عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات الأدبية > منتدى النقد وتاريخ الأدب العربي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 24-11-2017, 09:36 PM
أم بشرى أم بشرى متواجد حالياً
نائب المدير العام لشؤون المنتديات
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: الجزائر
المشاركات: 8,415
افتراضي وقفة مع أبي العتاهية وشعره ....







هو إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان،مولى عنزة،وكنيته ابو اسحاق.ولقبه ابو العتاهية ولد بالكوفة سنة 130هجري/748ميلادي ونشأ بها، وكانت باديته.وقيل ان السبب في تلقيبه بابي العتاهية هو ان المهدي قال يوما له:انت انسان متخذلق معته، فغلبت عليه.وقيل انه كني بذلك لانه كان يحب الشهرة والمجون والتعتّه .
أوصافه: كان دقيق العظم قليل اللحم ،ابيض اللون، اسود الشعر، له هيئة حسنة ولباقة وحصافة، وكان ينتظم في سلك المخنثين ممن كانوا يخبضون ايديهم ويتزينون ويلبسون ملابس النساء،حاملين لزوامل تميزهم.
صنعته: كان واهله يعملون الجرار الخضر،لكنّ ابا العتاهية لم يقف عند هذه الصناعة بل عمل حجاما ايضا.إلاّ أنّه ينفي عن نفسه انه كان جرارا بقوله:"اناجرّار القوافي وأخي زيد جرّار التجارة".
بداية حياته:
عاش في بيئة فرضت عليه الاختلاط بالمجان من شعراء الكوفةامثال مطيع بن اياس ووالبة بن الحباب وادت ايضا لدفعه لحلقات العلماءحيث اتقن العربية اصحاب المقالات ووقف على مذاهب ثم اخذ الطموح يشدّه لتحسين وضعه الاجتماعي والادبي فاتفق مع صاحبه النبطي ابراهيم الموصلي المطرب المعروف على النزول الى بغداد.وبعدها عاد الى بغداد لتوطيد اتصاله بالخلفاء.
اتهم بالزندقة رغم كثرة نظمه في الزهد والمواعظ والحكم والامثال وذكر الموت والحشر والنار والجنة والثواب والعقاب.كما اتّهم أيضا بالبخل فهل حقا كان بخيلا؟وما السبب الذي دفعه الى ذلك؟وهل كان البخل ماديا او معنويا؟وهل كان الغنى طريفا او متلدا؟فقد قيل له ما لك تبخل بما رزقك الله؟ قال:والله ما بخلت بما رزقني قط، قيل له:وكيف ذاك وفي بيتك من المال ما لا يحصى!قال ليس ذاك رزقي، ولو كان رزقي لأنفقته.
واذا اردنا الفصل في ذلك فإنّ حياته الشخصية وتعامله مع المال وحرمانه نفسه من الزاد فهذا لا يقوم دليلا على بخله لان الرجل زاهد وليس له في الدنيا امل، ولا يقيم له "شروى نقير"، ويرى من الزهد-الذي انتهجه آخر حياته- ان يستمر في حياة التقشف،التي كان عليها ايام الفاقة. وهو حر بتعليل مواقفه من نفسه طالما انها لا تطال الآخرين، ونحن نجد في التاريخ كثيرين من أسخياء العرب و كرمائهم يعيشون حياتهم باقتصاد وتدبير، بعيدين عن الإسراف والتّبذير، ولم يتهمهم أحد بأنهم بخلاء، ولكنّ الناس للأسف الشديد اعتادوا على المبالغة.
احتضاره:
قيل لأبي العتاهية وهو يحتضر: ما تشتهي؟ قال: أشتهي أن يجيئ مخارق فيضع فمه على أذني ثمّ يغنّيني: (من الطويل) سيعرض عن ذكري وتنسى مودّتي ويحدث بعدي للخليل خليل
إذا ما انقضت عنّي من الدّهر مدّتي فإنّ عزاء الباكيات قليل

