عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 10-01-2010, 02:19 PM
أم بشرى أم بشرى غير متواجد حالياً
مدير عام المنتديات
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: الجزائر
المشاركات: 9,555
افتراضي

[SIZE="5"][COLOR="Red"]تابع [/COLOR]

2-(ب) وأما مكانة البيان من البلاغة : فتكمن في وجود المطابقة التي هي: عماد البلاغة؛ إذ إن هذه الألوان البيانية تستدعيها المقامات، وتتطلبها الأحوال؛ فالإفصاح في موضع الإفصاح، والكناية في موضع الكناية ، والاستعارة في موضع الاستعارة، والمجاز في موضع المجاز؛ فهذه الألوان تمثل وجوها تتحقق بها المطابقة؛ فيبدو الكلام بليغا بوجود تلك المطابقة.
وإذا كان السكاكي قد فصل علم المعاني عن البيان لملاحظة أدركها في ثمرة كل من العلمين؛ فإن الغرض من علم المعاني: هو الاحتراز عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره، كما أن موضوعه: البحث في اللفظ العربي من هذه الجهة التي توصل إلى تلك الغاية.
فعلم المعاني عنده: هو معرفة خواص تراكيب الكلام، أما علم البيان فهو معرفة صياغات المعاني؛ ليتوصل بها إلى توفية مقامات الكلام حقها؛ وذلك احترازا عن التعقيد المعنوي، فإن علم البيان عند السكاكي يتوقف على علم المعاني؛ ذلك أن علم البيان: هو معرفة إيراد الكلام بطرق مختلفة في الوضوح بعد مراعاة المطابقة لمقتضى الحال، ومعنى ذلك أن الأديب شاعرا أو ناثرا إذا أراد أن يصوغ معنى، فيعمد إلى تشبيه أو مجاز أو كناية، فهو حينئذ يكون قد أخذ بجزء من علم البيان، فإذا راعى أن هذا الأداء يطابق مقتضى الحال كان آخذا بالعلم كله؛ وعلى ذلك فالنظر في هذه الصور البيانية: (التشبيه، المجاز، الكناية) من زاويتين:
أولاهما: أنها صور يعبر بها عن المعاني.
ثانيهما: أنها تطابق أو لا تطابق.
والنظرة الثانية هي: موضوع علم المعاني، والنظرتان معا هما: موضوع علم البيان.
ومن هنا قالوا: "إن علم المعاني من البيان بمنزلة المفرد من المركب ، لأن رعاية المطابقة لمقتضى الحال التي هي مرجع علم المعاني معتبرة في علم البيان مع زيادة شيء آخر وهو: إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة، ولما كان المفرد مقدما طبعا على المركب كان المركب متأخرا وضعا عن المفرد، ولهذا وضع علم البيان بعد علم المعاني" ، والسكاكي يقرر كذلك: "أنه لما كان علم البيان شعبة من علم المعاني لا تنفصل عنه إلا بزيادة اعتبار جرى منه مجرى المركب من المفرد لا جرم آثرنا تأخيره" .
وتعبير السكاكي بأن: علم البيان شعبة من علم المعاني يوضح مدى الصلة القوية بين العلمين.
وهذا المعنى نراه جليا واضحا عند الإمام عبد القاهر الجرجاني؛ فيقول في معرض كلامه عن الغرض الذي ابتدأه وهو: التوصل إلى بيان أمر المعاني كيف تتفق وتختلف؟.
"وأول ذلك وأولاه وأحقه بأن يستوفيه النظر ويتقصاه القول على التشبيه، والتمثيل، والاستعارة؛ فإن هذه أصول كثيرة كان جل محاسن الكلام - إن لم نقل كلها - متفرعة عنها، وراجعة إليها، وكأنها أقطاب تدور عليها المعاني في متصرفاتها، وأقطار تحيط بها من جهاتها.." .
