عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 11-03-2013, 11:22 PM
عبير عبد الرحمن يس عبير عبد الرحمن يس غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 142
افتراضي حضارة قوم نوح




هذا بحث بعنوان " عوامل قيام الحضارة وانهيارها في القران الكريم " تقدمت به في احدي مسابقات مجمع اللغة العربية عام 2006 وأشرف علي تحكيمه اثنين من أساتذة الأزهر واثنين من أساتذة كلية دار العلوم وقد أكرمني الله بالفوز بالمركز الثاني في تلك المسابقة وتصدّر المركز الأول دكتور بكلية الآداب جامعة القاهرة وسوف أقوم بتنزيلها علي فصول متتابعة وقد سبق هذا الفصل وهو ( حضارة نوح ) فصل قد أنزلته سابق بعنوان " التوحيد مصدر الحضارات القديمة " والله من وراء القصد ولاتنسونا من خالص دعائكم

حضارة قوم نوح

مقدمة :
مما لا شك فىه أن دراسة تارىخ الأمة بدءًا من أبى الأنبياء نوح عليه السلام تعتمد وبشكل رئيسى على الإسرائيليات، مع علمنا أنهم أهل تزييف وتحريف، ومع ذلك تلقينا كل ما صدر عنهم كأنه يقىن وحقيقة لا تقبل الشك، ثم أتى الدور الثانى لكتابة التارىخ على أيدى الغربيين الذين اعتمدوا التوراة المصدر الوحيد القديم لتلقى كل المعلومات عن هذه الحقب التاريخية الموغلة فى القدم، وان وجد منهم من أنصف الأمة وتارىخها، كما سبق ذكر ذلك فى الفصل الأول، والذى ساعد على ذلك الاكتشافات العلمية الحديثة وتنوع مصادر المعرفة التى أتت مناقضة لما سبق تلقيه من قبل اليهود وتوراتهم المحرفة على أنه مسلَّمات، ثم نحن الآن وفى عصرنا الحاضر تعاد صياغة وكتابة تارىخ الأمة بالتأسيس على المناهج العلمية والأثرية التى اعتمدها الغرب والتى استبعد منها بالطبع القرآن الكريم ليتم الاعتماد عليه كمصدر رئىسى للمعرفة والفهم على يد أبناء الأمة المسلمة فى صفوة أبنائها وهم العلماء، وتكون النتيجة الوصول إلى حقائق مؤكدة بالبراهىن والأدلة الدامغة لتهدم كل ما كنا نتقبله من معارف وكأنها حقائق، ويأتى ذلك فى وقت الأمة مثخنة فيه بالجراح، ويحاول كل فريق من أبنائها معالجة أدوائها، كلٌ فى موقعه، لتحقيق هدف إعادة الثقة والاعتزاز بتاريخنا وحضارتنا وإسلامنا، ويزداد يقيننا على أن قرآننا وبالأدلة العلمية صدق فى قول الحق سبحانه عنه أنه {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد } [فصلت: 42].

إن قصة نوح عليه السلام هى خطوة نحو قراءة التارىخ قراءة واعية متجردة ناقدة ومتحررة من سطوة التزوير اليهودى أولاً، ومما علق بأذهاننا من أفهام سابقة لتراثنا وقرآننا ثانيا.. فمن سيرة سيدنا نوح نتعلم أن الإنسانية تمر بمنعطفات خطيرة إذا لم تجد من الرجال من يتصدى لها تنتكس، وهى نفسها لحظة انتكاس الحضارة التى أفرزت مخلصًا وضع روحه على كفه مناديا يا رب: {أني مغلوب فانتصر } [القمر:10]، فجاء رد النداء: (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر . وفجرنا الأرض عيونا فالتقي الماء علي أمر قد قدر } [القمر: 11-14]. لحظة انتكاس الحضارة أفرزت منقذًا كنوح علىه السلام(1). وهو ما سوف نتناوله بالبحث التفصىلى.

