عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 26-06-2008, 07:09 AM
محمــد جـاد الزغبي محمــد جـاد الزغبي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 628
افتراضي


على تلك الكلمات القوارع تربي النديم ..
وعندما أخذ مكانه الى جوار عرابي وثورة المصريين .. كان أشجع تلاميذ الأفغانى فى التعبير ..
لم يترك شرقا ولا غربا الا وخف الى المصريين فيه حاملا معه كلمات خطبه البليغه شديدة البلاغه .. والساخرة شديدة السخرية .. سخرية مريرة كفلت له أن تندفع الناس خلفه كالطوفان مطالبة بحقها المسلوب ومؤمرات الخديو وأعوانه من الدول الكبري للفتك بما حققته الأمة من انتصارات
وتندبلع الحرائق المدبرة بالقاهرة حتى يتسنى للخديو اعلان الأحكام العرفية التى تبيح له الضرب بيد الحديد على من أقضوا مضجعه وأولهم النديم ..
ومع انفجار المعركة ..
ازاداد النديم نشاطا واشتعالا وتحوت كلماته الى دموع ملتهبة تكوى قلوب الصامتين حتى هب الجميع خلفه وانطلقوا خلف عرابي فى التل الكبير لرد القوات البريطانيه عن البلاد بعد أن دعاها الخديو المتواطئ ..
وما ان يلمح النديم متهاونا حتى يهتف
" أيها المصريون ..
لا حياكم الله .. ولا نجاكم .. ما دمتم تعيشون كالسائمة .. تأكل من حشائش الأرض وتقبلون أيديكم المتشققه ظهرا لبطن
أيها المصريون ..
شموا رائحه أجسادكم .. انها نتنه ونيل الله يجري بأرضكم
استمعوا الى أنين أمعائكم .. وواديكم يملؤه الخير ..
أنصتوا الى صوت الله يلعنكم مع أنكم حفظة كتاب الله وحملة رسالته
أيها المصريون ..
لعن الله من يكره الحرية ..
لعن الله من منع عن نفسه أطيب الطعام وهى حل له
لعن الله من يقعد متفرجا ملوما محسورا
لعن الله من لا يتبعنا
"

انطلق الجيش وخلفه الشعب يمده بالعتاد والمؤن والسلاح البدائي دفاعا عن الحرية
وتحت تأثير الخيانه المعرفة التى تعرض لها جيش عرابي من البدو وتمكن " فرديديناند ديلسبس " من خداع عرابي عندما أهمه أن قناة السويس لن يستخدمها الجيش الانجليزى وهو ما لم يحدث ليواجه الجيش المصري معركة غير متكافئة وينسحب عرابي وأخاه وبعض رفاقه وفيهم النديم ويصلون الى القاهرة فجرا
ويتم لقبض على معظم قيادات الثورة التى تم قهرها وكوفئ المتواطئون على أعمالهم وانطلقت أعمال الانتقام تنال كل من ساعد وتكاتف من أجل وطنه فوقع عرابي ورفاقه بين أيديهم .. وتم نفيه ..
لم ينج من هذا المصير الا عبدالله النديم والذى استفاد من كونه خبيرا بحياة الصعاب والتشرد وما كانت بجديدة عليه
وفشلت جميع الجهود فى القبض عليه .. وفر نحو تسع سنوات كاملة لأنه لم يكن حتمل عقوبة النفي ولو ليوم واحد خارج تلك الأرض التى درج على أن أنه قطعه من طينها النبيل ..
وامتدت عشرات الأيدى تريد أن تنال النديم طمعا فى مكافأة القبض عليه

وفى المقابل امتدت مئات وآلاف الأيدى الى النديم تساعده وتشد أزره وتحميه بأرواحهم .. هؤلاء الذين بذل لأجلهم روحه واستقراره .. فحموه لتسع سنوات فشلت قوات الاحتلال فى العثور على شعرة واحدة منه
ومن أجل الأمثلة على عظمة ما فعله الندم وعظمة تأثيره ما حدث عندما التجأ الى الشيخ محمد الهمري عمدة احدى القري المصرية واسنها " العتوة " من أعمال محافظة الغربية .. والذى كتم الرجل سره فيها الا عن زوجته الصالحه
ثم مر عام وتوفي الشيخ الهمشري
فجاءت زوجته الى النديم ومعها أكبر أبنائها .. وتوجهت الى ولدها الأكبر بكلمات ان دلت فانما تدل على الأم المصرية الحقيقية
قالت الأم " يا ولدى .. هذا هو عبد الله النديم الذى رصدت الحكومة لمن يدل عليه ألف جنيه ( وهو مبلغ خرافي بمقاييس تلك الأيام )
فهل تريد أن تؤويه كما فعل أبوك أن تسلمه وتقبض المكافأة فأكون برية منك الى يوم الدين "
فرد الفتى فى صلابة " حاشا لله أن أفعل .. سترين أننى سآويه وأحافظ عليه محافظتى على عرضي وأرضي .. "



