عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 17-08-2008, 01:30 AM
مراقب سياسي4 مراقب سياسي4 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jul 2002
الدولة: السعودية
المشاركات: 11
تم الرد تـاريـخ الاستـعـبـاد

تـاريـخ الاستـعـبـاد

حمدي شفيق



لم يكن الإسلام مسئولاً عن ابتداع الرق . هكذا تثبت حقائق التاريخ التي دوَّنَها المؤرخون من غير المسلمين . فالتاريخ المعروف للبشرية يشير إلى أن الرق ظاهرة عريقة في القدم ، تاريخها هو ذاته تاريخ الاستغلال وظلم الإنسان لأخيه الإنسان . وقد نشأت ظاهرة الاستعباد منذ عشرات الألوف من السنين ، وتحديدًا في فترة التحول من الصيد إلى الاعتماد على الزراعة المُنَظّمة كوسيلة لاكتساب الرزق .
يقول المؤرخ الكبير "ول ديورانت" في موسوعته "قصة الحضارة" :
(بينما كانت الزراعة تُنْشئ المدنيِّة إنشاءً فإنها إلى جانب انتهائها إلى نظام الملكية ، انتهت كذلك إلى نظام الرق الذي لم يكن معروفًا في الجماعات التي كانت تقيم حياتها على الصيد الخالص، لأن زوجة الصائد وأبناؤه كانوا يقومون بالأعمال الدنيئة , وكانت فيهم الكفاية لذلك، وأما الرجال فقد كانت تتعاقب في حياتهم مرحلة تضطرب بنشاط الصيد أو القتال، يتلوها مرحلة من فتور الاسترخاء والدعة بعد الإجهاد والعناء. ولعل ما تنطبع به الشعوب البدائية من كسل قد بدأ – فيما نظن – من هذه العادة . عادة الاستجمام البطيء بعد عناء القتال والصيد ، ولو أنها لم تكن عندئذ كسلاً بمقدار ما كانت راحة واستجمامًا ؛ فلكي تحوِّل هذا النشاط المتقطع إلى عمل مطرد ، لابد لك من شيئين : العناية بالأرض عناية تتكرر كل يوم , وتنظيم العمل .
وأما تنظيم العمل فيظل مُنْحلَّ العرى لَدُنِّىَّ النشاط مادام الناس يعملون لأنفسهم، لكنهم إذا كانوا يعملون لغيرهم فإن تنظيم العمل لابد أن يعتمد في النهاية على القوة والإرغام ؛ وذلك أن نشأة الزراعة وحدوث التفاوت بين الناس انتهيا إلى استخدام الضعفاء بواسطة الأقوياء اجتماعيًا ؛ ولم يتنبَّه الظافر في القتال قبل ذلك إلى أن الأسير الذي ينفعه هو الأسير الحي ، وبذلك قلَّت المجازر وقلَّ أكل الناس بعضهم لحوم بعض كلما زاد نظام الرق اتساعًا. وإذن فقد تقدم الإنسان من حيث الأخلاق تقدمًا عظيمًا حين أقلع عن قتل أخيه الإنسان أو أكله ، واكتفى من أعدائه باسترقاقهم. وإنك لترى تطورًا كهذا يتم اليوم على نطاق واسع ، إذ أقلعت الأمم الظافرة عن الفتك بالعدو المغلوب ، واكتفت باسترقاقه عن طريق التعويض الذي تقتضيه إياه . ولما استقر نظام الرق على أسسه ، وبرهن على نفعه ، أخذ يزداد نطاقه بأن أضيف إلى الرقيق طوائف أخرى غير الأسرى ، فأضيف إليهم المَدِينُون الذين لا يُوفَون بالدَّيْن ،واللصوص, والمجرمون الذين يعاودون الإجرام ، هذا إلى جانب غارات تُشن عمدًا لإجتلاب الرقيق ؛ وهكذا كانت الحرب بادئ الأمر عاملاً على نشأة الرق ، ثم أصبح الرق عاملاً على شن الحروب .
ولعل نظام الرق حين امتدت به القرون قد أكسب الجنس البشرى تقاليده وعاداته من حيث العمل . فلن تجد بيننا أحدًا يُقدم على عمل شاق عسير إذا كان في مقدوره أن يتخلص منه بغير أن يتعرض لشيء من العقاب البدني أو الاقتصادي ، وإذن فقد بات الرق جزءًا من النظام الذي استعد به الإنسان للقيام بالصناعة ، هذا فضلاً عن أنه عمل على تقدم المدنيَّة بطريق غير مباشر ، بأن زاد من الثروة فخلق الفراغ لفئة قليلة من الناس ، ولما مضت قرون على هذا النظام ، جعل الناس ينظرون إليه على أنه نظام فطرى لاغنى عنه !!- واستوى في هذا الرأي أكابر الفلاسفة مع أجهل الناس،وبهذا قال أرسطو قبل الأديان، ثم بارك القديس بولس هذا النظام الاجتماعي الذي لابد أن يكون قد بدا لعينيه في عصره نظامًا قضى به الله)!! ولمن شاء مزيدا من التفاصيل أن يراجع كتاب ديورانت الهائل الذي طبعته الهيئة المصرية العامة للكتاب مترجما إلى اللغة العربية .
وقد عرفت كل الحضارات والأمم السابقة على الإسلام ظاهرة الاستعباد للآخرين على أوسع نطاق ممكن . فالرق كان موجودًا لدى الفراعنة .. إذ كان الملوك والكهنة وقواد الجيش المصري القديم يتخذون أسرى الحرب عبيدًا لهم ، يستخدمونهم فيما تحتاج إليه الدولة الفرعونية من أعمال كشق الترع وبناء الجسور والمعابد والأهرامات . وعلى خلاف المعروف لدى الأمم الأخرى في تلك الفترة - كما يلاحظ محمد عطية الأبراشى (1)- كان عبيد القصور يتمتعون بمعاملة إنسانية في مصر ، وكان مسموحًا للحرّ أن يتزوج جارية . وكان محظورًا على السادة قتل الرقيق ، ومن قتل عبدًا فإنه يُقتل به على سبيل القصاص .