مظاهر حضارة قوم نوح :

من الباحثين من يؤكد أن نوحًا وقومه كانوا يعيشون حضارة مزدهرة وتقدمًا علميا ملحوظًا، مستدلين على ذلك بالقرآن الكريم، وبالأبحاث العلمية الحديثة، ومن دلائل ذلك ما ذكره « د . على سكيف»(2)، بقوله: «أشارت بعض الأبحاث الچىولوچىة إلى أن الإنسان صانع الأدوات الحجرىة كان موجودًا منذ 50 ألف عام تقريبًا(3) فى العصر الحجرى القديم، وأن التطور الحضارى قد شهد خلال ذلك الوقت صعودًا رائعًا فتعددت الثورات الحضارية فى الشرق الأدنى وشمال إفريقيا منذ حوالى 12 ألف سنة، وهذا ما تؤكده الأبحاث العلمىة»، ثم ذكر أن فارق السنىن بين وجود الإنسان وآخر اكتشاف لأقدم حضارة شهدها العالم منذ 12 ألف سنة تقريبًا نجد أن هناك جهالة لمقدار زمنى هو 38 ألف عام، ونستنتج من ذلك بأنه لا يمكن أن تكون هذه الحقبة خالية من الناس أو عاش فيها الإنسان بدائيا، وأنه لابد أنه كانت هناك حضارة متقدمة اندثرت بفعل كارثة كبيرة، بل ويذهب أيضًا د. على سكيف إلى أن سكان الأرض زمن نوح وصالح كانوا أصحاب حضارة متقدمة مكنتهم من اكتشاف وسائل الصعود إلى الفضاء والعودة منه إلى كوكب الأرض(4).
وهناك دلائل تؤكد أن نوحًا علىه السلام قد عاصر الحضارة السومرية التى تعد أولى الحضارات القديمة المكتشفة إلى الآن، حيث إن نوحًا كان فى الألف الرابع قبل الميلاد وهو نفس تاريخ الحضارة السومرية حيث نشأت (3200-2800 ق.م) ويتحدث أبرز مَنْ كتب عن الحضارات السامية وهو سبتينو موسكاتى عن الحضارة السومرية بقوله: «كانت حضارة أرض الرافدين من نمط بالغ الرقى يختلف اختلافًا ملحوظًا عن حضارة الأمم السامية الأخرى، وكان السومريون هم الشعب غير السامى الذى اختلط به الساميون المنتقلون من البداوة، وكان السومريون قد بلغوا من الحضارة مبلغًا يسمو كثىرًا على ما بلغه الوافدون الجدد»(5).

كما أن الرقم الطينية التى عثر عليها توضح أن السومريين على سبيل المثال لا الحصر قد عرفوا معرفة دقيقة نظام المجموعة الشمسية وشكل الأرض وتقسيم الدائرة إلى 360 درجة، واليوم إلي 24 ساعة، وأبراج السماء 21 برجًا، كما عرفوا الزراعة والفنون وهندسة البناء والكتابة وسن القوانين، وهذه الكثرة والتنوع والدقة فى المعارف حيرت العلماء. والسومريون قد أجابوا عن ذلك فى رقمهم حين قالوا: «إن ما نملكه جاءنا من الآلهة»(6) والذى نفهمه من ذلك وكما سبق فى الفصل الأول أن الملائكة قد ساعدت الإنسان فى مراحله الأولى على عمارة الأرض، وبواسطة الأنبياء أىضًا، وأن عناية الله ظلت ترعاه فى جميع مراحل حياته وقد ورد شبيه ذلك فى القرآن، وبما يؤكد أن الملائكة كانت تتنزل إلى الأرض ويراها الناس، فقال تعالى: {وماأنزل علي الملكين ببابل هاروت وماروت ومايعلمان من أحد حتي يقول انما نحن فتنة فلا تكفر » [البقرة: 102]، وقد سبق توضيح معنى أن الآلهة لاتعنى عندهم عدم الاعتراف بإله واحد أو الشرك بمفهومنا.

