عرض مشاركة واحدة
  #26  
قديم 11-05-2007, 04:14 PM
الاسير محمد نعناع الاسير محمد نعناع متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 35
افتراضي

جزء اخر

ضوء الحرية يشع
-----------
في اليوم الثامن والعشرون من اقامتي في هذا المهجع الذي لايرى الشمس نودي على بعض اسماء الاسرى واسماء بعض المساجين ومن ضمن هذه الاسماء كان اسمي ايضا" ... طلب منا أن نذهب لكي نستلم الأمانات التي وضعناها قبل دخولنا الى محطة المحطات ... ففعلنا ذلك ونحن متجمعون أمام أحد الابواب ننتظر بفارغ الصبر ( اطلاق سراحنا ) ... نودي على اسمي وعلى اسمين آخريين من أسماء رفاقي الاسرى ونودي أيضا"على اسمين من المساجين ... ووضعوا الاصفاد في أيدينا ... كنا خمسة أشخاص ... ثلاثة من الاسرى واثنين من المساجين العسكريين ...

ادخلوني الى غرفة فيها محقق فابتدرني قائلا" : أنت مع ياسر عرفات أم مع أبو موسى ... وكان الاخير قد انشق عن منظمة فتح بمساعدة القوات السورية خلال عام 1983 وكنا قد سمعنا بهذه الاخبار ونحن في المعتقل وانا لاأعرف ( ابو موسى ) هذا ... كرر المحقق نفس السؤال : أنت من أنصار عرفات أم من أنصار أبو موسى ... فقلت له : أنا لاأعرف ياسر عرفات ولاأعرف أبو موسى وعندما تطوعت مع الفدائية كان هدفي فلسطين وتحرير فلسطين وأنا لايهمني الاشخاص ولا الأسماء ... فقال المحقق : ان جوابك هذا هو ( حنكة ) منك ... فمن أين تعلمت هذا الكلام ... فقلت له : اذا أردت أن تتعلم فاذهب الى معتقل انصار ... فقال : لماذا لا تتطوع في الجيش العربي السوري ... فقلت له : انكم لا تحاربون وأضفت بما معناها ( انكم تقولون أكثر مما تفعلون كرعد بدون مطر ) ... فنهرني ... فلم أكترث ... فقال : اذا أطلقنا سراحك هل ستتطوع مرة اخرى مع الفدائية ... فقلت له : نعم ... فقال : واذا منعناك عن السفر خارج البلاد ... فقلت له : أهرب من الحدود ....

هز رأسه مبتسما" ومتعجبا" ومعجبا" بصراحتي هذه وقال : اذهب ( الله معك وليحفظك الله ذخرا" للوطن ) ... لم أتحرك من مكاني فقد كنت أنظر اليه ونفسي حائرة بأسئلة تبحث عن أجوبة ... فقال لي : مابك ...؟ قلت له : أريد أن أسئلك سؤالا" فقال " اسأل ... قلت : لماذا هذا القيد في يدي ...!! قال : سنسلمك للشرطة العسكرية قلت : لماذا ...؟ قال : انك متخلف عن استلام دفتر خدمة العلم ومتخلف أيضا" عن الخدمة العسكرية نفسها ... قلت : ماهذه النكتة الساخرة ... !!! هل تمزح معي ... قال : ( لاوالله ) ... قلت ساخرا" : ( الحق معكم والله - لازم الاسرائيلية لما صار وقت تسليم دفتر خدمة العلم لازم كانوا يتركوني اجي استلم الدفتر وأرجع لعندون - ولازم كمان لما صار وقت خدمتي في الجيش لازم كمان يعطوني اجازة من الاسر مشان اجي اخدم في الجيش واتسرح وبعدين ارجع اروح اكمل بقية الاسر - كلامك مذبوط - الحق مو عليكون - الحق ع الاسرائيلية اللي ما تركوني ) ... فقال المحقق : أنا أتفهم قولك هذا ولكني أنفذ الأوامر وهذا هو الروتين ... فكل مواطن متخلف عن الجيش يسلم للشرطة العسكرية وأنا لاأستطيع أن أساعدك فقلت له : ان الله هو الذي يساعد الجميع وودعته وانصرفت الى رفاقي المنتظرين خارج غرفة التحقيق ...

لقد كنا نحن المقيدون الثلاثة من الاسرى متخلفون عن خدمة العلم وكان هناك اثنان آخران مقيدان ايضا" من المساجين الفارين من خدمة العلم سوف يشاروكوننا رحلتنا بالذهاب الى مقر الشرطة العسكرية في القابون وكانوا يعرفون بأننا كنا اسرى حرب لدى اسرائيل ...