الرق فى أشور
وكان الرق موجودًا على أوسع نطاق لدى الآشوريين. وقد كانت قصورهم مليئة بالعبيد والجواري للخدمة والمتعة في آن واحد. ومن أطرف الوثائق والعقود التي عُثر عليها وتعود إلى عهد الملك نبوخذ نصر – كما يقول ول ديورانت – تلك العقود المتصلة بالعبيد: (وكان مصدر هؤلاء العبيد أسرى الحروب ، والغارات التي يشنها البدو الرحل على الولايات الأجنبية، ونشاط العبيد أنفسهم في التناسل. وكان ثمن الأرقاء يختلف من عشرين ريالاً إلى خمسة وستين للمرأة ، ومن خمسين ريالاً إلى مائة ريال للرجل . وكان هؤلاء العبيد هم الذين يؤدون معظم الأعمال العضلية في المدن ، وتدخل في هذه الأعمال الخدمات الشخصية .
وكانت الجواري ملكًا خالصًا لمن يبتاعهن ، و عليهن أن يمهدن له فراشه ويطبخن له طعامه ، وكان المعروف أنه سيستولدهن عددًا كبيرًا من الأبناء . وكان العبد وكل ما ملكت يداه ملكًا لسيده : من حقه أن يبيعه أو يرهنه وفاء لدين ، ومن حقه أن يقتله إذا ظن أن موته أعود عليه بالفائدة من حياته. وإذا أبق العبد فإن القانون لا يبيح لأحد أن يحميه وكانت هناك جائزة لمن يقبض عليه. وكان من حق الدولة أن تجنده كما تجند الفلاح الحرّ للخدمة العسكرية, أو تسخّره للقيام ببعض الأعمال العامة كشق الطرق ، وحفر القنوات. وكان أكثر العبيد يقنعون من حياتهم بكثرة إنجاب الأبناء ، حتى صاروا أكثر عددًا من الأحرار. فكانت طبقة الأرقام الكبيرة تتحرك كأنها نهر تحتي جيَّاش يجرى تحت قواعد الدولة البابلية).(2).