وقد تأكد لنا فى الفصل السابق أن الجزيرة العربية هى موطن آدم ومهد الحضارة، وأنه بسبب الجفاف وقلة الموارد شاهدت هجرات ضخمة باتجاه السهل الرسوبى فى العراق، وأن الموجة الأولى للأقوام العربية التى هاجرت منها وضعت اللبنات الأولى للحضارة التى نمت وازدهرت بعد ذلك فى عهد السومريين(7). ومما يؤكد دور الحضارة العربية القديمة فى نشأة الحضارات ومنها الحضارة اليونانية والتى يظن جمهرة من مؤرخى الفكر الغربيين أن اليونانيين هم مصدر الحضارة الحديثة، ويفند هذا الزعم الكثير من الباحثىن الغربيين الذى اتسموا بالأمانة العلمية، وفى هذا يذكر د. توفىق الطويل أمثلة لهؤلاء وأقوالهم التى تؤكد ما سبق ذكره منهم :

ول ديورانت مؤرخ الحضارة والذى أفرد فى مجلداته الضخمة عن الحضارة المجلد الأول الذى تجاوز الألف صفحة لبيان ميراث الغرب من تراث الشرق. وقد أدرك بعد دراسة عميقة جادة لتراث الشرق أن الشرق القديم كان منبع الحضارة ومصدرها؛ لأن تراثه كان أساس الثقافة اليونانية والرومانية التى يظن البعض خطأ أنها كانت المنبع الوحيد الذى استقى منه العقل الحدىث.
.. وسارتون مؤرخ العلم يهدم هذا التصور الوهمى للمعجزة اليونانية ويجاهر بأن العلم اليونانى كله يقوم على أسس من تراث الشرق، والعرب من شعوبه، وما كان يمكن للعبقرية اليونانية أن تحقق كشوفاتها العلمية المعجزة بغير الإفادة من أصولها الشرقية، فليس من حق الغربيين أن يستبعدوا الأب والأم اللذين نشأت عنهما هذه المعجزة اليونانية، أما الأب فهو التراث المصرى القدىم، وأما الأم فهى ذخيرة بلاد ما بىن النهرىن»(8).

وقد ثبت أن قبل نبى الله نوح وجد أنبياء كثر منهم شيث وإدريس، وقد قام الأخير بدور أساسى فى نشأة الحضارة المصرىة مع أوزوريس وإيزيس ونشر التوحيد والحكمة فى بقاع الأرض حتى امتد أثر ذلك إلى الهند، والمهم أن الدين لعب دورًا أساسيا فى نشأة الحضارات {لئلاّ يكون للناس علي الله حجة بعد الرسل } [النساء : 561] حين يكون انهيارها بسبب الظلم والبعد عن المنهج الربانى الذى دعا إلىه الأنبياء عبر المراحل التاريخىة المختلفة، وكما قال تعالى:{وما كنا معذبين حتي نبعث رسولا } [الإسراء:15].
كما يؤكد سبتينو موسكاتى ما ذهب إلىه سارتون وول ديورانت بقوله: «أصبحت أرض الرافدىن مركزًا حضارىًا انتشرت منه الأفكار الكونىة والأسطورية والعلمية.. وتغلغلت فى آسيا الصغرى وبلغت بلاد اليونان نفسها. وتدل الدراسات الحديثة دلالة تزداد وضوحًا يومًا بعد يوم على أن الحضارة اليونانية رغم أصالتها فى جملتها تدين بكثير من أفكارها لشعوب أرض الرافدين»(9)، وسواء أكان نوح عليه السلام عاصر الحضارة السومرية أو أن الذين هاجروا معه وهم من العرب هم الذى وضعوا اللبنات الأولى لهذه الحضارة(10).
فالذى نخلص إليه أنه كانت هناك حضارة إنسانىة عظيمة عاصرت نبى الله نوحًا وامتد أثرها على بقاع شتى من الكرة الأرضىة. وهنا نتساءل.. ما هو السبب فى حدوث الطوفان أو الانهيار لهذه الحضارة التى كانت موجودة فى زمنه؟ فما هو الذنب الذى ارتكبه قوم نوح لتحل عليهم سنة الإهلاك.

