عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 22-02-2012, 07:36 PM
الدكتور سعيد الدكتور سعيد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 947
Arrow القضية الفلسطينية- فلسطين أرض قبل التاريخ ... وجغرافيا قبل سايكس بيكو




القضية الفلسطينية- فلسطين أرض قبل التاريخ ... وجغرافيا قبل سايكس بيكو


قضية فلسطين

فلسطين أرض قبل التاريخ ... وجغرافيا قبل سايكس بيكو

يأتي هذا المقال (المطوّل) ضمن سلسلة من المقالات التأصيلية حول قضية فلسطين من أجل المساهمة في إعادة صياغتها في الوعي العام للأمة الإسلامية على أنها قضية عسكرية ذات أبعاد سياسية، وعلى أنها قضية أمة لا قضية شعب أو مجموعة من الفصائل التي تحركت في فضاء الأنظمة العربية، وفي ساحات العلاقات الدولية، فأدت إلى تشويه المفاهيم الأساسية لهذه القضية.

وضمن سياق التأصيل السياسي لقضية فلسطين، لا بد من لمحة تاريخية حول فلسطين وتعاقب الأمم والحكام عليها، لتوضيح علاقة فلسطين بما يحيط بها من جغرافيا وبلاد، وعلاقة التاريخ بدعاوى باطلة أو خاطئة في المحاججات السياسية الداخلية والخارجية، ومن ثم لتبيان سياق نشأة قضية فلسطين كحلقة في سلسلة متصلة من الحوادث والحروب، غائرة الجذور في التاريخ. وبالطبع ليس المقام مقام بحث تاريخي متخصص ومفصّل ومأصّل، وإنما هي "لمحة" تلقي بالضوء على أبعاد سياسية حاضرة.

يُرجع بعض المؤرخين وجود الإنسان على أرض فلسطين إلى مئات الألوف من السنين ضمن فترة العصر الحجري القديم، كما يدللون على ذلك من خلال بعض الشواهد "فقد اكتشفت بقايا هياكل في مغارة الزطية قرب قرية المجدل شمالي مدينة طبريا عام 1925، وقد عاش صاحبها قبل 200.000 سنة. كما اكتشفت بقايا هياكل في مواقع أخرى في كهوف الكرمل والناصرة تعود إلى قبل 100.000 سنة" (حسب جميل خرطبيلhttp://www.falestiny.com/news/129). بل يُنقل أنه "وجدت آثار الوجود البشري في منطقة جنوبي بحيرة طبريا، في منطقة تل العبيدية وهي ترقى إلى ما بين 600 الف سنة مضت وحتى مليون ونصف سنة مضت" (تاريخ فلسطينhttp://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%...B7%D9%8A%D9%86).

ثم إن الكنعانيين عمّروا فلسطين بين 3000 إلى 2500 قبل الميلاد. وبينما رفض بعض كتّاب التاريخ المعاصرين إقرار أي وجود لليهود على أرض فلسطين كما فعل مثلا جميل خرطبيل http://www.falestiny.com/news/129 حتى قال أن "المؤرخين العرب القدماء كالطبري وغيره، فقد ارتكبوا أخطاء كبيرة" لدى سردهم حوادث بني إسرائيل في فلسطين، ينقل مؤرخون أن بني إسرائيل، في نحو 1250 قبل الميلاد، استولوا على أجزاء من بلاد كنعان الداخلية. ومن المعلوم أنه وردت نصوص قرآنية ذات إيحاءات متصلة، أما نصوص التوراة، فإن موقف الإسلام منها يتمثل في رفض ما عارض القرآن، وقبول ما وافق، والصمت عمّا لم يوافق ولم يعارض.

وبالطبع، تشير قصص الأنبياء إلى قدوم نبي الله إبراهيم إلى فلسطين وكانت تسمّى أرض كنعان، ويقدّر بعض المؤرخين أن ذلك حصل في حدود 1900 قبل الميلاد (الجزيرة نت http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B...4CBF9E31.htm)، ومن المقطوع به أن إبراهيم عليه السلام لم يكن يهوديا، بل لم تكن الديانة اليهودية قد نزلت بعدْ، والنص القرآني القاطع المُفهم يُقرر: "مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ". وقد نزل إبراهيم في الخليل وهي مأهولة معمورة حيث اشترى مغارة من أهلها ليدفن فيها كما تفيد بعض الروايات. ومن ثم تعاقب من بعده فيها إبنه إسحق، ومن ثم إبنه يعقوب، عليهما السلام، ومن ثم كانت قصة إبنه يوسف عليه السلام ونشأته وتمكّنه في مصر، ودعوته لأهله للعيش فيها، حيث ظلّ بنو إسرائيل في مصر حتى ولد موسى، عليه السلام، وكان فرعون يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم، إلا أن تم خروج بني إسرائيل من مصر.

ووردت قصة تِيْه بني إسرائيل في سيناء، وورد في القرآن خطاب موسى عليه السلام لبنى إسرائيل في قوله "يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ"، وقد أورد الطبري في تفسيره أن أهل التأويل اختلفوا في الأرض التي عناها هنا، فقال بعضهم هي الطور وما حوله، وقيل هي أرض أريحا، وقيل هي "دمشق، وفلسطين، وبعض الأردن"، ويخلص الطبري http://www.islamweb.net/newlibrary/d..._no=50&ID=1555 إلى أنه ليس ثمة قطع بالمقصود من هذه الأرض، إلا أنها لا تخرج من أن تكون من الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر، لإجماع جميع أهل التأويل والسير والعلماء بالأخبار على ذلك، أما معنى "التي كتب الله لكم" أي التي أثبت في اللوح المحفوظ أنها لكم مساكن ومنازل دون الجبابرة التي فيها. ومن ثم كانت فترة لأنبياء الله داود وسليمان وغيرهما، وفي هذا السياق يدّعي اليهود أحقيتهم التاريخية بفلسطين.

والعاقل المنصف يدرك أن يهود قد عادوا أنبياء الله، ومكروا لقتل المسيح عليه السلام، ولا يمكن أن يكونوا خلفا لسلف من الأنبياء الأطهار، بل إن بعض المؤرخين قد شكك حتى في وجود علاقة نسب (بيولوجي) بين يهود أوروبا (الذين احتلوا فلسطين) وبين بني إسرائيل الذين عاصروا الأنبياء، ولهذا تحرص بعض الأبحاث البيولوجية لدي اليهود على موضوع الجينات وترابطها وتسلسلها التاريخي.

ثم عبر مئات السنين التي تلت، تعاقب على الأرض الآشوريون والبابليون، وإسكندر الأكبر، ومن ثم تناوب عليها البطالسة المصريين والسلوقيون السوريين، والأنباط، وفي عام 63 قبل الميلاد تم ضمّ فلسطين إلى الإمبراطورية الرومانية، ثم كانت بعثة المسيح عليه السلام في فلسطين، وما حصل من تآمر اليهود عليه، وظلت فلسطين تحت الحكم الروماني حتى فتحها خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام 637 ميلادي الموافق 16 للهجرة. وبعد الفتح الإسلامي للقدس، سمح الخليفة عمر لليهود بزيارة القدس وممارسة شعائرهم الدينية فيها.

وقبل الفتح ارتبط الدين الخاتم ببيت المقدس حيث كان أول قبلة توجّه إليها المسلمون في الصلاة، وتمت رحلة الإسراء من مكة لبيت المقدس حسب النص القطعي الذي هو أقوى من كل روايات التاريخ، وسميت سورة من القرآن الكريم باسم تلك الرحلة، التي استهلت بقول الله تعالى "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ"، وهي آية تُقرّر أن فلسطين أرض مباركة، وهي بذلك جزء من عقيدة المسلمين. وظلّت فلسطين ضمن دولة الخلافة زمن الأمويين والعباسيين، وشيّد الخليفة الأموي الخامس عبد الملك، مسجد قبة الصخرة، ثم شيّد الوليد بن عبد الملك المسجد الأقصى، وذلك في القرن الهجري الأول.

وبعد منتصف القرن الثالث الهجري، طرأ على دولة الخلافة ضعف، استمر وتزايد في ظل نزاعات على السلطة والحكم، ولا شك أن تلك الظروف السياسية من التمزق، قد حركت أطماع الصليبيين، فأشعلت الحروب الصليبية، وتم احتلال فلسطين بعد تسيير عدة حملات عديدة للفرنجة، وتمت إقامة مملكة القدس اللاتينية في الفترة ما بين 1099 و 1187 للميلاد، بعد ارتكاب جرائم صليبية وحشية: من إحراق وذبح لآلاف من المسلمين العزّل من الرجال والنساء والاطفال.

ثم انبرى القائد عماد الدين زنكي بن أقسنقر لجهاد الصليبيين، واستمرت جهود زنكي في توحيد قوى المسلمين لمحاربة الصليبيين، ووّحد العديد من مدن الشام تحته، وحاول في سنة 534 هـجري الاستيلاء على دمشق مرتين دون جدوى، "فقد كانت دمشق المفتاح الحقيقي لاسترداد فلسطين من جهة الشام" (فلسطين في التاريخ الإسلاميhttp://www.mota.ps/index.php?option=...ticle&id=93&It emid=149&limitstart=3). وقُتل -رحمه الله- غدراً بينما كان يحاصر قلعة "جعبر"، فتبعه في الجهاد ابنه نور الدين محمود، الذي تولى حلب وما يتبعها، وكان شخصية إسلامية فذة وورعة، وظل يستهدف تحرير فلسطين واسترداد بلاد المسلمين، وتوحيدها تحت راية الإسلام.

وتمكن نور الدين زنكي من إكمال مسيرة أبيه: ففتح دمشق عام 549 هجري (1154م)، ومن ثم ضم العديد من مدن وقلاع الشام وأخضعها لسلطانه، وأدرك أن تحرير فلسطين واقتلاع الاحتلال الصليبي يقتضي السيطرة على مصر وتوحيدها مع الشام من أجل وضع الصليبيين بين فكّي كمّاشة. وبالفعل تمت السيطرة لنور الدين على مصر بعد ثلاث حملات أرسلها لمصر من أجل ذلك الغرض، وفي العام 564 هجري (1169م) تولى صلاح الدين "الوزارة" في مصر

تحت الخلافة الفاطمية، ثم أسقط الخلافة الفاطمية ووحد مصر مع الشام في العام 567 هجري (1171م)، بأمر من نور الدين زنكي. وكانت إستراتيجية نور الدين زنكي تقوم على توحيد الشام ومصر مع الموصل واليمن وتشكيل جبهة إسلامية من العراق إلى الشام فمصر واليمن تمهيدا للتحرير الكامل لفلسطين. وفيما كان نور الدين يجهّز لتحرير بيت المقدس وفلسطين، وكان قد جهز منبرا جديدا للمسجد الأقصى، وبينما كان متوجها لمصر من أجل ترتيب أمورها والتحرك لفلسطين، توفّي رحمه الله عام 570 هجري (1174م).

ثم جاء من بعده صلاح الدين الذي جهّز جيشه للمعركة الفاصلة، واجتاز صلاح الدين نهر الأردن، وفي العام 583 هجري الموافق 1187 ميلادي انتصر جيش صلاح الدين في معركة حطين التي كانت إحدى المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي وتاريخ فلسطين، حيث فتحت الطريق أمام المسلمين لتحرير معظم أرجاء فلسطين، وتم خلال أيام قليلة تحرير العديد من مدن فلسطين، ومن ثم تتوج ذلك العام المبارك بالنصر وتحرير القدس في منتصف رجب، وعادت بيت المقدس لحكم الإسلام بعد 91 سنة هجرية (88سنة ميلادية) من الحكم الصليبي.

واستمر صلاح الدين في مسيرة تحرير كافة مدن الشام مثل اللاذقية والكرك ثم صفد. إلا أنّ الصليبيين الذين سقطت مدنهم وقلاعهم تجمعوا في صور وحشدوا مزيدا من القوى، ومن ثم هاجموا مدينة عكا عام 585 هجري الموافق 1189 ميلادي، وتحصنوا هنالك حتى جاءتهم إمدادات الحملة الصليبية الثالثة التي دعا إليها البابا أوربان الثاني، وقادها ثلاثة من ملوك أوروبا (ألمانيا وانكلترا وفرنسا)، وعاد الصليبيون ليكون لهم موطئ قدم جديد في فلسطين.

واستمر الصراع العسكري الدموي بين المسلمين والصليبيين، ورابط صلاح الدين حول عكا سبعة وثلاثين شهراً، حتى اضطر لعقد هدنة الرملة مع ريتشارد قلب الأسد ملك انجلترا، عام 588 هجري الموافق 1192 ميلادي، وكانت محددة بثلاث سنوات وثلاثة أشهر، رغم أنه كان مصّرا على مواصلة الجهاد ورفض الهدنة، إلا أن أمراءه ومستشاريه أصروا عليه من أجل قبول الهدنة، بحجة خراب البلاد، ومن أجل استراحة المحارب والتحضير للحرب، بعد إرهاق الجند والناس، وتحت ضغط قلة الموارد، وألحّوا عليه بالهدنه على اعتبار أن الفرنجة لا يوفون بعهودهم ولا يلبثون أن يتفرقوا. ومن المقرر في التاريخ أن تلك الهدنة لم تتضمن أي اعتراف للصليبيين بأيّ حق لهم على أرض فلسطين، واقتصرت على عدم القتال على ما انتزعوه من أرض فلسطين حتى تنتهي الهدنة. وتوفي صلاح الدين –رحمه الله- بعد ستة أشهر من توقيع تلك الهدنة.

وفيما عادت الصراعات على السلطة بين خَلَف صلاح الدين، وقَوِيت شوكة المملكة الصليبية في عكا، وأعادوا احتلال القدس عام 626 هجري الموافق عام 1229 ميلادي، ثم عام 638 هجري (1240م) ضمن حالة من النزاعات كانت فيها القدس ورقة مفاوضات وملفا ضمن صفقات التحالفات، حتى تم تحريرها نهائيا من الصليبين في العام 642 هجري (1244م)، وظلت كذلك حتى نهاية الدولة العثمانية.

وآل حكم مصر من بعد الأيّوبيين للمماليك عام 647 هجري (1250م)، وقد خاضوا معارك الجهاد ضد المغول والصليبيين، وتوّجوا ذلك بمعركة عين جالوت التي وقعت عام 658 هجري (1260م)، والتي تعد أخت حطين في طبيعتها الفاصلة في التاريخ الإسلامي، حيث انتصر فيها المسلمون انتصارا ساحقا على المغول، وأدت لانحسار نفوذ المغول في بلاد الشام وخروجهم منها نهائيا، وقد وقعت في منطقة تسمى عين جالوت بين مدينة جنين والناصرة وبيسان، في شمال فلسطين. وكان المماليك هم من طهر فلسطين من آخر الصليبيين عام 1291 ميلادي في قيساريا وعكا.

وفيما كان اسم المنطقة "جند فلسطين"، فقد قُسّمت إلى ستة أقضية هي غزة وقاقون، والقدس، والخليل ونابلس، وكانت جميعها تابعة للشام. وكذلك الحال تحت الخلاقة العثمانية، قسمت فلسطين إلى خمسة مناطق سميت سناجق، وهي سنجق القدس وغزة وصفد ونابلس واللجون، وكانت جميعها تابعة لولاية دمشق، وبالطبع لم تكن هنالك فواصل محددة ولا حدود ثابتة تعرّف فلسطين كمنطقة جغرافية قائمة بذاتها طيلة القرون السابقة ضمن مراحل الخلافة الإسلامية، وتشير بعض المراجع (فلسطين ) إلى أن اسم فلسطين يمكن أن ينطبق على "المنطقة الممتدة من نهر الليطاني في لبنان شمالا إلى رأس خليج العقبة جنوبا، ومن البحر الأبيض المتوسط غربا إلى الضواحي الغربية للبادية السورية في الأردن شرقا. ويمكن أيضا اعتبار صحراء النقب جزءا طبيعيا من شبه جزيرة سيناء وعدم شموله بمنطقة فلسطين جغرافيا".

ومع تفاقم أزمات اليهود واضطهادهم في المجتمعات الأوروبية (وخصوصا الشرقية منها حيث سكن اليهود) خلال الثمانينات من القرن التاسع عشر وما تلاها، تبلورت عند اليهود قضية إقامة دولة يهودية، وكان احتلال فلسطين هو الطريق لذلك مستندين إلى عقيدتهم.

وفيما بدأت مرحلة الاستعمار الأوروبي وتمزيق دولة الخلافة، كانت بريطانيا تُعد لاستغلال تحقيق حلم اليهود من أجل مصالحها الاستعمارية، وكانت الحكومات الأوروبية تشجع الهجرة اليهودية إلى فلسطين للتخلص منهم. وفي ظل ضعف دولة الخلافة العثمانية تعاظمت تلك الهجرة على إثر دعوات من الحركة الصهيونية، والتي أدت إلى تأسيس تجمعات يهودية جديدة في فلسطين، خاصة في منطقة السهل الساحلي، حول القدس وفي مرج بن عامر.

وحاول اليهود الاتصال بالسلطان عبد الحميد لإقناعه بتأسيس وطن قومي لليهود، واستغل زعيمهم هرتزل ضائقة الخلافة المالية فحاول إغراء السلطان عبد الحميد بالمال، وأجرى اتصالاته تلك برعاية من الدول الاستعمارية الأوربية عام 1901. ولكنّ ردّ السلطان عبد الحميد كان تاريخيا وبقي محفوظا ومحفورا في قلوب وعقول المسلمين (كما هو مسطر في رسالته الشهيرة لشيخه محمود أفندي أبي الشاماتhttp://www.safsaf.org/word/12-10/31.htm )، وشهد على ذلك الرد حكماء صهيون في بروتوكولاتهم، وهرتزل في مذكّراته، حيث ذكر هرتزل في سياق مقابلته للسلطان: "ونصحني السلطان عبد الحميد بأن لا أتخذَ أية خطوة أخرى في هذا السبيل، لأنَّه لا يستطيع أن يتخلى عن شبرٍ واحد من أرض فلسطين؛ إذ هي ليست ملكًا له، بل لأمته الإسلامية التي قاتلت من أجلها، وروت التربة بدماء أبنائها، كما نصحني بأن يحتفظ اليهود بملايينهم وقال: إذا تجزّأت إمبراطوريتي يومًا ما فإنكم قد تأخذونها بلا ثمن، أمَّا وأنا حيٌّ فإنَّ عمل المِبْضَعِ في بدني لأهون عليَّ من أن أرى فلسطين قد بترت من إمبراطوريتي، وهذا أمر لا يكون" (السلطان عبد الحميد الثاني في الميزان ).
http://www.islamstory.com/%D8%A7%D9%...7%D9%86#_ftn19
وأدرك اليهود في النهاية أن السلطان عبد الحميد يظلّ معرقلا لمشروعهم، وأنَّ حلمهم بإنشاء وطن قومي لهم لن يتحقق طالما ظل خلفية للمسلمين، لذلك شارك اليهود في التآمر لعزله ومن ثم للقضاء على دولة الخلافة، ودفعوا تلك الأموال التي رفضها –رحمه الله- للمتآمرين من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي الذي كان معظمهم من الماسونيين، فخانوا الأمة ونفّذوا مؤامراة عزل السلطان والقضاء على الخلافة الإسلامية، التي ألغاها أتاتورك نهائيا عام 1924.

وشارك قادة ما سميّت "الثورة العربية الكبرى" بالمؤامرة ضد الخلافة، ومهّدوا لاحتلال فلسطين، وهو ما تأكد فيما تم كشفه في مراسلات الشريف حسين ونائب ملك بريطانيا مكماهون http://ar.wikisource.org/wiki/%D9%85...%D8%AA_%D8%AD% D8%B3%D9%8A%D9%86_%D9%85%D9%83%D9%85%D8%A7%D9%87%D 9%88%D9%86#.D8.B1.D8.B3.D8.A7.D9.84.D8.A9_.D8.A7.D 9.84.D8.B4.D8.B1.D9.8A.D9.81_.D8.A ، حيث جاء في جواب مكماهون في 24 أكتوبر من العام 1915 حول طلب الشريف حسين تحديد الحدود ما يشير إلى نيّة بريطانيا المبيّتة في فلسطين، "إن ولايتيّ مرسين واسكندرونة وأجزاء من بلاد الشام الواقعة في الجهة الغربية لولايات دمشق الشام وحمص وحماة وحلب لا يمكن أن يقال أنها عربية محضة. وعليه يجب أن تستثنى من الحدود المطلوبة".

والتقت مصالح بريطانيا، مع حلم اليهود، ولذلك تبنّت بريطانيا مشروع إقامة دولة يهودية منذ مطلع القرن الماضي، إذ قدّم الوزير البريطاني اليهودي هربرت صاموئيل سنة 1908 مذكرة اقترح فيها تأسيس دولة يهودية في فلسطين تحت إشراف بريطانيا شارحا الفوائد الاستعمارية التي ستجنيها بريطانيا، ووافق العديد من سياسيي بريطانيا على تلك المذكرة (مشاريع سياسية أحدثت النكبة وأخرى كرّستهاhttp://www.palestine-info.com/arabic...kba/nakba4.htm ).

