عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 18-02-2014, 06:43 PM
عبير عبد الرحمن يس عبير عبد الرحمن يس غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 142
افتراضي قراءة جديدة للقيم الحضارية في القران الكريم (الاسلام الثائر )




قراءة جديدة للقيم الحضارية في القران الكريم
مما لاشك فيه أن الكثير من القيم الحضارية القرانية والتي غذت الرعيل الأول الذين قامت علي أكتافهم الحضارة الاسلامية قد شابها الكثير من المفاهيم الخاطئة التي انحرفت بها عن المفهوم الصحيح كما أراد الدين الي قيم تحمل روح السلبية والخضوع والاستسلام أكثر مما تثيره من روح الفاعلية والقدرة الذاتية علي التغيير الي كل ماهو أصلح ، وذلك بسبب تفسيرات للتيارات الفكرية الاسلامية في عصور الضعف والتفكك لوحدة المسلمين منذ القدم حيث ظلت تلقي بظلالها علي بعض العاملين في الحقل الاسلامي حديثا لاسيما الصوفية منهم . ولقد شخّص علماؤنا هذا الداء القاتل الذي أدي الي توقف الحضارة الاسلامية بأنه نتيجة فتور همة المسلمين وضعف الارادة لديهم وتمكن المفاهيم الخاطئة والسلبية للقيم الاسلامية من نفوسهم وفكرهم ووجدانهم ومن هؤلاء المفكرين :
الأستاذ خالد محمد خالد حيث يقول في ضوء تعليقه علي حديث الرسول (ص) : " اذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليزرعها ...." لقد خسر المسلمون كثيرا حين جهلوا هذا الحديث ومثله من الأحاديث الكثر التي مجد الرسول (ص)فيها العمل وجعله عبادة وقربي وفريضة وبعد أن كنا مصدر اشعاع للحضارة بما بذلنا من جهد في اعمار الحياة أمسينا ولا دور لنا في الأعمال العظيمة التي تتألق في الحضارة الماثلة ...لقد مرت بنا عصور جاهلة ومظلمة اهتدينا فيها بغير هدي الاسلام وران علي عقولنا وقلوبنا من التعاليم ماصدنا عن الحياة وجعل التفوق فيها عبثا لا ينبغي للمسلم أن يقترفه ودلانا الجهل بغرور وظننا أننا نكون سادة الآخرة بقدر مانكون في الدنيا أذلاء مستضعفين وتركنا الكثير من الأعمال التي تدفع بذويها الي الصفوف الأولي وكانت حجتنا : أن الدنيا ساعة فاجعلها طاعة ونسينا الكلمة العظيمة التي قالها أحد عظماء رعيلنا الأول : " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا " ثم نري الأستاذ خالد يستصرخ فينا روح الايجابية والفاعلية التي هي روح الدين وقوامه بقوله : " ليس العمل وفقا علي العبادات المحضة بل هو يظل كذلك العمل في سبيل الحياة اعمارها واكثارها وازهارها بل انه من العبادات والقربات والمسلم الفاهم لدينه والمخلص له هو الذي يضرب في الدنيا بذراع قوية باسلة ولايترك مجالا للابداع والعمل الا نزح منه الدلاء الكثير وأبلي فيه بلاءا حسنا وأن خير مانصنعه لأنفسنا اليوم هو اهاجة القدرة المبدعة الخلاقة وأن نعرف واجبنا نحو تشكيل المستقبل هذا المستقبل الذي لن تصنعه سوي الأعمال الكبيرة والجليلة التي نتخطي بها المخاوف واليأس ونقتحم بها أسوار المجهول ونتذكر فيها قول الرسول (ص) : " ان الله يحب معالي الأمور " ان العمل في دنيانا رسالة والعمل عبادة المؤمنين الأقوياء وكما سنسأل بعد الموت عما قدمنا لأنفسنا من عبادة سنسأل عما خلفنا وراءنا من أعمال وآثار فان الله سبحانه قال لنا : ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة )النور : 56 وهو الذي قال لنا أيضا : ( اعملوا فسيري الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) التوبة : 105 ( لقاء مع الرسول : خالد محمد خالد ، ص 215- 217 )
هذا المفهوم لقيمة العمل في الاسلام لو طبقناه في واقعنا لتغير وجه الحياة الي الأفضل ولكن أني ذلك في واقع يري في أداء العبادة في طقوسها الشكلية هي فقط معيار الصلاح دون اعتبار للعمل والحركة والسعي في الأرض بكافة ضروبه وكما يقول د . يوسف القرضاوي : " ان الأمم والرسالات تحتاج الي المعادن المذخورة والثروات المنشورة ولكنها تحتاج قبل ذلك الي الرءوس المفكرة التي تستغلها والقلوب الكبيرة التي ترعاها والعزائم القوية التي تنفذها انها تحتاج الي الرجال الرجل أعز من كل معدن نفيس ولذلك كان وجوده عزيزا في دنيا الناس حتي قال رسول الله (ص) : " انما الناس كأبل مائة لاتكاد تجد فيها راحلة " متفق عليه من حديث بن عمر والرجل الكفء هو اكسير الحياة وروح النهضات وعماد الرسالات ومحور الاصلاح " ( من أجل صحوة راشدة : يوسف القرضاوي ، ص147)