(2) طوفان نوح بين الحقيقة والأوهام ، ص 98: 107
(3) المرجع السابق ، ص 142 ، 143
(4) سنن القران في قيام الحضارات وسقوطها : محمد هيشور ، ص253 المعهد العالمي للفكر الاسلامي
(5) المرجع السابق ، ص107
(6) المسند لأحمد بن حنبل ، 304

عوامل انهيار حضارة قوم نوح (سبب الطوفان )

القرآن الكريم يعبرعن رذيلة قوم نوح بألفاظ مختلفة فيسميها (خطيئة) مرة، ويصفهم بأنهم (قوم سوء) أخرى ويفصح عنها على لسان نوح بقوله : {ربي لاتذر علي الأرض من الكافرين ديارا . انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولايلدوا الا فاجرا كفارا } [نوح:26 ، 27 ] وتفسر على النحو التالى:
1- ارتكاب الخطيئة: كما فى قوله تعالى{مما خطيئتهم أغرقوا فأدخلوا نارا } [نوح:25]. وقد استخدم القرآن الكريم هذا اللفظ فى وصف امرأة العزيز على لسان زوجها عندما اكتشف محاولتها التغرير بيوسف عليه السلام فى قوله تعالى: {استغفري لذنبك انك كنت من الخاطئين } [يوسف: 26].
وقد جاء فى تاريخ الطبرى عن ابن عباس قال: « لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا ببود»(11) ورأى آدم فيهم الزنا وشرب الخمر والفساد.. وارتكبوا المعصىة وتناكحوا واختلطوا وكثر بنو قابىل حتى ملأوا الأرض وهم الذين غرقوا أيام نوح "(12).

2- أنهم كانوا قوم سوء: {ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا انهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين } [الأنبياء: 77]، وقد ورد تعبير قوم سوء فى وصف قوم لوط: {ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث انهم كانوا قوم سوء فاسقين } [الأنبياء: 47] لما كانوا يرتكبون من فاحشة.. مما يعنى أن قوم نوح كانوا يمارسون الفاحشة.

3- التمادى فى الفجور والكفر والإصرار علىه: ( وقال نوح رب لاتذر علي الأرض من الكافرين ديارا انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجرا كفارا ) [نوح: 26 ، 27] .فقوم نوح الذين أهلكوا بالإغراق كانوا كافرين ولم يكونوا مشركين من الذىن يتخذون مع الها أندادًا، أو ممن يدعون مع الله إلها آخر، بل كانوا كافرين اتخذوا غير الله أربابًا..
وهذا يوضح أن نوحًا عليه السلام لم يكن هو صاحب السفينة، بل إنه صاحب الفلك (ويصنع الفلك) وأصحاب السفينة تعنى أن هناك آخرين غيره نجوا، ممن هم غير الظالمين المنذرين، ونجاة نوح كانت فى سفينته الخاصة التى صنعها بوحى وتعليم الملائكة، ولو قالت الآية: فأنجيناه وأصحاب الفلك.. لعلمنا أنه لم ينج إلا من كان مع نوح(13).