وكانت بريطانيا تخطط مع القوى الاستعمارية (فرنسا على وجه التحديد، وبإطلاع وموافقة روسيا) على تدويل فلسطين، كما تم في المعاهدة السرية لاقتسام تركة الخلافة العثمانية فيما بين بريطانيا وفرنسا، المعروفة بمعاهدة "سايكس بيكو" والموقعة عام 1916 (معاهدة سايكس بيكو http://www.yabeyrouth.com/pages/index2412.htm)، حيث نصّت المادة الثالثة منها على ما يلي: "تنشأ إدارة دولية في المنطقة السمراء (فلسطين) يعين شكلها بعد استشارة روسيا بالاتفاق مع بقية الحلفاء وممثلي شريف مكة"، وكانت الغاية الاستعمارية من تأسيس منطقة دولية في فلسطين تكوين قاعدة للدول الغربية الكافرة، وجسر للاستعمار في أهم بقاع الارض استراتيجية من أجل تمزيق دولة الخلافة، وكي يضمنوا عدم عودتها مرة ثانية.

ولما أفشت روسيا سر تلك المعاهدة (بعد الثورة الشيوعية سنة 1917)، احتج زعماء اليهود على المعاهدة وفكرة تدويل فلسطين لدى الحكومة البريطانية، حيث أنها تتنافى مع فكرة الوطن القومي اليهودي، فأكدت لهم بريطانيا أن التدويل هو مجرد خطوة مرحلية تكتيكية نظرا لأطماع فرنسا وروسيا بفلسطين، وأن بريطانيا ستعمل على إلغاء التدويل (فلسطين تاريخها وقضيتها، مؤسسة الدراسات الفلسطينية 2003). ومن ثم تجرأت بريطانيا على إصدار "وعد بلفور" في كانون ثاني من العام 1917، وقد جاء في سياق طمأنة اليهود بعد إفشاء سر معاهدة سايس بيكو، وقد نص الوعد على: "إن حكومة صاحب الجلالة ترى بعين العطف تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية"، ومن ثم أقرته فرنسا وإيطاليا عام 1918، وتلتهما أمريكا في عام 1919، مما يشكف عن تآمر غربي قديم مسيّر بالعقلية الصليبية نحو نزع فلسطين من المسلمين، سواء عبر التدويل أو عبر إنشاء وطن قومي لليهود.

ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى (1918)، كانت بريطانيا قد احتلت فلسطين حتى تسهل لليهود هجرتهم إلى فلسطين، ولما دخل الجنرال البريطاني ألنبي القدس وقف على جبل الزيتون فيها وقال جملته الشهيرة التي تكشف عن مكنون العقلية الصليبية: "الآن انتهت الحروب الصليبية"، وهي صدى لمقولة الجنرال الفرنسي "غورو" عندما دخل دمشق ووقف على قبر صلاح الدين –رحمه الله- وركله بقدمه "ها قد عدنا يا صلاح الدين". وفي عام 1920 أعاد الاستعمار البريطاني تشكّله تحت مسمى الإدارة المدنية، وتم تعيين الوزير اليهودي البريطاني صاموئيل –صاحب المذكرة أعلاه- كأول مندوب سامي على فلسطين.

وحتى بداية الاحتلال البريطاني لفلسطين، لم تكن هنالك حدود "تاريخية" ثابتة تعرّف فلسطين على وضعها الحالي المسمى "حدود فلسطين التاريخية"، نظرا لارتباط تاريخ فلسطين بما يحيطها من بلدان، وحيث أن الخلافة الإسلامية لم تعرّف حدودا ثابتة بين ولايتها، بل مرت الإشارة –أعلاه- إلى جند فلسطين وأقضيتها وسناجقها خلال الخلافة، وظلت فلسطين جزءاً متصلا من بلاد الشام. وعبر التاريخ، كان تحديد أرض فلسطين يضيق ويتسع باختلاف العصور المتعاقبة عليها، ولم تتحدد ما تسمى "حدود" فلسطين على ما هو متعارف عليها في هذا الزمن إلا خلال فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين، ولذلك فإن الحدود المشار إليها اليوم "كحدود فلسطين التاريخية" هي نتيجة سلسلة من المفاوضات والاتفاقيات بين الإمبراطوريات والقوى الاستعمارية مطلع القرن العشرين، وإن الحديث عن "كيان فلسطيني" مبتور عن محيطه ارتبط بالاحتلال البريطاني وبالصراع على النفوذ وبفكرة إنشاء وطن قومي لليهود.

واستمرت الهجرة اليهودية تحت الرعاية البريطانية والتسهيل الأوروبي، وانتفض الناس في فلسطين عدة مرات ضد المآمرة البريطانية والهجرة اليهودية، منها ثورة يافا (عام 1919)، ثورة البراق (عام 1929). وحصلت الهجرات اليهودية على عدة مراحل: كانت الموجة الأولى في الفترة 1882-1903، ولحقتها الموجة الثانية حتى عام 1914، ثم كانت الموجة الثالثة في الفترة من 1919-1923، ثم الرابعة في الفترة 1924-1928. وكانت عصابة الهاغانا قد تأسست عام 1921 كمنظمة عسكرية صهيونية، ورغم أنها كانت سرية وغير مشروعة إلا أن الإنتداب ساعدها وغض الطرف عن نشاطاتها، فيما كان تطبيق القوانين صارماً ضد الفلسطينيين فيما يتعلق بحيازة الأسلحة، وتشكلت بعدها عصابات يهودية أخرى مثل عصابة شتيرن عام 1939، وفي الفترة ما بين 1940-1945 واصلت عشرات الألوف من اليهود الهجرة والدخول بشكل غير رسمي، واستمرت على تلك الحال بعد ذلك (تسلسل التاريخ الفلسطيني منذ العصور الأولى حتى عام 1949http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B3%D9%84%D8%B3%D9%84_%D8%A7% D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A_%D9%84%D 9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86 ).

وبدأت قضية فلسطين بالتبلور كقضية عسكرية للتخلص من الاحتلال البريطاني، وهو ما أدركه المجاهد عز الدين القسام -رحمه الله- الذي خاض الجهاد ضد بريطانيا بعدما كان قد جاهد ضد الاحتلال الفرنسي لسورية عام 1920، ولمّا طارده الفرنسيون انتهى به المطاف في فلسطين، وأسس فيها حركة جهادية ضد الاحتلال الانجليزي لفلسطين، ونفّذت عمليات فدائية ضد المستوطنات اليهودية، بهدف إحباط الهجرة إلى فلسطين، إلى أن استشهد على يد الاحتلال البريطاني عام 1935 (الشيخ عز الدين القسّام http://www.asharqalarabi.org.uk/center/rijal-s.htm ).

وفي المقابل كانت هنالك توجهات مبكرة لتسييس قضية فلسطين بعيدا عن قتال الإنجليز قادها الحاج أمين الحسيني، الذي ترأس الهيئة العربية العليا، التي أنشئت عقب استشهاد عز الدين القسام عام 1935، وضمّت مختلف التيارات السياسية الفلسطينية (وتعتبر من الجذور التي أنبتت منظمة التحرير لاحقا)، وحرّكت ما عرف بثورة 1936، ومن المعروف أن الحسيني كان يؤيد الجهود السياسية لحل القضية الفلسطينية (الحاج أمين الحسيني http://www.aljazeera.net/NR/exeres/0...03C53DD62C.htm).

وتحددت رؤية بريطانيا بصدور الكتاب الأبيض لسنة 1939 (مشروع الكتاب الأبيض، White Paper of 1939 http://www.malaf.info/?page=ShowDeta...uments&CatId=7 8)، والمعروف أيضاً بكتاب مكدونالد الأبيض نسبة لوزير المستعمرات البريطاني، الذي رفض فكرة الدولة اليهودية وفكرة الدولة العربية، فيما نص على "أن هدف الحكومة البريطانية هو أن تشكل حكومة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنوات، ترتبط مع بريطانيا بمعاهدة ...، يشارك العرب واليهود في حكومتها ..."، وأبقى باب الهجرة لليهود مع تحديد أعداد المهاجرين، وحدد المشاركة في الحكومة بناء على نسبة كل منهما لإجمالي سكان فلسطين في سنة 1949.

وتعاظمت العصابات اليهودية، التي تآمرت مع بريطانيا من أجل أن تتسلم الأراضي الفسطينية (الممسمّاة الآن 1948)، وأخذت قضية فلسطين تتبلور بشكل قوي على الساحة الدولية: ففي نيسان عام 1947 أحالت بريطانيا ملف القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة، معلنة أنها ستنهي انتدابها في 15 أيار من العام 1948. وفي 29/11/1947 عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اجتماعا، تم فيه التصويت على قبول مشروع كان قد قدم مسبقا بشأن تقسم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين رقم 181، وكانت أمريكا ممن شجع إصدار ذلك القرار. وكانت حرب 1948 كانطلاقة لدولة اليهود، وسارعت دول الغرب بالاعتراف بدولة يهود، وتم قبولها كعضو في الأمم المتحدة في 28-3-1948. وهكذا تبلورت القضية الفلسطينية كقضية سياسية على الساحة الدولية.

وأمام هذه الوقفة التاريخية لا بد من بلورة مجموعة من النقاط التي تنعكس على واقع قضية فلسطين الحالي، منها:

• التاريخ ليس مصدرا لإقرار الأحقية بالبلاد، فهي أرض معمورة قبل التاريخ وقبل ظهور اليهود الأصليين، ثم إن اليهود المحتلين لفلسطين قد فقدوا الصلة الشرعية ببني إسرائيل من أتباع موسى عليه السلام، بل إن بني إسرائيل أنفسهم قد فسقوا خلال الديار زمن الأنبياء وقتّلوا الرسل. وفوق ذلك، فإن هؤلاء المحتلين لفلسطين ممن يحملون العقيدة اليهودية قد فقدوا صلة النسب ببني إسرائيل، ولذلك ليس ثمة من قيمة للحديث عن الأحقّية التاريخية، ولا عن وعد الله لأمثالهم، بل هنالك توعّد لله سبحانه للمجرمين منهم، وهذه اللفتة هي فقط من أجل سحب البساط من تحت أقدام أصحاب الدعاوى اليهودية وممن يتحدث عن أباطيل المستشرقين. ولا قيمة لكل محاولات التزوير التاريخي الذي يمارسه اليهود.

• إن فسطين مرتبطة بعقيدة المسلمين وبتاريخهم الممتد لثلاثة عشر قرنا من الخلاقة، وقد ظلت محل أطماع الصليبين، وساحة جهاد للمسلمين على فترات متعددة من تاريخهم.

• إن احتلال فلسطين ظل في كل مرة مرتبطا بتشرذم المسلمين وبفرقتهم وبضعف الخلافة أو تمزقها أو القضاء عليها، فيما كان تحريرها مرتبطا بالعمل على وحدة البلاد وتوحّد العباد، وكان دائما مستندا إلى عمقها في مصر والشام، ولذلك فإن التعامل مع القضية كشأن داخلي فلسطيني، والتعامل مع الشام ومصر كدول شقيقة يخالف الحقائق التاريخية عدا عن مخالفته للأحكام الشرعية.

• إن الحديث عن "حدود فلسطين التاريخية" كجغرافية محددة تفصل فلسطين عن محيطها في الشام هو تضليل تاريخي وتزييف للحقائق، إذ لم تتحدد تلك الحدود إلا خلال فترة الاحتلال البريطاني وضمن مسيرة المؤامرات الاستعمارية، ولم تكن فلسطين منفصلة عن الشام بل ظلّت خلال قرون طويلة تابعة لولاية دمشق والشام.

• ظلت عقلية الحروب الصليبية مسيطرة على الممالك في أوروبا قديما، وعلى الدول الأوروبية حديثا، ولا يمكن أن تزول هذه العقلية من ساحة الصراع، بل هي تتجلى اليوم في صراع حضارات كوني، وما فلسطين إلا ساحة من تلك الساحات الدموية.

• ليس ثمة من تشابه بين الهدنة التي عقدها صلاح الدين وبين أية اتفاقية تعقدها الفصائل الفلسطينية مع الاحتلال اليهودي، فقد كانت من قبل حاكم مسلم لوقف مؤقت للقتال دون اعتراف بالاحتلال، على خلاف أية اتفاقية دائمة توقعها قادة فصائل معترفة بالاحتلال.

• لقد كان تحرير فلسطين دائما قضية عسكرية تتعلق بالجهاد، ولذلك فإن حصرها بالقضية السياسية لا يؤدي إلى تحريرها، وإن التحالفات مع الصليبيين ومع قوى الاستعمار الأوروبي قد أدت دائما للاحتلال، ولا يمكن أن تكون طريقا للتحرير.

• لم تخض الأمة حربا حقيقية مع كيان يهود، وتحاول دولة يهود الإفادة من الحرب المسرحية عام 1948 لتخلق صورة ذهنية لها بأنها قوة لا تغلب، وذلك تزييف للواقع، لأن انتصار عصاباتها كان نتيجة تآمر الأنظمة العربية.

• لقد سطر التاريخ صحائف مشرقة لأبطال الأمة الذين حرروا فلسطين أو رفضوا التنازل والتآمر عليها، فيما سطّر أيضا سجلات عار مخزية لمن تآمر عليها، ولذلك فإنّ ما يجري على الساحة الفلسطينية من تآمرات حاليا ستلقي بأصحابها في مزابل التاريخ، ولا يمكن أن تضعهم الأمة في خانة عمر وصلاح الدين والسلطان عبد الحميد.

• لقد كانت الثورة العربية الكبرى خنجرا في صدر الأمة، وممهدا لاحتلال فلسطين، ولذلك من المهم أن تعي الأمة على ما خلف الشعارات "الثورية" من مؤامرات، وأن لا تنخدع بمن ينسّق مع الغرب تحت إطار العلاقات الدولية، فذلك التنسيق لا يمكن إلا أن يؤدي لتحقيق برامج الغرب ومصالحه.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 23-02-2012, 06:01 PM
سـلمى سـلمى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: دمشق
المشاركات: 73
افتراضي



بسم الله الرحمن الرحيم



الدكتور سعيد :


بارك الله فيك وزادك نوراً في العلم .. هذه الحقائق في وجدان كلّ عربي أصيل ،، وفي قلب كل فلسطيني يأمل بتحرير كامل فلسطين ..


وعلى حب الله ورسوله نلتقي .

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 23-02-2012, 06:51 PM
الدكتور سعيد الدكتور سعيد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 947
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سـلمى مشاهدة المشاركة


بسم الله الرحمن الرحيم



الدكتور سعيد :


بارك الله فيك وزادك نوراً في العلم .. هذه الحقائق في وجدان كلّ عربي أصيل ،، وفي قلب كل فلسطيني يأمل بتحرير كامل فلسطين ..


وعلى حب الله ورسوله نلتقي .

صدقت وربك الكعبة اختي الفضلة سلمى
وطبت وطاب ممشاك , وقولك الدرر
وجزاك الله خيرا, وكثر الله من امثالك
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 23-02-2012, 11:46 PM
أبو الفرج أبو الفرج غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 404
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
بورك الأخ الكريم الدكتور سعيد على ما قدم.
وله جزيل الشكر.
وآمل أن يتسع صدره لملاحظاتي والتي هي إضافة
وليست تعديلاً على شيء.، وأنا أكتب من الذاكرة، والذاكرة قد تخون.
1) الموجودون على أرض فلسطين الآن ليسوا من أتباع موسى عليه السلام، ولا من بني إسرائيل
لأن أتباع موسى، وبنو إسرائيل قد حُكم عليهم بالتيه، وسخطهم رب العزة قردة وخنازير.
فالقردة والخنازير انقرضوا.
ومن راح في التيه أربعين سنة، إن لم يكن قد انقرض فقد تفرقوا، ولا ندري إلى أين.
لأن القول بأنهم تاهوا في صحراء سيناء مردود على القائلين به من كثير من الباحثين وأولهم
الدكتور كمال صليبي، والذي كتب " التوراه جاءت من الجزيرة العربية"، ولم يقطع أحد أين تاهوا.
2) الموجودون هم من أصقاع الأرض، وجُلهم جاء باحثًا عن اللبن والعسل كما جاء الصليبيون من قبل،
ويمكن القول أنهم عصابات جاءت تحت مسمى الدين.
3) الموجودون الآن ليسوا دولة كما يطلق عليهم البعض صفة الدولة، لأن مقومات الدولة:
شعب، وأرض، وسند قانوني.
فهم ليسوا بشعب تحت أي علم سواء كان علم الأجناس البشرية، أو علم التشريح وغيره من العلوم.
ثانيًا لا أرض لهم لأنهم اغتصبوا الأرض من أصحابها الفلسطينيين.
والسند القانوي هو ما أقرت به عصبة الأمم المتحدة، أي؛ الاستعمار.
وبالتالي هم كيان عنصري أحتلالي عسكري كما قال الدكتور: المسيري، وغيره الكثير من الباحثين.
الآن القدس تهود، والعرب نيام.
الضفة تمزق وتسرق لبناء المغتصبات، والعرب نيام،
والأدهى أن أبناء القضية، أبناء فلسطين يتناحرون على الكرسي.
وينطبق عليهم المثل القائل:" الجنازة حامية والميت كلب".
فيتناحرون على شيء لا يملكون منه شيء.
وفلسطين تضيع جهارًا نهارًا.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 27-02-2012, 01:01 PM
الدكتور سعيد الدكتور سعيد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 947
تم الرد

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو الفرج مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم
بورك الأخ الكريم الدكتور سعيد على ما قدم.
وله جزيل الشكر.
وآمل أن يتسع صدره لملاحظاتي والتي هي إضافة
وليست تعديلاً على شيء.، وأنا أكتب من الذاكرة، والذاكرة قد تخون.
1) الموجودون على أرض فلسطين الآن ليسوا من أتباع موسى عليه السلام، ولا من بني إسرائيل
لأن أتباع موسى، وبنو إسرائيل قد حُكم عليهم بالتيه، وسخطهم رب العزة قردة وخنازير.
فالقردة والخنازير انقرضوا.
ومن راح في التيه أربعين سنة، إن لم يكن قد انقرض فقد تفرقوا، ولا ندري إلى أين.
لأن القول بأنهم تاهوا في صحراء سيناء مردود على القائلين به من كثير من الباحثين وأولهم
الدكتور كمال صليبي، والذي كتب " التوراه جاءت من الجزيرة العربية"، ولم يقطع أحد أين تاهوا.
2) الموجودون هم من أصقاع الأرض، وجُلهم جاء باحثًا عن اللبن والعسل كما جاء الصليبيون من قبل،
ويمكن القول أنهم عصابات جاءت تحت مسمى الدين.
3) الموجودون الآن ليسوا دولة كما يطلق عليهم البعض صفة الدولة، لأن مقومات الدولة:
شعب، وأرض، وسند قانوني.
فهم ليسوا بشعب تحت أي علم سواء كان علم الأجناس البشرية، أو علم التشريح وغيره من العلوم.
ثانيًا لا أرض لهم لأنهم اغتصبوا الأرض من أصحابها الفلسطينيين.
والسند القانوي هو ما أقرت به عصبة الأمم المتحدة، أي؛ الاستعمار.
وبالتالي هم كيان عنصري أحتلالي عسكري كما قال الدكتور: المسيري، وغيره الكثير من الباحثين.
الآن القدس تهود، والعرب نيام.
الضفة تمزق وتسرق لبناء المغتصبات، والعرب نيام،
والأدهى أن أبناء القضية، أبناء فلسطين يتناحرون على الكرسي.
وينطبق عليهم المثل القائل:" الجنازة حامية والميت كلب".
فيتناحرون على شيء لا يملكون منه شيء.
وفلسطين تضيع جهارًا نهارًا.
اخي الفاضل
جزاك الله خيرا كثرا على الكلام الدرر والمعبر والصحيح والواعي
واعلم اخي الحبيب
ان قضية فلسطين قضية كل العرب والمسلمين
وهي ليست حكر على احد معين , وهي اكبر من كل هاؤلاء الاقزام
ففلسطين تحتاج الى احفاد الصحابة اخوة خالد وصلاح الدين
والذين بسجودهم سجد الطغاة على الثرى
وهوت بايديهم عروش جبابر من كل طاغ فاجر متمرد
فعندما يعود امثال هاؤلاء الرجال سيعود الاقصى وستعود فلسطين الابية ارض الاسراء والمعراج
اما مانراة اليوم ومايفعلة اشباة الرجال, لادخل لة في فلسطين ولاتحريرها, وانما فقط المصالح والمنافع والكرسي والحكم
ولاحول ولاقوة الا بالله
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 03-03-2012, 01:29 PM
الدكتور سعيد الدكتور سعيد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 947
تم الرد