وصفوة الرجال هي التي تقود زمام الحضارة في اي مجتمع وعن هذه الفئة القيادية ودورها في المسيرة الحضارية لكل شعب وأمة يقول توينبي : " لابد لكل جماعة انسانية من صفوة فئة قائدة لكي تتقدم وتتحسن أحوالها ولا يتم تقدم اذا عدمتها الجماعة فكأنه ضرورة للتقدم والنهوض ولكنها ليست بالضرورة طبقة متماسكة فهي قد تكون من رجال ذوي ملكات شتي هذا في الحرب وذاك في السياسة وثالث في العلم وما الي ذلك ...ولاتزال الجماعة بخير من الناحية السياسية ولا تتأثر بما أنزل بها من خطوب مادامت صفوتها القائدة سليمة ولكن البلاء يأتي عندما تصاب هذه الصفوة أو تفسد أو يقع الشقاق بين أفرادها فتختلف كلمتها وتعجز عن القيادة "
وفي هذا الصدد أيضا يقول اشبنجلر في كتابه " تدهور الحضارة الغربية " : تتولد الحضارة في الوقت الذي تستيقظ عند فئة من الناس نفس قوية تنتشل نفسها من بين ثنايا الأحوال العقلية البدائية التي يتردي فيها جنس بشري ...وتذدهر هذه النفس علي أرض بلا حدود دقيقة تظل ملتصقة بها التصاق النبات ( تاريخ الحضارة الانسانية ، ص 35 ، 36 )
والمجددون المسلمون أرقهم الأوضاع المزرية لمجتمعاتهم فكانوا طليعة من كشف اللثام عن العوامل التي تحول دون وجود هذه الصفوة الممتازة علي النقيض مما كان موجود في عصور الاسلام الأولي فالكواكبي في كتابه (أم القري ) نجد تحليلا دقيقا لأسباب الفتور الذي ألمّ بالمسلمين عامة منها :
1-الأصول الجبرية والتزهيدية الممتزجة بعقائد الأمة مع أن من الصحابة من نال الغني والرياسة فضلا عن الثواب وكانوا زهادا لا كالزهد الذي ندعيه الآن كذبا ورياءا
2- تحول الرياسة بعد عصر الرسول والراشدين الي ملك عضوض وفقدان الحرية
3- أننا ألفنا لسنوات الاستعباد والذل والاستبداد فصار الانحطاط طبعا لنا
4- التضييق علي العلماء لارزق ولاحرمة فشوشت العقائد وضعف اليقين فضيع الأكثرون حدود الله ففسدت دنياهم واعتراهم الفتور
5- غياب التربية القومية التي ينتج عنها رأي عام لايطرقه تخاذل ولا جمعيات منتظمة تسعي بالخير
6- دخول الفساد علي التصوف
7- غياب المجتهدين والفقهاء الذين علموا طرائق الاجتهاد والاستنباط وما أحد منهم دعانا الي الاهتداء به مطلقا
ولعل في كلمة الكواكبي السابقة مايكفي في هذا الشأن ويغني عن ذكر موقف محمد عبده والأفغاني ورفاعة الطهطاوي ومحمد اقبال ....وغيرهم الذين نقدوا عقيدة الجبر وتلاقوا في الكثير مما ذهب اليه الكواكبي من عوامل كانت سببا في الفتور الذي ألم بالمسلمين وأعاقهم عن النهضة المنشودة حيث انطفأت جذوة العقيدة التي أشعلت حماسة الرعيل الأول من المسلمين فنهضوا لبناء حضارة الاسلام العظيمة وتحولت العقيدة في عصرنا الراهن الي طقوس جوفاء أضاعت سماحة الدين ولذلك فأن أشد ما يؤدي الي انهيار الحضارات هي العوامل الداخلية المتعلقة بالانسان بالدرجة الأولي ثم يأتي بعدها العوامل الأخري (تاريخ الحضارة الانسانية ص46 )
وليس من قبيل العجب والدهشة اذا حين يتفق معظم الباحثين علي أن السبب في تدهور الحضارة الاسلامية يرجع في معظمه الي عوامل داخلية وقلما كانت هناك اشارة الي عامل خارجي مثل الحروب الصليبية وغيرها الا وأتي علي استحياء فمثلا الدكتور عماد الدين خليل في كتابه " مدخل الي الحضارة الاسلامية " جعل عوامل تدهور الحضارة الاسلامية هي بالترتيب كالآتي : انحسار الجهاد وتضاؤل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، غياب مفهوم التوحيد وتسلل الشرك ، الاستبداد السياسي ، الفصام بين القيادتين الفكرية والسياسية ، طغيان القبلية والاقليمية والعرقية علي مفهوم الأمة ، الظلم الاجتماعي ، الترف والتحلل الخلقي والسلوكي ، التمزق المذهبي ، الغلو والتشدد ، انتشار الرؤية الارجائية ، انتشار الصوفية المنحرفة والبدع والخرافات ، غياب الاجتهاد وسيادة التقليد والاتباع ، غياب العلم وانتشار الجهل ، الصراع بين الثنائيات ، فوضي التعامل مع الآخر ، أخطاء القيادات الاسلامية المتأخرة ، العوامل الخارجية " ولاشك أن كل عامل من هذه العوامل يحتاج الي دراسة مستفيضة مؤصلة من الكتاب والسنة الصحيحة
والخلاصة لاقامة بنيان حضاري للأمة هي الدعوة الي اتباع منهج دعي اليه القران لاعلاء شأن الجماعة المسلمة حين يتم التعامل فيما بينها بناءا علي ماجاء في قوله تعالي : (محمد رسول الله والذين معه أشداء علي الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراو ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوي علي سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين أمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) الفتح : 29 فالرحمة والأخذ بأسباب القوة التي ترهب من تسول له نفسه الاعتداء علينا في ظني انهما قيمتان بيننا وبينهم بون شاسع لاسيما من خلال مايشهد به واقعنا من تعصب وتحزب مقيت وأحقاد وضياع لجوهر الدين وقيمه في خضم الاختلاف حول الفروع أما عن القوة فيملك زمامها من صناعة وتقنية عالية هم أعداؤنا والذين للأسف تستعين بهم أنظمتنا المستبدة لضرب بعضنا بعضا ولهذا كان لابد للخروج من هذا المأزق الحضاري أن نقوم بالنقد الذاتي لأنفسنا ومواجهة التحديات في شجاعة مهما كانت التضحيات وابتغاء المثوبة من الله سبحانه
