عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 09-03-2013, 12:35 AM
عبير عبد الرحمن يس عبير عبد الرحمن يس غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 142
افتراضي التوحيد مصدر الحضارات القديمة بين القران والتاريخ




التوحيد مصدر الحضارات القديمة بين القرآن والتاريخ
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد،،،
فإن موضوع قيام الحضارة وانهيارها فى القرآن الكريم، من الموضوعات التى لا يُكتفى فيها بدراسات منفردة، بل إنها تحتاج إلى مجموعات بحثية متعاونة، نظرًا لما يمثله هذا الموضوع من أهمية قصوى فى حياتنا المعاصرة، ونحن نحاول أن نعيد بناءنا -الذى تهالك تحت وقع الضربات المتتالية من الداخل والخارج- على أسس الإسلام الصحيحة، ولقد قامت دراسات متعددة حول هذا الموضوع أحدثها دراسة محمد هيشور: عوامل سقوط الحضارات وانهيارها فى القرآن الكريم.
ولى ملاحظات على الدراسات الحضارية بصفة عامة، وهى أنها تدرس الحضارات كما لو أنها كيانات مستقلة، فى سياقها التاريخى، دون بروز أى أثر للدين فى قيامها، إلا ما ذكر عن بنى إسرائيل، بسبب وجود العهد القديم، وحين تتم دراسة حضارة الإسلام من خلال هذا السياق التاريخى عند مؤرخى الحضارات لا نجد أبدًا الامتداد بهذه الحضارة إلى العمق السحيق للتاريخ منذ آدم عليه السلام، باستثناء بعض الدراسات الغربية التي أتت منصفة وعادلة فى بحثها، حين ذهبت بالدلائل إلى أن بداية الحضارة الإنسانية كانت عربية فى أرض الجزيرة العربية ولكن دون إبراز أن التوحيد ظل عقيدة الإنسان منذ آدم واستمر فى الحضارات القريبة المتتالية على تنوعها، وأنه حين كان يحدث انحراف عن هذا الخط التوحيدى كانت الأنبياء تتوالى لعودة الإنسانية إلى الحظيرة الإلهية.
أما الملاحظة الثانية وهى أن الدراسات الإسلامية الحديثة لسنن القرآن فى قيام الحضارات وانهيارها لم تولي اهتمام للعلاقة بين الحضارات المشهورة والتي عرفتها الانسانية ومحاولة الربط بينها وبين الحضارات كما ذكرها القران الكريم ربما يرجع ذلك لتخلفنا الحضاري الذي انسحب علي الدراسات الجادة في هذا المجال وان بدأت محاولات للبحث للظهور تحتاج لتضافر الجهود لاستمرارها وكماسيتضح من خلال البحث أو لأن المستشرقين في معظمهم أخذوا موقفا عدائيا من تلك المنطقة لأسباب نعلمها اضافة الي عدم اعترافهم بالقران باستثناء بعضهم الذي أنصف الحضارات العربية القديمة وتعامل بحيادية واحترام لما أسفرت عنه الحقائق العلمية والدراسات .
منهج الدراسة:
جاءت هذه الرسالة محاولة متواضعة لإبراز أصالة الحضارة العربية الإسلامية التوحيدية، وأثرها على الحضارات الإنسانية جمعاء. والتى نقرأ عنها منذ فجر التاريخ من أجل تدعيم كل الخيوط التى تقوى فينا العزيمة والإرادة والاعتزاز بعروبتنا وإسلامنا فى وقت أصبحنا فيه نستهين بكل هذه القيم.
فأتت الرسالة يتداخل فيها السياق التاريخى والقرآنى، لإثبات أن هذه الحضارات التى تناولها القرآن بالذكر لم تكن أبدًا حضارات متواضعة فى مظاهرها المادية، وإنما بلغت شأوًا عظيمًا يعلو ما عداها فى ذلك الحين، ولكن جرت عليها سنة الله التى لاتتبدل فى قيامها وانهيارها، وكان هذا حديث القسم الأول: الذى تناولت فيه الحضارات كما ذكرها القرآن، وعوامل قيامها وانهيارها.
أما القسم الثانى: فتناولت فيه الحضارة الإسلامية، مع محاولة الوقوف على أسباب انهيارها وآليات نهوضها، ومحاولة جمع الخيوط كما لمسها وكشف اللثام عنها المجددون والمفكرون المسلمون ونتائج المؤتمرات، وربط ذلك بكثير من المثالب التى نعيشها فى واقعنا، سواء كان من الناحية السياسية أو التعليمية، وكلاهما له أبرز الأثر فى تشكيل بنيان الإنسان العربى.
أما القسم الثالث: فحاولت حصر الآيات القرآنية، كدلائل على عوامل قيام الحضارة وانهيارها حتى تكون الرؤية واضحة لدراسة مثل هذه الموضوعات، والانتقال والارتقاء بها حين تكون نابعة من العمق القرآنى والرؤية الإلهية المباشرة لإصلاح الإنسان خليفة الله فى الأرض. ونظرًا لضيق الوقت اقتصرت على 15 جزءًا من القرآن والذى يبدأ من سورة الكهف إلى الفلق. والله سبحانه من وراء القصد، وأن يكون هذا العمل فى ميزان حسناتنا فى الآخرة وعلى طريق رفع راية الإسلام خفاقة رغم كيد الظالمين.



من الناس من يعتقد أن الإنسان قد مر بفترة الاعتقاد بآلهة متعددة قبل أن يهتدى إلى فكرة التوحيد، وهذه فكرة خاطئة تناقض تراث الأمة الذى كشف عنه الكثير من العلماء الغربيين أنفسهم.
وقد روج لهذه الفكرة العلماء الملحدون واليهود، ليثبتوا أن العرب وثنيون، وأن التوحيد بدأ بموسى عليه السلام، وأنهم بالتالى شعب الله المختار، ونال التحريف قصص الأنبياء من أول نوح، ليدعموا هذه الفكرة، ولدحض هذا الزعم سنبرز موقف القرآن والعلم.

