عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 03-06-2007, 04:48 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي الأوراق الفيدرالية ( الورقة : 71 -- 85 )




الأوراق الفيدرالية
ورقة رقم: 71
الكسندر هاملتون
Alexander Hamilton
18 مارس، 1788

إلى أهالي ولاية نيويورك:
تم ذكر استمرارية العمل بصفتها المتطلب الثاني لفاعلية سلطة الرئيس. ويتعلق هذا الأمر بهدفين: الحزم الشخصي لدى الرئيس في استخدام سلطاته الدستورية، واستقرار نظام الإدارة الذي تم تبنيه تحت إشرافه. أما فيما يتعلق بالنقطة الأولى فينبغي أن يكون واضحاً أنه: كلما طالت مدة شغل المنصب عظم احتمال الحصول على حسنة الحزم المهمة هذه. فمن قبيل المبدأ العام في الطبيعة البشرية أن يهتم المرء بما يملكه هو، بقدر يتناسب مع ثباته وحرصه على إطالة التمسك به؛ وأن يكون ارتباطه حين يشغل منصباً مؤقتاً أو مركزاً غير ثابت، أقل من ارتباطه بمنصب أطول مدة وأقوى ثباتاً، وبالتأكيد سيكون راغباً في المغامرة لأجل منصب أكثر من رغبته في المغامرة لأجل المنصب الآخر. ولا تصدق هذه الملاحظة بصورة أقل مما سبق في حال الامتياز السياسي، أو الشرف، أو الأمانة، أكثر مما تصدق في حال ملكية أي شيء عادي. ومغزى هذه الملاحظة هو أن: رجلاً يعمل بصفته قاضياً أعلى، مدركاً أن عليه بعد وقت قصير جداً أن يسلّم منصبه لشخص آخر – يظل مستعداً لأن يشعر باهتمام قليل بذلك المنصب، فلا يخاطر بأي نقد حقيقي أو ارتباك من الجهد المستقل لسلطاته، ولا الرد على الطبائع السيئة، مهما كانت عرضية، التي قد تنجح على نطاق واسع في المجتمع ككل أو ضمن حزب مسيطر في المجلس التشريعي ذاته. إذا كانت القضية لن تفرض على ذلك الرجل أكثر من التخلي عن وظيفته، ما لم يستمر فيها بناءً على انتخابه من جديد، وإذا كان هو راغباً حقاً في أن يستمر في المنصب – فإن رغباته تتضافر مع مخاوفه وتظل تميل، وبدرجة أقوى، إلى إفساد نزاهته أو تدني جرأته وشجاعته، وفي أي من تلك الحالتين فإن الخور والتردد في اتخاذ القرار يغدو جماع خصائص ذلك المنصب.
هناك أناس يميلون إلى اعتبار الانقياد الخانع من جانب الرئيس للتيار السائد، في المجتمع أو لدى المجلس التشريعي – هو أفضل تزكية لصالحه. لكن مثل هؤلاء الناس يدغدغون نزعات بدائية جداً، سواء من حيث الأهداف التي من أجلها أنشئ الحكم، أو من حيث الوسائل الحقيقية التي بفضلها يمكن زيادة هناء الشعب. إن المبدأ الجمهوري يطلب أن يتحكم الإحساس الرفيع لدى المجتمع في تصرفات وسلوك الأشخاص الذين يُعهد إليهم بتدبير شئون أفراده؛ ولكنه لا يطلب استرضاءً لا داعي له لكل هبّة مفاجئة من العواطف، ولا لكل إحساس عابر قد يتلقاه المواطنون من أفانين وحيل أشخاص يتملقون أحقاده من أجل أن يخونوا مصالحه. والحق أنها ملاحظة عادلة تلك التي ترى أن الشعب، بصورة عامة، يقصد الخير العام لنفسه لكن هذا كثيراً ما يصح على أخطاء الشعب أيضاً...غير أن حس الخير لدى الشعب يحتقر ذلك المداهن الذي يتظاهر بأن رأي المواطنين صائب على الدوام، بخصوص الوسيلة التي تزيد من سعادتهم. فالمواطنون يعرفون بحكم التجربة والخبرة أنهم يقعون في أخطاء أحياناً. ويعجبون من أن وقوعهم هذا قليل في الواقع، ويضطربون على الدوام بفعل خدع الطفيليين، والمرضى العقليين، وشباك ذوي الطموح والجشع، والقانطين، وبفعل مكائد الأشخاص الذين يحوزون من الثقة أكثر مما يستحقون، والآخرين الذين يسعون إلى التمتع بثقة أكبر مما يستحقون. وحين تعرض المناسبات التي تتضارب فيها مصالح المواطنين مع ميول أولئك واتجاهاتهم – يكون من واجب الأشخاص الذين أقامهم المواطنون حراساً على تلك المصالح أن يصدّوا الأوهام المؤقتة، كيما يمنحوا المواطنين وقتاً كافياً وفرصة معقولة للتفكير المطمئن والأكثر هدوءاً. ويمكن ضرب أمثلة كثيرة استطاع فيها تصرف من هذا القبيل أن ينجي المواطنين من نتائج قاتلة تترتب على أخطائهم، كما ضمن إقامة نصب دائمة شيّدها الشعب عرفاناً بجميل الأفراد الذين تحلوا بالشجاعة الحقة والسمو الكافي لخدمة المواطنين رغم المخاطرة بعدم إرضاء رغباتهم.
