عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات الأدبية > منتدى همس القوافي وبوح الخاطر

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 03-08-2006, 03:48 AM
السيد عبد الرازق السيد عبد الرازق غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 1,229
افتراضي لطائف واشارات الكتاب العزيز ( قل ياعبادى الذين أسرفوا علي أنفسهم ) للفخر الرازى




اشارات ولطائف ( قل يا عبادى الذين أسرفوا علي أنفسهم ) للفخر الرازى

--------------------------------------------------------------------------------

تفسير الفخر الرازي ( مفاتيح الغيب )
@3@ $2( { قل ياعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم * وأنـيبو صلى الله عليه وسلم #1764;ا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون * واتبعـو صلى الله عليه وسلم #1764;ا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكـم من قبل أن يأتيكـم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون * أن تقول نفس ياحسرتى على ما فرطت فى جنب الله وإن كنت لمن السـاخرين * أو تقول لو أن الله هدانى لكـنت من المتقين * أو تقول حين ترى العذاب لو أن لى كـرة فأكون من المحسنين * بلى قد جآءتك ءايـاتى فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكـافرين } )2$ # اعلم أنه تعالى لما أطنب في الوعيد أردفه بشرح كمال رحمته وفضله وإحسانه في حق العبيد وفيه مسائل: # المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يعفو عن الكبائر، فقالوا: إنا بينا في هذا الكتاب أن عرف القرآن جار بتخصيص العباد بالمؤمنين قال تعالى: {وعباد الرحمـان الذين يمشون على الارض هونا * الفرقان * وقال * عينا يشرب بها عباد الله }
@4@ (الإنسان: 6) ولأن لفظ العباد مذكور في معرض التعظيم، فوجب أن لا يقع إلا على المؤمنين، إذا ثبت هذا ظهر أن قوله {فى عبادى } مختص بالمؤمنين، ولأن المؤمن هو الذي يعترف بكونه عبد الله، أما المشركون فإنهم يسمون أنفسهم بعبد اللات والعزى وعبد المسيح، فثبت أن قوله {فى عبادى } لا يليق إلا بالمؤمنين، إذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى قال: {الذين أسرفوا على أنفسهم } وهذا عام في حق جميع المسرفين. # ثم قال تعالى: {إن الله يغفر الذنوب جميعا } وهذا يقتضي كونه غافرا لجميع الذنوب الصادرة عن المؤمنين، وذلك هو المقصود فإن قيل هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها، وإلا لزم القطع بكون الذنوب مغفورة قطعا، وأنتم لا تقولون به، فما هو مدلول هذه الآية لا تقولون به، والذي تقولون به لا تدل عليه هذه الآية، فسقط الاستدلال، وأيضا إنه تعالى قال عقيب هذه الآية {وأنـيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون } إلى قوله {بغتة وأنتم لا تشعرون } ولو كان المراد من أول الآية أنه تعالى غفر جميع الذنوب قطعا لما أمر عقيبه بالتوبة، ولما خوفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون، وأيضا قال: {أن تقول نفس ياحسرتى ياحسرتى على ما فرطت فى جنب الله } ولو كانت الذنوب كلها مغفورة، فأي حاجة به إلى أن يقول: {ياحسرتى على ما فرطت فى جنب الله }؟ وأيضا فلو كان المراد ما يدل عليه ظاهر لفظ الآية لكان ذلك إغراء بالمعاصي وإطلاقا في الإقدام عليها، وذلك لا يليق بحكمة الله، وإذا ثبت هذا وجب أن يحمل على أن يقال المراد منه التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن العاصي أنه لا مخلص له من العذاب ألبتة، فإن من اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة الله، إذ لا أحد من العصاة المذنبين إلا ومتى تاب زال عقابه وصار من أهل المغفرة والرحمة، فمعنى قوله {إن الله يغفر الذنوب جميعا } أي بالتوبة والإنابة والجواب قوله الآية تقتضي كون كل الذنوب مغفورة قطعا وأنتم لا تقولون به/ قلنا بل نحن نقول به ونذهب إليه، وذلك لأن صيغة يغفر صيغة المضارع، وهي للاستقبال، وعندنا أن الله تعالى يخرج من النار من قال لا إلاه إلا الله محمد رسول الله، وعلى هذا التقدير فصاحب الكبيرة مغفور له قطعا، إما قبل الدخول في نار جهنم، وإما بعد الدخول فيها، فثبت أن ما يدل عليه ظاهر الآية فهو عين مذهبنا. # أما قوله لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة، فالجواب أن عندنا التوبة واجبة وخوف العقاب قائم، فإنا لا نقطع بإزالة العقاب بالكلية، بل نقول لعله يعفو مطلقا، ولعله يعذب بالنار مدة ثم يعفو بعد ذلك، وبهذا الحرف يخرج الجواب عن بقية الأسئلة والله أعلم. # المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية تدل على الرحمة من وجوه: الأول: أنه سمى/ المذنب بالعبد والعبودية مفسرة بالحاجة والذلة والمسكنة، واللائق بالرحيم الكريم إفاضة الخير والرحمة على المسكين المحتاج. الثاني: أنه تعالى أضافهم إلى نفسه بياء الإضافة فقال: {قل ياعبادى الذين أسرفوا } وشرف الإضافة إليه يفيد الأمن من العذاب الثالث: أنه تعالى قال: {أسرفوا على أنفسهم } ومعناه أن ضرر تلك الذنوب ما
@5@ عاد إليه بل هو عائد إليهم، فيكفيهم من تلك الذنوب عود مضارها إليهم، ولا حاجة إلى إلحاق ضرر آخر بهم الرابع: أنه قال: {لا تقنطوا من رحمة الله } نهاهم عن القنوط فيكون هذا أمرا بالرجاء والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم الخامس: أنه تعالى قال أولا: {فى عبادى } وكان الأليق أن يقول لا تقنطوا من رحمتي لكنه ترك هذا اللفظ وقال: {لا تقنطوا من رحمة الله } لأن قولنا الله أعظم أسماء الله وأجلها، فالرحمة المضافة إليه يجب أن تكون أعظم أنواع الرحمة والفضل السادس: أنه لما قال: {لا تقنطوا من رحمة الله } كان الواجب أن يقول إنه يغفر الذنوب جميعا ولكنه لم يقل ذلك، بل أعاد اسم الله وقرن به لفظة إن المفيدة لأعظم وجوه التأكيد، وكل ذلك يدل على المبالغة في الوعد بالرحمن السابع: أنه لو قال: {يغفر الذنوب } لكان المقصود حاصلا لكنه أردفه باللفظ الدال على التأكيد فقال جميعا وهذا أيضا من المؤكدات الثامن: أنه وصف نفسه بكونه غفورا، ولفظ الغفور يفيد المبالغة التاسع: أنه وصف نفسه بكونه رحيما والرحمة تفيد فائدة على المغفرة فكان قوله {إنه هو الغفور } إشارة إلى إزالة موجبات العقاب، وقوله {الرحيم } إشارة إلى تحصيل موجبات الرحمة والثواب العاشر: أن قوله {إنه هو الغفور الرحيم } يفيد الحصر، ومعناه أنه لا غفور ولا رحيم إلا هو، وذلك يفيد الكمال في وصفه سبحانه بالغفران والرحمة، فهذه الوجوه العشرة مجموعة في هذه الآية، وهي بأسرها دالة على كمال الرحمة والغفران، ونسأل الله تعالى الفوز بها والنجاة من العقاب بفضله ورحمته. # المسألة الثالثة: ذكروا في سبب النزول وجوها، قيل إنها نزلت في أهل مكة فإنهم قالوا يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس لم يغفر له، وقد عبدنا وقتلنا فكيف نسلم؟ وقيل نزلت في وحشي قاتل حمزة لما أراد أن يسلم وخاف أن لا تقبل توبته، فلما نزلت الآية أسلم، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذه له خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال بل للمسلمين عامة وقيل نزلت في أناس أصابوا ذنوبا عظاما في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أشفقوا لا يقبل الله توبتهم، وقيل نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين أسلموا ثم فتنوا فافتتنوا وكان المسلمون يقولون فيهم لا يقبل الله منهم توبتهم فنزلت هذه الآيات فكتبها عمر/ وبعث بها إليهم فأسلموا وهاجروا، واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فنزول هذه الآيات في هذه الوقائع لا يمنع من عمومها. # المسألة الرابعة: قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم {فى عبادى } بفتح الياء والباقون/ وعاصم في بعض الروايات بغير فتح وكلهم يقفون عليه بإثبات الياء لأنها ثابتة في المصحف، إلا في بعض رواية أبي بكر عن عاصم أنه يقف بغير ياء، وقرأ أبو عمرو والكسائي تقنطوا بكسر النون والباقون بفتحها وهما لغتان، قال صاحب «الكشاف»، وفي قراءة ابن عباس، وابن مسعود {يغفر الذنوب جميعا * لمن يشاء }. # ثم قال تعالى: »وأنيبوا إلى ربكم} قال صاحب «الكشاف» أي وتوبوا إليه وأسلموا له أي وأخصلوا له العمل، وإنما ذكر الإنابة على أثر المغفرة لئلا يطمع طامع في حصولها بغير توبة وللدلالة على أنها شرط فيها لازم لا تحصل بدونه، وأقول هذا الكلام ضعيف جدا لأن عندنا التوبة عن المعاصي واجبة فلم يلزم من ورود الأمر بها طعن في الوعد بالمغفرة، فإن قالوا لو كان الوعد بالمغفرة حاصلا قطعا لما احتيج إلى التوبة، لأن التوبة إنما تراد لإسقاط العقاب، فإذا سقط العقاب بعفو الله عنه فلا حاجة إلى التوبة، فنقول هذا ضعيف لأن