أولاً: القرآن الكريم:

لقد أكد القرآن الكريم أن التوحيد أصل عقيدة الإنسان، وأن البشرية بدأت حياتها مؤمنة، حيث أخذ الله العهد على البشر بأن يعترفوا بالوحدانية والعبودية ويقرون له بالربوبية(1) إذ قال تعالى: { واذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم علي أنفسهم ألست بربكم قالوا بلي شهدنا أن تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين . أو تقولوا انما أشرك أباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون [الأعراف: 271، 371]، وأقام سبحانه حجة الفطرة على البشر لاتباع دين الله الحق فقال تعالى: {فّأّقٌمً وجهك لٌلدين حنٌيفا فٌطًرت الله التي فّطّر الناسّ علّيًها لا تبًديل لٌخلًق اللَّه ذّلٌك الدين القيم ولّكنَّ أّكًثّر الناس لا يعلمون} [الروم: 92].
أى أن التوحيد هو أصل عقيدة الإنسان، وجرت سنة الله على أنه عند انحراف البشرية عنه إلى الشرك والوثنية بعث اليها الأنبياء والرسل لردها إلى الحق والتوحيد بدلاً من الفساد والضلال، وقد أهلك الله أممًا وأباد حضارات كانت ملء الأرض بسبب الفساد العقائد (2).
ولكن هناك آيات قرآنىة اعتمد عليها البعض فى التشكيك في وجود التوحيد وتواصله منذ القدم، مستشهدين بآيات من القرآن الكريم التى تذكر نماذج كثيرة للشرك وعبادة الأوثان، مثل قوله تعالى: {إذً قال لأبيه وقومه ماهذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } [الأنبياء:25]، ( انكم وماتعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ) الأنبياء : 98

بالإضافة إلى ذلك وجود الأصنام على ظهر الكعبة قبل البعثة حتى بلغت 360 صنمًا تعبد من دون الله
كما يؤكد القرآن الكريم فى كثير من آياته بأن {أّكثر الناس لايؤمنون } [الرعد: 1]، {أكثرهم مشركين } [الروم: 24].
ويرد على ذلك بأن منطق الآيات لا ينفى وجود الموحدين، حيث قالت أكثر الناس، ولم تقل كلهم، مما يعنى وجود فئة مؤمنة، وإن قلَّت، كما أن أغلب الآيات لا تتحدث عن أكثرية مطلقة، وإنما أكثرية ضمن حقبة زمنية محددة أو فئة معينة كقوله تعالى: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين } [الروم: 24] فليس المقصود بالضمير أكثرهم: الناس مطلقًا منذ آدم حتى وقت نزول الآية، وإنما عن الذين أهلكوا من قبل هؤلاء كان أكثرهم مشركين وكان للشيطان الدور الأكبر فى الصد عن عبادة الله، يؤكد ذلك قوله تعالى عن الشيطان: ( قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم . ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولاتجد أكثرهم شاكرين ) [الأعراف: 16 ، 17] فراجت بضاعته عند الناس وصدق ظنه فيهم إلا عباد الله المخلصين، فقد ظلوا متمسكين بحبل التوحيد متواصين به، منذ آدم، وإن مثلوا قلة فى عصور كثيرة، يوضح ذلك قوله تعالى: {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين . الا عبادك منهم المخلصين } ص : 82 ، 83

فالآيات القرآنية التى تتحدث عن شرك السابقين إنما تعبر عن محطات الانحراف، وهى فى أجلى صورة، وهى المحطات التاريخية التى بعث الله فيها الأنبياء والرسل للتذكير بالله الواحد(3)، لذلك كانت كلماتهم إلى أقوامهم: {اعبدوا الله مالكم من اله غيره أفلا تتقون } [الأعراف:65].
ومن رحمة الله بالإنسانية أن بعث لها الأنبياء كلما انحرفت عن وحدانيته، وفسدت فى الأرض منذ بدايتها الأولى على الأرض، فقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } [النحل: 63]، فجاء آدم ومن ذريته من الأنبياء شيث وإدريس ونوح عليهم السلام، وآخرون ذكرهم القرآن الكريم والكثير منهم لم يذكرهم: ( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم منلم نقصص عليك [غافر: 78].