لكن، مهما كنا ميالين إلى الإصرار على وجوب التوافق غير المحدود من جانب الرئيس مع ميول الشعب – فإننا لا نستطيع بأي قدر من السداد أن نجادل تأييدا لاسترضاء أمزجة رجال التشريع. فقد يحصل أحياناً أن يقف هؤلاء في صف معارضة الرئيس، كما يحصل في أوقات أخرى أن يقف المواطنون في وضع محايد بين الطرفين. في كلا الافتراضين، يكون من المرغوب فيه على التأكيد أن يأخذ الرئيس موقفاً يجرؤ فيه أن ينفذ رأيه الخاص بقوة وحزم.
إن القاعدة نفسها التي تحبذ صوابية الفصل بين مختلف فروع السلطة تدعو أيضا إلى ترتيب ذلك الفصل بحيث يجعل كل فرع منها مستقلاً عن الفرع الآخر. فلماذا، ولأي غرض، نفصل الرئيس أو القضاء عن التشريع، إذا كان كلاهما: الرئيس والقضاء، مشكلين كيما يكونوا مكرسين بصورة مطلقة لخدمة التشريع. إن مثل هذا الفصل يغدو مجرد فصل إسمي، غير قادر على بلوغ الغايات التي أنشئ من أجلها. إنه يُقصد به أن يكون أدنى من القوانين من جانب وأن يكون معتمداً على المجلس التشريعي من جانب آخر. فالأول يطابق، والثاني يخل، بالمبادئ الأصولية للحكم الجيد؛ وأياً كانت صيغ الدستور فهو يضم جميع السلطة في اليد نفسها. ومن شأن السلطة التشريعية أن تميل لامتصاص كل سلطة أخرى. ذاك أمر قد تم بسطه وتوضيحه بضرب الأمثلة في بعض الأوراق التي سبقت.1 أما في حال الحكومات الجمهورية المحضة، فإن هذا الميل يغدو ميلاً لا يقاوم تقريباً. فالممثلون للشعب في اجتماع عام يتخيلون أحياناً أنهم هم الشعب نفسه، ويتخلون عن المظاهر القوية لعدم الصبر والاشمئزاز عند بروز أي إشارة إلى وجود معارضة من أي زاوية جاءت، وكأن ممارسة المعارضة حقها، إما عن طريق الرئيس أو من خلال القضاء، يشكل إخلالاً بامتيازهم وتحدياً لهيبتهم واعتبارهم. وكثيراً ما يظهرون ميالين لأن يبدو تحكماً سلطوياً على الدوائر الأخرى؛ ولما كانوا بصورة عامة يملكون الشعب إلى جانبهم، فإنهم كثيراً ما يتصرفون باندفاع طاغ يجعل من العسير على فروع الحكومة الأخرى أن تحافظ على التوازن في الدستور.