والحوار الذى دار بين نوح وابنه دليل على أن الهلاك لم يكن لكل من فى تلك المنطقة وهو الاستثناء فى قوله تعالى: {قال سآوي الي جبل يعصمني من الماء قال لاعاصم اليوم الا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين } [هود:43]، أى أن هناك ممن ستنالهم رحمة الله ولن يغرقوا ما لم يكونوا من الذين ظلموا وممن سبق عليهم القول بالهلاك، ( ولاتخاطبني في الذين ظلموا انهم مغرقون ) [هود:73]، فبناء على ذلك هناك من رحم من الهلاك برحمة الله وهم حتمًا ليسوا المؤمنين الذين مع نوح لأنهم معصومون من الهلاك سلفًا بسبب إىمانهم، ولأنهم كانوا موعودين بالنجاة والنصرة بينما تلك الفئة نجت برحمة الله لا باستحقاق منها، وقد تكون هى الفئة(41) التى تمت الإشارة إليها فى نهاىة سورة نوح عليه السلام ممن استثنى من الاستغفار، وهى التى استثنىت من السلام والبركات حال الهبوط (15)، وفى قوله تعالى: {قيل يانوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلي أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يردون الي عذاب عظيم } [هود:48]. فالسلام والبركات خص بها فئة ممن معه ولىس كل من كان معه، فقال تعالى: {وعلي أمم ممن معك }، فلو كان معه من أمم كلها مؤمنة لقيل له (وعلى أمم معك)(16)
الكفر والفجور جيلا بعد جيل، وقد جاء فى الروايات: «أن نوحًا علىه السلام كان يضرب ويلف فيلقى فى بيته فيظنون أنه قد مات ثم يخرج فيدعوهم تارة أخرى حتى جاءه مرة رجل مع ابنه وهو يتوكأ على عصا، فقال: يا بنى انظر هذا الشيخ لا يغرنك.. إلخ»(17). وصدق الله العظيم حين يقول: ( وفوم نوح من قبل انهم كانوا هم أظلم وأطغي )[النجم: 25]، فالظلم والطغيان أخذ مداه فيهم، فأصبحوا هم الأظلم والأطغى على الإطلاق، فلا مجال لإعطائهم فرصة أخرى لعلهم يرجعون، وقد أعلم الله نوحًا أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، فالقرآن يبين أن الطوفان كان لتصفية المنطقة من الآثمين الجبابرة المخالفين لقوانين الحىية الأسرية الطبيعىة بارتكاب الفاحشة وللأخلاق الإنسانىة.. بالإفساد والظلم؛ ولذا جاءت الرواىات أن نوحًا أب الإنسانية لا بالمعنى الذى فسر بأن البشرية أبيدت بسبب الطوفان فبدأت السلالات من ذريته، وإنما بمعنى أنه بفضله حفظ الإنسان العامل من أن يمسخ ويعود إلى ما كان عليه من إفساد.
ولعله من هنا جاءت تسمىة السومرية أو توفنشتىم، أى حائط النفوس أو حافظها والتسمىة البابلىة (اثرا أخاسس) أى عشرة خاشش أو حافظ العترة(18).

نفى ادعاء مفسرى التوراة أن السلالة البشرىة من نوح:

هنـاك مجمــوعة من الآيات الصريحة التى تبين أن الناجين من الطوفان ممن كان فى منطقة الحدث هم نوح علىه السلام وذريته وأهله وآخرون ممن معه كما فى قوله تعالى { } [العنـكبـون: 51]، {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون } [الشعـراء ،119]، { فّأّنجيناه والذين معه في الفلك } [الأعـراف: 64]،وكذلك الآية: {ذرية من حملنا مع نوح } [الإسراء: 3]، ( أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية ابراهيم واسرآئيل وممن هدينا واجتبينا } [مرىم: 58]، تبين أن الذين نجوا من الطوفان ليسوا زوجته وأبناءه وزوجاتهم فقط، فالأولى تبين أن المخاطبين هم من (ذرية من حمل مع نوح) أى أن هناك آخرين حملوا مع نوح عليه السلام عدا ذريته، والثانية تبين أن الأنبياء بعضهم من (ذرية من حمل مع نوح) وليس من ذريته مباشرة، أى أنه حمل معه آخرين، وقد أوجز الإمام الباقر (ع) هذا المعنى فى رواية مختصرة (..ليس كل من فى الأرض من بنى آدم من ولد نوح عليه السلام، قال الله عز وجل: {كلنا احمل فيها من كل زوجين اثين وأهلك الا من سبق عليه القول ومن آمن } [هود:40] وقال: {ذرية من حملنا مع نوح } [الإسراء: 3](19) وهذا بحد ذاته ينفى التشعيب السامى والحامى واليافثى(20).

مكان حدوث الطوفان:

هناك أدلة تاريخية وشواهد تثبت أن نوحًا عليه السلام كان يسكن شبه الجزيرة العربية موطن الأنبياء، ولىس كما يذهب بعض المفسرين بأن الطوفان كان فى العراق، ومن دلائل ذلك:

1- يذكر المؤرخون أن الجزيرة العربية موطن آدم بعد أن أهبط من الجنة وفيها بعث جميع الأنبىيء ونوح أحد هؤلاء الأنبياء، وكان يسكن غرب الجزيرة العربية، فعن النبى (ص) أنه قال: «رحيت الأرض من مكة ولذلك سميت أم القرى.. قال: دفن نوح وهود وصالح وشعيب بين زمزم والمقام»(21)، وفى قوله تعالى: ( ولقد أهلكنا ماحولكم من القري ) [الأحقاف: 72].. فالخطاب فى هذه الآيات موجه لقوم محمد (ص) وفيه تذكير بما جرى على قوم عاد الذين جعلوا خلفاء لقوم نوح فى قوله تعالى: {كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد . وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب } [ص: 21، 31]. فهذه الأقوام من بعد قوم نوح مشهور أنها بقرب الجزيرة والقرى التى أهلكت كانت حول مكة أى غرب الجزيرة .