منهج القران في تقوية الارادة وشحذ الهمم
ان ايجابية المسلم تتحقق علي أرض الواقع بوعيه لحقيقة الآخرة وادراكه قيمة الدنيا ومعرفته حقيقة وجوده وطبيعة رسالته فينطلق لينادي الناس بالرسالة حتي وان خذله الناس وان تكاتفت ضده قوي البغي وليس له نفوذ بين أفراد مجتمعه فهو يسعي سعي الرجل (الذي جاء من أقصي المدينة يسعي ) ينادي قومه : (ياقوم اتبعوا المرسلين ) فلا ينشغل بضعفه وقلة حيلته ولكنه يسرع الخطي من اقصي المدينة ليأتي أمام الكافرين ليعلنها صريحة أمامهم ( اني آمنت بربكم فاسمعون ) ولم يقل الرجل انهم كفروا برسل الله فما تغني كلماتي أو قال : لم يؤمن الناس بالرسل أفيؤمنون بكلام ضعيفهم ..ليزف بعد ذلك الي السماء شهيدا : ( ياليت قومي يعلمون . بماغفر لي ربي وجعلني من المكرمين ) يس : 26 ، 27 فاما نصر واما شهادة ان ايمانه أبي عليه السكون وعدم التحرك وان عقيدته أبت عليه الخضوع والاستكانة اننا مطالبون مع الايمان بهذا الدين أن نكون أنصار الله لكي ينصرنا ربنا وننال عز الدنيا والآخرة : ( فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ) الأعراف : 157 وقوله تعالي : (وأنتم الأعلون ان كنتم مؤمنين ) ال عمران : 139 والتمكين في الأرض يتحقق بتسخير كل الطاقات أخذا بالأسباب وسعادة الآخرة تنال بتقوي الله وبهذا كله تتحقق علي أرض الواقع حضارة اليوم الآخر ثمرة هذا المنهج الرباني الذي أسس علي التقوي من أول يوم فينتصر المنهج بعمل الرجال وتضحياتهم وثباتهم وانتصارهم علي أنفسهم فالمنهج الصحيح للتطلع نحو الآفاق ينبغي أن يمهد له بعمل داخلي يمارس في النفس لأن الأماني والتواكل والتبرير وكل المثبطات تنبع من داخل الذات قال تعالي : (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ) النساء : 123 ويقول الرسول (ص) " ليس الايمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ماوقر في القلب وصدقه العمل وان قوما ألهتهم الأماني وخرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا : نحسن الظن بالله كذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل " حديث صحيح ( والله ليتمن الله هذا الامر : جمعة أمين عبد العزيز نقلا عن محاضرة للاستاذ طلعت فهمي ، دار الدعوة )
وهناك من كتب عن موضوع الهمة وكيفية تقويتها من المنظور الاسلامي مثل كتاب "علو الهمة " وفيه نجد فصلا كاملا عن السبيل لارتقاء الهمة ومنها :
1-العلم والبصيرة فالعلم يصعد بالهمة ويرفع طالبه عن حضيض التقليد ويصفي النية ويورث صاحبه الفقه بمراتب الاعمال فيراعي التوازن والوسطية بين الحقوق والواجبات امتثالا لقوله (ص) "اعط كل ذي حق حقه " ويبصره بحيل ابليس
2- التحول عن البيئة المثبطة لأن لها أثرا جسيما علي الانسان خاصة اذا كانت داعية الي الكسل والخمول وايثار الدون فان علي المرء أن يهجرها الي حيث تعلو همته وأشد الناس حاجة الي ذلك حديث العهد بالتوبة
3- صحبة اولي الهمم العالية ومطالعة أخبارهم فكل قرين بالمقارن يقتدي وان العبد ليستمد من لحظ الصالحين قبل لفظهم لان رؤيتهم تذكرهم بالله تعالي فعن أنس قال (ص) : " ان من الناس ناسا مفاتيحا للخير مغاليق للشر " أخرجه بن ماجة وعن بن عباس رضي الله عنهما عن النبي (ص) في قوله تعالي : ( الا ان أولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون ) يونس : 62 قال : هم الذين يذكر الله برؤيتهم وقال زين العابدين علي بن الحسن بن علي رضي الله عنهم : " انما يجلس الي من ينفعه في دينه "
أنت في الناس تقاس بالذي اخترت خليلا فاصحب الأخيار تعلو وتنل ذكرا جميلا