ويتضرّع وهو في الرّمق الأخير من حياته إلى الله تعالى:
إلهي لا تعذّبني فإنّي مقرّ بالذي قد كان منّي
ومالي حيلة الاّ رجائي وعفوك إن عفوت وحسن ظنّي
فكم من زلّة لي في البرايا وأنت عليّ ذو فضل ومنّ
إذا فكّرت في ندمي عليها عضضت أناملي وقرعت سنّي
يظنّ الناس بي خيرا وإنّي لشرّ الناس إن لم تعف عنّي
أجنّ بزهرة الدّنيا جنونا وأفني العمر فيها بالتّمنّي
وبين يديّ محتبس طويل كأنّي قد دعيت له كأنّي
ولو أنّي صدقت الزّهد فيها قلبت لإهلها ظهر المجنّ



وفاته:
توفّي في - خلافة المأمون- يوم الإثنين لثمان خلون من جمادى الأولى سنة إحدى عشر ومئتين،ودفن حيال قنطرة الزياتين في الجانب الغربي ببغداد، وكان أبو العتاهية قد أمر أن يكتب على قبرهمن مجزوء الخفيف)
أذن حيّ تسمّعي اسمعي ثمّ عي وعي
أنا رهن بمضجعي فاحذري مثل مصرعي
عشت تسعين حجّة أسلمتني لمضجعي
كم ترى الحيّ ثابتا في ديار التّزعزع
ليس زاد سوى التّقى فخذي منه أو دع


يتبع/......
__________________




  #2  
قديم 24-11-2017, 11:03 PM
أم بشرى أم بشرى متواجد حالياً
نائب المدير العام لشؤون المنتديات
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: الجزائر
المشاركات: 8,415
افتراضي

شعــر أبي العتاهية :

تجلى شعر ابي العتاهية في مظهرين: مظهر الغزل والمنادمة، ومظهر الوعظ والتقشف. فقد اجمع المؤرخون على أن شاعرنا كان في أول أمره يعيش كسائر شعراء عصره يمدح ويرثي ويتغزل . وفي القصيدة التي أنشدها يوم تولى المهدي الخلافة ما يدل على علو كعبه في باب المديح، فقد روي أن الشاعر بشارا سمعه ينشد هذه القصيدة التي يقول فيها:
أتته الخلافة منقـادة اليه تجـررأذيـالهــا
ولم تك تصلح إلا له ولي ولم يصلح إلا لهـا
ولو رامها أحد غيره لزلزلت الأرض زلزالها

فاهتز بشار طربا وقال لمن حوله: "ويحكم انظروا ألم يطر الخليفة عن أعواده".
وله في الغزل أيضا لطائف تذكر. ولقد انصرف في أول عهده إلى حياة اللهو والتهتك واشتهر بها حتى زعموا أنه كني بأبي العتاهية لانه كان يحب التهتك والمجون والمتعة
ولكنه لم يكد يبلغ الخمسين حتى تحول عن سبيلهم. وكان ذلك علة كما رواه صاحب الأغاني في خلافة الرشيد . قال : " كان أبو العتاهية لا يفارق الرشيد في سفر ولا حضر إلا في طريق الحج ، وكان يجري عليه في كل سنة خمسين الف درهم سوى الجوائز والمعادن. فلما قدم الرشيد الرّقّة ( وذلك سنة 181 هـ ) لبس الشاعر الصوف وتزهد، وترك حضور المنادمة والقول في الغزل".