كما تذكر الروايات أن عدد الأنبياء يصل إلي 124000 نبى، فقد كان ابتداء بعثهم فى مرحلة ما بعد الأمة الواحدة حين اجتالت الشياطين بنى آدم وحرفتهم عن التوحيد(4)، وهذا واضح فى كلام الإمام علىّ فى خطبته الأولى فى نهج البلاغة: «واصطفى سبحانه من ولد أنبياء أخذ على الوحى ميثاقهم وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم، لما بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم.. واجتالتهم الشياطين عن معرفته واقتطعتهم عن عبادته، فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه.. يذكروهم منسى نعمته ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا إليهم دقائق العقول...»(5).
وقد صدق قول الإمام على، فإن الأنبياء رضوان الله عليهم وكما سيتضح لاحقًا لم يكونوا فقط دعاة هداية للبشرية وإعادتها إلى الحظيرة الإلهية وإنما مؤسسين أيضًا لحضارات زاهرة ومعلمين الناس أسس المدنية الحديثة بمقياس عصورهم، وأنه ما قامت حضارة وازدهرت إلا وراءها نبى، وما انهارت واندحرت إلا حين كذبتهم وآذتهم وأصرت على العصيان والكفر وانحرفت عن خط التوحيد.
ومما يثبت أن التوحيد لم ينقطع منذ آدم عليه السلام، ما ذكر فى الديانات السابقة، قول الكتاب المقدس: «إن البشر ارتدوا عن الله الحى وعبدوا آلهة متعددة مما حدا بالأنبياء إلى بذل المحاولات لإرجاع الناس إلى عبادة الإله الواحد»(6).
ويرى سيد قطب أن البشرية بدأت حياتها مؤمنة ثم انحرفت إلى جاهلية ضالة مشركة، وبعد الانحراف بفعل العوامل الذاتية والخارجية يأتى الرسول بذات الحقيقة ليحيا من حيا على بينة، ويهلك من هلك عن بينة (7)
ثانيًا: العلماء الغربيون يقرون بالتوحيد عقيدة للإنسان منذ بدايته الأولى:
إذا كان القول بتعدد الآلهة بقى نظرية سائدة فإنه وجد من العلماء المختصين بدراسة التاريخ والحضارات من فند هذا الزعم بدلائل قاطعة لا تقبل الشك مفندين أقوال العلماء الملاحدة منهم:
الدكتور: س هربرت، هو أحد أعلام الحفريات وأستاذ الدراسات الآشورية فى جامعة إكسفورد الذى قال: «إن عقيدة التوحيد الوحدانية فى الديانات السامية والسومرية قد سبقت العقيدة بتعدد الآلهة»، واعتمد على أدلة كثيرة منها نصوص المندائيين وهم أقدم الأقوام العربية التى نزحت شرقًا إلى جنوب العراق لهم طقوس عبادية يرجعونها إلى صحف آدم وشيث وإدريس(8).
وفى دراسة للمستشرق الألمانى «ماكس مولر» المهتم بدراسة تاريخ الهند القديم، إثبات أن الناس كانوا على عقيدة التوحيد الخالصة وأن الوثنية عرضت عليهم بسبب رؤسائهم الدينيين(9)، وهذا دليل على وجه من وجوه الإعجاز التاريخى للقرآن الذى نص على هذه الحقيقة(10) بقوله تعالى: { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم } [البقرة:213 ].
ومعنى: كان الناس أمة واحدة، أى على دين الإسلام من آدم إلى نوح عليهما السلام، ثم اختلف الناس بغيًا بينهم أى حسدًا بينهم وظلمًا لأنفسهم وغيرهم، لحرصهم على الدنيا الحرص الذميم(11). أى أن السبب فى تعدد الآلهة يرجع إلى الكهنة أو رجال الدين، بالإضافة إلى الشياطين كعوامل خارجية.
نشأة الحضارة على التوحيد:
الحضارة ابتدأت منذ بداية الإنسان على الأرض التى لم تغب عنه عناية الله ورعايته له، سواء كان بما هيأ له من السبل المادية المساعدة على قيام الحضارة من أنهار وبحار وأراض خصبة ومناخ معتدل، وكل ذلك كان متوفرًا فى منطقة الجزيرة العربية وما حولها، والذى شهد البداية الأولى للحضارة منطلقة منها. بالإضافة إلى إرسال الرسل لهدايته عند الانحراف والملائكة يعلمانه المدنية فى مراحله الأولى على الأرض، وما زوده الله من نعم لا تحصى كنعمة العقل الذي يمثل أكبر رافد فى أى بناء حضارى.
من هنا كان علينا أن نثبت أن مصدر الحضارات القديمة واحد، وأنها عربية الأصل، وأن التوحيد ديانتها، وأن الأنبياء عليهم السلام كان لهم دور كبير فى صنعها عبر مراحل التاريخ المختلفة، وجدنا ذلك عند السومريين والفراعنة والفينيقيين والكنعانيين.. «وأن التاريخ البشري القائم على الفكر المجرد من الوحى مولود حديث العهد جدًا بالنسبة لعمر البشرية الطويل»(12) وهى الفكرة التى قامت على أساسها الحضارة الغربية حين تنكرت للدين والوحى كقاعدة لقيام حضارتها الحديثة مخالفة فى ذلك منهج الحضارات الضاربة فى عمق التاريخ قبل الحضارة اليونانية الوثنية، والذى ظل التوحيد هو الظل الذى استظلت به والقاعدة الأساسية لنشأتها، وأنها حين أدارت له ظهرها كان الانهيار هو المصير المحتوم، هذا ما أكده القرآن، بالإضافة إلى ما أثبته العلماء المختصون الذين يحملون نزعة الإيمان فى قلوبهم.
وحدة الحضارات الإنسانية القديمة وعروبتها:
لقد أثبت العلماء المختصون بأن الجزيرة العربية هى مهد الحضارات، حيث كانت موطن آدم؛ أهبط إليها وسكن فيها هو وذريته ومنهم الأنبياء، وهى خزان الشعوب، الذى منه خرجت إلى العراق شرقًا وبلاد الشام شمالاً، ومصر وادى النيل غربًا، ومن هناك انتقلت إلى مناطق العالم المختلفة ونقلت معها علومها وثقافتها وحضارتها، «فأصل الشعوب كلها يبدأ من آدم وأبنائه، فهو عربى وأبناؤه كلهم عرب»(13).
أى أن العرب وحدهم بناة الحضارة الأولى لم يشاركهم فيها أحد، عرب آسيا وعرب إفريقيا. قامت هذه الحضارة على تلك العلوم التى بثت من المركز من جبل السراة، وهذا ما يشهد به المؤرخون والمنصفون(14)، منهم بيير روس الذى اكتشف ماهية حضارة الإغريق والرومان التى تدق لها الطبول فى الغرب أثناء إعداده لرسالة الدكتوراة فى حضارة الإغريق، فأخذ بعدها يوجه النداء تلو الآخر للغرب: أفيقوا، فإن العروبة تسرى فى دمائنا وليس من حضارة وجدت فى التاريخ إلا وهى تلميذة الحضارة الأولى: «الحضارة العربية المعلمة للبشرية قاطبة»(15).
ومن شدة ارتباط هذا العالم الفرنسى بالعالم العربى واعترافه بفضل الحضارة العربية على الحضارات الأخرى، أنه صرح قبل أيام من بدء قصف بغداد بالقنابل والصواريخ عام 2003 قائلاً: «انتبهوا إلى ما تلحقه الحرب من أذى فى آثار بابل والرافدين، احرصوا على متحف بغداد ومكتبتها كيلا تعاد صورة هولاكو إلى قرننا»(16). وعندما نعرف أنه بعد غزو العراق واحتلالها عسكريًا من قبل الأمريكان وحلفائهم قد أحرقت مكتبة بغداد ونهب متحفها، ندرك المحاولة لوأد الذاكرة العربية بكل ما يربطها بتراثها الذى به عزتها كما شوهوا سابقًا تراثها وحرفوه عمدًا.
وقد أدرك العلماء هذه الحقيقة ونددوا بها فى مؤلفاتهم، ومنهم العلماء العرب المتخصصون بدراسة الحضارات مثل على فهمى خشيم بقوله -محاولاً تأكيد وحدة الحضارات القديمة-: «إن الحضارة المصرية ليست إلا أحد أجمل وأعرق الحضارات العربية الكبرى مثل السومرية والبابلية»(17)، وهو يذكر أن الفرعونية أكذوبة كبرى نسجها المستشرقون الذين أتوا إلى المنطقة فوجدوا حضارة تتحدث عن ماضٍ مجيد، فلم يتقبلوا عروبتها لتعارض ذلك مع مشروعاتهم الاستعمارية وفى محاولة لفصل مصر كلها عن جسد الأمة التى أثرت وتأثرت به والإيهام بأن لا صلة لها بجيرانها(18).
الحضارة المصرية القديمة ودور نبى الله إدريس:
«لا يستطيع أحد أن يتجاهل الإرهاصات التى شهدها وادى النيل فى الألف الرابع قبل الميلاد بولادة حضارة إنسانية بقيادة الملك أوزوريس وزوجته «إيزيس» وبمعاونة المعلم الربانى تحوت، وهو النبى إدريس عليه السلام الذى أحدث نقلة نوعية لأهل تلك البلاد بتعليمهم الكتابة وعلوم الحساب والهندسة والمساحة والعمارة، وهو كغيره من الأنبياء لابد أنه وظف هذه العلوم فى الدعوة إلى عبادة الله الواحد وسن القوانين الاجتماعية والأخلاقية الداعية لكرامة الإنسان فى وادى النيل وغيره من البلدان، والنصوص التراثية القديمة تؤكد وتشير إلى تلك الإنجازات التى كان وراءها نبى الله إدريس»(19)، ومنها ما ذكره أدولف أرمان المتخصص فى دراسة الحضارة المصرية القديمة والذى دون فى كتابه الكثير من الكتابات التراثية القديمة مثل: «إننى أنا إيزيس، عاهلة البلاد جميعًا، لقد تعلمت على يد هرمز (وهو إدريس عليه السلام) وابتدعت بالاتفاق مع هرمز الكتابة الشعبية.. وحملت الرجال على حب النساء، وجعلت العدالة أقوى من الذهب والفضة...»(20).
أما أزوريس فهو الذى جمع شتات سكان وادى النيل من قبائل وعلمهم الزراعة وابتدع لهم آلات الفلاحة والحرث وكشف عن مناجم الذهب والنحاس وأسس المدن وأقام النظم وازدهرت الحضارة المصرية، ثم اعتزم الخروج لنشر هذه الحضارة إلى الأقطار الأخرى(21).وهذا ما نفهمه من كتابة وجدت على قبر أزوريس تقول: «إننى أنا الملك أوزوريس الذى أدار الحب فى أنحاء الأرض كلها حتى بقاع الهند الخاوية وحتى مناطق الشمال إلى منابع الدانوب ثم إلى المحيط... وليس فى العالم مكان لم أبلغه وقد منحت الناس أجمعين ما وجدته»(22).
وكان هرمز (معلم إيزيس) وهو نبى الله إدريس وزيره ومرافقه فى هذا الفتح العالمى حيث وجد اسمه فى أكثر من بقعة من بقاع الأرض ملازم لأزوريس كمعلم للعلوم ولفضائل الأخلاق(23). ونستطيع أن نستنتج أيضًا أنه أعاد الناس إلى ديانة التوحيد لا كما يزعم المستشرقون والملاحدة بأن الديانة المصرية تعج بتعدد الآلهة ولم تعرف الوحدانية إلا فى عهد موسى عليه السلام، وهذا ما نفاه الكثير من العلماء وأكدوا أن عرب وادى النيل كانوا يدينون بالتوحيد.

