّ المُصْمَت هذا(iivx /ivx).

ومن هنا يمكن القول: إنّ وضع النّاقد العربيّ عموماً يختلف باختلاف العوالم النّصيّة التي يتحوّل إليها، ليفعل فيها ومن خلالها، وباختلاف طرائق حضوره في حضرة تلك العوالم، أو بالأحرى باختلاف درجة حضوره في حضرة أيّ من تلك النّصوص المشار إليها آنفاً، وباختلاف طرائق استحضاره لأيٍّ منها؛ فإذا تحقّق له الحضور في حضرة نصّ الواقع، فقد تحقّق له الحضور في حضرة الواقع عينه الذي يحكيه ذلك النّص أو يحيل عليه كمرجعٍ مباشرٍ له. وإذا تحقّق له الحضور في حضرة نصّ التّعالي على الواقع، فقد جسّد، بحضوره في حضرة هذا النّص، غيابَه عن عالم الواقع الذي يتعالى عليه ذلك النّص. وإذا تحقّق له الحضور في حضرة نصّ الصّراع والجدل مع عالم الواقع، فقد جسّد، بحضوره في حضرة هذا النّص، حضورَه في حضرة الواقع الذي يشتبك معه. وإذا تحقّق له الحضور في حضرة نصّ الغياب، فقد جسّد غيابه المطلق والشّامل عن عالم الواقع، كما عن عالم النّصوص، فاختلف-بذلك-موقف النّاقد حديثاً عن موقفه قديماً، من حيث إنّه ظلّ يمثّل قديماً دور الوصاية/الأبوّة على النّص(بوصفه نصّ المحاكاة والتّمثيل) الذي بقي مهيمناً في السّاحة الثّقافيّة العربيّة-وربّما العالميّة-حتى مطلع عصر النّهضة الأوربيّة، وظهور تيّارات جديدة مناوئة لهيمنة ذلك النصّ، ليُقَوِّمَ(النّاقدُ القديمُ) واقعَ النّص أو الواقع النّصيّ، على ضوء واقع الحياة التي يحياها خارج النّص، أي ليصدر حكماً معياريّاً على القيم النّصيّة في ضوء القيم(الخارج نصيّة) السّائدة في الواقع الذي يحكيه عالم النّص، وهي القيم ذاتها التي ظلّت تفرض شروطها على كلّ قيمة نصيّة، فكان تحوّل النّاقد إلى العالم النّصيّ إذن، لم يكن يهدف من ورائه إلى تحقيق أيّ شيءٍ يتعلّق به هو ذاته، بمعنى: لم يكن هدفه الكشف والاكتشاف؛ الكشف عن ذاته لاكتشاف إمكاناته، إضافةّ إلى اكتشاف نظام الكشف المعرفيّ عن الذّات وعن العالم، بل ظلّ يهدف إلى فرض وصايته على النّص، وتصحيح مساره النّصيّ، بحيث يضمن له تحقيق قدر من التّناغم والانسجام في العالم النّصيّ أو النّصوصيّ السّائد في مجتمعه، وهو ما اقتضى تقويم النّصوص، أو ما اعوجّ منها؛ عن طريق إصدار حكم إدانة عليها، وأنّها قد خرجت عن معيار النصيّة السّائدة، أو عن بعض مبادئ التّنصيص السّائدة في زمن قراءتها، مقابل إصدار حكم آخر لصالح نصوص أخرى بأنهّا قد التزمت بتلك المبادئ بهذا القدر أو ذاك.

لقد كان الهدف الرّئيس للنّاقد إذن تصحيح المسار النّصيّ، وإضفاء طابع الشّرعيّة على تلك النّصوص، ودمجها في العالم النّصوصيّ لمجتمعه، لقد كان النّاقد القديم إذن يمارس دور الوصاية/الأبوّة/السّلطة، ليس فقط على نصوص الكلام التي صارت مع تقادم الزّمن، واتّساع المسافة بينها وبين مؤلّفيها، نصوصاً يتيمةً؛ كونها قد فقدت أبوّة مؤلّفيها، أو صارت بالأحرى، دون «أبٍ» يدفع عنها شرور القراءة السّيئة. بل ظلّ يمارس سلطته على كلّ منتجي النّصوص من الشّعراء والمبدعين أو الفنّانين الذين مجال إبداعهم الكلام، أو مادّة إبداعهم اللّغة؛ باعتبار أنّ النّاقد هو ناقد لكلّ الفنون القوليّة أو التّشكيليّة: شعر، موسيقى، رسم، أو نحت ...إلخ(.

وهو ما يعني أنّ النّاقد القديم لم يعد ينظر إلى النّص كغاية في ذاته، بل فيما يؤدّي إليه من نتائج على مستوى السّلوك الإنسانيّ، فما هو مهمّ(بالنّسبة للنّاقد) هو السّلوك الإنسانيّ(النّاجم عن الخطاب الأدبيّ)، وليس الخطاب الأدبيّ نفسه(xix)، أي أنّ مركز الفعاليّة النقديّة القديمة لم يكن النّص أو الخطاب في ذاته، بل ما يترتّب عليه أو ما يحدثه النّص أو الخطاب من أثر سلبيّ في الجمهور المتلقّي.