كان الأصمعي يقول : شعر أبي العتاهيه كساحة الملوك يقع فيها
الجوهر والذهب ، والتراب والخزف والنوى
وقالوا : أنه أقدر الناس على وزن الكلام ، حتى أنه يتكلم بالشعر
في جميع حالاته ..
قال عنه المبرد : كان أبو العتاهيه حسن الشعر ، قريب المأخذ ، لشعره ديباجه
ويخرج القول منه كمخرج النفس قوة وسهولة واقتدار,,
حاول أبو العتاهيه التجديد في الأوزان
حتى أنه سئل يوما .. هل تعرف العروض؟
فقال ضاحكا : أنا أكبر من العروض
في قصائده أوزان لا تدخل في العروض
0000000000
قيل عنه أنه زنديقا وقيل أيضا أنه ثنويا وهو المذهب الذي يقول : أن الاله اثنان إله الخير وإله الشر …….
مرت حياة الشاعر بطورين
حياة المجون في بداية حياته
وحياة الزهد بعد أن تجاوز الأربعين من عمره
وقيل أن أبالعتاهيه لبس الصوف
واقتصر شعره على المواعظ وذكر الموت والنار والجنة.
وقال ابن المعتز : يتهمه بالزندقه: ( والذي يصح لي أنه كان ثنويا
يعني يعتقد بإلهين)
ونقل ابن المعتز أن كانت له بنتان :
إحداهما : يقال لها بالله والأخرى لله
وكان له ابن زاهد ناسك.
ولا يعرف على وجه التحديد ما الذي حدا بأبي العتاهيه أن يتجه إلى الزهد
هل هو فشله في الحب كما ذكرت بعض الروايات ؟
التي تقول أنه كان مفتونا بجارية من جواري المهدي اسمها عتبة
وقد ذكرها في شعره
ألا يـــا عتبـــــة الساعـــه ** أمــــوت الساعـــة الساعـــة
ويقول :
أعلمــــت عتبـــــــة أننـــي ** منهـــا علــى شرف مطــل
وشكــوت مـا ألقـــى إليها ** والمـدامــــــع تستهـــــل
الزهد بذرة صالحة غرسها الإسلام في نفوس المسلمين الأتقياء ، وهو ميلا فطريا إلى التقوى ، وعزوف عن الدنيا
وملذاتها والإشتغال فيما يعمر الآخرة ،أثمرت هذه الفضيلة شعرا عندما صار الزهد ظاهرة في العصر العباسي ،
وأصبح الزهد موضوعا شعريا مستقلا بحيث ألفت فيه قصائد كاملة ، وإذا ذكر شعر الزهد ذكر شاعر الزهد في

العصر العباسي ، وهو أبو العتاهية
ومن يقرأ قصائد أبي العتاهية يظن أنه زاهدا حقيقيا ، ولكن من يقرأ أخباره يغلب على ظنه أنه داعية للزهد أكثر
من كونه زاهدا حقيقيا ، إذ لم يقرن أقواله بالأفعال ، وشعر الزهد وخاصة قصائد أبي العتاهية محببه للعامة
والوعاظ.

ــــ ونجدأبا العتاهية يجأر إلى الله معترفاً مذعناً مقراً بما قدمت يداه باسطاً أكفالضراعة والرجاء، وقد أحسن الظن بالله تعالى أن يفيض عليه بعفوه وصفحه، وذلك منمقطوعته الشعرية التي بعنوان ((إلهي لا تعذبني)) إذ يقول:

إلهي لا تعذبني فإني

مقرٌّ بالذي قد كان مني

ومالي حيلة إلاَّ رجائي

وعفوك إن عفوت وحسن ظني

فكم من زلة لي في البرايا

وأنت عليّ ذو فضلٍٍ ومنّ

إذا فكرت في ندمي عليها

عضضتُ أناملي وقرعت سني

يظن الناس بي خيراً وإني

لشر الناس إن لم تعف عني

أجن بزهرة الدنيا جنوناً

وأفني العمر فيها بالتمني([39])


ونجدالبيت الثالث من المقطوعة السابقة يتحدث عن زلاته التي اعترف بكثرتها, ويقرناعترافه بالذنب بالاعتراف بمنّ الله وفضله عليه وهي من دواعي الخجل أن يرزقه اللهوهو يعصيه.

وقد كانت ظاهرة الزهدفي العصر العباسي ظاهرة منتشرة, انعكست في نتاج الشعراء والأدباء الذين مثلوهاتمثيلاً بارزاً أثبت وجوده في الساحة الأدبية والاجتماعية، رغم الضغوط التي تعرضوالها من قبل المجتمع العباسي الماجن، ورغم الحبس الذي تعرض له أبو العتاهية من قبلهارون الرشيد فقد أصر على موقفه الزاهد، وذلك أن أبا العتاهية عندما كان ماجناًحين كان ينادم هارون الرشيد وعندما تاب أبو العتاهية وامتنع ورفض الحياة الماجنةوالشعر الغزلي ومنادمة الخليفة العباسي أمر هارون الرشيد بحبسه فكتب إليه وهو في الحبس:

(وكلّفتني ما حُلْتُ بيني وبينه

وقلتُ سأبغي ما تريد وما تهوى

فلو كان لي قلبان كلّفْتُ واحداً

هواك وكلفتُ الخليّ لما يهوى

فأمر بإطلاقه
[]) .