4- المبادرة والمثابرة في كل الظروف فكبير الهمة لا يستنيم للأمر الواقع بل يبادر ويبادئ في أقسي الظروف فهذا شيخ الاسلام بن تيمية يكتب فتواه وهو في السجن ويرسلها الي تلاميذه ولما أصدر السلطان أمرا باخراج ماعنده من كتب وأقلام ظل يكتب فتواه ورسائله بالفحم وعلي جدار السجن اقتداء بأنبياء الله فيوسف الصديق عليه السلام يغتنم سؤال السجينين عن رؤياهما ليبث اليهما دعوة التوحيد (ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) يوسف : 39 والله سبحانه يدعونا الي الصبر وتحمل المشاق (الذي هو نتيجة مجابهة الظلم والفساد وليس صبرا بمايعني الخنوع والاستسلام والرضي به دون مقاومته ) والدليل علي ذلك قوله تعالي : (وجاهدوا في الله حق جهاده ) الحج : 78 ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين ) العنكبوت : 69 (يا أيها الذين أمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) ال عمران : 200 ( فالصبر مع الرباط وليس مع الضعف والذل )
5- ارادة الأخرة قال تعالي : ( ومن أراد الآخرة وسعي لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ) الاسراء : 19
"وقد تواردت نصوص القران الكريم في الحث علي ارتياد معالي الأمور والتسابق في الخيرات والتحذير من سقوط الهمة وتنوعت أساليب القران في ذلك منها :
1-ذم ساقطي الهمة وتصويرهم في أبشع صورة :
كما قص الله علينا من قول موسي عليه السلام لقومه : (أتستبدلون الذي هو أدني بالذي هو خير ) البقرة : 61 وقوله تعالي : ( واتل عليهم نبأ االذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين . ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد الي الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ) الأعراف : 175 ، 176
وقال تعالي واصفا حال اليهود الذين علموا فلم يعملوا : ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لايهدي القوم الظالمين ) الجمعة : 5 كما عاب القران حرص اليهود علي حياة أي حياة ولو كانت ذليلة فقال عز وجل : ( ولتجدنهم أحرص الناس علي حياة ) البقرة : 96 وقد انتقل الينا نحن المسلمين هذا الداء من اليهود ولذلك وجدنا الامام محمد عبده يحاول احياء النفوس التي استكانت للذل والهوان والاستسلام لواقعها المؤلم دون محاولة تغييره فيقول : " ياقوم فان شئتم فارحموا أنفسكم والا فأنتم ساقطون فيما فيه تخافون ياقوم يؤثر في كتبكم من كلام أسلافكم : الشجاع محبب حتي لعدوه والجبان مبغض حتي لأبيه وأمه ماعز قوم بالخضوع ولا استهين شعب بالاباءة ...لماذا تعدون أنفسكم في الدرجة الدنيا عن سواكم ؟ ألستم تمتازون بالايمان الصادق ؟ والعقائد الصحيحة ؟ فان قمتم بطلب حقوقكم يصيبكم أكثر مما يصيب أعداءكم ؟ ان كان الموت فهم يخشونه وان كان الخسار فهم يرهبونه انهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون لأي شئ يخاطر عدوكم بماله ودمه للتغلب علي ماليس له ؟ ولأي سبب لا تقدمون شهامتكم في حفظ ماهو لكم ؟ ان هذا لشئ عجاب هل نذكركم بقول شاعركم :
لايسلم الشرف الرفيع من الأذي حتي يراق علي جوانبه الدم
2-ثناء الله سبحانه علي أصحاب الهمم العالية وفي طليعتهم الأنبياء والمرسلين : ( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ) الأحقاف : 35 كما قصر مواقف الهمة العالية علي المؤمنين كما في قصة موسي عليه السلام قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فاذا دخلتموه فانكم غالبون ) المائدة : 23 وكما في قصة مؤمن ال فرعون الذي كان يكتم ايمانه وقصة حبيب النجار في سورة يس وقصة داود وجالوت والتي قال الله فيها : ( قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله ) البقرة : 249 كما عبر عن أوليائه الذين كبرت همتهم بوصف الرجال في مواطن البأس والجلد والعزيمة والثبات علي الطاعة والقوة في دين الله فقال تعالي : (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة ) النور : 36 ، 37 وقال تعالي : ( من المؤمنين رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر ومابدلوا تبديلا ) الأحزاب : 23 كما أن الله سبحانه أمر المؤمنين بالهمة العالية والتنافس في الخيرات فقال عز وجل : (وسارعوا الي مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والارض أعدت للمتقين ) ال عمران : 133 وقال سبحانه : ( فاستبقوا الخيرات ) البقرة : 148 وامتدح أولياءه بأنهم ( يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ) المؤمنون : 61 (علو الهمة : محمد اسماعيل المقدم )
3- التربية القرانية والنبوية للنشئ منذ الصغر