بنو إسرائيل بين الوعد الأول والوعد الثاني

فحديثنا اليوم عن بعض آيات من سورة الإسراء والتي تسمى بسورة بني اسرائيل وذلك لأن سورة الإسراء افتتحت في أول آية منها بالحديث عن الإسراء إلى المسجد الأقصى وفي الآية الثانية شرعت في ذكر مرحلة مهمة من مراحل بني اسرائيل والإخبار عن إفسادهم في الأرض مما لم يذكر سواها من قصص بني اسرائيل في القرآن الكريم (1)
إن القرآن تحدث عن بنى إسرائيل فى مراحل تاريخهم فمرة يتناولهم بالمدح وإعلاء الشأن والتنويه بالمكانة ففى سورة الدخان يقول رب العزة :
" ولقد نجينا بنى إسرائيل من العذاب المهين (30)من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين (31)ولقد اخترناهم على علم على العالمين(32) " [الدخان]
فقد كانوا ذات يوم الشعب المختار ، وأن اختيارهم لم يكن عن مجازفة أو عن ايثار فيه محاباه بل اخترناهم على علم وفى سورة الجاثية يقول سبحانه وتعالى :
" ولقد آتينا بنى إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين (16)وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون(17) " [الجاثية]
وفى آيات أخرى يذمهم المولى تبارك وتعالى فقال جل شأنه :
" وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم " [167- الأعراف](2)
وإذا وقفنا مع آيات سورة الإسراء عن بني اسرائيل نجد أن الله عزوجل بعدما ذكر أنه أسرى بعبده محمد –صلى الله عليه وسلم – عطف بذكر موسى عبده ورسوله وكليمه أيضاً ثم ينادي على بني اسرائيل بقوله: " ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً "[الإسراء:3]أي يا ذرية من حملنا مع نوح ! فيه تهييج وتنبيه على المنة ، أي يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة تشبهوا بأبيكم فإنه كان من الشاكرين ، ثم يعرض الحق –تبارك وتعالى- عن مرحلة من مراحلهم لم تذكر في القرآن الكريم إلا في هذه الآيات بقوله تعالى:
" وقضينا إلى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً " [الإسراء:4]
أي أن الله أخبرهم وأعلمهم في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم سيفسدون ويتجبرون ويطغون ويفجرون على الناس مرتين ثم يعلون بعدهما علواً كبيراً ، وفي حديثنا عن الوعد الأول والثاني نجد أن المفسرين تكلموا كثيراً في تفسير هاذين الوعدين ، فمنهم من قال: أن الوعد الأول حينما بعث الله عليهم (جالوت )، وقال بعضهم بل حينما بعث الله عليهم ملك بابل (بختنصر) فاستباح بيضتهم وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم ، فرجعوا إلى ربهم ، وأصلحوا أحوالهم وأفادوا من البلاء المسلط عليهم
" إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها " [الإسراء:7]، (3)
ولقد عادوا إلى الإفساد فسلط الله عليهم المسلمين فأخرجوهم من الجزيرة العربية:
" فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيراً "[الإسراء:7]
ثم يذكر الله السنة الماضية إلى يوم القيامة بقوله : " وإن عدتم عدنا "[الإسراء:8]
أي أنهم إذا عاوا إلى الإفساد في الأرض فالجزاء حاضر ، وليس هذا ببعيد فلقد سلط الله عليهم في العصر الحديث هتلر ..ولقد عادوا اليوم إلى الإفساد في صورة "اسرائيل" التي أذاقت العرب أصحاب الأرض الويلات .وليسلطن الله عليهم من يسومهم سوء العذاب ، تصديقاً لوعد الله القاطع ، وفاقاً لسنته التي لاتتخلف ..وإن غداً لناظره قريب !
ويختم الله السياق بمصير الكافرين في الآخرة لما بينه وبين مصير المفسدين من مشاكلة:
" وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً "[الإسراء:8] ..تحصرهم فلا يفلت منهم أحد ، وتتسع لهم فلا يند عنها أحد .(4)
وإن كان هذا هو تفسير الوعد الأول والثاني الذي ذكره كثير من المفسرين إلا أن هناك تفسيراً آخر لبعضهم حينما عبَّر عن الوعد الأول بأنه : حربهم مع النبي صلى الله عليه وسلم واخراجهم من الجزيرة العربية ، والوعد الثاني هو : حرب المسلمين لهم بعدما احتلوا القدس بعد وعد بلفور وأن هذا الوعد(بلفور) لمصلحة المسلمين ، فالله أذن لهم بالتجميع حتى إذا أخذهم المسلمون قضوا على شأفتهم فلا يصبح لهم وجود بعد ذلك إلا أقليات متفرقة في الدول يعاملون كما كان يعاملهم النبي – صى الله عليه وسلم – في المدينة ، ولهذا قال ربنا " وعد الآخرة " فكلمة الآخرة تدلُّ على أنها المرة التي لا تتكرر، ولن يكون لليهود غلبة بعدها ، ومما يستدل به أصحاب هذا الرأي أن كلمة " عباداً لنا " لا تطلق إلا على كل مسلم .(5)
وسواء كان تفسير الوعدين بأي من التفسيرين فإن لنا دروساً وعبراً من ذكر هذه المرحلة من مراحل بني اسرائيل في القرآن الكريم ومنها :

1- إن الله يختبر بالخير والشر

من الغباء أن يحسب أهل جيل أن الفلك سُمِّر وأن من ارتفع اليوم ستبقى رفعته له غدا،ومن الغباء أن يظن الناس أن كتاب التاريخ صفحة واحدة تبقى ماثلة أمام الأعين .إن التاريخ صفحات متتابعة يطوى منها اليوم ما يطوى ،وينشر منها غدا ما ينشر !! هنا ما بدُّ من أن نفهم العبرة ، العبرة أن الله جل شأنه يختبر بالرفعة والوضاعة ،يختبر بالزلزلة والتمكين ،يختبر بالخوف والأمن ،يختبر بالثروة يعطيها وبالفقر يرسله ،يختبر بالضحك والبكاء قال تعالى :
" وأن إلى ربك المنتهى(42) وأنه هو أضحك وأبكى(43) وأنه هو أمات وأحيا (44) "[النجم]
يختبر بالأمرين ،وعندما يختبر هو عالم بخلقه ، ولكن القاضى لا يحكم بعلمه، إنما يحكم بين العباد بما يظهر من أمرهم حتى تنقطع الأعذار، وتخرس الألسنة التى مرنت على الجدل ،فإن ناسا سوف يبعثون يوم القيامة وهم مشركون ويقولون لله " والله ربنا ما كنا مشركين "[23- الأنعام] فما بٌّد من اقامة الدليل على الناس من عملهم هم . يعطى المال ويقول لصاحبه أعطيتك المال لا لأنك عبقرى ، لأن عباقرة يمكن أن يموتوا جوعا !! ولكنى أعطيتك المال أختبرك !! نجد اقتصاديا كبيرا مثل قارون يقال له إن الله موَّلك ومنحك اعرف حق الله فيما آتاك ،اتق الله فيما بسط عليك من رزق ، اطلب الآخرة بما اوتيت فى الدنيا لا تنسى الله . يضيق الرجل بالله وذكر الله ورقابة الله وتقوى الله ويقول لهم :ما هذا بعطاء الله ،هذه عبقريتى أنا !!" إنما أوتيته على علم عندى "[78- القصص] هذا المال لم يأتنى منحة من السماء زكائى وعبقريتى وتجربتى وخبرتى بشئون الأسواق والمال هى التى جعلتنى ذلك ،فكان هذا الشعور بداية الدمار الذى طواه ! "فخسفنا به وبداره الأرض"[81- القصص] هذا اختبار سقط فيه رجل من بنى إسرائيل ، اختبار آخر لرجل من بنى إسرائيل هو "سليمان" اختبار بالسلطة.. فإن سليمان وهو فى فلسطين طلب أن يجاء له بعرش بلقيس وجيء له بعرش بلقيس ، ونظر الرجل العظيم فوجد أن سلطانه واسع ، وأنه أوتى بسطة فى القوة غير عادية فهل اغتر؟ لا تواضع لله وقال " هذا من فضل ربى ليبلونى أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربى غنى كريم "[40- النمل] الحقيقة أنه بالنسبة للأفراد والجماعات ، كلنا يختبر .(6)

2- قصة بني اسرائيل توعية للمسلمين

هل قص الله علينا قصة بنى إسرائيل تسلية للمسلمين ؟ لا بل توعية للمسلمين كأنه سبحانه وتعالى يقول للمسلمين هذا تاريخ من سبق ،يقرأعليكم وحيا معصوما ،وتتلونه فى الصلوات وفى مجالس الرحمة قرآنا يذكر الناسين ،ويوقظ الغافلين لكى يتعلموا ، فهل تعلمت الأمة الإسلامية من تاريخ بنى إسرائيل أن تستبقى أسباب المدح وأن تستبعد وسائل القدح ؟ ويقول صاحب الظلال(7) وقصة بنى إسرائيل هى اكثر القصص وروداً فى القرآن الكريم والعناية بعرض مواقفها وعبرتها عناية ظاهرة توحى بحكمة الله فى علاج أمر هذه الأمة الإسلامية وتربيتها وإعدادها للخلافة الكبرى والقرآن لا يعرض هنا قصة بنى إسرائيل إنما يشير إلى صور منها ومشاهد باختصار أو بتطويل مناسب . وقد وردت القصة فى السور المكية بغرض تثبيت القلة المؤمنة فى مكة بعرض تجارب الدعوة وموكب الإيمان الواصل منذ أول الخليقة ، وتوجيه الجماعة المسلمة بما يناسب ظروفها فى مكة وأما ذكرها فى القرآن المدنى بغرض كشف حقيقة نوايا اليهود ووسائلهم وتحذير الجماعة المسلمة منها ، وتحذيرهم كذلك من الوقوع فى مثل ما وقعت فيه قبلها يهود وبسبب اختلاف الهدف بين القرآن المكى والمدنى اختلفت طريقة العرض ، وإن كانت الحقائق التى عرضت هنا وهناك عن انحراف بنى إسرائيل ومعصيتهم واحدة . ومن مراجعة المواضع التى وردت فيها قصة بنى إسرائيل هنا وهناك يتبين أنها متفقة مع السياق التى عرضت فيه متممة لأهدافه وتوجيهاته .

3-الإحسان والطاعة من شروط النصر والتمكين

يقول الله عزوجل بعدما ذكر ما حدث لبني اسرائيل من إفساد وبعد عن منهج الله ثم استعلاء وقرب من الله أدَّى بهم إلى العلو من جديد ، يذكر ربنا – تبارك وتعالى- ويقول " إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أساتم فلها " [الإسراء:7] ، فهذه هي القاعدة التي لا تتغير في الدنيا وفي الآخرة ، والتي تجعل عمل الإنسان كله له ، بكل ثماره ونتائجه. وتجعل الجزاء ثمرة طبيعية للعمل ، منه تنتج ، وبه تتكيف ؛ وتجعل الإنسان مسئولاً عن نفسه ، إن شاء أحسن إليها ، وإن شاء أساء ، لا يلومن إلا نفسه حين يحق عليه الجزاء .(8)
وهذه سنة من سنن الله الكونية " من استحق الغلبة فهي له "؛ لأن الحق تبارك وتعالى منزه عن الظلم ، حتى مع أعداء دينه ومنهجه .(9)
هكذا إذا أراد المسلمون النصر والتمكين فعليهم بمنهج ربهم – تبارك وتعالى- ومنهاج نبيهم – صلى الله عليه وسلم- فيه نصرهم وقوتهم وتمكينهم في هذه الأرض " وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاو وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير " [الحج :78].
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 03-03-2012, 10:45 PM
د/عبدالله عسكري الشمراني د/عبدالله عسكري الشمراني غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: May 2011
الدولة: alkhobar, saudi arabia
المشاركات: 146
افتراضي

شكرا لك سيدي على هذا المقال الضافي ...وفلسطين العربية هي مربط الفرس في كل قضايا المنطقة ...لن تنتهي الصراعات والخلافات والحروب والدسائس والضغائن حتى تتحرر القدس فينعم العالم بالسلام ...الا تلاحظ معي بان اي حركة اسلامية تنشأ في اقصى الدنيا تعلن فلسطين قضيتها الأولى !
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 06-03-2012, 11:28 AM
الدكتور سعيد الدكتور سعيد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 947
تم الرد قضية فلسطين-4: منظمات فدائية وحلول سلمية!

قضية فلسطين- منظمات فدائية وحلول سلمية!

يتناول هذا المقال استعراض تطور الحالة الفدائية، وعلاقة ذلك بالأنظمة ضمن فترة السبعينات، وما توافق معها من الخطاب السياسي الذي تبلور لدى الأنظمة العربية بعد الحروب الأولى، وذلك ضمن سلسلة "قضية فلسطين".

ضمن الصراع السياسي بين الدول الاستعمارية على النفوذ وعلى المصالح فيما سمّيت منطقة الشرق الأوسط، استمر التنافس على نوع الحل وعلى من يفرضه، بينما ظلت قضية ترسيخ أقدام اليهود فوق أرض فلسطين موضع اتفاق. وكانت الحروب أداة لدفع الرؤى السياسية لأرض الواقع، وساحة تدافع بين أمريكا وبريطانيا، وتدخلات من فرنسا وروسيا. وظل أهل فلسطين ومحيطهم يُقَتّلون، بدءا من المذابح التي سبقت ورافقت النكبة عام 1948، التي تقصّد المستعمرون فيها إيقاع الهزائم الفظيعة لقتل الروح المعنوية عند الأمة، مرورا بالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، التي تأكد فيها واقع الدولة اليهودية كأداة استعمارية –في يد بريطانيا في حينه- لضرب الأمة الإسلامية، ثم وصولا إلى النكسة عام 1967، التي روّج اليهود من خلالها دعوى "إسرائيل التي لا تقهر"، وتلاها اعتداءات يهودية بين الحين والآخر، مما كان سيرا ضمن مخططات بريطانيا في اتخاذ الحروب أداة لفرض رؤيتها ولعرقلة المشروع الأمريكي، الذي ظل (في الخمسينات والستينات) مستندا إلى العمل السياسي والدبلوماسي، لتحقيق مصالح أمريكا.

وظلّت جامعة الدول العربية شاهدة زور على تلك الدماء التي تراق، وساحة صراع بين حكّام يدفعون الحلول والمصالح الأمريكية، وآخرين يدفعون الحلول والمصالح البريطانية. واستمرت وتيرة تلك المناورات السياسية وظل جمال عبد الناصر طرفا رئيسا فيها حتى وفاته في أيلول من العام 1970، وبدأت الحالة السياسية في الشرق الأوسط في إعادة التشكل:

بعد تلك الحروب، كانت مجريات السياسية قد أخذت في التغيّر مع نهاية الستينات، وصارت أعمال الأنظمة العربية تدور حول مشاريع "الانسحاب" لا "التحرير"، وصار خطابها "قانونيا"، وعملها سياسيا ضمن المحافل الدولية والعربية، لا عسكريا من خلال الجيوش. ولم يكن رفع شعار اللاءات الثلاثة (لا للمفاوضات ولا للصلح ولا للاعتراف) في مؤتمر الخرطوم عام 1967 إلا أداة ضمن صراع الرجالات والولاءات، لا حقيقة، حيث كانت "الحلول السليمة" قد بدأت بالرواج بعدما ارتفعت أصوات القابلين بها.
وتوازى منطق "الحقوق بدل الحروب" مع خط "تسليم قضية فلسطين للفلسطينيين"، من أجل دفع أهل فلسطين لتبنّي لغة الحقوق والعمل السياسي، بعد أن يعبروا لمرحلة اليأس من التحرير، وذلك بعد المرور بمرحلة عمل التنظيمات الفدائية. واستمر طرح الحلول السياسية ضمن المناورات السياسية من قِبَل أمريكا في ظل التوجه البريطاني لإشعال المنطقة، وظلّ كل من "حل الدولتين" و"حل الدولة" قائما مع مطلع السبعينات، مع تعديلات طفيفة، منها تراجع أمريكا عن تدويل القدس إطفاءً لنار الحرب التي تحاول بريطانيا إشعالها. ولأن بريطانيا ظهرت على حقيقتها كدولة ضعيفة، (حيث اعتبرت من الدول الكبرى من قبيل الاستمرار على نسقها زمن الاستعمار) فقد ظلّت سياستها قائمة على مبدأ وضع العصا في العجلة الأمريكية لتحقيق بعض المكاسب.
وكانت منظمة التحرير الفلسطينية قد دُعيت لحضور مؤتمر القمة الخامس في الرباط مع نهاية عام 1969، حتى يتم تسلميها القضية رسميا، ضمن سياسة أمريكا في حصر "الصراع" بين الفلسطينيين واليهود، وذلك من أجل إقامة "الكيان الفلسطيني" على جزء من أرض فلسطين. وكان جدول أعمال المؤتمر قد تضمن "إسناد المقاومة الفلسطينية"، تأكيدا على تسليم القضية للفلسطينيين، وتمهيدا لسير المنظمة في مسيرة الاعتراف والمفاوضات والصلح، وهي مسيرة أخذت في الانكشاف في أجندة الأنظمة بوضوح أكثر. ولم يصدر عن ذلك المؤتمر بيانا ختاميا، مما كشف عن وجود قرارات سرية لم يعلنها الحكام فيه، ولذلك اُعتبر المؤتمر من أخطر وأفظع مؤتمرات الحكام، وخصوصا أنه كان بداية "حمل" مفضوح لمسيرة الاعتراف بالوجود السياسي لليهود في فلسطين، كما كشف ملك المغرب في كلمته فيه، عندما قال "أن حرب حزيران جعلتنا أكثر واقعية ... قد قبلنا الأمر الواقع وهو وجود إسرائيل أو وجود الكيان السياسي لليهود في فلسطين"، وعبر عن القضية بأنها "قضية الشعب الفلسطيني".
وتمت إعادة صياغة الحل الأمريكي –على أساس الدولتين- في نهاية الستينات، ومطلع السبعينات تحت عنوان "مشروع روجز" (نسبة لوزير الخارجية الأمريكي)، وكان المشروع عبارة عن أسلوب لتنفيذ قرار التقسيم رقم 242، وقد طُرح على الأردن ومصر والكيان اليهودي كمبادرة للحلول الأمريكية التي تستند أساساً إلى تنفيذ القرار 242، وإقامة مباحثات (مفاوضات غير المباشرة) للتوصل إلى اتفاق سلام "عادل ودائم" على أساس الاعتراف بالسيادة وسلامة الكيان الإقليمي لكل طرف واستقلاله السياسي (نص مبادرة روجرز وموقف مصر منها). ويُنقل عن روجرز قوله في 9 كانون الأول عام 1969 أن "سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تهدف إلى تشجيع العرب على قبول سلام دائم، وفي الوقت نفسه تشجع إسرائيل على قبول الانسحاب من أراض محتلة، بعد توفير ضمانات الأمن اللازمة ... مطلوب من إسرائيل الانسحاب من الأراضي المصرية بعد اتخاذ ترتيبات للأمن في شرم الشيخ، وترتيبات خاصة في قطاع غزة مع وجود مناطق منزوعة السلاح في سيناء" (مما يمكن اعتباره وصفا للواقع الحالي الذي تحقق). وأعلن جمال عبد الناصر قبوله لمبادرة روجرز في تموز 1970 ضمن احتفالات العيد الثامن عشر للثورة (وليام روجرز وأول مبادرة أمريكية لحل مشكلة الشرق الأوسط). وفيما رفضته "إسرائيل" في البداية، عادت ووافقت تحت الضغط الأمريكي في 6-8-1970. ثم بدأت أمريكا تُحكم قبضتها على دولة اليهود حتى لا تستطيع التحرك من بين يديها، رغم ولاء قادة اليهود الأوائل لبريطانيا، وذلك من خلال التسليح وتحديث الجيش اليهودي وربطها بالمساعدات الاقتصادية الأمريكية.
وتوفي جمال عبد الناصر في الشهر نفسه، فاهتز النفوذ الأمريكي في مصر مؤقتا، ومن ثم انصبّ الصراع بين القوى العظمى على مصر، ثم ترك وليام روجرز منصبه عام 1971، وتجمدت مبادرته لبعض الوقت. وتجدد –مرحليا- حديث عن تدخل "قوات دولية" من الدول الأربع الكبرى في المنطقة (وكانت فرنسا قد طرحت مبادرة حول ذلك في العام 1969)، إلا أن تلك المرحلة ارتبطت بصعود العمل الفدائي مما كان عاملا هاما في مجريات الأحداث.

إذ بموازاة مَعلَم العمل السياسي (والحديث القانوني!)، اتسم مسرح قضية فلسطين في السبعينات بمعلم العمل الفدائي:

في البداية، تصاعد حديث الأنظمة العربية عن مقاومة أهل فلسطين بدل حروب الجيوش، ضمن توجهات مبكرة لتخلّي الأنظمة عن القضية وتسليمها للفلسطينيين، وحصل توافق على ذلك بين الدول العربية، وصارت جميع الأطراف تشجّع الفلسطينيين على مقاومة اليهود في الضفة الغربية، من أجل تنفيس مشاعر رفض الاحتلال وحب النضال ضدّه، وحتى يسهل حينئذ تسييرهم ضمن مسار تصفية القضية. ومن هذا الباب بدأت الأنظمة العربية بدعم التنظيمات الفلسطينية، فيما اتفقت الأطراف العربية على تهيئة منظمة التحرير لتتسلم القضية، ومن ثم لتجمع جميع التنظيمات الفلسطينية تحت مظلتها ضمن شعار الوحدة الوطنية.