@6@ مذهبنا أنه تعالى وإن كان يغفر الذنوب قطعا ويعفو عنها قطعا إلا أن هذا العفو والغفران يقع على وجهين تارة يقع ابتداء وتارة يعذب مدة في النار ثم يخرجه من النار ويعفو عنه، ففائدة التوبة إزالة هذا العقاب، فثبت أن الذي قاله صاحب «الكشاف» ضعيف ولا فائدة فيه. # ثم قال: {واتبعـوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكـم } واعلم أنه تعالى لما وعد بالمغفرة أمر بعد هذا الوعد بأشياء فالأول: أمر بالإنابة وهو قوله تعالى: {وأنـيبوا إلى ربكم } والثاني: أمر بمتابعة الأحسن، وفي المراد بهذا الأحسن وجوه الأول: أنه القرآن ومعناه واتبعوا القرآن والدليل عليه قوله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتـابا } (الزمر: 23) الثاني: قال الحسن معناه، والتزموا طاعة الله واجتنبوا معصية الله، فإن الذي أنزل على ثلاثة أوجه، ذكر القبيح ليجتنب عنه، والأدون لئلا يرغب فيه، والأحسن ليتقوى به ويتبع الثالث: المراد بالأحسن الناسخ دون المنسوخ لأن الناسخ أحسن من المنسوخ، لقوله تعالى: {ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } (البقرة: 106) ولأن الله تعالى لما نسخ حكما وأثبت حكما آخر كان اعتمادنا على المنسوخ. # ثم قال: {من قبل أن يأتيكـم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون } والمراد منه التهديد والتخويف والمعنى أنه يفجأ العذاب وأنتم غافلون عنه، واعلم أنه تعالى لما خوفهم بالعذاب بين تعالى أن بتقدير نزول العذاب عليهم ماذا يقولون فحكى الله تعالى عنهم ثلاثة أنواع من الكلمات فالأول: قوله تعالى: {أن تقول نفس ياحسرتى ياحسرتى على ما فرطت فى جنب الله وإن كنت لمن السـاخرين } وفيه مسائل: # المسألة الأولى: قوله {أن تقول } مفعول له أي كراهة أن تقول: {نفس ياحسرتى على ما فرطت فى جنب الله } وأما تنكير لفظ النفس ففيه وجهان الأول: يجوز أن تراد نفس ممتازة عن سائر النفوس لأجل اختصاصها بمزيد إضرار بما لا ينفي رغبتها في المعاصي والثاني: يجوز أن/ يراد به الكثرة، وذلك لأنه ثبت في علم أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب وصف يناسبه يفيد الظن بأن ذلك الحكم معلل بذلك الوصف، فقوله {*يا حسرتا} يدل على غاية الأسف ونهاية الحزن وأنه مذكور عقيب قوله تعالى: {نفس ياحسرتى على ما فرطت فى جنب الله } والتفريط في طاعة الله تعالى يناسب شدة الحسرة وهذا يقتضي حصول تلك الحسرة عند حصول هذا التفريط، وذلك يفيد العموم بهذه الطريقة. # المسألة الثانية: القائلون بإثبات الأعضاء لله تعالى استدلوا على إثبات الجنب بهذه الآية، واعلم أن دلائلنا على نفي الأعضاء قد كثرت، فلا فائدة في الإعادة، ونقول بتقدير أن يكون المراد من هذا الجنب عضوا مخصوصا لله تعالى، فإنه يمتنع وقوع التفريط فيه، فثبت أنه لا بد من المصير إلى التأويل وللمفسرين فيه عبارات، قال ابن عباس يريد ضيعت من ثواب الله، وقال مقاتل ضيعت من ذكر الله، وقال مجاهد في أمر الله، وقال الحسن في طاعة الله، وقال سعيد بن جبير في حق الله، واعلم أن الإكثار من هذه العبارات لا يفيد شرح الصدور وشفاء الغليل، فنقول: الجنب سمي جنبا لأنه جانب من جوانب ذلك الشيء والشيء الذي يكون من لوازم الشيء وتوابعه يكون كأنه جند من جنوده وجانب من جوانبه فلما حصلت هذه المشابهة بين الجنب الذي هو العضو وبين ما يكون لازما للشيء وتابعا له، لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب على الحق والأمر والطاعة قال الشاعر:
@7@ # أما تتقين الله جنب وامق # له كبد حرا عليك تقطع المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» قرىء {*يا حسرتي} على الأصل و {*يا حسرتاي} على الجمع بين العوض والمعوض عنه. # أما قوله تعالى: {جنب الله وإن كنت لمن السـاخرين } أي أنه ما كان مكتفيا بذلك التقصير بل كان من المستهزئين بالدين، قال قتادة لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها، ومحل {وإن كنت } نصب على الحالة كأنه قال: فرطت في جنب الله وأنا ساخر أي فرطت في حال سخريتي. # النوع الثاني: من الكلمات التي حكاها الله تعالى عن أهل العذاب أنهم يذكرونه بعد نزول العذاب عليهم قوله {أو تقول لو أن الله هدانى لكـنت من المتقين }. # النوع الثالث: قوله {أو تقول حين ترى العذاب لو أن لى كـرة فأكون من المحسنين } وحاصل الكلام أن هذا المقصر أتى بثلاثة أشياء أولها: الحسرة على التفريط في الطاعة وثانيها: التعلل بفقد الهداية وثالثها: بتمني الرجعة، ثم أجاب الله تعالى عن كلامهم بأن قال بفقد الهداية باطل، لأن الهداية كانت حاصرة والأعذار زائلة، وهو المراد بقوله {بلى قد جاءتك ءايـاتى فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكـافرين } وههنا مسائل: # المسألة الأولى: قال الزجاج بلى جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي إلا أنه حصل/ فيه معنى النفي، لأن معنى قوله {لو أن الله هدانى } أنه ما هداني، فلا جرم حسن ذكر لفظة {بلى } بعده. # المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله: القراءة المشهورة واقعة على التذكير في قوله {بلى قد جاءتك ءايـاتى فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكـافرين } لأن النفس تقع على الذكر والأنثى فخوطب بالذكر، وروى الربيع بن أنس عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ على التأنيث، قال أبو عبيد لو صح هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لكان حجة لا يجوز لأحد تركها ولكنه ليس بمسند، لأن الربيع لم يدرك أم سلمة، وأما وجه التأنيث فهو أنه ذكر النفس ولفظ النفس ورد في القرآن في أكثر الأمر على التأنيث بقوله {سولت لى نفسى } (طه: 96) و {إن النفس لامارة بالسوء } (يوسف: 53) و {*يا أيتها النفس المطمئة} (الفجر: 27). # المسألة الثالثة: قال القاضي هذه الآيات دالة على صحة القول بالقدر من وجوه الأول: أنه لا يقال: فلان أسرف على نفسه على وجه الذم إلا لما يكون من قبله، وذلك يدل على أن أفعال العباد تحصل من قبلهم لا من قبل الله تعالى، وثانيها: أن طلب الغفران والرجاء في ذلك أو اليأس لا يحسن إلا إذا كان الفعل فعل العبد، وثالثها: إضافة الإنابة والإسلام إليه من قبل أن يأتيه العذاب وذلك لا يكون إلا مع تمكنه من محاولتهما مع نزول العذاب، ومذهبهم أن الكافر لم يتمكن قط من ذلك ورابعها: قوله تعالى: {العذاب ثم لا تنصرون واتبعـوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكـم } وذلك لا يتم إلا بما هو المختار للاتباع وخامسها: ذمه لهم على أنهم لا يشعرون بما يوجب العذاب وذلك لا يصح إلا مع التمكن من الفعل، وسادسها: قولهم {نفس ياحسرتى على ما فرطت فى جنب الله } ولا يتحسر المرء على أمر سبق منه إلا وكان يصح منه أن يفعله، وسابعها: قوله تعالى: {على ما فرطت فى جنب الله } ومن لا يقدر على الإيمان كما يقول القوم ولا يكون الإيمان من فعله لا يكون
