عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 05-01-2012, 08:45 AM
saydsalem saydsalem غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Dec 2011
المشاركات: 1,070
Thumbs up

المسيحية في الجزيرة العربية قبل الإسلام:







في العصر الجاهلي كانت النصرانية منتشرة في نجران وغيرها ويظهر أن نجران كانت أهم مواطنها , وقد نكبهم ذو نواس نكبته المشهورة, ودخل الأحباش بقيادة أبرهة, فدعمت النصرانية واعتنقها كثيرون , وبنيت لها كنائس في غير مدينة. ومن أشهر كنائسها كنيسة "نجران". أما عن تنصر الكثير من أحياء العرب وقبائلهم فيشهد له المؤرخون و أهل السير عامة . يقول ابن قتيبة : أن النصرانية كانت في ربيعة وغسان وبعض قضاعة (المعارف لأبن قتيبة الدينوري). ويقول اليعقوبي في تاريخه في تنصر تميم وربيعة وبني تغلب وطيء ومذحج وبهراء وسليخ وتنوخ ولخم (تاريخ اليعقوبي). ويشهد الجاحظ بقوله :كانت النصرانية قد وجدت سبيلها بين تغلب وشيبان وعبد القيس وقضاعة وسليخ والعباد وتنوخ ولخم وعاملة وجزام وكثير بن الحارث بن كعب (كتاب الحيوان للجاحظ). وفى يثرب .. أيضا وجودا مسيحيا وانظر إلى هذه الأبيات الشعرية :
"فرحت نــصارى يثرب ويهودها لما توارى في الضريح الـمُلحد"
وهى فى : ديوان حسان بن ثابت ص 59. و تشير كتب التاريخ الإسلامي وتذكر قصصاً لتنصر قبائل عربية بكاملها لسبب أو لآخر مثل ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية من قصة فيميون - لعله فيليمون - الذي عاش في نجران وتسبب في أن يتبعه أهل نجران على دين النصرانية (البداية والنهاية 2:168).


انقسمت النصرانية في ذلك العهد إلى جملة كنائس ؛ وإن شئت فقل إلى جملة فرق, تسرب منها إلى جزيرة العرب فرقتان كبيرتان: النساطرة واليعاقبة, فكانت النسطورية منتشرة في الحيرة, واليعقوبية في غسان وسائر بلاد الشام؛ كذلك كانت هناك صوامع في وادي القرى.


ويقول أحمد أمين في كتابه "فجر الإسلام" وأهم موطن للنصرانية في جزيرة العرب كلها كان (نجران), وكانت مدينة خصبه عامرة بالسكان, تزرع وتصنع الأنسجة الحريرية , وتتاجر في الجلود وفي صنع الأسلحة, وكانت إحدى المدن التي تصنع الحلل اليمنية التي تغنى بها الشعراء , وكانت قريبة من الطريق التجاري الذي يمتد إلى الحيرة.


ويضيف د.جواد علي في "المفصل في تاريخ العرب" وأهم علامة فاصلة فرقت بين نصارى عرب الجاهلية عن العرب الوثنيين , هي أكل النصارى للخنازير , وحملهم الصليب وتقديسه. ورد أن الرسول قال لراهبين أتياه من نجران ليبحثا فيما عنده "يمنعكما عن الإسلام ثلاث: أكلكما الخنازير, وعبادتكما الصليب, وقولكما لله ولد". وورد أنه رأى (عدي بن حاتم الطائي) وفي عنقه صليب من ذهب, لأنه كان على النصرانية.


وورد في شعر ذي الرمة:
ولكن أصل امريء القيس معشر يحل لهم أكل الخنازير والخمر


يريد أنهم نصارى في الأصل, فهم يختلفون عن المسلمين في أكلهم لحم الخنزير وفي شربهم الخمر.


وكان بنجران كعبة, قال ياقوت: "وكعبة نجران هذه – يقال – بيعة, بناها بنو عبد المدان بن الديان الحارثي على بناء الكعبة, وعظموها مضاهاة للكعبة وسموها كعبة نجران, وكان فيها أساقفة معتمون", ويستظهر بعض الباحثين أنها كانت كعبة للعرب تحج إليها قبل مجيء النصرانية , ثم اتخذها النصارى بعد انتشار النصرانية فيها. واشتهر بين العرب من رؤسائها قبل الإسلام قس بن ساعدة , ويذكر أدباء العرب أنه كان أسقف نجران.