ولربما سأل بعضهم: كيف لقصر مدة الخدمة في الوظيفة أن يؤثر في استقلالية الرئيس عن سلطة التشريع، ما لم يكن أحد الجانبين يملك حق أو سلطة تعيين الآخر أو عزله. وأحد الأجوبة على هذا التساؤل قائم وموجود في المبدأ الذي أشرت إليه آنفاً – وهو – من باب المصلحة الضيقة يغدو الرجل مستعداً للرضا بامتياز قصير العمر والإغراء القليل الذي يسمح به ذلك لكي يعرض نفسه بناء عليه، لأية متاعب كبيرة أو مخاطرة، ذاك جواب. وهناك جواب آخر ربما كان أكثر وضوحاً وأن لن يكن أوسع شمولاً، سوف يتأتى من اعتبار أن نفوذ المجلس التشريعي وتأثيره على الشعب يمكن أن يستخدم لمنع إعادة انتخاب رجل، قد جعل نفسه، جراء مقاومته المباشرة لأي مشروع سيء طرحه المجلس – رئيساً مكروهاً تنصب عليه نقمة المجلس.
وقد يسأل بعضهم: هل فترة 4 سنوات تلبي الهدف المقترح؛ أفلا تكفي فترة خدمة أقل، تلقى تحبيذاً أقوى، لأن تكون ضماناً أكبر ضد خطط الطموح؛ ولهذا السبب تغدو أفضل من فترة أطول هي، في الوقت نفسه أكثر من أن تفي بالإيحاء بالحزم المرغوب فيه واستقلال ذلك القاضي الأعلى!!
لا يمكن الجزم بأن فترة أربع سنوات أو أي فترة محددة الأجل سوف تلبي الهدف المقترح بصورة كاملة، بيد أن تلك الفترة تسهم إلى حد ما في ترك أثر ملموس في روح الحكم وفي طبيعته. وبين بدء ونهاية فترة مثل هذه يظل هناك على الدوام فترة كافية يكون فيها مشروع الاقتلاع من المنصب بعيداً بعداً كافياً، فلا يستطيع أن يترك أثراً غير حسن على سلوك رجل موهوب يتمتع بقدر معقول من الجرأة؛ وفي تلك الفترة قد يمني ذلك الشخص نفسه إلى حد معقول ويعتقد أن سيكون هناك وقت كاف يجعل المجتمع يقبل صوابية القوانين التي يميل هو لمتابعتها. ومع أنه من المحتمل أن الرئيس وهو يقترب من اللحظة التي يستطيع فيها المواطنون، عبر انتخابات جديدة، أن يبينوا مشاعرهم تجاه سلوكه، فإن ثقته بنفسه ومعها حزمه في الأمور، سينقصان، إذ أن كليهما، هذا وذاك يستقي تأييده من الفرص التي يسرها له استمراره السابق في المنصب، كي يؤسس لنفسه قدراً من الاحترام والنية الحسنة عند المواطنين. بعد ذلك إذن، يمكن أن يغامر بأمان، بقدر يتناسب مع الإثباتات التي قدمها على حكمته ونزاهته والقدر الذي أكسبه المنصب من احترام الزملاء المواطنين وولائهم. وكما أن فترة أربع سنوات ستسهم لصالح حزم الرئيس بدرجة كافية لأن تجعله عنصراً ثميناً في التركيبة من جانب، فإنها من الجهة الأخرى ليست فترة طويلة بما فيه الكفاية لأن تبرر أية خشية على حرية المواطنين العامة. لو أن مجلس العموم البريطاني، من بواكيره الضعيفة جداً، من مجرد صلاحية الموافقة أو الرفض عند فرض ضريبة جديدة – قد أنقص، بخطوات واسعة، حقوق التاج البريطاني وامتيازات النبلاء وجعلها ضمن الحدود التي تصورها تتفق مع مبادئ حكم حر، ومع رفع أعضائه أنفسهم إلى رتبة أن يكون مجلسهم فرعاً مساوياً من فروع التشريع، لو استطاعوا، ولمرة واحدة، أن يلغوا كلاً من الملكية والأرستقراطية وأن يقلبوا المؤسسات القديمة في الكنيسة كما في الدولة، لو تمكنوا في مناسبة قريبة العهد أن يجعلوا الملك يرتجف قبالة ابتكار جديد من عندهم حاولوه هم... ترى ما الذي كان يجوز أن يُخشى من موظف انتخابي مدته أربع سنوات وسلطاته محددة مثل سلطات رئيس الولايات المتحدة؟ ماذا، غير إمكان أن يغدو الرئيس غير كفؤ للمهمة التي يعينها له الدستور؟ أنا لن أضيف إلى ذلك أكثر من القول: لو كانت فترة الرئاسة ذات طول من شأنه أن يترك شكاً في حزم الرئيس لكان ذلك الشك غير منسجم مع التخوف من مطامعه وعدوانيته.

