عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 26-06-2008, 07:06 AM
محمــد جـاد الزغبي محمــد جـاد الزغبي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 628
افتراضي النديم " أسطورة مصرية "

عبد الله النديم
قطعه الطين النبيلة من أرض مصر

أمرهُ عجيب ..
هو الشعب المصري ..
ولا مفر من القول أنه من أغرب وأقدر شعوب العالم فى صفاته
وما أصدق وصف الرسول عليه الصلاة والسلام ..
حين وصف مصر بأرض الكنانه .. وأوصي عليه الصلاة والسلام أن يُـتخذ منه الجند الكثيف لأنه خير أجناد الأرض


نعم ..
خير أجناد الأرض .. أكثرهم صمودا واصرارا وعزيمة .. وقدرة على النهوض من وسط الرماد كالعنقاء اذا لاح فى الأفق أنه شعب مات .. أو استسلم
وكل من ظن بمصر أنها من الممكن أن تستجيب للنوائب فتنهار عزيمتها .. كان له ألف عذر بظنه هذا .. !!
لأن الشعب المصري تمرس على الصبر طويلا ..
حتى صار الصبر أسلوبه المعهود عبر تاريخه كله .. حتى اذا استرخت العزائم المعتدية .. هب الشعب فجأة باحدى الجذوات المتمثلة فى زعاماته التى تخرج لتقود الهمه وتثير الأمه ..
يرضخ الشعب طويلا .. حتى يأت موعد النهوض .. ولابد أن يأتى هذا النهوض على يد أحد أبطال المصرين الذى أذهلوا حروف التاريخ بعبقرية التضحية والفداء
من أيام الفراعنه .. واحتلال الهكسوس الذين استولوا على مصر قاطبة .. لكم يتبق شبر واحد فى واديها العريض الا ووضع الهكسوس بقواتهم أيديهم عليه غضبا وعدوانا ..
وفرت الأسرة الحاكمة أسرة " سيقنن رع " الى بلاد النوبة ( السودان حاليا ) وعبر السنوات الطوال تجرى الاستعدادات فى صبر خرافي وصمود وعزيمة لا تلين حتى يستعيد الجيش المصري عنفوانه وتصميمه وينفض عن نفسه غبار الهزيمة وينطلق تحت قيادة الملك " كاموس بن سيقنن رع " لتبدأ رحلة التحرير ..
وتندفع الجحافل المصرية ويستشهد فى طريق الكفاح الملك نفسه .. فيتولى القيادة ابنه القائد الشاب والداهية العسكرى " أحمس " ...
والذى يواصل القيادة محاربا ومناضلا حتى تمام تحرير العاصمة أواريس " القاهرة حاليا " ليستسلم الهكسوس وينزحوا عن أرض بلاده


وتتابع السنون والشعب المصري تنهض همته بتأثير عاملين ..
تزايد الظلم والقهر .. وخروج قيادة توحد رؤي هذا الشعب الفريد ..
وتتكرر الأمثلة عشرا ومئات المرات أيامك الرومان والبطالمة ثم تفتح مصر صدرها للعهد الاسلامى .. وتندفع الحوادث التاريخية واحدة تلو الأخرى حتى العصر الحديث ..
ويبرز عمر مكرم نقيب الأشراف ليولى محمد على الجندى الألبانى حكم مصر .. ثم تنقلب التولية الى احتكار ويبطش محمد على بكل خصومه وأولهم عمر مكرم ورفاقه ..
لكن يحسب لمحمد على النهضة التى قادها ..
ويخلفه على كرسي الحكم أبناءه عباس الذى اغتيل بأيدى خدمه ...

ثم يأتى بعده اسماعيل الذى كان عصره هو عصر النهب الأول لمصر
حيث أغرق اسماعيل نفسه فى الديون الربوية من المرابين الأوربيين تحت زعم بناء مصر وجعلها قطعه من أوربا ..بيد أن الأموال الخرافية التى استدانها الخديو لم يصرف الا القليل منها على المشروعات لتستنزف البقية الباقية فى أمور اللهو والحفلات والبذخ اللامتناهى ..
كل هذا والشعب فى أحط ألوان القهر ... حيث كان الجـُباه لا يجدون الا الشعب المصري لاشباع حاجة الحاكم الى المال
وعانى المصريون قحطا لم يسمع بمثله من قبل

وتولى الخديو توفيق حكم مصر بمساعدة البريطانيين والفرنسيين وأطاح بوالده فى واقعه خيانه شهيرة حتى أنه لم يسمح له بمجرد الموت على أرضها ..
وتتواصل الجباية ويتواصل الانهيار بمستوى المعيشة للفلاحين والبسطاء ..
وعند تلك اللحظة ..
آن للبركان أن ينفجر ليظهر أبطال هذا العد وفى مقدمتهم هذا الفريد بعصره وأوانه
عبد الله النديم الشهير بخطيب الثورة العرابية ..
فهلموا بنا الى رحابه ..