التنشئة الأولي وغرس قيم الفاعلية والايجابية منذ الصغر له أهمية قصوي لأنها تصير طبعا وعادة في الانسان يصعب الفكاك منها وعدم الاهتمام بعامل التربية علي أسس الاسلام الصحيحة منذ الصغر أحد أسباب نكبة المسلمين الحضارية ولقد نبه مفكرينا الي أهمية هذا العامل فالكواكبي يقول : " عدم م معرفة المسلمين كيف يحصل انتظام المعيشة أي الارشاد الي الحكمة في شئون الحياة ومن يعلمون لا يقوون علي العمل بسبب فساد التنشئة الأولي لجهالة الفساد ومنها عدم التمرن والألفة ومنها عدم مساعدة الظروف " (طبائع الاستبداد ، كتاب ام القري ، ص102 ) وقد عد الكواكبي سوء التربية من أسباب فتور المسلمين وكذلك محمد عبده جعل الفتور وسقوط الهمم منبعه البيت ثم يصب في الأمة
والدكتور سليم العوا يلفت الانتباه الي ضرورة الحاجة الي اعادة بناء القيم التي يتربي عليها الأبناء فيقول : " نحن نعلم أن حمل الناس علي منهج جديد في تربية الابناء أمر صعب لأنه يقتضي أن يغير الكبار في أنفسهم ماشبوا وربما شابوا عليه من من مسلك في التربية يتسم بمثالب كثيرة أهمها : الاهمال وعدم الاهتمام والافراط في القسوة والشدة حينا والاغراق في اللين والتدليل أحيانا ولكن الاهتمام بهذا الأمر ضرورة والاستثمار فيه هو الاستثمار الوحيد المضمون العائد وهو مرضاة للرب ومجلبة للحمد في وقت واحد " (الفقه الاسلامي في طريق التجديد : سليم العوا )
ثم نراه يلقي الضوء علي بعض المعاني التربوية والتي هي في حاجة الي دراسة مستفيضة نظرا لأهميتها في بناء الشخصية الحضارية للانسان المسلم فيقول : " من المعاني التي يغفل عنها كثير من الناس في فقه التربية معني الرفق والرفق أصل اسلامي عظيم وهو مبدأ عام يدخل في كل شئ ويتسع ليشمل الناس أجمعين وفي صحيح مسلم رواية عن عائشة: " ان الله رفيق يحب الرفق ويعطي علي الرفق مالا يعطي علي العنف " وعن أبي الدرداء ان النبي (ص) قال : " من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير ومن حرم الرفق فقد حرم حظه من الخير " صحيح االترمذي
والرفق هو مبدأ ينبغي الالتزام به مع الجميع صغارا وكبارا خاصة مع أطفالنا الذين كثيرا ما يحدث منهم مانظنه غباءا أو تقصيرا فيقول : " ان العنف يحطم الشخصية ويفقد الانسان الثقة في نفسه ويورثه كره الذين يمارسونه معه ولا ينشئ الا انسانا جبانا يخاف ولا يستحي ويطيع رهبة وخوفا لارغبة وحبا وينفذ مايؤمر به رعبا من العقاب لا اقتناعا بجدوي الصواب " ( الفقه الاسلامي في طريق التجديد ،ص125 ، 126
فبالاضافة الي الرفق يحدثنا الدكتور سليم العوا عن معلم آخر من معالم التربية القرانية والنبوية وقيمة عليا شيوعها هو سبيل الوئام والسلام والمحبة بين الناس جميعا آلا وهي الرحمة فيقول : " والذين تربوا علي الرحمة يكونون في العادة ذوي حس مرهف وذوق سليم وفكر مستقيم ونفوس هادئة وادعة وذلك كله عون لصاحبه علي مصائب الدهر يجعله يستشعر قرب رحمة الله ...مهما تكن المحن القاسية وهم الذين حين يدعوهم الداعي لتجدهم أكثر الناس سخاءا وأعظمهم عطاءا فتعرف أنهم من الذين وقوا شح أنفسهم : (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) ونجدهم (يؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) والرسول (ص) يقول : " انما يرحم الله من عباده الرحماء " صحيح الجامع الصغير للألباني ولهذا كانت الدعوة الي القائمين علي أمر التربية أن يفقهوا دور الرحمة وأثرها في صناعة النفوس البشرية وخطر الجفاء والقسوة والمجتمع كله مسئول عن شيوع قيمة الرحمة بين أفراده وجماعاته فان المؤمنين الذين (تواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ) البلد : 17 يكونون يوم القيامة من ( أصحاب الميمنة ) البلد : 18 والآخرون هم (أصحاب المشأمة ) البلد : 19
وفي هذا الصدد ايضا كتب خالد محمد خالد عن اللاشياء التي تتجلي فيها قيمة الرحمة خاصة في مجال تعامل المسلم مع الأخرين فيذكر مدي أهمية أن يكون الانسان ساعيا في خدمة أخيه مفرجا لكربه فيقول : " عندما قال الله سبحانه مخاطبا عباده (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ) الحج : 77 كان يضع أعينهم علي خير مراقيهم الي السمو والكمال فلم تحمل الارض فوق ظهرها أفضل من أولئك الذين يسدون الخير وينبذون الشر ويتعبدون الي الله بمقدار مايقدمون للآخرين من عون ومما ورد من أقوال لرسول الله (ص) في ذلك " ماعظمت نعمة الله عز وجل علي عبد الا اشتدت اليه حاجة الناس ومن لم يحمل تلك المؤنة للناس فقد عرض نعمة الله عليه للزوال " هذا هو الخير أن تكون نداء النجدة للمكروبين وكان عليه الصلاة والسلام يقول : " لأن أمشي مع أخ في حاجة أحب اليّ من أن أعتكف في مسجدي هذا شهرا " وقوله (ص) : أفضل الأعمال ادخال السرور علي المسلم تكسو عورته أو تشبع جوعته أو تقضي له حاجته " وأيضا قوله (ص) : "ان لله خلقا خلقهم لقضاء