@8@ مفرطا، وثامنها: ذمه لهم بأنهم من الساخرين، وذلك لا يتم إلا أن تكون السخرية فعلهم وكان يصح منهم أن لا يفعلوه، وتاسعها: قوله {لو أن الله هدانى } أي مكنني {لكـنت من المتقين } وعلى هذا قولهم إذا لم يقدر على التقوى فكيف يصح ذلك منه، وعاشرها: قوله {لو أن لى كـرة فأكون من المحسنين } وعلى قولهم لو رده الله أبدا كرة بعد كرة، وليس فيه إلا قدرة الكفر لم يصح أن يكون محسنا، والحادي عشر: قوله تعالى موبخا لهم {بلى قد جاءتك ءايـاتى فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكـافرين } فبين تعالى أن الحجة عليهم لله لأن الحجة لهم على الله، ولو أن الأمر كما قالوا لكان لهم أن يقولوا: قد جاءتنا الآيات ولكنك خلقت فينا التكذيب بها ولم تقدرنا على التصديق بها. والثاني عشر: أنه تعالى وصفهم بالتكذيب والاستكبار والكفر على وجه الذم ولو لم تكن هذه الأشياء أفعالا لهم لما صح الكلام، والجواب عنه أن هذه الوجوه معارضة، بما أن القرآن مملوء من أن الله تعالى يضل ويمنع ويصدر منه اللين/ والقسوة والاستدراج، ولما كان هذا التفسير مملوءا منه لم يكن إلى الإعادة حاجة. # $2( { ويوم القيـامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس فى جهنم مثوى للمتكبرين * وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السو صلى الله عليه وسلم #1764;ء ولا هم يحزنون } )2$ # علم أن هذا نوع آخر من تقرير الوعيد والوعد، أما الوعيد فقوله تعالى: {ويوم القيـامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة } وفيه بحثان: أحدهما: أن هذا التكذيب كيف هو؟ والثاني: أن هذا السواد كيف هو؟. # البحث الأول: عن حقيقة هذا التكذيب، فنقول: المشهور أن الكذب هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه، ومنهم من قال هذا القدر لا يكون كذبا بل الشرط في كونه كذبا أن يقصد الإتيان بخبر يخالف المخبر عنه، إذا عرفت هذا الأصل فنذكر أقوال الناس في هذه الآية: # قال الكعبي: ويرد الجبر بأن هذه الآية وردت عقيب قوله {لو أن الله هدانى } (الزمر: 58) يعني أنه ما هداني بل أضلني، فلما حكى الله عن الكفار ثم ذكر عقيبه {ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة } وجب أن يكون هذا عائدا إلى ذلك الكلام المتقدم، ثم روي عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما بال أقوام يصلون ويقرأون القرآن، يزعمون أن الله كتب الذنوب على العباد، وهم كذبة على الله، والله مسود وجوههم} واعلم أن أصحابنا قالوا آخر الآية يدل على فساد هذا التأويل لأنه تعالى قال في آخر الآية: {*} واعلم أن أصحابنا قالوا آخر الآية يدل على فساد هذا التأويل لأنه تعالى قال في آخر الآية: {أليس فى جهنم مثوى للمتكبرين } وهذا يدل على أن أولئك الذين صارت وجوههم مسودة أقوام متكبرون، والتكبر لا يليق بمن يقول أنا لا أقدر على الخلق والإعادة والإيجاد، وإنما القادر عليه هو الله سبحانه وتعالى، أما الذين يقولون إن الله يريد شيئا وأنا أريد بضده، فيحصل مرادي ولا يحصل مراد الله، فالتكبر بهذا القائل أليق، فثبت أن هذا التأويل الذي ذكروه فاسد، ومن الناس من قال إن هذا الوعيد مختص باليهود والنصارى، ومنهم من قال
@9@ إنه مختص بمشركي العرب، قال القاضي يجب حمل الآية على الكل من المشبهة والمجبرة وكذلك كل من وصف الله بما لا يليق به نفيا وإثباتا، فأضاف إليه ما يجب تنزيهه عنه أو نزهه عما يجب أن يضاف إليه، فالكل منهم داخلون تحت هذه الآية، لأنهم كذبوا على الله، فتخصيص الآية بالمجبرة والمشبهة أو اليهود والنصارى لا يجوز، واعلم أنا لو أجرينا هذه الآية على عمومها كما ذكره القاضي/ لزمه تكفير الأمة، لأنك لا ترى فرقة من فرق الأمة إلا وقد حصل بينهم اختلاف شديد في صفات الله تعالى، ألا ترى أنه حصل الاختلاف بين أبي هاشم وأهل السنة في مسائل كثيرة من صفات الله تعالى، ويلزم على قانون قول القاضي تكفير أحدهما، فثبت أنه يجب أن يحمل الكذب المذكور في الآية على ما إذا قصد الإخبار عن الشيء، مع أنه يعلم أنه كاذب فيما يقول، ومثال هذا كفار قريش فإنهم كانوا يصفون تلك الأصنام بالإلاهية مع أنهم كانوا يعلمون بالضرورة أنها جمادات، وكانوا يقولون إن الله تعالى حرم البحيرة والسائية والوصيلة والحام، مع أنهم كانوا ينكرون القول بأن الله حرم كذا وأباح كذا، وكان قائله عالما بأنه كذب وإذا كان كذلك فإلحاق مثل هذا الوعيد بهذا الجاهل الكذاب الضال المضل (يكون) مناسبا، أما من لم يقصد إلا الحق والصدق لكنه أخطأ يبعد إلحاق هذا الوعيد به. # البحث الثاني: الكلام في كيفية السواد الحاصل في وجوههم، والأقرب أنه سواد مخالف لسائر أنواع السواد، وهو سواد يدل على الجهل بالله والكذب على الله، وأقول إن الجهل ظلمة، والظلمة تتخيل كأنها يواد فسواد قلوبهم أوجب سواد وجوههم، وتحت هذا الكلام أسرار عميقة من مباحث أحوال القيامة، فلما ذكر الله هذا الوعيد أردفه بالوعد فقال: {وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم } الآية، قال القاضي المراد به من اتقى كل الكبائر إذ لا يوصف بالاتقاء المطلق إلا من كان هذا حاله، فيقال له: أمرك عجيب جدا فإنك قلت لما تقدم قوله تعالى: {لو أن الله هدانى لكـنت من المتقين } (الزمر: 57) وجب أن يحمل قوله (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة} على الذين قالوا {*} على الذين قالوا {لو أن الله هدانى } فعلى هذا القانون لما تقدم قوله {ويوم القيـامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة }. # ثم قال تعالى بعده: {وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم } وجب أن يكون المراد هم الذين اتقوا ذلك الكذب، فهذا يقتضي أن كل من لم يتصف بذلك الكذب أنته يدخل تحت ذلك الوعد المذكور بقوله {وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم } وأن يكون قولك {الذين اتقوا } المراد منه من اتقى كل الكبائر فاسدا، فثبت أن التعصب يحمل الرجل العاقل على الكلمات المتناقضة، بل الحق أن تقول المتقي هو الآتي باللاتقاء والآتي بالاتقاء في صورة واحدة آت بمسمى الاتقاء، وبهذا الحرف قلنا الأمر المطلق لا يفيد التكرار، ثم ذلك الاتقاء غير مذكور بعينه في هذه اللفظة فوجب حمله على الاتقاء عن الشيء الذي سبق ذكره وهذا هو الكذب على الله تعالى، فثبت أن ظاهر الآية يقتضي أن من اتقى عن تلك الصفة وجب دخوله تحت هذا الوعد الكريم. # ثم قال تعالى: {بمفازتهم } وفيه مسائل: # المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بمفازاتهم على الجمع، والباقون بمفازتهم على التوحيد، وحكى الواحدي عن الفراء أنه قال: كلاهما صواب، إذ يقال في الكلام قد تبين أمر القوم
@10@ وأمور القوم، قال أبو علي الفارسي: الإفراد للمصدر ووجه الجمع أن المصادر قد تجمع إذا اختلفت أجناسها، كقوله تعالى: {وتظنون بالله الظنونا } (الأحزاب: 10) ولا شك أن لكل متق نوعا آخر عن المفازة. # المسألة الثانية: المفازة مفعلة من الفوز وهو السعادة، فكأن المعنى أن النجاة في القياملاة حصلت بسبب فوزهم في الدنيا بالطاعات والخيرات، فعبر عن الفوز بأوقاتها ومواضعها. # ثم قال: {لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون } والمراد أنه كالتفسير لتلك النجاة، كأنه قيل كيف ينجيهم؟ فقيل: {لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون } وهذه كلمة جامعة لأنه إذا لا يمسه السوء كان فارغ البال بحسب الحال عما وقع في قله بسبب فوات الماضي، فحينئذ يظهر أنه سلم عن كل الآفات، ونسأل الله الفوز بهذه الدرجات بمنه وكرمه. # المسألة الثالثة: دلت الآية على أن المؤمنين لا ينالهم الخوف والرعب في القيامة، وتأكد هذا بقوله {لا يحزنهم الفزع الاكبر } (الأنبياء: 103). # $2( { الله خـالق كـل شىء وهو على كل شىء وكيل * له مقاليد السمـاوات والارض والذين كفروا بأايـات الله أولـائك هم الخـاسرون * قل أفغير الله تأمرونى صلى الله عليه وسلم #1764; أعبد أيها الجـاهلون * ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخـاسرين * بل الله فاعبد وكن من الشـاكرين }. )2$ # واعلم أنه لما أطال الكلام في شرح الوعد والوعيد عاد إلى دلائل الإلهية والتوحيد، وفي الآية مسائل: # المسألة الأولى: قد ذكرنا في سورة الأنعام أن أصحابنا تمسكوا بقوله تعالى: {خـالق كل شىء } (الأنعام: 102) على أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى، وأطنبنا هناك في الأسئلة والأجوبة، فلا فائدة ههنا في الإعادة، إلا أن الكعبي ذمكر ههنا كلمات فنذكرها ونجيب عنها، فقال إن الله تعالى مدح نفسه بقوله {الله خـالق كل شىء } وليس من المدح أن يخلق الكفر والقبائح فلا يصح أن يحتج المخالف به، وأيضا فلم يكن في صدر هذه الأمة خلاف في أعمال العباد، بل كان الخلاف بينهم وبين المجوس والزنادقة في خلق الأمراض والسباع والهوام، فأراد الله تعالى أن يبين أنها جمع من خلقه، وأيضا لفظة {كل } قد لا توجب العموم لقوله تعالى: {وأوتيت من كل شىء } (النمل: 23) {تدمر كل شىء } (الأحقاف: 25) وأيضا لو كانت أعمال العباد من خلق الله لما ضافها إليهم بقوله {كفارا حسدا من عند أنفسهم } (البقرة: 109) ولما صح قوله {ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله } (آل عمران: 78) ولما صح قوله {وما خلقنا السماء والارض وما بينهما بـاطلا } (ص: 27) فهذا جملة ما ذكره الكعبي في تفسيره، وقال الجبائي: {الله خـالق كل شىء } سوى أفعال خلقه التي صح

التعديل الأخير تم بواسطة السيد عبد الرازق ; 03-08-2006 الساعة 03:54 AM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 03-08-2006, 04:00 AM
السيد عبد الرازق السيد عبد الرازق غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 1,229
افتراضي لطائف واشارات الكتاب العزيز للفخر الرازى - سورة الزمر آخرها

@11@ فيها الأمر والنهي واستحقوا بها الثواب والعقاب، ولو كانت أفعالهم خلقا لله تعالى ما جاز ذلك فيه كما لا يجوز مثله في ألوانهم وصورهم، وقال أبو مسلم: الخلق هو التقدير لا الإيجاد، فإذا أخبر الله عن عباده أنهم يفعلون الفعل الفلاني فقد قدر ذلك الفعل، فيصح أن يقال إنه تعالى خلقه وإن لم يكن موجدا له. # واعلم أن الجواب عن هذه الوجوه قد ذكرناه بالاستقصاء في سورة الأنعام، فمن أراد الوقوف عليه فليطالع هذا الموضوع من هذا الكتاب، والله أعلم. # أما قوله تعالى: {وهو على كل شىء وكيل } فالمعنى أن الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير منازع ولا مشارك، وهذا أيضا يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، لأن فعل العبد لو وقع بتخليق العبد لكان ذلك الفعل غير موكول إلى الله تعالى وكيلا عليه، وذلك ينافي عموم الآية. # ثم قال تعالى: {له مقاليد * السمـاوات والارض } والمعنى أنه سبحانه مالك أمرها وحافظها وهو من باب الكناية، لأن حالفظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي بيده مقاليدها، ومنه قولهم: فلان ألقيت مقاليد الملك إليه وهي المفاتيح، قال صاحب «الكشاف»: ولا واحد لها من لفظها، وقيل مقليد ومقاليد، وقيل مقلاد ومقاليد مثل مفتاح ومفاتيح، وقيل إقليد وأقاليد، قال صاحب «الكشاف»: والكلمة أصلها فارسية، إلا أن القوم لما عربوها صارت عربية. # واعلم أن الكلام في تفسير قوله {له مقاليد * السمـاوات والارض } قريب من الكلام في قوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب } (الأنعام: 59) وقد سبق الاستقصاء هناك، قيل سأل عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله {له مقاليد * السمـاوات والارض } فقال: «يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر، سبحان الله وبحمده، أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير، يحيي ويميت هو على كل شيء قدير» هكذا نقله صاحب «الكشاف». # ثم قال تعالى: {والذين كفروا بـئايـات الله أولـئك هم الخـاسرون } وفيه مسألتان: # المسألة الأولى: صريح الآية يقتضي أنه لا خاسر إلا كافر، وهذا يدل على أن كل من لم يكن كافرا فإنه لا بد وأن يحصل له حظ من رحمة الله. # المسألة الثانية: أورد صاحب «الكشاف» سؤالا، وهو أنه بم اتصل قوله {والذين كفروا }؟ وأجاب عنه بأنه اتصل بقوله تعالى: {وينجى الله الذين اتقوا } (الزمر: 61) أي ينجي الله المتقين بمفازتهم {والذين كفروا بـئايـات الله أولـئك هم الخـاسرون } واعترض ما بينهما أنه خالق للأشياء كلها، وأن له مقاليد السموات والأرض. وأقول هذا عندي ضعيف من وجهين الأول: أن وقوع الفاصل الكبير بين المعطوف والمعطوف عليه بعيد الثاني: أن قوله {وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم } جملة فعلية، وقوله {والذين كفروا بـئايـات الله أولـئك هم الخـاسرون } جملة إسمية، وعطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية لا يجوز، بل الأقرب عندي أن يقال إنه لما وصف الله تعالى نفسه بالصفات الإلهية والجلالية، وهو كونه خالقا للأشياء كلها، وكونه مالكا لمقاليد
@12@ السموات والأرض بأسرها، قال بعده: والذين كفروا بهذه الآيات الظاهرة الباهرة أولئك هم الخاسرون. # ثم قال تعالى: {قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجـاهلون } وفيه مسائل: # المسألة الأولى: قرأ ابن عامر تأمرونني بنونين ساكنة الياء وكذلك هي في مصاحف الشام، قال الواحدي وهو الأصل، وقرأ ابن كثير تأمروني بنون مشددة على إسكان الألألى وإدغامها في الثانية، وقرأ نافع تأمروني بنون واحدة خفيفة، على حذل إحدى النونين والباقون بنون واحدة مكسورة مشددة. # المسألة الثانية: {أفغير الله } منصوب بأعبد وتأمروني اعتراض، ومعناه: أفغير الله أعبد بأمركم؟ وذلك حين قال له المشركون أسلم ببعض آلهتنا ونؤمن بإلهك، وأقول نظير هذه الآية، قوله تعالى: {قل أغير الله أتخذ وليا فاطر * السمـاوات والارض } (الأنعام: 14) وقد ذكرنا في تلك الآية وجه الحكمة في تقديم الفعل. # المسألة الثالثة: إنما وصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقا للأشياء وبكونه مالكا لمقاليد السموات والأرض، وظاهر كون هذه الأصنام جمادات أنها لا تضر ولا تنفع، ومن أعرض عن عبادة الإله الموصوف بتلك الصفات الشريفة المقدسة، واشتغل بعبادة هذه الأجسام الخسيسة، فقد بلغ في الجهل مبلغا لا مزيد عليه، فلهذا السبب قال: {أيها الجـاهلون } ولا شك أن وصفهم بهذا الأمر لائق بهذا الموضع. # ثم قال تعالى: {ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخـاسرين } واعلم أن الكلام التام مع الدلائل القوية، والجواب عن الشبهات في مسألة الإحباط قد ذكرناه في سورة البقرة فة نعيده، قال صاحب «الكشاف» قرىء {ليحبطن عملك } على البناء للمفعول وقرىء بالياء والنون أي: ليحبطن الله أو الشرك وفي الآية سؤالات: # السؤال الأول: كيف أوحي إليه وإلى من قبله حال شركه على التعيين؟ والجواب تقدير الآية: أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك، وإلى الذين من قبلك مثله أو أوحي إليك وإلى كل واحد منهم لئن أشركت، كما تقول كسانا حلة أي كل واحد منا. # السؤال الثاني: ما الفرق بين اللامين؟ الجواب الأولى: موطئة للقسم المحذوف والثانية: لام الجواب. # السؤال الثالث: كيف صح هذا الكلام مع علم الله تعالى أن رسله لا يشركون ولا تحبط أعمالهم؟ والجواب أن قوله {لئن أشركت ليحبطن عملك } قضية شرطية والقضية الشرطية لا يلزم من صدقها صدق جزأيها ألا ترى أن قولك لو كانت الخمسة زوجا لكاتنت منقسمة بمتساويين قضشية صادقة مع أن كل واحد من جزأيها غير صادق، قال الله تعالى: {لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } (الأنبياء: 22) ولم يلزم من هذا صدق القول بأن فيهما آلهة وبأنهما قد فسدتا. # السؤال الرابع: ما معنى قوله {ولتكونن من الخـاسرين }؟ والجواب كما أن طاعات الأنبياء والرسل إفضل من طاعات غيرهم، فكذلك القبائح التي تصدر عنهم فإنها بتقدير الصدور تكون أقبح لقوله تعالى: {إذا لأذقنـاك ضعف الحيواة وضعف الممات } (الإسراء: 75) فكان المعنى ضعف الشرك الحاصل منه، وبتقدير حصوله منه يكون تأثيره في جانب غضب الله أقوى وأعظم.