2- تؤكد بعض الدراسات الجغرافية وجود خزان ضخم من المياه الجوفية تكوّن منذ أكثر من بضعة آلاف من السنين والتى قد يكون سببها الطوفان حيث ابتلعت أرض الجزيرة مياه الطوفان، وقد أظهرت أجهزة الرادار المركبة على متن مكوك الفضاء كولومبيا وجود مجرى لنهر قدىم عملاق يخترق شبه الجزيرة من الغرب(22) والصورة تبرز نهايته بالقرب من العراق، مما ىعنى أن سيدنا نوح ومن معه أهبطوا فيها ليبدءوا مرحلة جديدة من بناء حضارة عظيمة قد تكون هى السومرية(23) ومما يؤكد أيضًا هذا الموقع الجغرافى للطوفان ما ذكره د. فاروق الباز مدير وكالة ناسا للفضاء من وجود كميات هائلة من المياه الجوفية فى مسار هذا النهر القديم الذى كان يجرى بالمياه قبل 5000 عام، وقال إن منطقة الجزيرة العربية وبالتحديد صحراء الربع الخالى تتربع على بحر هائل من الماء العذب (وأنها مصيدة المياه الجوفية)(24).

3- ىتضح من أسماء الأنبياء علىهم السلام مثل: هود، وصالح، ونوح. وأسماء القبائل والمناطق مثل: ثمود، إرم، الحجر، الأحقاف. وأسماء الآلهة: ود، سواع، يغوث، يعوق، نسرا. أنها أسماء أقرب إلى العربية المستخدمة فى جوف الجزيرة العربية تمييزا لها عن العربية السريانية فى العراق والفينيقية فى غرب الشام ومصر وادى النىل.. وعن ابن عباس: «صارت الأوثان التى كانت لقوم نوح فى العرب بعد، أما ود فكان لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل.. أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت»(25). وهذه كلها دلائل على أن نوحا وقومه قد عاشوا فى تلك المنطقة غرب الجزيرة العربية(26).

فأكثر من خمسين آىية بصورة مباشرة أو غير مباشرة تدل على أن دعوة نوح كانت محلية والمكان الذى حدث فيه الطوفان كان بقعة جغرافية محدودة، فالذى أهلك هم مرتكبو الخطايا والظالمون والفجار من قومه(27)، من دلائل ذلك على سبىل المثال لا الحصر :

1- عندما خاطب القرآن قوم هود الذى جاءوا بعد قوم نوح قال له :{ واذكروا اذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } [الأعراف: 69] فاستخلف قوما بقوم لا قومًا بالبشرىة كلها، وهذا الخطاب لا يختلف عن الخطاب الموجه لقوم صالح الذين جعلوا خلفاء من بعد عاد: {إذً جّعّلّكٍمً خٍلّفّاءّ مٌنً بّعًدٌ عّادُ} [الأعراف: 74] ما يعنى أن الحجم الجغرافى والسكانى لقوم هود كونه إحلالا واستبدالا عن قوم نوح .

2- تحذير القرآن من عذاب قوم نوح لا يختلف عن تحذيره من عذاب الأقوام الأخرى: {وياقوم لايجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وماقوم لوط منكم ببعيد ) [هود :89 ] و{أّلم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ّ) [إبراهيم: 9].

3- لم يؤمر نوح عليه السلام قط أن ينادى المرسل إليهم، (يا أيها الناس) كما أمر محمد (ص) بذلك فى أكثر من آىة: {قل ياأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم )[يونس:108]، {قل ياأيها الناس انما أنا لكم نذير مبين } [الحج:49]، كما روى عن النبى (ص) قوله: «وكان كل نبى يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة»(28).

