عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > منتديات الشؤون السياسية > منتدى العلوم السياسية والشؤون الأمنية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #26  
قديم 11-05-2007, 05:14 PM
الاسير محمد نعناع الاسير محمد نعناع غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 28
افتراضي




جزء اخر

ضوء الحرية يشع
-----------
في اليوم الثامن والعشرون من اقامتي في هذا المهجع الذي لايرى الشمس نودي على بعض اسماء الاسرى واسماء بعض المساجين ومن ضمن هذه الاسماء كان اسمي ايضا" ... طلب منا أن نذهب لكي نستلم الأمانات التي وضعناها قبل دخولنا الى محطة المحطات ... ففعلنا ذلك ونحن متجمعون أمام أحد الابواب ننتظر بفارغ الصبر ( اطلاق سراحنا ) ... نودي على اسمي وعلى اسمين آخريين من أسماء رفاقي الاسرى ونودي أيضا"على اسمين من المساجين ... ووضعوا الاصفاد في أيدينا ... كنا خمسة أشخاص ... ثلاثة من الاسرى واثنين من المساجين العسكريين ...

ادخلوني الى غرفة فيها محقق فابتدرني قائلا" : أنت مع ياسر عرفات أم مع أبو موسى ... وكان الاخير قد انشق عن منظمة فتح بمساعدة القوات السورية خلال عام 1983 وكنا قد سمعنا بهذه الاخبار ونحن في المعتقل وانا لاأعرف ( ابو موسى ) هذا ... كرر المحقق نفس السؤال : أنت من أنصار عرفات أم من أنصار أبو موسى ... فقلت له : أنا لاأعرف ياسر عرفات ولاأعرف أبو موسى وعندما تطوعت مع الفدائية كان هدفي فلسطين وتحرير فلسطين وأنا لايهمني الاشخاص ولا الأسماء ... فقال المحقق : ان جوابك هذا هو ( حنكة ) منك ... فمن أين تعلمت هذا الكلام ... فقلت له : اذا أردت أن تتعلم فاذهب الى معتقل انصار ... فقال : لماذا لا تتطوع في الجيش العربي السوري ... فقلت له : انكم لا تحاربون وأضفت بما معناها ( انكم تقولون أكثر مما تفعلون كرعد بدون مطر ) ... فنهرني ... فلم أكترث ... فقال : اذا أطلقنا سراحك هل ستتطوع مرة اخرى مع الفدائية ... فقلت له : نعم ... فقال : واذا منعناك عن السفر خارج البلاد ... فقلت له : أهرب من الحدود ....

هز رأسه مبتسما" ومتعجبا" ومعجبا" بصراحتي هذه وقال : اذهب ( الله معك وليحفظك الله ذخرا" للوطن ) ... لم أتحرك من مكاني فقد كنت أنظر اليه ونفسي حائرة بأسئلة تبحث عن أجوبة ... فقال لي : مابك ...؟ قلت له : أريد أن أسئلك سؤالا" فقال " اسأل ... قلت : لماذا هذا القيد في يدي ...!! قال : سنسلمك للشرطة العسكرية قلت : لماذا ...؟ قال : انك متخلف عن استلام دفتر خدمة العلم ومتخلف أيضا" عن الخدمة العسكرية نفسها ... قلت : ماهذه النكتة الساخرة ... !!! هل تمزح معي ... قال : ( لاوالله ) ... قلت ساخرا" : ( الحق معكم والله - لازم الاسرائيلية لما صار وقت تسليم دفتر خدمة العلم لازم كانوا يتركوني اجي استلم الدفتر وأرجع لعندون - ولازم كمان لما صار وقت خدمتي في الجيش لازم كمان يعطوني اجازة من الاسر مشان اجي اخدم في الجيش واتسرح وبعدين ارجع اروح اكمل بقية الاسر - كلامك مذبوط - الحق مو عليكون - الحق ع الاسرائيلية اللي ما تركوني ) ... فقال المحقق : أنا أتفهم قولك هذا ولكني أنفذ الأوامر وهذا هو الروتين ... فكل مواطن متخلف عن الجيش يسلم للشرطة العسكرية وأنا لاأستطيع أن أساعدك فقلت له : ان الله هو الذي يساعد الجميع وودعته وانصرفت الى رفاقي المنتظرين خارج غرفة التحقيق ...

لقد كنا نحن المقيدون الثلاثة من الاسرى متخلفون عن خدمة العلم وكان هناك اثنان آخران مقيدان ايضا" من المساجين الفارين من خدمة العلم سوف يشاروكوننا رحلتنا بالذهاب الى مقر الشرطة العسكرية في القابون وكانوا يعرفون بأننا كنا اسرى حرب لدى اسرائيل ...

وصلنا نحن المتخلفون عن خدمة العلم الى مقر الشرطة العسكرية وادخلونا الى غرفة المسؤول عن المساجين الذي يتم فيها التسليم والتوقيع ... وقع المساعد على ورقة كان قد قدمها له أحد عناصر الامن بأنه استلم منه خمسة افراد متخلفون وهاربون من خدمة العلم ... انفرد بنا مساعد الشرطة العسكرية نحن الخمسة بعد أن ذهبوا عناصر الامن فقال صارخا" : ( يالله ولاك - انت واياه - اشلحوا تيابكن مشان نفتشكن ) ... سمع السجينان الاثنان المرافقان لنا كلام المساعد وبدأوا بقلع ثيابهم ... فقد كانوا يعرفون ما معنى ( الشلح والتفتيش ) في مقرات الشرطة العسكرية ... فقد كانوا من زواره الدائمين بسبب هروبهم المتكرر من خدمتهم في قطعاتهم العسكرية ... ففي ثوان قليلة كانوا ( كطرزانيين ) في غابة من غابات افريقيا ... وأما نحن الاسرى الثلاثة لم نحرك ساكنا" وكنت قد رفعت يدي ( لأفك ) زر من أزرار القميص الذي ارتديه ... فانزعج المساعد مني وقال : ( اشو ولاك ما بتعرف اصول العسكرية - يالله شلاح ) ... جمدت في مكاني وأردت أن أبكي فخانتني الدموع ... وكنا نحن الاسرى قد أخذنا على أنفسنا عهدا" بأن لانقول لأحد بأننا اسرى ... مددت يدي ببطئ شديد لاحل الازرار من قميصي ... عندها قال أحد السجينين موجها " كلامه للمساعد : ( سيدي هدول ما هنا عساكر - هدول اسرى حرب كانوا عند الاسرائيلية ) ... اندهش ذلك المساعد كما اندهش غيره كثيرين عندما سمع هذا الكلام ... فااعتذر مباشرة على ( قلة أدبه ) معنا وقال : وقال الكثير ... الكثير ... ومن جملة ماقاله : ان مكانكم ليس هنا .... !!!!!!!!