فأدولف أرمان يقول: «ومما يبعث على الدهشة أن المصريين كثيرًا ما تحدثوا علاوة على آلهتهم المعينة عن (إله عام)، ويحدث ذلك عادة فى الأدب عندما يفكرون فى تلك القوة التى تتحكم فى مصائر الناس، فمثلاً يقولون (ما يحدث هو أمر الله)، (ما تزرعه وما ينبت فى الحقل هو عطية من عند الله )، (من أحبه الله وجبت عليه الطاعة)، (الله يعرف أهل السوء)، (إذا جاءتكم السعادة حق عليكم شكر الله) ثم يضيف قائلاً: «هؤلاء القوم الذين كان هذا هو شعورهم لم يكونوا بمنأى عن العقيدة الحقة» (24).
وقد صرح «دى روجيه» فى محاضرة له عام 9681 قائلاً: «.. إن الخاصية الأولى للديانة المصرية هى وحدة (الإله) التى نعبر عنها بكل قوة فنقول: الإله الواحد الفرد، الصمد، لا شريك له هو الإله الأوحد، الحى فى الحقيقة -أنت الواحد وملايين الكائنات انبثقت منك، خلق كل شىء وهو الوحيد الذى لم يخلقه أحد.. لقد سادت فكرة الإله الفرد الأول الواحد الدائم فى كل مكان»(25).

والعالم هينريش بروجش من أبرز علماء المصريات الألمان، يعترف باقتناع بأن المصريين قد عبدوا فى تلك العصور السحيقة الإله الواحد المتعذر وصفه أو إدراكه بالأيدى فى صفاته الأسمى(26)، وهذا المعنى تزخر به تراتيلهم.
وقد أطلق عرب وادى النيل على الإله الواحد اسم من أو «معن» أى المعنى إذ كانت تكتب الكلمات بدوت صوتيات وقد قرأها الدارسون (مانا- مينا- مون- مونا- آمون)، والكلمة فى لغة «جامد» المندائية العربية القديمة التى تكلم بها إدريس عليه السلام والتى هى إحدى لهجات العربية السريانية القديمة هى «مانا» وتعنى «المعنى»(27).