* * *

الزهد في شعر أبي العتاهية
إنّ أبا العتاهية شاعر مكثر،ويستطيع أن يطرق جميع الأغراض الشعرية السائدة في عصره...ولكن المتصفح لديوانه وقصائده يجد أن الزهد قد فاز بنصيب الأسد إذا ما قورن بالأغراض الشعرية الأُخرى،ولعل ذلك يعود إلى موقف الشاعر من الدنيا وكل ما يمت إليها بصلة، فهو لا يريد أن يمنح الدنيا شيئاً من تفكيره أو شعره أو أعماله بعد أن تاب ويئس منها، عندما قال في قصيدته التي بعنوان ((اليأس من الدنيا)) والتي تعد من أجمل قصائده شكلاً ومضموناً:

قطّعتُ منك حبائل الآمالِ

وحططت عن ظهر المطيّ رحالي

ويئستُ أن أبقى لشيء نلت

مما فيكِ يا دنيا وأن يبقى لي

فوجدتُ برد اليأس بين جوانحي

وأرحت من حلي ومن ترحالي
([])

ويأسه من هذه الدنيا قد أكسبه راحة نفسيةوبدنية، فقد كان يعيش في شؤم ونحس عندما كانت آمال الدنيا وأمانيها تشغل بالهوتفكيره، وذلك عندما كان مخدوعاً مغروراً بها، أمَّا الآن فقد تكشفت له أوراقهاالسوداء، وهاهو يضيف قائلاً:

ما كان أشأمَ إذ رجاؤك قاتلي

وبناتُ وعدك يعتلجن ببالي

فالآن يا دنيا عرفتك فاذهبي

يا دار كل تشتتٍ وزوالِ

والآن صار لي الزمان مؤدِّباً

فغدا عليَّ وراح بالأمثالِ

والآن أبصرتُ السبيلَ إلى الهدى

وتفرَّغتْ هممي عن الأشغالٍ
([])

إنه يستخدم الأُسلوب الإنشائي (فاذهبي) ليبين لها أنه لم يعد مغروراً بها، وقد اقتبسذلك المعنى من قول الإمام علي بن أبي طالب عندما خاطب الدنيا قائلاً: ((غري غيري)). وقال ضمن خطبة له: ((فأزمعوا([43]) - عباد الله - الرحيل عن هذه الدارالمقدور على أهلها الزوال))([44]).

ويضاف إلى ما سبق،فإن تقدُّمَ الشاعر في العمر يوماً بعد يوم وظهور الشيب قد جعله يقف موقف المتيقظالمستعد، فالشيب رسائل من ملك الموت "عزرائيل" لكل من تفكر وتأمل ذلك،فالشاعر يجعل من الماضي دروساً للمستقبل، ويصور لنا يقينه بأنه يرى الموت شاهراًسيفه، يلاحقه حيث حلّ، فيقول:

ولقد أقام لي المشيبُ نُعاتَه

يفضي إليّ بِمَفْرِقٍ وقذالِ

ولقد رأيت الموت يبرق سيفه

بيد المنية حيث كنت حيالي

ولقد رأيت عُرى الحياة تخرّمت ([47])

ولقد تصدى الوارثون لمالي

ولقد رأيت على الفناءِ أدلةً

فيما تنكر من تصرّفِ حالي

وإذا اعتبرت رأيت خطب حوادثٍ

يجرين بالأرزاق والآجالِ
([])

إن حالة الشاعرالنفسية قد ظهرت في أبياته حيث استخدم التوكيد "باللام وقد" أربع مرات،واستخدم فعل اليقين (رأى) ثلاث مرات في الأبيات السابقة، فهو من جهة يشعر بالضعفالبدني عندما أفضى إليه الشيب (بمفرق وقذال)، ولكي يحافظ على توازنه النفسي لا بدأن يدفع (الأنا الأعلى) إلى أن تدعم (الأنا) بشيء من الحكم، وأن تذكرها بالسنةالكونية لهذه الحياة كالموت والفناء، وترك المال للوارثين... ومن جهة أُخرى فإنتلك الأبيات تعكس ما لديه من يقين، وعبرة. فإيمانه بالموت لابد أن يدفعه إلىالاستعداد له والزهد في الدنيا التي تتنكر لأهلها.