بوبليوس
_______________________
- الأوراق الفيدالية/الكسندر هاملتون، جميس ماديسون، وجون جاي؛ ترجمة عمران أبو حجلة، مراجعة أحمد ظاهر- عمان: دار الفارس للنشر والتوزيع، 1996. ص 510-514.
1- انظر الورقتين 48 و 49. (المراجع).

الأوراق الفيدرالية
ورقة رقم: 72
الكسندر هاملتون
Alexander Hamilton
19 مارس، 1788

إلى أهالي ولاية نيويورك:
إن تسيير الحكم بالمعنى العام للكلمة تشمل جميع عمليات شئونه السياسية سواء التشريعية أم التنفيذية، أم شئون القضاء، لكنها بالمعنى الخاص للكلمة، وهو المستعمل عادة – مقصورةً على تفصيلات الجانب التنفيذي التي تنحصر في نطاق عمل الدائرة التنفيذية على التخصيص. أما إدارة المفاوضات مع الأجانب، وتحضير الخطط للمالية، وجباية وإنفاق الأموال العامة بما يتفق والمخصصات العامة حسبما يتم تشريعه، والترتيبات التي تتم مراعاتها في الجيش والبحرية وتوجيه العمليات الحربية – كل هذه والشئون الأخرى ذات الطبيعة المماثلة، تشكل ما يبدو أنه المفهوم من إدارة الحكم بصورة عامة. ومن ثم، فإن الأشخاص الذين يكلفون بالتنظيم المباشر لهذه الأمور المختلفة يعتبرون مساعدين أو مفوضين من طرف القاضي الأعلى (الرئيس). وعلى هذا الأساس يتوجب أن تنبع وظائفهم من التعيين الذي يقوم به هو، من تسميته لهم وعلى الأقل، فعليهم أن يكونوا خاضعين لإشرافه. إن هذه النظرة إلى الموضوع تشير على التو إلى ذلك الارتباط الحميم بين فترة بقاء الرئيس في منصبه واستقرار نظام الإدارة. إن قلب وإزالة أثر ما فعله رئيس سابق، كثيراً ما يعتبره الرئيس اللاحق أفضل برهان يستطيع تقديمه على قدرته وجدارته، وبالإضافة إلى قوة الدفع هذه، حيث يكون التغيير قد جاء حصيلة لاختيار الشعب، فإن الشخص الذي حل محل القديم يظل تحت تهديد افتراضه أن عزل سابقه قد نشأ من كراهية الناس لقوانينه، وأنه كلما قلت أوجه مشابهته لذلك السلف زاد تقديره، كما يظن في نظر مواطنيه.
وربما كانت هذه الاعتبارات وتأثيرات الثقة والارتباطات الشخصية هي التي تدفع الرئيس الجديد لإجراء تغيير في من يحتلون المناصب الفرعية في إدارته، ولن تفشل هذه الأسباب السابقة متضافرةً في إحداث عدم استقرار مشين ومدمر في الحكم.
وإلى جانب إيجابية الاستمرار في الخدمة لفترة معقولة أجدني أربط ملابسات إعادة الأهلية فالاستمرار ضروري كيما يهب شاغل المنصب ميلاً وحزماً لأن يقوم بدوره بصورة جيدة. ويهب المجتمع الوقت والحرية الكافيين لتقدير اتجاه إجراءاته وقوانينه، ومن ثم لتشكيل تقدير تجريبي لصلاح تلك القوانين. وملابسات الإعادة ضرورية من أجل تمكين الشعب حين يرى سبباً للموافقة على تصرفاته، أن يبقيه مستمراً في المنصب كيما تطول فترة الاستفادة بمواهبه ومزاياه وليضمنوا للحكم حسنة استمرار نظام حكيم في الإدارة.
ليس هناك ما يبدو جديراً بالاستحسان أكثر من هذا في الوهلة الأولى ولا ما أساسه أكثر فساداً عند التدقيق عن قرب، من خطة يبدو حتى الآن أنها تحظى بمدافعين محترفين عنها، وأعني نقطة استمرار الرئيس في منصبه لفترة معينة ثم إبعاده عن ذلك المنصب، إما لفترة محددة أو إلى الأبد. إن هذا الإبعاد سواء كان مؤقتاً أم دائماً، سوف يترك الآثار نفسها تقريباً، وستكون هذه الآثار في معظمها مؤذية أكثر منها مفيدة.