حوائج الناس يفزع الناس اليهم في حوائجهم أولئك الآمنون من عذاب الله " ونجد الأستاذ خالد يشرح كل حديث باسلوب تجديدي نحن في حاجة الي مثله في عرض قيمنا الحضارية التي تنمي فينا الايجابية والفاعلية حيث ان التجديد في عرض الخطاب الأخلاقي في الحضارة الاسلامية يساعدنا في تهيئة الأرضية للمعرفة والحياة الانسانية علي الأصول الصحيحة للاسلام وهذا أصبح ضروريا من أجل تغيير واقعنا السلبي المتخلف حضاريا حيث يرزح تحت وطأة هذا الواقع السلبي الخطاب الديني الذي قد نجد فيه الدعوة للتزهد في الدنيا واحتقارها ونبذ مافيها حتي ان الغزالي وهو الصوفي الورع لم يطق هذا الغلو الشاطح باسم الدين فجعل العمل في الدنيا عملا للأخرة ولا فصل بينهما وكما يقول : " فالمعين علي قضاء حاجات الدنيا معين علي الآخرة اذ الوصول الي الآخرة بهذه الأسباب الدنيوية " (ميزان العمل : الغزالي )
ولهذا فقد زينت الشهوات للناس ودفعوا الي اشباعها لكن في حدود الوسطية والاعتدال التي عرف بها الاسلام والتي تحفظ للناس الاستقامة والخير والسعادة دون بغي أو فساد قال تعالي : (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحيا الدنيا ) ال عمران : 14 وقال تعالي : (يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين ) الأعراف ك 31 وقال تعالي في سؤال انكاري : ( قل من حرم زينة الله لقد أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) الأعراف :32 أما في السنة فقد روي عن الرسول (ص) أحاديث كثيرة في هذا الشأن منها : " خيركم من لا يترك آخرته لدنياه ولا دنياه لآخرته " وقوله (ص) لحمزة : " ياحمزة ان الدنيا خضرة حلوة فمن أخذها بحقها بورك له فيها ) وقوله : " وكلوا أطيب الطعام والبسوا أجمل الثياب وانتعلوا أحسن النعال وليمش الواحد منكم بين الناس وكأنه شهبة مضاءة " (بن الجوزي : صيد الخاطر والخطيب البغدادي : تاريخ بغداد ج4 ص221 )
" ولن يكون طيب الطعام الا بانتاجه وفن طهوه ولا جميل ثياب الابغزلها ونسجها وحياكتها ولا حسن انتعال الابمهارة صناعية ولن يتحول الانسان الي شهبة مضاءة الا بنظافته ...ولكن كثيرا من المسلمين في عصور الضعف والانحطاط أهملوا ذلك للأسف وساءت أحوالهم ان الشعور بالحقارة لاينتج حضارة فالحضارة كما عرفها بن خلدون تتلخص في عمران وترف وتأنق واستجادة حياة "وهي كما يقول ايضا : " هي أحوال عادية زائدة علي الضروري من أحوال العمران وهي التفنن في الترف واستجادة احواله والكلف بالصنائع التي تؤنق من أصنافه بحيث يكون التأنق في البناء والكساء والغذاء وغير ذلك مما يعبر عنه برفه السعداء " ويقرر بأن " العرب تجاوزوا البداوة وأصلوا الحضارة وبلغوا حد الترف في الاحوال واستجادة المطاعم والمشارب والملابس والمباني والأسلحة والفرش والآنية وسائر الماعون " (ابن خلدون : المقدمة )
وتعليقا علي كلام بن خلدون يقول د.محمود قمبر " شعارنا الذي نؤمن به أن يكون الاسلام أولا للتقدم في الدنيا قبل أن يكون للتقدم نحو الآخرة ان الآخرة خير وأبقي للذين عاشوا دنياهم بحكم الله أعز وأقوي ...أما الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم وكانوا مستضعفين في الأرض وجودهم باهت وحياتهم مفلسة فأولئك الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله " (الابداع في الثقافة والتربية : د. محمد قمبر وآخرون )
كيف نبرز معالم القيم الحضارية القرانية ؟
لن يجلي معالم القيم الحضارية القرانية الا العلماء الراسخون في فقه الدين وأحكامه ويعمل تحت اشرافهم الباحثون المتخصصون في الدراسات الاسلامية لاسيما الحضارية منها وهذا للأسف مانفتقده في مجتمعاتنا فالعمل الجماعي الذي يجمع الجهود ويدفعها للأمام وليس الأعمال الفردية المبعثرة والتي غالبا ماتأتي مكررة مما يمثل حجر عثرة في سبيل هذا الخطاب الحضاري الذي تحمله قيم الاسلام التي يغفل عن جلها الكثيرون لاسيما المتشددون الذين تختلط في عقولهم الثوابت بالمتغيرات دون تفرقة بينهما حيث يهملون فروض الدين التي دعا اليها لاأقصد في مجال العبادة وانما في مجالات الحياة عامة وبلوغ الرقي والدرجات العلا فيها فهذه الأمور لا يهتمون بها وفي المقابل نجدهم يقفون موقف تشدد وغلو في امور هي من فروع الدين والتي جعل الله الاختلاف فيها رحمة بالأمة ولكن للأسف يحاولون حمل الناس علي رأي واحد بسبب ضيق الأفق والتعصب لديهم والذي يتنافي مع سماحة الدين وسعته في مثل هذه الامور وفي هذا المناخ لايمكن للعقلية الاسلامية من الابداع تحت سياط مثل هذه القيود التي صنعناها بأنفسنا والتي طالما حاربها علماء الاسلام ومفكريه ومجدديه وذلك من أجل اعادة النهضة والبناء لحضارة الاسلام والعودة بها لقيادة الانسانية في ظل فشل كل الايديولوجيات المعاصرة