@13@ # واعلم أنه تعالى لما قدم هذه المقدمات ذكر ما هو المقصود فقال: {بل الله فاعبد وكن من الشـاكرين }، والمقصود منه ما أمروه به من اوسلام ببعض آلهتهم، كأنه قال إنكم تأمرونني بأن لا أعبد إلا غير الله لأن قوله {قل أفغير الله تأمرونى أعبد } يفيد أنهم عينوا عليه عبادة غير الله، فقال الله إنهم بئسما قالوا ولكن أنت على الضد مما قالوا، فلا تعبد إلا الله، وذلك لأن قوله {بل الله فاعبد } يفيد الحصر. ثم قال: {وكن من الشـاكرين } على ما هداك إلى أنه لا يجوز إلا عبادة الإله القادر عن الإطلاق العليم الحكيم، وعلى ما أرشدك إلى أنه يجب الإعراض عن عبادة كل ما سوى الله. # $2( { وما قدروا الله حق قدره والارض جميعـا قبضـته يوم القيـامة والسمـاوات مطويـات بيمينه سبحـانه وتعالى عما يشركون * ونفخ فى الصور فصعق من فى السمـاوات ومن فى الارض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون * وأشرقت الارض بنور ربها ووضع الكتـاب وجـىء بالنبيين والشهدآء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون }. )2$ # واعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام، ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد قولهم وأمر الرسول بأن يعبد الله ولا يعبد شيئا آخر سواه، بين أنهم لو عرفوا الله حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له المعبودية، فقال: {وما قدروا الله حق قدره } وفي الآية مسائل: # المسألة الأولى: احتج بعض الناس بهذه الآية على أن الخلق لا يعرفون حقيقة الله، قالوا لأن قوله {وما قدروا الله حق قدره } يفيد هذا المعنى إلا أنا ذكرنا أن هذا صفة حال الكفار فلا يلزم من وصف الكفار بأنهم ما قدروا الله حق قدرن وصف المؤمنين بذلك، فسقط هذا الكلام. # المسألة الثانية: قوله {وما قدروا الله حق قدره } يفيد هذا المعنى إلا أنا ذكرنا أن هذا صفة حال الكفار فلا يلزم من وصف الكفار بأنهم ما قدروا الله حق قدره وصف المؤمنين بذلك، فسقط هذا الكلام. # المسألة الثانية: قوله {وما قدروا الله حق قدره } أي ما عظموه حق تعظيمه، وهذه الآية مذكورة في سور ثلاث، في سورة الأنعام، وفي سورة الحج، وفي هذه السورة. # واعلم أنه تعالى لما بين أنهم ما عظموه تعظيما لائقا به أردفه بما يدل على كمال تظمته ونهاية جلالته، فقال: {والارض جميعـا قبضـته يوم القيـامة والسمـاوات مطويـات بيمينه } قال القفال: {وما قدروا الله حق قدره والارض جميعـا قبضـته يوم القيـامة } كقول القائل وما قدرتني حق قدري وأنا الذي فعلت كذا وكذا، أي لما عرفت أن حالي وصفتي هذا الذي ذكرت، فوجب أن لا تحطني عن قدري ومنزلتي، ونظيره قوله تعالى:
@14@ {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحيـاكم } (البقرة: 28) أي كيف تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه فكذا ههنا، والمعنى {وما قدروا الله حق قدره } إذ زعموا أن له شركاء وأنه لا يقدر على إحياء الموتى مع أن الأرض والسموات في قبضته وقدرته، قال صاحب «الكشاف» الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو مجاز، وكذلك ما روي أن يهوديا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم إن الله يمسك السموات يوم القيامة على إصبع والأرضين على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع ثم يهزهن فيقول أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا مما قال، قال صاحب «الكشاف» وإنما ضحك أفصح العرب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا إصبع ولا هز ولا شيء من ذلك، ولكن فهمه وقع أول كل شيء وآخره على الزبدة والخلاصة/ التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام ولا تكتنهها الأذهان هينة عليه، قال ولا نرى بابا في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب، فيقال له هل تسلم أن الأصل في الكلام حمله على الحقيقة، وأنه إنما يعدل عن الحقيقة إلى المجاز عند قيام الدلالة على أن حمله على حقيقته ممتنع، فحينئذ يجب حمله على المجاز، فإن أنكر هذا الأصل فحينئذ يخرج القرآن بالكلية عن أن يكون حجة، فإن لكل أحد أن يقول المقصود من الآية الفلانية كذا وكذا فأنا أحمل الآية على ذلك المقصود، ولا ألتفت إلى الظواهر، مثاله من تمسك بالآيات الواردة في ثواب أهل الجنة وعقاب أهل النار، قال المقصود بيان سعادات المطيعين وشقاوة المذنبين، وأنا أحمل هذه الآيات على هذا المقصود ولا أثبت الأكل والشرب ولا سائر الأحوال الجسمانية، ومن تمسك بالآيات الوردة في إثبات وجوب الصلاة فقال المقصود منه إيجاب تنوير القلب بذكر الله، فأنا أكتفي بهذا القدر ولا أوجب هذه الأعمال المخصوصة، وإذا عرفت الكلام في هذين المثالين فقس عليه سائر المسائل الأصولية والفروعية، وحينئذ يخرج القرآن عن أن يكون حجة في المسائل الأصولية والفروعية، وذلك باطل قطعا، وأما إن سلم أن اوصل في علم القرآن أن يعتقد أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته، فإن قام دليل منفصل على أنه يتعذر حمله على حقيقته، فحينئذ يتعين صرفه إلى مجازه، فإن حصلت هناك مجازات لم يتعين صرفه إلى مجاز معين إلا إذا كان الدليل يوجب ذلك التعيين، فنقول ههنا لفظ اليمين حقيقة في الجارحة المخصوصة، ولا يمكنك أن تصرف ظاهر الكلام عن هذا المعنى إلا إذا أقمت الدلالة على أن حمل هذه الألفاظ على ظواهرها ممتنع فحينئذ يجب حملها على المجازات، ثم تبين بالدليل أن المعنى الفلاني يصح جعله مجازا عن تلك الحقيقة، ثم تبين بالدليل أن هذا المجاز أولى من غيره، وإذا ثبتت هذه المقدملات وترتيبها على هذا الوجه فهذا هو الطريق الصحيح الذي عليه تعويل أهل التحقيق فأنت ما أتيت في هذا الباب بطريقة جديدة وكلام غريب، بل هو عين ما ذكره أهل التحقيق، فثبت أن الفرح الذي أظهره من أنه اهتدى إلى الطريق الذي لم يعرفه غيره طريق فاسد، دال على قلة وقوفه على المعاني، ولنرجع إلى الطريق الحقيقي فنقول لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الأعضاء والجوارح، إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع ثبوت الأعضاء والجوارح لله تعالى، فوجب حمل هذه الأعضاء على وجوه المجاز، فنقول إنه يقال فلان في قبضة فلان إذا كان تحت تدبيره وتسخيره. قال تعالى: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمـانهم } (المعارج: 30) والمراد منه كونه مملوكا له، ويقال هذه الدار
@15@ في يد فلان، وفلان صاحب اليد، والمراد من الكل القدرة، والفقهاء يقولون في الشروط وقبض فلان كذا وصار في قبضته، ولا يريدون إلا خلوص ملكه، وإذا ثبت تعذر حمل هذه الألفاظ على حقائقها وجب حملها على مجازاتها صونا لهذه النصوص عن التعطيل، فهذا هو الكلام الحقيقي في هذا الباب، ولنا كتاب مفرد في إثبات تنزيه الله تعالى عن الجسمية والمكان، سميناه بتأسيس التقديس، من أراد الإطناب في هذا الباب فليرجع إليه. # المسألة الثالثة: في تفسير ألفاظ الآية قوله {والارض } المراد منه الأرضون السبع، ويدل عليه وجوه الأول: قوله {جميعا } فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع ونظيره قوله {كل الطعام } (آل عمران: 93) وقوله تعالى: {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } (النور: 31) وقوله تعالى: {والنخل بـاسقـات } (ق: 10) وقوله تعالى: {إن الإنسـان * لفى * خسر * إلا الذين ءامنوا وعملوا الصـالحـات } (العصر: 2، 3) فإن هذه الألفاظ الملحة باللفظ المفرد تدل على أن المراد منه الجمع فكذا ههنا والثاني: أنه قال بعده {والسمـاوات مطويـات } فوجب أن يكون المراد بالأرض الأرضون الثالث: أن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهذا مقتضى المبالغة، وأما القبضة فهي المرة الواحدة من القبض، قال تعالى: {فقبضت قبضة من أثر الرسول } (طه: 96) والقبضة بالضم المقدار المقبوض بالكف، ويقال أيضا أعطني قبضة من كذا، يريد معنى القبضة تسمية بالمصدر، والمعنى والأرضون جميعا قبضته أي ذوات قبضته يقبضهن قبضة واحدة من قبضاته، يعني أن الأرضين مع ما لها من العظمة والبسطة لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته، أما إذا أريد معنى القبضة، فظاهر لأن المعنى أن الأرضين بجملتها مقدار ما يقبضه بكف واحدة فإن قيل ما وجه قراءة من قرأ قبضته بالنصب، قلنا جعل القبضة ظرفا وقوله {مطويـات } من الطي الذي هو ضد النشر كما قال تعالى: {يوم نطوى السماء كطى السجل } (الأنبياء: 104) وعادة طاوي السجل أن يطويه بيمينه، ثم قال صاحب الكشاف: وقيل قبضته ملكه ويمينه قدرته، وقيل مطويات بيمينه أي مفنيات بقسمه لأنه أقسم أن يقبضها، ولما ذكر هذه الوجوه عاد إلى القول الأول بأنها وجه ركيكة، وأن حمل هذا الكلام على محض التمثيل أولى، وبالغ في تقرير هذا الكلام فأطنب، وأقول إن حال هذا الرجل في إقدامه على تحسين طريقته، وتقبيح طريقة القدماء عجيب جدا، فإنه إن كان مذهبه أنه يجوز ترك الظاهر اللفظ، والمصير إلى المجاز من غير دليل فهذا طعن في القرآن وإخراج له عن أن يكون حجة في شيء، وإن كان مذهبه أن الأصل في الكلام الحقيقة، وأنه لا يجوز الدول عنه إلا لدليل منفل، فهذا هو الطريقة التي أطبق عليها جمهور المتقدمين، فأين الكلام الذي يزعم أنه علمه؟ وأين العلم الذي لم يعرفه غيره؟ مع أنه وقع في التأويلات العسر والكلمات الركيكة، فإن قالوا المراد أنه لما دل الدليل على أنه ليس المراد من لفظ القبضة واليمين هذه الأعضاء، وجب علينا أن نكتفي بهذا القدر ولا نشتغل بتعيين المراد، بل نفوض علمه إلى الله تعالى، فنقول هذا هو طريق الموحدين الذين يقولون إنا نعلم ليس مراد الله من هذه الألفاظ هذه الأعضاء، فأما تعيين المراد، فإنا نفوض ذلك العلم إلى الله تعالى، وهذا هو طريقة السلف المعرضين عن التأويلات، فثبت أن هذه التأويلات التي أتى بها هذا الرجل ليس تحتها شيء من الفائدة أصلا، والله أعلم.
@16@ # واعلم أنه تعالى لما بين عظمته من الوجه الذي تقدم قال: {سبحانه وتعالى عما يشركون } يعني أن هذا القادر القاهر العظيم الذي حارت العقول والألباب في وصف عظمته تنزه وتقدس عن أن تجعل الأصنام شركاء له في المعبودية، فإن قيل السؤال على هذا الكلام من وجوه الأول: أن العرش أعظم من السموات السبع والأرضين السبع، ثم إنه قال في صفة العرش {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمـانية } (الحاقة: 17) وإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين العرش العظيم، فكيف يجوز تقدير عظمة الله بكونه حاملا للسموات والأرض؟ # السؤال الثاني: أن قوله {والارض جميعـا قبضـته يوم القيـامة والسمـاوات مطويـات بيمينه } شرح حالة لا تحصل إلا في يوم القيامة، والقوم ما شاهدوا ذلك، فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم يكونون معترفين بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء الله تعالى، فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم/ وإن كان هذا الخطاب مع المكذبين بالنبوة وهم ينكرون قوله {والارض جميعـا قبضـته يوم القيـامة } فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟ # السؤال الثالث: حاصل القول في القبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة، وكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدرة الله فكذلك الآن، فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟ # الجواب عن الأول: أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه قادرا على حفظ هذه الأجسام العظيمة، ثم بعد تقرير عظمته بكونه قادرا على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش. # الجواب عن الثاني: أن المقصود أن الحق سبحانه هو المتولي لإبقاء السموات والأرضين على وجوه العمارة في هذا الوقت، وهو المتولي بتخريبها وإفنائها في يوم القيامة فذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام، وتنبيه أيضا على كونه غنيا على الإصلاق، فإنه يدل على أنه إذا حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض قبضة صغيرة ويريد إفناءها، وذلك يدل على كمال الاستغناء. # الجواب عن الثالث: أنه إنما خصص تلك بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا، فكذلك ظهر كمال قدرته عند خراب الدنيا والله أعلم. # واعمل أنه تعالى لما قدر كمال عظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريقة أخرى تدل أيضا على كمال قدرته وعظمته، وذلك شرح مقدمات يوم القيامة لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم، فقال: {ونفخ فى الصور فصعق من فى * السمـاوات *ومن فى الارض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } واختلفوا في الصعقة، منهم من قال إنها غير الموت بدليل قوله تعالى في موسى عليه السلام {وخر موسى صعقا } (الأعراف: 143) مع أنه لم يمت، فهذا هو النفخ الذي يورث الفزع الشديد، وعلى هذا التقدير فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 03-08-2006, 04:03 AM
السيد عبد الرازق السيد عبد الرازق غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 1,229
افتراضي لطائف واشارات الكتاب العزيز للشيخ الفخر الرازى 0 سورة الزمر آخرها

واحد، وهو المذكور في سورة
@17@ النمل في قوله {ويوم ينفخ فى الصور ففزع من فى * السمـاوات *ومن فى الارض } (النمل: 87) وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين. # والقول الثاني: أن الصعقة عبارة عن الموت والقائلون بهذا القول قالوا إنهم يموتون من الفزع وشدة الصوت، وعلى هذا التقدير فالنفخة تحصل ثلاث مرات أولها: نفخة الفزع وهي المذكورة في سورة النمل والثانية: نفخة الصعق والثالثة: نفخة القيام وهما مذكورتان في هذه السورة. # وأما قوله {إلا من شاء الله } ففيه وجوه الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: عند نفخة الصعق يموت من في السموات ومن في الأرض إلا جبريل ويمكائيل وإسرافيل وملك الموت ثم يميت الله ميكائيل وإسرافيل ويبقي جبريل وملك الموت ثم يميت جبريل. # والقول الثاني: أنهم هم الشهداء لقوله تعالى: {بل أحياء عند ربهم يرزقون } (آل عمران: 169) وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش». # القول الثالث: قال جابر هذا المستثنى هو موسى عليه السلام لأنه صعق مرة فلا يصعق ثانيا. # القول الرابع: أنهم الحور العين وسكن العرش والكرسي. # والقول الخامس: قال قتادة الله أعلم بأنهم من هم، وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم. ثم قال تعالى: {ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } وفيه أبحاث: # الأول: لفظ القرآن دل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولى، لأن لفظ {ثم } يفيد التراخي/ قال الحسن رحمه الله القرآن دل على أن هذه النفخة الأولى، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : «أن بينهما أربعين» ولا أدري أربعون يوما أو شهرا أو أربعون سنة أو أربعون ألف سنة. # الثاني: قوله {أخرى } تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة ثم نفخ فيه نفخة أخرى، وإنما حسن الحذف لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة. # الثالث: قوله {فإذا هم قيام } يعني قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله {فإذا هم } تدل على التعقيب. # الرابع: قوله {ينظرون } وفيه وجهان الأول: ينظرون يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم والثاني: ينظرون ماذا يفعل بهم، ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والخمود في مكان لأجل استيلاء الحيرة والدهشة عليهم. # ولما بين الله تعالى هاتين النفختين قال: {وأشرقت الارض بنور ربها } وفيه مسائل: # المسألة الأولى: هذه الأرض المذكورة ليست هي هذه الأرض التي يقعد عليها الآن بدليل قوله تعالى: {يوم تبدل الارض غير الارض } (إبراهيم: 48) وبدليل قوله تعالى: {وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة } (الحاقة: 14) بل هي أرض أخرى يخلقها الله تعالى لمحفل يوم القيامة. # المسألة الثانية: قالت المجسمة: إن الله تعالى نور محض، فإذا حضر الله في تلك الأرض لأجل القضاء بين عباده أشرقت تلك الأرض بنور الله، وأكدوا هذا بقوله تعالى: {الله نور * السمـاوات والارض } (النور: 35). # واعلم أن الجواب عن هذه الشبهة من وجوه الأول: أنا بينا في تفسير قوله تعالى: {الله نور * السمـاوات والارض }