عرب الجاهلية
ولم يختلف الحال لدى العرب قبل الإسلام عن غيرهم من الأمم في ميدان الرق. فقد كان مألوفًا أن تتخذ القبائل المنتصرة من أطفال ونساء القبائل المهزومة عبيدًا وجواري .
وكان بعض مشاهير مكة مثل عبد الله بن جدعان من تجار الرقيق(3). وتذكر كتب التاريخ أن عددًا من مشاهير الصحابة كانوا عبيدًا قبل الإسلام ، منهم زيد بن حارثة رضي الله عنه الذي اختطف وهو صغير ، وباعه الخاطفون في سوق عكاظ, حيث اشتراه حكيم ابن حزام ثم وهبه لعمته السيدة خديجة رضي الله عنها . وكذلك اختطف بعض قطاع الطرق سلمان الفارسي رضي الله عنه أثناء رحلته إلى الشام ، وباعوه لبعض يهود يثرب قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها . وكان بلال بن رباح وعمار بن ياسر وذويهما عبيدًا بمكة المكرمة في الجاهلية ، وتعرضوا لتعذيب مروع من سادتهم لإجبارهم على ترك الإسلام . وكانت "سميّة" أم عمَّار رضي الله عنها أول شهيدة في الإسلام ، إذ قتلها أبو جهل لعنه الله بطعنة في قُبلها لرفضها الارتداد عن دين الحق . وكانت "ثويبة" إحدى مرضعات الرسول صلى الله عليه وسلم مولاة لعمه أبى لهب . وكانت حاضنته "أم أيمن" جارية لأبيه عبد الله بن عبد المطلب قبل مولده ، وانتقلت ملكيتها إليه بعد وفاة أبيه .

الرق في فارس
وفى بلاد فارس كان الأرقاء يُتخذون للرعي والزراعة ، ويستخدمون فيما تحتاج إليه البيوت من الزينة والعمل . وإذا ارتكب الرقيق ذنبًا عوقب عقابًا معتدلاً ، فإذا ارتكبه مرة أخرى فلسيده أن يعاقبه بما يشاء ، وله أن يقتله . وكان الأكاسرة ينظرون إلى كل من هو غير فارسي على أنه عبد مملوك لهم ، ولا حق له في أي شيء سوى الطعام والشراب كأي حيوان !! .

الرق عند الهنود القدماء
كان لدى الهنود القدماء طبقات أعلاها : طبقة الأشراف وهم البراهمة ، أما طبقة العمال، فهي الطبقة الدنيا التي تستخدم في الأعمال ، وتعامل معاملة بشعة . وللطبقة الأولى السيادة والسيطرة ، وعلى الطبقة الثانية – وهى طبقة الأرقاء – الطاعة والخضوع . ويستمر الرقيق خادمًا طوال حياته . وكانت القوانين التي يحاكم بها جائرة ، فإذا اعتدى رقيق على برهمي حكم على الرقيق بالقتل . وإذا شتمه بلفظ بذيء قُطع لسانه . وإذا احتقره عُوقب بوضع خنجر محمى بالنار في فمه . وإذا نصح لبرهمي نصيحة تتصل بواجبه أمر الملك بوضع زيت ساخن في أذنه وفمه . وإذا اغتصب برهمي شيئًا من الرقيق حكم عليه بدفع غرامة مالية أما إذا سرق عبد شيئًا من برهمي حكم عليه بالإحراق !!. وكانت الأعمال النجسة تترك للعبيد ليقوموا بها ، والأعمال المقبولة يقوم بها الخدم . كما كان في الهند طائفة أخرى منبوذة تُسَخَّر أيضا للخدمة كالعبيد .

الرق عند الصينيين
كان الفقراء من الصينيين القدماء يبيعون أبناءهم وبناتهم لشدة فقرهم وحاجتهم. وكان للسيد الحق فى بيع من لديه من الأرقاء وأولادهم . وقد عرف الصينيون بالذكاء والحكمة والرقة والمروءة والإنسانية . فالرقيق فى الصين كان يعامل بشكل أفضل كثيرًا من نظرائهم فى أوروبا(5) .