كما أنه تكررت الآيات القرآنية الكريمة، (ولقد أرسلنا نوحا الي قومه ) [العنكبوت:14] فى هود والأعراف والمؤمنون والعنكبوت، وهذا دليل على أن نوح أرسل إلى قومه وليس إلى العالم كما أن هناك مجموعة من الآيات تبين أن قومه هم المعنيون بالرسالة {قال رب اني دعوت قومي ليلا ونهارا ) [نوح: 5]، (فقال الملأ الذين كفروا من قومه ) [هود:27](29).

وهكذا ىتضح لنا أن قوم نوح كانوا يمثلون إحدى المحطات التى شهدت قمة الانحراف البشرى بعد أن من الله عليهم بنعم لا تحصى وبلغوا درجة من الرقى عظيمة، وأن الله ابتلاهم بالقحط لعدة سنوات قبل الطوفان، وكما تؤكد ذلك مصادر التراث القديمة(30)، لعلهم يرجعون إلى الله ويتعظون دون جدوى ونجد بعض المؤشرات القرآنية تبين أنهم كانوا يعانون من قلة الأمطار ونضوب الأنهار حين يخاطب نوح عليه السلام قومه بقوله : {فقلت استغفروا ربكم انه كان غفّارا . يرسل السماء عليكم مدرارا . ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ) [نوح: 10-21] وأن هلاكهم كان نتيجة حتمية لتكذيبهم وفسقهم كما سبق، ويوضحه قوله تعالى أيضًا {وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية ) [الفرقان:37].

ويكاد التكذيب فى أشمل معانيه أن يساوى معنى الإلحاد فى لغة العصر الحديث وهو أنواع: تكذىب بالله وعدم الإقرار والإشهاد له بأنه هو الخالق المستحق للعبادة وحده دون سواه، وتكذيب بالأنبياء والرسل والإشهاد لهم بالرسالة وبنزول الوحى عليهم وبالتالى إنكار دورهم فى خدمة الإنسانية وتكذيب بالآخرة وإنكارها، وهذه الآفة الإنسانية لها دور رئيسى فى تقويض صروح الحضارات(31)، يضاف إلى ذلك الرذائل الأخلاقىة الأخرى التى نوه عنها القرآن والتى سبق ذكرها والتى كانت فى معظمهم. فلم ىكن باعث الدمار والهلاك فسادا فرديا بل هو الفساد الجماعى والظلم العام الذى يصل إلى مستوى دائرة الأمة، حينذاك تأخذ تلك الأمة فى الهبوط من علياء الكرامة والعزة إلى درك الذل والهوان حين تحين ساعة الدمار والسقوط(32).

كما اتضح لنا من قصة نوح عليه السلام زيف الادعاء اليهودى من أن سلالة البشرية من أبناء نوح، وهو ما أكد علي نفيه القرآن الكريم والحقائق التاريخية والتى أشار إلىها الدكتور محمود شاكر فى موسوعته وعلماء الحضارة الغربيين البارزين الذين توصلوا إلى هذه الحقيقة مدعمة بالأدلة المادية وما كشفته الآثار والأرقام والأوابد المدفونة فى باطن الأرض.