ان السلاح الذي كنا نحمله كان يحمينا ... ان سلاحنا كان لايقاوم من قبل الذين يسمعون به ... فكلمة ( اسير حرب ) عندما تقال في السجون السورية تثير الشعور بالقومية والوطنية وتثير الشعور بالاعجاب والاستعجاب أيضا" ... ففي هذه الكلمة ( السلاح ) كان المساجين يفتحون لنا خزائن مأكولاتهم وتبغهم وقلوبهم ويجلسونا الى جانب زعماء مهاجعهم ... وأي شيئ تطلبه في هذه السجون تجده حتى أذا أردت أن ( تحشش ) فاالحشيش موجود ...

عندما أطلقت اسرائيل سراحنا كنا لا نمتلك المال فنحن ( مفلسون ) لا نملك قرشا" واحدا" لأن جنودهم سرقوا جميع ما نملك من أموالا" وحاجيات ...
كنا لا نملك الا كرامتنا عندما اطلقت اسرائيل سراحنا ... وعندما دخلنا الى الوطن لم يجدوا شيئ يسرقوه الا كرامتنا ... ؟؟؟!!!
سرقوها في سجونهم المعدة خصيصا" لاهدار واهانة وسرقة الكرامة ...
لم يعد هناك شيئ نملكه لكي نبكي عليه ... فلا مال ولا كرامة ولا( وطن )...
وهاهم بعض المساجين التعساء أمثالنا يعطفون علينا وعوضوننا بعض ما سلب منا ...

أمضينا نحن الاسرى الثلاثة ليلة واحدة في مهجع من مهاجع الشرطة العسكرية في القابون ... كنا نضحك في بعض الاحيان على دعابة يرويها لنا احد المساجين ... ونبكي تارة اخرى عندما نتذكر ما نحن فيه ...
أصبح الله علينا باالصباح وكان علينا أن نستعد لرحلة ثانية

جاءت سيارة الشرطة العسكرية الكبيرة ... فصعدنا اليها نحن الاسرى الثلاثة وبعض المساجين الآخرين
وابتدأت الرحلة الى حمص ...

والى جزء أخر

وتصبحون على وطن

اخيكم الاسير محمد نعناع
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 11-05-2007, 06:41 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Dr. R.W
ولاأعلم سبب تثبيت الموضوع لعهد قديم قد ولى في سوريا ......
اختي الفاضلة الدكتورة رزان..

تحية وتقدير لك ولكل الشعب السوري الشقيق .

اما بخصوص التثبيت فهو تكريم متواضع لاحد ( الاسرى ) هذه الفئة العزيزه، التي قصرنا وقصر الاعلام العربي عامة في انصافهم . ناهيك عن أساءة الحكومات العربية من المحيط الى الخليج لهم ونكرانهم ومضاعفة أحباطهم وآلامهم ومعاناتهم وما تزال وليس فقط مجرد التقصير بحقهم ...


أطيب المنى ..

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 11-05-2007 الساعة 06:47 PM
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 14-05-2007, 07:07 AM
الوشـق الوشـق غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 46
افتراضي

أخي الكريم
قبل أن تقبلوا تراب الوطن
دعونا نقبل أياديكم
أعرف أنكم لن تنظروا للوطن بسوء
واثق أنكم أنتم من يريد عز الوطن ورفعته
لك مني كل التحية والتقدير
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 15-05-2007, 04:14 PM
الاسير محمد نعناع الاسير محمد نعناع غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 28
افتراضي

الاخ الكريم ... مراقب سياسي 4

شكرا لك للتكريم والتعقيب

تقبل احترامي وتقديري


الاخ الوشق
أستغفر الله العلي العظيم ... ان المدافعين عن الاوطان من لصوص الداخل أو الخارج لايسعون الى تقبيل ايايديهم انما لرفع الظلم الذي ألم بنا وهذا يعود بخيره لأولادنا وشعبنا ومن ثم أوطاننا ( أبتدأ هنا بالاولاد ) لأن الانسان هو الاساس قبل الوطن ولولا وجود المواطن لما وجد الوطن ... وعند الله ... أن تهدم كعبة المسلمين ألف مرة أهون من أن يقتل أو يظلم انسان على وجه الارض ...
شكرا لأطرائك

تقبل احترامي وتقدري
الاسير محمد نعناع
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 18-05-2007, 07:39 PM
Dr. R.W Dr. R.W غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2003
الدولة: بلاد العُرب أوطاني.....
المشاركات: 913
افتراضي

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته :

اقتباس:
فما الذي يستطيع أن يضيفه الاسير محمد نعناع على اخوته الاسرى ممن كتبوا عن تلك المرحلة والمضمون واحد
ويستطيع أي مواطن أن يذهب الى أي مكتبة لأقتناء ذلك الكتاب وقراءته وربما يجد عناوين اخرى أيضاً ... كلها تروي معاناة الاسير محمد نعناع أو غيره من اخوته الاسرى ...
يمكنك أخي الكريم أن تصف تجربتك الشخصية أنت بعواطفك أنت في ذلك المعتقل الذي منحك اليوم هذا المجد والمحبة والشرف من كل من يقرؤونك اليوم ...,والاعجاب حتى من سجانينك الذين حدثتنا عنهم .......وعندما نريد التحدث بانصاف عن تلك الحقبة التي تم فيها سجنك وتنقلك بين السجون السورية فلظروف سياسية وأمنية واضحة تماما" لتلك الفترة

بلد دخل في حرب لبنان ، التي وصل فيها الجيش الاسرائيلي الى قلب بيروت وبات بينه وبين دمشق ( رمية حجر )
الصراع الأهلي في لبنان وتدخل السوريين في ذلك الصراع ، (ولاأريد الآن فتح باب الحوار حول ذلك ولكن هذا ظروف أمنية سيئة بحينها ) وتدخل الصراع بين سورية والعراق عبر لبنان والتفجيرات التي كانت تحصل من العراقيين في سورية ( وهذا من ذاكرتي كطفلة لاأتجاوز العاشرة من عمري حينها)

سورية نفسها والصراع الذي كان سائدا"والعمليات التفجيرية التي كان يقوم بها أخوان المسلمين ،
وأضفت أنت مشكلة المقاومة والانشقاق والخلاف بين سورية وعرفات .....اذا" من الانصاف ذكر كل ذلك يامحمد .....في وضع كانت فيه سورية في عام 1982 -1983 في أسوأ ظروفها الأمنية .....

عدا فيما بعد من الانشقاق لرفعت الأسد ...وغير ذلك

اذا" أخ محمد من الانصاف أن تذكر كل هذا في حديثك.........فالبلد اليوم مختلف كثيرا" .....