وأحد هذه الآثار الضارة بمسألة إبعاد الرئيس هو إنقاص ما يغري بانتهاج سلوك جيد. هناك نفر قليل من الناس لا يفتر حماسهم عند إنهاء الواجب، وإن ظلوا واعين إلى أن امتياز المنصب وما يرتبط به سوف يتم التخلي عنه بعد فترة محددة – عن حماسهم لو سمح لهم بدغدغة أمل الحصول، عن جدارة واستحقاق، على الاستمرار في ذاك المنصب. هذا وضع لا خلاف عليه طالما قبل المرء أن الرغبة في نيل مكافأة تشكل دافعاً قوياً في توجيه سلوك الإنسان، أو اعتبر أن خير ضمان لإخلاص البشر هو جعل مصالحهم تتفق تمام الاتفاق مع واجبهم. فحتى حب الشهرة، وهي العاطفة المسيطرة لدى أنبل العقول، والتي تدفع المرء لأن يخطط ويقوم بالمغامرات الكبيرة والجريئة لخدمة الخير للمجموع، المغامرات التي تتطلب قدراً معتبراً من الوقت ريثما يتم إنضاجها وجعلها مكتملة، إذا استطاع أن يخدع نفسه بفكرة أنه سيسمح له أن يكمل ما بدأه – حتى هذه الفكرة سوف تعيقه عن القيام بالعمل حين يستشف أن عليه أن يغادر المشهد قبل أن يستطيع إنجاز العمل، وأن يعهد بذلك وبسمعته الخاصة إلى يدين ربما كانت غير كفؤ، أو غير ودودتين تجاه المهمة نفسها. إن أكثر ما يُنتظر من أغلب الناس، في مثل هذا الوضع، هو غلبة الشعور السلبي، عندهم، أي عدم إلحاق الضرر بدلاً من غلبة الشعور الإيجابي لديهم، أي فعل الخير.
والسيئة الأخرى لتأثير إبعاد الرئيس هو دفعه إلى النظر بمرارة، إلى الاختلاس، وفي بعض الأحيان إلى اغتصاب حقوق الغير فمن شأن رجل يتصف بالجشع يصدف أن يحتل المنصب، حين ينظر إلى يوم اضطراره للتخلي عن جميع الامتيازات التي يتمتع – بها أن يحس بدافع يعسر عليه مقاومته لأن ينتقي أفضل الفرص إبان وجودها، فلا يتردد في الاستفادة القصوى من فرصة الطوارئ من غيرها لجعل ما يجنيه من المنصب المؤقت وافراً، مع أن الشخص ذاته لو توفر له مجال مختلف لظل قانعاٌ بالحقوق النظامية له وغير راغب في المخاطرة بما يترتب على إساءة استخدام الفرص المتيسرة له. عند ذاك لربما كان جشعه حارساً على جشعه نفسه. أضف إلى ذلك أن الرجل نفسه قد يكون مغروراً أو ذا طموح قدر ما هو حقود. فإذا ما استطاع أن يتوقع إطالة عمر تكريمه من خلال سلوكه الجيد فقد يتردد في أن يضحي بتشهيه لتلك الكرامات لإرضاء شهوته إلى الكسب والربح. أما والمجال ماثل أمامه لاقتراب اقتلاعه من منصبه، فمن المحتمل جداً أن يتغلب جشعه على حذره، وغروره، أو طموحه.
فحتى الرجل الطموح أيضاً حين يجد نفسه يحتل قمة الترف في بلده، وينظر قدماً فيرى الحين الذي لا بد أن يهبط فيه من علياء بروزه، إلى الأبد، ثم يفكر في أنه ليس هناك جهد يبذله يستطيع أن ينقذه من عودة غير مشكورة – سوف يشتد شعوره بالإغراء لقبول انعطاف يحاول به تطويل بقائه في السلطة، عن طريق أية مغامرة شخصية ممكنة، أكثر مما لو كان لديه احتمال البقاء فيها عن طريق قيامه بواجبه.
هل سيكون مما يزيد في السلام في المجتمع أو في استقرار الحكم، أن يكون هناك نصف دزينة من أشخاص سبق أن نالوا الثقة الكافية لأن يرفعهم المواطنون إلى المنصب الأعلى في الدولة، يتجولون بين المواطنين وكأنهم أشباح غير راضية عن الواقع، ويصعدون التنهدات لإحراز مكانة يقدر عليهم أن لا يحوزوها إلى الأبد!