أهم المراجع

(1) نحن والحضارة الغربية أبو الأعلي المودودي ، ص 222

(2)سلسلة عندما نطق السراة : طوفان نوح ص 218 ، 219 جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية البحرين ط1 ، 2005
(3) نهاية التاريخ في الفكر الاسلامي الحديث : د علي سكيف وهو من علماء الجيولوجيا
(4) كتاب افريقيا وقصة الانسان: د ايفكوبنز مشار اليه في المرجع السابق ، ص 58
(5) نهاية التاريخ في الفكر الاسلامي ص 58 ، 59 بتصف ولمزيد ينظر من ص 59 : 73 حيث نجد استدلال بالأبحاث العلمية في علم الفلك ونظرية أينشتاين في حساب الزمن وتفسير القران الكريم
(6) الحضارات السامية : سبتينو موسكاتي ص 48 ، 49 الهيئة المصرية العامة للكتاب
(7) مقال في صحيفة الاتجاه الآخر في هولندا رقم 14 تاريخ 16/5/2001 مشار اليه في المرجع السابق
(8) موسوعة الحضارات : محمود شاكر ص 56 ، 57 وقد أطلق الباحثون علي تلك الأقوام اسم الفراتيون الأوائل أو سكان طور العبيد ويذكر د . محمود شاكر أن تسمية الأقوام التي خرجت من شبه الجزيرة العربية واستقرت في الشام والعراق بالسامية غير دقيقة ولاتستند الي حقائق تاريخية وانما استندت الي ماجاء في التوراة ، المرجع السابق ص 55 ، 56
(9) قضايا من رحاب الفلسفة : د . توفيق الطويل ص 325 ، 328
(10) الحضارات السامية ص 49
(11) هذا ماأشارت اليه الأبحاث العلمية ونوّه عنه محمود شاكر سابقا بأنه كانت هناك موجة هجرة عربية الي أرض الرافدين سبقت الحضارة السومرية وأنها هي التي أسستها وربما كانت الهجرة بسبب الطوفان أو أي سبب كارثي حل بالمنطقة أدي الي هذه الهجرة فالمهم أنها حملت أناسا علي درجة عالية من التحضر
(12) أحد قمم جبل السراة في الجزيرة العربية أبدلت الباء نون فأصبحت جبل ند أو نود ، طوفان نوح ص 94
(13) تاريخ الطبري ج1 ص 128
(14) المرجع السابق ص 127 ، 128
(15) وكان المقصود بمن رحم هم المؤمنون لما قال نوح عليه السلام لابنه ( اركب معنا ) بل لطلب منه أن يؤمن أولا وقد جاء طلبه بعد أن أفصح ابنه عن عناده واستكباره ولو ركب معه لكان من هذه الفئة ( نفس المرجع السابق والصفحة )
(16) المرجع السابق ص 121 ، 122
(17) المرجع السابق ص 110 ومابعدها
(18) الجامع لأحكام القران : القرطبي ص 43
(19) طوفان نوح بين الحقيقة والأوهام : جمعية التجديد الثقافية بالبحرين ص 93 : 96
(20) بحار الأنوار : للمجلسي ج11 ص 310
(21) طوفان نوح بين الحقيقة والأوهام ص 112، 119
(22) التبيان : للطوسي ج1 ص 131
23) توجد صورة النهر كما صورته مركبة الفضاء في ( طوفان نوح بين الحقيقة والأوهام ) ص 140
(24) موقع الجزيرة نت ، المصدر رويترز الاثنين 4/2/2002
(25) صحيح البخاري ج1 ، ص 73
(26) طوفان نوح بين الحقيقة والأوهام ص 136 : 144
(27) المرجع السابق ص 107
(28) المسند : لأحمد بن حنبل ج3 ص 304
(29) طوفان نوح بين الحقيقة والأوهام ص 98 : 107
(30) المرجع السابق ص 142 ، 143
(31) سنن القران في قيام الحضارات وسقوطها : محمد هيشور ، ص 253
(32) نحن والحضارة الغربية : أبو الأعلي المودودي ص222
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 14-03-2013, 03:44 AM
خالد الفردي خالد الفردي متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
الدولة: مصر مطروح
المشاركات: 9,245
افتراضي

بارك الله فيك أختي المكرمة عبير على الطرح الطيب

تقديري لكِ
__________________
إنا لله وإنا إليه راجعون
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 19-03-2013, 01:51 PM
عبدالله سعد اللحيدان عبدالله سعد اللحيدان غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
الدولة: لبنان
المشاركات: 3,125
افتراضي

بارك الله فيكم ونفع بكم
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حكومة الــ(45) وزيراً ونائباً ... العراقي313 منتدى العلوم والتكنولوجيا 18 08-01-2011 08:39 PM
حضارة وادي الرافدين بين بطارية بغداد ومولدة تايكَر ابو محمد العراقي منتدى العلوم والتكنولوجيا 1 04-01-2011 09:26 PM
في حضارة العرب في صقلية وأثرها في النهضة الأوربية قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 25-06-2010 01:20 AM
حضارة اليمن.. حلم العصور القديمة قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 4 27-03-2010 11:26 PM
حضارة أنجكور قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 23-11-2009 09:26 PM


الساعة الآن 04:36 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com