@18@ أنه لا يجوز أن يكون الله سبحانه وتعالى نورا بمعنى كونه من جنس هذه الأنوار المشاهدة، وبينا أنه لما تعذر حمل الكلام على الحقيقة وجب حمل لفظ النور ههنا على العدل، فنحتاج ههنا إلى بيان أن لفظ النور قد يستعمل في هذا المعنى، ثم إلى بيان أن المراد من لفظ النور ههنا ليس إلا هذا المعنى، أما بيان الإستعمال فهو أن الناس يقولون للملك العادل أشرقت الآفاق بعدلك، وأضاءت الدنيا بقسطك، كما يقولون أظلمت البلاد بجورك، وقال صلى الله عليه وسلم : «الظلم ظلمات يوم القيامة» وأما بيان أن المراد من النور ههنا العدل فقط أنه قال: {وجـىء بالنبيين والشهداء } ومعلوم أن المجيء بالشهداء ليس إلا لإظهار العدل، وأيضا قال في آخر الآية بإثبات العدل وختمها بنفي الظلم والوجه الثاني: في الجواب عن الشبهة المذكورة أن قوله تعالى: {وأشرقت الارض بنور ربها } يدل على أنه يحصل هناك نور مضاف إلى الله تعالى، ولا يلزم كون ذلك صفة ذات الله تعالى، لأنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب، فلما كان ذلك النور من خلق الله وشرفه بأن أضافه إلى نفسه كان ذلك النور نور الله، كقوله: بيت الله، وناقة الله وهذا الجواب أقوى من الأول، لأن في هذا الجواب لا يحتاج إلى ترك الحقيقة والذهات إلى المجاز. والوجه الثالث: أنه قد قال فلان رب هذه الأرض ورب هذه الدار ورب هذه الجارية، ولا يبعد أن يكون رب هذه الأرض ملكا من الملوك، وعلى هذا التقدير فلا يمتنع كونه نورا. # المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر في هذه الآية من أحوال ذلك اليوم أشياء: أولها: قوله {وأشرقت الارض بنور ربها } وقد سبق الكلام فيه وثانيها: قوله {ووضع الكتـاب } وفي المراد بالكتاب وجوه الأول: أنه اللوح المحفوظ الذي يحصل فيه شرح أحوال عالم الدنيا إلى وقت قيام القيامة الثاني: المراد كتب الأعمال كما قال تعالى في سورة سبحان {وكل إنسـان ألزمنـاه طـئره فى عنقه ونخرج له يوم القيـامة كتابا يلقـاه منشورا } (الإسرار: 13) وقال أيضا في آية أخرى {ما لهـاذا الكتـاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } (الكهف: 49) وثالثها: قوله {وجـىء بالنبيين } والمراد أن يكونوا شهداء على الناس، قال تعالى: {كيف * إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هـؤلاء شهيدا } (النساء: 41) وقال تعالى: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم } (المائدة: 109) ورابعها: قوله {والشهداء } والمراد ما قاله في {وكذالك جعلنـاكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } (البقرة: 143) أو أراد بالشهداء المؤمنين، وقال مقاتل: يعني الحفظة، ويدل عليه قوله تعالى: {وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } (ق: 21) وقيل أراد بالشهداء المستشهدين في سبيل الله، ولما بين الله تعالى أنه يحضر في محفل القيامة جميع ما يحتاج إليه في فصل الحكومات وقطع الخصومات، بيـن تعالى أنه يوصل إلى كل أحد حقه، وعبـر تعالى عن هذا المعنى بأربع عبارات أولها: قوله تعالى: {وقضى بينهم بالحق } وثانيها: قوله {وهم لا يظلمون } وثالثها: قوله {ووفيت كل نفس ما عملت } أي وفيت كل نفس جزاء ما علمت، ورابعها: قوله: {وهم * أعلم بما يفعلون } يعني أنه تعالى إذا لم يكن عالما بكيفيات أحوالهم فلعله لا يقضي بالحق لأجل عدم العلم، أما إذا كان عالما بمقادير أفعالهم وبكيفياتها امتنع دخول الخطأ في ذلك الحكم، فثبت أنه تعالى عبـر عن هذا المقصود بهذه العبارات المختلفة، والمقصود المبالغة في تقرير أن كل مكلف فإنه يصل إلى حقه. #
@19@ $2( { وسيق الذين كـفرو صلى الله عليه وسلم #1764;ا إلى جهنم زمرا حتى إذا جآءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتهآ ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم ءايـات ربكم وينذرونكم لقـآء يومكم هـاذا قالوا بلى ولـاكن حقت كلمة العذاب على الكـافرين * قيل ادخلو صلى الله عليه وسلم #1764;ا أبواب جهنم خـالدين فيها فبئس مثوى المتكـبرين } )2$ # اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل القيامة على سبيل الإجمال فقال: {ووفيت كل نفس ما عملت } (الزمر: 70) بين بعده كيفية أحوال أهل العقاب، ثم كيفية أحوال أهل الثواب وختم السورة. # أما شرح أحوال أهل العقاب فهو المذكور في هذه الآية، وهو قوله {وسيق الذين كـفروا إلى جهنم زمرا } قال ابن زيدان: سوق الذين كفروا إلى جهنم يكون بالعنف والدفع، والدليل عليه قوله تعالى: {يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } (الطور: 13) أي يدفعون دفعا، نظيره قوله تعالى: {فلذلك * الذى يدع اليتيم } (الماعون: 2) أي يدفعه، ويدل عليه قوله تعالى: {ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا } (مريم: 86). # وأما الزمر، فهي الأفواج المتفرقة بعض في أثر بعض، فبين الله تعالى أنهم يساقون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابها، وهذا يدل على أن أبواب جهنم إنما تفتح عند وصول أولئك إليها، فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنة جهنم {ألم يأتكم رسل منكم } أي من جنسكم {يتلون عليكم ءايـات ربكم وينذرونكم لقـاء يومكم هـاذا } فإن قيل فلم أضيف اليوم إليهم؟ قلنا أراد لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار، لا يوم القيامة، واستعمال لفظ اليوم والأيام في أوقات الشدة مستفيض، فعند هذا تقول الكفار: بلى قد أتونا وتلوا علينا {ولـاكن حقت كلمة العذاب على الكـافرين } وفي هذه الآية مسألتان: # المسألة الأولى: تقدير الكلام أنه حقت علينا كلمة العذاب، ومن حقت عليه كلمة العذاب فكيف يمكنه الخلاص من العذاب، وهذا صريح في أن السعيد لا ينقلب شقيا، والشقي لا ينقلب سعيدا، وكلمات المعتزلة في دفع هذا الكلام معلومة، وأجوبتنا عنها أيضا معلومة. # المسألة الثانية: دلت الآية على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع، لأن الملائكة بينوا أنه ما بقي لهم علة ولا عذر بعد مجيء الأنبياء عليهم السلام، ولو لم يكن مجيء الأنبياء شرطا في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدة، ثم إن الملائكة إذا سمعوا منهم هذا الكلام قالوا فهم {ادخلوا أبواب جهنم خـالدين فيها فبئس مثوى المتكـبرين } قالت المعتزلة: لو كان دخولهم النار لأجل أنه حقت عليهم كلمة العذاب لم يبق لقول الملائكة {فبئس مثوى المتكـبرين } فائدة، بل هذا الكلام إنما يبقى مقيدا إذا قلنا إنهم إنما دخلوا النار لأنهم تكبروا على الأنبياء ولم يقبلوا قولهم، ولم يلتفتوا إلى دلائلهم، وذلك يدل على صحة قولنا، والله أعلم بالصواب. #
@20@ $2( { وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلـام عليكـم طبتم فادخلوها خـالدين * وقـالوا الحـمد لله الذى صدقنا وعده وأورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشآء فنعم أجر العـاملين * وترى الملـائكة حآفين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العـالمين } )2$ # اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل العقاب في الآية المتقدمة، شرح أحوال أهل الثواب في هذه الآية، فقال: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا } فإن قيل السوق في أهل النار للعذاب معقول، لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب والشقاوة لا بد وأن يساقوا إليه، وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع الكرامة والراحة والسعادة، فأي حاجة فيه إلى السوق؟ # والجواب من وجوه الأول: أن المحبة والصداقة باقية بين المتقين يوم القيامة كما قال تعالى: {الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } (الزخرف: 67) فإذا قيل لواحد منهم إذهب إلى الجنة فيقول: لا أدخلها حتى يدخلها أحبائي وأصدقائي فيتأخرون لهذا السبب، فحينئذ يجتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة والثاني: أن الذين اتقوا ربهم قد عبدوا الله تعالى لا للجنة ولا للنار، فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال الجمال مانعة لهم عن الرغبة في الجنة، فلا جرم يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكثر أهل الجنة البله وعليون للأبرار» فلهذا السبب يساقون إلى الجنة والرابع: أن أهل الجنة وأهل النار يساقون إلا أن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان والعنف كما يفعل بالأسير إذ سيق إلى الحبس والقيد، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين، والمراد بذلك السوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على الملوك، فشتان ما بين السوقين. # ثم قال تعالى: {حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها } الآية، واعلم أن جملة هذا الكلام شرط واحد مركب من قيود: القيد الأول: هو مجيئهم إلى الجنة والقيد الثاني: قوله تعالى: {وفتحت أبوابها } فإن قيل قال أهل النار فتحت أبوابها بغير الواو، وقال ههنا بالواو فما الفرق؟ قلنا الفرق أن أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، فأما أبواب الجنة ففتحها يكون متقدما على وصولهم إليها بدليل قوله {جنـات عدن مفتحة لهم الابواب } (ص: 50) فلذلك جيء بالواو كأنه قيل: حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها. القيد الثالث: قوله {وقال لهم خزنتها سلـام عليكـم طبتم فادخلوها خـالدين } فبيـن تعالى أن خزنة
@21@ الجنة يذكرون لأهل الثواب هذه الكلمات الثلاث فأولها: قولهم {سلـام عليكم } وهذا يدل على أنهم يبشرونهم بالسلامة من كل الآفات وثانيها: قولهم {طبتم } والمعنى طبتم من دنس المعاصي وطهرتم من خبث الخطايا وثالها: قولهم {فادخلوها خـالدين } والفاء في قوله {فادخلوها } يدل على كون ذلك الدخول معللا بالطيب والطهارة، قالت المعتزلة هذا يدل على أن أحدا لا يدخلها إلا إذا كان طاهرا عن كل المعاصي/ قلنا هذا شعيف لأنه تعالى يبدل سيئاتهم حسنات، وحينئذ يصيرون طيبين طاهرين بفضل الله تعالى، فإن قيل فهذا الذي تقدم ذكره هو الشرط فأين الجواب؟ قلنا فيه وجهان الأول: أن الجواب محذوف والمقصود من الحذف أن يدل على أنه بلغ في الكمال إلى حيث لا يمكن ذكره الثاني: أن الجواب هو قوله تعالى: {وقال لهم خزنتها سلـام عليكـم } والواو محذوف، والصحيح هو الأول، ثم أخبر الله تعالى بأن الملائكة إذا خاطبوا المتقين بهذه الكلمات، قال المتقون عند ذلك {الحـمد لله الذى صدقنا وعده } في قوله {ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون } (فصلت: 30) {وأورثنا الارض } والمراد بالأرض أرض الجنة، وإنما عبر عنه بالإرث لوجوه الأول: أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم عليه السلام، لأنه تعالى قال: دوكلا منها رغدا حيث شئتما} (البقرة: 35) فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك سببا لتسميتها بالإرث الثاني: أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل: هذا أورث كدا وهذا العمل أورث كدا فلما كانت طاعتهم قد أفادتهم الجنة، لا جرم قالوا {*} (البقرة: 35) فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك سببا لتسميتها بالإرث الثاني: أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل: هذا أورث كدا وهذا العمل أورث كدا فلما كانت طاعتهم قد أفادتهم الجنة، لا جرم قالوا {وأورثنا الارض } والمعنى أن الله تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا للإتيان بأعمال أورثت الجنة الثالث: أن الوارث يتصرف فيما يرثه كما يشاء من غي منازع ولا مدافع فكذلك المؤمنون المتقون يتصرفون في الجنة كيف شاءوا وأرادوا، والمشابهة علة حسن المجاز فإن قيل ما معنى قوله {حيث نشاء } وهل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ قلنا يكون لكل أحد جنة لا يحتاج معها إلى جنة عيره، قال حكماء الإسلام: الجنات نوعان، الجنات الجسمانية والجنات الروحانية فالجنات الجسمانية لا تحتمل المشاركة فيها، أما الروحانيات فحصولها لواحد لا يمنع من حصولها للآخرين، ولما بيـن الله تعالى صفة أهل الجنة قال: {فنعم أجر العـاملين } قال مقاتل ليس هذا من كلام أهل الجنة، بل من كلام الله تعالى لأنه لما حكى ما جرى بين الملائكة وبين المتقين من صفة ثواب أهل الجنة قال بعده {فنعم أجر العـاملين } ولما قال تعالى: {وترى الملـائكة حافين من حول العرش } ذكر عقيبه ثواب الملائكة فقال كما أن دار ثواب المتقين المؤمنين هي الجنة، فكذلك دار ثواب الملائكة جوانب العرش وأطرافه، فلهذا قال: {وترى الملـائكة حافين من حول العرش } أي محفين بالعرش. قال الليث: يقال حف القوم بسيدهم يحفون حفا إذا طافوا به. # إذا عرفت هذا، فنقول بيـن تعالى أن دار ثوابهم هو جوانب العرش وأطرافه ثم قال: {يسبحون بحمد ربهم } وهذا مشعر بأن ثوابهم هو عين ذلك التحميد والتسبيح، وحينئذ رجع حاصل الكلام إلى أن أعظم درجات الثواب استغراق قلوب العباد دي درجات التنزيه ومنازل التقديس. # ثم قال: {وقضى بينهم بالحق } والمعنى أنهم على درجات مختلفة ومراتب متفاوتة، فلكل واحد منهم في درجات المرعفة والطاعة حد محدود لا يتجاوزه ولا يتعداه، وهو المراد من قوله {وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العـالمين } أي الملائكة لما قضي بينهم بالحق قالوا الحمد لله رب العالمين على
@22@ قضائه بيننا بالحق، وههنا دقيقة أعلى مما سبق وهي أنه سبحانه لما قضى بينهم بالحق، فهم ما حمدوه لأجل ذلك القضاء، بل حمدوه بصفته الواجبة وهي كونه ربا للعالمين/ فإن من حمد المنعم لأجل أن إنعامه وصل إليه فهو في الحقيقة ما حمد المنعم وإنما حمد الإنعام، وأما من حمد المنعم لا لأنه وصل إليه النعمة فههنا قد وصل إلى لجة بحر التوحيد، هذا إذا قلنا إن قوله {وترى الملـائكة حافين من حول العرش } شرح أحوال الملائكة في الثواب، أما إذا قلنا إنه من بقية شرح ثواب المؤمنين، فتقريره أن يقال إن المتقين لما قالوا {الحـمد لله الذى صدقنا وعده وأورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشاء } فقد ظهر منهم أنهم في الجنة اشتغلوا بحمد الله وبذكره بالمدح والثناء، فبين تعالى أنه كما أن حرفة المتقين في الجنة الاشتغال بهذا التحميد والتمجيد، فكذلك حرفة الملائكة الذين هم حافون حول العرش الاشتغال بالتحميد والتسبيح، ثم إن جوانب العرش ملاصقة لجوانب الجنة، وحينئذ يظهر منه أن المؤمنين المتقين وأن الملائكة المقربين يصيرون متوافقين على الاستغراق في تحميد الله وتسبيحه، فكان ذلك سببا لمزيد التذاذهم بذلك التسبيح والتحميد. # ثم قال: {وقضى بينهم بالحق } أي بين البشر، ثم قال: {وقيل الحمد لله رب العـالمين } والمعنى أنهم يقدمون التسبيح، والمراد منه تنزيه الله عن كل ما لا يليق بالإلهية. # وأما قوله تعالى: {وقيل الحمد لله رب العـالمين } فالمراد وصفه بصفات الإلهية، فالتسبيح عبارة عن الاعتراف بتنزيهه عن كل ما لا يليق به وهو صفات الجلال، وقوله {وقيل الحمد لله رب العـالمين } عبارة عن الإقرار بكونه موصوفا بصفات الإلهية وهي صفات الإكرام، ومجموعهما هو المذكور في قوله {تبـارك اسم ربك ذى الجلـال والإكرام } (الرحمن: 78) وهو الذي كانت الملائكة يذكرونه قبل خلق العالم وهو قولهم {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } (البقرة: 30) وفي قوله {وقيل الحمد لله رب العـالمين } دقيقة أخرى وهي أنه لم يبين أن ذلك القائل من هو، والمقصود من هذا الإبهام التنبيه، على أن خاتمة كلام العقلاء في الثناء على حضرة الجلال والكبرياء ليس إلا أن يقولوا {الحمد لله رب العـالمين } وتأكد هذا بقوله تعالى في صفة أهل الجنة {دعواهم فيها سبحـانك اللهم وتحيتهم فيها سلام } (يونس: 10).
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كفر من أعان الأمريكان khatm منتدى العلوم والتكنولوجيا 3 08-02-2003 02:51 AM
هذه نصيحتي إلى كل شيعي أبو غيثان منتدى العلوم والتكنولوجيا 79 13-05-2002 02:09 PM
الهدف من الجهاد samema99 منتدى العلوم والتكنولوجيا 2 08-04-2002 05:47 AM
كيف تختار زوجتك (عن الشبكه السلفيه) khaled_am منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 25-02-2002 06:29 PM
المعيار الاميرة منتدى العلوم والتكنولوجيا 2 19-09-2001 04:47 PM


الساعة الآن 08:48 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com