وهنالك سيئة ثالثة لتأثير إبعاد الرئيس هي حرمان المجتمع من ميزات الخبرة التي كسبها ذلك القاضي الأعلى في أثناء ممارسته لمنصبه. الخبرة أٌم الحكمة. ذاك قول مأثور يعرف صدقه الحكماء كما يعرفه البسطاء من بني البشر. فأي شيء مرغوب فيه أكثر أو هو أساسي أكثر، من توفر هذه الصفة في من يحكمون الدول؟ وفي أي موطن يكون ذلك مرغوباً فيه أو هو أساسي أكثر منه في القاضي الأعلى في الأمة؟ هل من الحكمة أن نضع هذه الصفة المرغوب فيها والأساسية أيضاً في خانة ما يحرمه الدستور، وأن نعلن أنه في اللحظة التي يتم اكتسابها فيها يغدو من يملكها مجبراً على أن يغادر المركز الذي تم فيه اكتسابها، وتم تكيفها تبعاً له؟ إن هذا، في أي حال، هو المضمون المحدد لجميع هذه التعليمات التي تستبعد الرجال من خدمة وطنهم، بمشيئة زملائهم المواطنين، بعد أن يكونوا، ومن خلال خدمتهم، قد أعدوا أنفسهم للقيام بتلك الخدمة بأعلى درجة من الإفادة لمواطنيهم.
وإليك سيئة رابعة يخلفها الاستبعاد، هي نفي الرجال من مراكز ربما يكون وجودهم فيها، في حالات طارئة معينة تواجهها الدولة – هو اللحظة الحرجة الأشد ضرورة للخدمة العامة، أو السلامة العامة... ليس هنالك أمة واحدة لم تواجه في إحدى فتراتها حاجة ملحة إلى خدمات أشخاص معينين في مراكز معينة، ولربما كان من غير المبالغة أن نقول: من أجل الحفاظ على وجودها السياسي. أفليس من غير الحكمة، إذن، جعل إنكار الذات من هذا القبيل يحرم أمة من الاستفادة من مواطنيها في أمر تفرضه الأحوال والظروف الطارئة فيها؟ بدون افتراض الأهمية الشخصية للرجل، من الواضح أن إستبدال القاضي الأعلى (الرئيس)، في مطلع نشوب حرب أو أية أزمة شبيهة بذلك، برئيس آخر، حتى لو كان هذا يتمتع بالجدارة نفسها – سوف يكون في جميع الأحوال عنصراً حاسماً بالنسبة إلى المجتمع قدر ما تكون الاستعاضة بعدم الخبرة عن الخبرة، وسوف يميل إلى تفكيك مرابط عربات قطار الإدارة وتركه يتجه على عماه.
وهذه سيئة خامسة أيضاً لتأثير الاستبعاد، وهي أنه سوف يعمل بصفته تدخلاً دستورياً في الاستقرار في الإدارة. فعن طريق جعل التغيير أمراً محتوماً في المنصب الأول في الأمة، يغدو إجراء تغيير في القوانين أمراً ضرورياً. فليس من المنتظر، بصورة عامة، أن يتغير الأشخاص وتبقى القوانين كما هي. العكس هو السير الطبيعي للأمور. ولا حاجة للتخوف من أن يكون هناك استقرار أكثر مما ينبغي، حينا يكون هنالك خيار للتغيير؛ ولا حاجة بنا أيضاً لأن نرغب في منع الناس من الاستمرار في منح ثقتهم إلى من يظنون أنها ستكون لديه في موضع أمين، وحيث يستطيعون، بفعل الثبات من جانبهم، أن يزيلوا المضايقات المميتة الناشئة من تقلبات المجالس وتبدلات السياسة المتغيرة.
هذه بعض المساوئ التي تتولد من الأخذ بمبدأ الاستبعاد. فهي تصدق بقوة أشد على خطة الاستبعاد الدائم؛ أما حين نفكر في أن الاستبعاد الجزئي سوف يجعل تقبل الرجل من جديد، بعد فترة طويلة، أمراً مستبعداً يجب الحذر منه، فإن الملاحظات التي تم سوقها تنطبق تقريباً على الحالة الواحدة كانطباقها على الأخرى.