وفى ترتيلة آمون نقرأ ما يدل على أن آمون أصل كل شىء: «إنه (وجد) فى البدء وليس هناك إله آخر ظهر قبله، ولم يكن معه إله آخر ليشير إليه بصورته، لم تكن له أم تمنحه اسمه، ولا أب ليكون أصلاً له وليقول له: «هأنذا» إن كل شىء آخر صدر عنه»(28).

وهكذا نجد أن الحضارة المصرية القديمة هى عربية قامت على التوحيد، وأن تعدد الآلهة الذى ذهب إليه البعض فنده كبار العلماء المتخصصين وعزوه إلى سوء الترجمة والفهم حيث إن هذا التراث لم يقرأه أصحابه الأصليون الذين حرفوه خصوصًا ما يشير منه إلى صلة هذه الأمة بالسماء وإيمانها بخالقها، لأنهم أدركوا أن به نهضتها وعزتها إن هى رجعت إليه، وهذا يتعارض مع أهدافهم الاستعمارية الذى كان نتيجته غرس اليهود فى فلسطين ولتطلع علينا دراستهم باستنتاجات خاطئة تصف فيها تاريخنا القديم ولا سيما فى وادى النيل بتعدد الآلهة قبل موسى عليه السلام لتكون المحصلة أن العرب هم سكان شبه الجزيرة العربية فقط، وأن تاريخهم يبدأ قبل البعثة النبوية، فى رسالة واضحة للعرب مؤداها أن هذه بدايتكم وأصولكم جهل وتخلف، وبذلك فصلوا الأمة عن عمقها التاريخى والحضارى إلا قليلاً من المنصفين الذين اعترفوا بالفضل لأهله(29).
«والغريب أننا قبلنا هذا التوصيف وأخذنا نردد لأجيالنا عبر مناهج الدراسة والتثقيف دون أن يكون لنا دور فى تمحيص هذه المقولات ولا فى دراسة تاريخ هذه المنطقة واكتشاف آثارها، فنحن الأقرب من غيرنا إلى فهمها لأنها لغتنا وبالتالى التوصل إلى حقيقة ترابط تراث هذه الأمة وتواصله ووحدته منذ القدم»(30).

فعلماء الغرب درسوا تاريخنا وحضارتنا بخلفية يهودية من العهد القديم ولم ينفكوا عنها حتى وإن تعارضت مع العقل، مثل قولهم بأن التوحيد بدأ بموسى عليه السلام وما قبله البشرية غارقة فى الوثن والشرك، وهنا نتساءل: «أين ذهبت الأنبياء والناس منذ آدم؟!».
كما أن التوحيد لم يقتصر على عرب وادى النيل وإنما وجد أيضًا فى الحضارات الأخرى السومرية والأكادية والبابلية والآشورية والتى هى معاصرة للحضارة المصرية القديمة حيث إن هناك دراسات أثبتت أن الحضارة انطلقت فى آن واحد، وأن مركزها هو الجزيرة العربية، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم فى قوله تعالى: {إنَّ أّوَّل بيًت وضع لٌلنَّاس لّلَّذٌي بٌبّكَّةّ مٍبّارّكْا وهٍدْى لٌلًعّالّمٌينّ} [آل عمران: 96]، ومن هذه الأرض المقدسة انطلق الأنبياء والرسل داعين إلى عبادة الله الواحد مبشرين ومنذرين، ومنها حمل الإنسان العربى عقيدة التوحيد إلى جميع أنحاء الوطن العربى منذ آلاف السنين(31).

وحدانية عرب العراق وسوريا التى قامت عليها حضارتهم:

لقد شهد العراق بزوغ أقدم الحضارات التى عرفتها الإنسانية وهى الحضارة السومرية، «وإن كان من خلال تاريخ كل حضارة وبدايتها نلاحظ أنها والحضارة المصرية متقاربتان»، ثم توالت بعدها حضارات أخرى مثل الأكادية والبابلية والآشورية، كانت كل واحدة تقوم على أنقاض الأخرى، والملاحظ أن التوحيد لم ينفك عن هذه الحضارات الواحدة تلو الأخرى، يتضح ذلك من خلال تراتيلهم الدينية ومدوناتهم التى تدل على صلة هذه الحضارة بالسماء، ومثال على ذلك: شريعة حمورابى، نذكر منها قانون النفس بالنفس، هو نفسه موجود فى التوراة، وهو الذى أشار إليه القرآن الكريم فى قوله تعالى: ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدّق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون [المائدة:45] مما يدل على أن مصدرها واحد هوالله وهدفها هو تحقيق العدالة بين الناس {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط } [الحديد : 25]، وهو الهدف الذى تؤكده هذه الشريعة فتقول فى خاتمتها: «إن الشرائع العادلة التى رفع منارها الملك حمورابى، والتى أقام بها فى الأرض دعائم ثابتة وحكومة طاهرة صالحة.. أنا الحاكم الحفيظ عليها فى قلبى حملت أهل سومر وآكد وبحكمتى قيدتهم حتى لا يظلم الأقوياء الضعفاء، حتى ينال العدالة اليتيم والأرملة... ولعل الملك الذى يكون فى الأرض فيما بعد، وفى المستقبل يرعى ألفاظ العدالة التى نقشتها على أثرى»(32).
وكان قدماء السومريين يرتلون فى معابدهم مزامير التوبة مقرين لله بعجزهم عن معرفته قائلين: «إلهى إن آثامى كثيرة وذنوبى فظيعة.. أيها الإله الذى أعرفه أو الذى لست أعرفه إن آثامى كثيرة وذنوبى فظيعة»(33).