القناعة بالكفاف غنى
إن النفس منطقةالخطر، فإذا طهرها صاحبها أفلح ونجح في زرع المبادئ السامية في جبلتها، ويرتفع بهامن دنيا الصراع والانشغال بالماديات المهلكة، ويحلق بها في عالم الفضيلة، ويوفرلها الغنى النفسي بدلاً من الغنى المادي الموهوم، ويعيدها لمستقبل أفضل من هذاالحاضر الدنيء، والشاعر أبو العتاهية قد نقل لنا قبساً من عالم النور والحقيقة حين قال:

حِيَلُ البلى تأتي على المحتال

ومساكن الدنيا فهن بوالِ

شُغل الأُلى كنزوا الكنوز عن التقى

وسهوا بباطلهم عن الآجالِ

سلم على الدنيا سلام مودعِ

وارحلْ فقد نوديتَ بالترحالِ

ما أنتِ يا دنيا بدار إقامةٍ

ما زلت يا دنيا كفيءِ ظلالِ

وحففت يا دنيا بكل بليةٍ

ومزجت يا دنيا بكل وبالِ

قد كنت يا دينا ملكتِ مقادتي

فَقَرَيْتِني بوساوسٍ وخبالِ

حولت يا دنيا جمال شبيبتي

قبحاً فمات لذاك نور جمالي

غَرَسَ التخلص منكِ بين جوانحي

شجر القناعةِ والقناعة مالي
([])

لقد خبر الحياة، وعاش كثيراً من تجاربها بعد أن أفاق من سبات الغفلة والتعلق بالدنيا، وكما يقال: ((اسأل مجرباً ولا تسأل طبيباً)) فالمجرب يقدّم لسائليه عصارة تجاربه، ويكفيهم مؤونة خوض التجارب من جديد، إن أبا العتاهية ينقل لنا مشاهد من تجاربه فيقول إن الإنسان إذانزل في ضيافة الدنيا فإنها تقريه (بوساوسٍ وخبالِ)، ومن تمرغ فيها دنسته كما فعلت بالشاعر حين حولت جمال شبابه إلى قبح، وأماتت نور جماله... لا مناص - إذن - من الغفلة إلا بالخلاص من الدنيا الذي يزرع القناعة والغنى النفسي في قلب صاحبه فيعيش مطمئناً غنياً بقناعته، أربط جأشاً ممن يكدس الدنيا ويجمعها ويحرص عليها.

درجات الزهد في شعر أبي العتاهية
ينقسم الزهد إلىثلاثة أقسام (أنواع):

1 - مايكون بالإضافة إلى الزاهد.

2 - ما يكون بالإضافة إلى المرغوب فيه.

3 - ما يكون بالإضافة إلى المرغوب عنه. ([50])



النوع الأول: ما يكون بالإضافة إلى الزاهد،وله ثلاث درجات:
1- أن يزهد في الدنياوهو غاية الشهوة لها وقلبه إليها مائل ونفسه إلى لذاتها ملتفتة، ولكنه يجاهدها،ويكفها، ويستعين بالله تعالى على دفعها، يقول أبو العتاهية في قصيدة بعنوان (ماأغر الدنيا):

رُبَّ أمر يسوء ثم يسرُّ

وكذلك الأُمور حلو ومرُّ

وكذلك الأُمور تعبر بالنــ

ـاس فخطبٌ يمضي وخطبٌ يكر

ما أعز الدنيا لذي اللهو فيها

عجباً للدنيا كيف تغر

ولمكر الدنيا خطاطيف لهو

وخطاطيفها إليها تجرُ
([])

ولقلّ امرؤٌ يفارق ما يعــ

ـتـاد إلا وقلبه مقشعر

وإذا ما رضيت كل قضاء الــ

ـله لم تخش أن يصيبك ضرُ
([])

فهو يتحدث عن المتزهدالذي يلجأ إلى الصبر على ما فاته من ملذات الدنيا، التي تستخدم المكر واصطيادالإنسان حتى يقع في شباكها فيعتاد لذاتها، وبالتالي يصير فراقها أمراً صعباًللغاية، يحتاج الإنسان عند ذلك إلى أن يجاهد نفسه حتى يحررها من شراك الدنيا، ثميتزود بالصبر والتزهد حتى لا يعود إلى اللذات مرة أُخرى.