أنت تقول اطلاق سراح المعتقلين السياسيين جميعهم ؟؟؟؟؟.....حتى ولو كانت أمريكا تطالب باطلاقهم وقد كان د. بشار واضحا" بذلك حين قال طالما أنهم يطالبون بأسماء محددة فلا يمكن اطلاق سراحهم ........وأؤيده بذلك والشاهد ما نشاهد اليوم في الساحة اللبنانية .....؟؟؟ ورفع قانون الطوارئ ..رغم ما حصل في السنتين الماضيين من شهود زور ومحكمة دولية تحاول لف حبل المشنقة على سورية ....وحرب تموز التي كان ينبغي أن تمتد لسوريا لولا لطف الله ونصره .....

اقتباس:
نعم أنا أعترف بأني من المعارضة السورية المستقلة وهذا وسام أعلقه على صدري وجبيني وأقيم في حلب حالياً والاجهزة الامنية تعرفني جيداً وأنا لاأخافهم
لاأرى برنامجا" واضحا" لأي فريق معارضة سوى الوصول الى كرسي الحكم ........وبعدها الفوضى الخلاقة ....اذ هذا هو القانون ، والتمسك من جديد بالكرسي تماماط كما يحصل في العراق ولبنان .....يامحمد ....حتى يغيروا مابأنفسهم ......فاللص والفساد والرشوة ستبقى هي هي ...مهما تغيرت الوجوه ....مالم تزرع الرقابة الذاتية ....ليس المهم قمة الهرم .. ..اذ لابد من الأساس المتين ، المكين ,,,,,وأي بناء دون أساس سرعان مايسقط .....، وهاأنت اليوم تعيش اليوم في وطنك .....في مدينتك ، تربي أبناءك ....تبني أحلامك ,,,,تعارض ,,,تقول كلمتك ,,,,تمارس حياتك ....، ولن يأتي غدا" من المعارضة من هم أفضل من الموجودين ,,,,,فتجربة العراق واضحة للعيان ,,,,,والنحل عندما يشبع يتوقف عن اللسع .....وهذا أفضل لنا من نحل جديد .....

دمت بخير حرا" .....في وطنك .......لم يخرب البلد الا ضعف النفوس من أصغر عامل تنظيفات .....ولن يعمر البلد الا اصلاح تلك النفوس .....أيضا" بدءا" من اصغر طفل يأبى أن يرمي ورقة في الشارع ....
رد مع اقتباس
  #31  
قديم 08-06-2007, 09:00 PM
الاسير محمد نعناع الاسير محمد نعناع غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 28
افتراضي



سجن البولوني
---------
وابتدأت الرحلة الى حمص وكنا نتحدث فيما بيننا لكي نضيع الوقت فقال أحد المساجين الفارين من خدمة العلم : ( اشبكن ياه - ليش خايفين - اذا سجن اسرائيل ما خفتوا منو ) ولكنه لم يكن يعلم بأننا لسنا خائفين انما كنا مجروحين ومذبوحين ... اننا كنا نشعر بمرارة ليس بعدها مرارة ...
وصلنا الى الى مقر الشرطة العسكرية في حمص وبالتحديد ( سجن البولوني ) ... قال لي أحدهم : ان هذا السجن قد بناه الفرنسيين ابان احتلالهم لبلادنا وكانوا يستخدمونه كا ( اسطبل ) للخيول ولم أصدق أو أكذب هذا الخبر الذي سمعته وقلت لنفسي متسائلا" : هل خرج الفرنسيين المحتلين لبلادنا أم لا ...؟؟؟!!!
هنا أيضا" في هذا الاسطبل اهينت كرامتنا وسلبت ... هذا اذا كان قد بقي منها شيئ في الاصل من المحطات السابقة ...
هنا في هذا الاسطبل لم نقل لحراس السجن بأننا اسرى وطلبنا من المساجين أن لا يقولوا لأحد أيضا" ...
هنا في هذا الاسطبل تعرينا كما تتعرى أوراق الشجر في فصل الخريف ... ففي احدى مقصورات ( حصانا" ) من أحصنة الفرنسيين المحتلين السابقين المليئة باالمساجين كنت أسند رأسي على مخدتي ( المخدة هنا هي الحذاء ) بدون فراش أو غطاء تحتي أو فوقي وأتفكر بما حصل ويحصل لي في هذه الحياة ... وكيف سألتقي بأهلي وأنا على هذه الحال من ثياب ممزقة ومتسخة ... ( وهنا دخلت حيوانات جديدة الى الاسطبل ) عفوا" ... ودخل مساجين جدد وسمعت صوتا" يقول لأحدهم ( هون في واحد من ضيعتك - روح لعندو) وصرخ نفس الصوت وقال : ( يا حريتاني في واحد من ضيعتك - تعا شوفوا ) ... كان الكلام موجها" لي ... فأنا من قرية من شمال حلب واسمها ( حريتان ) وتبعد عشرة كيلومترات عن حلب ... وانا قد ولدت في حلب وأعيش فيها ولاأعرف أحدا" في ( ضيعتي ) وكنت أزورها في المناسبات فقط ...
وقفت مرحبا" ومضيفا" لأبن الضيعة هذا الذي لاأعرفه ... وبعد أن ذكرنا أسمائنا لنتعرف على بعضنا البعض ... سألته : ماهي جريمتك ...؟ فتبسم ياأيتها وقال : ( قصتي بضحك وبتبكي بنفس الوقت ) وأضاف قائلا" : أنا عسكري وأخدم في الجيش العربي السوري برتبة صف ضابط في الخدمة الالزامية وكنت قد أخذت اجازة من قطعتي العسكرية التي أخدم فيها وذهبت وأمضيت الاجازة مع أهلي ...وفي مساء اليوم الاخير من الاجازة ودعت أهلي لكي أسافر والتحق بالقطعة العسكرية التي أخدم فيها ... وبعد أن ركبت في الباص وأبتدأت رحلة السفر ... وعند ابواب حلب ( التمثال ) توقف الباص لوجود دورية من الشرطة العسكرية ... فصعد أحد أفراد الدورية وطلب مني الاجازة فأعطيته اياها وعندما قرأها قال لي : ان اجازتك منتهية وأنت متخلف عن قطعتك العسكرية ... فقلت له : كيف ذلك ... فقال : ان الوقت الآن هو الثانية بعد منتصف الليل واجازتك تنتهي الساعة الثانية عشرة ليلا" ... فقلت له : اني الآن ذاهب الى قطعتي العسكرية فلم يرضى بهذا الكلام وأمرني بالنزول من الباص ... فنزلت وارجعوني الى حلب ووضعوني في سجن الجميلية التابع للشرطة العسكرية يومين ... وها أنا اليوم في سجن البولوني معك ... !!!! قلت له : الى أين سيأخذونك الآن ...قال : الى قطعتي العسكرية ...
اندهشت من هذا الكلام الذي أسمعه للحظة وعدت وقلت لنفسي : لماذا تندهش ...؟ فها أنت تعاني أكثر منه ... غمزني ابن ضيعتي وقال لي : وأنت ماهي جريمتك ... فقلت له : جريمتي كبيرة جدا" ( ومن كبرها ما ع بحسن اشيلاها ) وقصصت عليه حكايتي العجيبة التي أعاني منها ... هذه الحكاية التي سوف أرويها للأحفاد عند نومهم واستيقاظهم ... وأرويها للتاريخ ... وعندما سمع ابن ضيعتي هذه الحكاية استغرب ذلك وهانت عليه مصيبته أمام مصيبتي وكان قد عرف من خلال سردي لقصتي بأني لاأملك في جيبي قرشا" واحدا" ... فأخرج محفظته وأعطاني بضع مئات سورية من النقود فشكرته على ذلك وقلت له : سوف أرد هذا المال ان شاء الله في يوم ما اذا بقيت حيا" ...
وسهرنا باقي الليل نتسامر وندردش ونخفف عن بعضنا البعض هذه الاحداث التي مرت علينا حتى أتانا الله بالصباح وبنوره لاح ... فجاؤوا بالافطار ( ففطرنا ) وحمدنا الله ... وبعد ذلك نودي على اسمائنا نحن الاسرى الثلاثة ونودي أيضا" على بعض اسماء المساجين العسكريين ... فقد كانوا ينوون ترحيلنا الى محطة اخرى ...
جاؤوا ( بميكروباص ) مدني وأخذوا اجرته من جميع المساجين وقد كنا نحن من ضمن المساجين ... فدفعت الاجرة عني وعن رفاقي الاثنين ... وابتدأت الرحلة الى مدينة طفولتي وأحلامي ... الى مدينة حلب ....
وفي الطريق الى حلب والعربة تنهب الارض نهبا" ... عرف المرافقون من الشرطة بقصتنا وتعرفوا على بعض مآساتنا من خلال القطع التي كنا صنعناها في المعتقل وهذه القطع كانت ترمز بشكل ما لحياتنا داخل المعتقل ... وكنت قد صنعت ( مشطا" ) من قطعة خشب ( من سحارة خضرة ) وهذا المشط كان بشكل رجل يجلس متربعا" ويضع يديه على رأسه ورأسه الى الأسفل وكنت قد صنعت أيضا" ( مسبحة ) من خشب وكانت جيدة الصنع وأراد الشرطي أن ( يلطشها ) فمنعته عن ذلك وكان هناك أيضا" بعض الاحجار القاسية ( من الصوان ) قد نحتها باشكال مختلفة تعبر عن المآسي التي كنا نعيشها وكان هناك أيضا" بعض النحاسيات التي حفرت عليها بعض الأسماء والرسومات للذكرى ...
ان كل هذه الاعمال كانت يدوية وكنت قد وضعتها في حقيبة مصنعة يدويا" من بعض مناشف الحمام ... وفيما الشرطيين ( يبحبشان ) ويتفرجان على هذه القطع التي أعتبرها تاريخية بالنسبة لي ... وجد أحدهم عشرة ليرات لبنانية داخل الحقيبة فأخذها وقال لي : بأنه سوف يأخذها كتذكار مني ...
ياالله ... أين نحن ...؟ وأين هو ... ؟
حتى في هذا الموقف لم ينسى نفسه بأنه ( شرطي )
ومتى كان المال يأخذ كتذكار ... !!!!!