إذًا القول بتعدد الآلهة فى الحضارة السومرية كما ذهب كريمر ومن أخذ عنه من الدارسين فى الديانات السابقة ما هو إلا خطأ فى الفهم والترجمة. فعقيدة تعج بالأخلاق والحكم الرفيعة وشرائع العدل والتكافل لا يمكن أن تكون وثنية، ولو قرءوا القرآن ورءوا يوسف عليه السلام يقول للساقى السجين: {اذكرني عند ربك } [يوسف: 24] وهو يقصد ملكه فرعون لظنوا أن يوسف مشرك، ونحن نفهم من خلال لغتنا، وكما جعلوا هم، أن كل من هو مفترض الطاعة ربًا كرب الأسرة ورب العلم. فهم لم يتوسلوا لهذه الآلهة بالعبادة أو مشاركتها الله الواحد كحال الوثنيين، بل إنها وكما يرى فرانسوا جوزيف مجرد مظاهر للإله الواحد، فالله هو الواحد المتجلى فى الكثرة «فالإيمان بآلهة متعددة هو إنكار لوحدانية الله ما لم ينظر إليها باعتبارها رمزية صرفة»(34)، ومنه نفهم قول الإمام الصادق فى دعائه «يا الله يا رحمن يا رب الأرباب وإله الآلهة ويا ملك الملوك ويا سيد السادة اشفنى بشفائك من كل داء وسقم فإنى عبدك أتقلب فى قبضتك» (35)، أما العلماء الغربيون ففهموا الكلمات الدالة على رب (التى كان السومريون القدماء يستخدمونها بمعنى سيد) بمعنى إله(36).

ونستنتج مما سبق أنه لابد لنا من إعادة قراءة تراثنا من جديد وبتجرد إذا أريد لهذه الأمة أن تستعيد ثقتها بنفسها وريادتها الأولى، لتتضح الحقيقة بأن التوحيد بدأ منذ آدم واستمر فى بنيه وأن الله سبحانه رعى الإنسان منذ خطواته الأولى وكان يرسل له الأنبياء تترى فى محطات الضلال التى تهدد مسيرته الإيمانية، وكان آخر هذه السلسلة الإيمانية هو خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله الذى قال بأن مثله ومثل الأنبياء قبله «كمثل رجل بنى دارًا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة فجعل الناس يتعجبون ويقولون لولا موضع اللبنة، فأنا موضع اللبنة وأنا خاتم الأنبياء». والقرآن يقر بوحدة هذه الأمة وأن خط التوحيد لم ينقطع أبدًا فقال تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأناربكم فاعبدون } [الأنبياء: 29].
وأمرنا بأن نؤمن بجميع الأنبياء والرسل، وهذا دليل على أن الدين مصدره واحد هو الخالق سبحانه فى قوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لانفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا واطعنا غفرانك ربنا واليك المصير } [البقرة: 285]. وقد أقر بنى آدم بوحدانية الله وهم فى عالم الذر.

فإذا كان القرآن هو كتاب الله الذى نتعبد به ونؤمن بكل ما جاء فيه فلماذا نستسلم لأقوال العلماء الملاحدة «من أن عبادة الأصنام هى مرحلة طبيعية مرت بها البشرية فى طريق تعرفها على الله سبحانه(37). ولابد أن نعرف أن صناعة التماثيل كانت أمرًا طبيعيًا فى الأمم السابقة وأديانها، وأعلمنا القرآن ذلك فكانت الجان ضمن ما كانت تعمل لسليمان صناعة هذه التماثيل قال تعالى: {يعملون له مايشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابّ وقدور راسيات اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: 13]. أما أن تعبد هذه الأصنام من دون الله فاعتبره القرآن انحرافًا عن جادة التوحيد، وكان كل نبى يحذر قومه وينذرهم من ذلك، وكان أولهم نوح فى الألف الرابع قبل الميلاد وعمر البشرية أطول من ذلك، مما يدل على أن الناس منذ آدم ظلوا على خط التوحيد، وأن الوثنية لم تكن جزءًا طبيعيًا ضمن سياق الرحلة الطويلة للإنسان منذ بدايته.

وكان قبل نوح أنبياء مثل شيث وإدريس ورسلا يقول القرآن عنهم: {منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ّ} [غافر : 78] كانوا ينيرون للإنسان الطريق لمعرفة الله سبحانه ضد الشيطان الذى أقسم على غوايتهم ولكن الله لم يترك عباده لهم، يتضافر مع ذلك أن سنة الله فى الأرض كانت تقتضى بأن الهلاك يكون مصير الأمة العاصية الفاسدة لتطهير الأرض منها بإصرارها على العناد، ولكى لا تؤثر على الآخرين بمساوئها السلوكية والعقيدية حين تشرك بالله ولكى تفسح المجال لأمة أكثر صلاحًا وعبادة واعترافًا بواحدانيته، وذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يؤكد ذلك القرآن فى مواضع كثيرة، بأنه ما ازدهرت حضارة واستمرت إلا على الإيمان والتقوى، ولكن حين تظلم نفسها بالشرك وتظلم الآخرين بمنكراتها وسوء أفعالها يكون الهلاك، قال تعالى: ( ولو أن أهل القري آمنوا واتقول لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون } [الأعراف: 96].

وهكذا نستخلص أن التوحيد ظل هو عقيدة الأمة ومصدر حضارتها منذ آدم، أكد ذلك القرآن الكريم والعلماء المنصفون من الغرب الذين أثبتوا وحدة هذه الحضارة من خلال اكتشافاتهم الأثرية فى باطن الأرض وما حوته من رقم وجداريات ومن خلال دراساتهم وأبحاثهم.