الرق عند الإغريق
وفى أثينا كانت هناك طبقات ثلاث : المواطنون والغرباء والعبيد . ويقدر سويداس عدد العبيد الذكور وحدهم بمائة وخمسين ألفًا , معتمدًا في تقديره على خطبة منسوبة إلى هيريدس ألقيت في عام 338 ق م، وإن لم تكن موثوقًا بصحتها . ويقول أثيديوس : إن تعداد سكان أتكا الذي أجراه دمتريوس فاليريوس حوالي عام 317 ق م يقدر المواطنين بواحد وعشرين ألف، والغرباء بعشرة آلاف، والأرقاء بأربعمائة ألف. ويقدر تيموس عبيد كورنثة بأربعمائة وستين ألفًا - حوالي عام 300 ق م - ويقدر أرسطو- - عبيد إيجينا بأربعمائة وسبعين ألفًا - حوالي 340 ق م- ولعل السبب في ضخامة هذه الأعداد أنها تشمل العبيد الذين كانوا يعرضون للبيع عرضًا مؤقتًا في أسواق الرقيق القائمة في كورنثة ، وإيجينا وأثينا .
وهؤلاء العبيد إما أسرى حرب ، أو ضحايا غارات الاسترقاق ، أو أطفال أنقذوا وهم معرضون للهلاك في العراء ، أو أطفال مهملون، أو مجرمون . وكانت قلة منهم في بلاد اليونان يونانية الأصل ؛ وكان الهيليني يرى أن الأجانب عبيد بطبعهم, لأنهم يبادرون بالخضوع للملوك ، ولهذا لم يكن يرى في استعباد اليونان لهؤلاء الأجانب ما لا يتفق مع العقل؛ لكنه كان يغضبه أن يسترق يوناني!! . وكان تجار اليونان يشترون العبيد كما يشترون أية سلعة من السلع، ويعرضونهم للبيع ، في طشيوز، وديلوس، وكورنثة، وإيجينا، وأثينا، وفى كل مكان يجدون فيه من يشتريهم. وكان النخاسون في أثينا من أغنى سكانها، وكان من المألوف في ديلوس أن يباع ألف من العبيد في اليوم الواحد، وأن يساوم على شرائهم في أي وقت من الأوقات، وعرض سيمون بعد معركة يوريمدون عشرين ألفًا من الأسرى في سوق الرقيق. وكان في أثينا سوق يقف فيه العبيد متأهبين للفحص وهم مجردون من الثياب ، وكان ثمن العبد يختلف من نصف مينا إلى عشرة مينات (من 50 دولارا أمريكيًا إلى ألف دولار) . وكانوا يشترون إما لاستخدامهم في العمل مباشرة، أو لاستثمارهم؛ فقد كان أهل أثينا الرجال منهم والنساء يجدون من الأعمال المربحة أن يبتاعوا العبيد ثم يؤجروهم للعمل في البيوت أو المصانع، أو المناجم. وكانت أرباحهم من هذا تصل إلى 33 في المائة. وكان أفقر المواطنين يمتلك عبدًا أو عبدين، ويبرهن إسكنيز على فقره بالشكوى من أن أسرته لا تمتلك إلا سبعة عبيد!! وكان عددهم في بيوت الأغنياء يصل أحيانًا إلى خمسين ، وكانت الحكومة الأثينية تستخدم عددًا منهم في الأعمال الكتابية وفى خدمة الموظفين، وفى المناصب الصغرى، وكان منهم بعض رجال الشرطة .
أما في الريف فكان العبيد قليلي العدد، وكانت كثرة الرقيق من النساء الخادمات في البيوت . ولم يكن الأهلون في شمالي بلاد اليونان وفى معظم الپلپونيز في حاجة إلى العبيد لاستغنائهم عنهم برقيق الأرض. وكان العبيد في كورنثا, ومجارا، وأثينا يؤدون معظم الأعمال اليدوية الشاقة، كما كانت الجواري يقمن بمعظم الأعمال المنزلية المجهدة، ولكن العبيد كانوا فوق ذلك يقومون بجزء كبير من الأعمال الكتابية وبمعظم الأعمال التنفيذية في الصناعة والتجارة والشئون المالية. ولم يكن هناك عبيد علماء كما في العصر الهلنستي وفى روما. وقلما كان يسمح للعبد بأن يكون له إناء ، لأن شراء العبد كان أرخص من تربيته، وكان العبد إذا أساء الأدب ضُرب بالسوط، وإذا طلب للشهادة عُذّب، وإذا ضربه حرّ لم يكن له أن يدافع عن نفسه ، لكنه إذا تعرض للقسوة الشديدة كان له فقط أن يفر إلى أحد الهياكل)!!. (6)
وكان فلاسفة اليونان يجاهرون بتأييدهم للرق !! ويرى أفلاطون أن العبيد لايصلحون لأن يكونوا مواطنين !! وعليهم فقط لزوم الطاعة العمياء لسادتهم أحرار أثينا !!.ولا ندرى أية مدينة فاضلة تلك التي يكون ثلاثة أرباع سكانها من العبيد!! أما تلميذه أرسطو فهو يرى أن بعض الناس خُلِقُوا فقط ليكونوا عبيدًا لآخرين!!! وبعضهم خُلِقُوا ليكونوا سادة، وهم الأحرار ذوو الفكر والإرادة والسلطان. فالعبيد خلقوا ليعملوا كأنهم آلات، والأحرار خُلِقُوا ليفكروا ويلقوا الأوامر لينفذها العبيد !! ويجب في رأى أرسطو أن يستمر هذا الاستعباد حتى يتوصل الإنسان إلى صنع آلات معدنية تحل محل الرقيق !! ومثل هذه الأفكار الشاذة لهؤلاء الفلاسفة - رغم عقولهم الجبارة- تثبت حاجة البشر إلى وحى السماء، وأن من اعتمد على العقل فقط فقد ضلّ.
وفى بلاد اليونان كان العبيد يعملون خدمًا في البيوت، ولا يسمح لهم بأن يكونوا كهنة في المعابد كما يؤكد بلوتارك المؤرخ اليوناني المعروف .
وقد اعتاد قدماء الإغريق السير في البحار، وخطف من يجدونه من سكان السواحل. وكانت قبرص وصفاقس وسامس و غيرها من المستعمرات اليونانية أسواقًا كأثينا يباع فيها الأرقاء ويشترون. وكان العبيد يعملون لمواليهم ، ويدفعون لسادتهم مقدارًا محددًا من المال كل يوم . وكان في كل منزل بأثينا عبد للقيام بالخدمة ، مهما كان صاحبه فقيرًا ، وكان المولى حرّ التصرف فيمن يملكهم من عبيد .
وكان الرقيق إذا أخطأ عوقب بالجلد بالسوط ،وكلف بالقيام بطحن الحبوب على الرحى ، وإذا هرب كوى على جبهته بالحديد المحمى في النار !!