الصنم
----
وصلنا الى بوابة حلب الشهباء ... وصلنا الى رمز حلب ( التمثال ) ...
اني لاأحب التماثيل لأني أعتبرها كا الاصنام في الجاهلية ... ولكن كانت هناك نشوة عارمة بمجرد رؤيتي لهذا التمثال الذي يرمز لوصولنا الى حلب ... وهاهي الساحة التي نقول عنها ( الكرة الارضية ) ترحب بزوارها الغائبين كأنها تعرفنا ...
ياالله ... لقد وصلنا حلب ...
يالله ... ماأجمل ذلك ...
لقد أصبحنا في قلب حلب ...
فأين قلبك ياأماه ...؟
انطلق ( الميكروباص ) الى مقر قيادة الشرطة العسكرية في الجميلية وكانت الساعة تقريبا" في ذلك الوقت الثانية عشرة والنصف ظهرا" ... ودخلنا الى هذا الفرع الذي يشبه القلعة المحصنه ببوابته الكبيرة ...

والى جزء آخر في يوم آخر
وتصبحون على وطن
الاسير محمد نعناع

[line]

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 09-06-2007 الساعة 01:06 AM
رد مع اقتباس
  #32  
قديم 19-06-2007, 11:11 PM
الاسير محمد نعناع الاسير محمد نعناع غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 28
افتراضي