وإذا كان هذا حال النّاقد قديماً، فإنّ حال النّاقد حديثاً قد اختلف، على الأقلّ، من حيث إنّ النّص قد بات هو الذي يشغل مركز الفعاليّة النّقديّة المعاصرة، فلا تنصبّ عناية النّاقد الرّئيسة على ما يبديه الجمهور من سلوك إزاء النّص، بل على(دلالة النّص) نفسه التي تشي بها لغته، ولا تكمن فاعليّة النّاقد المركزيّة في سنّ معايير للمضمون الأخلاقيّ للأعمال الأدبيّة، أو في تقديم نصائح للمؤلّفين الذين يرومون إنتاج عمل جديد، بل في تأويل النّص نفسه، والكشف عن دلالاته الممكنة

وعلى الرّغم من أنّ وصف خبرة النّاقد المعاصر قد أخذ يتغيّر مع كلّ عمليّة قراءة للنّص، وعلى الرّغم ممّا يقال من أنّ النّص قد بات يستنفد نفسه أو يتوارى، وأنّ القارئ المعاصر قد بات يكتب نصّه الخاصّ، فإنّ النّاقد لا يزال يمتثل لتقليد في القراءة يتّخذ من النّص المفرد الواحد وحدة معياريّة للتّأويل، وقد يكون للنّص مجرّد ظلّ، إلاّ أنّه ما يزال يفسح عن طريق المواضع، الفضاء الذي بضمنه يؤدّي ناقد دوره( لذلك فقد بقي هذا النّاقد يعاني-في الأعمّ الأغلب-حالة من الانكفاء والعزلة أو من حالة الصّمت الرّهيب الذي بات يلفّ حياته، تماماً كما يلفّ حياة المبدع العربيّ عموماً، على نحو أدّى إلى غيابه عن ساحة الفعل النّقديّ الفاعل في السّاحة الثّقافيّة العربيّة، وانزوائه في عتمة النّص المغلق(;عن وعي القارئ العربيّ العاديّ على الأقلّ)، ما أدّى إلى عزلته عن أفق التّناصّ الحقيقيّ مع نصوص الواقع الحيّ بكافّة أشكالها وتجلّياتها، أو مع نصوص المجتمع الذي ينتمي إليه، ويفترض أنّه يعبّر عن وعيه الممكن أو الطّليعيّ.

وإذا صحّ القول، عن الكائن النّاقد قديماً: إنّه قد بقي-في الأغلب الأعم- في أسر نصّ الثّقافة/ القراءة النقديّة السّابق في الوجود على وجوده القارئ-بوصفه النّص الذي ظلّ يفرض سلطته على كلّ قارئ ومقروء لاحق- فإنّه يصحّ القول عن الكائن النّاقد حديثاً: إنّه وإنْ تعدّدت أكوانه النّصيّة القرائيّة والمقروءة على نحو غير مسبوق، إلاّ أنّه قد بقي هو الآخر أيضاً- في الأغلب الأعمّ-في أسر نصّ القراءة النقديّة المنهجيّة الجاهز، بوصفه النّص الذي بات يفرض شروطه على كلّ مقروء وقارئ؛ سابق أو لاحق، وهذا يقتضي أنّ هذا الكائن قد بات متحقّق الكينونة أو كائنَها في نصّ الاستلاب، أو في نصّ القراءة المنهجيّة المبرمجة، أي الخاضعة لشروط المنهج النقديّ المحدّد الذي يلتزم به النّاقد، بآليّاته وأبعاده المحدّدة. ما يعني أنّهالكائن النّاقد) قد بقي حديثاً، كما كان قديماً، كائناً متحقّقَ الكينونةِ في نصّ البرمجة السّابق في الوجود على وجوده النّقديّ المبرمج، وقلّما رأيناه كائناً متحقّق الكينونة في نصّ الوجود النّصيّ الكلّي المفتوح على الواقع وما يعلو عليه أو يحقق مسعى تجاوزه، وهو ما عمّق من الأزمة القائمة بين المبدع والقارئ العربيّ.

** وفي غياب مثل هذه المعطيات إضافة إلى غياب الموضوعية والتعصب للرأي وغياب الناقد الكفء فقد يقع الانزلاق

في مجرى النقد الأدبي ..ويتيه بعدها الأديب فقد يهجر موهبته أو يكتفي بها لنفسه هاويا..

وشكرا " صبا " على سؤالك
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 11-03-2010, 12:20 PM
صبا صبا غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 913
افتراضي

لك الشكر أم بشرى فلقد لاقى سؤالي المتواضع كرم الإجابة المسهبة
وحتى وإن وجدت المدارس النقدية بأسسها الثابتة لا بد وأن نرى تدخل الحكم الذاتي
اقتباس:
وفي غياب مثل هذه المعطيات إضافة إلى غياب الموضوعية والتعصب للرأي وغياب الناقد الكفء فقد يقع الانزلاق

في مجرى النقد الأدبي
جزاك الله الخير
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:39 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com