وقال في قصيدة بعنوان(كأس الموت مرة):

وما زالت الدنيا تكدر صفوها

ومازالت الدنيا تنغّص درّها

بلينا من الدنيا على حبنا لها

بدار غرورٍ ويحها ما أغرها

ألسنا نرى الأيام يجري صروفها

ألسنا نرى حث الليالي ومرّها؟

ألسنا نرى غدر الزمان بأهله

ألسنا نرى عطف المنايا وكرَّها؟

لَعَمْرُ أبي إن الحياة لحلوةٌ

وللموت كأسٌ يا لها ما أمرها
([])

إن الدنيا لا تقدم للإنسان شيئاً نقياً محضاً، بل تنغص عيشه وتكدر مزاجه، فهو يصفها كما وصفها القرآنالكريم بدارٍ للبلوى، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَلِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (الملك/2).

ثم يستخدم الأُسلوب الإنشائي (الاستفهام) للتعجب من هذا الإنسان الذي يرى تقلبات الأيام وتناقضاتهاالأيام واستمرار الموت في اختطاف الأرواح، يرى كل ذلك بأُم عينيه دون اعتبار، ثميبرر غفلة الإنسان بحلاوة الحياة لولا الموت الذي شبهه بكأس مرة.

ويقول في قصيدةبعنوان (يا جامع الدنيا):

تننزه عن الدنيا وإلاَّ فإنها

ستأتيك يوماً في خطاطيفها الحجن([54])

إذا حزت ما يكفيك من سد خلةٍ

فصرت إلى ما فوقه صرت في سجن

أيا جامع الدنيا ستكفيك جمعها

ويا باني الدنيا سيخرب ما تبني
([])

نعم، إذا لم تدارك نفسك بالصبر واليقظة والتنبه فإنك ستقع يوماً من الأيام في حبائل الدنيا، ومصيدةالشهوات والملذات، فإذا حاز الإنسان أكثر مما يسد حاجته فقد صار سجيناً لتلكالزيادة التي حرمته حرية الحياة، ثم يخاطب جامع الدنيا ويقول له: لا تكلف نفسكعناء جمع الدنيا لأنها ستكفيك ذلك لو كنت عاقلاً، ولست بحاجة إلى البحث عن حطام الدنيا، لأنه من الأشياء المضمونة الحصول، ثم ينادي باني الدنيا ليقرره بخراب مايبني يوقظه من الغفلة.

2- الذي يترك الدنياطوعاً لاستحقاره إياها مقارنة بما يطمع فيه، يقول أبو العتاهية في قصيدة بعنوان(نحن ركب ضمه سفر):

إذا نظرت إلى دنياك مقبلةً

فلا يغرّنْك تعظيمٌ ولا مَلَقُ

أُخيَّ إنّا لنحن الفائزون غداً

إن سلَّم الله من دارٍ لها عُلَقُ

فالحمد لله حمداً لا إنقطاع له

ما إن يُعظَّمُ إلا من له ورقُ

والحمد لله حمداً دائماً أبداً

فاز الذين إلى ما عنده سبقوا ([56])

ما أغفل الناس عن يوم انبعاثهمُ

ويوم يلجمهم في الموقف العرقُ

الشاعر في الأبيات السابقة لم يكتف بترك الدنيا فحسب، بل حذر منها ومن غرورها. لماذا؟!.. لأن من يضحي بتركها سيكون من الفائزين يوم القيامة، إذا وفّق الله وسلم من غرور الدنيا، فله - سبحانه- المدح والثناء الدائم، إذا لا يستحق التعظيم أحد سواه، ومَنْ سبق بالخيراتوالأعمال الصالحة إلى ما عند الله من الرضوان والنعيم فقد فاز... ولكن العجيبوالمدهش هو غفلة الناس عن يوم القيامة، ذلك اليوم الرهيب الذي يتصبب فيهالناس عرقاً حتى يغمر أجسادهم على قدر ذنوبهم، وكما يقال: ما أكثر المواعظ وما أقلالمتعظين.