في هذه الأجواء "الانهزامية" من قبل الأنظمة، قفزت التنظيمات الفدائية إلى مسرح القضية وساحة الصراع، ولمع نجم العمل الفدائي:
وإن الحديث عن العمل الفدائي في سياق القضية الفلسطينية هو موضوع شائك، لأنه صعب صعوبة تشكيل محلول متجانس من الماء والزيت، حيث اجتمعت فيه قوى الإخلاص مع قوى الاستعمار، ولذلك فإن الدقة والموضوعية تقتضي منذ البداية ترسيخ التفريق بين الفدائيين وبين المنظمات الفدائية، على غرار التفريق بين الحكام والشعوب في موقفها من قضية فلسطين وفي تبنّيها لهدف التحرير وفي إخلاصها:
لقد قدّم الفدائيون نماذج حية من البطولة والتحدي والقتال الشرس ضد الكيان اليهودي، وقاموا بعمليات نوعية ذاتية مثل عملية ميونخ الشهيرة في أيلول عام 1972، وقدّموا نماذج رائعة من الصبر والاحتمال تحت التعذيب الوحشي في سجون الاحتلال، مما صار يُعتبر "تجربة" للإنسانية في النضال ضد الاحتلال، وليس ثمة من تشكيك حول الذين قاتلوا ضمن التنظيمات الفلسطينية، إلا أن تلك النماذج من الإخلاص توافقت مع وجود قيادات للمنظمات الفلسطينية نشأت وظلت تسرح في فضاء الأنظمة، ولذلك كانت من حيث الولاء من نوع الأنظمة التي تبنتها أو احتضنت وجودها، وذلك في الأردن وسوريا، أو التي مولتها في دول الخليج، حيث كانت قيادة الخليج السياسية–في حينه- بريطانية الولاء، وحافظت القيادة السياسية الفلسطينية –في تلك الفترة- على نفس الانتماء والولاء السياسي، وفي المقابل ضمّت المخلصين الذين كانوا يقاتلون معها ممن لم يكونوا مطلعين على حقيقتها, وكانوا يتخذونها وسيلة للتمكن من القتال في فلسطين.

ومع أن تأسيس منظمة التحرير (ورئاسة الشقيري لها) كان جزءا من مشروع حل الدولتين الأمريكي الذي دعمه وسار في تنفيذه جمال عبد الناصر، إلا أن قادة التنظيمات الفلسطينية سيطروا على المنظمة، صاروا قيادات للمجلس الوطني، بعد حصول "تباين في وجهات النظر بين بعض أعضاء اللجنة التنفيذية ورئيسها"، "الذي تقدم في كانون الأول سنة 1967 باستقالته إلى الشعب العربي الفلسطيني، وقد قبلت اللجنة التنفيذية تلك الاستقالة" (صفحة أحمد الشقيري).

ومن هذا الباب، كانت قيادات المنظمات الفلسطينية، ومن ضمنها حركة فتح والصاعقة، ضد حل "الدولة في حدود 67"، لأنه جزء من مشروع حل الدولتين الأمريكي، وفي المقابل كانت حركة فتح تُثني على "مشروع بورقيبة" (البريطاني) وتدعو له. ولذلك ظل جلّ أهل فلسطين في تلك الفترة ضد إيجاد الكيان الفلسطيني (الجزئي حسب المشروع الأمريكي)، وظل تأثير إيجاد منظمة التحرير لدفع ذلك الحل الأمريكي ضعيفا في ظل هيمنة قادة التنظيمات -المخالفة بالولاء والتوجه- على المجلس الوطني.
هذه الأجواء السياسية الرافضة للكيان الفلسطيني، مع الروح المعنوية القتالية العالية عند الفدائيين المخلصين، ووجود مشاعر عارمة في مصر ضد الكيان اليهودي، صعّبت الموقف على الدافعين نحو حل الدولتين، بعدما تبلور في مشروع روجرز، ولذلك تعثّر الحل الأمريكي في تلك الفترة رغم تكرار المناورات، وصار لا بد من عملية ترويض للشعب في مصر، ضمن ما أسموه حرب الاستنزاف، وذلك للتأثير على الجيش المصري والشعب المصري، وبموازاة ذلك كان لا بد من كبح جماح رجال العمل الفدائي الثائرين والمتمردين على محاولات ترويضهم، إذ كان إيجاد المنظمات التي تحتضن الفدائيين ودفعها للمقاومة المسلحة مجرد مرحلة من مراحل الأعمال العسكرية لتنفيذ مخططات المستعمرين.

بدأت محاولات ضبط رجال المنظمات الفلسطينية من خلال تقوية سيطرة المنظمات على رجالها، ومن خلال الربط والتنسيق مع الدول العربية، وفي 28/10/1969، صدر"تحذير لرجال المنظمات الفدائية"، حول معالجة الأنظمة لأزمة الفدائيين في لبنان التي بدأت في 23-4-1969، كاشفا أنها مفتعلة كأداة من أجل "تقييد العمل الفدائي ووضعه في نظام يحد منه ويؤدي بالتالي إلى تصفيته"، "وذلك تحت شعار تأييد الفدائيين ضد لبنان"، على اعتبار أن تلك الأعمال ستزيل "العقبة الثانية من وجه تنفيذ الحل السلمي، وهي حرية الفدائيين ستزول، وينتقل للخطوة الثانية وهي تصفية الفدائيين تحت شعار تنظيمهم ودعمهم".

وضمن تلك المكائد السياسية، وضمن التدافع بين القوى الرأسمالية على تنفيذ أو تعطيل رؤى الحل، كانت خطة ضرب الفدائيين في الأردن ولبنان قد بدأت منذ قبول الصلح مع إسرائيل حسب مشروع روجرز. وفي عام 1970 تصاعدت موجة الأحداث الدموية في الأردن، وتعاظم تمرد الفدائيين ضد الدولة دون مبالاة بكيانها.

ثم حصلت ما سمّيت أحداث أيلول الأسود التي كانت حلقة في الصراع على المشاريع السياسية وعلى النفوذ، وتداخل فيها تسخير المنظمات الفلسطينية –وتسخير المنضوين تحتها بعيدا عن دورهم في الكفاح المسلح- في محاولة للإطاحة بالملك حسين وإقامة الدولة الفلسطينية على أنقاضه (عندما صار يُنظر إليها –فلسطينيا- في تلك الفترة كمرحلة من مراحل الحل)، حيث ينقل عن قائد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جورج حبش قوله "إن تحرير فلسطين يبدأ من عمان وبقية العواصم الرجعية" (أيلول الأسود)، وعلى إثرها عقد مؤتمر القمة العربي غير العادي الثالث في القاهرة "لحل الخلاف الأردني الفلسطيني حقناً للدماء العربية"، ورغم أن المنظمات الفلسطينية ظلت مرتبطة في تلك الفترة بالمشاريع السياسية البريطانية، إلا أن مصر استطاعت بمساعدة سورية استمالة الفدائيين لمشروع الدولة الفلسطينية في الأردن، وذلك لفترة من الزمن، ولكن الأردن تمكّن من القضاء على الفدائيين وعلى محاولة إقامة الدولة الفلسطينية في الأردن، ثم أعلن أنه لم تبق أية قاعدة للفدائيين وألغى اتفاقية القاهرة.

وتكررت مشاكل الفدائيين في لبنان، وتكرر استهتارهم بالدولة والقانون، وتكررت محاولة تسخير تنظيماتهم في الانقلابات فيه، وتوجهت الأنظار لضربهم على غرار ما حصل في الأردن: وحصل هجوم "إسرائيلي" عليهم في لبنان بتدخلات فرنسية عام 1970، وحصل هجوم آخر على جنوب لبنان استهدفت فيه قواعدهم في أيلول من العام 1972، ثم طلب الجيش اللبناني من التنظيمات الفلسطينية الجلاء عن مناطق العرقوب والبقاع, والخروج من جميع القرى اللبنانية، وعدم حمل السلاح خارج المخيمات، مما كشف عن أن تلك الهجمات اليهودية كانت تنوعا في أساليب القضاء على العمل الفدائي، وكانت طلبات الحكومة اللبنانية من الفدائيين جزءا من مؤامرة ضربهم، وخصوصا بعد توافق الدول العربية كلها على ضربهم.

وظلت محاولات تسخير الفدائيين مستمرة، حتى بعد تمركز تواجدهم العسكري في لبنان، وذلك بعد تصفيتهم في الأردن. ولقد تداخلت العديد من الأهداف والأحداث السياسية في سياق ضرب الفدائيين وتنظيماتهم، منها:

o ما كان في سياق التزاحم على النفوذ الاستعماري، من خلال زلزلة عروش الحكام العملاء.

o ما كان ضمن مخططات بريطانية لوضع العصا في العجلة الأمريكية عندما سعت أمريكا لدفع الحلول السياسية، حتى وصل الأمر ببريطانيا أن دفعت المنظمات الفدائية للمشاركة في بعض محاولات الانقلابات في الأردن، من أجل إقامة كيان فلسطيني في الأردن "تُخربط" فيه بريطانيا أوراق أمريكا.

o أن أمريكا أرادت من خلال الانقلاب في الأردن خلق أجواء تمهّد للحل الأمريكي من خلال تسخير من استمالتهم في التنظيمات الفدائية.

o ما كان من أجل إسكات الفلسطينيين وإضعاف شوكة الفدائيين، وذلك تمهيدا للقبول بالحلول السلمية، وخصوصا بعد مرحلة توافق الأنظمة العربية على ضرب الفدائيين.

والخلاصة في هذا الموضوع، أن قضية فلسطين اتصفت بثلاث سِمات في فترة أوائل السبعينات: (1) وجود فدائيين مخلصين عملت الأنظمة على تكبيلهم ثم تصفيتهم.

(2) تعاظم التنظيمات الفلسطينية المرتبطة بالمشاريع لتصفية قضية فلسطين، وهي التي تم تسخيرها في المؤامرات والصراعات.

(3) تخلّي الأنظمة العربية عن تحريك الجيوش وتنافسها على تحقيق المصالح الغربية.

وظلت أمريكا تعمل على الحل بالوسائل الدبلوماسية "حتى نهاية الستينات" بينما كانت بريطانيا تريد الحل عن طريق حرب مصطنعة لإقامة الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين، وظل كلاهما يتآمر على فلسطين من أجل مصالح استعمارية.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 19-03-2012, 02:13 PM
الدكتور سعيد الدكتور سعيد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 947
تم الرد

قضية فلسطين
السادات يحارب لتحريك المسيرة السلمية !

يتناول هذا المقال مجريات قضية فلسطين في منتصف السبعينات، ويناقش حرب أكتوبر التي مهدت لاتفاقية السلام، ويرصد مشهد تحريك المسيرة السلمية في تلك الفترة، وذلك ضمن سلسلة "قضية" فلسطين.

بعد مرحلة الحروب "الصُوَرية" التي خاضتها الأنظمة العربية كأداة لدفع الرؤى الاستعمارية لفلسطين إلى أرض الواقع، والتي مكنّت اليهود من إنشاء كيانهم، ومن التدجيل الإعلامي بأنهم قوة لا تقهر، بدأ الخطاب السياسي لدى الأنظمة العربية يتكشف عن لهجة دبلوماسية ومصطلحات قانونية ضمن تصريحات رسمية حول الحلول السلمية، وذلك بموازاة تسليم القضية للفلسطينيين تحت شعار دعم المقاومة المسلحة، فيما كانت غاية الأنظمة ترويض الفلسطينيين ودفعهم للقبول بتلك الرؤى السلمية أو الاستسلامية. وفي ذلك السياق لمع نجم العمل الفدائي، الذي شارك فيه المخلصون ممن تعطشوا لقتال الكيان اليهودي، وقفزت التنظيمات الفلسطينية المرتبطة بالأنظمة العربية إلى مسرح العمل السياسي على الساحة الإقليمية، حتى صارت جزءا من الصراع على النفوذ بين القوى الدولية، ثم التقت المصالح على ضرب الفدائيين في الأردن ولبنان.

مع نهاية الستينات ومطلع السبعينات، لم يعد شك في أن الأنظمة العربية قد تكشفت عن التخلي عن فكرة تحريك الجيوش من أجل تحرير فلسطين، وأخذت تُفصح عن توجهاتها نحو قبول "إسرائيل" ككيان سياسي على أرض فلسطين، وذلك في سياق تنافسها على تحقيق المصالح الغربية. فيما كانت "لاءاتها" ضد المفاوضات والصلح والاعتراف في مؤتمر الخرطوم عام 1967 موجهة –في حقيقتها- للتحركات "المنفردة" لا للمبدأ، فقد كانت أعمالها وأقوالها تناقض ذلك المبدأ المدّعى، وخصوصا بعد الموافقة على مشروع روجرز الأمريكي القائم على قرار التقسيم.

بعد رحيل جمال عبد الناصر، جدد السادات قبوله علنا بالاعتراف "بإسرائيل" وبقبولها في المنطقة: ففي كانون الثاني 1971، "قدّم أنور السادات لمبعوث الأمم المتحدة غونار يارينغ، الذي أدار المفاوضات بين مصر وإسرائيل حسب خطة روجرز الثانية، شروطه للوصول إلى تسوية سلمية بين مصر وإسرائيل وأهمها انسحاب إسرائيلي إلى حدود 4 يونيو 1967" (حرب تشرين التحريرية قوة المستقبل)، وجدد الرئيس الأمريكي نيكسون المساعي لتنفيذ مبادرة روجرز عام 1972، حيث زار موسكو في أيار 1972 للتنسيق معها، وتم الاتفاق على السير بهذا الحل دون حرب مصطنعة.

ولكن بريطانيا رغم ضعفها المتزايد لم تُسّلّم بالطبع، وظلت تُجدّف -فوق قاربها المتهشم- ضد الرياح الأمريكية، إذ أعاد بورقيبة التحرك بمشروعه مع تعديل لافت يضم الأردن للدولة الفلسطينية (الموحدة) التي اقترحها، وقد نشرت جريدة النهار اللبنانية بتاريخ 6/7/1973 مقابلة مع بورقيبة قال فيها "إن إمارة شرقي الأردن خلقتها بريطانيا لإرضاء الأمير عبد الله"، واعتبر الكيانَ الأردني قضيةً مصطنعةً، بينما اعتبر أن فلسطين هي الأصل والأساس، وكان ذلك التوجه السياسي قائما على توسعة مفهوم "فلسطين"، (ومن المعلوم أن مصطلح "الحدود التاريخية لفلسطين" ليس له أصل، كما تبين في المقال الأول من هذه السلسلة).

وحسب مشروع بورقيبة المعدّل تتم إقامة الدولة العلمانية (الموحدة) في فلسطين وشرق الأردن. ولم تعارض أمريكا فكرة إنشاء دولة للفلسطينيين في الأردن، بل أيّدتها لبعض الوقت، حتى يتولّى الفلسطينيون مفاوضات حل الدولتين في فلسطين. ولذلك تتابعت الأحداث والصراعات حول تولي الفلسطينيين شرق الأردن، سواء من سار من "قياداتهم" مع المشروع الأمريكي أو من سار منهم مع المشروع البريطاني.

وظلت بريطانيا تضع العصا في العجلة الأمريكية وتحاول جاهدة منافستها على النفوذ، وخصوصا في مصر بعد وفاة جمال عبد الناصر، واهتزت ثقة أمريكا بالسادات في مواجهة التحديات على النفوذ. وأدرك الساداتُ تأرجحَ مركزه في الحكم، فتبلورت فكرة خوض حرب محدودة تسهم في تثبيته.

خلال الخمسينات والستينات، كانت أمريكا ضد اتخاذ الحرب كأداة لتحقيق مصالحها وأصرت على الوسائل الدبلوماسية والسياسية، فيما كانت سياسة بريطانيا تعتمد الحرب كأداة وتصرّ عليها كما حصل في الحروب السابقة. ولذلك يعتبر توافق أمريكا مع السادات على خوض حرب محدودة، كمقدمة لدفع الحل السلمي مع مصر، تغيّرا في الأدوات الاستعمارية الأمريكية في حينه. ولذلك لم تساعد بريطانيا "إسرائيل" في هذه الحرب بل إنها "أوقفت صفقة الدبابات التي كانت متعاقدة عليها" معها كما يبين موشى ديان في مذكراته (ديّان يعترف).

في تلك الأجواء من الصراعات، حصلت الحرب التحريكية عام 1973 المسماة "حرب أكتوبر" أو "حرب تشرين" ويسميها كيان اليهود "حرب الغفران" (حرب أكتوبر)، واشتعلت الجبهتان السورية والمصرية يوم 6/10/1973، واجتازت القوات السورية والمصرية خطوط وقف إطلاق النار، وحققت القوات المصرية نصرا مظفّرا.

وذكر موشى ديان وزير حرب الكيان اليهودي في مذكراته (ديّان يعترف) صعوبة الموقف الذي وقعوا فيه، حيث كان اليوم الأول "يوما شاقا علينا خسرنا فيه كثيرا من رجالنا، وفقدنا أراض ومواقع غالية القيمة"، ثم يؤكد خطورة الموقف العسكري على الجبهة المصرية بالقول "ولم تعد مواقعنا الحصينة سوى فخاخا للموجودين فيها ...". ويقول "وفي الساعات الأربع والعشرين الأولى من نشوب الحرب، أصبحنا لا نملك سوى قوة ضئيلة من المدرعات على الجبة المصرية"، ثم يكشف قلقهم من بيان أمريكا حول الحرب بأنه "مدعاة للقلق". ثم تحدث عن أن الموقف على الجبهة السورية كان خطيرا للغاية في اليوم التالي للحرب، وأنه كان يسمع صوت الانفجارات في الشمال وهو في طائرته فوق تل أبيب.

وكانت خطة الحرب أن تكون محدودة، من أجل تثبيت أنظمة الحكم في مصر وسوريا المنفِّذة للأجندة الأمريكية (السادات والأسد)، في مقابل زعزعة متانة العلاقة وقوة الارتباط ما بين ساسة اليهود وبريطانيا، وذلك من أجل تعبيد الطريق نحو تنفيذ الحل السلمي المتوافَق عليه من خلال مشروع روجرز. وهذا ما يفسر ما كشفه ديان في مذكراته عن ردود فعل أمريكا الباهتة في بداية الحرب وعدم استجابتها لدعم "إسرائيل"،

ويبين ديّان أن الأزمة الحقيقية للكيان اليهودي تمثلت في الحصول على الدعم الأمريكي العسكري والسياسي إذ يقول: "تصرف الأمريكيون ببرود بالنسبة لطلباتنا العاجلة للحصول بسرعة على كمية كبيرة من إمدادات السلاح"، ثم يتابع "وظللنا نرسل البرقيات حول احتياجاتنا السريعة للفانتوم، وأخير تلقينا ردا ايجابيا يوم الثلاثاء 9 أكتوبر" ... وعلمنا أننا سنحصل على السلاح في حالة واحدة، إذا ما ساء موقفنا للغاية" (ديّان يعترف).

وأرادت أمريكا من ذلك التباطؤ أن تطوّع "إسرائيل" لمشروعها السياسي، وأدرك قادتها ذلك، إذ يقول ديّان "وكنت أكره مجرد التفكير فيما كان يمكن أن يحدث لو أن الولايات المتحدة أوقفت مساعدتها لنا، أو ماذا كنا نفعل لو أنها أدارت لنا ظهرها في هذه الأيام". وهذه المشاعر تكشف طبيعة الكيان اليهودي من حيث أنه لا تقوم له قائمة إلا بحبل من الناس، متمثل بدعم الغرب.

ثم أمدت أمريكا اليهود بالسلاح، كما يبين ديّان بالقول "بدأت الولايات المتحدة في النقل بجسر جوي استمر بين 14 أكتوبر و14 نوفمبر لمدة شهر"، ويكشف ديّان عن فحوى لقائه مع كيسنجر لدى زيارة الثاني "لإسرائيل" أثناء الحرب، حيث استنتج تخوف أمريكا من سقوط "النظم العربية المعتدلة لتحل محلها نظم متطرفة".

ولم يتلق اليهود كل ما طلبوا من أسلحة وتعويضات، مما أزعجهم، كما يؤكد ديّان، ولكنه يوضح أن كيسنجر وجههم –في لقائه المذكور أعلاه- أنه لا بد لقادة اليهود في أمريكا من "أن يُعبّروا على التقدير لا أن ينتقدوا الموقف الأمريكي كما يفعلون دائما"، ولذلك يقول ديان أنه غادر اللقاء "بأحاسيس مختلطة"، حيث اعتقد أن احتفاظ أمريكا "بالعلاقات العربية سوف تتم على حساب إسرائيل عن طريق مزاولة الضغط".

وكانت الحرب فرصة لبريطانيا لفرض حضورها ومحاولة تثبيت مركزها الدولي. ثم إن الجيش المصري دخل حربا لتحرير سيناء، ‎واندفع جنوده بإخلاص وقوة مشحونين بمشاعر قوية لغسل عار هزيمة النكبة. ويصف ديان مشاعره الصعبة بعدما يقول "وكانت قواتنا قد تكبدت خسائر فادحة في الرجال والمال"، "لم أمر بلحظة قلق تشابه هذه اللحظات في حياتي من قبل"، حتى وصل ديّان لمرحلة "الغضب حتى على الموت"، وذلك بعد الأيام الثلاثة الأولى من المعركة، فيما يقارن بين هذه الحرب الرابعة التي يخوضها وهو يشعر بمزيج من القلق الشديد والحزن والمجهود الضخم، وبين حرب 1948 حيث كان العمل سهلا "وضحكت كثيرا" يقصد خلال الحرب الأولى، وأن حرب 1956 وحرب 1967 لم تكونا بالحروب الصعبة. ويصف مستوى قتال الجنود العرب بالقول "أنهم لم يهربوا كما كانوا يفعلون في الماضي" حيث "كان الهروب أحد الملامح الهامة في شخصية الجيوش العربية" (ديّان يعترف). وهذا الكلام يكشف تآمر الأنظمة العربية على جيوشها في الحروب السابقة (الصُوَرية)، وأن الدولة اليهودية لم تكن قد خاضت حروبا حقيقية فيها، وأن أبطال جيوش المسلمين عندما يخوضون الحروب دون تآمر مسبق من الحكام على هزيمتهم فإنهم يلقنون اليهود دروسا لا ينسوها.