الحضارة العربية مصدر الحضارات القديمة فى الدراسات العلمية الحديثة:

ومن دلائل الوحدة لهذه الحضارات القديمة ووحدة شعوبها وأنها انطلقت من شبه الجزيرة العربية حاملة لواء التوحيد والمدنية والعمران والتحضر لأقطار العالم حينذاك، بالإضافة إلى ما سبق ما ذكره سبتنيو موسكاتى -وهو من أبرز العلماء المتخصصين فى دراسة الحضارات القديمة ويعتبر مرجعًا هامًا لكثير من الباحثين فى هذا الصدد- عن العرب القدماء فى شبه الجزيرة العربية، حيث ينعتهم بالساميين قائلاً: «الساميون يظهرون فى أقدم المصادر على أنهم بدو صحراء العرب يدفعون بأنفسهم دائمًا إلى الخارج ويتغلغلون فى المناطق المحيطة ويوطدون أقدامهم فيها، فهناك الآكاديون الذين نراهم فى أرض الرافدين فى الألف الثالثة قبل الميلاد، ثم الآشوريون الذين أسسوا فى الألف الثانية سلسلة من الدول فى فلسطين وسوريا وأرض الرافدين ثم العبريون والآراميون الذين جاءوا بعد ذلك بقرون قليلة.. بعد انسحاب شعوب البحر فى فلسطين وسوريا ثم العرب الذين خرجوا بعد ذلك بعدة قرون فى حركة فتح عظيمة نقلتهم إلى أقصى البقاع»(38). ومع التحفظ على كلمة الساميين التى هى صورة من التشويه الذى أصاب تراث الأمة تحت تأثير اليهود فإن موسكاتى يوضح أن الحضارة انتقلت إلى أماكن متعددة من العالم من خلال شعوب منطقة شبه الجزيرة العربية وبالتالى حملت معها عقيدة التوحيد.

وهو يؤكد العوامل المشتركة بين سكان مناطق هذه الحضارات، كدليل دامغ على فضل العرب فى تأسيس الحضارات منها اللغة، فالوحدة العضوية القوية للغات السامية تشير إلى الصلة الوثيقة للشعوب التى تتكلم بها. بالإضافة إلى الجغرافيا حيث عاشت الشعوب السامية حياتها التاريخية متجاورة واستمر هذا الجوار، وتأكد يومًا بعد يوم حيث انعكست على الحياة الاجتماعية من تشابه فى المسكن والأحوال والعادات والطقوس الدينية(39).

وهذه الوحدة والتأثير الحضارى لم يقتصر على الشعوب السامية بعضها ببعض، بل إنه امتد إلى شعوب الشرق الأدنى القديم «إن أفضال الساميين على الحضارة الإنسانية عديدة إيجابية... فالأبجدية خرجت إلى الوجود فى أرض سامية هى كنعان. وقد أثرت الشعوب السامية فى التطور الحضارى لحوض البحر المتوسط، فالآكاديون قدموا موضوعات أدبية وأفكارًا قانونية ومعلومات فلكية وحقائق رياضية والآراميون قدموا لغتهم التى صارت وسيلة لتعريف الغرب بحضارته نفسها وبحضارة الآخرين، والعرب أوجدوا بواسطة نظامهم السياسى الظروف لتلاقى حضارات مختلفة فى دولة كبيرة واحدة، كما أسهموا بنصيب فى الفلك والملاحة والرياضيات وسائر العلوم. ولكن أكبر ما أسهم به الساميون فى سبيل الحضارة الإنسانية هو الدين(40). وهذا انصاف للحضارة العربية بمآثرها المتعددة حتى إن الحضارة الغربية تدين لها فى ذلك آتت من عالم غربي ترفع عن روح العصبية التى اتسم بها كثير من العلماء الغربيين الذىن أتوا لدراسة هذه المنطقة وساهموا فى تزييف تاريخها وطمس حقائق حضارتها.

وهنا نتساءل: لما تركزت هذه الحضارات فى تلك المنطقة دون غيرها من شمال الكرة الأرضية أو جنوبها؟ والإجابة: يرجعها كثيرون إلى العامل الجغرافى وما يمتاز به من مناخ معتدل يساعد على قيام الحضارة أو جفاف يحدث الهجرة والانتقال بهذه الحضارة إلى موطن آخر، وجدنا ذلك التحليل عند ابن خلدون حين يذكر «أن للبيئة الجغرافية دورًا فى لم شتات الجماعات البشرية وتوجيه نشاطها العمرانى، ويستنتج من هذا سر تمركز جل الأديان والبعثات النبوية فى المنطقة المعتدلة من جزيرة العرب والشام ومصر»(41).
كما أن الله اختص الأنبياء بهذه المنطقة بالذات، فلم يعثر فى التاريخ على خبر بعثة نبى فى الأقاليم الشمالية والجنوبية، وذلك لأن أقاليم الشرق الأدنى أنسب فى الاعتدال والطبائع والأجسام والملابس والمساكن، فكان الأنبياء أكمل حالاً فى الخلق والأخلاق، كما أنها بعيدة عن هزات البراكين والزلازل، وهذا له أثر فى استقرار الحضارات وازدهارها ووقوع هذه الأقاليم على سواحل البحرين -المتوسط والأحمر- مما جعلها طريقًا تجاريًا عالميًا على مر العصور، وكل هذه العوامل لها دور فى ازدهار الحياة(42).

ونتيجة الدراسات والبحوث العلمية الكثيرة التي تسفر -كما يذكر «محمود شاكر» فى موسوعته عن الحضارات- عن أن الموطن الأول للأقوام التى سميت السامية هو شبه الجزيرة العربية، وأنها هاجرت منذ زمن قديم إلى بوادى الشام والعراق واستقرت فى أنحاء سوريا وفلسطين فى حين ذهبت جماعات أخرى منها إلى مصر وشمال إفريقيا ومكة حيث موارد العيش مقارنة مع المناطق التى هاجرت إليها(43).
كما أن الحديث عن حضارة الآكديين والأموريين (البابليين) والآشوريين والكلدانيين فى العراق، هو حديث عن أصول وجذور الحضارة العربية التى تمت وازدهرت خلال العصور المتتابعة ابتداء من الألف الثالثة قبل الميلاد وحتى الآن، بل إن الدراسات العلمية الحديثة رجحت وجود موجة أخرى من الأقوام العربية الآكدية إلى السهل الرسوبى فى العراق كما سبقت الأقوام السومرية نفسها(44).