وللأسف فاننا مع امتلاكنا لثقافة واسعة وغنية لعلمائنا علي شتي مشاربهم وقبلهم القران الكريم والسنة النبوية واللذان يحويان الكثير من الحكم التشريعية والسياسية والتعليمية والأخلاقية مالم يوجد عند المتقدمين والمتاخرين من أعاظم الأمم الأخري الا أننا لانحسن تقديمها بشكل عصري مناسب يفهمه العامة قبل الخاصة وقد قطع الغرب شوطا كبيرا في هذا المجال فكثيرة هي مؤلفاتهم عن تنمية القدرات الذاتية والفاعلية والجوانب الايجابية في الانسان وتلمس شتي الوسائل والمهارات لاستخراج كوامن الابداع والمهارة في الشخصية الانسانية والذي كان مثار اعجاب لعالمنا الجليل الشيخ محمد الغزالي والذي جاء كتابه " جدد حياتك " متأثرا بما كتبه العالم الأمريكي الشهير "ديل كارنيجي " في كتابه "دع القلق وابدأ الحياة "حيث أصّل الشيخ الجليل كل مبدأ من المبادئ التي ذكرها كارنيجي تأصيلا اسلاميا صحيحا مع التطبيق العملي لها في تاريخنا الحضاري الاسلامي كما حث الشيخ الغزالي علي أنه ينبغي أن تكون لنا الريادة في هذا الشأن قائلا : "وللفطرة في بلاد الاسلام كتاب يتلي ودروس تلقي وشعوب هاجعة . ولها في بلاد أخري رجال ينقبون عن هداياتها كما ينقب المعدنون عن الذهب في أعماق الصحاري فاذا ظفروا بشئ منه أغلوا قدره واستفادوا منه ...ونتاج الفطرة الانسانية في البلاد المحرومة من أشعة القران الكريم نتاج واسع متفاوت القيمة وليس يصعب علي من له أثارة من علم بالاسلام الحنيف أن يري المشابهة بين الدلالة الصامتة هناك والدلالة الناطقة هنا او بين العنوان المفصول عن موضوعه هنا والموضوع الذي فقد عنوانه هناك ان الانحطاط الفكري في البلاد المحسوبة علي الاسلام يثير اللوعة واليقظة العقلية في الأقطار الأخري تثير الدهشة ولايحملنا علي العزاء الا أن هذه اليقظة صدي الفطرة التي جاء الاسلام يعلي شأنها أما تخلف المسلمين فسببه الأول تنكرهم لهذه الفطرة السليمة وتخاذلهم عن السير معها وفي هذا الكتاب مقارنة بين تعاليم الاسلام كما وصلت الينا وبين أصدق وأنظف ماوصلت اليه حضارة الغرب في أدب النفس والسلوك" (جدد حياتك : محمد الغزالي ص11، 12) (ولي كتاب وهو مجلد كبير يسمي الذكاء الاجتماعي : عبير عبد الرحمن يس وفيه طرائق شتي للتعامل مع الناس علي شتي أطيافها خاصة الشخصيات صعبة المراس مستفيدة بكل ماكتبه علماؤنا وجامعة لأقوالهم المتناثرة في هذا الشأن سواء اكانوا فلاسفة أم فقهاء أم متصوفة ام أدباء ...وأسير فيه علي خطي شيخنا محمد الغزالي والكتاب موجود علي النت في منتدي قصة الاسلام والموقع النسائي فتكات وهو اصدار دار الكتاب الحديث )
وبالتالي فمن الأمور البديهية كما أكد عليها المتخصصون أن العامل الأساسي لقيام الحضارة هي تنمية الطاقات البشرية وغرس القيم الايجابية التي تحولها من طاقة كامنة الي قوي متحركة ويسهم في ذلك وجود الدافع القوي لها وكما يقول د. سيد دسوقي : " ان الحالة الحضارية لأمة من الأمم هي مجموع الطاقات الاجتماعية التي تملكها مضافا اليها قدرة موجهة فالرصيد الايماني الذي يصدر عن تصور متكامل عن الانسان والكون والحياة يمثل القدرة الموجهة لأن العلم في حد ذاته والتقنية كذلك قاصرة عن أن توجه نفسها ....والقانون الحضاري الأول هو العمل الذي هو الوسيلة البشرية لتنمية الطاقات الاجتماعية ولا نجد في أي كتاب في الدنيا غير القران دعوة مستمرة الي العمل حتي في قبول الدعاء : (ربنا وآتنا ماوعدتنا علي رسلك ولا تخزنا يوم القيامة انك لاتخلف الميعاد . فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثي ) ال عمران : 194 ، 195 (من قضايا الفكر الاسلامي المعاصر )
" فالحضارة الانسانية هي ايمان بالله طالما هي مجموع النشاط الانساني في تفكيره وفي ذوقه واحساسه بالجمال وفي مجاله الارادي الحر ذلك النشاط الرفيع في مستواه ولن يكون نشاط الانسان رفيعا في مستواه الا اذا وعي القيم العليا أولا وسعي الي محاكاتها بعد ذلك عن طريق الايمان والاسلام حيث ان عبادة الله هي السبيل الي تحريك الانسان المؤمن في سعيه نحو محاكاة صفات الذات له جل جلاله كقيم عليا ينشدها الانسان اذا مافكر أو عمل في اطار حياته الخاصة أو مع الآخرين في مجتمعه " (نحو القران : د . محمد البهي )