وفي ظل تلك التطورات العسكرية والسياسية، تصعّب وقف الحرب على أمريكا، وتعذّر –في البداية- صدور القرار المطلوب. وقد كادت تلك التطورات أن تؤدي لأن ينفلت الموقف من يد أمريكا، وحصل بعض الارتباك لدى أمريكا وروسيا، وصدرت تهديدات بالتدخل المباشر في حرب الشرق الأوسط لوقف الحرب. ويشير ديان إلى ذلك بالقول "وكان التوتر على المسرح الدولي قد بلغ مداه، وخاصة بين روسيا وأمريكا اللتين كانتا تزودان المتحاربين بالأسلحة".

ثم تمكنت أمريكا وروسيا في 22/10/1973 من الاتفاق على مشروع قرار بشأن النزاع في الشرق الأوسط، وصدر عن مجلس الأمن قرار رقم 338، ويُبيّن ديّان أنه بعد قرار وقف إطلاق النار اتضح أن "أمريكا وروسيا قد نسقتا كل الأمور بينهما، وتحولت الأزمة لتصبح بين إسرائيل والولايات المتحدة". وتضمن القرار "وقف إطلاق النار بصورة كاملة، وإنهاء جميع الأعمال العسكرية فوراً ..."، ودعوة جميع الأطراف المعنية إلى البدء بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 (1967) بجميع أجزائه، والدخول في مفاوضات بين الأطراف المعنية تحت الإشراف الملائم بهدف إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط" (قرار الأمم المتحدة 338 / أكتوبر 1973). مما اعتبره ديان "نصرا للعرب، إذ يتم تجميد المكاسب التي حققوها".

ويبين ديّان كيف أن الرئيس الأمريكي أوصاهم بقبول قرار مجلس الأمن وأن مجلس وزرائهم "قرر الاستجابة لطلب الرئيس نيكسون". ويقول ديّان "وقيل لنا أنه كان لا بد من إزالة عدة عوائق قبل أن يتم التوصل إلى هذا القرار". وهو ما كانت أمريكا تريده من ترويض "إسرائيل" بالحرب القاسية عليها.

وبعد الحرب، يفهم موشى ديّان توجهات أمريكا في المنطقة، ويوضحها بالقول "وكانت الولايات المتحدة مشغولة في تحركات سياسية ثلاثة في منطقة الشرق الأوسط، كلها في النهاية لا تخدم إسرائيل"، وذكر موضوع البترول، وتقوية موقف ونفوذ أمريكا في مصر والسعودية، والثالث "حل الصراع بين العرب وإسرائيل".

وعندما عاد ديّان إلى القدس كان القادة يتلهفون لسماع تفاصيل زيارته حول "رؤية أمريكا للموقف"، فأجابهم أن الأمريكان "يتلهفون على الوصول إلى نهاية للصراع في الشرق الأوسط، ولذا فهم يطلبون منا أن نوافق على الحد الأقصى الذي يطلبه العرب حتى ولو كان ذلك على حساب إسرائيل"، وقال أنهم "يتوقعون منا مزيدا من التقدم نحو السلام وأن هناك وقتا قد يضطرون فيه لممارسة الضغط علينا".

وفي الجبهة الأخرى، كان السادات قد ألقى خطابا أثناء المعارك استعد فيه لوقف إطلاق النار، وعرض فيه نقاطه من أجل السلام. وقبلت القيادة السياسية في مصر بالقرار الدولي، ونفّذته اعتبارا من مساء نفس اليوم، بينما خرق الجيش اليهودي وقف إطلاق النار، فأصدر مجلس الأمن الدولي قرارا آخر في اليوم التالي يُلزم جميع الأطراف بوقف إطلاق النار.

وتبيّن بوضوح أن تلك الحرب كانت جسرا للعبور نحو "السلام" والصلح.

وبعد شهر تقريبا، انعقدت القمة العربية العادية السادسة في الجزائر، وتماشت علنا مع التوجهات للحلول السلمية، فدعت إلى "الانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي العربية المحتلة بما فيها القدس".

وحاول الرئيس الأمريكي نيكسون استكمال خطة الحرب للوصول إلى الحلول السلمية، مع إشراك منظمة التحرير الفلسطينية في المفاوضات، وتحرّك ميدانيا نحو الشرق الأوسط خلال العام 1974، عبر زيارات دبلوماسية متكررة لدول منطقة الشرق الأوسط من قِبَله شخصيا، ومن قِبَل وزير خارجيته كيسنجر: منها ما كان لاستكشاف الأجواء وتقويم مدى الجاهزية للمسيرة السلمية، ومنها ما استهدف التحرّك الفعلي، وإقناع قادة "إسرائيل" بقبول التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية.

ولكن نيكسون واجه حقيقة تراجع النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط وحقيقة فشل قدرته على تحريك المسيرة السلمية، وذلك من جهة عدم تجاوب الشعوب مع الحلول السلمية، حيث ظلت مستندة إلى ثقافتها وتراثها وتاريخها الرافض لقبول الاحتلال، ومن جهة عدم انصياع قادة "إسرائيل" وعدم تسليمهم بالمصالح الأمريكية، وعدم تمشّيهم مع الرؤية لدولتهم كقاعدة أمريكية، إذ أرادوها "قاعدة يهودية" حسب أجندتهم الخاصة بهم، ورد اليهود على التحركات الأمريكية بطرح ما سمي مشروع إيغال ألون (وزير خارجية "إسرائيل")، حيث طرحه إيغال ألون على كيسنجر، ورفض من خلاله التماشي مع الطرح الأمريكي. وكان حزب الليكود "الإسرائيلي" قد تأسس في العام 1973 ورفع شعارات أكثر تطرفا وتصريحا بالعدائية من حزب العمل الذي ظل متفردا بالحكم منذ نشأة الكيان اليهودي، وتماهت شعارات الليكود مع الرؤية التوسعية للدولة اليهودية (حزب الليكود).

إضافة لتلك التحديات الخارجية، ظلّ نيكسون يواجه تحديات داخلية في تنافس حزبه الجمهوري مع الحزب الديمقراطي، تتوجت بفضيحة "ووترجيت" الشهيرة التي أطاحت به، فاستقال في آب من العام 1974 دون أن يكمل فترته الرئاسية الثانية (Watergate Story)، وتضعضع موقف أمريكا في المنطقة، وبذلك تراجع العمل على استكمال خطة المسيرة السلمية، ولم تفضي الحرب للسلام مباشرة.

وجاء الرئيس الأمريكي فورد، وصارت أمريكا تركّز على إعادة تثبيت نفوذها في المنطقة، وأعلنت أمريكا أنها ستعيد النظر في سياستها في الشرق الأوسط وستُجري تغيرات، بينما فرضت قضية لبنان واقعها على مسرح الشرق الأوسط:

وفي سياق تحريك الأجواء للمسيرة السلمية، دفعت أمريكا نحو مزيد من الاعتراف الإقليمي والعالمي بمنظمة التحرير الفلسطينية، وحثّت على إشراكها في المفاوضات، فاعتمد مؤتمر القمة في الرباط في تشرين الأول 1974 منظمة التحرير "ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني" (تاريخ القمم العربية).

وتماشى مؤتمر الرباط مع التوجه نحو الحلول السلمية (في ظل تبلور استخدام "اللغة القانونية")، ولكن دون أن تكون التحركات "منفردة"، ودار على إنهاء حالة الحرب بين الأنظمة العربية والدولة اليهودية في مقابل انسحاب جزئي من سيناء والجولان، وأكّد على "ضرورة الالتزام باستعادة كامل الأراضي العربية المحتلة في عدوان يونيو 1967"، فنسج المؤتمر للسادات العباءة التي أرادها من الأنظمة العربية لتغطية تحركه نحو استكمال "خطة السلام"، بعدما كانت حرب أكتوبر خطوة من خطواتها.

وكان مؤتمر الرباط ممهدا لصدور قرار هيئة الأمم المتحدة بأكثرية ساحقة لدعوة منظمة التحرير الفلسطينية للحديث في الجمعية العمومية، وللمشاركة بصفة مراقب في جميع مؤتمرات هيئة الأمم (موقع الجمعية العامة للأمم المتحدة)، وتماشت منظمة التحرير مع المخطط الأمريكي، وبدأت تفصح عن الاعتراف بالدولة اليهودية، والموافقة على مفاوضاتها.

وخطب ياسر عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتحدث عن "النضال السياسي والدبلوماسي"، وعن تمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني، مشيرا إلى قرار القمة العربية، وطالب "بإقامة السلطة الوطنية"، وظلّت مقولته التي تفتح باب السلام ترن في الآذان: "فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي" (خطاب ياسر عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة).

لكن منتصف عقد السبعينات ظلّ حافلا بالتوترات السياسية وظلّت أجواؤه الإقليمية غير مستقرة، وخصوصا مع تصاعد القلاقل المستمرة في لبنان، مما وجّه الجهود والأنظار السياسية نحو لبنان أكثر من فلسطين، وأدى إلى انشغال المنطقة بقضية لبنان بشكل متكرر. وانشغل السادات خلال العام 1975 بتثبيت نفوذ أمريكا، وقام بزيارات دولية وعربية لخدمة مصالحها، ولتقوية النفوذ الأمريكي، فتباطأ العمل في المسيرة السلمية، ولم تستطع أمريكا تحقيق تقدم ملموس في قضية فلسطين.

وفي هذه الأجواء من لهث السادات نحو تعزيز النفوذ الأمريكي وتطلّعه لتحريك مسار الحل السلمي، ومع استمرار القلاقل في لبنان، ومع انشغال الجامعة العربية بالملف اللبناني، تقدّم السادات للجامعة العربية باقتراح منح منظمة التحرير الفلسطينية العضوية الكاملة (كأنها دولة)، وبالفعل أقر مجلس الجامعة ذلك الاقتراح كقرار في 6/9/1976، للمساعدة في سعي الجامعة لحل قضية لبنان، واستفاد السادات منه في تحسين صورته المعنوية الهابطة أمام الأمة على اعتبار أنه "يساند الفلسطينيين في قضيتهم".

وكان قرار الجامعة العربية ذاك تمهيدا لقرار جديد أصدرته الجمعية العمومية للأمم المتحدة (قرار رقم 31/20 بتاريخ 24-11- 1976 - قضية فلسطين)، والمؤيد لتوصيات "تقرير اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف". وقد نص القرار على الاستقلال الوطني والسيادة الوطنية، وعلى تنفيذ التوصيات المذكورة حول الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة (على أساس حدود 1967 "الخط الأخضر")، وتنفيذ ذلك قبل حزيران من العام 1977, ونص أيضا على نشر قوات دولية مؤقتة لحفظ الأمن، وعودة اللاجئين إلى ديارهم.

وكان ذلك القرار الجديد حول إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ناسخا لقرار تقسيم فلسطين رقم 181 من حيث المساحة، وموافقا له من حيث إنشاء دولة فلسطينية، حيث كانت الدولة الفلسطينية حسب القرار الأول تضم الجليل ويافا واللد والرملة. وفي سياق تضليلي، صوتت أمريكا "وإسرائيل" ضد هذا القرار الجديد، ولذلك رُوّج على أنه "تقدم" لمصلحة الفلسطينيين، مع أنه أعطى الدولة اليهودية مساحة أكبر وركّزها فوق الأرض. وبالطبع فإن القرار رقم 242 للعام 1967 لم يكن يدور حول الدولة الفلسطينية بل حول "سحب القوات المسلحة من أراض احتلتها في النزاع".

وبعد هذا القرار، ومع نهاية العام 1976 صار الحديث عن عقد مؤتمر جنيف للسلام في الشرق الأوسط يتزايد، وصدر قرار رقم 31/61 بتاريخ 9/12/1976 (الحالة في الشرق الأوسط) من أجل "الاستئناف المبكر لمؤتمر السلام للشرق الأوسط باشتراك جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية"، وأكّد حصر الانسحاب ضمن حدود 1967 كأساس للمسرة السلمية، وصار السادات مستعدا لخوض المسيرة السلمية بشكل متسارع، وهو ما يفصله المقال اللاحق ضمن هذه السلسة.

وهكذا اتسمت مرحلة منتصف عقد السبعينات فيما يتعلق بقضية فلسطين، بالمعالم السياسية التالية:

1) ظهور السادات كلاعب يحاول كسب الاعتراف الأمريكي به كزعيم يحقق مصالحها، ويحاول تثبيت نفسه على حكم مصر من خلال الحرب ومن خلال تعزيز النفوذ الأمريكي في المنطقة.

2) تغيّر في السياسة الأمريكية الاستعمارية، حيث استخدمت أمريكا الحرب كأداة لتحقيق مصالحها، بعدما ظلّت تُصرّ على الوسائل الدبلوماسية والسياسية، وتآمرت مع السادات على خوض حرب محدودة، كمقدمة لتحريك المسيرة السلمية.

3) دفع أمريكا لمنظمة التحرير الفلسطينية على الساحة الإقليمية والعالمية كأنها دولة.

4) عدم استقرار النفوذ الأمريكي في المنطقة في ظل التحديات الخارجية والداخلية التي واجهها نيكسون، إضافة إلى تصاعد القلاقل في لبنان، مما أدى إلى تباطؤ المسيرة السلمية.
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 28-03-2012, 11:05 AM
الدكتور سعيد الدكتور سعيد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 947
تم الرد

جر الدولة اليهودية نحو السلام !

يستكمل هذا المقال متابعة مسيرة السادات للصلح مع اليهود، ويكشف عن التجاذبات التي حصلت بين أمريكا وربيبتها "إسرائيل" عندما كانت الأخيرة تتمنّع عن السير في مشروع "السلام"، وذلك ضمن سلسلة "قضية" فلسطين.

ظلّت الجامعة العربية في قممها وتحركاتها تدندن حول انسحاب "إسرائيل" لحدود 1967، بعدما تخلّت الأنظمة عن تحريك الجيوش للتحرير، ونشط السادات في تنفيذ المصالح الأمريكية وفي تعزيز نفوذها بالمنطقة، وخاض بالاتفاق مع أمريكا حرب 1973 من أجل تحريك المسيرة السلمية وتثبيت حكمه، ولكن التحديات الخارجية والداخلية التي واجهها الرئيس الأمريكي نيكسون، إضافة إلى عدم استقرار النفوذ الأمريكي في المنطقة وتصاعد القلاقل في لبنان أدى إلى تباطؤ المسيرة السلمية. ثم ركزّت أمريكا سياستها على تحضير منظمة التحرير الفلسطينية للتفاوض، وأنجزت اعترافات عربية ودولية بها، وصارت المنظمة في المحافل الدولية كأنها دولة.

وظلّت أمريكا تضغط على "إسرائيل" للسير في السياسة الجديدة، والتفاوض مع المنظمة، ولكن "إسرائيل" ظلت تتمنّع: مع نهاية العام 1976، كانت "إسرائيل" قد طورت مشروع إيغال آلون الذي كانت قد طرحته من قبل، ونشر إيغال آلون مشروعه في مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية كدراسة تحت عنوان "إسرائيل: حدود دفاعية"، وقد عكس فيه العقلية الأمنية لليهود، واقترح فيه إقامة الدولة الفلسطينية-الأردنية كحل للمشكلة الفلسطينية (مشاريع التسوية للقضية الفلسطينية بعد حرب أكتوبر 1973) مع تحديد الحدود لتوفير الأمن والعمق الاستراتيجي "لإسرائيل" مستندا إلى أن القرار رقم 242 ينص على انسحاب من "أراض" احتلتها "إسرائيل" عام 1967 وليس من الأراضي التي احتلتها، مما يمكن اعتباره "كيان الكنتونات" الممزقة، حسب ما درج في السنوات الأخيرة من اصطلاح، وكان ذلك المشروع في سياق مقاومة التحركات الأمريكية الضاغطة على "إسرائيل".

وفي العام 1977، طرأ تطور على المشهد "الإسرائيلي" بعد فوز حزب الليكود في "الانتخابات الإسرائيلية" برئاسة مناحيم بيغن، على حزب العمل الذي كان قد هيمن على المشهد السياسي منذ نشأة الكيان اليهودي. وبينما كان حزب العمل يقبل مبدأ السماح بالحكم الإداري في الضفة الغربية للعرب، فإن حزب الليكود يرفض أي معنى من معاني إنقاص السيادة الإسرائيلية على كل فلسطين. وعلت نبرة التطلعات اليهودية للتوسع بناء على نظرات توراتية للوصول إلى كيان ما بين النيل والفرات، وفي سياق سياسي لتكوين دولة يهودية تضم معظم يهود العالم.

وصعّبت تلك النظرة التوسعية وتلك النبرة السياسية المتمردةُ تنفيذَ مخططات السلام على أمريكا. صحيح أن إسرائيل لا تخرج عن أمريكا، ولكنها تتصرف كالطفل المدلل الذي يتمرد على مربيه في دلاله. لذلك نشأ شد وجذب بين أمريكا "وإسرائيل"، وعملت أمريكا على محاصرة الكيان اليهودي وإحباط النظرة التوسعية الصهيونية لليهود، وصارت أمريكا تريد لجم "إسرائيل" وتحجيمها، وتعمل على جرها للسلام جرّا.

وتوافقت تلك التطورات مع قدوم كارتر كرئيس لأمريكا، وقد تحرّك دوليا وحرك وزير خارجيته (سيروس فانس) لتقريب وجهات النظر في محاولة لعقد مؤتمر جنيف. وكانت جلسات لمؤتمر جنيف قد عقدت في العام 1973 كمتابعة لقرار الأمم المتحدة رقم 338 الذي نص على "مباشرة المفاوضات فوراً وفي وقت واحد مع وقف إطلاق النار بين الأطراف المعنية تحت الإشراف الملائم بهدف إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط"، ولكنه لم ينجح (مشاريع التسوية للقضية الفلسطينية بعد حرب أكتوبر 1973).

وتجاوبت المنظمة مع طرح كارتر، حيث أكد عرفات في 23/5/77 أن "المنظمة ترغب في فتح حوار مع السلطات الأمريكية، واعتبر تصريحات كارتر عن الوطن الفلسطيني إيجابية"، وفي 26/7/1977 أرسلت المنظمة رسالة خاصة إلى الإدارة الأمريكية أكّدت فيها استعدادها "للعيش بسلام مع إسرائيل، مقابل تعهد أمريكا بقيام كيان فلسطيني يمكن ربطه بالأردن"، ولذلك صرّح فانس وزير الخارجية الأمريكي في 13/8/1977 أن "المنظمة ربما أصبحت مستعدة للقبول بالقرار 242. ولذلك قد تقبل الولايات المتحدة قيام شكل من أشكال الدولة الفلسطينية في الأراضي المحتلة بعد فترة انتقالية مدتها عشر سنوات" (مسار علاقة حركة فتح بالولايات المتحدة الأمريكية).

ومع ذلك الانبطاح من قبل المنظمة، لم تنجح أمريكا في تقريب وجهات النظر مع القيادات اليهودية، فيما يتعلق بالتمثيل الفلسطيني (من خلال المنظمة), وإيجاد دولة فلسطينية، حيث قوبل وزير خارجيتها فانس بتصلب في "إسرائيل"، لأن قادتها لا يقبلون بمبدأ الانسحاب بل يفكّرون بعقلية التوسع، ويعتبرون أن ميثاق المنظمة يدعو للقضاء على دولتهم، وظلّ اليهود يتصرفون على أساس أن دولتهم هي قاعدة لهم لا لأمريكا. وفي سياق التمنّع أمام أمريكا، صار مناحيم بيغن يتحدث عن مشروع الحكم الذاتي في الضفة الغربية وغزة مع نهاية عام 1977.

وعلى عكس الأجواء "الإسرائيلية" الرافضة للسلام، وجدت إدارة كارتر تجاوبا وتساهلا في الدول العربية واستعدادا للصلح والاعتراف، حيث كان العرب قد أخذوا يعبّرون عن انبطاحهم للصلح والاعتراف بالدولة اليهودية منذ الفترة التي أعقبت حرب 1967، وخاض السادات حرب 1973 من أجل هذه الغاية.

ولم تجد أمريكا فرصة لعقد مؤتمر جنيف قبل أن تستميل القيادات اليهودية نحو مشروعها. واجتهد كارتر في جرّ "إسرائيل" نحو السلام، وبدت في الأجواء مظاهر "مواجهة" سياسية مع "إسرائيل" لنزع فكرة التوسع التوراتية من ذهنها ولترويضها.

وكان العام 1977 عام التحركات الدبلوماسية النشطة نحو السلام، حيث فاجأ السادات القادة اليهود باستعداده لزيارتهم ومد الجسور السياسية المباشرة معهم، ثم كسر الحاجز النفسي لرفض التطبيع مع الكيان اليهودي، ودخل المسجد الأقصى وهو تحت الاحتلال، ثم خطب في "الكنيست الإسرائيلي" في 20-11-1977 يدعو للانسحاب لحدود 1967، ضمن معالم المشروع الأمريكي للحل.