السطور الأخيرة من ملحمة النديم


وبعد تسع سنوات طويلة .. مرت ومصر واقعه تحت سنابك الاحتلال .. وقع النديم فى قبضه الحكومة .. لكن بعد أن صار حال مصر أفضل كثيرا عن تلك الأيام التى كانت فيها تئن من الألم دون أن تمتلك القدرة على الصراخ
فخلال سنوات الاحتلال وبعد ما فعله النديم ورفاقه تفجر الوعى القومى وأهمية المواطنه حتى أن الثمانين عاما التى استغرقها الاحتلال مرت عليه مرور الموت بعد طول حشرجة
انطلق الفدائيون والطلبة والنساء المختمرات فى مظاهرات وكفاح مسلح ومقاومة مسميته بلغت بريطانيا ذاتها فاهتزت من أثرها الجكومات المتعاقبة ..
وقع النديم بعد تلك السنوات التسع ..
وحملوه الى وكيل النائب العام للتحقيق فاذا به قاسم أمين الاصلاحى الشهير والذى عرف جيدا رسالة النديم وأثره فأكرم وفادته وعامله معاملة حسنة حتى الأوامر من القاهرة بشأنه ..
ونفي النديم الى يافا .. غير أن موت توفيق أتاح له العودة بعد أن أتى الوالى الجديد فأصدر أمره بالعفو عنه ..
وعاد المجاهد الكبير الى مصر ليجد أزمة مشتعله بين اللورد كرومر والخديو عباس حلمى ويستشعر النديم سكونا فى الحركة لم يعهده فى الشعب المصري بعد أن أشعلت الثورة العرابية غمار المقاومة ..
وتساءل بينه وبين نفسه هل عادت النفوس لسابق عهدها ..
غير أنه حمد الله بعد قليل على بقاء الجذوة عندما طرق بابه شاب فى مقتبل العمر متحمس ثائر ..
جاء الى النديم يرجوه أن يقص عليه القصة الحقيقية للثورة بعد أن ضاعت ملامح الكفاح بالروايات المغلوطة ..
وتأمله النديم فى صمت .. ثم سأله عن اسمه
فأجابه الفتى الثائر " مصطفي كامل "
وكان هذا الشاب هو الزعيم الشهير مصطفي كامل الذى أوقظ الحمية بعد خمودها وقلب الأمر رأسا على عقب بعد أن أوصل قضية مصر الى المحافل الدولية وكان هو بطل حادثة دنشواى الشهيرة والتى انتقم فيها مصطفي كامل للأبرياء الذين أهدر دمهم بلا ذنب جنوه .. فسقط وزير المستعمرات وصدرت الأوامربترحيل كرومر
استمع مصطفي كامل الى النديم .. ونجح النديم فى التأثير على وتشكيل عقلية الشاب الجالس أمامه
وينطلق مصطفي كامل وجيله العبقري ليؤسس الحزب الوطنى

" بالطبع هناك الحزب الوطنى الحالى ولا يمت بصلة الى الحزب الذى أسسه مصطفي كامل قديما
فما أبعد الفارق بين حزب أسسته هموم الوطن ..
وحزب ورث الاسم ويسعى لتوريث الاثم !!!
"

وعلى الرغم من أن النديم كان على أبواب عامه الخمسين وقد أدى رسالته وبلغ أمانته ..
الا أنه لم يهمد ولم يصمت ..
فأسس مجلة " الأستاذ " وكانت تختلف عن مجلته القديمة " التنكيت والتبكت " التى كانت تزاوج بين الفصحى والعامية لأن الأستاذ جاءت رصينه الكلمة بالفصحى الوقورة ..
فثار رفاق النديم القدامى على صاحبهم ودعوه الى العودة للعهد القديم ..
وعاد النديم .. ليشعلها نارا بحق ..
وبدأت الخواطر تهيج شاهدة على القدرة الفائقة لهذا المجاهد ..
وتصرخ الجرائد والصحف البريطانية وعلى رأسها التايمز التى بضرورة اسكات هذا الرجل ..
وتدخل الباب العالى " الحاكم الاسمى للأقطار العربية تحت مسمى الخلافة العثمانية "
وقام السلطان عبد الحميد باستدعائه الى استنبول وومنعه من الذهاب لمصر وقام باكرامه وتعيينه فى لجنه مستشاريه الا أن النديم يضيق بالقفص الذهبي الذى نسجه حوله السلطان فيوجه نقده اللاذع الى السلطان نفسه ويهرب منه
وعاد النديم الى مصر
ولم يلبث الا فترة قصيرة ..
ووافته المنية .. فى يوم 10 أكتوبر عام 1896 م ..

وكانت جنازته المهيبة عبارة عن محفل وطنى كامل ..
تقدمها شيخ مهيب الطلعه ..
غمرت وجهه دموعه الآسية ...
وهى ترثي بطلا قل أن يجود الزمان بمثله ..
كانت دموع الامام جمال الدين الأفغانى
رد مع اقتباس