ما هي الحسنات التي تعد بأن توازن السيئات السابقة؟ إنها تتمثل فيما يلي.
أولاً: استقلال أعظم لدى الرئيس.
ثانياً: ضمان أكبر للشعب. وما لم يكن الاستبعاد نهائياً، لن يكن هنالك مجال لاستنتاج الحسنة الأولى. غير أنه، حتى في تلك الحال: ألن يكون لديه هدف أبعد من منصبه الحالي آنذاك يمكن أن يضحي باستقلاله من أجله؟ أيجوز ألا تكون لديه ارتباطات، وأصدقاء، لأجلهم يمكن أن يضحي به؟ ألا يجوز أن يكون غير راغب، جراء تصرف حاسم من طرفه أن يخلق له أعداء شخصيين حين، يتصرف تحت ضغط انطباعه بأن الوقت يقترب بسرعة، وعندما يحين وصوله، تغدو "يجوز" هي "يجب" أن يتعرض لانتقامهم، وعلى أساس مساو وأرضية مساوية إن لم يكن أدنى وأحط؟ ليست هذه نقطة يسهل الحسم فيها ومعرفة ما إذا كان استقلاله سيقوى أو يضعف بفعل ترتيب مثل هذا.
أما بخصوص الحسنة المفترضة الثانية، فهناك سبب أقوى لأن تراود المرء شكوك كثيرة بخصوصها. فإذا كان للاستبعاد أن يتم مرة وإلى الأبد، فإن رجلاً ذا طموح غير مدروس، منه وحده يمكن الشعور بالخوف – سوف يخضع، على كره منه، إلى حاجته لأن يأخذ إجازة إلى الأبد من منصب سبق أن غدت شهوته فيه. إن السلطة والبروز عادة متأصلة في نفسه. فإذا صدف إن كان الرجل حسن الحظ أو داهية بما فيه الكفاية لملاينة النيّة الطيبة لدى الجمهور، فإنه قد يدفعهم لأن يعتبروا اشتراطاً من هذا القبيل، كريهاً عندهم وقيداً لا مبرر له في نفوسهم، اشتراطاً وضعه من وضعه كيما يحجزهم عن حقهم في أن يمنحوا برهاناً جديداً على ولائهم إلى شخص يحبونه كثيراً. وقد يحصل أن يتم تصوير ظروف يغدو فيها اشمئزاز المواطنين، بتأييد من الطموح المحبط عند ذلك الرجل المحبوب – إنما يشكل خطراً على الحرية أكبر بكثير مما يخشى منه عن حق مثل إمكان إدامة الرئيس في المنصب بفضل الاقتراع الطوعي من مجتمع يمارس حقاً دستورياً له.
إن هناك إفراطاً في النعومة في فكرة حرمان المواطنين من أن يدعموا في المنصب رجالاً أثبتوا أهليتهم بالفعل بصفتهم أشخاصاً جديرين، يراهم المواطنون يستحقون الرضا والثقة، وهاتان هما الحسنتان اللتان قد رجحتا مساوئ أكثر منهما تأكيداً وأبلغ حسماً.

بوبليوس
______________________
- الأوراق الفيدالية/الكسندر هاملتون، جميس ماديسون، وجون جاي؛ ترجمة عمران أبو حجلة، مراجعة أحمد ظاهر- عمان: دار الفارس للنشر والتوزيع، 1996. ص 515-520.

الملفات المرفقة
نوع الملف: doc ( الأوراق الفيدرالية ( الورقة 71 -- 85.doc‏ (412.5 كيلوبايت, المشاهدات 2)

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 03-06-2007 الساعة 04:56 AM
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الأوراق الفيدرالية ( الورقة : 56 -- 70 ) castle منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 26-05-2007 05:09 PM
الأوراق الفيدرالية ( الورقة : 41 -- 55 ) castle منتدى العلوم والتكنولوجيا 1 25-05-2007 01:31 AM
الأوراق الفيدرالية ( الورقة : 31 -- 40 ) castle منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 23-05-2007 04:57 PM
الأوراق الفيدرالية ( الورقة : 21 -- 30 ) castle منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 22-05-2007 07:56 PM
الأوراق الفيدرالية ( الورقة : 1 -- 20 ) castle منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 21-05-2007 08:18 PM


الساعة الآن 07:59 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com