وظلّ السادات مندفعا للصلح مع الكيان اليهودي منفردا عن بقية الأنظمة، وظلت الجامعة العربية ترفض الحلول "المنفردة" كما أكّد مؤتمر القمة العربي العادي التاسع في بغداد في تشرين الثاني 1978. ولكن الجامعة العربية لم تستطع كبح جماح السادات، فأجرى محادثات السلام في كامب ديفيد، ثم وقع على إطار السلام في كامب ديفيد في العام 1978 ثم معاهدة السلام في واشنطن في 26-3-1979. وقد نصّت المعاهدة على إنهاء حالة الحرب، وإقامة علاقات ودّية وانسحاب "إسرائيل" من سيناء التي احتلتها عام 1967، وضمان عبور السفن الإسرائيلية قناة السويس ... وتضمنت الاتفاقية البدء بمفاوضات لإنشاء منطقة حكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة (معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.. أولى المعاهدات).

وهكذا تمخّضت جهود السادات عن تنفيذ فعلي للتسوية على الأرض، وعن انطلاق مشاريع التطبيع مع الكيان اليهودي، وألصق باسمه عار الاعتراف باحتلال فلسطين، مما لن ينساه التاريخ ولن تنساه الأمة.

ولأن السادات تجاوز الجامعة العربية وانفرد بالحل السلمي، رفض مؤتمر القمة العربية في بغداد في تشرين الثاني من العام 1978 اتفاقية كامب ديفيد، وتم نقل مقر الجامعة العربية من مصر، وتقرر مقاطعتها وتعليق عضويتها في الجامعة العربية لحين زوال الأسباب. ثم أدان مؤتمر القمة في تونس في تشرين الثاني 1979 اتفاقية السلام ومعاهدة الصلح المصرية الإسرائيلية (تاريخ القمم العربية). ومن الجدير تأكيده أن خطاب الأنظمة "السلمي" والقانوني كان قد تبلور منذ الهزيمة في العام 1967، ولذلك لم يكن وقوف الأنظمة في وجه السادات بسبب رفض مبدأ الصلح مع اليهود، وإنما كان ذلك الموقف لأن السادات تجاوزها وانفرد بالحل.

ولم تكن القيادية اليهودية مقبلة على السلام، وظلّت تقاوم خطوات السادات وتؤخرها، وهي تستقوي بالشحن السياسي من قبل بريطانيا التي أحسّت بتحسن ظروفها (الاقتصادية) في تلك الفترة، مما أعاد فتح شهيتها للتدخل في الشرق الأوسط. ولذلك تعثرت اتفاقية السلام مرارا وتكرارا، ولم تكن لتتم لولا إصرار كارتر على إنجازها لأسباب أمريكية داخلية وخارجية، منها أنه أراد أن يثبت للعالم أن أمريكا قادرة على أن تعمل ما تريد عندما تريد.

ولذلك مارس كارتر ضغطا متواصلا على "إسرائيل": وقبل الوصول إلى توقيع المعاهدة تطور الخلاف بين أمريكا (ومنظورها تحجيم "إسرائيل") وبين "إسرائيل" (ومنظورها التوسعي)، وفي سياق ذلك الاحتدام ارتفعت حدة التصريحات والتصريحات المضادة: إذ ينقل عن الوزير اليهودي موشي ديان أنه سمع كلاما قاسيا وتهديدا من كارتر جاء فيه "إذا لم توقع إسرائيل على الاتفاقية خلال عشرة أيام فإن أمريكا ستضطر إلى إعادة تقييم سياستها في الشرق الأوسط وتجاه إسرائيل, وأن ذلك سيكون في غير صالح إسرائيل"، مما تعتبر تهديدات ساخنة في الأعراف الدبلوماسية بين أمريكا "وإسرائيل"، وينقل عن كارتر قوله "أنه قرف من مفاوضات الشرق الأوسط للموقف الإسرائيلي المتعنت". وفي الرد على كارتر، وصف بيغن الرئيس الأمريكي بأنه كذّاب ومخادع ومتحيز للسادات، وعلق وزير الخارجية الأمريكي فانس على كلام بيغن هذا بأنه "وقاحة لا تحتمل" (بيان حزب التحرير بتاريخ 26/3/1979).

وحصل تشويش كبير على مسيرة السادات عندما قامت ثلاث مجوعات من الفدائيين بعملية ضخمة في "إسرائيل" ترتب عليها قتل وجرح ما يزيد على المائة والعشرين شخصا، تمت مساء السبت في 11-3-1978، عشية سفر مناحيم بيغن إلى أمريكا للقاء بكارتر، ولكن بيغن لم يوقف المسيرة تحت الضغط الأمريكي.

كانت أعمال السادات خروجا سافرا على قناعات الأمة وعن الموروث الثقافي الرافض للاحتلال، واستغلّت بعض الأنظمة العربية موقف الرفض لاتفاقية السلام (كونها منفردة مع مصر)، للتضليل والترويج بأنها في جبهة التصدي والصمود، واتخذت الرفض ستارا لتغطية عوراتها المفضوحة، ولاستمالة شعوبها حولها، ولذلك ظلّت هنالك فسحة للحديث الإعلامي والشعبي ضد الاتفاقية وضد الاعتراف بالدولة اليهودية، مما تتجاوب مع مشاعر الأمة الإسلامية التلقائية.

وتصاعدت الاحتجاجات وانطلقت المظاهرات في أرجاء البلاد العربية تتّهم السادات بأوصاف الخيانة وبيع الحقوق (مشاريع التسوية السلمية للقضية الفلسطينية). وتطلّبت الأجواء المشحونة تبرير جريمة الاعتراف بالاحتلال اليهودي، وتمييع حرمة الصلح معه من خلال تفصيل الفتاوى المنسوبة للشرع، وذلك على نهج الحكام من تسخير المشايخ المأجورين.

ولذلك استغل السادات شيوخ الأزهر لإصدار فتوى تبيح ما أقدم عليه بعد أن أتمّه، مع أن الحكم الشرعي يستصدر قبل الإقدام على الفعل لا بعده. وأصدر شيوخ الأزهر بيانا للعالم الإسلامي بتاريخ 10/5/1979 يُلبسون فيه معاهدة السادات ثوبَ الإسلام، ويُلبسون على الأمة، إذ صوّرا المعاهدة على أنها قائمة على موقف "القوة بعد خوض معركة الجهاد والنصر"، وضللوا على الأمة فشبّهوا المعاهدة بصلح الحديبية.

والحقيقة أن صلح الحديبية عقده الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل متابعة الجهاد لنشر الإسلام لا من أجل تمكين الأعداء والاستسلام، وأنه كان لفترة محدودة وليتفرغ المسلمون لغزو يهود خيبر، ولم يتضمن أي تنازل عن أي شبر من أرض المسلمين، إذ لم تكن مكة قد ضُمّت لأرض الدولة الإسلامية الحديثة. أما السادات فقد وقّع صلحا "دائما" يُبقي الأعداء فوق أرض المسلمين، ويجعل لهم كيانا معترفا به من قِبل أكبر قوة عربية في المنطقة، فيُخرجها من معادلة الأمة العسكرية، ثم "يُشرعِن" وجود الاحتلال اليهودي ويتجاوز عن كل جرائمه التي قامت بها. وهو صلح يتضمن التنازل عن أرض فلسطين (من التي احتلت قبل عام 1967) مما لا يملك أن يقوم به أحد حتى ولو كان خليفة للمسلمين، لأن ذلك هو تمكين للمستعمر والله سبحانه وتعالى يقول (في صيغة الإخبار ما يُحمل محمل الطلب والتشريع عند أهل الأصول): "وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً".

ورغم تسخير مشايخ السلطان للتضليل السياسي والتحريف الشرعي، واجه السادات معارضة قوية، فقام بحملة مسعورة على معارضيه، واعتقل منهم المئات، جريا على نهج الأنظمة المستبدة في كم الأفواه، ولكنه مع ذلك لم يستطع الهرب من عقاب الدنيا، حيث ناله بعد مرور أربع سنوات على زيارته التطبيعية للقدس، فلقي مصرعه على أيدي أفراد من أبناء الجيش، من الذين لم تنفع معهم فتوى الأزهر، بعدما كان قد صرّح لزوجته أنه غير مطمئن على حياته، وأن هنالك أمرا يدبر للقضاء عليه.

يمكن القول أن عقد السبعينات أغلق المشهد السياسي فيما يتعلق بقضية الصراع مع الدولة اليهودية على حالة من الانبطاح العربي، سواء المفضوح منه أو المتستر تحت شعارات الرفض والتصدي، مع إبراز النقاط التالية:

• رغم انبطاح قادة منظمة التحرير الفلسطينية (وبعد كل محاولات تجهيزها للدخول في مفاوضات)، ظلت القيادات اليهودية رافضة للتفاوض معها في السبعينات.

• مع نهاية السبعينات برز قادة حزب الليكود أكثر تطرفا وعبّروا عن نظراتهم التوسعية، وظلت الدولة اليهودية رافضة للمسيرة السلمية، وقد جرتها أمريكا للسلام جرّا.

• تمكن السادات من عقد الصلح، بعد الضغط الأمريكي، فتم تحجيم "إسرائيل" حتى لا تتوسع على حساب المصالح الأمريكية، و تم إخراج مصر من المعركة.

• رغم أن السادات سخّر علماء السلاطين لتبرير فعلته من خلال لي أعناق النصوص الشرعية والتضليل، ثارت الشعوب ضد ما اعتبرته خيانة من السادات وظلت الأمة رافضة للاعتراف بالكيان اليهودي.

رد مع اقتباس
  #11  
قديم 04-04-2012, 06:02 PM
الدكتور سعيد الدكتور سعيد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 947
تم الرد

القضية الفلسطينية بعد ستين عاما

1. إن فلسطين كأرض تميزت عن غيرها بالنسبة لنا نحن المسلمون لأن الله عز وجل قد ميزها (إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ) الأعراف 128 والله قد ميز أرضا عن أرض ووقتا عن وقت ورسولا عن رسول (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)البقرة 253) ووصفها ربنا عز وجل عن غيرها بالأرض المباركة في قوله تعالى {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ }الأنبياء71وقوله {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا)الانبياء 81 وقوله عز وجل {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الإسراء1
وفي الصحيحين عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم لا يضرهم من جابههم , ولا ما أصابهم من اللؤواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك) وفي رواية لأحمد قالوا يا رسول الله :وأين هم قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس)
إن التعلق العقائدي بين المسلم والأرض يضبطه الحكم الشرعي ,وقد كانت العلاقة بين المسلمين وبيت المقدس علاقة حددها ربنا عز وجل ,ولم نحددها نحن بناء على طيب عيش أو حسن مسكن,فالله جل وعلا جعل البيت المقدس قبلة المسلمين ,فاتجهوا بقلوبهم إليه حين صلاتهم, وهذا أمر لا يعلل ولا يلتمس له علة لأن الله أراد ذلك {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}الأنبياء23وكذلك حين اختص الله عز وجل هذه البقعة لتكون محل الإسراء وموضع المعراج.
2. لقد فتح الله بيت المقدس للمسلمين وجاء عمر بن الخطاب وكتب العهدة العمرية لأهلها وهذا نصها(بسم الله الرحمن الرحيم, هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين عمر أهل إيليا من الأمان ,أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم ولصلبانهم وبربها وسائر ملتها أنها لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينقص منها ومن حدِّها ولا من صليبهم ولا شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بإيليا معهم أحد من اليهود, وعلى أهل إيليا أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن وعلى أن يخرجوا منها الروم واللصوص, فمن خرج منهم فهو آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم, ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيليا من الجزية , ومن أحبَّ من أهل إيليا أن يسير بماله ونفسه مع الروم ويخلي بيعتهم وصليبهم حتى يبلغوا مأمنهم ,ومن كان فيها من أهل الأرض فمن شاء سار مع الروم , ومن شاء رجع إلى أرضه,فإنه لا يؤخذ منه شيء حتى يحصد حصادهم وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية.شهد على ذلك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان)الأنس الجليل ص 253
إن هذه المعاهدة التي كتبها عمر بن الخطاب وشهد عليها الصحابة لم ينقضها أحد من أمراء المؤمنين بعده وأقروها حتى لا يستطيع أحد أن يغير هذه المعاهدة إلا أمير المؤمنين القادم بإذن الله
لقد كان تتابع معارك المسلمين في فلسطين قد بدأ في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين بعث الجيوش الأربعة ومن قبلهم جيش خالد بن الوليد في العراق,فكانت معركة أجنادين سنة13 ه ثم تبعتها معركة فحل سنة 13 ه على نهر الأردن قبل الانتقال لفتح دمشق
لقد كانت معركة أجنادين ثم فحل مقدمة للمعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام فقد تلتهما معركة اليرموك ويشاء الله عز وجل أن تكون حطين في فلسطين معركة فاصلة ثم تليها معركة عين جالوت معركة فاصلة في تاريخ الإسلام
3. لقد أدرك الكافر أن العقيدة الإسلامية هي المحرك والدافع الذي لا يخبو عند المسلمين فأراد أن يفصلهم عن عقيدتهم, وزرع بذور القومية للدفاع عن نفسه وعقد معاهدة وستفاليا سنة 1648 للدول النصرانية للوقوف في وجه الدولة العلية العثمانية ,وقد غذيت القومية التركية بنفس القدر الذي غذيت به القومية العربية وأصبحت بريطانيا وفرنسا ملجأ وقبلة لدعاة القومية بل وداعما معنويا وماديا لها عربية أم تركية حتى تزرع الفتن في المجتمع الإسلامي لتفتيته
لقد بدأ السباق الاستعماري بين الدول الأوروبية حين أدركت هذه الدول ما تجنيه اسبانيا والبرتغال من ركوب البحر وغزو البلاد والحصول على الأموال والمواد الخام فتسابقت كل من فرنسا وبريطانيا وهولندا وألمانيا وبلجيكا وروسيا وايطاليا على الانقضاض على السواحل النائية وعلى الدول الضعيفة لاحتلالها ونهب ثرواتها
ولقد كانت مصر من هذه الدول التي انقضت عليها فرنسا سنة 1798 بقيادة نابليون بونابرت ... ثم زحف بعد ذلك إلى فلسطين وحاصر عكا وكان واليها –أحمد باشا الجزار- وطرح فكرة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين ولم تكن دعوته هذه من فراغ فقد سبقت الإشارة إلى أن ناقوس الخطر قد قرع عندما حوصرت فينا سنة 1682 ولم يسعفها من السقوط سوى معاهدة وستفاليا بين الدول النصرانية سنة 1648 ويقول أمين عبد الله محمود في كتابه مشاريع الاستيطان الصهيوني منذ قيام الثورة الفرنسية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى-(عقدت الدول النصرانية مؤتمر وستفاليا سنة 1648 وفي العام الثاني قدم (البيوريتان) أو التطهيريون الإنجليز عريضة إلى الحكومة البريطانية ورد فيها( إن الأمة الانجليزية مع سكان الأراضي المنخفضة سيكونون أول الناس وأكثرهم استعدادا لنقل أبناء إسرائيل وبناتها على سفنهم إلى الأراضي الموعودة لأجدادهم إبراهيم واسحق ويعقوب لتصبح إرثا دائما لهم) وهذا ما أعدته الدوائر الاستعمارية
وكذلك الأمر في فرنسا فقد أعدت خطة لإقامة كومنولث يهودي في فلسطين في مقابل تقديم اليهود قرضا لحكومة الإدارة الفرنسية, وأن يقوم اليهود بإشعال الفتن والفوضى في المناطق التي يرتادها الجيش الفرنسي بقيادة نابليون بونابرت لتسهيل احتلالها)
وفور وصول نابليون إلى الإسكندرية في تموز سنة 1798 حث فيه جميع اليهود في آسيا وإفريقيا على الالتفاف حول رايته(لإعادتهم) إلى القدس وإعادة بناء الهيكل مقابل مساعدتهم له في غزو فلسطين ثم كرر النداء ثانية أثناء حصاره عكا في نيسان 1799 باعتبارهم(ورثة فلسطين الشرعيين) المصدر السابق
لقد حركت تصريحات نابليون كوامن النهم الاستعماري وتسابقت الدول بإرسال رجال الدين وبناء الكنائس والأديرة والمستشفيات, وكانت جمعية لندن للتبشير بالمسيحية بين اليهود والتي تأسست سنة 1825 أسبق هذه الإرساليات ثم اشتركت بريطانيا وبروسيا سنة 1841 في تأسيس أسقفية انجليكانية في القدس, وأما روسيا فقد أسست إرسالية لها في القدس سنة 1841 وفي عام 1845 نقلت كرسي البطركية الأرثوذكسية من اليونان إلى القدس
لقد كانت بريطانيا أسبق الدول في تأسيس قنصلية لها في القدس سنة 1838 ثم لحقت بها فرنسا وبروسيا وسردينيا سنة 1843 والنمسا سنة 1849 واسبانيا سنة 1854 والولايات المتحدة سنة 1857 وروسيا سنة 1861 واليونان سنة 1862 وايطاليا سنة 1872
إن الدعوة لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين لم يكن حلاً لمشكلة يهود أوروبا بقدر ما كان استعمال الأوروبيين للمشكلة اليهودية واتخاذها ذريعة حتى يتمكنوا من التغلغل لداخل الدولة العلية العثمانية تحت شعار-حماية اليهود- وبشكل أوسع حماية الأقليات وهذا ما فعله (بالمرستون) أثناء وجوده في الحكم كوزير للخارجية ثم رئيساً للوزراء بين (1835-1865 ) حين ضغط على السلطان العثماني بواسطة سفيره في استانبول ليقبل بإسكان اليهود في فلسطين ثم أصدر أمراً لقناصله بوضع اليهود تحت الحماية البريطانية وضمان سلامتهم
وكذلك فعلت فرنسا حين دعا(ايزنست لاران )سنة 1860 وكان سكرتيراً لنابليون الثالث إلى تثبيت الوجود الفرنسي في الشرق العربي بإعادة بناء الدولة اليهودية في فلسطين
وكذلك مارست القنصلية البروسية نفوذها ضمن الإطار العام للسياسة الألمانية ومنحت حمايتها لليهود وقد بلغ النفوذ الألماني ذروته حين زار الإمبراطور الألماني القدس ورفض أن يدخل من أبوابها ففتح له باب هو (الباب الجديد) ليدخل القدس منه سنة 1898 حيث أهداه السلطان أرض تبلغ مساحتها دونمين ووضع عليها حجر الأساس لكنيسة الروم الكاثوليكية على جبل صهيون.
وكذلك فعلت روسيا فقد حصلت سنة 1774 على حق حماية الرعايا الأرثوذكس إلى أن عقد مؤتمر برلين سنة 1878 حيث دعمت روسيا موقفها في فلسطين وأضافت مساحات من الأرض في القدس والخليل ويافا والناصرة والرملة إلى المؤسسات الروسية وكذلك ايطاليا حين أسست قنصلية لها في القدس سنة 1872 واختلفت مع فرنسا لتحتكر وحدها حماية اللاتين وأمريكا لم تكن غائبة حين فتحت قنصليتها سنة 1857 ثم قام جماعة من الرعايا الأمريكيين بتأسيس مستوطنة لهم سنة 1866.
فكان لا بد لهذه الدول الاستعمارية من أن توجد لها ذريعة تتدخل بواسطتها في شؤون الدولة بل إن التنافس بين هؤلاء قد أوصلهم فيما بعد إلى حد شن الحروب لحفظ مصالحهم.... فكانت المسألة الشرقية كما يسمونها والدولة العلية العثمانية أو (الرجل المريض) هي محل الصراع بين هذه الدول وكانت مشكلة اليهود أو الأقليات عموما هي أداة الصراع التي استعملتها هذه الدول الاستعمارية .
4. لقد تزامن نشوء الحركة الصهيونية مع نشوء الاشتراكية-الشيوعية- ومع نشوء الماسونية كأداة للفت في عضد المسلمين ووسيلة لتفريقهم , ولقد كان للماسونية الدور البارز في القضاء على الدولة العلية العثمانية من خلال تغلغلها في مراكز اتخاذ القرار وسيطرتها على كبار الموظفين في تركيا وفي العالم العربي عبر الجمعيات التي تأسست كغطاء لها وللدعوة للقومية العربية هنا والدعوة للقومية التركية هناك
لقد استعملت الصهيونية كل أداة يمكن لها أن تصل عبرها لأهدافها ومن ضمن هذه الأدوات الماسونية كما أسلفنا واليهودية أيضا استعملت كدين من قبل الفكر الصهيوني والفرق واضح بين اليهودية كدين وبين الصهيونية كفكرٍ وظَّف هذا الدين لخدمته لزعزعة استقرار المجتمع
لقد عاش اليهود في كنف المسلمين عيشا طبيعيا حتى وصل أحدهم وهو(صمويل بن هنيغد) اسماعيل بن تغريلة إلى مرتبة الوزارة سنة 477ه ومنهم حسداي بن شبروط ومنهم موسى بن عزرا 532 ه وهو شاعر من غرناطة وتقول الباحثة (نافذة ناصر الشرباتي)في رسالة ماجستير لها بعنوان (اليهود وأثرهم في الأدب العربي في الأندلس)ص 28 ما نصه(ولم يأت القول بازدهار الجماعات اليهودية بالأندلس في المصادر العربية فحسب بل تردد هذا القول في كتب غير العرب حتى عند اليهود أنفسهم فأشار بذلك(جوستاف لوبون)بقوله إن اسبانيا العربية كانت البلد الأوروبي الوحيد الذي تمتع اليهود فيه بحماية الدولة ورعايتها ) لأن الحكم الشرعي بحق غير المسلمين في دولة الخلافة أنه لهم ما لنا وعليهم ما علينا وعندما سقطت الأندلس-أعادها الله- لجأ اليهود إلى الحاضن العادل لهم واستقروا في دولة الخلافة ما بين سالونيك إلى الخليل في كل أرجاء الدولة .
إن التاريخ لم يذكر أن اليهود قد عانوا الظلم أو الاضطهاد السياسي في دولة الخلافة ,ولم يروِ التاريخ أن اليهود قد أنشأوا تجمعا سياسيا ليدافع عن حقوقهم المسلوبة...وعلى سبيل المثال فإن الراب موسى بن ميمون كان الطبيب الخاص للناصر صلاح الدين,بعكس الأمر في أوروبا فلقد كانت الصهيونية اليهودية نتاج الظلم السياسي والقهر الاجتماعي الذي عانى منه اليهود في كل أوروبا إذ قامت ضدهم مذابح لا حصر لها.
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 12-04-2012, 01:08 PM
الدكتور سعيد الدكتور سعيد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 947
تم الرد

الأردن وفلسطين ... وفاق ثم فراق ... وغياب الآفاق


يستكمل هذا المقال عرض الحالة السياسية الباهتة خلال منتصف الثمانينات من القرن الماضي ضمن سلسلة "قضية" فلسطين، حيث استمرت "إسرائيل" في مقاومة التحركات نحو السلام، بينما استمر لهث الأنظمة والمنظمة نحو مسيرة الاعتراف بالاحتلال ضمن المشاريع الغربية.