الرق عند الرومان
إن تاريخ العبودية لدى الرومان هو- بحق- صفحات حالكة السواد في سجل البشرية، ولا سبيل أمام المستشرقين سوى الاعتراف به بدلاً من الافتراء على الإسلام.
فقد كان الرومان يحصلون عادة على الأرقاء من أسرى الحروب، وأولاد العبيد، وأولاد الأحرار الذين حكم عليهم القانون بأن يكونوا عبيدًا ، كالمدينين الذين صعب عليهم الوفاء بديونهم. وكان ثلاثة أرباع سكان الإمبراطورية الرومانية من الرقيق! وفى أثناء الحرب كان النخاسون الذين يتجرون في الرقيق يلازمون الجيوش، إذ كان الأسرى يباعون بأثمان زهيدة. و كان النخّاسون من الرومان يسرقون الأطفال ويبيعونهم ، ويسرقون النساء للاتجار بأعراضهن .
وكان الرقيق في روما يقف على حجر في السوق، ويدلل عليه البائع، ويباع بالمزايدة. وكان الراغب في الشراء يطلب أحيانًا رؤية العبد وهو عريان لمعرفة ما به من عيوب !!
وكان هناك فرق كبير في الثمن بين العبد المتعلم والعبد الجاهل، وبين الجارية الحسناء والجارية الدميمة. وكانت الجارية الحسناء تباع بثمن غال، ولهذا انتشر الفساد الخلقي، وانتشرت الرذيلة في روما. وكان الاتجار بالجواري الجميلات من أسباب الثراء.
وكان الأرقاء قسمين : قسم ينتفع به في المصالح العامة كحراسة المباني، والقيام بأعمال السجّان في السجن، والجلّاد في المحكمة للمساعدة في تنفيذ حكم القاضي، وحال هذا النوع أحسن من سواهم، وقسم ينتفع به في المصالح الخاصة كالعبد الذي يتخذه مولاه لقضاء الأعمال في البيت والحقل، والجارية التي يخصصها سيدها لتربية الأولاد .
وكان القانون ينظر إلى الرقيق كأنه لا شيء ، ليست له أسرة، ولا شخصية، ولا يملك شيئًا. والعبد وما ملكت يداه لسيده . ويتبع الرقيق أمه حين الوضع، فإذا كانت حرّة كان حرًّا ، وإذا كانت رقيقة كان رقيقًا .
وكان لمالك الرقيق الحرية المطلقة في التصرف في عبده كما يتصرف في الحيوانات التي يملكها(7). فإذا أخطأ العبد عاقبه سيده بأية وسيلة شيطانية تخطر له على بال ! فكان يقيده بالسلاسل ويكلفه مثلاً بحرث الأرض وهو مكبّل بالحديد، أو يجلده بالسياط حتى الموت ، أو يعلقه من يديه في مكان مرتفع عن الأرض وهو يربط أثقالاً برجليه حتى تتفسخ أعضاء جسمه !! أو يحكم عليه بمصارعة وحوش كاسرة – كالأسود والنمور – تم حبسها وتجويعها أيامًا طوال كي تكون أشد افتراسًا وفتكًا بالعبيد البائسين الذين قُدّر عليهم أن يلقوا حتفهم بهذا الأسلوب الذي يقشعر له بدن الشيطان !
ولم تكن هناك أية عقوبة في القانون الروماني تُطبّق على السيد الذي يقتل عبده أبدًا. فالقانون كان ينص على أن العبد هو أداة ناطقة !! وكانوا يعتبرون الرقيق مجرد "أشياء" وليسوا بشرًا ذوى أرواح وأنفس !! وكان منظرًا عاديًا لديهم أن يشاهدوا جثثًا مصلوبة على جذوع الأشجار لعبيد شاء سادتهم المجرمون شنقهم، أو تعليقهم هكذا بلا طعام ولا شراب حتى الموت ، أو حرقهم أحياء ، أو إجبارهم على العمل الشاق وأرجلهم مقيدة بالسلاسل عراة تحت أشعة الشمس الحارقة !! وكانت الفقرة المحببة لدى الرومان في الأعياد والمهرجانات هي المبارزات الحية بكل الأسلحة الفتَّاكة بين العبيد حتى يهلك الأعجل من الفريقين !! وتتعالى صيحات المجرمين الرومان إعجابًا أو تلتهب الأكف من التصفيق الحاد حين يتمكن أحد العبيد من تسديد طعنة نافذة في جوف القلب تقضى على غريمه !
ويقول م.ب تشارلز ورث في كتابه "الإمبراطورية الرومانية" : (كان هناك - دون شك – الحاكمون بأمرهم ، فقد أصر سيد على أن يقف العبيد حول المائدة صامتين ، وكان يعاقب من يسعل منهم أو يعطس بالجلد !! واعتادت إحدى السيدات أن "تعض" جواريها في نوبات غضبها ، وكانت أخريات يأمرن بجلد الجارية إذا لم تُحسن تصفيف شعر سيدتها !! وألقى أحد العبيد المعذّبين بنفسه من فوق سطح المنزل, فخرّ صريعًا, هربًا من السباب وإهانات سيده المتوحش، وطعن أحد العبيد الهاربين من الجحيم نفسه حتى الموت حتى لا يعود إلى الرق مرة أخرى. ومثل هذه الحوادث كثير (8).
وكان من الطبيعي أن تندلع ثورات عارمة احتجاجًا على وحشية السادة الرومان تجرى فيها دماء الطرفين أنهارًا ، لكنها للأسف كانت تنتهي بمقتل جميع العبيد الثائرين، والويل لمن يبقى حيًّا حتى ممن لم يشاركوا في التمرد !
ومازلنا نذكر الأعمال الفنية الرائعة التي خلدت ثورات العبيد المطحونين ، ومن أشهرها فيلم "سبارتاكوس محرر العبيد" وغيرها، وكذلك العشرات من الكتب والأبحاث العلمية والتاريخية التي دوّنت فظائع الاستعباد في أوروبا. والعجيب أن أولئك الذين يتطاولون على الإسلام يعتريهم الخرس التام ، ولا يعلّقون ببنت شفة على تاريخ آبائهم الأسود بهذا الصدد ! .