ويقول في بيتين آخرين بعنوان (خذ الدنيا):

خذ الدنيا بأيسرها عليكا

وملْ عنها إذا قصدتْ إليكا

فإن جميع ما خولت منها

ستنفضه جميعاً من يديكا
([])

ويقول أبو العتاهيةفي قصيدة بعنوان (الله لا يبلى له سلطان):

أَأَسرُّ في الدنيا بكل زيادةٍ

وزيادتي فيها هي النقصانُ

وقال في نفس القصيدة:

يا عامر الدنيا ليسكنها وليسـ

ـتْ بالذي يبقى لها سكّانُ

تفنى وتبقى الأرضُ بعدك مثلما

يبقى المنُاخُ ويرحل الركبانُ
([])

كلما كان التزود في الدنيا للدنيا نفسها كان ذلك نقصان في الآخرة لأن الدنيا والآخرة ضرتان لا يتمكن الإنسان من ارضائهما معاً، فإذا رضيت إحداهما سخطت الأُخرى، أمَّا أنت أيها المعمرلهذه الدنيا لتسكنها وهي دار تؤول إلى الخراب، لا بد أن تفنى وتغادر الأرض، ولن يبقىلك أثرٌ كالأثر الذي يتركه المسافرون بعد رحليهم.

ويقول الشاعر في قصيدة بعنوان (إيهاً إليك أخي):

يا بائع الدنيا بها

طوراً وطوراً يشتريها

أمَّا رحى الدنيا فدائــُ

ــرةٌ تدور على بنيها

ولعل لاحظ لحظةٍ

سيموت في أُخرى تليها

إن كنت توقن أنَّ دا

راً غيرَ دارٍ أنت فيها

يبقى السرور بها وتــ

ـبــقى المكرمات لساكنيها

فاعمل لها متشمراً

إن كنت ممن يبتغيها

لا خير في الدنيا لمغـ

ترٍ بها لا يتقيها
([])

مميزات شعره :

ــ يتميز شعر أبي العتاهية بالسلاسة والوضوح، إذ نادراً ما ترد كلمات صعبة غامضة تحتاج في توضيحهاإلى معجم لغوي، ولعل ذلك النوع من الشعر يصل بسهولة إلى أكبر عدد ممكن من القرّاء.

· ارتبط الزهد في شعره بحالته النفسية، إذ يحسن أن يكون شعر الزهد من زاهد، حيث يكون عالماً بفضله مدركاًلأنواعه ودرجاته (مراتبه)، وبالتالي يمتلك القدرة الشعرية التي تؤثر في نفوس المتلقين.

· يعد الزهد في شعره بمثابة التخصص، حيث وجدنا أن ديوانه قد اهتم بهذه الظاهرة (الزهد) أكثر من غيرها،بل لا يكاد يذكر الزهد إلا ويذكر معه شيء من شعر أبي العتاهية في كثير من المراجع.
·
وقد استخدم أبو العتاهيةالاقتباس في شعره، حيث اقتبس واستقى كثيراً من معانيه من بعض الآيات القرآنيةوالأحاديث النبوية وبعض الآثار والحكم .
__________________




رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مكتبة الإمام أبو داود السجستاني - الإصدار الأول (عدة صيغ) إسلام إبراهيم منتدى الشريعة والحياة 1 04-11-2017 07:02 PM
مختصر السيرة النبوية almohajerr منتدى الدفاع عن رسول الله 43 15-05-2017 08:36 PM
أبي قلابة الجرمي almohajerr منتدى الثقافة العامة 0 02-11-2015 08:04 PM
اضافة: موسوعة المخطوطات الحديثية - الإصدار الأول إسلام إبراهيم منتدى الشريعة والحياة 1 18-09-2015 06:46 PM
اضافة: موسوعة الأجزاء الحديثية - الإصدار الأول إسلام إبراهيم منتدى الشريعة والحياة 1 08-09-2015 07:33 AM


الساعة الآن 02:35 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2017 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com