سجن آخر
------
تم التسليم والتوقيع بين شرطة حمص وشرطة حلب
ادخلونا الى مهجعا" كبيرا" جدا" يستوعب المئات من السجناء وكان علينا أن ننام في هذا السجن الى ثاني يوم حتى يقوموا بتسليمنا الى شعبة التجنيد العسكري .
في هذا السجن الكبير كان هناك الكثير من السجناء الذين عرفوا بأننا ( اسرى ) وأما بالنسبة لعناصر السجن فلم يعرفوا بذلك ولم يقم احد باخبارهم
في تلك الليلة كنت انام واستيقظ ...
انام واحلم ... استيقظ واحلم ...
فأين أنت ياأماه ... لتشاهدي ابنك ...
فهذا الليل طويل جدا" ياأماه ...
هذا الليل ياأماه ذئب جائع سفاح ... أردت الهروب منه الى النهار ...
وكم عانيت ياأماه ... فهذا الليل كان من أطول الليالي ...
اخيرا" هربت من ذلك الليل ( الوحش ) الى النهار ... فقد بدأت الاضواء تتسرب من خلال نوافذ بعض الشبابيك والابواب وجلست أدخن لعل التدخين يقرب المسافات ويقتل الوقت ... ولم تكد تنتهي لفافة التبغ حتى ألقمها بأخرى ... وأزف الوقت اخيرا"
كانت الساعة التاسعة صباحا" من يوم 23 - 11 - 1983 ... فتح الباب وسمعت صوتا" يقول: ( تفقد - يالله ع التفقد ) ... لم أفقه واعرف معنى هذه الكلمات ولكن رأيت جميع السجناء يقفون ويصطفون وراء بعضهم البعض ... ونادوا علي لكي أقف واصطف معهم .
ابتدأت الاسماء تتلى من قبل عنصر من الشرطة العسكرية برتبة ( مساعد ) والسجناء كانت ترد وتقول : نعم , حاضر , موجود ... انه كان التفقد الصباحي وتحية العلم وهذه الشعائر تقام كل صباح ... حين أذكر هذا ... أتذكر ( العد ) الصباحي الاسرائيلي فانهم كانوا يقومون بهذا الامر ( بالعد ) بشكل يومي في الصباح
كنت واقفا في الصف وفي يدي لفافة التبغ ... فصرخ المساعد وقال : ( كب السيكارة ولاك ) ولكني كنت لست موجودا" ... كنت بعيدا" عن هذا المكان السيئ ... وكرر كلامه وانا لست هنا ... فقد كانت روحي تسبح في اللاشيئ ... وصرخ لكي أذهب اليه وانا لست هنا ولست معه ... أيقظني احد رفاقي التعساء من احلامي ومنامي بهزة من يده وهو يقول : المساعد ينادي عليك ... فذهبت اليه ولفافة التبغ مازالت في يدي ولم أكن أفطن لوجودها ولم أكن اعرف لماذا يناديني ذلك المساعد ... فقد كنت كالأبله والمجنون الذي لايعي مايدور حواليه
كان المساعد يصرخ علي ويتهددني ويتوعدني ...وأنا كالمجذوب ... فقال لي : ( مابتعرف اصول العسكرية ولاك , ليش ما ع بترد , كبه من ايدك ) ... وانا لا أفقه شيئ من كلامه ... فلماذا يتهددني ...؟ ماذا فعلت ...؟ وما معنى كلامه ب ( كبه من ايدك ) ... ماذا هناك في يدي ... واخيرا" ضرب يدي التي تحمل ( السيكارة ) فوقعت على الارض وأنا تائه في عالم آخر ... كانت نفسي هائمة في كل الاتجاهات وبدون اهداف ... فعرفت حينها ... لماذا كان يصرخ علي ... فأردت أن أفتح فمي لكي أرد عليه فلم يساعدني لساني على الكلام ... لقد أصبحت أبكم ( أخرس ) ... أردت أن أبكي ولكن عيناي لم تساعدني على البكاء ... فنحرني بيده على صدري نحرة خفيفة وقال لي : اذهب الى الصف ... فذهبت ووقفت في هذا الصف اللعين حتى انتهى التفقد ... وأغلق باب السجن مرة اخرى .
انني لن ألوم ذلك الشخص ( المساعد ) الذي نعتني وضربني لأنه لايعرفني ... لايعرف بأنني ( ذبحت وتعذبت مرتين ) ... فمرة عند اعدائي الصهاينة ومرة اخرى في بلدي عند اخواني واصدقائي ... لايعرف بأنني كنت اسيرا" عند اسرائيل ( الله يسامحه ) ولكني لن أسامح أبدا" الذين تسببوا في مآساتي هذه .
فتح الباب مرة اخرى وكانت الساعة الحادية عشرة ظهرا" تقريبا" ونودي على اسمي واسم احد رفاقي الاسرى المولود في حلب وأما رفيقنا الاسير الثالث فقد بقي في السجن لأنه من محافظة دير الزور وينوون ترحيله الى هناك ونودي ايضا" على ثلاثة من السجناء العسكريين الذين يعرفون بأننا (اسرى) ... فأصبح عددنا خمسة من المساجين ... اثنان من الاسرى وثلاثة من العسكريين .
جاء الحراس بجنزير طويل قيدوا ايدينا فيه بشكل جماعي وانتظروا بعض الوقت ليأخذوا الاذن بالانطلاق بنا الى شعبة التجنيد
وفي خلال هذه الفترة انتبه احد حراسنا للسترة التي كنت ارتديها بدون ازرار ومن دون ثياب داخلية وبصدر مفتوح ... يعني ( ع طاق اللحم ) ونحن في فصل الشتاء ... فقال لي : ( زر الازرار وسكر صدرك ) ... فقلت له وببرود شديد وبعدم اكتراث : ( مافي ازرار ) فقال : ( خرطها في البنطلون , شنو ما بتعرف اصول العسكرية ولاك ) ... هنا تدخل أحد السجناء موجها" كلامه لهذا الحرس قائلا : ( هادا ما هوى عسكري ... هادا كان اسير ) فرد الحرس بدون أن يهتم بكلمة ( اسير ) وكانت لهجته تدل على أنه من المنطقة الشرقية قائلا : ( ايه شنو يعني فيها ... آني شنت يسير كمان في تدمر ) ... هنا جائتني البسمة لأول مرة في سورية من كلام هذا السجان البسيط وعفويته ... فأوضح السجين العسكري للسجان بأن قال له : ان هذا الواقف امامك كان اسيرا" عند الاسرائيليين ... حينها اندهش السجان من هذا الكلام وبدأ يسألني عن بعض الاسماء المفقودين في الحرب بعد أن فك قيودنا من ذلك الجنزير الذي في ايدينا .
ركبنا سيارة الشرطة العسكرية المغلقة وعرف مرافقونا بأننا اسرى فعاملونا معاملة جيدة خلال انطلاقنا الى محطتنا الجديدة
توقفت العربة عند قيادة موقع حلب في الجميلية لتوقيع بعض الاوراق والعربة لها بابا" خلفيا" ومكانا" يجلس فيه الحرس لحراسة المساجين وكان هذا الباب قد فتحه الحرس لكي يحدثنا نحن الاسرى ... فكان يسأل ونحن نجيبه ... وفي هذا الوقت بالذات كان هناك اطفالا يغادرون مدارسهم وكانوا قد تجمعوا حول العربة يستهزؤن بنا ويضحكون علينا ... ورمى احد الاطفال بقطعة من ( العلكة ) وقال : ( خدوها تسلوا فيها في السجن ) وقال طفل آخر وهو يضحك : ( هيه .. هيه .. هلأ بدون ياخدوكن ويقتلوكن ) ...
هؤلاء الملائكة الاطفال لايعرفون من نحن ...
كم قاسيت في هذه اللحظة ...وفي هذا الموقف بالذات ضحكت وشعرت بالدموع تنساب على خدي وتتساقط كمطر الربيع لايمنعها شيئ عن التوقف ... فقد كنت أبكي وأضحك في نفس الوقت ...
ياالله ... ماهذا ...؟ اخيرا" ولأول في سورية أستطيع أن أكحل عيناي بالدموع ... لقد خذلوني في أكثر من مكان ... لقد كنت محروما" حتى من البكاء ... اخيرا" رأيت الناس تمشي في الشوارع ... وهؤلاء الاطفال ماأجملهم وماأجمل ابتساماتهم وماأقدس برائتهم ...
انني كنت محروما" من أبسط حقوق الانسان الحياتية ... محروما" من أن أرى الناس ... محروما" من الشوارع ... وحتى في بعض الاحيان كنت محروما" من أن ( أبول ) ...
ياالله ... ماهذا ... هاهي حقوقي الانسانية عادت الي ... فها انا أبكي بكل حرية وبدون قيود من أي سلطة تمنعني عن ذلك
ان حقوق الانسان الحياتية مثلها مثل الارض المحتلة لاتؤخذ الا بالقوة ... وليس بالدعاء او التمني ... انما بالعمل ...؟؟؟
انتهوا من التوقيع والامضاء في قيادة ذلك الموقع وانطلقت بنا العربة مرة اخرى الى شعبة التجنيد ... الى آخر محطة .