القرون الوسطى
في القرون الوسطى كان الأرّقاء في فرنسا وإيطاليا والجزر البريطانية وأسبانيا القديمة – يكلفون بالأعمال الزراعية من حرث وزرع وحصد؛ لأن الأعمال اليدوية في نظرهم كانت محتقرة لا يقوم بها الأحرار !! وكان الأرّقاء في ألمانيا يقدمون إلى سادتهم مقادير معينة من القمح أو الماشية أو الملابس . وكان لكل عبد مأوى يقيم فيه ، ويدبر أحواله كيف يريد .
وكان الفرنج – وهم الألمان الذين يقيمون على جانبي نهر الراين الأسفل – يعاملون الأرّقاء أقسى معاملة ، فإذا تزوج حرّ رقيقة صار رقيقًا مثلها، وإذا تزوجت حرّة رقيقًا أصبحت رقيقة، وفقدت الحرية التي كانت تتمتع بها .
وفى لمبارديا كانت الحرة إذا تزوّجت رقيقًا حكم عليهما بالإعدام .
ولدى الأنجلوسكسون – وهم الأمم الجرمانية التي تناسل منها الانجليز – كان الأرقاء ينقسمون قسمين : قسم كالمتاع يجوز بيعه ، وقسم كالعقار يقوم بحرث الأرض وزرعها ، ويباح لهم جمع مال يدفعونه لسادتهم .
وكانت نظرة الأوروبيين إلى العبيد حتى القرن التاسع عشر أنهم لا روح لهم ولا نفس ، ولا إرادة . فإذا اعتدى زنجي على سيده أو على حر من الأحرار ، أو سرق أي شيء كان القتل جزاءا له .
وإذا هرب عوقب بقطع أذنه في المرة الأولى، وكوى بالحديد المحمىِّ في المرة الثانية ، وقتل في الثالثة . وإذا قتل المالك رقيقه فللقاضي الحق في أن يحكم ببراءة المالك !
ولا يجوز لغير البيض كسب العلم والمعرفة . وكان القوط يحكمون على الحرّة التي تتزوج من عبد بالحرق معه !! وفى قوانين قبائل الأسترغوط يحكمون بالقتل على الحرة التي تتزوج بعبد(9) وأولادهم جميعًا يسترقون إن حدث إنجاب قبل قتلهم .