البداية


كانت البداية بحى الجمرك بالأسكندرية المصرية حيث ولد البطل المصري عبد الله النديم
عايش فساد عصر اسماعيل وقحط المصريين .. ثم تواصل مع عهد توفيق
وكان يثيره أشد ما يثيره ..
السكون والصمت المطبق من المصريين على هذا العدوان
ثم تفتح ذهنه وعقله وعاطفته على بدايات تحرك الجذوة الوطنية التى قادها أحمد عرابي الضابط الوطنى المصري ورفاقه البواسل الذين ضجوا بالفساد والافساد وبالمناصب التى بات حكرا بالجيش على غير المصريين من الجراكسة وعلى رأسهم وزير الحربية نفسه عثمان رفقي ..
اشتعلت الأمور بمصر عقب اعتقال أحمد عرابي ورفيقيه عبد العال حلمى وعلى فهمى ..
ليهب البكباشي محمد عبيد أحد رجال عرابي فيقود كتيبته ويعتقل قائده الجركسي لتنتصر الثورة العرابية أولى انتصاراتها على الاطلاق وأقواها بعد أن تم تعيين الوطنى الشهير محمود سامى البارودى وزيرا لحربية وهو الشاعر الأصيل الذى كان ربا للسيف والقلم بعد أن تزعم حركة الاحياء والبعث لاعادة الشعر العربي لجزالته المعروفه ..
وتتواصل الثورة العرابية .. فيقود أحمد عرابي الجيش المصري بكتائبه الى قصر عابدين الشهير حيث مقر الحكم ..
ويقابله على بوابته الخديو توفيق وعلى يمينه ويساره الوزيران الأجنبيان فى الحكومة وهما " كلفن " و" أوكلسن "
ويدور بين عرابي والخديو هذا الحوار التاريخى الذى هتف به عرابي ردا على كلمات الخديو المستفزة ..
" لقد خلقنا الله أحرارا .. ولم يخلقنا تراثا أو عقارا ... ووالله الذى لا اله الا هو لن نورث بعد اليوم .. "
ويخضع الخديو لمطالب الأمة ويتولى شريف باشا الشهير بأبي الدستور وزارة مصر ليصبح الدستور الذى طالب به المصريون رهن أمرهم ..
والذى صدر فى السابع من فبراير من عام 1882 م ..
وفى قلب تلك الأحداث
كان النديم قد شمر عن ساعديه وترك الهوان الذى ضرب فى صدور من حوله وانطلق بمواهبه الخرافية فى الخطابة والكتابة وتناول كل الأوضاع المزرية والأساليب الاستعبادية بالنقد والثورة عبر مجلة الطائف ثم مجلته الساخرة " التنكيت والتبكيت " وهى المجلة التى سببت صداعا دائما فى رأس السلطة وألقت بالمرارة فى حلوق الشعب المصري التى رضخ وصمت ..
ولم ينج من لسان النديم كبير ولا صغير بدء من الخديو نفسه وحتى أصغر الظالمين والمتعاونين معهم ..
وانضم الى رفاقه فى الثورة العرابية وأصبح خطيبها الأول بلا منازع ومع شجاعته التى لا تقف عند حد .. قام بالطواف شرقا وغربا يخطب بلسان يبعث الحياة فى قلب الحجر بكلمات من نار تهيج المشاعر وتوقظ النفوس التى استمرأت العبودية ..

فى قلب المعركة ..


من الذى أوقظ النديم .. ؟!
الواقع أنه اضافة الى طبيعته الأبيه وعنفوانه المدهش .. كان للمصلح الاجتماعى الفذ جمال الدين الأفغانى صاحب مجلة " العروة الوثقي " هو والاصلاحى الشهير الامام محمد عبده ..
كان لهذا الرجل تأثيرا مذهلا على المصيين عامة والنديم بصفة خاصة ..
وفى قلب القاهرة على أحد المقاهى الشهيرة كان يجلس الأفغانى يلقي بكلمات كالسياط تمزق قلوب سامعيها قبل أن تخترق آذانهم منها ..
" أنتم معشر المصريين قد نشأتم على الاستعباد وتربيتم فى حجر الاستبداد .. وتناولتكم أيدى الغزاة من فرس ورومان وأكراد ومماليك .. وكل يُعمل فى أرضكم مبضع نهمه وأنتم غافلون
أيها الفلاح الذى تشق قلب الأرض لتسنبت ما يسد الرمق .. وتترك خير أرضك منهوبا
لما لا تشق قلب ظالمك .. لماذا لا تشق قلب الذين يأكلون أتعابك
؟!! "


رد مع اقتباس