"وباختصار فان تراكم أخطاء الآباء والأجداد التي تمحورت عن خطيئة عدم الاستماع جيدا لنداءات القران وتعاليم الرسول (ص) وماتنطويان عليه من كشف واضاءة لقوانين الحركة التاريخية ، لقد دعانا كتاب الله وسنة رسوله الي منظومة من الممارسات والقيم الفاعلة في صميم العصر : تحرير الفعل البشري والارادة الانسانية من الكوابت ، والتعامل الجاد مع الزمن والكتلة المادية المكان ، رفض التشبث الأعمي بالماضي وتقليد الآباء والأجداد ، ادانة الأوهام والظنون والأهواء والسحر والخرافة وتأكيد أهمية العقل والحواس وتحفيزهما في التعامل مع العالم ، الاعلان عن مبدأي التسخير والاستخلاف اللذين لن يتاح لهما التحقق دون الكشف عن الطاقات المادية وادراك قوانينها ...هذا الي تأكيد القران الواضح في مقاطع شتي علي ضرورة التطبيق كشرط من شروط حماية الايمان في العالم من مثل المقاطع الخاصة باعداد القوة واعتماد الحديد في السلم والحرب وواقعة ذي القرنين لحماية المستضعقين في الأرض والتطبيقات الصناعية المعروفة في ظلال نبوة داود وسليمان عليهما السلام لم يستمع أجدادنا في العصور المتأخرة للنداء ولم يلتفتوا لي عناوين السور القرانية نفسها تلك التي وضعت مفاتيح التحضر والتقدم في أيديهم من مثل (القلم )الذي يقود الي المعرفة و( الشوري ) التي تقود الي الحرية فضلا عن ( الحديد )الذي يقود الي القوة وعندما استيقظنا وبدأنا فاعليتنا في مواجهة تفوق الآخر كنا قد غيبنا الدين في معظم مساحات حياتنا فأصبح الفعل لا برنامج له وضاعت البؤرة التي تستقطب الأفعال ففقدت قدرتها علي التأثير وأفلتت من بين أيدينا فرصة الحضور المؤكد في قلب العالم والمشاركة في صياغة خرائطه " (الوسيط في الحضارة الاسلامية : د . عماد الدين خليل )
ولعل ماسبق يلقي الضوء كيف يسير المسلمون منذ نكبتهم الحضارية الي الآن في خط معاكس تماما لتوجهات القران الكريم والسنة النبوية بالاضافة الي أننا في أمس الحاجة الآن الي العمل والقيادة المؤمنة بدورها الواعية تماما لرسالتها التي حث عليها دينها حيث الحاجة اليها في كل موقع من مواقع الحياة لتأثيرها الفعال في نهضة المجتمعات وكما أشار الي ذلك مالك بن نبي وغيره . كما يجب علينا في هذا الجيل أن نحسن المحاضن التي ينبثق منها هؤلاء الأبطال في شتي مناحي الحياة ونزودهم بالمعرفة الاسلامية الصحيحة لقيم دينهم وحضارته التي أشعت بنورها يوما علي العالم أجمع وحينذاك سيتغير وجه حياتنا ومجتمعاتنا الي الأفضل فحينذاك نستحق وصف الخيرية التي وصفنا بها في قوله تعالي : (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) ال عمران : 110 (فالخيرية هنا مشروطة وليست كما فهمنا خطئا أنها علي اطلاقها حتي ولو لم نفعل شيئا لادراكها )ان الاستثمار في بناء الانسان المسلم كما اراده الله ورسوله هو هدف جليل تضاءل دونه كل الاهداف علي جدتها وذلك لأنه علي سواعد هذا الانسان المؤمن ستنجلي غياهب الظلمات التي تحيق بأمتنا من كل جانب حيث يسفك دماء المسلمين هدرا وتضيع أموالهم في أيدي السفهاء بسبب أن تكويننا النفسي كان من أثر عصور التخلف الحضاري التي كان من نتيجتها السلبية والضعف والتخاذل والاستكانة والعجز عن مواجهة الظلم ...وأخيرا فان المجتمعات التي تتحمل فيها نظم التربية ومؤسسات التوجيه مسئولياتها ازاء الزلازل الجارية في ميدان القيم سوف تواكب مجري الحضارة المستقبلية وسوف تسهم في تحسين كيان الانسان ونقله من التخلف الي الرقي أما التي تكتفي بالسلبية فانها اما سترتد الي عصر الكهوف واما ستذوب في بوتقة التفاعل الجاري بين القيم العالمية المختلفة (التربية والتجديد وتنمية الفاعلية عند المسلم المعاصر : ماجد عرسان الكيلاني ص16 بتصرف )
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قراءة جديدة للقيم الحضارية في القران الكريم عبير عبد الرحمن يس منتدى العلوم والتكنولوجيا 1 16-06-2013 08:13 PM
عالمية الاسلام والعولمة الأمريكية عبير عبد الرحمن يس منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 25-09-2012 03:28 AM
الحقوق السياسية للشعوب (مدخل لدراسة الخطاب السياسي في القرآن الكريم ) عبير عبد الرحمن يس منتدى العلوم والتكنولوجيا 7 02-08-2012 07:10 AM
عوامل قيام الحضارة وانهيارها في القران الكريم عبير عبد الرحمن يس منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 26-06-2012 03:25 AM
بنك المعلومات.... عاشقة الازهار منتدى النقاش الحر والحوار الفكري البنّاء 4 16-12-2009 04:12 PM


الساعة الآن 11:30 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com