التزامات رقيق الأرض
كان وجود رقيق أمرًا سببه نشوء النظام الإقطاعي الذي تبلور في صورته المعروفة بأوروبا في القرن التاسع ، وبلغ ذروته إبان القرون الوسطى، وتحديدًا في القرن الثالث عشر . وكان الرقيق يمثلون الأغلبية الساحقة من سكان أوروبا باستثناء الملوك والنبلاء ورجال الدين .
بدأ نظام الإقطاع بمنح الملوك والأمراء مساحات من الأراضي لمن يدينون لهم بالولاء ، مدى حياتهم ثم أصبح ذلك أمرًا وراثيًا ، فأمير الإقطاعية هو الحاكم المطلق في إقطاعيته ، هو المالك لكل شيء والباقون عبيد ، ولا يملكون الانتقال من إقطاعية إلى إقطاعية .
ولم تكن مساوئ النظام الإقطاعي في الجانب المالي فحسب ، بل كان للإقطاعي سلطات أخرى . والمدهش حقًا هو تلك القائمة الطويلة من الواجبات التي يؤديها الرقيق للمالك ، فضلا عن خضوعه المطلق لسلطته وارتباطه المحكم بإقطاعيته و منها:
1- ثلاث ضرائب نقدية في العام .
2- جزء من محصوله وماشيته .
3- العمل سخرة كثيرًا من أيام السنة !.
4- أجر على استعمال أدوات المالك في طعامه وشرابه .
5- أجر للسماح بصيد السمك أو الحيوان البرى ! .
6- رسم إذا رفع قضية أمام محاكم المالك ! .
7- ينضم إلى فيلق المالك إذا نشبت حرب .
8- يفتدى سيده إذا أُسر .
9- يقدم الهدايا لابن المالك إذا رُقى لمرتبة الفرسان.
10- ضريبة على كل سلعة يبيعها في السوق ! .
11- لا يبيع سلعة إلا بعد بيع سلعة المالك نفسه بأسبوعين ! .
12- يشترى بعض بضائع سيده وجوبًا .
13- غرامة إذا أرسل ابنه ليتعلم أو وهبه للكنيسة !! .
14- ضريبة مع إذن المالك إذا تزوج هو أو أحد أبنائه من خارج الضيعة !.
15- حق الليلة الأولى وهى أن يقضى السيد مع عروس رقيقه الليلة الأولى!! وكان يسمح له أحيانًا أن يفتديها بأجر، وقد بقى هذا في بافاريا إلى القرن الثامن عشر ! .
16- المالك هو الذي يرث كل ممتلكات الرقيق إذا مات .
17- ضريبة سنوية باهظة يدفعها الرقيق للكنيسة ، وأخرى يدفعها للقائد الذي يتولى الدفاع عن المقاطعة .

يتبع>
رد مع اقتباس