كانت "إسرائيل" قد جددت جرائمها ضد المسلمين في لبنان مطلع الثمانينات بينما ظلت الأنظمة العربية منبطحة تماما، واستمرت الأنظمة في الترويج الإعلامي والسياسي للاعتراف بالاحتلال وترسيخ عقلية التسليم بالأمر الواقع، بينما استمرت قادة الكيان اليهودي في الانفلات من الضغوط عليهم لدفعهم نحو "السلام".

بعد مرحلة من الضعف، استعادت بريطانيا بعض العافية السياسية مطلع الثمانينات من القرن الماضي، وحاولت من جديد فرض حضورها الدولي، فعاد الصراع الانجلو أمريكي على المصالح في المنطقة يشتد، ولذلك برزت قضايا إقليمية مثل الحرب العراقية الإيرانية، استقطبت الاهتمام الدولي، وشغلت المنطقة دون ظهور أفق لإيقافها، وخصوصا بعد تحوّل ميدان الحرب إلى ساحة تنافس على المصالح الغربية، بينما لم ينزعج الغرب من سيل الدماء كونها إسلامية.

وكانت مشروعات الحلول السياسية قد تطورت في سياق ذلك الصراع الأنجلو أمريكي، فبرز مشروع الكيان الأردني الفلسطيني، ومشروع ريغان ومشروع الملك فهد. وخلال مرحلة الثمانينات حصل التقاء عربي دولي على فكرة الكيان الفلسطيني-الأردني المشترك، وكانت نسخته الأمريكية تتحدث عن "حكم ذاتي" وسلطة منتخبة تتحد "إداريا" مع الأردن، فيما تبقى خاضعة عسكريا لليهود، وحصل توافق نسبي مع رؤية بريطانيا التي كانت قد أعادت طرح مشروعها بإقامة دولة علمانية على الأرض التي تنسحب عنها "إسرائيل"، وتتحد فدراليا مع الأردن. ومع ذلك ظلّت الدولة اليهودية تتمرد على الحلول السياسية وترتكب الجرائم بحق المسلمين في لبنان، ويشجعها تخاذل الأنظمة العربية التي ظلت تتحدث عن السلام بينما تمارس "إسرائيل" الحرب.

وفي سياق المشروع البريطاني المعدل، والمتوافق نسبيا مع نظرة ريغان، وبعد الخروج من لبنان، وبعد قمة فاس، صارت منظمة التحرير الفلسطينية تتابع الخطى للدخول في مفاوضات مع الكيان اليهودي. وعقد المجلس الوطني الفلسطيني اجتماعه في الجزائر في 14/2/1983 (الدورة السادسة عشرة) لإعطاء الغطاء التفاوضي للمنظمة، من خلال التصديق على مقررات قمة فاس، وعلى ما تم التوافق حوله ما بين ياسر عرفات والملك حسين حول الدخول للمفاوضات.

وتماشى المجلس الوطني الفلسطيني مع المشروع السياسي المطروح لتصفية القضية، وقرر أن "تقوم العلاقة المستقبلية مع الأردن على أسس كونفدرالية بين دولتين مستقلتين"، مما عزز – في تلك الفترة- دور الملك حسين وحضوره السياسي على مسرح القضية، وصار يتطلع للقيام بنفسه بالمفاوضات مع "إسرائيل" حول قضية فلسطين، ويضع المنظمة تحت جناحه.

ولكنّ "إسرائيل" ظلت رافضة لمنظمة التحرير ولمبدأ التفاوض معها رغم كل محاولات تزيين المنظمة وتزيّنها أمام عيون قادة "إسرائيل"، وظلت "إسرائيل" رافضة بالطبع للانسحاب إلى حدود 1967، وخصوصا في ظل رؤيتها التوسّعية تحت حزب الليكود الرافض لمبدأ الانسحاب لأنه يعتبر فلسطين أرضا "إسرائيلية" لا يجوز التخلي عنها، وهو لا يختلف عن حزب العمل كثيرا، حيث يقبل الأخير مبدأ "التخلي الإداري"، بينما يصرّ على بقاء الهيمنة العسكرية والمستوطنات، وعلى وجود حزام أمني على نهر الأردن.

وكانت "إسرائيل" تحاول (مع نهاية السبعينات) إيجاد قيادة فلسطينية بديلة عن المنظمة في الداخل، فتمخضت محاولاتها في العام 1981 عن مشروع "روابط القرى" تحت عنوان "الإدارة المدنية"، لتزيين السيطرة العسكرية على مناطق الضفة الغربية وغزة، في سياق محاولاتها للانفلات من الضغوط للسير في المسيرة السلمية التي تتطلب الانسحاب (الإدارة المدنية الإسرائيلية: خلفية تاريخية).

وضمن تلك السياقات تصاعدت الأحداث في الضفة الغربية، وخصوصا في أجواء تشكيل روابط القرى، فاستغلت "إسرائيل" الهبّات الشعبية لمقاومة التحركات السياسية التي تُفرض عليها، كعادتها للتملّص من السير في المسيرة السلمية التي تَفرِض عليها الانسحاب الجزئي، وخصوصا وهي تلاحظ تبلور التوجهات السياسية وعلى رأسها مشروع فهد بن عبد العزيز، وتعلم أنها ستقع تحت ضغط شديد من أمريكا. وفي ظل تلك الهبات الشعبية واستغلالها من قبل قادة "إسرائيل" تعذّر السير في مشروع ريغان، رغم أن سقفه كان "حكما ذاتيا" مرتبطا بالأردن.

ومع نهاية العام 1983، وفي سياق الصراع على النفوذ في منظمة التحرير، تعرضت المنظمة لحصار ثان في طرابلس شمال لبنان (بعد الحصار في بيروت والخروج منها عام 1982)، وذلك بعدما عاد إليها عرفات سرا، لمتابعة المواجهات مع القوات السورية، والصراع مع المنشقين عنها الذين انحازوا إلى سوريا. وسالت دماء الفلسطينيين رخيصة على مذبح المكائد والمؤامرات التي حيكت ضدهم، وانتهت بإخراج الآلاف المتبقية من المقاتلين من طرابلس من خلال تنسيق دولي شبيه بمشهد الخروج من بيروت، وذلك في أيلول 1983، وكانت الوجهة هذه المرة نحو اليمن، وتحت الحماية الفرنسية مرة أخرى.

وكانت سوريا تستهدف تركيع المنظمة لهيمنة الأسد، وبالتالي لتكون منقادة تماماً للإرادة الأمريكية. وبالطبع لم تكن أمريكا معنية بالقضاء على ياسر عرفات، لأنها بحاجة لمن يقود مسيرة المنظمة نحو الاعتراف بالاحتلال اليهودي، وكان عرفات قد قطع شوطا مهما في ذلك منذ السبعينات، وصولا إلى التوقيع على وثيقة مكلوسكي، والموافقة على مقررات قمة فاس ومشروع الملك فهد. وهو الذي تم إبرازه ("كمفوّض"!) للتوقيع نيابة عن الفلسطينيين على الصلح.

ولذلك عملت أمريكا على تسهيل إجلاء عرفات ورجاله من طرابلس بسلام، بل وضغطت أمريكا على "إسرائيل" (التي تبغض المنظمة ورئيسها) من أجل حمايته. وتم ترويض عرفات ومن معه للرضوخ التام للغرب، وهو يخرج بالتنسيق الأمريكي وتحت الحماية والفرنسية للمرة الثانية. وحققت أمريكا بعد ذلك الخروج مهمة طي صفحة "الكفاح المسلح" من قبل الفدائيين في لبنان، وتحويل المنظمة إلى كيان سياسي بحت. وتمّت سيطرة سوريا على ما تبقى من الفدائيين في لبنان، بعدما سيطرت على من انحاز إليها خلال الانشقاق. فصار تحركهم تلقائيا ضمن الأطر التي تسمح بها سوريا.

وكمؤشر عاجل على نجاح الترويض وعلى الجاهزية للانبطاح التام، أصرّ عرفات على زيارة القاهرة في طريقه البحري لرحلة الخروج من طرابلس، رغم معارضة قيادات في المنظمة، وذلك لدى مرور سفينة الرحيل عبر قناة السويس. وزار عرفات القاهرة رغم أنها كانت تحت المقاطعة العربية (الصُورية) بسبب توقيع اتفاقية السلام (المنفردة) مع "إسرائيل"، بل روّج عرفات لعودة مصر إلى موقعها داخل المجموعة العربية. وقد كانت تلك الزيارة دلالة واضحة على تبلور رؤية راسخة عند عرفات للسير في مسيرة الاعتراف بالاحتلال والصلح.

وحيث أن المشاريع السياسية كانت تلتقي عند الكيان المشترك مع الأردن، وحيث أن المجلس الوطني الفلسطيني (عام 1983) أقر مبدأ الكونفيدرالية مع الأردن، دخلت القضية في منتصف الثمانينات تحت جناح الملك حسين لبعض الوقت، ولذلك حاول الملك حسين التحضير للسير في المسيرة السلمية حسب برنامجه وعبر شخصه. وحاول تهيئة الأجواء في الأردن من خلال قمع الأصوات المعارضة للصلح، من صفوف الفدائيين غير الموالين لياسر عرفات، ومن المعارضين للحلول السلمية تحت ذرائع متعددة، تضمنت افتعال قلاقل داخلية ودعاوى التهديدات الأمنية.

ثم تحرك الملك حسين نحو أمريكا لإطلاق مسيرته في ربيع 1984، ولكن ريغان رده خائبا، حيث لم تنشط أمريكا في تلك الفترة في مجال القضية، وقد كانت سنة انتخابات (تُدخل الإدارة الأمريكية ضمن حالة البطة العرجاء)، وخصوصا أن الحرب العراقية الإيرانية كانت تحظى بالاهتمام الأكبر. وظل التباطؤ الأمريكي سيد الموقف في متصف الثمانينات.

ولكن الملك حسين ظلّ يحاول الدفع نحو احتواء القضية تحت جناحه من خلال مشروع الكيان المشترك، فدعا المجلس الوطني الفلسطيني للانعقاد في عمان في تشرين الثاني 1984 من أجل الحصول على تأكيد التزام المنظمة بالسير تحت مظلته، وطرح على المجلس "المبادرة الأردنية- الفلسطينية المشتركة"، والمبنية على القرار الأممي رقم 242 كأساس للتسوية، وعلى مبدأ الأرض مقابل السلام. وتمشيا مع مقترحات الملك حسين، أكدت قرارات المجلس الوطني الفلسطيني على توطيد العلاقات مع الأردن وتنسيق الجهود للتحرك المشترك.

وكانت أجواء المجلس تشير إلى حالة من الانبطاح نحو مسيرة الاعتراف إذ جاء في كلمة صلاح خلف (الرجل الثاني في منظمة التحرير) أن العمل الفدائي عاجز عن أن يحرر شبرا واحدا من فلسطين. ودعا المجلس "اللجنة التنفيذية لمتابعة الحوار والتنسيق مع الأردن، طبقاً لمقررات دورة المجلس الوطني السادسة عشرة، ومع الالتزام بمقررات القمم العربية في الرباط وفاس، وخاصة المشروع العربي للسلام، منطلقاً للتحرك السياسي" (الدورة السابعة عشرة).

وركزت قرارات المجلس على تثبيت ياسر عرفات على رأس المنظمة، إذ نصت قراراته على "إدانة كافة المحاولات التخريبية الهادفة إلى شق منظمة التحرير الفلسطينية، وتمزيق صفوفها، أو اصطناع قيادات بديلة عنها". وقد عقد المجلس في عمان بعدما "تعقّدت أمور عقد المجلس الوطني الفلسطيني في دمشق لأن حافظ الأسد اشترط عقده بدون ياسر عرفات"، ونجح المجلس في "تجديد انتخابه رئيسا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير" (الرئيس القائد).

وتتابعت المباحثات الأردنية الفلسطينية على ذلك الأساس حتى أقرت الاتفاق المشترك في 11/2/1985، ووقع ياسر عرفات مع الملك حسين "خطة العمل المشترك الأردني-الفلسطيني" التي تضمنت الموافقة على خطة لمباحثات سلام من خلال عقد "مؤتمر دولي تشارك فيه منظمة التحرير الفلسطينية" ضمن وفد مشترك مع الأردن، على "أسس الشرعية الدولية التي تمثلها قرارات الأمم المتحدة"، للوصول إلى علاقة كونفدرالية لدى قيام الدولة الفلسطينية، والاعتراف المتبادل مع الكيان اليهودي ( اتفاق عمان 11 فبراير 1985).

وتحسنت علاقة المنظمة بالأردن على إثر ذلك الاتفاق (بعدما كانت قد تردت نتيجة أحداث أيلول عام 1970)، وباركت بريطانيا "خطة العمل المشترك الأردني-الفلسطيني"، خلال زيارة قامت بها رئيسة وزرائها لعمان في 20/9/1985، إذ أعلنت أنها تقف مع الأردن في مبادرته مع منظمة التحرير، وأرادت من خلالها إعادة الثقة ببريطانيا في المسرح الدولي، وإحراج أمريكا في المنطقة.

ولكن "إسرائيل" ظلّت تصرّ على رفض فكرة الانسحاب، وظلّت ترفض مبدأ التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية رغم انبطاح الأخيرة، وبلورت اقتراحات "بتطبيق الحكم الذاتي من طرف واحد على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة" (الكنيست الحادية عشرة). وفي محاولة التفافية على التحركات السياسية، قام بيرس في العام 1985 بزيارة للمغرب في حراك كاذب نحو "عملية السلام"، ومن ثم التقى بعد عودته بعدد من الشخصيات الفلسطينية من الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن محاولات "إسرائيل" لإيجاد زعامة بديلة عن المنظمة.

وفي تلك الفترة وفي سياق مقاومة الضغوط للسير في مسيرة سلمية تقودها للانسحاب، تفتق حزب الليكود عن فكرة الوطن البديل في الأردن كحل لمشكلة الفلسطينيين، وبرز في حينه مبدأ التسفير (Transfer)، بعدما كان قادة "إسرائيل" ينظرون بأهمية لبقاء كيان الأردن كصمام حماية لدولتهم وحرس حدود. وبالطبع، أدخل ذلك التوجه "الإسرائيلي" قلقا بالغا لدى الملك حسين على مصير المملكة، وتخوّف من طرد مزيد من الفلسطينيين نحو الأردن ومن ثم هيمنتهم على كيانه، فعمل في تلك الفترة على تقييد سفر الفلسطينيين للأردن تحسبا لتنفيذ حزب الليكود لرؤيته. وأعاد الملك حسين علاقة الأردن مع مصر بعد التخلي عن فكرة المقاطعة من أجل المساعدة في منع تسفير الفلسطينيين للأردن.

ودفعت تلك التخوفات الملك حسين للتخلّي عن فكرة الكيان المشترك، حيث خشي من أن يتمخض عنه سيطرة الفلسطينيين على المملكة، ولذلك ألغى الملك حسين الاتفاق عام 1986، ثم ألغاه المجلس الوطني الفلسطيني عام 1987.

ومع حصول تغيّر في الحكومة "الإسرائيلية" وتشكيل ائتلاف بين حزبي العمل والليكود مع منتصف الثمانينات، كانت هنالك أزمة اقتصادية خانقة لدى الكيان اليهودي، وخصوصا بعدما أنهكتها الحروب المتلاحقة، وصارت "إسرائيل" أكثر حاجة للدعم الأمريكي، ولكن أمريكا ظلت منشغلة عن قضية فلسطين. وتعاظم الانشغال الدولي والعربي بالحرب العراقية الإيرانية، فلم تُجدِ التحركات السياسية لدفع المسيرة السلمية، فيما عدا ترسيخ انبطاح الأنظمة العربية والمنظمة. ولم تتمخض محاولات التحرك الفلسطيني الأردن المشترك عن شيء يذكر في الواقع.

وهكذا اتسمت فترة منتصف الثمانينات بتذبذب العلاقة بين الأردن وفلسطين ما بين الوفاق والفراق، وطغت فكرة الكيان الأردني الفلسطيني المشترك على الساحة السياسية لفترة من الزمن ثم انتهت، وظلت قضية فلسطين دون آفاق للحل، وخصوصا في ظل انشغال أمريكي بملفات أخرى، وتَطوّرت أفكار التهجير عند قادة "إسرائيل".


رد مع اقتباس
  #13  
قديم 18-04-2012, 01:33 PM
الدكتور سعيد الدكتور سعيد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 947
تم الرد

انتفاضة ذاتية تمتطيها قوى الشر لحرفها عن مسار التحرر

يتناول هذه المقال مرحلة انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى والأجواء التي اشتعلت فيها، ويبين كيفي تم امتطائها من قبل القوى السياسية ومن ثم حرفها عن مسارها التحرري، وذلك ضمن سلسلة "قضية" فلسطين.

لم تحدث تطورات جوهرية في مسيرة الحلول السلمية خلال عقد الثمانينات، رغم تصفية الكفاح المسلح بعد إخراج المقاتلين الفلسطينيين من لبنان، ورغم تحوّل منظمة التحرير الفلسطينية إلى كيان سياسي يغرد (بل ينعق) ضمن سرب الأنظمة العربية اللاهثة نحو الحلول السلمية، ويتآمر معها للصلح مع "إسرائيل" على أساس القرارات الدولية، ورغم اتفاق المنظمة –المرحلي- مع الأردن على فكرة "الكيان المشترك"، ورغم حصول توافق في الرؤى الدولية حول إيجاد كيان فلسطيني يتحد مع الأردن بنوع من العلاقة السياسية، إذ أصرّت "إسرائيل" على رفض فكرة الانسحاب، وظلت ترفض مبدأ التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية رغم انبطاح الأخيرة، وحاولت "إسرائيل" إيجاد قيادة فلسطينية بديلة.

وبعد تشكيل حكومة ائتلاف "إسرائيلية" من حزب العمل وحزب الليكود برئاسة شمعون بيريز من حزب العمل (الذي يقبل مبدأ منح الفلسطينيين صلاحيات "الحكم الإداري" المرتبط مع الأردن)، أخذ بيريز يتحدث عن استعداد حكومته للدخول في مفاوضات مباشرة مع الملك حسين ومع شخصيات فلسطينية من خارج إطار منظمة التحرير الفلسطينية. وجاءت تصريحات بيريز كأنها إعادة عزف لألحان مشروع آلون الذي سبقت بلورته في السبعينات من القرن الماضي . وهو مشروع يقبل مبدأ ضم التجمعات السكنية الفلسطينية إداريا إلى الأردن، على شكل "كنتونات" مقطعة الأوصال، فيما تحافظ "إسرائيل" على الهيمنة العسكرية والاقتصادية.

وأمام تلك المواقف "الإسرائيلية" المتعنتة، تباطأت أمريكا في سعيها لحل القضية الفلسطينية، فيما ظلّت تتحيّن الفرص لتهيئة الكيان اليهودي للقبول بمبدأ الحلول والمفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية، إذ كانت أمريكا تصرّ على مباشرة الفلسطينيين بأنفسهم عملية التنازل عن الأرض والتوقيع على معاهدة الصلح من أجل الوصول إلى حل نهائي، وقد أسست وجهّزت منظمة التحرير لهذا الغرض. وإضافة لموضوع إشراك المنظمة بالمفاوضات، توجهت أمريكا خلال عقد الثمانينات للتخطيط لأن يتوافق مسار الحل مع سوريا مع مسار الحل الفلسطيني أو أن يسبقه.

ثم تصاعد الحديث في أروقة الدول الكبرى عن عقد مؤتمر دولي للسلام، وتجاوبت الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية مع الفكرة، إذ انعقد المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر في نيسان 1987 من أجل توحيد الفصائل الفلسطينية على موقف القبول بالحلول السياسية والمصادقة على اشتراك المنظمة بالمؤتمر الدولي تحت قيادة ياسر عرفات بعد "حوار وطني شامل" وتحت شعار "أهمية دعم وترسيخ الوحدة الوطنية الفلسطينية"، ونصّت مقرراته على العمل "في إطار مؤتمر دولي فاعل تشارك فيه الدول الأعضاء دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وكافة الأطراف المعنية بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية على قدم المساواة مع الأطراف الأخرى" (الدورة الثامنة عشر).