وكان على ما ذكر د. جواد علي "لكثير من المبشرين من علم ومن وقوف على الطب والمنطق ووسائل الإقناع وكيفية التأثير في النفوس , تمكنوا من اكتساب بعض سادات القبائل فأدخلوهم في دينهم , أو حصلوا منهم على مساعدتهم وحمايتهم. فنسب دخول بعض سادات القبائل ممن تنصر إلى مداواة الرهبان لهم ومعالجتهم حتى تمكنوا من شفائهم مما كانوا يشكون منه من أمراض. وقد نسبوا ذلك إلى فعل المعجزات والبركات الإلهية, وذكر بعض مؤرخي الكنيسة أن بعض أولئك الرهبان القديسين شفوا بدعواتهم وببركات الرب النساء العقيمات من مرض العقم فأولدن أولادا , ومنهم من توسل إلى الله أن يهب لهن ولدا ذكرا , فاستجاب دعوتهم, فوهب لهم ولدا ذكرا, كما حدث ذلك لضجعم سيد الضجاعمة, إذ توسل أحد الرهبان إلى الله أن يهب له ولدا ذكرا, فاستجاب له. فلما رأى ضجعم ذلك, دخل في دينه وتعمد هو وأفراد قبيلته. ومنهم من شفي بعض الملوك العرب من أمراض كانت به مثل (مارايشو عزخا) الراهب. ذكروا أنه شفي النعمان ملك الحيرة من مرض عصبي ألم به, وذلك بإخراجه الشيطان من جسده".


وقد نشرت المسيحية تعاليمها بين العرب , وأوجدت فيهم من يميل إلى الرهبنة ويبني الأديرة ؛ فهم يحدثوننا أن حنظلة الطائي فارق قومه ونسك, , وبنى ديرا بالقرب من شاطئ الفرات , ويعرف هذا بدير حنظلة , وترهب فيه حتى مات. ويذكرون أن قس ابن ساعدة "كان يتقفر القفار , ولا تكنه دار , يتحسى بعض الطعام , ويأنس بالوحوش والهوام". ويقولون في الأغاني: "إن أمية بن أبي الصلت كان قد نظر في الكتب وقرأها, ولبس المسوح تعبدا. ويذكرون أن عدي بن زيد نصح النعمان ملك الحيرة حتى حبب إليه النصرانية , ثم وضع تاجه , وخلع أطماره , ولبس أمساحه , فلزما عبادة الله في الجبال حتى مات النعمان".


ويضيف الأستاذ أحمد أمين في كتابه الرائع "فجر الإسلام" "وكان من هؤلاء النصارى شعراء كقس بن ساعدة, وأمية بن أبي الصلت , وعدي ابن زيد , وهؤلاء لهم مسحة خاصة في شعرهم عليها طابع الدين ومتأثرة بتعاليمه , تزهد في الدنيا وشئونها , وتدعو إلى النظر في الكون والاعتبار بحوادثه , وهذه الأشعار ولأن قلد أكثرها فقد أحكم تقليدها , حتى ليدلنا تقليدها على منهاج أصلها كذلك أدخلوا على العربية ألفاظا وتراكيب لم تكن تعرفها العرب , فهم يذكرون أن أمية بن أبي الصلت علم العرب (باسمك اللهم) وقس أول من قال (أما بعد), وكان أمية يستعمل في شعره ألفاظا مجهولة لا تعرفها العرب, كان يأخذها من الكتب القديمة , فمنها قوله "قمر وساهور يسل ويغمد" , وكان يسمي الله "السلطيط" وسماه في موضع آخر "التغرور".


هذا بعض ماكان من تأثير للنصرانية والنصارى على العرب أما ما ذكره د. جواد علي في "المفصل" فيقول: "نعم دخل سادات القبائل والحكام التابعون لهم في هذه الديانة , فصاروا نصارى, ولكنهم لم يأخذوا نصرانية الروم, بل أخذوا نصرانية شرقية مخالفة لكنيسة (القسطنطنية), فاعتنقوها مذهبا لهم. وهي نصرانية عدت (هرطقة) وخروجا على النصرانية الصحيحة (الأرثوذكسية) في نظر الروم. نصرانية متأثرة بالتربة الشرقية, وبعقلية شعوب الشرق الأدنى , نبتت من التفكير الشرقي في الدين و ولهذا تأثرت بها عقلية هذه الشعوب فانتشرت بينها , ولم تجد لها إقبالا عند الروم وعند شعوب أوروبه. وكان من جملة مميزاتها عكوفها على دراسة العهد القديم, أي التوراة , أكثر من عكوفها على دراسة الأناجيل".


هكذا تأثرت النصرانية بالعقلية العربية البدوية وأثرت فيها ليخرج لنا نصارى العرب بالروح والفكر العربي والديانة والأخلاق المسيحية , عاش الرهبان حياة البداوة , وعرف النصارى حياة الصعلكة , وأجادوا في كل نواحي الحياة , فنطقوا العربية شعرا وحكمة , فخرا وحماسة , وغزلا رقيقا شفافا , ليتركوا لنا تراثا عربيا أصيلا , نطلع عليه ونستمتع به إذ ندرسه فنا عربيا خالصا خطه أجدادنا العرب (نصارى كانوا أو مسلمين).

د. السيد عبدالله

المنوفية - مصر
رد مع اقتباس