نستنتج من كل ما سبق وحدة الحضارة وعقيدتها التوحيد، وإن ظل سؤال يتبادر إلى الذهن: إذا كانت أقدم الحضارات هى السومرية فى الألف الثالثة قبل الميلاد، فأين عمر البشرية السابق، ألم يشهد حضارات أخرى وهذا ما يرفضه العقل والمنطق، لأن خط التوحيد لم ينقطع منذ آدم وكذلك الأنبياء والمصلحين والدين والصفوة الممتازة فى أى مجتمع يمثلان العوامل الأساسية لقيام أى حضارة، وكما سيتضح فيما بعد. إذ ربما كانت هناك حضارات ولكننا لم نستطع اكتشافها ولاتزال معالمها فى باطن الأرض، أو ربما أهلكت وأبيدت دون أى أثر لها كعقاب إلهى على انحرافها وتكذيبها لرسل الله، وكما أشار القرآن إلى ذلك فى كثير من آياته وهو أصدق ما يمكن أن نعتمد عليه فى تفسير ذلك، وكما ذهب الكثير من العلماء الصالحين المنتميين لهذه الأمة، فقال سبحانه: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ُتنزيل من حكيم حميد } [فصلت:42]، ولم يصبه التحريف الذى نال الكتب السماوية الأخرى، لأن الله سبحانه تعهد بحفظه فقال تعالى: {انا نحن نزلنا الذكر وان له لحافظون } [الحجر: 9].
1-التوحيد عقيدة الأمة ص 111 : سلسلة عندما نطق السراة ، البحرين
2-عوامل فساد الأمم كما تصورها سورة الأعراف : صالح الخطيب ص69 ، سنن القران في قيام الحضارات : محمد هيشور ص 182 ، 183
3-التوحيد عقيدة الأمة ص 104 : 108
4-المرجع السابق ص 37 ، 40
5-الشريف الرضي : تهج البلاغة ص22 ،23
htt://www.21_noor.com موقع النور -6
7-في ظلال القران الكريم ، ج3 ص 47 ، 48
8-التوحيد عقيدة الأمة ص 47 ، 48
9- تفصيل آيات القران ص6 للمستشرق جول لابوم
10- سنن القران في قيام الحضارات وسقوطها : محمد هيشور ، ص 183
11- تفسير النسفي : البقرة 211
12- سنن القران في قيام الحضارات ، ص 164
13- طوفان نوح بين الحقيقية والأوهام " جمعية التجديد الثقافية " ، ص 79
14- مسخ الصورة وتحريف تراث الأمة : سلسلة عندما نطق الثراة ، ص 158
15- المرجع السابق ، ص 161
16- حسين حموي " هي الذاكرة العربية مهددة " جريدة الأسين الأدبي العدد 861 ، 7/3/2003
17- علي فهمي خشيم " الفرعونية" أكذوبة كبري والحضارة المصرية تكونت من مهاجرين عرب وليبيين نقلا عن " مسخ الصورة وتحريف تراث الأمة " 158
18- المرجع السابق ، ص 159
19- التوحيد عقيدة الأمة ، ص 85
20- أدولف أرمان : ديانة مصر القديمة ص 559 ، 560
21- أشهر الأساطير في التاريخ : مجدي كامل ، ص 135 : 138
22- ديانة مصر القديمة ص 560
23- التوحيد عقيدة الأمة ، ص 92
24- ديانة مصر القديمة ، ص 97 ، 98
25- ديانة مصر الفرعونية : اريك هورتونج ص 8 : 9
26- الدين والأساطير عند المصري القديم : اريك هورتونج ص 12
27- تاريخ سوريا الحضاري القديم : أحمد داوود ، ص 153
28- ديانة مصر القديمة ، ص 192
29- التوحيد عقيدة الأمة ، ص 4 ، 5
30- المرجع السابق ، ص 6
31- المرجع السابق ، ص 43 ومابعدها
32- قصة الحضارة : ول ديورانت ج 2 ص 191 ، 192
33- تاريخ سوريا الحضاري القديم ، 153
34- التوحيد عقيدة الأمة ، ص 75 : 80
35- الكليني : الكافي ج2 ص566
36-تاريخ سوريا الحضاري القديم ، ص 90
37- ديانة مصر القديمة ، ص 19 وينظر الي التوحيد عقيدة الأمة ص 17 ، 18
38- الحضارات السامية ، ص 194
39- المرجع السابق ، ص 193 ومابعدها
40- الحضارات السامية ، ص 196
41 – سنن القران في قيام الحضارات وانهيارها نقلا عن ابن خلدون اسلاميا ، د. عماد الدين خليل ، ص 41
42- المرجع السابق ، ص 115
43- موسوعة الحضارات القديمة والحديثة وتاريخ الأمم : محمود شاكر ، ص 55
44- المرجع السابق وينظر الي تاريخ الحضارات الانسانية ، ص 53
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 14-03-2013, 03:45 AM
خالد الفردي خالد الفردي غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
الدولة: مصر مطروح
المشاركات: 9,245
افتراضي

موضوعاتكِ كلها في غاية الأهمية والروعة

بورك فيكِ أختي المكرمة على الطرح المفيد والجهود الطيبة

تقديري لكِ
__________________
إنا لله وإنا إليه راجعون
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 19-03-2013, 01:50 PM
عبدالله سعد اللحيدان عبدالله سعد اللحيدان غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
الدولة: لبنان
المشاركات: 3,125
افتراضي

بارك الله فيكم ونفع بكم
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
خصائص الحضارة في القران الكريم عبير عبد الرحمن يس منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 04-07-2012 12:00 AM
عوامل قيام الحضارة وانهيارها في القران الكريم عبير عبد الرحمن يس منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 26-06-2012 03:25 AM
دليل مواقع القران الكريم . بندر ابراهيم منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 07-01-2012 02:03 PM
بنك المعلومات.... عاشقة الازهار منتدى النقاش الحر والحوار الفكري البنّاء 4 16-12-2009 04:12 PM
النظام السياسي والسياسة العامة مراقب سياسي4 منتدى العلوم والتكنولوجيا 5 23-07-2009 02:46 PM


الساعة الآن 10:33 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com