ومع ذلك، ظلّت "إسرائيل" تضع العراقيل أمام أي محاولة للمضي قدما نحو السلام الذي يفرض عليها الانسحاب. ثم أربكت إدارةَ ريغان فضيحةُ قيام الإدارة الأمريكية سرا ببيع أسلحة إلى إيران بينما كانت في حرب ضروس مع العراق ("إيران جيت" ... جريمة تهريب سلاح بـ"توقيع الرئيس")، (ومن الجدير هنا الانتباه إلى عراقة العلاقة بين النظام الإيراني الذي يدّعي الممانعة وبين أمريكا). ولذلك تعذّر على أمريكا دفع المسيرة السلمية من جديد، في مشهد كرر العراقيل التي واجهها نيكسون ضمن فترة السبعينات.

في هذه الأجواء من جمود المشهد السياسي دون تقدم سياسي ملموس، وفي ظل انبطاح الأنظمة العربية ولهث منظمة التحرير خلف الحلول السلمية، فاجأت انتفاضة فلسطين الأولى جميع اللاعبين بعفويتها الشعبية، عندما اندلعت بعنفوان في 9/12/1987. وصار الشعب في المقدمة وصارت القيادات والأنظمة في المؤخرة، تحاول اللحاق بالشعب الثائر الذي تمرّد على محتله وعلى محاولات كبته ومعاناته في ظل المعاملة الوحشية من قبل الاحتلال "الإسرائيلي", وتمرّد على الإحباط وخيبة الأمل من كافة اللاعبين على الساحة السياسية الرسمية من الذين ظلّوا يصرون على مسيرة السلام والتنازل عن الأرض، وعلت أصوات التحرر الشعبية فوق أصوات الانبطاح الرسمية.

وقد احتشدت مجموعة من الشرارات الصاعقة التي فجّرت الانتفاضة في شعب قابل للاشتعال، منها العملية الفدائية البطولية التي قام بها خالد أكر، عندما قاد طائرة شراعية اخترقت جميع الدفاعات "الإسرائيلية" الجوية الحصينة، وهبط في قاعدة عسكرية وهاجم جنودها بجرأة وبطولة فريدة، فقتل منهم من قتل وفر البقيّة من أمامه مذعورين، وجدد بذلك العمل البطولي الفذ معنويات المسلمين في فلسطين، وجدد نفسيّاتهم بمشاعر التحدّي، فيما أضعف المعنويات لدى الجنود اليهود. وتضافرت أجواء تلك العملية مع جريمة اعتداء وحشي من قبل سائق سيارة "إسرائيلي" ضد ثلاث شبان فلسطينيين قتلهم بوحشية، فاجتاحت أهل فلسطين غضبة إسلامية هائلة، فجرت الأرض تحت أقدام الاحتلال في بركان زلزل كيان الاحتلال في حينه، وبعث في الأمة حب الاستشهاد، وتصدّر المسلمون المخلصون واجهة المواجهة على الأرض، وبدأت القضية تُشحن من جديد بطاقة الإسلام الذي يرفض الاحتلال ويرفض الحلول السلمية.

لا شك أن الانتفاضة أربكت جميع القوى السياسية المحلية والإقليمية والعالمية، وفرضت قضية فلسطين نفسها على الأجندات السياسية لجميع الأطراف من جديد: فعلى الصعيد العالمي، وجدت أمريكا في الانتفاضة أداة ضغط على "إسرائيل"، فيما وجدت بريطانيا فيها فرصة لمماحكة أمريكا وفضح تباطؤها في السير نحو السلام أمام تعنت "إسرائيل".

أما الأنظمة العربية، فلم تملك إلا أن تفتح المجال لدعم الانتفاضة إعلاميا حتى تحافظ على هدوء الشعوب وتتجنب ثورات عنقودية تلحق بها. وفاجأت الانتفاضة الملك حسين الذي كان يحاول خلال الثمانينات أن يتصدر المشهد التفاوضي، وأن تكون القضية تحت مظلته، وحاول ذلك مع المنظمة من خلال مبدأ الشراكة السياسية، وتماشى أيضا مع "إسرائيل" في محاولة إيجاد قيادات بديلة للتفاوض معها.

وبالطبع، كانت منظمة التحرير الفلسطينية من بين تلك القوى التي ارتبكت وفاجأتها الانتفاضة، حيث كان المجلس الوطني الفلسطيني قد عقد دورته الثامنة عشر في الجزائر (الدورة الثامنة عشر) في نيسان من العام 1987، أي قبل أشهر من انطلاق الانتفاضة، يتحدث فيها عن الحلول السلمية عبر المؤتمر الدولي (كما ذُكر أعلاه). وأمام هبات الناس وصرخاتهم، خشيت المنظمة أن تفلت الأمور من يدها، وخصوصا بعدما أبرزت الانتفاضة تلقائيا مجموعة من القيادات الميدانية داخل فلسطين، وتزامن ذلك مع انطلاق حركة المقاومة الإسلامية –حماس، وبروز حركة الجهاد الإسلامي، واشتعال الثائرين بدافع حب الاستشهاد، مما أبرز العمل المقاوم تحت شعار الإسلام.

ولم تتأخر المنظمة عن ركوب الموجة، وبادرت باستغلال ذلك الزخم الشعبي، وقفزت فوق الشعب، واحتضنت الانتفاضة وسخّرتها كرافعة سياسية قبل أن تتجاوزها. ومع ذلك، لم تخجل قيادات المنظمة من متابعة اللهث نحو الحلول السلمية (التي تبلورت كرؤية ثابتة للمنظمة)، حتى في أجواء الانتفاضة الثائرة، حيث دعا بسام أبو شريف -المقرب من ياسر عرفات- في رسالة نشرها في حزيران 1988 إلى السلام والتعايش مع "إسرائيل" (مشاريع التسوية السلمية للقضية الفلسطينية). وتمكنت المنظمة من اتخاذ الانتفاضة أداة لترسّخ أنها "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني"، واستغلتها للضغط نحو الدفع لعقد المؤتمر الدولي للسلام، الذي كان يتبلور لدى القوى الدولية بإشراك المنظمة في المفاوضات.

وفي سياق الاستغلال السياسي، حركت أمريكا وسائل الإعلام لإبراز وحشية الجيش "الإسرائيلي" ضد المنتفضين من أجل الضغط عليها للقبول بالسلام، ثم تحركت سياسيا من خلال وزير خارجيتها شولتز، الذي كرر زياراته المكوكية للمنطقة وزار القدس وعمان ودمشق والقاهرة والرياض، ضمن حراك سياسي متجدد. وطفت على السطح من جديد مبادرة شولتز، كتحريك لمشروع ريغان، الذي انبثق مطلع الثمانيات إثر ترحيل المنظمة عن بيروت، وقامت فكرته على إيجاد كيان فلسطيني متحد مع الأردن، وحاول شولتز وضع "إسرائيل" أمام منظمة التحرير لدفعها للتفاوض معها.

ولكن تحركات شولتز لم تفضي لأي تغيير في الموقف الإسرائيلي، بل إن تحركات أمريكا السياسية وقرارها مباشرة الحوار مع المنظمة، دفع ائتلاف الليكود وحزب العمل نحو الاتفاق على إعادة تأليف حكومة الوحدة الوطنية والعمل تحت رئاسة الليكود، ليكون في واجهة التصدي حسب رأيه الأكثر صلابة وممانعة أمام الحلول السلمية، حيث يرفض مبدأ الانسحاب رفضا باتا (إضافة لرفض التفاوض مع المنظمة كقاسم مشترك مع حزب العمل)، بل تصاعدت لديه نبرة الحديث عن الأردن كوطن (بديل) للفلسطينيين. وزادت "إسرائيل" عنجهية وإجراما، فأقدمت في نيسان 1988 على اغتيال قائد العمليات العسكرية، الزعيم الفلسطيني "أبو جهاد"، رحمه الله، حيث اخترقت جسده الفدائي رصاصات "الموساد الإسرائيلي" في منزلة في تونس، حيث كان المقر الرئيس لمنظمة التحرير.

ورغم أجواء الانتفاضة الكفاحية ورغم عدوانية الكيان اليهودي الوحشية، ظل خطاب الأنظمة العربية مستخذيا، إذ طالب مؤتمر القمة العربية في الجزائر في حزيران 1988 (في غضون شهرين من جريمة اغتيال "أبو جهاد") "بعقد المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط تحت إشراف الأمم المتحدة وعلى قاعدة الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة"، وضلل المؤتمر الشعوب بالحديث عن تقديم الدعم للانتفاضة (تاريخ القمم العربية).

وبعد ما يقرب من سنة على انطلاق الانتفاضة انعقد المجلس الوطني في الجزائر من جديد في تشرين الثاني 1988، لتجدد المنظمة تأكيدها على الانبطاح نحو الاعتراف بالاحتلال، حيث "أكد عزم منظمة التحرير الفلسطينية على الوصول إلى تسوية سياسية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي". وبدل أن يتوعد المجلس الوطني برد قوي على مقتل رفيق الدرب "أبو جهاد"، وبدل أن يستلهم نفس الثورة من الشعب، وبدل التباحث في ترتيبات الانتقام من رؤوس "إسرائيل"، أبدى المجلس استعداده الكامل لحفظ أمن الاحتلال ضمن الحل السياسي الذي يلهث حوله، حيث نصت مقررات المجلس على "ترتيبات الأمن والسلام لكل دول المنطقة". وأكّد المجلس الوطني على "ضرورة انعقاد المؤتمر الدولي الفعال الخاص بقضية الشرق الأوسط" (الدورة التاسعة عشر). وهكذا عمل المجلس على توجيه الانتفاضة نحو دولة في حدود عام 1967 (كأقصى تطلعات)، وتكون ذات مهمة أمنية تحفظ أمن الاحتلال المجرم. مما يعتبر إشارة مبكرة للمشروع الأمني الذي كانت المنظمة تُضمره لأهل فلسطين حتى وهم يهبون في وجه الاحتلال

وفي مشهد مسرحي لاستثارة مشاعر الفلسطينيين، وعلى غرار فقاعات البطولة الزائفة التي ظل ياسر عرفات يطلقها في فضاء القضية، أعلن عرفات في تلك الدورة عن قيام "الدولة الفلسطينية" على أساس القرارات الدولية، وبيّن المجلس الوطني "أن العلاقة المستقبلية بين دولتي الأردن وفلسطين ستقوم على أسس كونفدرالية"، وذلك في محاولة توفيقية بين الرؤى الدولية والعربية المتآمرة على قضية فلسطين. وباركت أمريكا قرارات المجلس الوطني إذ اعتبرتها بادرة إيجابي. ومن الجدير ذكره أنه خلال أشهر من ذلك الإعلان تم الاعتراف بالدولة الفلسطينية (الورقية) من قبل ما يقرب من 120 دولة، مما جسد زخما جديدا لحل الدولتين (الأمريكي) (مشاريع التسوية السلمية للقضية الفلسطينية).

وعادت مخاوف الملك حسين للظهور من جديد، وأحس بالخطر على كيان الأردن وعلى عرشه من رؤى حزب الليكود ومن خطر التهجير، وظلّت الرؤية لكيان "فلسطيني أردني مشترك" مبعث قلق لديه، بعدما كانت وسيلة للهيمنة على مشهد القضية (منتصف الثمانينات)، فأعلن الملك حسين في تشرين الثاني 1988 "فك الارتباط" مع الضفة الغربية، وتخلّى الأردن بذلك الإعلان عن العلاقة الإدارية والقانونية معها، محاولا –في الوقت نفسه- عرقلة مبادرة شولتز المستند إلى فكرة الربط مع الأردن، ومستهدفا إحراج أمريكا دوليا (التسلسل الزمني لتاريخ فلسطين 1980-1995)، وكركبة تحركات المنظمة ولهثها خلف الحل من خلال المشروع الأمريكي.

وجدد ياسر عرفات تماشيه مع التوجهات الأمريكية للحل من خلال التوقيع على "وثيقة ستوكهولم" في 7/12/1988 معربا فيها عن اعتراف صريح بدولة "إسرائيل" والقبول بالقرارات الدولية ونبذ "الإرهاب" (مشاريع التسوية السلمية للقضية الفلسطينية)، ومن ثم التزم نفس العبارات التي حددتها أمريكا له، وضمّنها في خطابه في اجتماع الأمم المتحدة في جنيف في 14/12/1988، وأطلق في حينه ما عرف "بمبادر السلام الفلسطينية"، وعلى إثر ذلك أعلنت أمريكا فتح الحوار مع المنظمة، وبدأ بالفعل في تونس بعد يومين من خطاب عرفات المذكور مع سفير أمريكا فيها.

وعندما قام ياسر عرفات بما أطلق عليه –سُخفا- "هجوم السلام الفلسطيني"، رد شامير في أيار 1989 بما يسمى مشروع شامير للحكم الذاتي، وقد كان استنساخا لنصوص الشق الفلسطيني من اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، وركّز فيه على إجراء انتخابات في الضفة والقطاع (ما عدا القدس الشرقية) لاختيار ممثلين من خارج المنظمة للتفاوض حول إقامة حكم ذاتي في مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات، يتم بعدها الاتفاق على الوضع النهائي، وكان ذلك تأكيدا على رؤية حزب الليكود الرافضة للتخلي عن الأرض والتفاوض مع المنظمة (مشاريع التسوية السلمية للقضية الفلسطينية).

ولما جاء الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، تابع السير على نهج سلفه ريغان، ولكنّ بداية مرحلته تزامنت مع رئاسة شامير من حزب الليكود للحكومة "الإسرائيلية"، وهو الرافض للمؤتمر الدولي ولمبدأ التفاوض مع المنظمة ومبدأ الانسحاب لإقامة دولة فلسطينية غرب نهر الأردن, بغض النظر عن طبيعة الكيان المنشود وعن ربطه باتحاد فدرالي أو كونفدرالي مع الأردن. وأخذت أمريكا تحاول ترتيب الأوراق العربية، ودفعت الأنظمة العربية لإعادة مصر إلى الجامعة العربية, ودفعت لانعقاد مؤتمر القمة العربية في الدار البيضاء في أيار 1989 بدعوة ومبادرة من الملك الحسن الثاني، وهو الذي كان دائم اللهث لدفع الحلول السلمية، وكان الحسن الثاني يقترح على الأنظمة العربية تفويض من يقنع "إسرائيل" بقبول المؤتمر الدولي، والتفاوض مع منظمة التحرير.

وقررت قمة الدار البيضاء تبنّي توجهات منظمة التحرير الفلسطينية نحو المسيرة السلمية، بعد تعبيد الطريق لها من خلال حوارها مع أمريكا، "وبارك المؤتمر قيام الدولة الفلسطينية المستقلة"، مع قرار إعادة مصر للجامعة العربية (دون أن تلغي مصر اتفاقية كامب ديفيد التي كان العرب يدّعون أنهم قاطعوا مصر لأجلها)، وجددوا التأكيد على انبطاحهم حسب ما أقرّت قمتهم في فاس عام 1982، ودعموا "مبادرة السلام الفلسطينية"، وجددوا التأييد لعقد المؤتمر الدولي للسلام.

وتحركت أوروبا لتوجد لها موطئ قدم في ساحة حل القضية، وعقدت مؤتمر مدريد لمجموعة الدول الأوروبية في حزيران 1989، وأوصى بيان المؤتمر منظمة التحرير "بالبدء بأي نوع من المفاوضات مع إسرائيل لحل القضية الفلسطينية" .وتجاوبت حركة فتح مع التوجيهات البريطانية -بعراقة التبعية البريطانية لقياداتها في تلك الفترة- فاعتمدت حركة فتح إستراتيجية المفاوضات والحل السلمي (التسلسل الزمني لتاريخ فلسطين 1980-1995)، وهو ما تترجم عمليا في المفاوضات السرية التي خاضتها رجالات فتح والمنظمة، كما يتناولها مقال لاحق ضمن هذه السلسلة.

وهكذا اختُتِم مشهد عقد الثمانينات من القرن الماضي بمفاجأة الانتفاضة التي انطلقت بعفوية شعبية وإخلاص من الثائرين بينما حاولت كل القوى المتآمرة على قضية فلسطين تسخيرها لخدمة غايتها التصفوية، وظلت القضية تدور في حراك سياسي غير مجد أمام تعنّت "إسرائيل"، ولعدم تمكّن أمريكا من ترويض شامير وحزب الليكود. وظلّت "إسرائيل" تختلق أجواء سياسية تساعدها في مقاومة الحراك نحو الحلول، وتستغل غضبات الفلسطينيين وهباتهم لتبرير مواقفها من العملية السلمية، فيما ظلت المنظمة تقدم التنازلات المتلاحقة، وترد على اغتيال "أبو جهاد" بالإعلان عن قابليتها لحماية أمن "إسرائيل" ضمن حل سياسي!
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 28-04-2012, 01:09 PM
أبو الفرج أبو الفرج غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 404
افتراضي


بسم الله الرحمن الرحيم
هذه وجبة دسمة تحتاج لأمعاء الشرفاء ليهضموا ما جاء فيها
وحيث أني كنتُ هناك من ما بعد البداية بقليل أقول:
ما أن تشكل جيش التحري في العام 1964، وانطلق العمل الفدائي بعد ما جرى في العام 1967
حتى تسابقت الأنظمة العربية في إنشاء فصائلها (المقاومة).
كل الأنظمة العربية إلا من رحمَ ربي.
ما قبل 21/3/1968 كان الاستعداد للتصدي لتهديدات (موشيه ديان) وزير حرب الكيان الغاصب
في بلدة الكرامة.
عرضَ الملك حسين على ياسر عرفات أن دعك من هذا وتعال لتكون رئيس وزراء.
وإغراءاتٍ كثيرة.
وانهزم منَ الكرامة من يدعي اليوم أنه رب الممانعة (أحمد جبريل) ومن معه لأسبابه الخاصة.
وكانت معركة الكرامة، وانتصر الجيش الأردني للمقاومة بأن دعمها وساندها بعمل يُحسب له كشريك في ما تحقق من انتصار.
ولكن هذا خيَّبَ أمل بعض الأَنظمة العربية..
فظهرت منظمة فتح الإسلام، ولأيام.
ثم ظهر منظمة طلائع حرب التحرير الشعبية، الصاعقة، والتي انهارت إبان حرب العام 1982، وانضم أغلب كوادرها لحركة المقاومة.
وظهر فصيل آخر الجبهة العربية، نتاج حزب البعث العراقي.
وتوالت الفصائل، كل من معه شيء من المال، وسند من دوله أنشأ تنظيم.
ثم بدأ التناحر، والتآمر للإنقضاض على الثورة.
وقد كان في العام 1970 ، عقب ما قامت به الجبهة الشعبية من إعلان مطار المفرق مطارًا للثورة
وفجرت الطائرات.
وحينها طلب الملك حسين من ياسر عرفات أن لا يتدخل حيث أن الجيش الأردني سيعاقب الجبهة الشعبية.
ورد عرفات (أُكلتُ يومَ أُكلَ الثور الأبيض). وكان ما كان.
وخرجت الفاصائل إلى لبنان حيث المقتل، بالمالِ، وبالجمال، وبالمناصبِ، وبالتناحر.
والحديث طويلٌ وطويل..
كلمة أخيرة..
كما لم يُترك أهل فلسطين ليقاتلوا ويدافعوا عن وطنهم في العام 1948 وكلنا يعرف قادة الجيوش العربية
المواوي باشا في الجنوب، وماكو أوامر في الشمال، وكلوب باشا في الوسط. وكان ما كان.
أيضًا لم يُتركوا ليدوافعوا من جديد، بل أصبحوا شوكة في حلق كل زعيمٍ عربي، حتى أن نظام سوريا اعتقل كل قيادة الثور
(قيادات حركة فتح) وزج بهم في سجن المزة، وتدخل عبد الناصر أخرجهم، لذا أصبح التدخل، وزرع الفتن، والتحريض، والتآمر، حتى وصلنا إلى الحال الأكثر من مزرية قبل أوسلو، وحال فقدان التوازن بعد أوسلو، وحال شبه الضياع ما بعد البعد
والتشرذم بين مناكف ومناكف.
صدقت استاذي الكريم: متى عدنا إلى الله.
ومتى توضأت الرجالُ قبل التكبير، والتكبير عند التحرك للجهاد، نقول يارب نحن جندك فانصرنا، سيفي رب العزة بوعده
للصادقين، وسيرى الأقصى، وفلسطين كل فلسطين النور.
أعتذر.. فأنا أكتبُ منَ الذاكرة المليئة برجس حكام العرب.
لك الشكر سيدي

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
القضية الفلسطينية في الشعر الجزائري أم بشرى منتدى العلوم والتكنولوجيا 6 01-05-2011 06:32 PM
محمد دحلان جامع النقائض فى السلطة الفلسطينية يعترف بصراحة طلال محمود منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 30-12-2010 03:26 AM
مستقبل النضال الفلسطيني.. رسالة إلى الشباب samarah منتدى العلوم والتكنولوجيا 1 15-11-2010 01:13 PM
خريطة فلسطين بعد 62 عاما على النكبة samarah منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 16-05-2010 01:13 AM
ياسر عرفات khaldoon_ps سياسة وأحداث 0 04-04-2010 02:38 PM


الساعة الآن 09:33 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com