والى اللقاء مع الجزء الاخير
وتصبحون على وطن
الاسير محمد نعناع
رد مع اقتباس
  #33  
قديم 12-04-2009, 01:51 AM
الاسير محمد نعناع الاسير محمد نعناع غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 28
افتراضي

المحطة الاخيرة
----------------
دخلت الى شعبة التجنيد برفقة ( مساعد الشرطة العسكرية ) وكانت مزدحمة بالمراجعين , فقال ( المساعد ) للموظف المسؤول وهو يشير الي : هذا كان اسير حرب لدى اسرائيل فأرجوا منك أن لاتأخره باجراء تسليمه ( دفتر خدمة العلم ) ... فوقف الموظف مرحبا" ومؤهلا" وأجلسني على مقعد بجانبه وقال لي : انتظر لحظات قليلة وانهي عملك ...
هنا صافحني المساعد مودعا" وقال : ( هون انتهت مهمتي , يالله السلام وعليكم ) وذهب ... وأما الموظف فقد أحضر لي كوبا" من الشاي وضيفني ( سيكارة ) وهو يتسائل ويسأل ويتعجب عندما كنت أجيبه على أسئلته ...
اخيرا" ... سلمني دفتر خدمة العلم وقال لي : ( خلصت شغلتك , بس استنى هلأ أنا بوصلك بسيارتي لعند أهلك بس يخلص الدوام ) ... فقلت له : لا , أريد أن أذهب الآن , ووشكرته وودعته وانصرفت الى حال سبيلي حرا" طليقا" لأول مرة في سورية ... ومن يملك ارادة الحرية يحرر العالم ...

يادامي العينين والكفين ان الليل زائل ............. لاغرفة التوقيف باقية ولا زرد السلاسل
نيرون مات , ولم تمت روما بعينها تقاتل ......... وحبوب سنبلة تجف ستملأ الوادي سنابل