وصلنا نحن المتخلفون عن خدمة العلم الى مقر الشرطة العسكرية وادخلونا الى غرفة المسؤول عن المساجين الذي يتم فيها التسليم والتوقيع ... وقع المساعد على ورقة كان قد قدمها له أحد عناصر الامن بأنه استلم منه خمسة افراد متخلفون وهاربون من خدمة العلم ... انفرد بنا مساعد الشرطة العسكرية نحن الخمسة بعد أن ذهبوا عناصر الامن فقال صارخا" : ( يالله ولاك - انت واياه - اشلحوا تيابكن مشان نفتشكن ) ... سمع السجينان الاثنان المرافقان لنا كلام المساعد وبدأوا بقلع ثيابهم ... فقد كانوا يعرفون ما معنى ( الشلح والتفتيش ) في مقرات الشرطة العسكرية ... فقد كانوا من زواره الدائمين بسبب هروبهم المتكرر من خدمتهم في قطعاتهم العسكرية ... ففي ثوان قليلة كانوا ( كطرزانيين ) في غابة من غابات افريقيا ... وأما نحن الاسرى الثلاثة لم نحرك ساكنا" وكنت قد رفعت يدي ( لأفك ) زر من أزرار القميص الذي ارتديه ... فانزعج المساعد مني وقال : ( اشو ولاك ما بتعرف اصول العسكرية - يالله شلاح ) ... جمدت في مكاني وأردت أن أبكي فخانتني الدموع ... وكنا نحن الاسرى قد أخذنا على أنفسنا عهدا" بأن لانقول لأحد بأننا اسرى ... مددت يدي ببطئ شديد لاحل الازرار من قميصي ... عندها قال أحد السجينين موجها " كلامه للمساعد : ( سيدي هدول ما هنا عساكر - هدول اسرى حرب كانوا عند الاسرائيلية ) ... اندهش ذلك المساعد كما اندهش غيره كثيرين عندما سمع هذا الكلام ... فااعتذر مباشرة على ( قلة أدبه ) معنا وقال : وقال الكثير ... الكثير ... ومن جملة ماقاله : ان مكانكم ليس هنا .... !!!!!!!!

ان السلاح الذي كنا نحمله كان يحمينا ... ان سلاحنا كان لايقاوم من قبل الذين يسمعون به ... فكلمة ( اسير حرب ) عندما تقال في السجون السورية تثير الشعور بالقومية والوطنية وتثير الشعور بالاعجاب والاستعجاب أيضا" ... ففي هذه الكلمة ( السلاح ) كان المساجين يفتحون لنا خزائن مأكولاتهم وتبغهم وقلوبهم ويجلسونا الى جانب زعماء مهاجعهم ... وأي شيئ تطلبه في هذه السجون تجده حتى أذا أردت أن ( تحشش ) فاالحشيش موجود ...

عندما أطلقت اسرائيل سراحنا كنا لا نمتلك المال فنحن ( مفلسون ) لا نملك قرشا" واحدا" لأن جنودهم سرقوا جميع ما نملك من أموالا" وحاجيات ...
كنا لا نملك الا كرامتنا عندما اطلقت اسرائيل سراحنا ... وعندما دخلنا الى الوطن لم يجدوا شيئ يسرقوه الا كرامتنا ... ؟؟؟!!!
سرقوها في سجونهم المعدة خصيصا" لاهدار واهانة وسرقة الكرامة ...
لم يعد هناك شيئ نملكه لكي نبكي عليه ... فلا مال ولا كرامة ولا( وطن )...
وهاهم بعض المساجين التعساء أمثالنا يعطفون علينا وعوضوننا بعض ما سلب منا ...

أمضينا نحن الاسرى الثلاثة ليلة واحدة في مهجع من مهاجع الشرطة العسكرية في القابون ... كنا نضحك في بعض الاحيان على دعابة يرويها لنا احد المساجين ... ونبكي تارة اخرى عندما نتذكر ما نحن فيه ...
أصبح الله علينا باالصباح وكان علينا أن نستعد لرحلة ثانية

جاءت سيارة الشرطة العسكرية الكبيرة ... فصعدنا اليها نحن الاسرى الثلاثة وبعض المساجين الآخرين
وابتدأت الرحلة الى حمص ...

والى جزء أخر

وتصبحون على وطن

اخيكم الاسير محمد نعناع
رد مع اقتباس