كما ترى الإمام في كلامه عن النظم، وإعجاز القرآن الكريم يقول: "إن الأمر يقتضي دخول الاستعارة ونظائرها فيما هو به معجز؛ وذلك لأن هذه المعاني التي هي: الاستعارة، والكناية، والتمثيل وسائر ضروب المجاز من بعدها من مقتضيات النظم، وعنها يحدث، وبها يكون .." .
ولعل كلام الإمام هذا هو الذي أوحى إلى السكاكي بأن يقول: "إن علم البيان شعبة من علم المعاني …الخ، على أن السكاكي لم يسلم من اعتراضات بهاء الدين السبكي المتوفى 773هـ فيقول: "ثم لا نسلم أن علم البيان يتوقف على معرفة علم المعاني؛ لجواز أن يعلم الإنسان حقيقة التشبيه، والكناية، والاستعارة وغير ذلك من علم البيان ولا يعلم تطبيق الكلام على مقتضى الحال، فليس علم المعاني جزءا من البيان ولا لازما له، وأن تطبيق الكلام على مقتضى الحال كالمادة، وهذه الطرق كالصورة، والمادة ليست جزءا للصورة .." .
وكلام البهاء هذا يصور مدى الفصل بين العلمين عند المتأخرين، وهذا مسلك جرّ على البلاغة انفصالا بين مسائلها المتشابكة، وقضاياها المترابطة؛ فلا مندوحة لقبوله! إذ المطابقة واجبة في كل ألوان البلاغة وفنونها.
ومن المشهور عند أصحاب الاتجاه السكاكي في البلاغة أنك إذا نظرت إلى أسلوب من جهة وجود المطابقة أو عدمها فأنت تسلك طريق علم المعاني، ولو نظرت هذه النظرة إلى الألوان البيانية كنت صادرا في بحثك عن هذا العلم، وكذلك لو نظرت إلى المحسنات البديعية؛ فإن مردّ الحسن الثابت للبديع إلى ارتباط هذا الحسن باقتضاء المعنى له، واستدعاء المقام له؛ فحيث يقتضي المعنى يكون اللون الذي يناسبه ؛ ومن ثم شاع بين علماء البلاغة أن المحسن البديعي إذا اقتضاه المقام صار من علم المعاني؛ لمراعاة المطابقة.
وإذن فالمطابقة تتحقق في الألوان البيانية، والأصباغ البديعية إذا اعتبرها الباحث في نظرته، ولا أعتقد أن باحثا ما لا يملك أن يتجاهل المطابقة؛ فإنه بدونها لن يصل إلى التعرف على بلاغة الأساليب.
وحسنا ذهب بعض النقاد المعاصرين إلى نقد من يقصر المطابقة على علم المعاني فقال: "وهنا يتبين الخطأ في قصر تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره على مسائل علم المعاني؛ فإن الحق أن ذلك شامل لفنون البلاغة جميعا .." ، ويقول: "والواقع أن دائرة المطابقة لمقتضى الحال أوسع من هذه الدائرة بكثير، ولا تقف عند تلك المباحث الثمانية المشهورة التي ذكروها في علم المعاني؛ فإن مجالات هذه المطابقة كثيرة .." .
ولا شك أن هذا الاتجاه لتعميم المطابقة الشاملة في فنون البلاغة الثلاثة هو المنهج الأقوم الذي أرساه من قبل الأقدمون من علماء النقد والبلاغة، وما أحوج الدرس البلاغي المعاصر إليه؟!!
وبعد فإن مكان البيان من البلاغة يتوقف على مدى وفاء اللون البياني بالمقام الذي سيق له، وما يكتنف الصور البيانية من قيمة ذاتية تخلع على الكلام حسنا وجمالا، وتكسبه روعة وجلالا، وتشيع الضياء والرونق في كل نظم تحتويه، وتمنحه الصحة والقوة بكل ما تمثله من قيمة ذاتية، وتضمن له الحيوية المتجددة فلا يسقط على مر العصور..
وعلى الله قصد السبيل.[/
SIZE]

- انتهى / منقول مع بعض التصرف
رد مع اقتباس