كنت قد نمت ثلاثة ليالي في مقرات الشرطة العسكرية من اجل استلام هذا الدفتر اللعين ... ألاأستطيع أن أستلم هذا الدفتر بدون هذا السجن ...
ان الشعبة التي دخلتها برفقة أحد حراس الشرطة العسكرية هي شعبة جبل سمعان في حلب ( في جب القبة ) وهذه المنطقة كنت لاأعرفها سابقا" مع العلم بأنني قد ولدت وأعيش في حلب ...
خرجت من شعبة التجنيد طليقا" حرا" هائما" على وجهي لاأعرف أين أنا ولا الى أي جهة أذهب ... فقد كان منظري مروعا" , فثيابي مهلهلة ومتسخة وممزقة من الركبتين والمؤخرة من الطرفين ... وكان رأسي محلوق الشعر وأما ذقني فهي طويلة بعض الشيئ وأما وجهي ويداي فهم سوداوان من الأوساخ ...
فهذا هو حالي عندما خرجت من شعبة التجنيد في ( جب القبة ) في حلب ... في سورية ... حرا" طليقا" ...
وأما حالي عندما خرجت من ( معتقل اسرائيل ) فكان العكس من ذلك , فقد جاء الاسرائيليين بألبسة جديدة , لبسناها وخرجنا طلقاءا" وأحرارا" ...
جلست على أحد الارصفة في أحد الشوارع الرئيسية في ( جب القبة ) متفكرا" بحالي وهيئتي تدل على مدى تعاستي وكل من يراني على هذا الحال يحسبني متسولا" ... جلست طويلا" أقارن بين معتقل اسرائيل وبين معتقل بلادي ... وكم كنت أتعذب من ذلك التفكير ومن تلك المقارنه ...أحسست بأن الناس يتغامزون علي وأنا أجلس على ذلك الرصيف , فقررت أن أتحرك من مكاني ... فأوقفت ( سيارة اجرة ) وصعدت اليها وعندما نظر السائق الى هيئتي حسبني متسولا" فأراد أن ينزلني من السيارة , فقلت له : أنا لست متسولا" وقصتي طويلة ورجوته أن ينطلق وأفهمته بأنني أملك المال ... عندها انطلق السائق متمتما" واضعا" يده على انفه ليمنع تلك الروائح العفنة التي تنطلق مني أن تصل اليه فقال : الى أين تريد الذهاب , فقلت له : الى البلد ... فقد كنت أريد أن أشتري ألبسة لكي ألبسها عوض الثياب المتسخة والممزقة ... فليس من المنطق أن أذهب الى اهلي بتلك الثياب العفنة ... تجاذبنا بالحديث أنا والسائق , فسألني : من أين أنت ...؟؟؟!!! فاني أرى لهجتك غريبة ...!!! ... فقلت له : أنا من حلب ولكن كنت اسيرا" لدى الاسرائيليين واليوم اطلقوا سراحي وها أنا بين يديك وأنت أول انسان في حلب يعرف ذلك وكنت أقصد بأنه اول انسان يعرف بأني ( اسير ) وأنا حرا" طليقا" ... فقال لي : ( اهلك بيعرفوا انوا انتا هلأ في حلب ) فقلت له : لا , فان أهلي لم آراهم منذ عامين واليوم سوف أذهب اليهم ... فبكى ذلك السائق وأبكاني معه ...
يارباه ... ان هذا السائق قد بكى على هذا المتسول الحقير الذي أمامه ... فمسح دموعه وقال : أأنت مشتاق لأهلك , فتأوهت والدوموع قد اغرورقت في عيناي قائلا" : ( حتى أحجار حلب أشتقت اليها ) , فرد علي قائلا" : سوف أريك بعض الاماكن التي تغيرت في حلب خلال العامين الماضيين ... فأخذني الى جانب الحديقة العامة وآراني مجرى نهر قويق المسقوف والمجمل بالورود وبعد ذلك طلبت منه أن ( يوصلني ) الى ( البلد ) وأقصد هنا بالبلد >> مركز المدينة ... فعندما وصلنا الى المكان الذي أريده أخرجت بعض النقود لأعطيه فلم يقبل أن يأخذ مني , وكررت المحاولة ولكنه كان قد أقسم بأن لا يأخذ مني أي قرش , فشكرته وترجلت من السيارة ... وذهب في حال سبيله ... وأما انا فتوجهت الى احدى ( المحلات الرياضية ) فاشتريت ألبسة رياضية , وقلعت جميع ملابسي الممزقة التي البسها ووضعتها في حقيبة كانت معي ولبست الالبسة التي اشتريتها ... ونظرت الى المرآة التي أمامي وقلت لنفسي : قبل قليل كنت شابا" متسولا" وأما الان فأنا شابا" رياضيا" ... وهذه الالبسة كم تغير من شكل الانسان ... ونحن العرب نحترم المظاهر ولا نحترم الانسان ...
خرجت من ذلك المحل شابا" رياضيا" وتوجهت الى الحديقة العامة والتقطت صورة تذكارية أتذكر بها أول يوم أدخل فيها الى حلب وبعد ذلك ذهبت الى موقف السيارات الخاص بالسفر الى ( ضيعتي ) وركبت احداها , فقد كنت وعدت نفسي وأنا في الاسر عندما جائني خبر وفاة ( خالتي ) أن أذهب وأزور قبرها قبل أن أذهب الى أهلي ... وصلت الى الضيعة ولاأعرف أحدا" ولا أحدا" يعرفني وهاهي المقابر جاثمة امامي ولكن أين هو قبر ( خالتي ) ... لاأعرف ... كان لي اختا" أصغر مني متزوجة من ابن عم ابي في الضيعة , فذهبت اليها , وكم كان اللقاء مؤثرا" عندما رأتني وأخبرتها بأني لم أرى اهلي لأني نذرت على نفسي أن أزور ( قبر خالتي ) قبل أن أذهب الى أهلي ... فقالت لي : أذهب الى أبو جلال فهو يعرف قبور الضيعة كلها ... ان ابو جلال هو احد الاقرباء لنا من نفس العائلة وكان يعمل في ( معمل نسيج ) مع والدي في نفس المكان ...
عندما دخلت الى بيت ( ابو جلال ) وتعرفوا علي ( قاموا وسلموا علي ) وقال لي ابو جلال : ( هلأ كنت مع ابوك في الشغل بس ماقلي انوا انتا جيت ) ... فقلت له : لم اذهب الى ( بيت اهلي ) بعد ... ولا يعرفوا أهلي بأني في سورية وأفهمت ابو جلال السبب بذلك ... فقال لي : ( اذا هيك الشغلة , بسيطة , أنا بعرف قبر خالتك ) ولكنه أقسم أن لاأخرج من داره الا اذا شربت الشاي ... فلبيت طلبه وشربت الشاي ... وبعد ذلك ذهبنا الى المقابر وقرأت ( الفاتحة ) لخالتي ولجميع المسلمين ... وعندما انتهينا من زيارة القبور قال لي ابو جلال : سأذهب معك الى حلب و ( أبشر أهلك وآخذ البشارة ) ... فقلت له : هيا بنا ...
وصلنا الى الاشرفية وهو حي من أحياء حلب الشعبية مستقلين سيارة اجرة أوقفتها على ( رأس الشارع ) الذي يسكن أهلي فيه ... وعندما نزلت من السيارة شاهدني شاب صغير من جيراننا في ( الحارة ) فركض ذلك الشاب من أول ( الحارة ) الى منتصفها حيث يسكن اهلي وهو يصيح بأعلى صوته قائلا" : ( يا بيت ابو أحمد اجا ابنكن محمد ) حتى وصل الى باب بيت أهلي فأمسك ( السقاطة ) وبدأ يطرقها بقوة وهو يصيح : ( يا بيت أبو أحمد اجا ابنكن محمد ) ... كان ( ابو أحمد ) هذا هو والدي وكان لي أخ أكبر مني أسمه ( احمد ) ...
ان ( البيوت ) المعمرة في ( حارتنا ) كلها كانت بيوتا" عربية وساكينيها يعرفون بعضهم البعض , وعندما سمع الجيران هذا الصياح ... فتحت الابواب ... وفتحت الشبابيك ... وأطلت منها الرؤوس تستطلع الخبر من هذا الصياح في الشارع ... كانت أقدامي تسرع الخطى بدون أمر مني ... فها هو باب بيتنا مازال على حاله , انه مصنوع من الخشب وعلى درفتين وكان قد صنعه ( خالي ) في عام 1968 ... انني اشتقت لهذا الباب الذي فارقته منذ عشرين شهرا" تقريبا" ... فقد كنت فارفته في يوم 4- 4- 1982 في الساعة الحادية عشرة قبل الظهر وكان عمري انذاك ثمانية عشر ربيعا" وثلاثة أشهر وها أنا أعود اليه في يوم 23- 11 - 1983 وعمري عشرين ربيعا" تقريبا" ... وبلمح البصر دخلت من هذا الباب وكان اللقاء ... وما أصعب هذا اللقاء ... وماأجمل ذلك اللقاء ...
كانت اختي الصغيرة ( ميساء ) أول من رأيته ورآني من أهلي ... وكنت أحبها كثيرا" ... وهي كانت تحبني ... وكنت اشتري لها ( العلكة ) كل يوم ... وعندما كنت في الاسر ومن خلال الرسائل المتبادلة بيني وبين اهلي عن طريق الصليب الاحمر الدولي عرفت بأنها كانت تسأل علي كثيرا" وتقول : ( امتى بدو يجي اخوي محمد ) وكانوا اهلي يقولون لها : ( بكرا محمد بدو يجي ويجبلك العلكة ) ...
عندما سمع اهلي ذلك الصوت الذي يقول بأن ابنهم ( محمد ) قد جاء , قالوا لأختي الصغيرة ( ميساء ) : ( اجا محمد ) , فركضت لتستقبلني ... وركضت اليها وفي يدي علبة ( العلكة ) ولكنها هربت مني وهي تقول : ( هادا ماهوى اخوي ) ...
يالله ... ماهذا ... ان اختي لم تعد تعرفني ... فتساقطت الدموع حينها من عيناي ... فما أقساك يازمننا ... يازمن التعساء من أمثالنا ... وعندها رأيت والدي ووالدتي يهرولون نحوي ... فرميت نفسي أدفنها في احضانهم كأني كنت هاربا" من وحشا" مفترسا" يريد أن يبتلعني ... وكان اللقاء حارا" جدا" ... والدموع تتساقط بغزارة كأنها أمطار الربيع ... وجاء دور اخوتي فاحتضنتهم وأنا أقبلهم وهم يقبلونني وكنا نبكي بكاء الفرح وكان هناك بعض الناس من الجيران يبكون معنا ... وكان يوما" مابعده من يوم ... لقد كان بالنسبة لي يوما" تاريخيا" سجلته في ذاكرتي ولن تستطيع أن تمحوه الايام والسنون ...
لاأستطيع أن أوصف ذلك اليوم بما اعتراني من مشاعر واحاسيس ... فالقلم يعجز عن كتابته على الورق ... فقد كان خليط بين الحزن والفرح ...
عمت البسمة وحضر الفرح الى بيتنا اياما" ونحن نستقبل الاقرباء والاصدقاء بمناسبة اطلاق سراحي من الاسر ...
وتوالت الايام وأقول كما قال الشاعر ( ابو البقاء الرندي في رثاء قرطبة ) :

لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... ان كان في القلب اسلام وايمان

الخاتمة
====
ومات الفرح في قلبي ... وانتهى شهر العسل ... ( وذهبت السكرة وجاءت الفكرة ) ... وبدأت الاسئلة تتراكم وتطرح نفسها على نفسها ... ولا جواب ... وليس هناك من يستطيع أن يجيب على أي سؤال ...
وقصتي لم تنتهي بعد والمعركة مازالت قائمة ... والسيف مازال في يدي ...
ولا يغركم بعض السيوف المزيفة والمرفوعة هنا وهناك ...
فان الابطال الحقيقيين لأي معركة كانت ... اما انهم مدفونون في قلب المعركة او مدفونون في قلب الحياة ...
فنحن في زمن الفضائح ...
نحن في زمن كرم فيه الجبناء ...
نحن في زمن تعددت فيه الاتجاهات وضاعت فيه معالم الدروب ...
فتعري ياشجر ...
فليس هناك من مطر ...
تعري ياشجر ...
أقبل أيها الخريف ...
أسقط أيها الورق ...
على الرصيف , على الحجر ...
تعري ياشجر ...
وان الظلم لا يقتله الا العدل ...
وان القساوة لا يقتلها الا الحنان ...
فمتى تشرق الشمس العربية وتمحو آثار الظلام ...
واخيرا" وليس آخرا" أقول كما قال أحدهم :

كلمات حق وصيحة في واد ...
ان ذهبت اليوم مع الريح ...
قد تذهب غدا" بالأوتاد ...

هذا هو الفصل الثاني من مآساتي , كتبته للتاريخ ليحكم بيني وبين ظالمي ...
كتبت هذا والله يشهد على ماكتبت ...
والحمد لله رب العالمين ...

و
تصبحون على وطن

محمد نعناع
اسير سابق لدى اسرائيل
رد مع اقتباس
  #34  
قديم 12-04-2009, 01:18 PM
مصرى انا مصرى انا غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
الدولة: مصر- القاهرة -
المشاركات: 2,515
افتراضي

بد
اية قررت الااشارك الا بعد انتهاء موضوعك وكم احسست بالالم يعصر قلبى وانا اقرأ ما حدث لك ولغيرك ليس فى سورية فقط فكلنا فى الهم شرق وما حدث ليس مستغربا من الانظمة العربية ولاتنسى ان هذة الانظمة لديها خبرة فى التعذيب وقد استعانت بها امريكا سابقا وهنيئا لك فقد نلت شرفين شرف محاربة الصهاينة وشرف مقاومة نظام فاسد
رد مع اقتباس
  #35  
قديم 13-04-2009, 11:55 AM
متعب المطيري متعب المطيري غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 34
افتراضي

لك اخي الاسير في الامام احمد قدوة حسنة بعد ماعذب في سبيل خلق القران والعذاب حصل من المسلمين انفسهم وانما انت عذبت من اليهود فلك الاجر والثواب والنصر قريب الظلم لايطول
اخوك المحب المقصر متعب المطيري
رد مع اقتباس
  #36  
قديم 17-05-2017, 03:07 PM
الاسير محمد نعناع الاسير محمد نعناع غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 28
افتراضي

السلام وعليكم ورحمة الله وبركاته
بعد غياب اضطراري دام لسنين
عدت لاتابع كتاباتي في المنتدى

الاخوة
انا مصري
متعب المطيري
شكرا لمروركم
رد مع اقتباس
  #37  
قديم 07-08-2017, 06:14 PM
الاسير محمد نعناع الاسير محمد نعناع غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 28
افتراضي

وتتوالى سنين الاستبداد
وسيف شهريار
على رأس شهرزاد
وفصول الرواية
كل يوم في ازدياد
فآلاف الليالي
تروي قصص العباد
وأعواد المشانق تنصب
لكل مجتهد يريد الجهاد
وآه .. شهرزاد .
رد مع اقتباس
  #38  
قديم 25-10-2017, 03:08 PM
أم بشرى أم بشرى متواجد حالياً
نائب المدير العام لشؤون المنتديات
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: الجزائر
المشاركات: 8,416
افتراضي

أهلا وسهلا بك تسرنا عودتك الميمونة

ويسعدنا حرفك السامق ومشاركاتك الحساسة والهادفة

طبت وطاب مقامك على صفحات البوابة


__________________




رد مع اقتباس
  #39  
قديم 13-11-2017, 01:32 AM
الاسير محمد نعناع الاسير محمد نعناع غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 28
افتراضي

وآه .. شهرزاد
تنتمين لأمة سهلة الانقياد
يستوطن فيها
الطفيليات والقمل والجراد
شرها يبقى
وخيرها يهرب خارج البلاد
وساداتها مازالوا
يتغنون بكثرة الامجاد
وعامتها مازالوا
يحبون النوم والرقاد
وآه .. شهرزاد .

سيدتي .. ام بشرى
كل الشكر لمرورك .
رد مع اقتباس
  #40  
قديم 11-12-2017, 01:19 AM
الاسير محمد نعناع الاسير محمد نعناع غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 28
افتراضي

وآه .. شهرزاد
ماأذلهم .. ماأقبحهم .. من أوغاد
في سوق نخاستهم
تباعين بأكثر من مزاد
في مصانع رزائلهم
يصنع غانية وقواد
في حظيرة سائسهم
يعيش الحمار .. ويموت الجواد
في حظائر خنازيرهم
ينمو ويترعرع الفساد
وآه .. شهرزاد .
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بحوث ودراسات سياسية castle منتدى العلوم السياسية والشؤون الأمنية 131 28-09-2009 04:34 PM
الثوابت الوطنية الباحث محمد منتدى العلوم والتكنولوجيا 13 22-12-2007 01:45 AM
الإسلام والوطنية castle منتدى العلوم والتكنولوجيا 1 18-10-2007 02:31 AM
حرب اكتوبر فى عيون شهود على العصر النهرالخالد منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 12-10-2002 09:20 PM
الجرائم الامريكية عبر التاريخ ibraheem17 منتدى العلوم والتكنولوجيا 5 05-10-2002 12:45 PM


الساعة الآن 06:40 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2017 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com